← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أحدهما: أن يكون ظرفاً، أي: وقتاً مؤتَنِفاً. والثاني: أن يكون حالاً من الضمير في (جئت)؛ أي: مؤتنفاً. التاسعة: "وحدَه" قال الجوهريُّ ﵀: الوحدةُ: الانفرادُ، تقول: رأيتُه وحدَهُ، وهو منصوبٌ عندَ أهلِ الكوفة على الظَّرفِ، وعندَ أهلِ البصرةِ على المَصْدرِ في موضع حال، كأنَّك قلت: أوحدْتُه برؤيتي إيحاداً، أي لم أرَ (١) غيَره، ثم وَضَعْتَ (وحده) في هذا الموضع. وقال أبو العباس: يَحْتَمِل أيضاً وجهاً آخر، وهو أن يكونَ الرجلُ في نفسه منفرداً، أو كأنّك قلتَ: رأيتُ رجلاً منفرداً انفراداً، ثمَّ وضعت (وحده) في موضعه. ولا يضافُ إلا في قولهم: فلانٌ نسِيْجُ وَحْدِهِ، وهو مَدْحٌ، وجُحَيْشُ (٢) وحدِهِ، وعُيَيْرُ (٣) وَحْدِهِ، وهما ذَمٌّ. كأنَّك قلتَ: نسيجُ إفرادٍ، فلما وضعت (وحده) موضعَ مَصْدَرٍ مجرورٍ جررتَه. وربما قالوا: رُجَيلُ وحدِهِ (٤). وقال أبو الحسن بن عصفورٍ النحويُّ (٥): اختلفوا فيه؛ فمنهم مَنْ زعم: أنه انتصبَ انتصابَ الظروفِ، وهو يونس، ويقول: إنَّك إذا

стр. 2627

قلت: زيدٌ وَحْدَهُ، فالمعنى: جاء زيدٌ على حيادة، فكأن الأصلَ: جاء زيد على وَحْدةٍ، ثم حُذف حرفُ الجَرِّ، ونُصِبَ [كما] (١) يُعمَلُ بالمفعولِ إذا حُذِفَ منهُ حرفُ الجَرِّ، وحُكِيَ من كلام العرب: جَلَسا على وحدَيْهِمَا. ومنهم من قال: إنَّه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ، والقائلون بهذا: منهم مَنْ يقول: إنّه مصدرٌ لمْ يُلْفَظ له بالفعل مثل: الأبوَّة، والأخوَّة، والعمومَة، ويَحْتَجُّ الأول بأنْ يقولَ: قد وجدنا مصدرَ (أفْعَلَ)، يأتي على وزن مصدر (فَعَل)، ويأتي مصدر (تَفَعَّل) على وزن مصدر (فَعَّل)، مثال الأول: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، فنبات مصدر أَنْبَتَ، لكنَّه على تَوَهُّمِ حَذْفِ حرفِ الزيادة، وذلك أن (أَفْعَلَ) لا يأتي مصدرُه إلا إِفْعالاً، فجاء مصدرُ أنبت على نَبَاتٍ على توهُّمِ حذفِ حرفِ الزيادة، ومصدر تَفَعَّل تَفَعُّلاً، نحو تَكَرَّم تكرُّماً، وقال تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وتبتيلٌ إنَّما هو مصدرُ بَتَّلَ، فجاء على حَذْفِ حرفِ الزيادة، وكذلك (وحده). ومنهم من قال: إنَّه اسمٌ موضوع [موضعَ] (٢) المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفعل؛ أعني: فعلَ الحالِ، وهو الأصح.

стр. 2628

وأمَّا مَنْ قال: إنَّه ظرفٌ، فباطلٌ؛ لأنَّ حذفَ [حرف] (١) الجر لا يجوز بقياس، ومهما أمْكَنَ أنْ يخرج عن حذف [حرف] (٢) الجرِّ، فهو أحسن. وأما من قال: إنه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ على توهُّمِ حذفِ الزيادة، أو مصدرٌ لا فِعْلَ له، فباطلٌ أيضاٌ؛ لأنَّ هذه المصادرَ الموضوعةَ موضعَ الأحوال تَتصرَّفُ، وهذا لا يتصرّفُ، فدلَّ على بُطلانِ مذهبِهم. فلم يبق إلا ما ذهبَ إليه سيبويهِ؛ مِنْ أنَّه اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحال، فـ (وحده) عندَ سيبويهِ موضعَ (٣) (اتحاد) الموضوع موضع (موحد)، وإذا قلتَ: ضربتُ زيداً وَحْدَه، ففيه خلاف: ومذهب سيبويه: أنَّه حالٌ من الفاعلِ، كأنه [إذا] (٤) قال: ضربْتُ زيداً وحده، قال: مُفْرِدًا له بالضَّرب (٥). والمبرِّدُ يقول: إنهُ يجوز أن يكون حالاً من المفعول، فإذا قلتَ: ضربتُ زيداً وَحْدَه، فمعناه: ضربت زيداً في حالِ أنه مُفْرَدٌ بالضَّربِ (٦).

стр. 2629

ومذهبُ سيبويه أحسنُ؛ لأنَّ وضعَ المصادرِ موضعَ اسمِ الفاعل أكثرُ وأَطْرَدُ من وضعِها موضعَ المفعولِ، ولا يجوزُ في (وحده) الرفعُ، ولا الخفضُ، إلا ألفاظاً شاذَّة، لا يُقاس عليها، وهو عُيَيْرُ (١) وحدِهِ، وجُحَيْشُ وحدِهِ. العاشرة: النحويون يقولون في (لا إلهَ إلا الله)، وأمثاله: إنَّ خبرَ (لا) محذوفٌ، ويقدرونه بـ: لا إله لنا موجودٌ، أو ما أشبه [ذلك] (٢)، ونازَعهم في ذلك بعضُ أكابرِ المتكلِّمين، بناءً على أنَّ النفيَ للماهيَّة منْ غيرِ قيدٍ أعمُّ من نفيهِا بقيدٍ، والتقديراتُ المذكورةُ مقيَّدَةٌ، فكان الأولُ أولى. الحادية عشرة (٣): قوله: "لا شريكَ له" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون (له) خبر يتعلَّقُ بما تتعلق به المجروراتُ إذا كانت أخباراً (٤). والثاني: أن تكونَ (له) صفةً، فتتعلقُ بمحذوف أيضاً، ويكون في محله وجهان، ولا يتعلق بـ "شريك"؛ لأنَّه حينئذٍ يطولُ، فلا يُبنى، ويلزم تنوينُه، وذكر الزمخشريُّ في قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ

стр. 2630

الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] (١). الثانية عشرة: ذكرَ بعضُ المشهورين بعلمِ النَّظرِ في عَصْرِنا، في كلامه على (لا إله إلا الله) فيما وَجَدْتُه عنه: اتفقَتِ النُّحاةُ على أن محلَّ (إلا) في هذه الكلمةِ محلُّ (غيرِ)، والتقدير: لا إله غيرُ الله (٢)، كقول الشاعر [من الوافر]: وكُلُّ أخٍ يفارِقُهُ أخُوهُ ... لعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ (٣) أي: غير الفرقدين. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ قال: والذي يدل على الصحة: أنا لو حملنا (إلا) على الاستثناء، لم يكن قولنا: (لا إله إلا الله) توحيداً مَحْضًا، فإن تقديرَ الكلامِ: لا إله مستثنى عنهم اللهُ، ولا يكون نَفْيًا لآلهةٍ لا يُستثنى عنهم اللهُ، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتاً لذلك، وهو كُفْرٌ، ولَمَّا أجمعتِ العقلاءُ على

стр. 2631

أنَّه يفيدُ التوحيدَ المَحْضَ، وجبَ حَمْلُ (إلا) على معنى (غير). هذا معنى ما وجدْتُه (١) عنه، فأمَّا حملُها على ذلك في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، على أنّ (إلا) بمعنى (غير)، فهذا مشهور عند النُّحاة، وقد (٢). الثالثة عشرة: قولُه: "يدخُلُ مِنْ أيِّها شاء" حالٌ منه، أي: ضميرُ القائل، ويحتمل أن يكونَ حالاً مقدَّرة؛ لأنَّ التفتيح لا يكونُ في حال الدخولِ، والله أعلم. * الوجه السادس: في شيءٍ يتعلق بالألفاظ غيرِ ما تقدَّم، وفيه مسائل: الأولى: قولُه ﵊: "مُقْبِلاً عليها بقلبِهِ ووجهِهِ" فيه أنواعٌ من المجازِ: أحدها: استعمالُ الوجْهِ. والثاني: استعمال القلبِ. والثالث: ما يدل عليه العطفُ من المغايَرَةِ ظاهراً. والرابع: استعمال لفظِ (الإقبال). والخامس: استعمالُ لفظَةِ (٣) (على).

стр. 2632

والكلُّ يرجع إلى معنًى واحدٍ؛ وهو الإخلاصُ، ونفيُ الاشتغالِ، وصرفُ الخواطرِ إلى غيرِ ما هو من الرَّكعتين، وحصرُها فيما هو فيه منهما، فالإقبالُ مُعَبَّرٌ به عَنْ هذا الحصرِ؛ لأنَّه إدبارٌ عن الخواطِرِ المُشْغِلَةِ، وصرفٌ إلى المقصودِ، والصَّرفُ إليه هو الإقبالُ، والوجه: القَصْدُ، والقَلْبُ: الدَّواعي، والعوازمُ، والخواطرُ، التي يشتمل عليها هو، وهو أقربُ المجازات إلى الحقيقةِ، تسميةً للشيء باسم محلِّه. وإذا كانت الحقيقة ما قلناه، فلا تعدُّدَ، واستعمالُ ما يقتضي التعدد يكون على خلاف الحقيقةِ في مثل هذا المكان، وكذلك إذا قلنا: أقبل زيدٌ على عمرو، فله حقيقة يُجوَّزُ بها عن توجُّهِ الخواطر، وجَمْعِ الهمِّ على الشيء فيه، تشبيهاً بإقبال الشَّخْصِ على الشخص، وتوجُّهِه إليه. الثانية: قوله: "قال: إنَّي قد رأيتُك جئتَ آنفاً" تحتاجُ إلى بيانِ مناسبته للحال والواقعة، ويمكن أن يقال فيه: إنَّه لما كان السابقُ أجودَ ما يُخبِرُ به عمرُ ﵁ على ما ذَكَر، احتمل أن يكون قولُ عُقبةَ: "ما أجود هذه؟ " سببـ[ـه] (١) الغفلة عمَّا سبقَ مِنَ الأجودِ معَ حضورهِ له. واحتمل أن يكونَ سبُبه عدمَ حضورِه، فيكونُ الإخبارُ من عمرَ ﵁ بما هو الأجودُ محتَمِلاً لأنْ يُنْسَب عقبة إلى الغفلةِ مع الحضورِ، وأنْ تُنْفَى عنه الغفلةُ ببيان أنَّه لم يكن حاضراً.

стр. 2633

والثاني في حُسْن المخاطبة أولى؛ لأنَّ فيه نفيَ اعتقادِ أنَّ عدمَ العلم لأجل الغفلة، وإذا دارتِ المخاطبةُ بين احتمالِ ما ليس بحَسَنٍ، واحتمال ما هو حَسَنٌ، فتجريدُه لبيان الحَسَنِ، ودفع الاحتمال أولى. الثالثة: الظاهرُ أنَّ المرادَ بأبواب الجنةِ الحقيقةُ، ويترجَّح الثاني بأنه أقرب من حيث الزمانُ؛ لأنَّ أسبابَ دخولِ الجنة بالطاعاتِ موجودٌ في الحال، وفَتْحَ أبوابِ الجنة الحقيقيةِ في الآخرة. * الوجه السابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: الظاهرُ من قوله: "علينا رعايةُ الإبلِ"، أنَّها رعايةُ إبِلِ الصَّدَقَةِ، أو (١) المصالحِ المتعلقةِ برعايةِ المسلمين، وليستْ إبلَهُم المملوكةَ لهم؛ لأنَّ (على) لا تستعمل في مثلِ رعايةِ مِلْكِ الإنسانِ عُرْفاً، ولأنَّ المناوبةَ التي دلَّ عليها الحديثُ [لا تليقُ بمِلْكِ الإنسان، ولا يلزم غيرُهُ إلا لمعارِض خاص] (٢) لا دليلَ على وجوده في لفظِ الحديث. الثانية: فيؤخَذُ منه: أنَّ تعيينَ بعض المسلمين لبعضِ المصالح المتعلقةِ بهم؛ لأنَّ ذلك الإمام (٣)، وأما كونُه بعِوَضٍ، أو بغير عوض، فليس في اللفظ ما يدل عليه، والأصلُ عدمُه، وهو أقوى مناسبةً

стр. 2634

لـ (علينا) عرفاً ممَّا إذا كان بعِوَض. الثالثة: اختلفَ الفقهاءُ فيما إذا عَيَّن الإمام رجلاً لفَرْض الكفايةِ، هل يتعيَّن؟ وقد تكون لفظةُ (على) أقربَ إلى التعين (١)، ممَّا إذا لم يتعيَّن، وقد لا تدلُّ؛ بناءً على بحثٍ لهم في الأصول في فرض الكفاية ومدلوله (٢). الرابعة: وفيه تعديلُ الإمام بين النَّاس في هذه الأفعال، التي تعيَّن فيها مباشرتُها بجعلها مناوبةً بينهم، دَفْعاً للعُسْرِ الناشئ من ملازمةِ الشخصِ الواحدِ للفعلِ دائماً. الخامسة: فيه طلبيَّةُ القيامِ للخُطَبِ والمواعِظِ، وما يُقْصَدُ إبلاغُه من الحديث للسامعين؛ لأنه أبلغُ في تحصيل المقصود، وقد اختلَف

стр. 2635

الفقهاءُ في ركنيَّةِ القيامِ (١) في خطبة الجمعة، ولا يتعدَّى أن يكونَ حكمُه مرتباً على حكمِ القول، فحيثُ لا يجب لا يجب، وحيث يجب أمكن أن يجبَ تحقيقاً عن عُهدة الواجب، وأمكنَ أن لا يجب اكتفاءً بظاهر الحال [وعدمِ تحققِ] (٢) المانع من الإجزاء، وعلى كل حال: فالقدر المشترك من الطلبية حاصلٌ. السادسة: قوله: "يُحَدِّثُ الناسَ"، ولم يقل: يَخْطُبُ النَّاس، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عَبَّر بتحديث (٣) الناس عن الخطبة عن طريق إطلاق اللفظ العامِّ على الخاصِّ. والثاني: أن يكونَ غيرَ معبَّرٍ به عن الخطبةِ؛ لأنَّ الخطبة لها أمورٌ مخصوصة، وقد شرط الفقهاء فيها أقوالاً مخصوصةً، ومعانيَ مخصوصة، وزعم بعضُهم: أنها لا تُسَمَّى خطبةً إلا بتلك الأقوال وتلك المعاني، أو لا تكونُ خطبةً شرعيةً إلا بها. ولما كان عقبة قد جاء بعد مُضِيِّ صدرٍ من الكلام، أمكن أن يكونَ ما مضى وفاتَهَ، لم تقعْ فيه تلكَ الألفاظُ والمعاني المعتبرة في تسميتها خطبة، أو في كويها خطبةً شرعية، فكان إخبارُه [بأنه] (٤) ﷺ

стр. 2636

يحدث الناس، أحوطَ من إخبارِهِ بكونِهِ ﷺ يخطب الناس. السابعة: قَدْ يُؤْخَذ منه طلبيَّةُ الشَّفْعِ في النَّفل المطلقِ، وقد لا؛ لأنه ثوابٌ مخصوصٌ، ولا يترتب على ما دونه، لكنَّ الأول أقربُ؛ لكثرةِ تعليقِ الأحكامِ على الركعتين في ألفاظِ الشارعِ، مع اختلافِ المُرَتَّب عليها. الثامنة: قد بيَّنا معنى الإقبال على الركعتين، وتعلَّقه بالإخلاص والخشوع، أو كونَه هو، ففي الحديثِ دليلٌ على طلبية مثلِ ذلك في الصلاة، وقد عَضَدَه غيرُ ذلك من الحديث، وإنما يُكتبُ له ما عقلَ منها. التاسعة: لفظ الإسلامِ والإيمانِ، والمسلمِ والمؤمنِ، قد يطلقان من غير اعتبار ما يخُصُّ أحدَهما، إذا كانا معاً موجودَيْن، فيمن أُطلق عليه مؤمن أو مسلم، وهذا كثيرٌ في الألفاظ الشرعيَّة، وقد يُطلق ويراد به الخصوص والقيد المعيَّن، وهذا الموضع مما أُطْلِق من غير اعتراضِ الخصوص، هذا هو الظاهرُ، ويحتمل أن يُعْتَبَرَ الخصوصُ في الإسلام؛ أعني: الدرجَة [السفلى] (١) التي لا ينافيها الإيمانُ، ويكون ذلك تسهيلاً لحضور (٢) المتيسر به، حيث لم يَعْلَقِ الحكمُ بالدرجةِ العُليا. العاشرة: الإحسان في الوضوء من جملة الشرائط المعتبرة في

стр. 2637

حصولِ الوعود، والإحسانُ هو الإتيانُ به على الوجه المطلوب شرعاً، من غير غلُوٍّ ولا تقصير. الحادية عشرة: وجوبُ الجنة من حيثُ اللفظُ، لا يدل على عدمِ دخولِ النار، وقد وردَ ذلك في مواضع رُتِّب فيها وجوبُ الجنة، أو دخولُها، على عملٍ مخصوصٍ غيرِ الإيمان، أو معَ الإيمان، فالإيمانُ علَّةٌ مستقلةٌ في وجوب الجنَّة بهذا التفسير، إذا لم [يُشْتَرط] (١) فيه عدم دخول النار، والعلة المستقلة لا تأثيرَ لغيرها في العليَّةِ، لا كلاًّ، ولا جزءاً؛ لأن كلًّا منها ينافي الاستقلال، فتوجه إشكال من هذا الوجه، إذا جرينا على مقتضى اللفظِ، من أنه لا يلزم من وجوبِ الجنة عدم دخول النار، فما كان من ذلك لم يُشترطْ مع الإيمان فيه عملٌ آخر. ولنا (٢): أن نجيبَ فيه بإجراء اللفظ على ظاهرِهِ من غير زيادة، وتكون الفائدة فيه: إبطالَ مذهب القائلين بوعيد الأبد، وهي فائدة جليلة. الثانية عشرة: وأما ما اشتُرط فيه زيادةٌ على الإسلام، أو إفراد ذلك بالعمل المخصوص، فيمكن أن يُقال فيه: إن المعنى مع دخول الجنة عدم دخول النار، ولا امتناع في ذلك، ولله أنْ يتفضلَ بما شاء على أيِّ الأعمالِ شاء. ويمكن أن يقالَ: تكونُ الفائدةُ في هذا وجوبَ الجنَّةِ، ولم يلزمْ

стр. 2638

عدمَ دخولِ النار، فتحصلُ الفائدةُ بلا إشكال. الثالثة عشرة: الذي قاله عمر ﵁: من أنَّ ما حكاه أجودُ ممَّا سمعه عقبة، لعلَّ سببَه - والله أعلم -: أنَّه أقلُّ شروطاً في استحقاق الثواب المخصوص. فإن الأول: يقتضي إحسانَ الوضوء، وصلاةَ ركعتين مع الإقبالِ بالقلبِ والوجهِ، وفي ذلك عُسْرٌ على ما يَشْهَدُ به الحال في [أكثر] (١) الخَلْقِ، من تزاحم الوساوِسِ والخواطِرِ، وتزاحمِهما (٢) كثيراً في حقِّ بعضهم. وأما الثاني: فليس فيه إلا إسباغُ الوضوءِ، أو إبلاغُه، والقولُ المخصوصُ، وذلك يسيرٌ بالنسبة إلى الأوَّلِ، ويحتمل أن يُضاف إلى ذلك ما دلَّ عليه: "فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة" من زيادة [الثواب] (٣) المرغِّب في العمل، فينضافُ زيادةُ الثواب إلى يُسْرِ (٤) العمل على هذا الوجه، فيكون أحسنَ. ووجه الزيادة في قوله: "فُتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ": ما دل (٥) عليه هذا الفعل من تعظيمِ الفاعلِ وتكريمِه بتخييرِه بالدخولِ من أيِّ

стр. 2639

الأبواب شاء، فهذه مزيَّةٌ عظيمةٌ ترغِّبُ في العمل. الرابعة عشرة: تفتيحُ أبوابِ الجنةِ للدخولِ، وإنْ دلَّ على الدخولِ، [لكنَّ دلالةَ لفظِ الوجوبِ أقوى في الدلالة، واللفظُ الآخرُ دالٌّ على التعظيمِ والتكريمِ مع الدخول] (١)، والأولُ دالٌّ على الوجوب من غير دلالةٍ على هذه الزيادةِ، ففي كلِّ واحدٍ منهما دلالةٌ راجحةٌ ومرجوحةٌ، والله أعلم. الخامسة عشرة: قوله ﵇: "أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ" يدل على حصر هذا العدد للأبواب، وحصر الأبواب فيه. السادسة عشرة: اشتُهِرَ بين المتفقِّهةِ والطلبةِ سؤالٌ على هذا الحديث: وهي المعارضةُ بينَه، وبين كونِ البابِ الريَّانِ لا يدخله إلا الصائمون. وأجيبَ عنه: بأنَّ شرطَ التعارضِ اتحادُ الموضوع، وأحد الحديثين يدلُّ على أنَّ الدخولَ من بابِ الريّان مخصوصٌ بالصائمين، والآخر يدلُّ على تخييرِنا على هذا الفعل في الدخول من أيِّها شاء، فلا اتَّحاد في الموضوع، إذِ التخييرُ في الدخول غيرُ الحكم بالدخول. فإن قيل: فما الفائدة في التخيير في دخوله من أيِّها شاء، مع كونِه لايدخل من بعضها؟ قلنا: الفائدةُ إظهارُ التعظيمِ والشرفِ الناشئِ عن هذا التخيير، وقد لا يكون هذا المعارِضُ - أعني: عدمَ دخولِ غيرِ الصائمين البابَ

стр. 2640

الريَّانَ - معلوماً عند هذا المدعوِّ، ولا عندَ السامعين حينئذٍ، فتبقى الفائدةُ كاملةً، وهذا في المثال، كما رُوِيَ عن بعض المتقدمين أنه قال: أُخِذ الميثاقُ على جميع الأنبياءِ أن يؤمنوا بالنبيِّ ﷺ إذا ظهر (١). مع العلم بأنَّه لا يظهرُ في زمنِ أحدٍ منهم، وإنما ذلك لإظهارِ الشرفِ، وعدمِ العلمِ بعدمِ ظهوره في زمنِ الأنبياءِ السابقين لهم - صلواتُ اللهِ وسلامُه على جميعِهم - السابقين لهم إن كانَ العلمُ غيرَ حاصلٍ لهم - صلوات الله عليهم -، وإن كان حاصلاً، فهو أقوى لما قلناه، وأسَدُّ لما ذكرناه. السابعة عشرة: ظاهرُ الحديث يدل على ترتيبِ الثوابِ المذكور على مجرَّدِ القول، وما ذُكِرَ معه، فأمَّا الحديث الذي ليس فيه ذكر الإسلام، فلا بد من أشتراطه وإضافته إليه، بالدلائل القاطعة، وبالرواية الأخرى التي فيها ذِكْرُه. الثامنة عشرة: وأما الحديثُ الذي فيه ذكر المسلمِ، فظاهرُه يقتضي ترتيبَ الثوابِ على وصفِ الإسلام الذي [به] (٢) تحصُلُ العِصْمة. والمتوغِّلون من المتصوِّفة ربما يذهبون إلى أنَّه لا يتحقق التوحيد على الوجه، حتى لا تبقى على القلبِ غلبةُ سلطانٍ لغير الله تعالى، فهذا تحقيقُ التوحيد، وأما معَ غلبةِ شيءٍ على القلب فلا يحصُل

стр. 2641

التحقُّق بمقتضى مدلولِ اللفظ. ولقد بلغنا عن بعضِ أكابرِ الصالحين، ومَنْ هو في الدرجة العاليةِ منهم: أنَّ صاحباً له قال: (لا إلهَ إلا الله) حقاً، فقال الشيخُ: ولا أمَّ محمدٍ، يعني: زوجَتَه، وكان يميل إليها. وهذا بناء على المعنى الذي ذكرناه، وقد يقوى بما جاءَ أنَّ الهوى إلهٌ معدود، واستشهد بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. التاسعة عشرة (١): [قد] (٢) قدَّمنا: أنَّ الحديثَ يقتضي ترتُّبَ الثواب على مجرَّد هذا الشرط، وقد ورد في بعض الروايات: زيادةُ أمرٍ آخر؛ وهو رَفْعُ الطرفِ إلى السَّماء، رواها أبو بكر البزَّار من حديثِ أبي سَلَمَة، عن ثَوْبان قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من توضَّأ، فأحسنَ الوضوءَ، ثم رَفَعَ طَرْفَه إلى السَّماءِ، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة، يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شاء" ذكره في الطَّهارة من "السنن" وقال: وهذا الحديث لا نعلمُه يُروى عن ثَوْبانَ، إلا من هذا الوجه (٣). العشرون: يظهرُ في فائدةِ رفعِ الطَّرْفِ إلى السَّماءِ التوجُّهُ إلى

стр. 2642

قبلةِ الدعاءِ، ومهابطِ الوحيِ، ومصادرِ تصرُّفِ الملائكة عليهم الصلاة والسلام (١). الحادية والعشرون: هاهنا زيادةٌ أخرى عند أبي الشَّيخ من رواية محمدِ بن جابر، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَرَغَ أحدُكُم من طُهُوْرِهِ، فليقُلْ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ثم ليُصَلِّ عليَّ، فإذا قالَ ذلك: فُتِحت له أبواب الرحمة" أخرجه أبو موسى الأصبهاني مِنْ جِهَةِ أبي الشيخ، وقال: هذا حديث مشهورٌ، له طرق عن عمرَ بن الخطاب، وعقبةَ بن عامر، وثوبان، وأنسٍ ﵃، ليس في شيء منها ذكرُ الصلاةِ، إلا في هذه الرواية. قلت: محمد بن جابر اليَمامي روى عنه جمعٌ من الأكابرِ، وقد تُكلِّم فيه، وكأنَّ أبا موسى أرادَ بقوله من هذه الرواية: رواية الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن عبد الله، لا روايةِ محمد بن جابر، عن الأعمشِ، فإنَّ هذه الزيادةَ قد رُوِيتْ من غيرِ حديثِ محمدِ بن جابرٍ، ومن رواية يحيى ابن هاشم (٢) السِّمْسَار (٣)، وقال فيه النَّسائي: متروك الحديث، ومن

стр. 2643

[رواية] (١) عمرو بن شمر، عن الأعمش أيضاً، وعمروُ هذا متروكٌ عندهم (٢)، والله أعلم. الثانية والعشرون: المشهورُ عند الأصوليين والفقهاءِ: أنَّ الاستثناءَ من النفيِ إثباتٌ، والدليلُ عليه: الاتّفاقُ والإجماعُ على الاكتفاء بهذه الكلمة في إثباتِ التوحيد، قال ﵊: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ، حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها، عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلا بحقِّها" (٣)، والعلمُ ضروريٌّ حاصلٌ بالاكتفاء بهذه الكلمةِ في التوحيدِ، من غير حاجةٍ إلى زيادةٍ، ولا سؤالٍ عن أمرٍ آخرَ، ومن هذا القبيلِ: هذا الحديث الذي رتب فيه الثواب الأخروي على الكلمة دون التوقُّف على زيادة أخرى (٤). وخالفَ بعضُ الناسِ في هذا، أعني: في أنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، وشغَّب في تقريره بعض المتكلمين من وجهين: الأول: أنَّ الاستثناءَ مأخوذٌ من قولِكَ: ثَنَيْتُ الشيءَ عن جهتِهِ،

стр. 2644

أي: صرفْتَه عنها، فإذا قلتَ: لا عالمَ إلا زيدٌ، فهاهنا أمرانِ: أحدُهما هذا الحكمُ، والثاني نفسُ هذا العَدَمِ، فقولُك إلا زيدٌ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ عائداً إلى الأول، وحينئذ لا يلزمُ تحقُّقُ الثبوتِ؛ إذ (١) الاستثناءُ إنَّما يُزيلُ الحكمَ بالعَدَمِ، فبقي المستثنى مَسْكوتًا عنه، غيرَ محكومٍ عليه لا بالنّفيِ، ولا بالإثباتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عائداً إلى الثاني، فحينئذٍ يلزم تحقُّق الثبوتِ؛ لأنَّ عندَ ارتفاعِ العدمِ يحصلُ الوجودُ لا محالةَ، لكنَّ عودَ الاستثناءِ إلى الأولِ أولى، إذِ الألفاظُ وضعتْ دالة على الأحكام الذهنيَّةِ، لا على الأعيانِ الخارجيَّةِ، فإنَّك إذا قلتَ: العالمُ قديمٌ، فإنه لا يدلُّ على كونه قديماً في نفسه، ولأنَّ عدَمَ الشيءِ في نفسه، ووجودَه في نفسِهِ، لا يقيّد تصرفَ الغيرِ، فثبتَ أنَّ عود الاستثناء إلى الأول أولى. الثاني: ما جاء من وَضْعِ هذا الاستثناء من غير أن يكونَ الإثبات: "لا نكاح إلا بولي" (٢)، "لا صلاةَ إلا بطهورٍ" (٣)، لا مُلْكَ إلا بالرجالِ، لا رجالَ إلا بالمالِ، والمرادُ في الكلِّ: مجرَّدُ الاشتراطِ. وتمَّم هذا التشغيب: بأنَّ الصورَ التي دلَّتْ فيها على الإثبات، يجوزُ أن يكون مستفاداً من اللفظِ، بل بدليل منفصلٍ. وفي كلامِ بعض المتكلمين ما يقتضي تقويةَ هذا المذهبِ، فإنَّه

стр. 2645

التجأَ إلى أن يجيبَ بأنَّ هذه (١) الكلمة، وإن كانت لا تفيد الإثباتَ بالوضعِ اللغويِّ، لكنَّها تفيدُ بالوضعِ الشرعيِّ. وبوجه آخرَ حاصلُه: أنَّ المقصودَ من هذا الكلام نفيُ الشريكِ، وأما إثباتُ الإلهيةِ لله تعالى فمتَّفَق عليه على ما عُرِفَ، كأنَّه يشير إلى قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ولِمَا جُبِلَتِ الفِطَرُ عليه. وهذا عندي كلُّه تشغيب، ومراوغات جدليَّةٌ، والشرعُ خاطَبَ الناس بهذه الكلمةِ، وأمرَهم بها؛ لإثباتِ مقصودِ التوحيدِ، وحَصَلَ الفهمُ لذلك منهم، والقبولُ له، منهم ﷺ ، من غير زيادةٍ ولا احتياجٍ إلى أمر آخر، ولو كان وضعُ اللفظِ لا يقتضي التوحيدَ، لكان أهمَّ المهمات تعليمُ اللفظِ الذي يقتضيه؛ لأنَّه المقصودُ الأعظم. والاكتفاءُ الذي ذكرناه عندنا في محلِّ القطع بالظَّنِّ، لكنْ هل هو لمدلول اللفظ، أو لقرائن (٢) احتفَّت به لا تبلغ إلى القطع؟ (٣) نعم، ادعاءُ الاحتياج إلى أمر آَخرَ في تحصيل مقصودِ التوحيدِ لا يصِحّ، وأما المُثُلُ الذي ذكروها، فيُقابَلون فيها بالمثل، فإذا قالوا: هذه المواضع لا تُدلُّ فيها على الإثباتِ، والمواضع التي تدل عليه،

стр. 2646

يمكن أن تكون لدليلٍ (١) منفصلٍ عن دلالة الوضع. قيل له: المواضع التي ذكرتموها دالةٌ بالوضع على الإثبات، وعدم دلالتها في بعض الصور على الإثبات؛ لقيامِ معارضٍ من خارج، وهو اشتراطُ أمرٍ زائدٍ على الأول، فيجبُ ضمُّه إليه، والكلمة (٢) حيث يكون المقصود الكلي حاصلاً. والذي يدلُّ على ذلك الأمور الشرعية، أنهّ لو جمعنا جميعَ الألفاظ التي تدلُّ على الاشتراط، ووُجِدَتْ كلُّها اقتضى ذلك ثبوتَ المستثنى، فدلَّ على أنَّ عدمَ الثبوتِ في بعضِ الصورِ؛ لأجل قيامِ دليلٍ على أمرٍ آخر، لا لعدمِ الدلالة على الإثباتِ. كذلك نقول في الأمور العُرْفيَّةِ: قد يكون العرفُ والوجود شاهداً على اشتراط أمرٍ آخر، فإنْ فرضَ الخصمُ عدمَ دليلِ الاشتراط في بعض الصور، أو (٣) ادعى انتفاءه، منعنا الحكمَ فيه. الثالثة والعشرون: قال بعض المتكلمين على هذه الكلمةِ الشريفة، فيما وجدْتُه عنه: في الناس من قال: تصوُّر الإثبات مقدَّمٌ على تصور النفي، بدليل أنَّ الواحدَ منَّا يمكنه أنْ يتصوَّر الإثبات، وإن لم يخطُر ببالِهِ معنى العدم، وَيمْتنع أن يُتَصوَّر العدمُ، ولا يخطُر ببالِهِ معنى الإثبات، وإذا كان كذلك، فما السببُ في تقديمِ النفيِ على الإثبات؟

стр. 2647

قال: فيقول أولاً: نفي الربوبيَّة عن الغيرِ، ثم إثباتُها له آكَدُ في الإثبات، فالنَّفيُ إخراجٌ لكلِّ ما سواه عن القلب، حتى يصيرَ خالياً، فيحضر فيه سلطانُ الله، أشرقَ نورُه إشراقاً تاماً، وكَمُل لمَعَانُه كمالاً ظاهراً. وقال أيضاً: إنَّ النفيَ الحاصل بـ (لا) يجري مجرى الطَّهارة، والإثبات بـ (إلا) يجري مجرى الصلاة، قال: وقد قال قوم من أهلِ التحقيق: النّصفُ الأول من هذه الكلمة تنظيفُ الأسرارِ، والثاني جِلاء الأنوار، والأول انفصالٌ عما سوى الحقِّ، والثاني اتصالٌ بالحق، والأول فَناء، والثاني بَقاء، أو كما قال في جميع ما ذكرنا. وهذا كلامُه، بعضُه يرجع إلى شيءٍ من علم النظر، ويَحتاج إلى تحقيقٍ واستفسارٍ، وبعضُه يرجع إلى إطلاقات الصوفية ومعانيهم، وبعضُه فيه ضعف. الرابعة والعشرون: ذكر بعضُ المتكلمين على هذه الكلمة سؤالاً، فقال: لقائلٍ أن يقول: من عرفَ أن للعالم صانعاً قادِرًا عالماً موصوفًا بجميع الصفاتِ المعتبَرة في الإلهيَّة، فقد عرفَ اللهَ تعالى معرفةً تامةً، بعدمِ الإلهِ الثاني لا يزيدُه كمالاً في صفاته، فلِمَ لا يكون العلمُ بالإله كافياً في حصول السعادة؟ وأجاب: بأنَّ تقديرَ الإله الثاني، لا يَعلمُ العبدُ بأنه عبدٌ لهذا أو لذاك، أو لهما جميعاً، فلا يظهرُ الافتقار إلا إلى المعيَّن، وفيه مِنَ الفساد ما فيه، أو كما قال.

стр. 2648

والمقدمة التي قال فيها: إنَّ علمَه بعدم الإلهِ الثاني، لا يزيد كمالاً في صفاته؛ ممنوعةٌ، وكتابُ الله تعالى يدلُّ على خلاف ذلك: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وهذا يناقضُ ما ادعاه من المقدمةِ؛ لملازمةِ علُوِّ البعض على البعض، لنقصِ المعلُوِّ عليه، ولترتُّب فسادِ العالمِ المنافي للكمال المطلقِ بالنسبة إلى القيُّومِيَّة. الخامسة والعشرون: الحديثُ يقتضي ترتُّب (١) الثوابِ على القول، والنَّاس تكلموا في اشتراط القولِ بالإيمان، والمراتِبُ ثلاثة: أحدها: مرتبة من تَمَّم النظر والاستدلال في معرفة الله تعالى، ولم يتمكَّن من القولِ لضيق القولِ مثلاً، فلا شكَّ أنه يكون ناجياً. والثانية: أن تحصل المعرفة مع إمكان النطقِ، وَيترُك النطقَ إباءً واستكباراً، فلا شكَّ في عدم النجاة، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] وكفرُ إبليس من هذا القبيل، وكذلك كلُّ معاندٍ عرف الحق، ولم ينقَدْ له عتُوًّا وكِبْراً. الثالثة: من عرف وتمكَّن، ولم ينطق، لا على سبيل العناد، فقد اختلفوا: هل يكون مؤمناً، أم لا؟ فالذين قالوا: بأنَّه لا يكون مؤمناً؛ جعلوا صحَّة الإيمان متوقفةً على اللفظ بهذه الكلمة، مع القدرةِ عليها، واستدلَّ بعضُهم على

стр. 2649

ذلك: بأنَّ فرعونَ كان عارِفاً بربِّه؛ لقوله تعالى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] حكم عليه موسى: بأنه كان عارفاً بالله، ثم ماتَ كافراً. قال: ومنهم مَنْ قالَ: إنَّه مؤمنٌ؛ لأنَّه حصل له العِرْفانُ التَّام. وهذا الذي قاله فاسدٌ؛ لأنَّ فرعون أبى واستكبر، وقد بيَّنا كفرَ من هو كذلك. وحكايةُ الخلاف على الإطلاق فاسدٌ؛ لأنَّ الخلافَ في غير المستكبر، فإن أراد أن يستدلَّ بأمرِ فرعونَ على غير المستكبِر، فهو فاسدٌ، وإن أرادَ أن يثبتَ الخلافَ في المستكبر، فهو باطلٌ بنصِّ القرآن والاتفاق. السادسة والعشرون: قد قدَّمنا من مذاهبِ الصوفيَّة: أنَّ تحقيقَ هذه الكلمة، بزوال كلِّ الأحكام الغالبة على القلب سوى حُكمِ الله تعالى. وبعضُ المتكلمين قسَّم الناسَ تقسيماً آخر فيها، فقال: إنَّ الناسَ في قول هذه الكلمة على مراتبَ وطبقات: فأدناها طبقة: من قالها بلسانِهِ، فإنَّ ذلك يحقِنُ دَمَه، يعني: ويحرز ماله، كما قال ﵊: "أُمِرْتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا ... " الحديث (١)، وهذه درجةٌ يشترك فيها الموافقُ والمنافقُ، والصدِّيقُ والزِّنديق.

стр. 2650

الطبقة الثانية: الذين ضَمُّوا إلى القول باللسان الاعتقادَ بالقلب على سبيل التقليدِ، والاعتقادِ التقليدي لا يكونُ عِلْمًا، إذِ العَقْدُ ضدُّ الانحِلال والانشراحِ، والعلمُ عبارةٌ عن الانشراحِ قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، فصاحبُ (١) التقليدِ إذاً (٢) لا يكون عارِفاً، وهل يكونُ مؤمناً؟ فيه الخلاف. الطبقة الثالثة: الذين ضَمُّوا الاعتقادَ بالقلبِ معرفةَ الدلائل الإقناعية، ولكن ما بلغتْ درجتُه إلى الدلائل اليقينية. الطبقة الرابعة: الذين بالغوا في الطَّلَب، تأكيداً لتلك العقائدِ بالدلائل القطعية والبراهينِ اليقينية، إلا أنهم لا يكونون من أربابِ المشاهداتِ والمكاشفات. ثمَّ الإقرارُ باللسانِ له درجة واحدةٌ، والاعتقادُ بالقلبِ له درجاتٌ مختلفة، بحسب قوةِ الاعتقاد، وضعفِه ودوامِه، وعدمِ دوامِه، وكثرةِ تلك الاعتقادات وقلَّتِها، فإن المقلِّدَ ربما كان مقلداً في البعضِ من المسائل الأصوليةِ، وقد يكون في الكُلِّ، ولا يُسْتَراب في أنَّ للخَلْقِ مراتبَ في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقات. وأما الطبقة الخامسة: فهم أصحاب المشاهداتِ، فنسبتهم في القلة إلى أصحاب البراهين القطعية، كنسبة أولئك الأصحابِ إلى عامة الخلق، ولا نهايةَ لعالم المكاشفات؛ لأنَّه عبارةٌ عن سَفَرِ العقلِ في

стр. 2651

جلالِ الله تعالى، ومدارجِ عظمتِه، ومنازلِ آثارِ كبريائه وقُدْسه، وكما لا نهاية لهذه المقامات، فكذلك لا نهايةَ للسَّفَرِ في تلك المقامات، أو كما قال. قال: وأما أرباب الحقيقة، فقد بَنَوْا لأصحاب المكاشفات مراتبَ ستة: منها ثلاثةٌ لأصحاب البدايات، وثلاثةٌ منها: لأَصحابِ النهايات. أما الثلاثة الأُوَل: فهي اللوائح: فكأنها كالبُروق، كلَّما ظهرت في الحال استترتْ. ثم اللوامع: فإنها أظْهرُ من اللوائح، فلا يكونُ زوالُها بتلك السُّرعة. ثم الطوالع: فإنها أبقى من اللوامع، ولكنَّها على خطرِ الأفولِ والزوال. ثم قال: إنَّها مختلفةٌ، البعضُ منها زائلٌ بتمامه، والبعض منها غيرُ زائل بتمامه، يبقى منه أثرٌ. وأما الثلاثة الأخيرة: وهي الحاضرة: وأنها عبارة عن حضورِ القلب عند الدلائل. ثم المكاشفةُ: وهي أنْ يصيرَ، يعني: عند سَيْرِه إلى اللهِ تعالى غنياً عن طلبِ السَّبيل، وتأمُّل الدليل، ثم السائرُ مختارٌ في الانتقال من الدليلِ إلى المدلولِ في تلك الحالة، بخلاف غيره. ثمَّ المشاهدة: وأنها عبارةٌ عن توالي أنوارِ التجلِّي على قلبه، من غير أنْ يتخلَّلها انقطاع.

стр. 2652

والمحاضرةُ تشبه الوقوفَ على عتبةِ بابِ المَلِكِ، والمكاشفة عند الدخولِ في الدار، والمشاهدَةُ تشبه الوقوفَ في الموضع الذي لا يكونُ بينه وبين المَلِكِ حجاب، أو كما قال. السابعة والعشرون: بعضهم يختار (١) تطويل المَدِّ في كلمة (لا)؛ لأنَّ في التطويل الاستحضارَ للأضدادِ والأندادِ، فيقعُ النفيُ على جميع المُشخَّصة، فيكون أقربَ إلى الإخلاص، واختار غيرُه تَرْكَ التطويلِ والتمديد؛ لاحتمالِ الموتِ والاخترام قبل الإثبات، وفَرَّق بعضُهم بين ما يُدْخَل به في الإسلامِ، فلا يطول، وبين غيرِه فيطُول، والله أعلم.

стр. 2653

الحديث الرابع والعشرون وروى أبو محمد عبد الله (١) بن عبد الرحمنِ الدَّارِمِيُّ الحافظُ في "مسنده" من حديث ابنِ عباس ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَنَضَحَ. ورجالُ إسناده رجالُ الصحيح (٢). الكلام عليه من وجوه: * الأول في التعريف: فنقول: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن: بن الفضل بن بَهْرَام ابن عبد الصَّمد، أبو محمد الدارِمِيّ السَّمَرْقَنْدِي، أحد أكابر العلماء

стр. 2654

والسابقين من الحُفَّاظ، والأعلامِ من المشاهير، جَبَلٌ من الجبال، وعالمٌ درجتُه رَبْوَةٌ على جمهور الرجال، له ذكر في "تاريخ نيسابور" للحاكم أبي عبد الله الحافظ. قال: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام السمرقندي، أبو محمد الدارميّ، من حفاظ الحديث المبرزين. سمع بخُراسان من عَبْدان بن عثمان، ومحمد بن سلام، وطبقتهما. وبالعراقين من عبيد الله بن موسى، وأبي نُعيم، وروح بن عبادة، وأشهل بن حاتم، وطبقتهم. وبمصرَ من سعيد بن أبي مريم، وأبي صالح، وطبقتهما. وبالحجازِ من المُقْرِئ، والحُميدي، وابن أبي أويس، وطبقتِهم. وبالشام من محمد بن يوسف الفِرْيابي، وأبي اليمان، وأبي مُسْهِر، وطبقتهم. حدَّث بنيسابور سنة ثلاث وأربعين ومئتين، روى عنه محمدُ بن يحيى الذُّهلي، وأبو زُرعة، ومسلم بن الحجَّاج في "الصحيح"، وأبو حاتم، وأئمة الحديث. قلت: وممن روى عنه من أئمة الحديث: محمد بن يحيى الذهلي (١)، وأبو داود السِّجِسْتاني، وأبو عيسى الترمذي، وعبد الله بن

стр. 2655

أحمد بن حنبل، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي المُطَيَّن، ومحمد بن عَبْدُوس بن كامل، وجعفر بن محمد الفِرْيابي. وطافَ البلادَ، وجمع المُسند، ورواه عنه عيسى بنُ عمر بن العبَّاس السمرقندي، وبقيتْ روايتُه إلى زمانِنَا، [علت] (١) عالية من جهة أبي الوقتِ عبد الأول بن عيسى السِّجْزي، وله ثلاثيَّات في "مسنده"، وربَّما خرجت وجُمِعَت مفردة. وله ذكر في "تاريخ بغداد" للخطيب، فرُوِيَ بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعتُ أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي إمامُ أهلِ زمانه (٢). وذكر أيضاً بالإسناد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، سمعتُ أبي يقول: انتهى الحفظُ إلى أربعةٍ من خراسان: أبو زُرْعَةَ الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البَلْخِيّ (٣). وذكر الغُنْجَار محمد بن أحمد بن محمد بن سُليمان صاحب

стр. 2656

"تاريخ بخارى" بإسناد عن نُعَيْم بن نَاعِم، قال جَزَرَةُ: سمعتُ محمدَ ابن عبد الله بن نُمير يقول: غلبَنَا عبد الله بنُ عبدِ الرحمن بالحفظ والورع (١). وذكر الغُنْجَار عن إسحاق بن أحمد بن خلف، وكنا عند محمد ابن إسماعيل، فوردَ عليه كتابٌ فيه نعيُ عبد الله بن عبد الرحمن، فنكَّس رأسه، ثم رفع واسترجَع، وجعل تسيلُ دموعُه على خديه، ثم أنشأ يقول [من الكامل]: إن تَبْقَ تُفجَعْ بالأحبَّةِ كلِّهمْ ... وفَنَاءُ نَفْسِكَ لا أباً لك أَفْجَعُ قال إسحاق بنُ أحمد: وما سمعناه يُنْشِدُ شعراً إلا ما سمِعْناه في الحديث (٢). وذكر الحاكم (٣) عن علي بن حَمْشَاد، عن نُعَيْم بن عبد الله، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الشيخُ الفاضلُ (٤).

стр. 2657

وذكر الغُنْجار بإسناد إلى عبد الله بن عبد الرحمن، هو الدارمي: ولدتُ في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومئة (١). وروى الغُنْجار بإسناد ذكر فيه: أنه مات عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يومَ عرفةَ، وذلك يومَ الخميس، ودُفِنَ يومَ الجمعة سنة خمس وخمسين ومئتين (٢)، والله أعلم (٣). * الوجه الثاني: في تصحيحه: قد ذكرنا في الأصل: أن رجاله رجال الصحيح. والدارميُّ أخرجَه عن قبيصةَ، فقال: أنا قبيصة، ثنا سفيان، عن زيدٌ بن أسلم، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ توضأ مرَّةً مرةً، ونَضَحَ. وهؤلاء - كما ذكر في الأصل - رجال الصحيح.

стр. 2658

وقد أفرد لفظ الصحيح، ليتناول ما اتفقا عليه من الرِّجال، وما انفرد أحدهما به، وسفيان فمن فوقَه متَّفقٌ عليهم، وقبيصة أخرج له البخاري. والانتضاحُ بعد الوضوء فيه أحاديثُ متعدِّدة، ذكرت ما انتهى إلي منها، وتيسر ذكره في كتاب "الإمام" (١): منها ما استُضْعِفَ، ومنها ما يُعَلَّل (٢). وعند التّرمذي، وابن ماجه منها حديث الحسنِ بن عليٍّ الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: "جاءني جبريلُ، قال: يا محمد! إذا توضَّأتَ، فانْتَضِحْ". وفي حديث ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءني جبريلُ". قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب، قال: سمعت محمَّداً يقول: الحسنُ بن علي الهاشميُّ منكرُ الحديث (٣). وهذا الحديث الذي أخرجه الدارمي أجود ما رأيت في هذا الباب، فلذلك اخترتُ تخريجه من جهته، على (٤) ما ذكره الترمذي،

стр. 2659

وابن ماجه، والله تعالى أعلم. * الوجه الثالث: في المفردات: النَّضْحُ: إصابةُ الماء للمَحَلِّ مع خِفَّة، وهو بالحاء المُهملة، والنَّضْخ بالخاء المعجمة أكثرُ منه، وقد يُستعمَلُ النضح - بالمُهملة - في موضع النَّضخ - بالمعجمة -، على ما يَظْهر من كلامِ بعضهم، ومنه: "مَدِينةٌ يَنْضَحُ البحرُ جوانبَها"، أو "في جوانِبهِا" (١). وقد تكلَّم بعض الفقهاء في النضح من بولِ الغلامِ بما يقتضي كثرةَ الصَّبِّ. وأما المالكيّة: فكلامُهم يدل على ما يقتضِيْه معنى الخِفّةِ والقِلّةِ، والفرْقُ بينه وبين الغُسْلِ، من جهة الكَثْرَةِ والقِلّة (٢)، وإنما قلتُ: من جهة الكثرة والقلة؛ لأنَّ الشافعيَّ الذي أشرنا: أنَّ كلامه يقتضي

стр. 2660

الكثرة، يفرق بينه وبينَ الغُسْلِ من وَجْهٍ آخرَ غيرِ الكثرةِ والقلةِ، هذا ما يقتضيه كلامُه (١)، أو يُفْهَمُ منه، وهذا الفرقُ بالكثرة والقلة بالإعجام والإهمال، من باب زيادةِ اللفظ بزيادة المعنى، فالإعجامُ زيادةٌ مقابلَةٌ بزيادةِ المعنى، وهو الكثرةُ، والإهمال نقصٌ باعتبارِ نقصِ المعنى، وهو القلة، وهذا كما في المضمضة والمصْمَصَة، والشقداف والشقنداف. * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: هذا اللفظُ الذي في هذا الحديث، أعني قولَه: "وَنَضحَ"، ليس فيه تصريحٌ بأنَّه النضحُ بعد الوضوءِ على الفَرْجِ، وقد ترجَم عليه الدارميُّ بقوله: (باب: في نضح الفرج بعد الوضوء)، وترجَم الترمذيُّ على حديثِهِ الذي أخرجه: (باب: النضح بعد الوضوء)، واللفظُ وإنْ لمْ يقتضه، لكنَّه مفهومٌ من الأحاديث الواردة فيما يقتضيه، فيجبُ ردُّه إليها؛ صَوْناً للكلام عن الإجمال، ورجوعاً إلى ما يَثْبُتُ في النفس من مجموع تلك الأحاديثِ. ومن صريحه: ما رواه الدارقطني، من حديث أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّ جبريلَ ﵇ لما نزلَ على النبيِّ ﷺ أراه الوضوءَ، فلمَّا فرغ من وضوئه، أَخَذَ حَفْنَةً من ماءٍ، فرَشَّ بها في الفَرْجَ (٢).

стр. 2661

الثانية: ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأَحْوَذِيّ" في كلامه على ما أخرجه الترمذيُّ، أن النبيَّ ﷺ قال: "جاءني جبريلُ، فقال: يا محمد! إذا توضأْتَ فانتضحْ": أنَّ العلماءَ اختلفوا في تأويلِ هذا الحديث على أربعةِ أقوالٍ: الأول: معناه: إذا توضَّأْتَ، فصُبَّ الماءَ على العضوِ صبًّا، ولا تقتصرْ على مسحِهِ، فإنَّه لا يُجْزِئُ فيه إلا الغَسْلُ دونَ إسرافٍ، ولذلك أنكرَ مالكٌ حتَّى يَقْطُرَ أو يَسِيْل، فَكَرِهَ أن يجعلَ القَطْرَ والسَّيَلان حَدًّا، وإن كان لا بدَّ منه مع الغَسْل. الثاني: معناه: استبراءُ الماءِ بالنَّثر والتَّنَحْنُحِ، يقال: نَضَحْتُ أَسَلْتُ، وانتضحتُ: تعاطَيْتُ الإِسَالة (١). الثالث: ما معناه: إذا توضَّأت فَرُشَّ الإِزَارَ الذي يلي الفرجَ بالماء، ليكون ذلك مُذْهِبًا للوسواس. ويُروى عن قَتادةَ: النَّضْحُ من النَّضْحِ (٢)، يقول: من أصابَه نَضْحُ البول، فعليه أن يَنْضَحَه بالماءِ، ويكون على هذا معنى الحديثِ الوارد: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ"، فذكر: "وانتقاضُ الماءِ" (٣)، ورواه أبو عبيد:

стр. 2662

"انتضاحُ الماءِ" (١)، وفسَّرَه بما قدَّمناه. قال: وكذلك روى أبو داود، والنَّسائي، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه كان إذا توضَّأ، أخذَ حَفْنة من ماءٍ، فقال بها هكذا، ووصفَ شعبةُ، ونضَحَ بها فَرْجَه (٢). الرابع: معناه الاستِنْجَاءُ بالماءِ، معناه إشارةٌ إلى الجَمْعِ بينَه وبينَ الأحجار، فمانَّ الحَجَرَ يُجَفِّفُ الموضِعَ، والماءُ يطهِّره (٣). الثالثة: قد قدمنا اختيار الوجه الثالث، وهو رَشُّ الماءِ على العضو بعد الوضوء، ومن شواهِدِه: روايةُ الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث ابن لَهِيْعَة بسنده إلى أسامةَ بنِ زيدٌ، عن أبيه: أنَّ جبريل نزل على النبي ﷺ في أولِ ما أوحي إليه، فعلَّمه الوضوءَ والصلاةَ، فلما فَرَغَ أخذَ النبيُّ ﷺ ماءً، فنضحَ بها فرجَه (٤). وعن أحمد بن حنبل: أنه تُكُلِّم في هذا الحديث. ومن شواهده: ما عند ابن ماجه من رواية قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: توضَّأ رسول الله ﷺ ، فنَضَحَ فَرْجَه (٥).

стр. 2663

ومنها: ما ذكر الدارقطني في "غرائِبِ حديثِ مالِك "، من رواية أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا توضَّأ نَضَح عانَتَهُ (١). ومنها: ما ذكره أحمدُ بن عُبَيْد بإسناده إلى عليٍّ قال: وضَّأتُ النبيَّ ﷺ ، فلما فَرَغَ نَضَحَ فرجَه، إلى غيرِ ذلك مما ذكرتُه في كتاب "الإِمَام (٢) في معرفَةِ أحاديثِ الأحكام" (٣). الرابعة: هذا الحكمُ معلّلٌ بعلَّتَيْن: إحداهما: ما تقدَّمتِ الإشارةُ إِليه؛ فيما حكيناه عن القاضي أبي بكر بنِ العربيِّ من إذْهابِ الوَسْوَاسِ، ومعناه: أنه إذا نَضَحَ الفرجَ، فوجد بلله، أحالَه على ما نَضَحَ به من الماءِ، فذهب الوسواسُ، ومثله قد تبيَّن في باب الاستبراءِ، وليس هو بالهيِّن عندي، وينبغي أن يكونَ محلُّه عندنا إذا تعارضتِ الاحتمالات على الاستواء، فحينئذ يُبنى على الأصل في الطَّهارة، وأما إذا كانت العادةُ في الشخصِ المعيَّنِ خروجَ الخارجِ، وعرفَ ذلك من نَفْسِهِ، فلا ينبغي أنْ يقالَ بهذا فيه؛ لأنَّ العملَ بالغلبة راجحٌ، والظنَّ المستفادَ منها أقوى من مقابِلِهِ. والمعنى الثاني في تعليلِ هذا الحكم: أنَّ الماءَ الباردَ ينقبِضُ له العضوُ وينكمشُ، بخلاف الحارِّ، فإنَّه يُرخيه، فإذا نَضَحَ بعد الوضوء بالماء البارد، كان أقربَ إلى عدم خروجِ الخارج لتقبُّضِ العُضْوِ.

стр. 2664

الخامسة: قد ورد في بعض الأحاديث من طريق ابن لَهِيْعَةَ، عند ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : "علَّمَنِي جبريلُ الوُضوءَ، وأمرني أن أنضحَ تَحْتَ ثوبي لِمَا يَخْرُجُ من البولِ بعد الوُضوء" (١)، وهذا ظاهر في تعليل النَّضْحِ لعدمِ الخروجِ. السادسة: فإذا ترجَّح هذا المعنى في التعليلِ، جُعِلَ أصلاً في مداواة المَرَضِ، ودَفْعِ ما عساه يُخْشَى من تجدُّدِه. السابعة: فإن ترجَّح المعنى الأولُ، ففيه دليلٌ على الرغبة عن الوسواسِ. الثامنة: ودليلٌ أيضاً على البناء على الأصلِ، إذا لم يتحقَّق مخالفُه، وأنه لا يُشْتَرَطُ القطع بزوال المخالِفِ، والله أعلم.

стр. 2665

الحديث الخامس والعشرون ومن حديث بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ ، فدعا بلالاً، فقال: "يا بلالُ! بِمَ سَبَقتنِي إلى الجنَّة" قال: "ما دَخَلْتُ الجنَّةَ قَطُّ إلا سمعتُ خَشْخَشَتَكَ أمامي" وفيه: فقال بلالُ: يا رسولَ اللهِ! ما أذَّنْتُ قطُّ إلا صلَّيْتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ قطُّ إلا توضَّأْتُ عِنْدَها، ورأيتُ أنَّ لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "بِهِمَا". لفظ رواية الترمذي، وحكم بصحته (١). الكلامُ عليه من وجوه:
следующие страницы →