بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ فكان لاحِبًا لا لَبْسَ فيه إلا على كل مغرور مخذول، اتبع هواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم زاده ربُّنا وضوحًا وبَيَانًا فأنزل السُنة تِبْيَانًا له وتوضيحًا، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فلم يَعُدْ لمُبْتَدِعٍ بعد هذا الوضوح والبيان حُجة يُحَاجِجُ بها ربَّهُ يوم القيامة، فَيَوَدُّ يومئذ لو تسوى به الأرض ولا يكتم الله حديثا، فلك الحمد ربنا على ما أنعمت به علينا من نعمة الإسلام لك، والاستسلام لشرعك، والانقياد لوحيك، اللهم إني لا أُحصي ثَناءً عليك، أنت كما أَثْنَيْتَ على نَفسِكَ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على خَيْرِ رُسْلِ اللهِ محمدٍ النَّبيِّ ﷺ الدَّاعي إلى الهُدى، والرَّشَاد، وعلى أَبَويْهَ الكَريمَيْن إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵇، وعلى أصحَابه الكِرام البَررة، الذين ائْتمنَهُم اللهُ على حِفْظِ كتابه، وتبليغ دِينهِ إلى النَّاس كافةً، صلاةً، وسلامًا، دائمين مباركين طَيِّبَين، ما أَقَامَ أُحُدٌ مَكَانَهُ، وما أَبَسَّ عبدٌ بِلَقُوحٍ.
وبعد.
فكان مِنْ فَضْلِ اللهِ عليَّ أن وَفَّقَنِي لتحقيق كتاب «الرَّد على الجَهْمِيَّة» للإمام العلامة أبي سعيد عثمان بن سعيد الدَّارمي، وذلك بعد أن رَغَّبَ إليَّ فضيلة الشيخ أبو الفضل عبدُ السَّلام بنُ عبد الكَريم صاحب المكتبة
стр. 5
الإسلامية بالقاهرة ذلك، فلما أن طبع الكتاب، رغب إليَّ حفظه الله تعالى مرة أخرى لتحقيق الكتاب الثاني لهذا الإمام العلم ألا وهو كتاب «نقض الإمام أبي سعيد على المريسي الجهمي العنيد»، فأجبته لذلك، شاكرا له ثقته في مثلي.
وكتابا المصنف من أفضل ما صُنِّف في هذا الموضوع، بحيث إن المصنف قد حاجج هؤلاء الزنادقة -الذين عطلوا صفات ربهم بالعقل وبالنقل، وبالعربية التي كانوا يجهلونها؛ فأتى على بنيانهم فخر عليهم سقف جهلهم من فوقهم، ولم يعد لهم أي حجة يحتجون بها، واستنبط لهم رحمه الله تعالى من الآيات، والأحاديث الثابتة، ما يعجب له المرء مما يدل على فقه هذا الإمام ورسوخ قدمه في علوم القرآن والسنة.
ولا أريد أن أطيل في وصف الكتاب ولا في وصف المصنف فكتابه خير مخبر لك عنه.
توثيق نسبة الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب جدًا بنسبته إلى مُصَنِّفِه مما لا يدع مجالا للشَّك في ذلك، وقد نقل منه كثير من العلماء ونسبوه لمصنفه، وعلى رأس هؤلاء الذين نقلوا منه؛ شيخُ الإِسلامِ ابن تيمية، فقد نَقَل منه فقرات كاملة تجد ذلك بوضوح في كتابه القيم «درء تعارض العقل والنقل»، وكتاب «بيان تلبيس الجهمية».
كيف لا وهو أحد رواة هذا الكتاب، وكذلك تلميذه ابن قيم الجوزية في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية»، وأيضا الإمام الذهبي، في كتابيه العلو، والسير، وغيرهما.
стр. 6
موضوعه وأهميته:
ولا يخفى موضوع الكتاب وأهميته، فهو كما ذكرت من أفضل الكتب التي وصلت إلينا في موضوعه الذي هو نقض مذهب الجهمية والمعطلة، وأكتفي بذكر قول العلامة ابن القَيِّم، حيث قال:
«وكِتَابَاهُ مِنْ أَجَلِّ الكُتُب المُصنَّفة في السُّنة وأَنْفَعِهَا، ويَنْبَغِي لكل طَالبِ سُنَّة -مُرادُهُ الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة- أن يقرأ كتابَيْه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يُوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما». أهـ من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية (١/ ١٤٣).
قلت: ويعني بكتابيه؛ كتابنا هذا، وكتاب الرد على الجهمية.
ولله در ابن قيم الجوزية إذ قال في نونيته الشهيرة (١/ ٩١):
وَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ عَلَمُ الهُدَى ... عُثْمَانُ ذَاكَ الدَّارِمِيْ الرَّبَّانِي
في نَقْضِهِ وَالرَّدِّ يَا لهُمَا كِتَا ... بَا سُنَّةٍ وَهُمَا لَنَا عَلَمَانِ
هَدَمَتْ قَوَاعِدَ فِرْقَةٍ جَهْمِيَّةٍ ... فَخَرتْ سُقُوفُهُمُ عَلى الحِيطَانِ
стр. 7
وصف النسخ المعتمدة في التحقيق:
١ - الأصل الخطي:
اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على نسخة خطية وحيدة، وهي من محفوظات مكتبة كوبرلي رقم (٨٥٠) وتقع ضمن مجموع من الصفحة الأولى إلى صفحة ثمان وستين، أي في زهاء ثمان وستين ورقة، وجهان في كل ورقة، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء خمس عشرة كلمة، وهذا المجموع يحتوي على كتاب «نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد»، وكتاب «الرد على الجهمية» كلاهما للمصنف، وناسخ المجموع كله واحد وقد كتبت بخط نسخي عادي، واضح، وفي رأيي أن هذه النسخة قيمة جدًا لاسيما وفي بدايتها العديد من السماعات لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأبي الحجاج يوسف المِزِّي، وابن المُحِبِّ، ويوسف بن عبد الهادي، وغيرهم.
وقد تم الفراغ من نسخ كتاب «نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد» في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (٧٣٥) بمدرسة الحافظ ضياء الدين بسفح قَاسيُون ظاهر دمشق، جاء ذلك مكتوبًا على آخر ورقة من المخطوط.
وقد ألحق في هذا الأصل ترجمة الإمام الدارمي من تاريخ ابن عساكر، وترجمةُ كُلٍّ مِنْ بشر المريسي، وابن الثلجي، من تاريخ بغداد، فأثبتهم في آخر هذه المقدمة، والله المُوَفِّقُ.
стр. 8
٢ - مطبوعة السماري:
وهي التي طبعت في مكتبة أضواء السلف (الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م)، بتحقيق الشيخ منصور بن عبد العزيز السماري حفظه الله تعالى، وهي طبعة جيدة، أسأل الله أن يجزي محققها خير الجزاء، وقد اعتمد محققها على نسختين، خطيتين، اعتمدت أنا على واحدة منهما ولم يمكني العثور على الأخرى، فإن الشيخ منصورا لم يذكر في مقدمته مكان وجود هذه النسخة التي أشار أنه اعتمد عليها، وقد قام حفظه الله تعالى بخدمة النص خدمة جيدة فجزاه الله خيرًا، وقد أفدت من الفروق التي وجدتها في طبعته وليست في الأصل الذي اعتمدت عليه، فاتخذت طبعته نسخة أخرى واصطلحت لها الرمز «س».
وليس لى مآخذ على نشرته، غير أني وددت أن يذكر فروق النسختين اللتين اعتمد عليهما، حيث إنه لم يفعل ذلك.
٣ - مطبوعة الألمعي:
وهي التي طبعت في مكتبة الرشد بالرياض (الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ- ١٩٩٨ م) بتحقيق الدكتور رشيد بن حسن الألمعي حفظه الله، وهي طبعة جيدة كان أصلها رسالة علمية تقدم بها محققها لنيل درجة الماجستير، وقد اعتمد على ثلاث نسخ خطية ومطبوعتين، ولم أستفد منها إفادتي من سابقتها، وقد اصطلحت لها الرمز «ع»، ومن مآخذي عليها أنها خرجت في شكل الرسالة العلمية، مما جعلها تخرج في مجلدين، فقد أُسْهِبَ في حواشيها غاية الإسهاب، كحال كل الرسائل العلمية.
هذا وللكتاب طبعات أخرى لم ألتفت إليها بل اعتنيت بهاتين لتفوقهما
стр. 9
على غيرهما من الطبعات، ومن أشهر هذه الطبعات طبعة الشيخ محمد حامد الفقي.
عملي في الكتاب:
قمت بعون الله وتوفيقه بنسخ الأصل الخطي، ثم مقابلته على المخطوط مرة أخرى، مع الاهتمام والاستئناس بالطبعتين المشار إليهما، وأثبت الفروق المؤثرة، التي عثرت عليها.
ثم ضبطتُ الكتابَ بالشكل ضبطا كاملا، وذلك ما خلت منه الطبعتان المشار إليهما، مع الحاجة إلى ذلك.
واكتفيت بترقيم المتون التي أسندها المصنف فقط، دون غيرها؛ ليسهل الرجوع إليها، ففي الكتاب أسانيد لا توجد في غيره.
ثم قُمتُ بعونِ الله وتوفيقه بدراسة أسانيد الكتاب وتخريجها تخريجًا عِلميًا وسَطًا، ليس فيه إِسهابٌ، وحَكمتُ عليها بما تقتضيه قواعدُ علم الحديث، وقد استفدت جدًّا من تخريجاتي على كتاب «الرد على الجهمية» الذي حققته قبل ذلك الكتاب، ووقفت بفضل تخريجاتي هنا على جملة من الأخطاء وقعت لي هناك، فنبهت عليها في موضعها، وعليه فلو تَكَرَّرَ حديثان أحدهما في «الرد على الجهمية» والآخر في «نقض المريسي» فقولي فيه ما قلته هنا لا ما قلته هناك.
تنبيه مهم:
إِنَّ الأحاديثَ والآثارَ التي ذَكَرها المصنفُ هنا في هذا الكتاب، إنما ذكرها للاحتجاج بها على خُصُومِهِ مِنْ أعداء السُنة، ولَنْ يذكر الدارميُّ حديثًا -وهو من هو في علوم الحديث رواية ودراية، وهو تلميذ إمام هذا الشأن،
стр. 10
يحيى بن معين- إلَّا وهو مقبول عنده صالحٌ للاحتجاج، وإلا لما ذكره، ولكن قد أحكم على بعض الأسانيد التي احتج بها بالضعف، أو النكارة، وذلك بحسب ما تقتضيه قواعد علوم الحديث، ويبقى احتجاج هذا الإمام لها، واحتجاج غيره من أئمة السلف، ولذلك قال الإمامُ الذهبي تعليقًا على حديث مروي في الصفات وهو مروي هنا برقم (٩٥)، قد أَعَلَّهُ بعض العلماء على طريقة المحدثين، ألا وهو حديث الأطيط، فقال: في كتاب العرش (٢/ ١٥٣): «هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل، لكن هذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرًا له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري، وحدث به أبو أحمد الزبيري، ويحي بن أبي بكير، ووكيع، عن إسرائيل. وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب (السنة والرد على الجهمية) له، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله ابن خليفة، عن عمر ﵁، ولفظه ﴿إذا جلس الرب على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد﴾. ورواه أيضا عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﴿إذا جلس الرب على الكرسي﴾ فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها.
قلت -يعني الذهبي-: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان فلا
стр. 11
أدري أخرجه أم لا؟، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح. فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟، بل نؤمن به ونكل علمه إلى الله قال الإمام أحمد: (لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع) فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلوَن لهذا الحديث.» ا. هـ
فهذه قاعدة مهمة، بحيث لا يتطرق إلى أحد من الأغمار أن يَطْعَنَ على مثل هذا الإمام بأنه يروي أحاديث لا تصح في إثبات صفات الله ﵎، ولابن تيمية كلام يشبه كلام الذهبي تجده في موضعه من هذا الكتاب، فكن على ذكر.
وأخيرًا، ذَيَّلْتُ الكتاب بمجموعة من الفهارس الفنية ليسهل الرجوع إلى الفائدة.
وفي ختام كلمتي أود أن أتقدم بالشكر، والدعاء لكل من أعانني في إخراج هذا الكتاب، وأخص منهم أخي الفاضل الأستاذ هشام بن إبراهيم الجوجري، فقد بذل معي جهدًا في مرحلة المقابلة، فجزاه الله خيرًا.
وإنه لمن نافلة القول أن أقول: إني لا أُسَلِّمُ نفسي عن خطإ أو زَلَل، ولا أَعْصِمُ قولي عن وَهَمٍ وخَطَل، فالفَاضِل مَنْ تُعدُّ سَقَطَاتُهُ، وتُحْصَى غَلَطَاتُهُ إلا
стр. 12
بتوفيق الله وعصمته، والسالم من ذلك كتاب الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
واللهَ تَعَالى أسأل أَنْ يجعلَ عملي هذا خالصًا لوجهه، وأن يجعل تحقيقي وعنايتي لكتابٍ ذَبَّ عن صِفَاتِهِ، وتوحيده، زادًا ليومِ العَرْضِ عليه، وأَنْ يوفقني لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقني حبه، وأن يمتعني بالستر والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠ - ٤١]
والحمدُ لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
وكَتبهُ راجي عفو ربه الكريم
أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم
في الثامن من شهرذي القعدة
سَنَةَ اثْنَين وثَلاثِينَ وأَرْبَعْمائَة وأَلف
من هجرة النبي ﷺ -
стр. 13
ترجمة المصنف من تاريخ ابن عساكر
قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٦١):
عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارمي السِّجزي، نزيل هَرَاة سمع بدمشق: إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وهشام بن خالد، وحماد بن مالك الحَرَسْتاني، وبغيرها: حَيْوَة بن شريح، وأبا اليمان، ويحيى بن صالح الوحاظي، وأبا توبة الربيع بن نافع، وعبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله، ومحبوب بن موسى الفراء، وسعيد بن أبي مريم، ونعيم بن حماد، وعبد الله بن صالح أبا صالح، وعبد الغفار بن داود الحراني، وموسى بن محمد البلقاني، وفروة بن أبي المغراء، ويحيى الحماني، وأبا بكر بن أبي شيبة، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، ومحمد بن عبد الله الخزاعي، ومحمد بن المنهال الضرير، وعلي بن المديني، وأبا الربيع الزهراني، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وعمرو بن عون الواسطي، وغيرهم.
روى عنه: أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري، والمؤمل بن الحسن بن عيسى، وأبو العباس أحمد بن محمد بن الأزهر السجزي، ومحمد بن يوسف الهروي نزيل دمشق، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق القرشي الهروي.
أخبرنا أبو بكر خلف بن عطاء بن أبي عاصم النجار المعروف بالماوردي بهراة، أنا الفقيه أبو روح ثابت بن أبي محمد بن أحمد السعدي الواعظ العدل، أنا أبي أبو محمد، أنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق القرشي، أنا الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجزي، نا موسى بن إسماعيل، نا حماد يعني بن سلمة، أنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين العقيلي
стр. 14
قال: قلت يا رسول الله: أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال رسول الله ﷺ : «يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخليا به؟ قلت: بلى قال: فالله أعظم».
أخبرنا أبو الحسين القاضي إذنا، وأبو عبد الله الخلال شفاها قالا: أنا أبو القاسم بن منده، أنا أبو علي بن منده، أنا أبو علي إجازة ح قال: وأنا أبو طاهر بن سلمة، أنا علي بن محمد قالا: أنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني من ساكني هراة، روى عن أبي صالح كاتب الليث، وسعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن رجاء، ومسلم بن إبراهيم، وأبي الوليد، وأبي سلمة، وجالس أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني.
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان قال: عثمان بن سعيد السجزي كان بجرجان، وأقام بها في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، روى عنه: الحسن بن علي بن نصر الطوسي، وجماعة.
أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد الكرماني، وأبو الحسن مكي بن أبي طالب الهمداني قالا: أنا أبو بكر بن خلف، أنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا الفضل بن إسحاق وهو يعقوب القراب يقول: ما رأينا مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه على أبي يعقوب البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وتقدم في هذه العلوم -رحمة الله عليه-.
قرأت على أبي القاسم زاهر بن طاهر، عن أبي بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول: سمعت أبا حامد الأعمشي يقول: ما رأيت في المحدثين مثل محمد بن يحيى، وعثمان بن سعيد
стр. 15
ويعقوب بن سفيان، أنبأنا أبو نصر بن القشيري، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله بن أبي ذهل يقول: قلت: لأبي الفضل بن إسحاق بن محمود هل رأيت أفضل من عثمان بن سعيد الدارمي؟ فأطرق ساعة، ثم قال: نعم إبراهيم الحربي.
قال: وأنا أبو عبد الله الحافظ قال: وزادني الثقة من أصحابنا، عن أبي عبد الله محمد بن العباس، عن يعقوب بن إسحاق قال: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن من أجاب إلى خلق القرآن، قال يعقوب فأدركته المنية، ولولا ذلك لترك الحديث عن جماعة من الشيوخ.
قال أبو الفضل يعقوب بن إسحاق: ولقد كنا في مجلس عثمان بن سعيد غير مرة ومر به الأمير عمرو بن الليث فسلم عليهم فقال: وعليكم، حدثنا مسدد ولم يزد على هذا.
قرأت على أبي القاسم الشحامي، عن أبي بكر الحافظ، أنا أبو عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد الوراق يقول: سمعت أبا بكر الفسوي يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قال لي رجل من أهل سجستان ممن كان يحسدني: ماذا كنت أنت لولا العلم؟ فقلت: أردت شينا فصار زينا.
سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعت أبا معاوية يقول: قال الأعمش لولا العلم لكنت بقالا من بقالي الكوفة، وأنا لولا العلم لكنت بزازا من بزازي سجستان.
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبا بكر الخطيب يقول: سمعت محمد بن يوسف القطان النيسابوري يحكي: أن أبا الحسن الطرائفي لما رحل إلى عثمان بن سعيد الدارمي فقدم هراة دخل عليه
стр. 16
فقال له عثمان: متى قدمت هذا البلد؟ فأراد أن يقول أمس، فقال: قدمت غدا فقال له عثمان: فأنت إذا في الطريق بعد.
قرأت على أبي القاسم المُعَدِّل، عن أحمد بن الحسين، أنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدُوس يقول: لما أردت الخروج إلى عثمان بن سعيد الدارمي، أتيت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة فسألته أن يكتب لي إليه، فكتب إليه، فدخلت هراة غرة شهر ربيع الأول من سنة ثمانين ومائتين، وقصدت عثمان بن سعيد، وأوصلت إليه كتاب أبي بكر فقرأ الكتاب ورحب بي وأدناني، وسأل عن أخبار أبي بكر محمد بن إسحاق، ثم قال لي يا فتى متى قدمت؟ قلت غدا قال: يا بني فارجع إليهم فإنك تقدم غدا؛ فسودت ثم قال لي: لا تخجل يا بني فإني أقمت في بلدكم سنتين فكان مشايخكم إذا ذاك يحتملون عني مثل هذا.
قال: وسمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن العنبري يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن الأزهر السجزي يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: أنا أبي محمد بن الحسين بن عمرو السجزي وكان قد كتب عن يزيد بن هارون، وجعفر بن عون فقال: يا أبا سعيد إنهم يجيئوني فيسألوني أن أحدثهم وأنا أخشى أن لا يسعني ردهم. قال عثمان فقلت له: ولم؟ قال يقول النبي ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة».
فقلت له أنت لا تحسن إنما قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم يعلمه» وأنت لا تعلمه.
أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الخطيب، أنا أبو طالب عبد الرحمن بن محمد الشيرازي الصوفي، أنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي إجازة، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد بن مقاتل المُزَكِّي، أنا أبو إسحاق
стр. 17
أحمد بن محمد بن يونس البزاز قال: وعثمان بن سعيد بن خالد الدارمي وكان كتب الحديث مع يحيى بن معين بالبصرة، وبالشام مع الحسن بن علي، والأثرم ومحمد بن صالح كيلجة، وتوفي عثمان في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين، وهكذا ذكر أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهروي في وفاته كتب إلي أبو نصر بن القشيري، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو عبد الله الضبي، عن شيوخه، أن عثمان بن سعيد الدارمي توفي بهراة سنة اثنتين وثمانين ومائيتن.
* * *
стр. 18
ترجمة بشر بن غياث المريسي من تاريخ بغداد
قال الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٥٣١):
بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المريسي، مولى زيد بن الخطاب، كان يسكن في الدرب المعروف به، ويسمى درب المريسي، وهو بين نهر الدجاج ونهر البزارين، وبشر من أصحاب الرأي، أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي، إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة، أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها، وقد أسند من الحديث شيئا يسيرا عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وأبي يوسف القاضي، وغيرهم.
فمن ذلك ما حدثني أبو عبد الله أحمد بن أحمد بن محمد بن علي القصري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الكوفي بها، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني الحسن بن علي بن بزيع، قال: حدثنا محمد بن عمر الجرجاني، قال: حدثنا بشر بن غياث، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن عطاء، عن ابن البيلماني، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال لي النبي ﷺ : «اركب ناقتي ثم امض إلى اليمن، فإذا وردت عقبة أفيق ورقيت عليها رأيت القوم مقبلين يريدونك، فقل: يا حجر، يا مدر، يا شجر، رسول الله يقرأ عليكم السلام»، قال: وارتج الأفق، فقالوا: على رسول الله ﷺ السلام، وعليك السلام، فلما سمع القوم نزلوا، فأقبلوا إلي مسلمين.
وأخبرني الحسين بن محمد أخو الخلال، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الشطي، قال: حدثنا أبو صفوان الثقفي، قال: حدثنا حبيب بن محمد الجوهري أبو الحسن الوكيل، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بشر بن غياث، عن البراء بن عبد الله الغنوي، عن الحسن، قال: قال
стр. 19
رسول الله ﷺ : «الناس سواء كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية، والمرء كثير بأخيه، ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل الذي ترى له»
أخبرني أبو القاسم الأزهري، والقاضي أبو بكر محمد بن عمر الداودي، قالا: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي بن إسحاق الناقد أبو الحسين، قال: حدثنا عمارة بن وثيمة، قال: أخبرني عبد الله بن إسماعيل بن عياش، قال: كتب بشر المريسي إلى رجل يستقرض منه شيئا، فكتب إليه الرجل: الدخل يسير والدين ثقيل، والمال مكذوب عليه فكتب إليه بشر: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت معتذرا بباطل فجعلك الله معتذرا بحق.
أخبرني الأزهري، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن أحمد المقرئ، قال: حدثنا محمد بن يحيى النديم، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: قال لي الجاحظ قال: بشر المريسي، وقد سئل عن رجل، فقال: هو على أحسن حال وأهياها، فضحك الناس من لحنه، فقال قاسم التمار: ما هذا إلا صوابا مثل قول ابن هرمة:
إِنَّ سُلَيْمَى واللهُ يَكْلأُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَرْزَأُهَا
قال: فشُغِل الناس بتفسير القاسم عن لحن بشر المريسي.
أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: حدثني محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن عمر بن منيع: كان بشر المريسي يقول بقول صنف من الزنادقة، سماهم صنف كذا وكذا، يقولون: ليس بشيء.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر البصري المالكي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر الخفاف بنيسابور، قال: حدثنا أبو العباس السراج، قال:
стр. 20
سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: حدثني زياد بن أيوب، قال السراج: وأظن أني سمعته من زياد، قال: سمعت عباد بن العوام، يقول: كلمت بشرا المريسي وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم أنه ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
أنبانا محمد بن أحمد بن رزق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرني عمر بن عثمان ابن أخي علي بن عاصم، قال: أخبرني يحيى بن علي بن عاصم، قال: كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي، فقلت: يا أبت يدخل عليك مثل هذا؟ فقال: يا بني وماله؟ قال: قلت: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض، وإن الجنة والنار لم يخلقا، وإن منكرا ونكير باطل، وإن الصراط باطل، وإن الساعة باطل، وإن الميزان باطل مع كلام كثير، قال: فقال: أدخله علي فأدخلته عليه، قال: فقال: يا بشر ادنه، ويلك يا بشر ادنه، مرتين أو ثلاثا، فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بشر من تعبد، وأين ربك؟ قال: فقال: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: أخبرت عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض مع كلام كثير، ولم أر شيئا أشد على أبي من قوله: إن القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض، فقال له: يا أبا الحسن لم أجئ لهذا، إنما جئت في كتاب خالد تقرأه علي، قال: فقال له: لا، ولا كرامة حتى أعلم ما أنت عليه أين ربك، ويلك؟ فقال له: أو تعفيني؟ قال: ما كنت لأعفيك، قال: أما إذ أبيت، فإن ربي نور في نور، قال: فجعل يزحف إليه، ويقول: ويحكم اقتلوه، فإنه والله زنديق، وقد كلمت هذا الصنف بخراسان.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قراءة، قال: أخبرنا أبو علي ابن الصواف، قال: وجدت في كتاب أبي، قال: حدثنا أبو بكر الباغندي، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي، يقول: دخلت بغداد، فنزلت على بشر
стр. 21
المريسي، فأنزلني في غرفة له، فقالت لي أمه: لم جئت إلى هذا؟ قلت: أسمع منه العلم، فقالت: هذا زنديق.
أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ، قال: أخبرنا دعلج بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: أخبرني الشافعي، قال: كلمتني أم المريسي أن أكلم المريسي أن يكف عن الكلام، فلما كلمته دعاني إليه، فقال: إن هذا دين، قال: فقلت: إن أمك كلمتني أن أكلمك.
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن أيوب العكبري، إجازة، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي غسان البصري، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم أخبرنا محمد بن عبد الملك القرشي، قراءة، قال: أخبرنا عياش بن الحسن البندار، قال: حدثنا محمد بن الحسين الزعفراني، قال: أخبرني زكريا بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت الحسين بن علي الكرابيسي، قال: جاءت أم بشر المريسي إلى الشافعي، قالت: يا أبا عبد الله أرى ابني يهابك ويحبك، وإذا ذكرت عنده أجلك، فلو نهيته عن هذا الرأي الذي هو فيه، فقد عاداه الناس عليه، ويتكلم في شيء يواليه الناس عليه ويحبونه، فقال لها الشافعي: أفعل فشهدت الشافعي، وقد دخل عليه بشر، فقال له الشافعي: أخبرني عما تدعو إليه أكتاب ناطق، أم فرض مفترض، أم سنة قائمة، أم وجوب عن السلف البحث فيه والسؤال عنه؟ فقال بشر: ليس فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجوب عن السلف البحث فيه، إلا أنه لا يسعنا خلافه، فقال له الشافعي: أقررت على نفسك بالخطأ، فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه، وتترك هذا؟ قال: لنا نهمة فيه، فلما خرج بشر، قال الشافعي: لا يفلح، قال حسين: كلمت يوما بشرا المريسي شبيها بهذا السؤال، قال: فرض مفترض، قلت: من كتاب، أو سنة، أو
стр. 22
إجماع؟ قال: من كل، قال: فكلمته حتى قام وهو يضحك منه.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، وأحمد بن عمر بن أحمد الدلال، قالا: حدثنا أحمد بن سلمان النجاد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: سمعت البويطي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ في القرعة، فقال: يا أبا عبد الله هذا قمار، فأتيت أبا البختري، فقلت له: سمعت المريسي يقول: القرعة قمار، قال: يا أبا عبد الله شاهد آخر وأقتله.
حدثني الأزهري، قال: أخبرنا الحسن بن الحسين الفقيه الهمذاني، قال: حدثني الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني يوسف بن يعقوب بن مهران الأنماطي ببغداد، قال: حدثنا داود بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا أبو ثور، قال: سمعت الشافعي، يقول: قلت لبشر المريسي: ما تقول في رجل قتل وله أولياء صغار وكبار، هل للأكابر أن يقتلوا دون الأصاغر؟ فقال: لا، فقلت له: فقد قتل الحسن بن علي بن أبي طالب ابن ملجم، ولعلي أولاد صغار؟ فقال: أخطأ الحسن بن علي، فقلت: أما كان جواب أحسن من هذا اللفظ؟ قال: وهجرته من يومئذ.
أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حمويه الهمذاني بها، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، قال: أخبرنا أبو شجاع الفضل بن العباس الهروي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت قتيبة بن سعيد، يقول: دخل الشافعي على أمير المؤمنين، وعنده بشر المريسي، فقال أمير المؤمنين للشافعي: ألا تدري من هذا؟ هذا بشر المريسي، فقال له الشافعي: أدخلك الله في أسفل سافلين مع فرعون، وهامان، وقارون، فقال المريسي: أدخلك الله أعلى عليين مع محمد، وإبراهيم، وموسى، قال محمد بن إسحاق: فذكرت هذه
стр. 23
الحكاية لبعض أصحابنا، فقال لي: لا تدري أي شيء أراد المريسي بقوله، كان منه طنزا، لأنه يقول: ليس ثم جنة ولا نار.
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح يقول: سمعت أبا سليمان داود بن الحسين، يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: دخل حميد الطوسي على أمير المؤمنين، وعنده بشر المريسي، فقال أمير المؤمنين لحميد: أتدري من هذا يا أبا غانم؟ قال: لا، قال: هذا بشر المريسي، فقال حميد: يا أمير المؤمنين، هذا سيد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصراط، انظر هل يقدر أن يرفع الموت، ثم نظر إلى بشر، فقال: لو رفعت الموت كنت سيد الفقهاء حقا.
أخبرني الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا يوسف بن عمر القواس، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين، قال: سمعت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم لؤلؤ يقول: مررت في الطريق، فإذا بشر المريسي والناس عليه مجتمعون فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعني أن أباه كان يهوديا.
أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، قال: حدثنا الوليد بن بكر الأندلسي، قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي، قال: حدثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، قال: حدثني أبي، قال: رأيت بشرا المريسي عليه لعنة الله مرة واحدة شيخا قصيرا، دميم المنظر، وسخ الثياب وافر الشعر أشبه شيء باليهود، وكان أبوه يهوديا صباغا بالكوفة في سوق المراضع، ثم قال: لا يرحمه الله، ولقد كان فاسقا.
أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: حدثنا يعقوب بن موسى الأردبيلي، قال:
стр. 24
حدثنا أحمد بن طاهر بن النجم الميانجي، قال: حدثنا سعيد بن عمرو البردعي، قال: سمعت أبا زرعة، يعني الرازي، يقول: بشر المريسي زنديق، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض القاضي بصور، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع، قال: حدثنا ابن مخلد، إملاء، قال: حدثني يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا بشار بن موسى، قال: سمعت أبا يوسف القاضي، يقول لبشر المريسي: طلب العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار رأسا في الكلام قيل: زنديق أو رمي بالزندقة، يا بشر بلغني أنك تتكلم في القرآن، إن أقررت لله علما خصمت، وإن جحدت العلم كفرت.
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الرقي بالرقة، قال: حدثنا سليم بن منصور بن عمار في مجلس روح بن عبادة، قال: كتب بشر المريسي إلى أبيه منصور بن عمار، قال: أخبرني القرآن خالق أو مخلوق؟ قال: فكتب إليه عافانا الله وإياك من كل فتنة، وجعلنا وإياك من أهل السنة والجماعة، فإنه إن يفعل فأعظم بها من نعمة، وإلا فهي الهلكة، وليست لأحد على الله بعد المرسلين حجة، نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة، تشارك فيها السائل والمجيب، وتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقا إلا الله، وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك وبالمختلفين معك إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشونه بالغيب، وهم من الساعة مشفقون.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت الفضل بن إسحاق الدوري، قال: سمعت المعيطي، يقول: كنا عند يزيد بن هارون
стр. 25
فذكروا المريسي، فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول: القرآن مخلوق، فقال: هذا كافر.
أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الأدمي القاري، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن الهاشمي، قال: كنا عند يزيد بن هارون، وشاذ بن يحيى يناظره في شيء من أمر المريسي، وهو يدعو عليه فسمعنا يزيد وهو يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
أخبرنا طلحة بن علي بن الصقر الكتاني، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثني أبو بكر الختلي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، قال: كنا عند يزيد بن هارون، وشاب يناظره في شيء من أمر المريسي، وهو يدعو عليه، فتفرقنا على أن يزيد قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا حامد بن يحيى، قال: عن يزيد بن هارون، قال: المريسي حلال الدم يقتل.
حدثني أحمد بن محمد المستملي، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الشروطي، قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، قال: حدثنا أحمد بن الحسين الجرادي، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: قال يزيد بن هارون: حرضت أهل بغداد على قتل بشر المريسي غير مرة.
أخبرني الحسن بن علي التميمي، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن صدقة، قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: أخبرنا يحيى بن يوسف الزمي، قال: سمعت شبابة بن سوار، يقول: اجتمع رأيي ورأي أبي النضر هاشم بن القاسم، وجماعة من الفقهاء على أن المريسي كافر
стр. 26
جاحد أرى أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق، قال: حدثنا أحمد بن سلمان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي، يقول: كنا نحضره مجلس أبي يوسف، فكان بشر المريسي يجيء فيحضر في آخر الناس فيشغب، فيقول: إيش تقول، وإيش قلت يا أبا يوسف؟ فلا يزال يصيح ويضج، فكنت أسمع أبا يوسف يقول: اصعدوا به إلي، قال أبي: وكنت في القرب منه فجعل يناظر في مسألة فخفي بعض قوله، فقلت للذي كان أقرب مني: إيش قال له قال: قال له أبو يوسف: لا تنتهي حتى تفسد خشبة.
أخبرنا أبو سعد المظفر بن الحسن سبط أبي بكر بن لال الهمذاني، قال: حدثنا جدي، قال: سمعت القاسم بن بندار، يقول: سمعت إبراهيم بن الحسين، يقول: ركب عفان بن مسلم يوما، وأنا قابض على عنان البغلة، فاستقبلنا شيخ قصير كبير الرأس كبير الأذنين، فقال: نح البغلة نح البغلة، أما ترى الكافر، فقلت: من هذا يا أبا عثمان؟ قال: هذا بشر بن غياث بشر المريسي، قال إبراهيم: ويوم مات بشر جعل الصبيان يتعادون بين يدي الجنازة، ويقولون: من يكتب إلى مالك من يكتب إلى مالك.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن الهيثم التمار، قال: حدثنا عبيد بن خلف البزاز، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثني محمد بن نوح المضروب عند المسعودي القاضي، قال: سمعت هارون أمير المؤمنين، يقول: بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلتها
стр. 27
أحدا قط، واللفظ لحديث ابن أبي طاهر.
أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن عيسى بن موسى البزاز، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد المصري، قال: حدثنا محمد بن الحسين الأنماطي، قال: حدثنا يحيى بن يوسف الزمي، قال: رأيت ليلة جمعة، ونحن في طريق خراسان في مفازة أموه إبليس في المنام، قال: وإذا بدنه ملبس شعرا ورأسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق، وفي بدنه عيون مثل النار، قال: قلت له: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال: قلت له: وأين تريد؟ قال: بشر بن يحيى رجل كان عندنا بمرو يرى رأي المريسي، قال: ثم قال: ما من مدينة إلا ولي فيها خليفة، قلت: من خليفتك بالعراق؟ قال: بشر المريسي دعا الناس إلى ما عجزت عنه، قال: القرآن مخلوق.
أخبرناه أبو بكر البرقاني، قال: قرأنا على محمد بن إسحاق الصفار، حدثكم إبراهيم بن حماد، قال: حدثنا العباس بن أبي طالب، قال: حدثنا يحيى بن يوسف الزمي، قال: رأيت في المنام إبليس رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء أسود مثل الليل، وله عينان في صدره، فلما رأيته، قلت: من أنت؟ قال: هو إبليس، فجعلت أقرأ آية الكرسي، قال: فقلت له: ما أقدمك هذه البلاد؟ قال: إلى بشر بن يحيى رجل من الجهمية، قال: قلت: من استخلفت بالعراق، قال: ما من مدينة ولا قرية إلا ولي فيها خليفة، قلت: ومن خليفتك بالعراق؟ قال: بشر المريسي، دعا الناس إلى أمر عجزت عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا الحسين بن علي بن الحسين الأسدي، قال: حدثنا الفضل بن يوسف بن يعقوب بن حمزة القصباني، قال: حدثنا محمد بن يوسف العباسي، قال: حدثني محمد بن علي بن ظبيان القاضي، قال: قال لي بشر بن غياث
стр. 28
المريسي: القول في القرآن قول من خالفني غير مخلوق، قال: قلت: فالقول قولهم ارجع عنه، قال: أرجع عنه، وقد قلته منذ أربعين سنة، ووضعت فيه الكتب واحتججت فيه بالحجج.
أخبرني الحسن بن علي التميمي، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا محمد بن أبي الثلج، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن مرزوق العتكي البصري، قال: حدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: كنت عند ابن عيينة إذ أقبل بشر المريسي، فتكلم بذاك الكلام الرديء، فقال ابن عيينة: اقتلوه، قال ابن خلاد: فأنا فيمن ضربته بيدي.
أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري، قال: حدثنا حامد بن يحيى البلخي، قال: قيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة، فقال: قاتله الله دويبة ألم يسمع الله يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء، والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء.
أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر، قال: حدثنا أحمد بن سلمان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: أخبرت عن بشر بن الوليد، قال: كنت جالسا عند أبي يوسف القاضي، فدخل عليه بشر المريسي، فقال له أبو يوسف: حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن النبي ﷺ فذكر حديث الرؤية، ثم قال أبو يوسف: إني والله مؤمن بهذا الحديث، وأصحابك ينكرونه، وكأني بك قد شغلت على الناس خشبة باب الجسر فاحذر.
أخبرني الحسن بن محمد الخلال، قال: سمعت عمر بن أحمد الواعظ، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، يقول: قال عبد الله بن عمر
стр. 29
الجعفي: سمعت حسينا الجعفي حين حدث بحديث الرؤية، يقول: على رغم أنف بشر المريسي.
أخبرني أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الكاتب، قال: حدثنا محمد بن محمد الواسطي، قال: حدثني ابن عبد الله الحمال، قال: حدثنا محمد بن أبي كبشة، قال: سمعت هاتفا في البحر، يقول: لا إله إلا الله على ثمامة، وعلى المريسي لعنة الله قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتا.
أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن رامين الإستراباذي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن جعفر بن أحمد بن سعيد الجرجاني، قال: حدثنا عمران بن موسى، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الأزهر، قال: سمعت عثمان بن سعيد الرازي، قال: حدثنا الثقة من أصحابنا، قال: لما مات بشر بن غياث المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عبيد الشونيزي، فلما رجع من جنازة المريسي أقبل عليه أهل السنة والجماعة، قالوا: يا عدو الله تنتحل السنة وتشهد جنازة المريسي؟! قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت لها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته، لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف، فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذابا لم تعذبه أحد من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدا من خلقك يوم القيامة، قال: فسكتوا عنه وضحكوا.
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: حدثنا عثمان بن أحمد
стр. 30
الدقاق، قال: حدثنا الحسن بن عمرو الشيعي المروزي، قال: سمعت بشر بن الحارث، يقول: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي، وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، الحمد لله الذي أماته هكذا قولوا.
أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري، قال: حدثنا محمد بن علي بن سويد المؤدب، قال: حدثنا عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن الدورقي، يقول: مات رجل من جيراننا شاب، فرأيته في الليل، وقد شاب، فقلت: ما قصتك؟ قال: دفن بشر في مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من في المقبرة.
أخبرني الحسين بن علي الصيمري، قال: حدثنا محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرني علي بن هارون، قال: أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر، عن أبيه، قال: مات بشر المريسي في ذي الحجة سنة ثمان عشرة ومائتين، قال: ويقال: سنة تسع عشرة ومائتين
* * *
стр. 31
ترجمة محمد بن شُجَاع الثَّلجي من تاريخ بغداد
قال الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٣١٥):
محمد بن شجاع أبو عبد الله يعرف بابن الثلجي كان فقيه أهل العراق في وقته، وهو من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلئي.
وحدث عن: يحيى بن آدم، وإسماعيل ابن علية، ووكيع، وأبي أسامة، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن عمر الواقدي.
روى عنه: يعقوب بن شيبة، وابن ابنه محمد بن أحمد بن يعقوب، وعبد الوهاب بن أبي حية، وعبد الله بن أحمد بن ثابت البزاز، في آخرين.
أخبرنا علي بن محمد بن الحسن المالكي، قال: أخبرنا أبو بكر الأبهري، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد يعقوب بن شيبة ببغداد، قال: حدثنا محمد بن شجاع الثلجي أبو عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله، ﷺ : «الشقي من شقي في بطن أمه».
قال يحيى بن آدم: ما حدثت بهذا الحديث غيرك أخبرني الأزهري، قال: حدثنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي، قال: وكان ينزل في درب يعقوب الحسين بن أبي مالك، وكان ينزل فيه أيضا محمد بن شجاع الثلجي، ودرب يعقوب منسوب إلى يعقوب بن سوار أحد قواد المهدي، قال: والدرجة إليه منسوبة، وقد رأيت من ولده عدة.
قال: ومن ولده المعروف بعبد الله بن يعقوب الثلجي الذي تنصر ببلاد الروم، وليس بينه وبين محمد بن شجاع قرابة أنبأنا إبراهيم بن مخلد، قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن صالح بن أحمد بن الحسن بن صالح البغوي، قال: حدثني محمد بن عبد الله أبو عبد الله
стр. 32
الهروي صاحب محمد بن شجاع الثلجي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، يقول: ولدت في ثلاثة وعشرين يوما من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وتوفي وهو في صلاة العصر ساجدا لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة ست وستين ومائتين، ودفن في بيت من داره ملاصقا للمسجد، وأخرج للبيت شباك إلى الطريق، ومدفنه في الدرب المعروف بدرب المعوج الملاصق لدار محمد بن عبد الله بن طاهر.
قال أبو الحسن: وحكى لي جدي أنه سمع أبا عبد الله محمد بن شجاع، يقول: ادفنوني في هذا البيت فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن.
وكان محمد بن شجاع يذهب إلى الوقف في القرآن، فأخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل، قال: سمعت القواريري قبل أن يموت بعشرة أيام وذكر ابن الثلجي، فقال: هو كافر.
فذكرت ذلك لإسماعيل القاضي فسكت، فقلت له: ما أكفره إلا بشيء سمعه منه؟ قال: نعم.
أخبرنا علي بن طلحة المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، عن عمه أبي علي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان، أنه سأل أحمد بن حنبل عن ابن الثلجي، فقال: مبتدع، صاحب هوى.
أخبرني عبد الغفار بن محمد المؤدب، قال: حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا السري بن مكرم المقرئ، قال: بعث المتوكل إلى أحمد بن حنبل يسأله عن ابن الثلجي ويحيى بن أكثم في ولاية القضاء، فقال: أما ابن
стр. 33
الثلجي فلا ولا على حارس.
أخبرني أبو بكر البرقاني، قال: حدثني محمد بن أحمد بن عبد الملك الأدمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن أبي داود البصري، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: فأما محمد بن شجاع الثلجي فكان كذابا، احتال في إبطال الحديث عن رسول الله، ﷺ ورده؛ نصرة لأبي حنيفة ورأيه.
حدثني أحمد بن محمد المستملي، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الوراق، قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، قال: محمد بن شجاع الثلجي البغدادي كذاب، لا تحل الرواية عنه؛ لسوء مذهبه، وزيغه عن الدين.
أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: حدثنا أبو الحسن محمد إبراهيم بن حبيش من حفظه إملاء، قال: مات محمد بن شجاع في آخر سنة خمس وستين أو أول سنة ست وستين.
أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع، قال: ومحمد بن شجاع الثلجي كان يتفقه ويقرئ الناس القرآن، مات فجاءة وذلك في ذي الحجة سنة ست وستين ومائتين.
قرأت على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي، قال: ولعشر خلون من ذي الحجة سنة ست وستين ومائتين مات أبو عبد الله من شجاع الثلجي ففيه العراقين في وقته.
* * *
стр. 34
صور المخطوط
стр. 35
صفحة العنوان من الأصل ويظهر عليها عنوان الكتاب، والتراجم المشار إليها على يسار الصفحة، ويظهر عليها السماعات، وإسناد الكتاب.