← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام تأليف الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ) «يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية» حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد خلوف العبد الله دار النوادر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

شَرْحُ الإلْمَامِ

стр. 4

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى مِن إِصْدَارَاتِ وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة مِنْ إِصْدَارَاتِ دَارُ النَّوَادِرِ ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م دَارُ النَّوَادِرِ لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّين طَالِب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، وسيئات أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه. أمّا بعد: فإن كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" للإمام المجتهد المجدِّد ابن دقيق العيد ﵀ لا نظير له في الكتب المصنَّفة في الأحكام الجامعة بين الحلال والحرام، حتى قال عنه: أنا جازم أنه ما وُضِعَ في هذا الفنِّ مثلُه (١). وهو القائل أيضاً: ما وقفتُ على كتاب من كتب الحديث وعلومه المتعلقة به، سُبِقْتُ بتأليفه وانتهى إليَّ، إلَّا وأودعتُ منه فائدةً

стр. 6

في هذا الكتاب (١). ولذا قال عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: هو كتاب الإسلام، وقال: ما عَمِلَ أحدٌ مثلَه، ولا الحافظُ الضِّياءُ، ولا جدِّي أبو البركات (٢). ثم إنَّه ﵀ قد اختصرَ كتابَه هذا، لَمَّا رأى استخشانَ بعضِ أهل عصره لإطالته، فصنف "الإلمام بأحاديث الأحكام"، وهو من أجلِّ كتابٍ وُضِع في أحاديث الأحكام، يحفظُه المبتدئ المستفيدُ، ويناظِرُ فيه الفقيهُ المفيدُ (٣)، ومن فَهِمَ مغزاه، شدَّ عليه يدَ الضِّنانة، وأنزله من قلبه وتعظيمهِ الأعزَّين مكاناً ومكانة (٤). وقد شرطَ فيه مؤلِّفُه أن لا يوردَ إلا حديثَ من وثَّقه إمام من مزكِّي رواة الأخبار، وكان صحيحاً على طريقة بعض أهل الحديث الحفَّاظ، أو أئمة الفقه النظَّار (٥). ثم إنه ﵀ قد شرح هذا الكتاب؛ أعني "الإلمام" شرحاً عظيماً (٦)، وصل فيه إلى نهاية باب صفة الوضوء، أتى فيه

стр. 7

بالعجائب الدالة على سَعَة دائرته في العلوم، خصوصاً في الاستنباط، كما قال الحافظُ ابنُ حجر (١). وقيمة هذا الكتاب "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" تتجلَّى لمُطالعه حالما ينظر فيه، فقد أسفر فيه المؤلف عن نكت وفوائد بديعة. وأورد فيه من النوادر والمباحث الدقيقة ما يأخذ بالألباب. وأوضح فيه منهجاً سليماً قوياً في كيفية الاستدلال والاستنباط من السنة والكتاب. وأبرز فيه من التقريرات والتوجيهات الأصولية ما انفرد به عن نظرائه، وفاق كثيراً من قرنائه. وأفصح فيه عن كثير من العلوم الخادمة لفهم النصوص الشرعية؛ كعلوم العربية، والمباحث المنطقية والأصولية، والقواعد العقلية. ومن هنا قال الحافظ قطب الدين الحلبي: إنه لم يتكلم على الحديث من عهد الصحابة إلى زماننا مثل ابن دقيق العيد، ومن أراد معرفة ذلك، فعليه بالنظر في القطعة التي شرح فيها "الإلمام"، فإن جملة ما فيها: أنه أورد حديثَ البراءِ بن عازب: "أمرنا رسولُ الله صلى عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع"، واشتمل على أربع مئة فائدة (٢).

стр. 8

إن كتاباً أَرْبت مواردُه على المئتين والثلاثين من أمهات كتب الإسلام، أعتمد مؤلفُه عليها في أواخر القرن السابع الهجري، لجديرٌ بالوقوف عليه. وإن كتاباً قاربت فوائدهُ الثلاثةَ آلافِ فائدة ومسألة من شرح سبعة وخمسين حديثاً، لحقيق أن يُنْظَر في ما حواه، وأن يُنْعَمَ النظرُ في فحواه. هذا وقد منَّ الله عليَّ بتحقيق هذا السفر الجليل، والاضطلاع بأعباء تصحيح نصوصه وتقويمها، وتخريج أحاديثه وآثاره وأشعاره وغيرها مما تراه في منهج التحقيق، ثم إني قدَّمت للكتاب بفصلين، اشتمل أولهما على ترجمة الإمام ابن دقيق العيد ﵀، وكان الآخر لدراسة الكتاب، وفي كل واحد منهما مباحث وفوائد متنوعة. ويعلم الله، كم قد تحمَّلتُ، في هذه الأوقات التي كنت أعمل فيها في هذا الكتاب، شغلاً وهمًّا، وديناً وغُرماً، وظلماً وهضماً. ولكن أسأل الله أن ينفع بعملي هذا، ويثيبني به في الآخرة، فمنه سبحائه أستمدُّ العَون، ومن الخسارة فيما أرجِّي ربحَه أسألُهُ الصَّون، ولا حول ولا قوة إلا به. ولا بد في الختام من التوجُّه بالشُّكْر والامتنان إلى كل من كان له يد في إخرأج هذا الكتاب إلى عالم المطبوع، وأخصُّ بالذِّكر منهم: - فضيلة الشيخ المحقق المدقق نور الدِّين طالب، الذي أتحفني بتصوير النسخة الخطية لمكتبة كوبريلي، وأمدَّني بالمراجع والمصادر المخطوطة والنادرة المتوفرة لديه، كما كان له الفضلُ في بعث الهمة على إنجاز هذا العمل وإخراجِه على نحوٍ مرضيٍّ.

стр. 9

- فضيلة الشيخ المفيد المجيد عبد الباري بن حمَّاد الأنصاري، الذي تفضَّل بتصوير النسختين الخطيتين لدار الكتب المصرية والمكتبة البديعية. - الإخوة الأفاضل الذين كانوا لي خير معين - بعد الله في إخراج هذا الكتاب، من العمل معي في النسخ والمقابلة والتصحيح والفهرسة والتنضيد والإخراج، وأخصُّ بالذكر منهم الإخوة: إدريس أبيدمي، ومحمد عبد الحليم بعاج، وجمعة الرحيم. أسأل الله - إن كان لي من حظٍّ في هذا الكتاب عنده - أن يضربَ لكلِّ واحد من هؤلاء المشايخ الأماثل والإخوة الأفاضل بسهمٍ فيه، وأن يشركوني في أجرِ نشرِ هذا العلم وتبليغِه، إنه سبحانه وليُّ ذلك، وهو حسبنا ونعمَ الوكيل. وكتبه أَبُو عَبْدِ الله محمّد خلّوف العبْدالله حَامِدًا للهِ تَعَالَى عَلَى أَفْضَالِهِ وَمُصَلِّيًا وَمُسَلِّمًا عَلَى نَبِيِّه وَآلِهِ وَمُتَرَضيًا عَن صَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ

стр. 10

الفصل الأوّل تَرْجَمَةُ الإِمَامِ ابْن دَقيق العِيدِ

стр. 11

المبحث الأَوَّل * اسمه ونسبه وولادته: هو الإمام، المجدد، المجتهد، شيخ الإسلام، محمد بن علي ابن وهب بن مطيع بن أبي طاعة المنفلوطي القوصي (١) الثَّبَجِي (٢) المصري المالكي الشافعي، تقي الدين أبو الفتح ابن القاضي الإمام أبي الحسن القشيري، من ذرية بهز بن حكيم القشيري ﵁ (٣)، المشهور ب: ابن دقيق العيد (٤). ولد في شعبان سنة (٦٢٥ هـ)، في ينبع على ساحل البحر الأحمر، عندما كان والدُه متوجهاً من قُوص إلى مكةَ للحج.

стр. 12

* نشأته وطلبه للعلم: نشأ الإمام ابن دقيق العيد في أسرة علمية، مشهورة بالتدين والصلاح؛ فأبوه الشيخ مجد الدين أبو الحسن علي، جمع بين العلم والعمل والعبادة والورع والتقوى والزَّهَادة والإحسان إلى الخلائق مع اختلافهم، وبذل المجهود في اجتماع قلوبهم وائتلافهم، وقد ارتحل إليه الناس من سائر الأقطار، وقصدوه من كل النواحي والأمصارِ (١). أما أمُّه: فهي بنت الشيخ الصالح تقي الدين مظفر بن عبد الله المشهور بالمقترَح. قال الأُدفُوي: فأصلاه كريمان، وأبواه عظيمان. وقد ذكر والدُه: أنه أخذه عند ولادته وطاف به الكعبة، وجعل يدعو الله أن يجعلَه عالماً عاملاً. فابتدأ الشيخ بقراءة القرآن العظيم، حتى حصل منه على حظٍّ جسيم، ونشأ بقوص على حالة واحدة من الصمت والاشتغال بالعلوم، ولزوم الصيانة والديانة، فاشتغل بالفقه على مذهب الإمامين مالك والشافعي على والده، وكان قد اشتغل بمذهب الشافعي أيضاً على تلميذ والده الشيخ بهاء الدين هبة الله القِفْطي، وكان يقول: البهاء مُعلِّمي.

стр. 13

وقرأ الأصول على والده، ثم سمع بمصر والشام والحجاز، على تحرٍّ في ذلك واحتراز، فرحل إلى القاهرة فقرأ على شيخ الإسلام العز ابن عبد السلام، وقرأ العربية على الشيخ شرف الدين محمد بن أبي الفضل المُرْسِي، وغيره. ثم ارتحل في طلب الحديث إلى دمشق والإسكندرية وغيرهما، وسمع الحديث من والده، والشيخ الحافظ عبد العظيم المنذري، وأبي العباس أحمد بن عبد الدائم بن نِعْمة المقدسي، والحافظ أبي علي الحسن بن محمد البكري، وخلائق. ثم درَّس بالمدرسة الفاضلية، والمدرسة المجاورة للشافعي، والكاملية، والصالحية بالقاهرة، ودرَّس بقوص بدار الحديث ببيت له. وقد اشتُهِر اسمُه في حياة مشايخه، وشاع ذكرُه، وتخرَّج به أئمة، وسمع منه الخلق الكثير، والجم الغفير مع قلة تحديثه ﵀. * * *

стр. 14

المبحث الثَّاني صفاته وأخلاقه قال ابن سيِّد الناس: ولم يزل حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، وقف نفسَه على العلوم وقَصَرَها، ولو شاء العادُّ أن يَعُدَّ كلماتهِ لحصرها، وله مع ذلك في الأدب باع وِساع، وكرم طباع، لم يخلُ بعضُها من حسن انطباع، حتى لقد كان محمودُ الكاتب، المحمود في تلك المذاهب، المشهود له بالتقدم فيما يشاء من الإنشاء على أهل المشارق والمغارب، يقول: "لم تر عيني آدبَ منه" (١). وكان يقول ﵀: "ما تكلَّمتُ كلمةً، ولا فعلتُ فعلاً، إلا وأعددت له جواباً بين يدي الله " (٢). وكان ﵀ يسهر ليله في العلم والعبادة؛ قرأ الشيخ ليلة، فقرأ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فما زال يكررها إلى مطلع الفجر (٣). وقال الصاحب شرف الدين محمد بن الصاحب زين الدين أحمد: كان ابن دقيق يقيم في منزلنا بمصر في غالب الأوقات، فكنَّا

стр. 15

نراه في الليل إمَّا مصلياً، وإما يمشي في جوانب البيت، وهو مفكر إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صلى الصبح، ثم اضطجع إلى ضحوة. قال الصاحب: وسمعت الشيخ الإمام شهاب الدين القَرافي المالكي يقول: أقام الشيخ تقي الدين أربعين سنة لا ينام الليل، إلا أنه كان إذا صلى الصبح اضطجع على جنبه إلى حيث يتضحَّى النَّهار (١). وكان ﵀ عديمَ البطش، قليلَ المقايلة على الإساءة، وله في ذلك أخبار. وكان يحاسب نفسَه على الكلام، ويأخذ عليها بالمَلاَم، لكنه تولى القضاء في آخر عمره، وذاق من حلوِّه ومُرِّه، على أنه عزل نفسه مرةً بعد مرة، وتنصَّل منه كَرَّة بعد كرة. وله في القضاء آثار حسنة، منها انتزاعُ أوقافٍ كانت أُخذت وأقتُطِعت، ومنها أن القضاة كان يُخْلَع عليهم الحرير، فخُلِع على الشيخ الصوف فاستمر، وكان يكتب إلى النواب يُذكِّرهم ويحذِّرهم (٢). وكان ﵀ كريماً جواداً سخياً، ومن طريف ما يحكى في ذلك: ما ذكره محمد بن الحواسيني الفَرضِي القوصي، وكان من طلبة

стр. 16

الحديث، وأقام بالقاهرة مدة في زمن الشيخ، قال: كان الشيخ يعطيني في كل وقت شيئاً، فأصبحت يوماً مُفلساً، فكتبت ورقة وأرسلتها إليه وفيها: "المملوك محمد القوصي أصبح مضروراً"، فكتب لي بشيء، ثم ثاني يوم كتبت: "المملوك ابن الحواسيني"، فكتب لي بشيء، ثم ثالث يوم كتبت: "المملوك محمد"، فطلبني وقال لي: من هو ابن الحواسيني؟ فقلت: المملوك، قال: ومن هو القوصي؟ قلت: المملوك، قال: تدلِّس عليَّ تدليسَ المحدثين؟! قلت: الضرورة. فتبسم وكتب لي (١). وكان الشيخ يقول: ضابطُ ما يُطلبُ مِنِّي أنْ يجوزَ شرعاً، ثم لا أبخل (٢). وكان ﵀ متحرّزاً جداً في أمر النجاسة، مشدِّداً على نفسه، وله في ذلك حكاياتٌ ووقائعُ عجيبة (٣).

стр. 17

وكان ﵀ عزيزَ النفس، خفيفَ الروح، لطيفاً، على نسك وورع، ودين متَّبع، ينشد الشعر والزَّجَل والمُوشَّح، وكان يستحسن ذلك، رحمه الله تعالى ورضي عنه. بحسبك أنِّي لا أرى لك عائباً ... سوى حاسدٍ والحاسدون كثير

стр. 18

المبحث الثَّالث * علم الإمام ابن دقيق ﵀: تفرد الإمام ابن دقيق العيد في علوم كثيرة، فكان حافظاً مُكْثراً، إلا أن الرواية عَسُرت عليه لقلة تحديثه، فإنه كان شديدَ التحرِّي في ذلك (١)، وكان خبيراً بصناعة الحديث، وهو إمام الدنيا في فقه الحديث والاستنباط (٢). قال الذهبي: أربعة تعاصروا: التقي ابن دقيق العيد، والشرف الدمياطي، والتقي ابن تيمية، والجمال المزي، قال الذهبي: أعلمهم بعلل الحديث والاستنباط ابن دقيق العيد، وأعلمهم بالأنساب الدمياطي، وأحفظهم للمتون ابن تيمية، وأعلمهم بالرجال المزي (٣). وكان ﵀ يحقق المذهبين المالكي والشافعي تحقيقاً عظيماً، وله اليد الطولى في الفروع والأصول، وفي تصانيفه من الفروع الغريبة والوجوه والأقاويل ما ليس في كثير من المبسوطات، ولا يعرفه كثيرٌ من النَّقَلة (٤)، وكان لا يسلك المِراء في بحثه، بل يتكلم

стр. 19

كلماتٍ يسيرةً بسكينة ولا يُراجَع (١). وكان ﵀ في نقده وتدقيقه لا يُوازى، حتى قال الشيخ صدر الدين بن الوكيل: إذا نَقَد وحرَّر فلا يوفيه أحد (٢). فإنه كان ﵀ صحيحَ الذهن، كما قال علاء الدين الباجي (٣). وله - مع ذلك - النظم الفائق، المشتمل على المعنى البديع واللفظ الرائق، السهل الممتنع، والمنهج المستعذب المنبع، والذي يصبو إليه كلُّ فاضل، ويستحسنه كلُّ أديب كامل. وله أيضاً نثر أحسن من الدرر، ونظم ابهج من عقود الجوهر، ولو لم يكن له إلا ما تضمنته خطبةُ "شرح الإلمام"، لشهد له من الأدب بأوفر الأقسام (٤). قال الحافظ ابن حجر: ومما يدل على تقدم الشيخ تقي الدين في العلم: أن زكي الدين عبد العظيم بن أبي الأصبغ صاحبَ البديع، ذكره في كتابه فقال: ذكرت للفقيه الفاضل تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري - أبقاه الله تعالى -، وهو من الذكاء والمعرفة على حالة لا أعرف أحداً في زمني عليها، وذكرت له عدة وجوه المبالغة فيها، وهي عشرة، ولم أذكرها مفصَّلة، وغِبتُ عنه قليلاً ثم اجتمعتُ به، فذكر لي أنه استنبط فيها أربعةً وعشرين وجهاً من المبالغة؛ يعني في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾،

стр. 20

فسألته أن يكتبَها لي، فكتبها لي بخطه، وسمعتُها منه بقراءتي، واعترفت له بالفضل في ذلك، انتهى. قال الحافظ: وقد عاش تقي الدين بعد ابن أبي الأصبغ زيادة على أربعين سنة (١). وكان من العلم بحيث يقضى ... له من كل علم بالجميع قلت: وهذا كلُّه - بعد توفيق الله - نِتاج هِمَّة قعَساء في إدامة المطالعة، والمثابرة والمصابرة في تحصيل العلم، حكى الشيخ زين عمر الدمشقي المعروف بابن الكِتَّاني قال: دخلت عليه بكرة يوم، فناولني مجلدة وقال: هذه طالعتُها في هذه الليلة التي مضت (٢). قال الأُدفُوي: رأيت خزانة المدرسة "النجيبة" بقوص، فيها جملة كتب؛ من جملتها: "عيون الأدلة" لابن القصَّار في نحو من ثلاثين مجلدة، وعليها علامات له، وكذلك رأيت كتب المدرسة "السابقية"؛ رأيت على "السنن الكبير" للبيهقي فيها في كل مجلدة علامة، وفيها "تاريخ الخطيب" كذلك، و"معجم الطبراني الكبير"، و"البسيط" للواحدي، وغير ذلك (٣). وأخبر الشيخ الفقيه سراج الدين الدَّندري: أنه لما ظهر "الشرح الكبير" - وهو فتح العزيز في شرح الوجيز - للرافعي، اشتراه بألف درهم، وصار يصلِّي الفرائضَ فقط، واشتغل بالمطالعة، إلى أن أنهاه مطالعة (٤).

стр. 21

ثم بعد ذلك حُقَّ له أن يقول: ما خرجت من باب من أبواب الفقه واحتجت أن أعودَ إليه (١). * بلوغهُ رتبه الاجتهاد: كان الإمام ابن دقيق ﵀ من أذكى الأئمة قريحةً، وقد بلغ ﵀ في العلم قرنَ الكَلأ (٢)، فقال عن نفسه ﵀: وافق اجتهادي اجتهادَ الشافعي إلا في مسألتين. قال الصفدي: وحسبك بمن يتنزَّل ذهنُه على ذهن الشافعي (٣). وقال الصَّفَدِي: وما أُراه إلا أنه بعثه الله تعالى على رأس المئة ليجدد لهذه الأمة دينَهم (٤). قال الذهبي: وقد كان على رأس السبع مئة شيخُنا أبو الفتح ابن دقيق العيد (٥). قال السُّبكي: ولم ندرك أحداً من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبع مئة المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي ﷺ ، وأنه أستاذُ زمانِه علماً وديناً (٦).

стр. 22

وقد كُتب له "بقية المجتهدين"، وقُرِئ بين يديه، فأقرَّ عليه، ولا شك أنه من أهل الاجتهاد، وما يُنازِعُ في ذلك إلا من هو من أهل العناد. ومن تأمَّل كلامَه علم أنه أكثرُ تحقيقاً وأمتنُ، وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدم وأتقن (١). بحسبك أني لا أرى لك عائباً ... سوى حاسد والحاسدون كثير

стр. 23

المبحث الرابع مشاهير شيوخه ١ - ابن المقيَّر: الإمام المسند الصالح، رحلة الوقت، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن منصور بن المقيَّر البغدادي الأَزْجي الحنبلي، كان شيخاً صالحاً، كثير التهجد والعبادة والتلاوة، وكان مشتغلاً بنفسه. قال التَّجيبي في "مستفاد الرحلة" (١): وهو أقدم من سمع عليه سناً (٢). توفي سنة (٦٤٣ هـ) (٣). ٢ - المنذري: الحافظ الكبير، والإمام الثبت النحرير، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة، أبو محمد المنذري الشامي المصري.

стр. 24

كان عديمَ النظير في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، عالماً بصحيحه وسقيمه، ومعلوله وطرقه، متبحراً في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله. له تصانيف عدة منها: "الترغيب والترهيب"، و"مختصر مسلم"، و"مختصر سنن أبي داود". قال السبكي: وبه تخرَّج أبو محمد الدِّمياطي، وإمام المتأخرين تقي الدين ابن دقيق العيد. توفي سنة (٦٥٦ هـ) (١). ٣ - العز بن عبد السلام: شيخ الإسلام، وحيد عصره، وسلطان العلماء، عبد العزيز بن عبد السلام، أبو محمد السلمي الدمشقي ثم المصري الشافعي. برع في الفقه والأصول، ودرَّس وأفتى وصنف، وبلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب مع الزهد والورع، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة فِي الدين. قال عنه الشيخ ابن دقيق: كان ابنُ عبد السلام أحدَ سلاطين العلماء، ويقال: إن ابن دقيق هو أول من لقَّبه بـ: سلطان العلماء. ويحكى أن ابن عبد السلام كان يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منيِّر بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص. توفي سنة (٦٦٠ هـ) (٢).

стр. 25

٤ - رشيد الدين بن العطار: الإمام الحافظ الثقة، رشيد الدين أبو الحسين يحيى بن علي بن عبدالله القرشي الأموي النابلسي المصري المالكي. حصَّل الأصول، وتقدم في الحديث، وولي مشيخة الكاملية ست سنين. وكان ثقة مأموناً، متقناً حافظاً، حسن التخريج. توفي سنة (٦٦٢ هـ) (١). ٥ - الفخر بن البخاري: مسند الدنيا، أبو الحسن علي بن أحمد ابن عبد الواحد الفخر بن البخاري السَّعْدي المقدسي الصالحي الحنبلي. طال عمُره، ورحل الطلبة إليه من البلاد، وألحق الأسباط بالأجداد في علوِّ الإسناد، وقد تفرد في الدنيا بالرواية العالية. قال الذهبي: قال شيخنا ابن تيمية: ينشرح صدري إذا أدخلتُ ابن البخاري بيني وبين النبي ﵁ في حديث. توفي سنة (٦٩٠ هـ) (٢).

стр. 26

المبحث الخامس مشاهير تلامذته ١ - نجم الدين بن الرِّفعة الشافعي: الإمام العلامة، أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع أبو العباس المصري الشافعي، حامل لواء الشافعية في زمانه، كان فقيهاً فاضلاً، وإماماً في علوم كثيرة، وقد أثنى عليه الإمام ابن دقيق، وكان يعظِّمه، ويقول له إذا خاطبه: يا فقيه (١). وله تصانيف لطاف؛ منها: "المطلب في شرح الوسيط" وهو أعجوبة في كثرة النصوص والمباحث، ومنها: "الكفاية في شرح التنبيه" وقد فاق به على الشروح السابقة. توفي سنة (٧١٠ هـ) رحمه الله تعالى (٢). ٢ - علاء الدين الباجي: الإمام الفقيه المتقن، علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطَّاب الباجي المغربي المصري، إمام الأصوليين في

стр. 27

زمانه، وكان عمدة في الفتوى، قال بعض أصحابه: كان لا يفتي بمسألة حتى يقوم عنده الدليلُ عليها، فإن لم ينهض عنده، قال: مذهب الشافعي كذا، أو الأصح عند الأصحاب كذا، ولا يجزم. وكان الإمام ابن دقيق العيد يقول له: يا إمام، ويخصُّه بها. وكان يقول أيضاً: علاء الدين الباجي يُطْلَق عليه عالم. توفي سنة (٧١٤ هـ) (١). ٣ - تاج الدين الفاكهاني: الإمام الفقيه الفاضل، أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن عبد الله اللخمي الإسكندراني المالكي، صنف شرح العمدة في الأحكام (٢)، ومَهَر في العربية، وكان إماماً متفنناً في الحديث والفقه والأصول، وكان على حظ وافر من الدين المتين، والصلاح، واتباع السلف الصالح. توفي سنة (٧٣١ هـ) (٣).

стр. 28

٤ - ابن سَيِّد الناس: الحافظ العلامة المتفنن، والأديب المشهور، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو الفتح فتح الدين اليعمُري الشافعي. لازم ابن دقيق، وتخرج عليه في أصول الفقه، وأعاد عنده، وكان يحبه ويؤثره، ويسمع كلامه ويثني عليه، ويركن إلى نقله، قال عماد الدين بن القيسراني: كان ابن دقيق إذا حَضَرْنا درسه، وجاء ذكر أحد من الصحابة والرجال قال: أيش ترجمة هذا يا أبا الفتح؟ فيأخذ في الكلام ويسرد، والناس سكوت، والشيخ مُصْغٍ إلى ما يقول. قال الأُدفُوي: وشرع لشرح الترمذي، ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل، لكنه قصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد. توفي سنة (٧٣٤ هـ) (١). ٥ - قطب الدين الحلبي: الحافظ المتقن المقرئ المجيد، عبد الكريم بن عبد النور بن منيِّر، أبو علي الحلبي ثم المصري، مفيد الديار المصرية، كان كيِّساً متواضعاً، غزيرَ المعرفة، متقناً لما يقول، اختصر كتاب "الإلمام" لابن دقيق في كتاب سماه

стр. 29

"الاهتمام"، وهو حسنٌ خالٍ عن الاعتراضات الواردة على "الإلمام" مع الإثبات لما فيه (١). وشرح سيرة عبد الغني، وشرح معظم صحيح البخاري. توفي سنة (٧٣٥ هـ) (٢). ٦ - المزي: الإمام العلامة، الحافظ الكبير، وعمدة الحفاظ، أعجوبة الزمان، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف المزي الشافعي. قال الذهبي: كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والألفاظ، وهو صاحب معضلاتِنا، وموضح مشكلاتنا، وكان محباً للآثار، معظماً لطريقة السلف. وله تصانيف تدل على سعة علمه، وحسن معرفته، ولو لم يكن له إلا "تهذيب الكمال" لكفاه. توفي سنة (٧٤٢ هـ) (٣). ٧ - الذهبي: الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الدمشقي، كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم، حديد الفهم، ثاقب الذهن، جمع "تاريخ الإسلام" فأربى

стр. 30

فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصاً، واختصر منه مختصرات كثيرة منها: "العبر"، و"سير أعلام النبلاء"، و"تذكرة الحفاظ"، و"طبقات القراء"، وغير ذلك. قال ﵀ عن نفسه: "والجماعة يتفضَّلون ويثنون عليه، وهو أَخْبرُ بنفسه في العلم، والله المستعان ولا قوة إلا به، وإذا سلم لي إيماني فيا فوزي". توفي سنة (٧٤٨ هـ) (١). * * *

стр. 31

المبحث السادس تصانيفه صنَّف الإمامُ ابنُ دقيق العيد التصانيفَ البديعة المفيدة، الدالَّةَ على سعة علمه، أتى فيها بكثير من الفروع الغريبة، والوجوه والأقاويل، مما ليس في كثير من المبسوطات، ولا يعرفه كثيرُ من النَّقَلة (١)، ومن أشهر هذه المؤلفات: ١ - " الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ": وهو كتاب لا نظير له في جمع طرق الحديث على الأبواب الفقهية، وجمع شواهده، وشرح غريبه، وضبط مشكله. قال عنه مؤلِّفُه ﵀: ما وقفت على كتاب من كتب الحديث وعلومه المتعلقة به، سُبِقتُ بتأليفه وانتهى إليَّ، إلا وأودعت منه فائدة في هذا الكتاب، إلا ما كان من كتاب "التاريخ الكبير" للإمام أبي عمر الصَّدَفي، فإني لم أره (٢). وقال عنه أيضاً: أنا جازم أنه ما وضع في هذا الفنِّ مثلُه (٣). وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: هو كتاب الإسلام.

стр. 32

وقال أيضاً: ما عمل أحدٌ مثله، ولا الحافظ الضياء، ولا جَدِّي أبو البركات (١). وقال عنه تاج الدين السُّبكي: ومن مصنفاته كتاب "الإمام" في الحديث، وهو جليل حافل، لم يُصنَّفْ مثلُه (٢). ويقال: إن أكثر الكتاب قد عُدِم - حسداً - بعده، ولم يبق منه إلا الجزءُ الأول من الطهارة. ويقال: إن ابن دقيق لم يبيض منه إلا القطعة الموجودة بين يدي الناس. قال الأُدفُوي: لو كملت نسختُه في الوجود، لأغنت عن كل مُصنَّف في ذلك موجود (٣). ٢ - " الإلمام بأحاديث الأحكام ": وهو من أجلِّ كتاب وضع في أحاديث الأحكام، يحفظه المبتدئ المستفيد، ويناظر فيه الفقيه المفيد (٤). قال عنه المؤلف ﵀: صنفت مختصراً لتحفيظ الدارسين، وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين (٥).

стр. 33

وقال: وشرطي فيه ألا أوردَ إلا حديثَ من وثّقه إمامٌ من مُزكِّي رواة الأخبار، وكان صحيحاً على طريقة بعض أهل الحديث الحفاظ، أو بعض أئمة الفقهاء النظَّار، فإن لكل منهم مغزى قَصَدَه وسلكه، وطريقاً أعرض عنه وتركه، وفي كل خير (١). قال الأدفوي: وكان كتابه "الإلمام" حاز على صغر حجمه من هذا الفن جملة من علمه (٢). قال السبكي: واعلم أن الشيخ تقي الدين ﵁ توفي ولم يبيِّض كتابه "الإلمام"، فلذلك وقعت فيه أماكن على وجه الوهم وسبق الكلام (٣). قال الحافظ قطب الدين الحلبي في كتابه "الاهتمام بتلخيص كتاب الإلمام": وكان شيخنا ﵀ لما جمع كتاب "الإلمام"، أملاه على من لم يكن الحديث من شأنه، وتارة كان يكتبه في أوراق بخطه، وكان خطه معلقاً، ويعطيه للنساخ، فيكتب كلُّ إنسان من النساخ ما قدر عليه، فبسبب ذلك وقع في كتاب "الإلمام" مواضع لم يصوبها الناسخ، ولم تُقرأ على الشيخ بعد ذلك. قال: وصححت في هذا التلخيص ما قدرت من ذلك (٤).

стр. 34

كما اختصر الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي كتاب "الإلمام" في كتابه الموسوم بـ "المحرر في الحديث"، فجوَّده جداً (١). ٣ - " إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ": وهو من أجلِّ شروح "عمدة الأحكام" للحافظ عبد الغني المقدسي، إن لم يكن أجلَّها على الإطلاق؛ لِمَا اشتمل عليه من مباحث دقيقة، واستنباطات عجيبة. قال الأُدفُوي: ولو لم يكن له إلا ما أملاه على "العمدة"، لكان عمدة في الشهادة بفضله، والحكم بعلو منزلته في العلم ونبُله (٢). وقال ابن فرحون: أبان فيه عن علم واسع، وذهن ثاقب، ورسوخ في العلم (٣).

стр. 35

٤ - " شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه ": وقد شرحه شرحاً عظيماً حتى قال الحافظ قطب الدين الحلبي: لم أر في كتب الفقه مثله (١)، قال فيه في مقدمته: وحق أن نشرح هذا الكتاب شرحاً يُعِين الناظرين على فكِّ لفظه، وفهم معانيه على وجه يسهل للماهر مساغه وذوقه، ويرفع القاصد فيلحقه بدرجة من هو فوقه، ويسلك سبيل معرفته ذللاً، ويدرك به ناظرُه من وضوحه أملاً (٢). قال ابن فرحون: ذكر لي شيخنا أبو عبد الله بن مرزوق: أنه بلغه أن الشيخ تقي الدين وصل في شرح ابن الحاجب إلى كتاب الحج. والذي وقع لي منه إلى آخر التيمم، وأظنه بلغ إلى كتاب الصلاة (٣). * * *

стр. 36

المبحث السابع ثناء الأئمة والعلماء عليه ١ - قال البرزالي: مجمع على غزارة علمه، وجودة ذهنه، وتفننه في العلوم، وهو خبير بصناعة الحديث، عالم بالأسماء والمتون واللغات والرجال، وله اليد الطُّولى في الأصلين والعربية والأدب (١). ٢ - قال ابن الزملكاني: إمام الأئمة في فنه، وعلامة العلماء في عصره، بل ولم يكن من قبله من سنين مثله في العلم والدين والزهد والورع، تفرد في علوم كثيرة، وكان يعرف التفسير والحديث، وكان يحقق المذهبين تحقيقاً عظيماً، ويعرف الأصلين والنحو واللغة، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق والغوص على المعاني، أقرَّ له الموافق والمخالف، وعظَّمته الملوك، وكان صحيحَ الاعتقاد، قوياً في ذات الله، وليس الخبر كالعِيَان (٢). ٣ - قال ابن سيد الناس: لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجلَّ منه فيما رأيت ورويت، وكان للعلوم جامعاً، وفي فنونها بارعاً، مُقدَّماً في معرفة علل الحديث على أقرانه، منفرداً بهذا الفن النفيس في زمانه، بصيراً بذلك، سديدَ النظر في تلك المسالك، بأذكى ألمعيَّة، وأزكى لوذعيَّة، لا يُشَق له غبار، ولا يجري معه سواه في مِضْمار،

стр. 37

وكان حسنَ الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، مستبيناً ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مُبَرِّزاً في العلوم النقلية والعقلية، والمسالك الأثرية، والمدارك النظرية (١). ٤ - قال قطب الدين الحلبي: كان ممن فاق بالعلم والزهد، عارفاً بالمذهبين، إماماً في الأصلين، حافظاً في الحديث وعلومه، يُضْرب به المثل في ذلك، وكان آية في الإتقان والتحري، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكر (٢). ٥ - قال الذهبي: قاضي القضاة، شيخ الإسلام، كان إماماً عديم النظير، ثخين الورع، متين الديانة، متبحراً في العلوم، قلَّ أن ترى العيونُ مثلَه (٣). وقال أيضاً: الإمام الفقيه المجتهد، المحدث الحافظ العلامة، شيخ الإسلام (٤). ٦ - قال الأُدفُوي: الشيخ الإمام، علامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهلية وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعية، والفضائل

стр. 38

العقلية، والفنون الأدبية، والباع الواسع في استنباط المسائل، والأجوبة الشافية لكل سائل، والاعتراضات الصحيحة التي يجعلها الباحث لتقرير الإشكالات وسائل، والخُطَب الصادعة الفصيحة البليغة التي تُستفاد منها الرسائل (١). ٧ - قال تاج الدين السبكي: الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ الزاهد الورع النَّاسك، المجتهد المُطْلَق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين (٢). ٨ - قال ابن كثير: الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ، قاضي القضاة، انتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وفاق أقرانه، ورحل إليه الطلبة (٣). ٩ - قال الصَّفَدِي: الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام، أحد الأعلام، قاضي القضاة، كان إماماً متفنناً محدثاً مجوداً، فقيهاً مدققاً أصولياً، أديباً نحوياً شاعراً ناثراً، ذكياً، غوَّاصاً على المعاني، مجتهداً، قل أن ترى العيونُ مثلَه (٤). ١٠ - قال ابن ناصر الدين الدمشقي: الحافظ العلامة الإمام، أحد شيوخ الإسلام، كان إماماً حافظاً فقيها مالكياً شافعياً، ليس له

стр. 39

نظير، وكان آية في الإتقان والتحري والتحرير (١). ١١ - قال السيوطي: الإمام الفقيه الحافظ، المحدث العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام (٢). * * *

стр. 40

المبحث الثامن وفاته ومازال ﵀ في علم يرفعُه، وتصنيفٍ يَضعُه، ومرويٍّ يُسْمِعُه، حتى وافته المنيَّة بالقاهرة المحميَّة بإذنه تعالى، يوم الجمعة من شهر صفر سنة (٧٠٢ هـ). ودفن من يوم السبت بسفح المُقَطَّم، وكان ذلك يوماً مشهوداً، عزيزاً مثلُه في الوجود، سارع الناس إليه، ووقف جيش ينتظر الصلاة عليه، ورثاه جماعةٌ من الفضلاء والأدباء، رحمه الله تعالى. * * *
следующие страницы →