← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعدَ تسعة وثلاثين رجلًا، وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين، وإحدى عشرةَ امرأة. وعن سعيد بن المسيِّب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلًا، وعشرِ نسوة، فما هو إلا أن أسلم، فظهر الإسلامُ بمكة (١). وقال الزبير بن بَكَّار: أسلم عمرُ بعد دخول رسول الله ﷺ دارَ الأرقم، بعد أربعين رجلًا، أو نيِّفٍ وأربعين من رجال ونساء، وكان النبي ﷺ قال: "اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ الرجلين إليكَ؛ عمرَ بنِ الخطاب، أو عمرو بن هشام" (٢) يعني: أبا جهل. وقد اشتُهر خبرُ إسلامه، وسببُه: أنَّ (٣) أختَه فاطمةَ بنتَ الخطاب ﵂ كانت زوجةَ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، أحدِ العشرة، وكانت أسلمتْ هي وزوجُها، فسمعَ بذلك عمر، فقصدها، فقرأا عليه القرآن، فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام، فأسلمَ، ثم جاءَ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابه، وهم مُختفون في دارٍ عند الصَّفا، فأظهر إسلامه، فكبَّر المسلمون فَرَحًا بإسلامه، ثم خرجَ إلى مجامعِ قريش، فنادى بإسلامه، فضربتْه جماعةٌ منهم، فضارَبَهم، فأجارَه خالُه، فكفُّوا عنه، ثم لم تَطِبْ نفسُ عمر ﵁ حينَ رأى المسلمين يُضرَبون،

стр. 2592

وهو لا يُضرَبَ في الله، فردَّ جِوارَه، فكان يضارِبُهم [ويضاربونه] (١)، إلى أن أظهرَ اللهُ تعالى الإسلام. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: كانَ إسلامُ عمرَ فَتْحًا، وكانت هجرتُهُ نَصْرًا، وكانت إمامتُهُ رَحْمَةً، ولقد رأيتُنَا، وما نستطيعُ أن نصليَ في البيت، حتى أسلمَ عمر، فلمَّا أسلم قاتلَهُم، حتى تركونا، فصلَّينا (٢). وروى البخاريُّ عن ابن مسعود قال: ما زلنا أَعِزَّةً منذُ أسلمَ عمر (٣). وعن حذيفةَ قال: لما أسلمَ عمرُ كان الإسلامُ كالرجل المُقبِل، لا يزدادُ إلا قُربًا، فلما قُتِلَ عمر، كان الإسلام كالرجل المُدبِرِ، لا يزدادُ إلا بُعدًا" (٤). قال محمد بن سعد: كان إسلامُ عمر ﵁ في السَّنَةِ السادسة من النبوَّة (٥)، واتفقوا على تسميته بالفاروق (٦).

стр. 2593

ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله جعلَ الحَقَّ على لسانِ عمرَ، وقلِبهِ، وهو الفاروقُ، فرَّقَ الله [به] (١) بين الحقِّ والباطلِ" (٢). وعن عائشة قالت: سمَّى رسولُ الله ﷺ عمرَ الفاروقَ (٣). واتفقوا على أنه أوَّلُ من سُمِّي أميرَ المؤمنين، وإنما يقال لأبي بكر: خليفةُ رسول الله ﷺ . وعمرُ ﵁ أحدُ السابقين للإسلام، وأحدُ العشرة المشهودِ لهم بالجنة، وأحدُ الخلفاءِ الراشدين، وأحدُ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأحد أكابرِ علماءِ الصحابة وزُهَّادهم. قال بعضهم: رُوي له عن رسول الله ﷺ خمس مئة حديث، وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاريُّ ومسلم منها على ستةٍ وعشرين حديثًا، وانفرد البخاريُّ بأربعة وثلاثين، ومسلمٌ بأحد وعشرين (٤). قلت: قد تقدم إن هذا لابدَّ أن يُضافَ إلى شيء معين، وإلا فلا يمكن حصرُهُ على الوجه. قيل: روى عنه عثمان بن عفَّان، وعليُّ بن أبي طالب، وطلحة

стр. 2594

ابن عُبيد الله، وسعدُ بن أبي وَقَّاص، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوف، وابن مسعود، وأبو ذَرٍّ، وعمرو بن عَبَسَةَ، وابنه عبد الله بن عمر، وابن عباسٍ، وابنُ الزُّبيرِ، وأنسٌ، وأبو موسى الأشعريُّ، وجابر بن عبد الله، وعمروُ بن العاص، وأبو لُبابة بن عبد المُنْذِر، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخُدري، وأبو هريرة، وابن السَّعْدِيِّ، وعقبة بن عامر، والنعمانُ بن بشيرٍ، وعَدِيُّ بن حاتم، ويَعْلَى بن أُمية، وسفيان ابن وَهْب، وعبد الله بن سِرْجِس، والفَلَتَان بن عاصم، وخالد بن عَرْفَطَة، والأشعثُ بن قيس، وأبو أُمامة الباهليّ، وعبد الله بن أُنيس، وبُريدَةُ الأسلميّ، وفُضالة بن عبيد، وشدَّاد بن أوس، وسعيد بن العاص، وكعب بن عُجْرة، والمِسْوَر بن مَخْرمة، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن الأرقم، وجابر بن سَمُرة، وحبيب بن مَسلمة، وعبد الرحمن بن أبزَى، وعمرو بن حُريث، وطارق بن شهاب، ومَعْمَر بن عبد الله، والمسيَّب بن حَزْن، وسفيان بن عبد الله، وأبو الطُّفيل، وعائشة، وحفصة ﵃، وكلهم صحابة. قلت: ولو قيل: وكلهم معددون في الصحابة لكان أجود. قيل: وروى عنه من التابعين خلائق؛ منهم: ابنه عاصم، ومالك ابن أوس، وعلقمة بن وقاص، وأبو عثمان النَّهْدي، وأسلمُ مولاه، وقيس بن أبي حازم، وخَلْق سواهم. قيل: وأجمعوا على كثرةِ علمهِ، ووُفُورِ فَهْمه، وزهدِهِ، وتواضُعِهِ، ورفْقِهِ بالمسلمين، وإنصافِهِ، ووقوفهِ مع الحقِّ، وتعظيمه

стр. 2595

آثارَ رسول الله، وشدةِ متابعته له، واهتمامِه بمصالح المسلمين، وإكرامه أهلَ الفضلِ والخير، ومحاسنُه أكثرُ من أن تُستقصى. قال ابن مسعود حينَ توفيَ عمرُ ﵁: ذَهَبَ بتسعة أعشار العلم (١). وأقوالُ السلف في علمه مشهورةٌ، وهاجر إلى المدينة، حتى أراد النبيُّ ﷺ الهجرةَ، فتقدم قُدَّامه في جماعة. قال البراء بن عازب: أوَّلُ من قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عمير، ثم ابنُ أمِّ مكتوم، ثم عمرُ بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعلَ رسول الله ﷺ ؟ قال: هو على إثري، ثم قدم رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ (٢). وعن علي ﵁ قال: ما علمتُ أحدًا هاجرَ إلا مُخْفيًا، إلا عمرَ بن الخطاب؛ فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّدَ سيفه، وتنكَّبَ قوسه، وانتضى (٣) في يده أَسْهُمًا، وأتى الكعبةَ، وأشرافُ قريش بفِنائها، فطاف سبعًا، ثم صلَّى ركعتين عند المَقام، ثم أتى [حِلَقَهم] (٤). واحدةً واحدةً،

стр. 2596

وقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكلَه أمُّه، ويُؤتَّمَ ولدُه، وتُرَمَّلَ زوجتُه، فليلقني وراءَ هذا الوادي، فما تَبِعَهُ منهم أحدٌ (١). قال ابن إسحاق: هاجر عمر وزيد ابنا الحطاب، وسعيد بن زيد، وعمر وعبد الله ابنا سراقة، وخُنيس (٢) بن حذافة، وواقدُ بن عبد الله، وخولي وهلال ابنا أبي خولي، وعيَّاشُ بن أبي ربيعة، وخالد وإياس وعاقل بنو البكير، ونزلوا على رفاعةَ بن المنذر في بني عمرو بن عوف (٣). وشهِدَ عمرُ ﵁ مع رسول الله ﷺ بدرًا، وأحدًا، والخندقَ، وبيعةَ الرِّضوانِ، وخيبرَ، والفتحَ، وحُنينًا، [وتبوك] (٤)، وسائرَ المشاهدِ، وكان شديدًا على الكفار والمنافقين، وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، فنزل القرآن على وَفْقِ قوله في ذلك، وكان عمر ﵁ ممن ثَبَتَ مع رسول الله ﷺ أحد. وأما زهده وتواضعه فمن المشهورات التي استوى الناس في العلم بها. وقال طلحة بن عبيد الله: كان عمرُ أزهدَنا في الدنيا، وأرغبَنا في الآخرة (٥). وقال سعد بن أبي وقاص: قد علمتُ بأيِّ شيء فَضَلَنا عمر،

стр. 2597

كان (١) أزهَدنا في الدنيا (٢). قال بعضهم (٣): وروينا أنَّ عمرَ دخل على ابنته حفصةَ، فقدمت له مَرَقًا باردًا، وصبَّتْ عليه زيتًا، فقال: أُدُمان في إناء واحد؟! لا آكله حتى ألقى الله (٤). وعن أنس قال: لقد رأيتُ في قميص عمر ﵁ أربعَ رِقاع بين كتفيه (٥). وعن أبي عثمان: رأيتُ عمرَ ﵁ يرمي الجمرة، وعليه إزارٌ مرقوع بقِطْعَةِ جِراب (٦). وعن غيره: أنَّ قميصَ عمر ﵁ كان فيه أربعَ عشرة (٧) رقعة، أحدُها من أدم (٨)، انتهى. وللصحابة ﵃ فضائلُ مأثورة عن النبي ﷺ ، فمن صحيحها:

стр. 2598

ما في حديثِ أبي موسى الأشعري الطويلِ، قال رسول الله ﷺ : "افتحْ له"؛ يعني: لعمر "وبَشِّرْهُ بالجنة" (١). وحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينَا أنا نائمٌ، رأيتُ الناسَ يُعرَضُون عليَّ، وعليهم قُمُصٌ، فمنها ما بلغ الثَّديَ، ومنها ما دُون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ بن الخطاب، وعليه قميصٌ يجُرُّهُ"، قالوا: فما أوَّلْته يا رسول الله؟ قال: "الدِّين" (٢). وحديث ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائمٌ، أُتيتُ بقَدَحِ لبنٍ، فشرِبْتُ منه، ثم إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يخرجُ من أظفاري، ثمَّ أعطيتُ فَضْلِي عمرَ بنَ الخطاب" قالوا: فما أولتَ ذلك يا رسولَ الله؟ "قال: العِلْم" (٣). وما في حديث سعد بن أبي وقاص: أنَّ رسول الله ﷺ قال لعمرَ: "يا ابنَ الخطاب! والذي نفسي بِيدِهِ، ما لقِيَكَ الشيطانُ سالكًا فجًّا، إلا

стр. 2599

سلكَ فَجًا غيرَ فجِّكَ" (١). وفى حديثِ أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائمٌ، رأيتُني في الجنَّة، وإذا امرأةٌ تتوضأُ إلى جانبِ قَصْرٍ، فقلت: لِمَنْ هذا القصرُ؟ فقالوا: لعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غيرتَكَ" فبكى عمر، وقال: أعليك أغارُ يا رسول الله (٢)؟! وفي حديثه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد كانَ فيمَنْ قبلَكم مِنَ الأممِ ناسٌ مُحدَّثون، فإن يكُ في أمَّتي أحدٌ، فإنّه عمرُ" (٣). وكذلك حديث الدَّلوِ والنَّزعِ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائمٌ، رأيتُنى على قَلِيْبٍ، عليه دَلْوٌ، فنَزَعْتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها أبو بكر، فنزعَ منها ذَنوبًا أو ذَنوبين، وفي نَزْعِهِ ضَعْفٌّ، واللهُ يغفر له، ثم جاء عمر، فاستقى، فاستحالت غَرَبًا، فلمْ أرَ عَبْقريًا يَفْرِي فَرِيَّهُ، حتَّى رَوَى الناسُ، فضربَ الناسُ بعَطَنٍ" (٤).

стр. 2600

قال بعضهم: قال العلماء: هذه إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر ﵄، وكثرةِ الفتوحِ، وظهورِ الإسلام في زمن عمر (١). ومنها: قوله ﵁: وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ: قلتُ: يا رسولَ الله! أرأيتَ لو اتَّخذنا من مَقامِ إبراهيم مُصَلّى؟ فنزلتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسولَ الله! يدخُلُ على نسائك البَرُّ والفاجِرُ، فلو أمرتَهُنَّ يحتجبْن؟ فنزلت آيةُ الحجاب، واجتمعَ نساءُ النبيِّ ﷺ في الغَيْرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك، وفي رواية: "أُسارى بدر" بدل "اجتماع النساء" (٢). وفي حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "بينما راعٍ في غنمِهِ، عدا الذِّئبُ، فأخذ منها شاةً، فطلبَها، حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذِّئبُ، فقال: من لها يومَ السّبع؛ يوم ليس لها راعٍ غيري؟ " فقال الناس: سبحان الله! فقال النبيُّ ﷺ : "فإني أؤمنُ بهِ، وأبو بكرٍ وعمرُ"، وما هما ثَمَّ (٣).

стр. 2601

وحديث ابن عباس: وُضِعَ عمرُ بن الخطاب على سريره، فتكنَّفَهُ الناسُ؛ يدعون، ويُثنون، ويصلُّون عليه قبل أن يُرفَع، وأنا فيهم، فلم يرُعْني إلا رجلٌ، قد أخذ بمِنكبِي من ورائي، فالتفتُّ إليه، فإذا هو عليّ، فترحم على عمر، وقال: ما خلَّفتُ أحدًا أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايمُ [الله] (١)! إن كنتُ لأَظُنُّ أن يجعلَكَ الله مع صاحبيك، وذلك أنيّ كنتُ كثيرًا أسمعُ رسول الله ﷺ يقول: "جئتُ؛ أنا وأبو بكر وعمر، ودخلتُ؛ أنا وأبو بكر وعمر"، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعَلَك معهما (٢). وحديث أنس: أنَّ رسولَ الله ﷺ صَعِد أُحدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجفَ بهم، وقال: "اثبتْ أُحد! فإنما عليكَ نبُّي، وصديقٌ، وشهيدان"، وهذا عند البخاري (٣). وعند مسلم، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ كان على حِراء؛ هو، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحرَّكت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : "اهدأْ، فما عليك إلا

стр. 2602

نبي، أو صديق، أو شهيد" (١). وحديث عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ بعثه على جيشِ ذاتِ السَّلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: "ثم عمر"، فعد رجالًا (٢). وعن عمر ﵁ قال: استأذنت رسول الله ﷺ في العُمرة، فأذن، قال: "لا تنسنا أُخَيُّ منْ دعائِكَ"، فقال كلمة لا يسرني أن لي بها الدنيا، وفي رواية أنه قال: "أشركْنا يا أخيُّ في دعائِك"، وهو عند أبي داود، والترمذي، وصححه (٣). وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ، وقلبه". وقال ابن عمر: ما نزلَ بالناس أمرٌ قطُّ، فقالوا، وقال عمر، إلا نزل فيه القرآنُ على نحو ما قال عمر، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤).

стр. 2603

وروى - أيضًا - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدُوا باللَّذينِ من بعدي؛ أبو بكرٍ وعمر" وقال: حديث حسن (١). وروى أيضًا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: "هذانِ سيدَا كُهولِ أهلِ الجنةِ من الأولِيْنَ والآخرينَ، إلا النبيِّيْنَ والمرسلينَ"، وقال: حديث حسن غريب (٢). وروى أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ نبيٍّ إلا ولهُ وزيران مِنْ أهلِ السَّماء، ووزيرانِ من أهلِ الأرضِ، فأمَّا وزيراي من أهلِ السماء: فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض: فأبو بكر وعمر" وقال: حديث حسن (٣). وصحَّحَ الترمذي أيضًا من حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبَّ هذين الرجلين إليك، بأبي جهلٍ، أو بعمرَ بن الخطاب"، وكان أحبَّهما إليه (٤) عمر (٥).

стр. 2604

وعنده، وعند أبي داود من حديث أبي سعيد: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أهلَ الدَّرَجاتِ العُلى ليَرَاهُم مَنْ تحتَهم، كما ترون النَّجَم الطالعَ في أفقِ السماء، وإنَّ أبا بكر وعمر منهم، وأَنْعَمَا" (١)؛ أي: زادا وفضلا (٢)، وقيل: دَخَلا في النعيم. وعند البخاري من حديث محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أيُّ الناسِ خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر (٣). وعنده عن ابنِ عمر قال: كنا نخيِّرُ بين الناسِ في زمنِ رسول الله ﷺ ، فنخيرُ أبا بكر، ثم عمرَ، ثم عثمان (٤). وعنده عن ابن عباس قال: دخل عُيينةُ بن حِصْنٍ على عمرَ بن الخطاب، فقال: هي يا ابنَ الخطاب! فو الله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعَدْل، فغضب عمرُ، حتى همَّ أن يُوْقِعَ به، فقال الحُرُّ

стр. 2605

ابن قيس: يا أمير المؤمنين! إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإنَّ هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزَها عمرُ حينَ تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتابِ الله تعالى (١). وعنده عن حَفْصَةَ: قال عمر: اللهمَّ ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعلْ موتي في بلدِ رسولك، فقلتُ: أنَّى يكونُ هذا؟ فقال: يأتيني بهِ اللهُ إذا شاء (٢). وعنده عنِ ابنِ عمر قال: ما رأيتُ أحدًا قطُّ بعدَ رسول الله ﷺ ، مِنْ حين قُبِضَ، كان أجدَّ وأجودَ، حتى انتهى من عمر (٣). وروى مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أنَّ عمرَ ﵁ كان يحمل في العام الواحد على أربعينَ ألف بعير، يحمِلُ الرجلَ إلى الشَّام على بعيرٍ، والرَّجُلين إلى العراقِ على بعير. (٤)

стр. 2606

وفي رواية الشافعي بإسناده، عن مولًى لعثمان، قال: بينا أنا مع عثمانَ في مالٍ له بالعالِيَةِ، في يومٍ صائفٍ، إذْ رأى رجلًا يسوقُ بَكْرين، وعلى الأرض مِثْلُ الفَراش من الحَرِّ، فقال: ما على هذا لو أقامَ بالمدينةِ حتى تَبْرُدَ، ثم يَرُوْحُ؟! فدنا الرجل، فقال: انظرْ! فنظرتُ، فإذا عمرُ بن الخطاب، فقلت: هذا أميرُ المؤمنين، فقام عثمان، فأخرج رأسه من البابِ، فآذاه نفحُ السَّموم، فأعاد رأسه، حتى حاذاه، فقال: ما أخرجَك هذه الساعة؟ فقال: بَكْران من إبل الصدقة تخلَّفا، وقد مُضي بإبِل الصَّدقة، فأردْتُ أن أُلحقهما بالحِمَى، وخشيتُ أن يضيعا، فيسألَني اللهُ عنهما، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! هلمَّ إلى الماءِ والظِّل، ونكفيك، فقال: عدْ إلى ظِلِّك، ومضى، فقال عثمان (١): من أحبَّ أن ينظر إلى القويِّ الأمينِ، فلينظرْ إلى هذا، فعاد إلينا، فألقى نفسه (٢). ومن المشهورِ من كرامته قصةُ سارية [و] (٣) الجبل، ففي بعض رواياتها: أنَّه كان يخطبُ يومَ الجمعة بالمدينة، فقال في خطبته: يا ساريةُ بنُ حصنٍ! الجبلَ الجبلَ! فالتفت النَّاسُ بعضهم إلى بعض، فلم يفهموا مرادَه، فلما قَضَى صلاته، قال له عليّ ﵁: ما هذا

стр. 2607

الذي قُلته؟ قال: وسمعتَهُ؟ قال: نعم، أنا وكلُّ أهلِ المسجد، قال: وقع في خَلَدي؛ أنَّ المشركين هَزَموا إخواننا، وركبوا أكتافهم، وأنَّهم يمرون بجبل، فإن عَدَلوا إليه، قاتلوا مَنْ وجدوا، وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا، فخرجَ منِّي هذا الكلام، فجاء البشيرُ بعد شهر، فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم، وفي الساعة حين جاوزوا الجبل، صوتًا يشبهُ صوتَ عمر، يقول: يا ساريةَ بن حصنٍ! الجبلَ الجبلَ! فعدلنا إليه، ففتح الله علينا (١). وليَ عمرُ الخلافةَ باستخلافِ أبي بكر الصديق ﵄، فقام بالخلافةِ أحسنَ قيام، وجيَّش الجيوش، وفتحَ البلدان، ومصَّرَ الأمصار، وأعزَّ الإسلام، وأذلَّ الكفر، وفتحَ الشامَ، والعراقَ، ومصرَ، والجزيرةَ، وديارَ بكر، وأرمينية، وأذربيجان، وأرانية (٢)،

стр. 2608

وبلادَ الجبال، وبلا د فارس، وخوزستان، وغيرها. واختلفوا في خراسان؛ قيل: فتحها عثمان، وقيل: فتحها عمر، ثم انتقضَتْ ففتَحها، والصحيح [عندهم] (١): أنَّ عثمانَ الذي فتحها. وكان عمرُ أول من دوَّنَ الديوانَ للمسلمين، ورتَّبَ النَّاس على سابقتهم في العطاء، وفي الإذن، وفي الإكرام. وقيل: إنه طُعِنَ في يومِ الأربعاء، لأربع ليالٍ بقينَ من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافتُه عشرَ سنين وخمسة أشهر وواحدًا (٢) وعشرين يومًا. وقيل: توفِّي لأربع بقينَ من ذي الحجة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وقيل غيرُ ذلك في مدَّةِ الخلافة وتاريخ الطعن والوفاة، وتوفي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين سنة على المشهور، وما ثبت في "الصحيح" عن معاوية بن أبي سفيان. وقيل في صِفَةِ عمر ﵁: إنَّه كان طُوالًا جدًا، أَعْسَر يسر، وهو الذي يعملُ بيديه جميعًا، وكان أبيضَ يعلوه حُمْرة، وإنَّما صار في لونه سُمرة في عام الرَّمادة؛ لأنه أكثرَ أكلَ الزيتِ، وترك السَّمنَ، للغلاء الذي وَقَعَ بالناسِ، فامتنع من أكلِ اللبنِ والسَّمنِ، حتى لا يتميَّز

стр. 2609

على الضَّعَفَةِ، والله تعالى أعلم (١). * الوجه الثاني: في الإيراد على الوجه: روى مسلمٌ من حديث عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعايةُ الإبلِ، فجاءت نوبتي، فروَّحْتُها بعشِيٍّ، فأدركْتُ رسولَ الله ﷺ قائمًا يحدِّثُ الناس، فأدركْتُ مِنْ قوله: "ما مِنْ مُسلمٍ يتوضَّأُ، فيُحْسِنُ وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقبلٌ عليهما بقلبه ووجهِهِ، إلا وجبَتْ له الجنة"، قال: فقلتُ: ما أجودَ هذه! فإذا قائلٌ بينَ يديَّ يقول: التي قَبْلها أجودُ، فنظرتُ فإذا عمرُ، قال: إني قد رأيتك جئتَ آنفًا، قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ يتوضَّأ، فيُبلغُ، أو فيُسْبغ الوضوءَ، ثُمَّ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله [وحدَهُ لا شريكَ له] (٢)، وأنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُهُ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجَنَّةِ الثمانيةُ، يَدْخُلُ من أيِّها شاء".

стр. 2610

والحديثُ في الجملة عند الترمذي، والنسائي، من رواية زيد بن حباب، عن معاويةَ بن صالحٍ بسنده، وفي لفظ الإسناد عند مسلم إشكالٌ، ينبّه عليه أهلُ الحديث؛ وهو مما تَكَلَّمَ عليه أبو علي الجَيَّاني، وذلك أنَّ مسلمًا أخرجه عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاويةُ بن صالحٍ، عن ربيعةَ؛ يعني: ابنَ يزيد، عن أبي إدريس الخَولانيّ، عن عقبةَ بن عامرٍ. قال: وحدثني أبو عثمان، عن جُبَيْر بن نُفَيْر، هكذا وقع، قال أبو عثمان من غير إيضاح بقائله، فقيل: القائلُ ربيعةُ بن يزيد، وأنه وقع مبينًا في رواية قال ربيعة: وحدثني أبو عثمان، قيل: وما بعده يصححه في الحديث الآخر. وقال آخر: وهذا وَهْمٌ، والصوابُ: أنَّ قائل ذلك معاوية بن صالح (١). وعلى كل حال فلا تَضُرُّ جهالةُ قائله في الحكم بتصحيحِهِ، بعد كونِ كلِّ واحدٍ من الرجلين اللَّذينِ تردد القول بينهما ثقةً. وأما الرواية الذي ذُكِرَ أن فيها: "أشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له" فإن مسلمًا أخرجَها من حديثِ زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن جُبير بن نفير بن مالكٍ الحَضْرمي، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنِيّ، ولم يَسُقْهُ بتمامِ لفظِهِ، وقال: إنَّ رسول الله قالَ، فذكر مثلَه،

стр. 2611

غير أنه قال: "مَنْ توضأَ فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه"، لم يزِدْ على هذا. ورواه أبو نعيم الحافظ من طريق معاوية بن صالح، عن أبي عثمانَ، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ خُدَّام أنفُسِنِا، نتناوبُ على الرّعايةِ؛ رعايةِ إبِلِنا، فكنتُ على رعايةِ الإبلِ، فروَّحْتُها بعشيٍ، قال: فذكر نحوَه، ولم يسُقْه بتمامه أيضًا. قال: وقال معاويةُ: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، نحوه (١). فمسلمٌ، وأبو نُعيم [لم] (٢) يذكرا الحديثَ بتمامِهِ، وهو عندَ الحافظ أبي عَوَانة الإسِّفراييني في "مسنده" بتمامه على الوجه، فاحتجْنا إلى إيراده من جهته: ثنا بَحْرُ بن نَضْر، ثنا ابن وَهْب قال: سمعتُ معاويةَ بن صالح يحدِّثُ عن أبي عثمان النهدي، عن جُبَيْرِ بن نُفير، عن عقبة بن عامر: أنه قال: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ خُدَّام أنفسِنا، نتناوبُ رعايةَ إبلِنا، فروحتها بعشي، فأدركتُ رسولَ الله ﷺ يخطبُ الناسَ، فسمعته يقول: "ما [مِنْكُم] (٣) أحدٌ يتوضأُ، فيُحْسِنُ الوضوءَ، ثم يقومُ فيركَعُ ركعتين، يُقْبِل عليهما بقلبِهِ وبوَجْهِهِ، فقد أَوْجَبَ"، فقلت: بخٍ بخٍ، ما أجودَ هذه! فقال رجلٌ بين يديّ: التي قبلها أجودُ،

стр. 2612

فنظرتُ إليه، فإذا هو عمرُ بن الخطاب، فقلت له: ما هي يا أبا حَفْصٍ؟ قال: إنَّه قال آنفًا قبل أن تجيءَ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ يتوضَّأُ فيحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ حينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضوئه: أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، إلا فُتحَتْ له أبوابُ الجنة الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاءَ". قال معاوية بن صالح: وحدَّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. قال معاوية - هو ابن صالح -: وحدَّثني عبد الوهابِ بن بخت، عن ليثِ بن أبي سُلَيْم، عن عقبة بن عامر (١). * الوجه الثالث: في تصحيحه: وقد ذكرنا أن مُسْلمًا أخرج حديث عمر وعقبة، وما وقَعَ مِنَ الاختلافِ فيمنْ قال: عن أبي عثمانَ، فإنَّ ذلك لا يَضُرّ. * الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: قوله: "فروَّحْتُها بعشي" الضمير للإبِلِ، وقد تقدَّم ذكرُها في قوله: "كانتْ علينا رعايةُ الإبل"؛ أيْ: جِئْتُ بها للمَبِيْتِ،

стр. 2613

والمُراحُ: موضع مبيت الماشية، بضمِّ الميم (١). وقال أبو نعيم "فروَّحتها": الخروج بعد الزوال (٢). قال الجوهري: ورَاحَت، وأرَحْتَها: إذا رَدَدْتَها إلى المُراحِ، وقال أيضًا: والرَّواحُ: نقيضُ الصَّباح، وهو اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى الليل (٣). قال الرَّاغب: وراحَ فلانٌ إلى [أهله؛ إما] أنّه أتى لهم (٤) في السُّرعة كالرِّيح، أو أنّه استفاد برجوعه إليهم رَوْحًا من المَسرَّة. والراحةُ من الرَّوْح، ويقال: افعل كذا في سَرَاح ورواح (٥)؛ أي: في سهولة. والمُروَاحَة في العمل: أن يَعْمَلَ هذا مرةً وذاك مَرَّة، واستُعِيْرَ الرواحُ للوقت الذي يُرَاحُ الإنسانُ فيه من نِصْفِ النهار، ومنه قيل: أَرَحْنا إبلنا، وأرحْتُ إليه حقَّهُ مستعارٌ من: أرحت الإبل، والمُراح: حيثُ تُراح [الإبل] (٦) (٧).

стр. 2614

الثانية: قال الجوهري: العَشِيُّ، والعَشِيَّة: من صلاة المغرب إلى العَتَمة، تقول: أتيته عشيَّ أمسِ، وعشِيَّةَ أمسِ، وتصغيرُ العَشِيِّ: عُشَيَّان على غير مُكبَّر (١)، كأنهم صَغَّروا عَشْيَانًا، والجَمْعُ: عُشَيَّانات، وقيل أيضًا في تصغيره: عُشَيْشِيَان، والجمع: عُشَيْشِيَانات، وتصغير العَشية: عُشيَّة (٢)، والجمع: عُشيشيات، والعِشَاء - بالكسر والمَدِّ -: مثل العشي، والعِشاءان: المغرب والعَتَمة. قال: وزَعَمَ قوم: أنَّ العِشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا [من الوافر]: غَدَوْنَا غَدْوَة سَحَرًا بليلٍ ... عِشَاءً بعدمَا انتصفَ النَّهارُ (٣) الثالثة: قال الرَّاغب في "المفردات": في أَنْف: أصلُ الأَنْف الجارحةُ، ثم يسمَّى به طَرَفُ الشيء وأشرَفُهُ، يقال: أَنْفُ الجبل، وأنفُ اللحية، ونسُبَ الحَمِيَّةُ والغضبُ والعزةُ والذلَّةُ إلى الأنف حتى قال الشاعر [من الطويل]:

стр. 2615

[إذا غَضِبَتْ] (١) تلكَ الأنوفُ لَمْ ارْضَها ... ولمْ أَطْلبِ العُتْبى ولكنْ أزيدُهَا (٢) وقيل: شَمَخَ فلان بأنفه: للمتكبِّر، وتَرِبَ أنفُه: للذليل، وأَنِفَ فلانٌ من كذا؛ بمعنى: استنْكَفَ، وأَنَفْتُهُ: أصَبْتُ أنفَهُ، وحتى قيل للأَنَفة: الحميَّة (٣)، واستأنفتُ الشيء: أخذْتُ أنفَه، أي: مُبْتَدَأه، ومنه: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]؛ أي: مبتدأً (٤). وقال ابن فارس في "المُجمَل": وشريفُ القوم: أَنْفُ، وطرف اللحية: أَنْفُها، والناتِئ من الجبل: أَنْفٌ، والأَنْف: أوَّلُ الشيء، وروضةٌ أُنُف: إذا كانت لم تُرْعَ، وأَنِفَ الرجلُ أَنَفًا وأَنفَة، وكأنه مشتقٌ من شَمَخَ بأنفِهِ، وأَنَفْتُ الرجلَ: ضَرَبْتُ أنفَه، ويقال: استأْنَفْتُ الشيء، وامرأة أَنوفٌ: طيِّبةُ ريح الأنف، وجمل أَنِفٌ، أي: أوجَعَتْه الخِزامَة، فتسلس منها، ويقال: عدا الشيء، وأنفَ الشدُّ أي: أشده، قال ذلك ابن السِّكِّيت (٥). قلت: يمكن أن نُحاول رَدَّ الجميع إلى معنى واحد، ولكن الذي

стр. 2616

نختاره: أنَّا إذا جعلنا اللفظَ حقيقةً في شيء، وحاولنا ردَّ الباقي إليه بالمجازِ، وكانتِ العلاقةُ خفيَّةً (١)، أو بعيدةً جدًا، أنْ نُقَدِّمَ الاشتراكَ حينئذٍ، والمجازُ وإن كان خيرًا منه، إلا أنَّه يبقى مَرْجُوحًا بالنسبة إلى خَفَاء علاقَتِهِ، أو بُعْدِها، وقد ذكر الواحديُّ في "وسيطه" في تفسير قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]؛ أي: الساعَةَ، ومعنى الأنف: من الائتناف، يقال: ائتنفْتُ الشَّيءَ، أي: ابتدأْتُه، وأصله من الأَنْف، وهذا ابتداء كل شيء (٢)، و [هذا] (٣) كأنه يَرُدُّ أكثرَ الاستعمالات، أو كلَّها، إلى معنى الابتداء. الرابعة: قال الراغب: البُلُوغ والبَلاع: الانتهاءُ إلى أقصى المَقْصِد والمُنتهى، مكانًا كان أو زمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدَّرة، وربما يُعبَّر بِهِ عَنِ المشارَفةِ عليه، وإن لم ينتهِ إليه، فمن الانتهاء: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، و ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦]، ﴿أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ [القلم: ٣٩]؛ أي: منتهيةٌ في التوكيد. والبَلاغ: التبليغ، نحو قوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقوله: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا

стр. 2617

الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. والبلاغُ: الكفايةُ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ أي: إنْ لم تبلغْ هذا، أو شيئاً منه مِمَّا حُمِّلتْ، تكنْ (١) في حُكْمِ مَنْ لم يُبَلِّغْ شيئاً مِنَ الرسالة، وذلك أنَّ حكمَ الأنبياء وتكليفاتِهِمْ أشدُّ، وليسَ حُكْمُهُم كحكمِ سائرِ النَّاسِ، الذين يُتجافى عنهم (٢) إذا خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فللمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجَلِ لا يصِحُّ للزوج مُراجعتُها وإمساكُها. ويقال: بَلَّغته، وأَبْلَغته، وبلَّغته أكثر، قال : ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧]، وقال (٣): ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وفي موضع: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وذلك نحو: أدرَكني الجَهْدُ، وأدركتُ الجَهْدَ، ولا يصح: بَلَغَني المكانُ، وأدركَني.

стр. 2618

والبلاغةُ تقال على وجهين: أحدهما: أن يكون بذاتِه بليغًا، وذلك بأن يَجْمَعَ ثلاثة أوصافٍ: صوابًا في وضع لغتِهِ، وطِبْقًا للمعنى المقصودِ، وصِدْقًا في نفسه، ومتى اخترم وصفٌ من ذلك، كان ناقصًا في البلاغة. والثاني: أن يكونَ بليغًا باعتبارِ القائلِ والمَقُولِ له، وهو أنْ يَقْصِدَ القائل به أمرًا ما، فيورده على وجهٍ حقيقٍ أن يقبلَه المقولُ له، وقول الله : ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] يصح حملُه على المعنيين. وقولُ مَنْ قال: معناه: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ أي: إنْ أظهرتُم ما في أنفسكم قُتِلْتُم، وقول من قال: خوِّفْهم بمكارِهَ تنزلُ بهم، فإشارةٌ إلى بعض ما يقتضيه عمومُ اللفظ. والبُلْغَة: ما يُتبلَّغ به من العيش (١). الخامسة: شَهِدَ، يطلق ويراد به: حضر: شَهِدْتُ حَرْبَ كذا، وسُوْقَ كذا. ويطلق شهد بمعنى: عَلِمَ: شَهِدْتُ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ. ويطلق بمعنى: أظهرَ، وأبانَ (٢): شهدَ الشاهدُ عند الحاكم بكذا، أي: أظهرَ ما عنده من العلم وأبانه، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]: أظهرَ ذلك بما أبدعَ مِنْ مخلوقاتِهِ ومصنوعاته،

стр. 2619

وأبان من الدلائل على وحدانيّته (١). وقد يلزمُ بعضُ هذه المعاني بَعْضًا، وقد يصِحُّ توارُدُهُما في محل، فقولُه: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، يجوز أن يكونَ بمعنى: أعلمُ، ويجوز أن يكونَ بمعنى: أُظْهِرُ وأُبِيْنُ. وجدتُ في تلخيص أبي القاسم عبد الرحمنِ بنِ إسحاقَ النّحويِّ الزجَّاجيِّ لكتاب "الزاهر" لأبي بكر بن الأنباري (٢): وقولهم: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: - يعني ابن الأنباري - أعلمُ أنَّه لا إلهَ إلا اللهُ، وأُبِيْنُ أنَّه لا إلهَ إلا الله، وحُكِيَ [ذلك] (٣) عن ثعلب، قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، ولما أنهم (٤) جحدوا نبوة النبي ﷺ ، وإن كانوا قد ثبتوا على أنفسهم الضلالة والكفر. قال: وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] بيَّنَ الله (٥) أنه لا إله إلا هو.

стр. 2620

وقال أبو عبيدة: معناه: أنه قَضَى اللهُ أنَّه لا إلهَ إلا هو. قال: وقولهم: شَهِدَ فلانٌ عند الحاكمِ، أي: بَيَّنَ له وأعلمه (١). واعترضَ أبو القاسم عليه، فيما وجَدْتُه، فقال: ليس حقيقةُ الشهادة كما ذكره، ولو كان معنى الشهادة البيانَ والإعلام، لما أكذَبَ الله تعالى المنافقين في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]؛ لأنَّ البيان الإعلامُ، والبيانُ باللسانِ لا بالقلبِ، فقد قالوا بألسنتهم، وأَعْلموا، فكذَّبهم الله تعالى؛ لأنَّ الشهادة في هذا الموضع، إنَّما هي تحقيقُ الشيء وتيقُّنه، فكذَّبهم الله لأنَّهم أبطنوا خلاف ما أظهروا. فقد تكون الشهادة على ضُرُوب، وأصلُها: تحقيق الشيء وتيقنه، من شهادة الشيء، أي: حضوره؛ لأنَّ مَنْ شَاهَدَ شيئاً، فقد تيقَّنه علمًا، فاستُعملت هذه اللفظة في تحقيق الأشياء، ثم اتُّسِعَ فيها بعد ذلك، فاستُعْمِلَت في موضعين آخرَين: أحدهما: الإقرارُ بالشيء. والآخر: الإظهارُ والبيان. فمن الإظهار والبيان: ما ذكره من قوله : ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، ومنه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وما أشبه ذلك.

стр. 2621

فأمَّا شهادَةُ الشاهد بالحقوقِ، فإنَّما هي إخبارٌ منه عما شاهده وتيقَّنه، وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعًا. وأما الإقرارُ فما كان يُؤْخَذُ به المشركون في صدر الإسلام من الدُّعاء إليه، وهو أنَّهم كانوا يقاتَلون، حتى يقولَ الواحدُ منهم: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيحْقُنُ مالَه ودمَه، فإنما (١) كان يُراد منهم الإقرارُ بهذا، ألا ترى أنَّ المنافقين على عَهْدِ النبي ﷺ وآله، كانوا يقولون هذا، ويُقِرُّون به في الظاهر، فيصير لهم حُكْمُ المسلمين، ويُبْطِنون خلافه؟ قلت: ليس في هذا (٢) التلخيصِ تلخيصٌ (٣). * الوجه الخامس: في شيء من العربيَّة، وفيه مسائل: الأولى: الضَّمير في "رَوَّحْتُها" عائدٌ على الإبل، وقد تقدَّم ذِكْرُها في قوله: "كانت علينا رعايةُ الإبِلِ". الثانية: قوله: "بعشيٍّ" حال؛ إمَّا من ضميره، أو من ضميرها، أو منهما معًا.

стр. 2622

الثالثة: قوله: "يحدِّث الناسَ" حالٌ من الرسولِ ﷺ ، والعاملُ فيه الضميرُ في "أدركت"، أو مِنَ الضميرِ في "قائمًا"، وقائمًا حالٌ من الضمير في "أدركتُ"، كما ذكرناه. الرابعة: قولُه: "مِنْ" للتبعيض؛ لأنَّ الذي أدركَه بعضُ قولٍ، هو أكثرُ منه، ويجوز على مذهب أبي الحسن: أن تكونَ زائدةً؛ لأنه يجيزُ زيادتَها في الإثبات، والأول أولى؛ لدلالة السِّياقِ على ما تقدم. قول آخر: يكون هذا بعض الجملة منه، ومن هذا (١). الخامسة: قوله: "ما أجودَ هذه"، (ما) هذه هي التي للتعجُّب، وقد اختلف النحويُّونَ فيها؛ فقيل: إنَّها بمعنى الذي، وقيل: إنها نكرةٌ بمعنى شيء، أو ما قاربه، وهذا مذهب سيبويه، والأول مذهب الأخفش (٢)، ولبعض المتكلِّمين اعتراضات على مذهب سيبويه، المتأخرون صمٌّ (٣) عن استماعها. السادسة: قوله: "ما أجودَ هذه" تأنيثٌ [بمعنى الكلمة، المقصود بها الجملة، والكلمةُ تطلقُ ويراد بها الجملةُ، بل وعلى ما] (٤) يراد [به] (٥) الجملُ، كإطلاق الكلمةِ على القصيدة.

стр. 2623

السابعة: (إذا) هي التي للمفاجَأَة، قال أبو محمد ابن بَرِّي - فيما وجدْتُه عنه -: اختلف النحويون في (إذا) التي للمفاجأة: فاختارَ بعضُهم: أنَّها حرفٌ؛ لأنَّ المفاجأة معنَى من معاني الكلام؛ كالاستفهامِ والنَّفيِ والتوقُّعِ، والأصلُ: أنَّ هذه المعاني وما أشبَهها، تُؤدَّى بالحروف، نحو: قدْ، ومَا، ألا تراهم يقولون: أصلُ أدواتِ الشَّرْط: إِنْ، وأصلُ أدواتِ الاستفهامِ: الهمزةُ؛ لحرفيَّتِهما (١). واختار بعضُهم: أنَّها ظرفُ زمانٍ، لأنَّها إذا لم تكن للمفاجأة كانت ظرفَ زمانٍ بلا خلافٍ، وجعلَها كلمةً واحدةً وضعَتْها العربُ لظرفِ زمان، ولم تُخْلِها عنه، وأضافَتْ إلى دِلالتها على الزمان، تارةً الشرط، أو نحو: إذا قام زيدٌ قُمْتُ، وتارةً المفاجأة في نحو: خرجْت فإذا السبع، وتارةً جرَّدَتْها عنهما، ومَحَّضتها للزمان، نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، أولى من جعلِها لفظاً مشتركاً بين الاسميَّة والحرفيَّة، أو بين ظرفي الزمان والمكان. واختار بعضهم: أنها ظرفُ مكانٍ، وهو مذهبُ سيبويه، وعليه شَرْحُ أبي سعيدٍ، ومذهب الفراء، والمبرد، والأخفش، وأبي عليّ، وكثير من المحققين؛ لأن معنى المفاجأة: حُضُورُ الشيءِ معك بغتةً، اتفاقاً، وذلك في مكانِ فِعْلِكَ الذي باغتك ذلك الشَّيءُ فيه، أَقْعَد في معنى المفاجأة، وأَدْخَل فيها من حضوره معك في زمان فعلك، وقد تكلَّمَتِ العربُ فيه على ثلاثةِ أوجُهٍ:

стр. 2624

الأول: خَرَجْتُ فإذا زيدٌ، وله مَحْمَلان مِنَ الإعراب: أن يكون زيدٌ مبتدأً، و (إذا) خبرَه، وعلى هذا الوجْهِ يتعيَّنُ أن يكون (إذا) ظرفَ مكان؛ لأنَّ الحرفَ لا يُفيد مع الاسم الواحد إلا في النّداء، وظرفُ الزمانِ لا يجوزُ أن يكونَ خبراً عن الحيثِ، فهو نظيرُ قولِكَ: عندي زَيْدٌ، ولولا تأويلُ (إذا) بـ (عندي) لم يجزْ أن تكون خبراً بنفسها؛ لعدمِ الفائدةِ، كما أوَّلوا (ذا) في الصِّفات بصاحبِ؛ ليصحَّ وقوعُه صفةً في قولك: هذا رجلٌ ذو مالٍ. وأن يكونَ (زيدٌ) مبتدأً محذوفَ الخبرِ؛ لدلالةِ المفاجأةِ عليه؛ أي: فإذا زيدٌ حاضرٌ، وما أشبهَ ذلك، ومحلُّ (١) (إذا) نُصِبَ على الظَّرف على قول من جَعَلها ظَرْفاً، ولا محلَّ لها على قول من جعلها حرفاً؛ لأنَّها على هذا الوجه باقيةٌ على احتمالاتها الثلاثة. الوجه الثاني: خرجْتُ فإذا زيدٌ قائم، يُرْفَعْ (قائم) على أنّه خبرُ (زيد)، و (إذا) ظرفٌ محلُّه النَّصبُ، أو حرفٌ لا محلَّ له. الوجه الثالث: خرجْتُ فإذا زيدٌ قائماً، بنصْبِ (قائماً) على الحال، فإما أن يكون (إذا) ظرفَ مكانِ خبراً عن (زيد)، كما تقدم، وإما أن يكون خبرَ (زيد) محذوفاً، وتبقى (إذا) على احتمالاتِها الثلاثةِ، والعاملُ فيها - عند من يرى ظرفيَّتها - ما دلَّتْ عليه من معنى المفاجأة، فإذا قُلْتَ: خرجْتُ فإذا السّبعُ، تأويلُه: فاجأَني، أو بَغَتنَي،

стр. 2625

أو حصرَني عند خروجي السَّبعُ، والله أعلم أيّتهنَّ (١). قال الشيخُ العلَّامة أبو عمرو بن الحاجِب، فيما وجدْته عن "أماليِّه": ومِنْ حَذْفِ الخبرِ قولُهم: خَرَجْتُ فإذا السّبعُ، (إذا) هنا للمفاجأة، وهي ظرفُ مكان في أصحِّ الأقوالِ؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ خروجُ الشيءِ معك في زَمَنِ وصفِك بالخروج، أو في مكانِ خروجِك، وحضورُه معك في زَمَنِ خروجك، ألصقُ بك من حضورِه في زمنِ خروجك؛ لأنَّ حصرَ ذاتِك في مكان فعلِك، حين تلبُّسِك به أمسُّ بكَ من حَصْرِك في زَمَنِ فعلِك، حينَ تلبُّسِك به؛ لأنَّ ذلك المكان يَخُصُّك ذلك الحينَ دون من أشبهك، ذلك الزمن لا يخصُّك دونَ من أشبهك، وكلَّما كانَ المفاجَأ ألصقَ بالمفاجِئ، كانت المفاجأةُ أقوى، وهي تدلُّ على الوجود، فلا يخلو إمَّا أنْ تريد وجوداً مطلقاً، أو لا تريدَ ذلك، فإن أردتَ الوجودَ مطلقاً، جازَ حذفُ خبرِ المبتدأ الواقع بعدَها؛ نحو: خرجت فإذا السَّبعُ، وإن شئت قلت: فإذا السبع موجودٌ، وإن لم تُرِدِ الوجودَ المطلق، بل المقيَّد، بأنْ تريدَ قياماً أو قعوداً أو ضَحِكاٌ، فلا بدَّ من ذكره، إذْ ليس في (إذا) ما يدل على ذلك القيد؛ لأنهّ ليس فيها أكثرُ من مُطْلَقِ الوجود، كما قالوا ذلك في نحو: زيدٌ في الدار، على [هذا] (٢) التفصيل. الثامنة: قوله: "جئت آنفًا"، فيه وجهان:

стр. 2626

أحدهما: أن يكون ظرفاً، أي: وقتاً مؤتَنِفاً. والثاني: أن يكون حالاً من الضمير في (جئت)؛ أي: مؤتنفاً. التاسعة: "وحدَه" قال الجوهريُّ ﵀: الوحدةُ: الانفرادُ، تقول: رأيتُه وحدَهُ، وهو منصوبٌ عندَ أهلِ الكوفة على الظَّرفِ، وعندَ أهلِ البصرةِ على المَصْدرِ في موضع حال، كأنَّك قلت: أوحدْتُه برؤيتي إيحاداً، أي لم أرَ (١) غيَره، ثم وَضَعْتَ (وحده) في هذا الموضع. وقال أبو العباس: يَحْتَمِل أيضاً وجهاً آخر، وهو أن يكونَ الرجلُ في نفسه منفرداً، أو كأنّك قلتَ: رأيتُ رجلاً منفرداً انفراداً، ثمَّ وضعت (وحده) في موضعه. ولا يضافُ إلا في قولهم: فلانٌ نسِيْجُ وَحْدِهِ، وهو مَدْحٌ، وجُحَيْشُ (٢) وحدِهِ، وعُيَيْرُ (٣) وَحْدِهِ، وهما ذَمٌّ. كأنَّك قلتَ: نسيجُ إفرادٍ، فلما وضعت (وحده) موضعَ مَصْدَرٍ مجرورٍ جررتَه. وربما قالوا: رُجَيلُ وحدِهِ (٤). وقال أبو الحسن بن عصفورٍ النحويُّ (٥): اختلفوا فيه؛ فمنهم مَنْ زعم: أنه انتصبَ انتصابَ الظروفِ، وهو يونس، ويقول: إنَّك إذا

стр. 2627

قلت: زيدٌ وَحْدَهُ، فالمعنى: جاء زيدٌ على حيادة، فكأن الأصلَ: جاء زيد على وَحْدةٍ، ثم حُذف حرفُ الجَرِّ، ونُصِبَ [كما] (١) يُعمَلُ بالمفعولِ إذا حُذِفَ منهُ حرفُ الجَرِّ، وحُكِيَ من كلام العرب: جَلَسا على وحدَيْهِمَا. ومنهم من قال: إنَّه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ، والقائلون بهذا: منهم مَنْ يقول: إنّه مصدرٌ لمْ يُلْفَظ له بالفعل مثل: الأبوَّة، والأخوَّة، والعمومَة، ويَحْتَجُّ الأول بأنْ يقولَ: قد وجدنا مصدرَ (أفْعَلَ)، يأتي على وزن مصدر (فَعَل)، ويأتي مصدر (تَفَعَّل) على وزن مصدر (فَعَّل)، مثال الأول: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، فنبات مصدر أَنْبَتَ، لكنَّه على تَوَهُّمِ حَذْفِ حرفِ الزيادة، وذلك أن (أَفْعَلَ) لا يأتي مصدرُه إلا إِفْعالاً، فجاء مصدرُ أنبت على نَبَاتٍ على توهُّمِ حذفِ حرفِ الزيادة، ومصدر تَفَعَّل تَفَعُّلاً، نحو تَكَرَّم تكرُّماً، وقال تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وتبتيلٌ إنَّما هو مصدرُ بَتَّلَ، فجاء على حَذْفِ حرفِ الزيادة، وكذلك (وحده). ومنهم من قال: إنَّه اسمٌ موضوع [موضعَ] (٢) المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفعل؛ أعني: فعلَ الحالِ، وهو الأصح.

стр. 2628

وأمَّا مَنْ قال: إنَّه ظرفٌ، فباطلٌ؛ لأنَّ حذفَ [حرف] (١) الجر لا يجوز بقياس، ومهما أمْكَنَ أنْ يخرج عن حذف [حرف] (٢) الجرِّ، فهو أحسن. وأما من قال: إنه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ على توهُّمِ حذفِ الزيادة، أو مصدرٌ لا فِعْلَ له، فباطلٌ أيضاٌ؛ لأنَّ هذه المصادرَ الموضوعةَ موضعَ الأحوال تَتصرَّفُ، وهذا لا يتصرّفُ، فدلَّ على بُطلانِ مذهبِهم. فلم يبق إلا ما ذهبَ إليه سيبويهِ؛ مِنْ أنَّه اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحال، فـ (وحده) عندَ سيبويهِ موضعَ (٣) (اتحاد) الموضوع موضع (موحد)، وإذا قلتَ: ضربتُ زيداً وَحْدَه، ففيه خلاف: ومذهب سيبويه: أنَّه حالٌ من الفاعلِ، كأنه [إذا] (٤) قال: ضربْتُ زيداً وحده، قال: مُفْرِدًا له بالضَّرب (٥). والمبرِّدُ يقول: إنهُ يجوز أن يكون حالاً من المفعول، فإذا قلتَ: ضربتُ زيداً وَحْدَه، فمعناه: ضربت زيداً في حالِ أنه مُفْرَدٌ بالضَّربِ (٦).

стр. 2629

ومذهبُ سيبويه أحسنُ؛ لأنَّ وضعَ المصادرِ موضعَ اسمِ الفاعل أكثرُ وأَطْرَدُ من وضعِها موضعَ المفعولِ، ولا يجوزُ في (وحده) الرفعُ، ولا الخفضُ، إلا ألفاظاً شاذَّة، لا يُقاس عليها، وهو عُيَيْرُ (١) وحدِهِ، وجُحَيْشُ وحدِهِ. العاشرة: النحويون يقولون في (لا إلهَ إلا الله)، وأمثاله: إنَّ خبرَ (لا) محذوفٌ، ويقدرونه بـ: لا إله لنا موجودٌ، أو ما أشبه [ذلك] (٢)، ونازَعهم في ذلك بعضُ أكابرِ المتكلِّمين، بناءً على أنَّ النفيَ للماهيَّة منْ غيرِ قيدٍ أعمُّ من نفيهِا بقيدٍ، والتقديراتُ المذكورةُ مقيَّدَةٌ، فكان الأولُ أولى. الحادية عشرة (٣): قوله: "لا شريكَ له" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون (له) خبر يتعلَّقُ بما تتعلق به المجروراتُ إذا كانت أخباراً (٤). والثاني: أن تكونَ (له) صفةً، فتتعلقُ بمحذوف أيضاً، ويكون في محله وجهان، ولا يتعلق بـ "شريك"؛ لأنَّه حينئذٍ يطولُ، فلا يُبنى، ويلزم تنوينُه، وذكر الزمخشريُّ في قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ

стр. 2630

الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] (١). الثانية عشرة: ذكرَ بعضُ المشهورين بعلمِ النَّظرِ في عَصْرِنا، في كلامه على (لا إله إلا الله) فيما وَجَدْتُه عنه: اتفقَتِ النُّحاةُ على أن محلَّ (إلا) في هذه الكلمةِ محلُّ (غيرِ)، والتقدير: لا إله غيرُ الله (٢)، كقول الشاعر [من الوافر]: وكُلُّ أخٍ يفارِقُهُ أخُوهُ ... لعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ (٣) أي: غير الفرقدين. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ قال: والذي يدل على الصحة: أنا لو حملنا (إلا) على الاستثناء، لم يكن قولنا: (لا إله إلا الله) توحيداً مَحْضًا، فإن تقديرَ الكلامِ: لا إله مستثنى عنهم اللهُ، ولا يكون نَفْيًا لآلهةٍ لا يُستثنى عنهم اللهُ، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتاً لذلك، وهو كُفْرٌ، ولَمَّا أجمعتِ العقلاءُ على
следующие страницы →