المبحث السابع ثناء الأئمة والعلماء عليه
١ - قال البرزالي: مجمع على غزارة علمه، وجودة ذهنه، وتفننه في العلوم، وهو خبير بصناعة الحديث، عالم بالأسماء والمتون واللغات والرجال، وله اليد الطُّولى في الأصلين والعربية والأدب (١).
٢ - قال ابن الزملكاني: إمام الأئمة في فنه، وعلامة العلماء في عصره، بل ولم يكن من قبله من سنين مثله في العلم والدين والزهد والورع، تفرد في علوم كثيرة، وكان يعرف التفسير والحديث، وكان يحقق المذهبين تحقيقاً عظيماً، ويعرف الأصلين والنحو واللغة، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق والغوص على المعاني، أقرَّ له الموافق والمخالف، وعظَّمته الملوك، وكان صحيحَ الاعتقاد، قوياً في ذات الله، وليس الخبر كالعِيَان (٢).
٣ - قال ابن سيد الناس: لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجلَّ منه فيما رأيت ورويت، وكان للعلوم جامعاً، وفي فنونها بارعاً، مُقدَّماً في معرفة علل الحديث على أقرانه، منفرداً بهذا الفن النفيس في زمانه، بصيراً بذلك، سديدَ النظر في تلك المسالك، بأذكى ألمعيَّة، وأزكى لوذعيَّة، لا يُشَق له غبار، ولا يجري معه سواه في مِضْمار،
стр. 37
وكان حسنَ الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، مستبيناً ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مُبَرِّزاً في العلوم النقلية والعقلية، والمسالك الأثرية، والمدارك النظرية (١).
٤ - قال قطب الدين الحلبي: كان ممن فاق بالعلم والزهد، عارفاً بالمذهبين، إماماً في الأصلين، حافظاً في الحديث وعلومه، يُضْرب به المثل في ذلك، وكان آية في الإتقان والتحري، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكر (٢).
٥ - قال الذهبي: قاضي القضاة، شيخ الإسلام، كان إماماً عديم النظير، ثخين الورع، متين الديانة، متبحراً في العلوم، قلَّ أن ترى العيونُ مثلَه (٣).
وقال أيضاً: الإمام الفقيه المجتهد، المحدث الحافظ العلامة، شيخ الإسلام (٤).
٦ - قال الأُدفُوي: الشيخ الإمام، علامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهلية وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعية، والفضائل
стр. 38
العقلية، والفنون الأدبية، والباع الواسع في استنباط المسائل، والأجوبة الشافية لكل سائل، والاعتراضات الصحيحة التي يجعلها الباحث لتقرير الإشكالات وسائل، والخُطَب الصادعة الفصيحة البليغة التي تُستفاد منها الرسائل (١).
٧ - قال تاج الدين السبكي: الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ الزاهد الورع النَّاسك، المجتهد المُطْلَق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين (٢).
٨ - قال ابن كثير: الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ، قاضي القضاة، انتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وفاق أقرانه، ورحل إليه الطلبة (٣).
٩ - قال الصَّفَدِي: الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام، أحد الأعلام، قاضي القضاة، كان إماماً متفنناً محدثاً مجوداً، فقيهاً مدققاً أصولياً، أديباً نحوياً شاعراً ناثراً، ذكياً، غوَّاصاً على المعاني، مجتهداً، قل أن ترى العيونُ مثلَه (٤).
١٠ - قال ابن ناصر الدين الدمشقي: الحافظ العلامة الإمام، أحد شيوخ الإسلام، كان إماماً حافظاً فقيها مالكياً شافعياً، ليس له
стр. 39
نظير، وكان آية في الإتقان والتحري والتحرير (١).
١١ - قال السيوطي: الإمام الفقيه الحافظ، المحدث العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام (٢).
* * *
стр. 40
المبحث الثامن وفاته
ومازال ﵀ في علم يرفعُه، وتصنيفٍ يَضعُه، ومرويٍّ يُسْمِعُه، حتى وافته المنيَّة بالقاهرة المحميَّة بإذنه تعالى، يوم الجمعة من شهر صفر سنة (٧٠٢ هـ).
ودفن من يوم السبت بسفح المُقَطَّم، وكان ذلك يوماً مشهوداً، عزيزاً مثلُه في الوجود، سارع الناس إليه، ووقف جيش ينتظر الصلاة عليه، ورثاه جماعةٌ من الفضلاء والأدباء، رحمه الله تعالى.
* * *
١٧ - "مرآة الجنان" لليافعي (٤/ ٢٣٦).
١٨ - "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي (٨/ ٧٩).
١٩ - "شذرات الذهب" لابن العماد (٦/ ٥).
٢٠ - "البدر الطالع" للشوكاني (٢/ ٢٢٩).
٢١ - "كشف الظنون" لحاجي خليفة (١/ ١٣٥، ١٥٨، ٤١٧)، (٢/ ١١٥٧، ١١٦٤، ١١٦٩، ١١٧٦، ١٨٥٦)
٢٢ - "الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٨٣).
٢٣ - "معجم المؤلفين" لكحالة (١١/ ٧٠).
* ومن الدراسات الحديثة عن الإمام ابن دقيق ﵀ ومؤلفاته:
١ - " ابن دقيق العيد، حياته وديوانه"، علي صافي حسين، رسالة ماجستير، مقدَّمة في قسم الآداب بجامعة القاهرة سنة (١٩٦٠ م)، ثم طبعت بعد بدار المعارف بالقاهرة.
٢ - "الاقتراح في بيان الاصطلاح"، علي إبراهيم اليحيى، رسالة ماجستير، مقدمة في قسم السنة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.
٣ - "الاقتراح في بيان الاصطلاح"، د. عامر حسن صبري، رسالة ماجستير، مقدمة في كلية الشريعة بجامعة أم القرى، بمكة المكرمة سنة (١٤٠٢ هـ)، ثم طبعت بعد بدار البشائر الإسلامية ببيروت (١).
٤ - "آراء ابن دقيق العيد الأصولية في إحكام الأحكام"، خالد محمد العروسي، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى.
стр. 43
٥ - "القواعد الأصولية من خلال شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" للأخ أحمد خليفة الشرقاوي، رسالة ماجستير، مقدمة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، قسم أصول الفقه سنة (١٤٢٦ هـ) (١).
٦ - "أصول الفقه عند ابن دقيق العيد من خلال كتابيه إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام وشرح الإلمام"، تأليف عمر محمد سيد عبد العزيز، طبعة دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي سنة (٢٠٠٧ م) (٢).
٧ - "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام"، عبد العزيز السعيد، رسالة ماجستير، مقدمة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، واشتملت على تحقيق (٥٥) لوحة من أصل الكتاب البالغ عدد لوحاته (٣٠٩)، وقد طبعتا بدار أطلس بالرياض سنة (١٤١٨ هـ)، (١٩٩٧ م).
٨ - ترجمة ابن دقيق العيد، صلاح الدين علي عبد الموجود، طبعة دار السلام.
стр. 44
٩ - "ابن دقيق العيد شيخ علماء الصعيد في القرن السابع الهجري"، أحمد موسى القوصي، سنة (١٩٦٦ م).
١٠ - "ابن دقيق العيد، عصره، حياته، علومه، وأثره في الفقه"، محمد رامز، عبد الفتاح العزيزي، دار البشير، عمان، ١٩٩٠ م.
* * *
стр. 45
الفَصل الثَّاني
دِرَاسَةُ الكِتَابِ
стр. 46
المبحث الأَوَّل
تحقيق اسم الكتاب
وقع في اسم هذا الشرح خلط كبير عند كثير من المترجمين للإمام ابن دقيق والمصنفين، فذكر جمع: منهم الصفدي، وابن قاضي شُهْبة، وابن العماد، وحاجي خليفة، وغيرهم أن اسمه: "الإمام في شرح الإلمام"، وما زال هذا الاسم شائعاً منتشراً عند كثير من العلماء والطلبة حتى وقتنا هذا.
ولعلَّ السبب في ذلك المؤلفات الثلاثة التي صنفها الإمام ابن دقيق، وتداخل أسمائها ومضامينها، وهي: "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، و"الإلمام بأحاديث الأحكام"، و"شرح الإلمام بأحاديث الأحكام"، مما أدخل كثيراً من المصنفين والطلبة في التخليط بينها والعزو إليها.
وقد حرَّر الحافظ ابن حجر في "رفع الإصر" (ص: ٣٩٥) هذا الإشكال، وأنهى في هذا الباب السِّجال، فقال في ترجمة الإمام ابن دقيق ﵀: قرأت بخط صاحبنا الشيخ جمال الدين بن عبدالله بن أحمد البشبيشي الشاهد: أخبرني قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء، عن والده، عن أبي حيان النحوي: أن ابن دقيق العيد أكمل "شرح الإلمام"، وأنه جاء في نحو ستين سِفراً، أو أكثر من ذلك، وأن بعض المالكية حقد عليه انتقالَه عن مذهب مالك، وحسد الشافعيةَ
стр. 47
كيف صار منهم، وأنه ارتصد غيبة الشيخ، فصادف فرصة، فأخذ الكتاب، فوضعه في فسقية الصالحية، فلما فقد الشيخ الكتاب تألم، وأصبح الناس، فرأوا ماء الفسقية أسود، فبحثوا عن ذلك، فوجدوا الكتاب داخل الفسقية، وأن القطعة الموجودة بأيدي الناس كان بعض الطلبة انتسخها.
قال الحافظ ابن حجر: وفي سياق هذه القصة مجازفات كثيرة، ولقد كنت أسمع شيخنا حافظ العصر أبا الفضل ابن الحسين - يعني: العراقي - يحكي أن الشيخ أكمل "الإمام" فجاء في عشرين مجلداً، وأن بعض المحدثين حسده عليه، فترقَّب وفاته، فأخذ الكتاب فأعدمه.
قال الحافظ: وصاحبنا جمال الدين لم يفرق بين "الإمام" وبين "شرح الإلمام"، كأنه كغيره من الطلبة يظن أن "الإمام": "شرح الإلمام"، وليس كذلك، فـ "الإمام" كتاب في أحاديث الأحكام على الأبواب، وكان استمداد "الإلمام" منه؛ والموجود منه قطعة نحو الربع، لكنها مفرقة، وأكثرها من ربع العبادات، وليس فيها شيء من الاستنباط، وإنما يذكر علل الحديث كثيراً، وأما "شرح الإلمام" فهو الذي يوجد منه قطعة من أول الطهارة، انتهى.
ومما يؤكد كلام الحافظ ﵀: أن المؤلف لم يذكر اسماً لشرحه هذا في مقدمة خطبته للكتاب؛ إذ قال (ص: ٦): هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، وكان وضعه مقتضياً للاتساع، ومقصوده موجباً لامتداد الباع، عدل قوم عن
стр. 48
استحسان إطابته إلى استخشان إطالته، ثم قال (ص: ٧ - ٨): غير أن ذلك الكتاب كتاب مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه، لا كتاب حفظ ودرس يُعتكف في التكرار عليه، فصنفت مختصراً لتحفيظ الدارسين، وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين، وسميته بـ "الإلمام بأحاديث الأحكام". ثم قال: وهذا التعليق الذي نشرع فيه الآن بعون النه، فنشرح ما فيه من السنن على وجوه نقصدها، ومقاصد نعتمدها، انتهى.
هذا ولم يذكر الحافظ قطب الدين الحلبي ولا الإمام الذهبي، وكذا الأُدفُوي، وابن حجر - كما سلف - والسخاوي اسماً لشرح ابن دقيق العيد هذا.
فالصواب في اسم الكتاب - إن شاء الله - هو ما وضع على طرة هذا الكتاب: "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام"، والله أعلم، وهو سبحانه ولي التوفيق (١).
* * *
стр. 49
المبحث الثاني بيان صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف
إن شهرة هذا الشرح عند العلماء، وكثرة الناقلين والآخذين عنه تغني عن بيانات إثبات صحته إلى مؤلفه، فهذا الفاكهاني قد ملأ كتابه "رياض الأفهام في شرح عمدة أحاديث الأحكام" في الأخذ عن المؤلف المباحث الفقهية والأصولية واللغوية، وهذا الزركشي قد نقل في كتابه "البحر المحيط" فصولاً أصولية وتحقيقات كثيرة، وكذا العراقي في "طرح التثريب"، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
وقد كنت أنبه في أكثر الأحيان إلى الآخذين والناقلين عنه في تعليقاتي على هذا الشرح. أضف إلى ذلك:
١ - ذكر المؤلف لعدد من مصنفاته والإحالة إليها، كالإمام، والإلمام، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، وشرح مختصر ابن الحاجب.
٢ - ذكر المؤلف لعدد من شيوخه في الكتاب؛ كوالده ﵀، والحافظ المنذري، والعز بن عبد السلام، وغيرهم.
٣ - إثبات السبكي مقدمة هذا الكتاب في "طبقات الشافعية" (١)، وكذا الأدفوي في "الطالع السعيد" (٢).
стр. 50
وأخيراً: فإن الاستنباطات الفقهية، والمباحث الحديثية والأصولية المنثورة في هذا الشرح لا تتأتى إلا من أمثال الإمام ابن دقيق ﵀، وهي تتناسب مع ملكته الاجتهادية، وقدرته العلمية، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
* * *
стр. 51
المبحث الثالث منهج المؤلف فى الكتاب
قدَّم المؤلف ﵀ لشرحه هذا بمقدمة بالغة في الإجادة، ما وقف عندها أحد إلا اندهش، وطال تعجبُه، ذكر فيها منزلة الفقه في الدين، وتقديم النص على كل ما يخالفه من الأقيسة والأقاويل، ثم ذكر الوجوه والمقاصد التي اعتمدها في شرح الحديث.
ثم بعد ذلك تكلم عن خطبة كتابه "الإلمام بأحاديث الأحكام"، وشرحها شرحاً مفضلاً مبيَّناً.
وبعد ذلك شرع في شرح أحاديث كتابه "الإلمام" على حسب وضعها وترتيبها.
وقد أبان ﵀ عن الوجوه التي يتكلم عنها في شرح الحديث، وأنا أُجملها في خلاصة ثم أفصلها بعد ذلك، والوجوه هي:
١ - التعريف بمن ذكر من رواة الحديث من الصحابة وغيرهم والمخرجين له.
٢ - تصحيح الحديث.
٣ - الإشارة أحياناً إلى سبب اختيار الرواية في الباب.
٤ - تفسير شيء من مفردات الألفاظ الحديث.
٥ - إيراد شيء من علم الإعراب أحياناً.
стр. 52
٦ - ذكر شيء من علم البيان والبديع أحيانًا.
٧ - الكلام عن الفوائد والمباحث المستنبطة من الحديث.
٨ - الإعراض عن إيراد مسائل لا تستنبط من ألفاظ الحديث.
٩ - تهذيب كثير من كلام الشارحين للحديث والتحقيق فيه، والاستدراك عليه أحياناً.
١٠ - جلب الفوائد المتبددة في كتب الأحكام والشروح.
١١ - عدم التعصب في كل ذلك لمذهب معين، وذكر ما استدل به أصحاب المذاهب لمذاهبهم، أو يمكن أن يستدل به لهم، ثم التحقيق في ذلك.
هذا ما عقده المؤلف ﵀ وعزم عليه في شرحه للأحاديث، وهي ترجع إلى أربع صناعات قد أتقنها الإمام ابن دقيق ﵀ وبرع فيها وهي:
١ - الصناعة الحديثية.
٢ - الصناعة الأصولية.
٣ - الصناعة الفقهية.
٤ - صناغة العربية.
وسأتكلم عن كل واحدة منها من خلال شرحه هذا.
أولاً: الصناعة الحديثية:
ويتعلق بها الوجوه الثلاثة الأولى المذكورة التي بدأ بها في خطته، وهي:
стр. 53
الوجه الأول: التعريف بمن ذكر من رواة الحديث والمخرجين له، والتكلم فيما يتعلق به على وجه الاختصار.
الوجه الثاني: التعريف بوجه صحته، إما على جهة الاتفاق أو الاختلاف، على وجه الإيجاز أيضاً.
الوجه الثالث: الإشارة أحياناً إلى بعض المقاصد في الاختيار، لِمَ الاختيار عليه؟
أما الوجه الأول: فقد ترجم المؤلف ﵀ لرواة الحديث من الصحابة والتابعين وأتباعهم على حسب ما ذكر في الأصل وهو "الإلمام"، ثم الترجمة لمخرجي الحديث.
ويبدأ الترجمة بذكر اسم المترجم ونسبه، وأسماء الآخذ منهم، والآخذين عنه، ويذكر بعض مناقبه وأقواله أحياناً، ثم يذكر عدد أحاديثه أحياناً أيضاً، ثم يختم بسنة وفاته.
وإن كان الراوي من غير الصحابة متكلماً فيه أو مغموزاً، ذكر فيه أقوال أهل العلم في جرحه أو تعديله، وتوثيقه أو توهينه.
وكان في كل ذلك ينوِّع في مراجع الترجمة ومصادرها التي ذكرها.
وأما الوجه الثاني: فقد شرط المؤلف ﵀ في خطبة الأصل (١/ ٢٤): "ألا يورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكِّي رواة الأخبار، وكان صحيحاً على طريقة بعض أهل الحديث الحفاظ، أو بعض أئمة الفقهاء النظَّار".
стр. 54
ثم شرح ذلك فقال: "اعتبر هذا الشرط، ولم يشترط الاتفاق من الطائفتين، لأن ذلك الاشتراط يضيق به الحال جداً، ويوجب تعذر الاحتجاج بكثير مما ذكره الفقهاء؛ لعسر الاتفاق على وجود الشروط المتفق كليها، ولأن الفقهاء قد اعتادوا أن يحتجوا بما هو نازل عن هذه الدرجة، فرجوعهم إلى هذه الدرجة ارتفاع عما قد يعتادونه، فهو أولى بالذكر، ولأن كثيراً مما اختلف فيه من ذلك يرجع إلى أنه قد لا يقدح عند التأمل في حق كثير من المجتهدين، فالاقتصار على ما أُجمع عليه تضييعٌ لكثير مما تقوم به الحجة عند جمع من العلماء، وذلك مفسدة، ولأنه بعد أن يوثَّق الراوي من جهة بعض المزكين، قد يكون الجرح مبهماً غير مفسَّر، ومقتضى قواعد الأصول عند أهله أن لا يقبل الجرح إلا مفسَّراً، فتركُ حديثِ من هو كذلك تضييع أيضاً، ولأنه إذا وثَّق، قد يكون القدح فيه من غير الموثِّق بأمرٍ اجتهادي، فلا يساعده عليه غيره".
ومن أمثلة ذلك عند المؤلف ﵀: قوله في الحديث الخامس من باب الطهارة: وقد ذكرنا أن الترمذي صححه، فحصل شرطنا، وبسطنا القول في رواية عكرمة وسماك.
وكذا قوله في الحديث العاشر من باب الوضوء عند الكلام عن تصحيح حديث: "الأذنان من الرأس" المروي من طريق سنان ابن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، به. قال: قد تقدم التعريف بحال رواته، وأنه ليس فيهم إلا من وثق، فحصل شرطنا.
стр. 55
ثم قال: وعلى الجملة فإن توقف تصحيحه عند أحد على ذكر طريق لا علة فيها، ولا كلام في أحد من رواتها، فقد يتوقف في ذلك؛ لأن اعتبار ذلك صعب ينتقض عليهم في كثير مما استحسنوه وصححوه من هذا الوجه، فإن السلامة من الكلام في الناس قليل، ولو شرط ذلك، لما كان لهم حاجة إلى تعليل الحَسَن بالتضافر والمتابعة، والمجيء من طرق أو وجوه، فيتقلب النظر، وتتناقض العبر، ويقع الترتيب، أو يُخاف التعذيب.
ثم قال: وما ذكرته عُرض عليك، لا التزام أتقلد عهدته، وفي كلامي ما يشير إلى المقصود.
وكذا قوله في الحديث السادس عشر من باب الوضوء: وقد ذكرنا أن البيهقي قال: إنه إسناد صحيح، فحصل شرطنا في ذكره في الكتاب.
وأما الوجه الثالث: فقد ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب (١/ ١٨ - ١٩) كيفية إيراده للأحاديث، والمقاصد التي يقصدها من وراء إيرادها، فذكر منها:
١ - أنه لا يذكر أحاديث متعددة للدلالة على حكم واحد إلا لمعارض.
٢ - الاكتفاء بأتم الحديثين وأكثرهما فائدة عن أقلهما، أو لدخول مدلوله تحت الأعم فائدة، وقد يقوم في مثل هذا معارض، وهو أن يكون الحديث الأقل فائدة، هو الحديث المشهور، أو المخرج في "الصحيحين" فيُذكر لذلك، ويُتبَع بالحديث الذي فيه
стр. 56
الزيادة، فإنَّ إهمالَ ما في "الصحيحين" وما اشتُهر بين العلماء الاستدلالُ به غير مستحسن، وربما أوقع إهمالُه وذكرُ غيرِه من الكتب الخارجة عيباً في الاختيار عند من لم يفهم المقصود، وربما اكتفى بالزائد لمعارض آخر.
٣ - أن الحديث الذي يستدل به قد يكون مطولاً في الصحاح أو في الكتب المشهورة، ويكون موضع الاحتجاج مقتصراً عليه، مختصرًا في غير ذلك من الكتب، فيقتصر على المختصر، ويترك التخريج من الصحاح؛ لأنه أليق بالكتاب.
ثم قال: إلى غير ذلك من المقاصد التي أبهمها.
ثم قال: وترجيحُ بعض المقاصد على بعض يكون بحسب حديث حديث، ومحل محل، انتهى.
ومن أمثلة ذلك:
قوله في الحديث الثامن عشر من باب الوضوء، حيث أورد رواية النسائي في حديث جابر ﵁: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، فقال: قد ذكر أن النسائي أخرجه، ولم يُضِفْه إلى كتاب مسلم، وإن كان مسلم أخرج الحديث بكماله؛ لأن المقصود هنا بإيراد هذه القطعة منه: ذكر ما احتج به على وجوب الترتيب، وهو قوله: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، والمأخذ صيغة الأمر التي ظاهرها الوجوب، وصيغة الأمر لم ترد في كتاب مسلم، ولم يحسن من يقول - إذا احتج بهذه اللفظة -: أخرجه مسلم، وإنما قلنا ذلك لشيء نذكره الآن.
стр. 57
ثم ذكر فائدة جليلة قال فيها: "معلوم أن نظر المحدِّث من حيث هو محدِّث، إنما هو في الإسناد وما يتعلق به، لا من جهة استنباط الأحكام من الألفاظ ومدلولاتها، فإن تكلم في ذلك، فمن حيث هو فقيه، وكذلك العكس، نظر الفقيه فيما يتعلق بالاستنباط من الألفاظ ومدلولاتها، فإن تكلم في الأسانيد فمن حيث إنه محدِّث، فإذا كان كذلك، فالمحدِّث إذا قال بعد حديث: أخرجه فلان؛ فإنما يريد أصل الحديث، ولا يريد أنه أخرجه بتلك الألفاظ بعينها، لأن موجب صناعته تقتضي ذلك، ولهذا عملوا الأطراف، واكتفوا بذكر طرف الحديث وقالوا: أخرجه فلان وفلان.
والفقيه إذا أراد أن يحتج بلفظة يقتضي مدلولها حكما يذهب إليه وقال: أخرجه مسلم، أو فلان من الأئمة، فعليه أن تكون تلك اللفظة التي استنبط منها الحكم موجودة في رواية مسلم؛ لأنه مقتضى ما يلزمه من صناعته.
ثم قال: فمن قال بعد إيراد هذا الحديث للاحتجاج بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، لم يَحسُن؛ لأن موضع الحجة صيغة الأمر، وليست في كتاب مسلم.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: قوله في الحديث الأول من باب الطهارة: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته": ليس المقصود الأكبر بهذا الحديث الاستدلال محلى طهورية ماء البحر، لأنه كالمتفق عليه بين الفقهاء، فكان يكتفي بذلك؛ لأن الكتاب كتاب اختصار، لكن لما كان يتعلق به
стр. 58
فوائد كثيرة، منها ما يخص هذا الكتاب، ومنها ما يدخل في غيره، ويستدل على ذلك الغير في المكان اللائق به، كان أكثر فائدة من الأحاديث التي تدل على ما يتعلق بهذا الباب خاصة.
وكذا قوله في حديث أبي ثعلبة الخشني الرابع من باب الآنية: الموجب لإدخال هذا الحديث هاهنا: حكم استعمال أواني المشركين، واختير هذا الحديث؛ لكثرة الأحكام الواردة فيه.
ثانياً: الصناعة الأصولية:
قال الإمام الزركشي في "البحر المحيط" (١/ ١٤) وهو يذكر مؤلفات الأئمة التي نقل عنها في كتابه: و"شرح الإمام"، وبه خُتِمَ التحقيق في هذا الفن.
إن الصِّبغة الأصولية التي امتلكها الإمام ابن دقيق العيد، ﵀، والتي قد برز فيها، قد ظهرت ظهوراً بيِّناً في كتابنا هذا، حتى قال فيه الزركشي ما قال.
وإن أكثر ما يثير الانتباه في هذا الكتاب هو حُسن استعمال الإمام ابن دقيق لأصول الفقه في استنباط الأحكام وتوجيه الكلام، وصياغته الدقيقة للقواعد، وجَودة سبْكها، وتبسيط عرضها، حتى إن المرء ليخال أنه أول من تكلم في هذا الفن.
ولن أطيل الكلام هاهنا؛ لأنني قد اجتهدت في فهرست القواعد والفوائد الأصولية التي ذكرها الإمام ابن دقيق في كتابه، وذكرت تحقيقاته وأقواله في هذا الفن، وقد بلغت (٣٨٠) ما بين قاعدة وفائدة
стр. 59
أصولية، يجد المرء أكثرها في كتب الأصول، لكن دون الصورة التي قدمها المؤلف ﵀ من الصياغة والسَّبك والدقة، والتوفيق في استعمالها في المباحث والاستدلالات.
ثالثاً: الصناعة الفقهية:
ويتعلق بذلك الوجوه الآتية التي ذكرها المؤلف في مقدمته وهي:
الوجه السابع: الكلام على المعاني التركيبية، والفوائد المستنبطة، والأحكام المستخرجة، وهذا هو المقصود الأعظم.
الوجه الثامن: اعتماد ما تقدمت الإشارة إليه من عدم الميل والتعصب في ذلك لمذهب معيَّن على سبيل العَسَف، فنذكر ما بلغنا مما استدلَّ به أصحابُ المذاهب لمذاهبهم، أو يمكن أن يُستدلَّ به لهم، فإن كان وجه الدليل ظاهرًا، وإلا بدأنا ببيانه، ثم نُتبع ذلك بما عساهُ يُذكر في الاعتذار عن مخالفة ظاهره لمن خالفه إن تيسَّر ذلك.
الوجه التاسع: الإعراض عما فعله كثيرٌ من الشارحين من إيراد مسائل لا تستنبط من ألفاظ الحديث، كمن يأتي إلى حديث يدل على جواز المسح على الخفين، أو الاستنشاق، أو الظِّهار، أو الإيلاء مثلًا، فيأتي بمسائل ذلك الباب من غير أن تكون مستنبطة من الحديث الذي يتكلم عليه، دمان أمكن فبطريق مستبعَد.
الوجه العاشر: ترك ما فعله قومٌ من أبناء الزمان، ومن يُعدُّ فيهم من الأعيان، فأكثروا من ذكر الوجوه في مَعْرِض الاستنباط،
стр. 60
واسترسلوا في ذلك استرسالَ غيرِ متحرزٍ ولا محتاط، فتخيلوا وتحجَّلوا، وأطالوا وما تطولوا، وأبدوا وجوهًا ليس في صفحاتها نور، وذكروا أوهامًا لا تميل إليها العقول الراجحة ولا تَصُور، حتى نُقل عن بعضهم أنه ادَّعى الاستدلالَ على جميع مسائل مذهبه الذي تقلَّدهُ من الكتاب العزيز.
الوجه الحادي عشر: تهذيب كثير مما ذكره الشارحون للحديث، وتلخيصه، والتحقيق فيه، والمؤاخذة فيما عساه يُؤخَذ على قائله.
الوجه الثاني عشر: جلب الفوائد المتبددة من كتب الأحكام التي تقع مجموعة في كلام الشارحين للأحاديث، فيما علمناه على حسب ما تيسَّر، انتهى.
هذا ما يخصُّ الصناعة الفقهية لدى المؤلف على حسب ما انتهجه في ذكر هذه الوجوه.
وحسبك أن تعرف أن عدد الفوائد والمباحث المستنبطة والمذكورة لدى المؤلف في هذا الباب قد بلغت أكثر من (١٩٠٠) فائدة واستنباط فقهي، وذلك من سبعة وخمسين حديثاً، فما ظنك؟! ثم أعودُ إلى ذكر بعض الفوائد المتعلقة بطريقة استنباط المؤلف ﵀، فمن ذلك:
قوله في الفائدة (٣٥٦) من الحديث الأول من باب الآنية: "وقد عرف أن ما هو في معنى الأصل نذكره في فوائد الحديث؛ لأنه بمثابة دلالة اللفظ".
стр. 61
وقوله في الفائدة (٢٢) من الحديث الأول من باب الطهارة: "ليس من شرط ما يستنبط من الحديث أن لا يكون مختلفاً فيه، ولا أيضاً من شرطه أن لا يدل عليه نص آخر".
وقوله في الفائدة (١٧) من الحديث الثالث من باب الوضوء: "والطرق الجدلية تُستمدُّ من سَعَة الخيال، ودقة الوهم، ودُربة الاستعمال، والسيف فيها بضاربه، لا بحدة مضاربه، وهي بمعزل عن الطرق التي يجب على المجتهد المحقق أن يسلكها في إثبات الأحكام الشرعية، ولذلك لا تجد شيئاً من هذه الجدليات المتأخرة في شيء من كلام المتقدمين الذين رجع الناس إليهم في الأحكام".
رابعاً: الصناعة اللغوية:
قال المؤلف في الوجه الرابع من المقدمة أثناء الكلام عن طريقته في شرح الأحاديث: الكلام على تفسير شيء من مفردات ألفاظه إذا تعلق بذلك فائدة؛ إما لغرابته عن الاستعمال العادي، أو لفائدة لا تظهر عند أكثر المستعملين.
وطريقة المؤلف ﵀ في عرضه وشرحه لغريب الألفاظ جدُّ مفيدة، فيذكر اللغات الواردة في اللفظة، وتصريفاتها، وجموعها، وما ترجع إليه اللفظة، وما يتلخص من كلام أهل اللغة فيها، ويذكر استعمالات العرب للكلمة وما تطلق عليه، ويعضد ذلك بالشواهد القرآنية والشعرية، ويذكر من كلام أصحاب المعاجم والكتب، ثم يوجه كلامهم، ويرجح قولاً من الأقوال المذكورة فيها، وهو في كل هذا ينوع في ذكر مصادر المادة اللغوية المتكلم عليها،
стр. 62
فهو إذن يخلص إلى الحكمة في استعمال هذه اللفظة في الحديث دون غيرها.
ثم هو يذكر - أحياناً شيئاً من علم الإعراب إن احتيج إليه.
ويذكر في بعض الأماكن شيئاً من علم البيان، ويظهر في كل ذلك قوة لغوية تدل على سعة دائرته في هذا الباب.
هذا ما يتصل بما كان المؤلف قد ذكره، وضربت الأمثلة عليه، وبينته من خلال هذا الشرح.
ومما يلحظ المطالع - أيضاً - في هذا الشرح جملة من الأمور أُجملها في الآتي:
١ - أكثر الشارح ﵀ من النَّقلِ عن كتب الشافعية وذِكْرِ مذاهبهم في المسألة (١)، ثم تلاه في الأكثرية فقه المالكية، بينما ذكر مذهب الحنفية والحنابلة في مواضع قليلة من هذا الشرح، ويرجع هذا إلى تفقه الإمام ابن دقيق ﵀ بمذهب المالكية أولاً، ثم تمذهبه واستقراره على فقه الشافعية، والله أعلم.
стр. 63
٢ - دقته في نقل المذاهب؛ كأن يقول: قال الشافعية، أو من قال منهم، قال بعض المالكية، قال بعض المتأخرين من المالكية، قال بعض الحنابلة، وهكذا.
٣ - قد ينكر بعض من لم يتأمل مقاصد المؤلف في هذا الكتاب الإطالة في بعض المواضع من هذا الكتاب، لذا كان ينبه المؤلف ﵀ في مواضع إلى حكمة إطالته، ومن ذلك: قوله في آخر الفائدة (٢٧٠) من حديث البراء في باب الآنية - بعد أن ذكر صفحات من "الإحياء" للغزالي، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قال (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣): هذا ما تيسَّر ذكره على وجه الحكاية عن "الإحياء"، ثم قال: ووجه الحاجة إلى هذه الأمور في الكلام على الحديث ظاهر؛ لأنها أمور قد تعود على العموم بالتخصيص، ومن ضرورة الكلام على الحديث التنبيه على ذلك؛ لأن العمل بالعموم في محل التخصيص خطأ.
وعندما أطال الكلام على بيت عاتكة بنت عبد المطلب:
بُعكاظ يُعشي الناظر ... ين إذا همُ لمحوا شعاعُه
قال (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥): وقد أطلنا الكلام على هذا البيت لشهرته، وشهرة تعليل المنع بما تقدم، فجرَّ ذلك إلى اجتلاب اعتراض على المشهور من وجه الامتناع، وهو كلام أبي إسحاق ابن ملكون، فاغتفرنا الإطالة، وإن كانت سبب المَلال، لغرابة الاعتراض، ودقة النظر في البيت، على أن كتابنا هذا ليس موضوعاً
стр. 64
على الاختصار، فتُنكر الإطالة، إلا أن المنكر إطالة ما يقتضي المقصود خلافه، أو يقتضي المعرف إنكاره.
٤ - تورعه وتخويفه من القول في الدين دون علم، أو الإفتاء دون بذل الجهد والتأمل في الفتوى.
قال في الفائدة (١٣٢) من الحديث الأول من باب الآنية: فيدخل تحت ذلك - أي: التسبب إلى نصرة المظلوم - إبداء العالم والمفتي الحكم الشرعي الذي يحصل به نصر المظلوم، وهو من الواجبات عليه بشرطه، ويترتب عليه أن كل مظلوم نَصَره بقوله، فإن ثواب النصرة له.
ثم قال: وهذا فضل عظيم، ومنقبة عالية للعلماء، لا سيما الذين أسسوا القواعد من المُدد المديدة والسنين العديدة، ويقابله الخطر العظيم فيه على تقدير الخطأ، وكثيراً ما رأيتهم يستهينون في هذا بقولهم: الواجب في ذلك بذل الجهد، والخطأ بعد بذل الجهد معفو عنه، وهذا صحيح، ولكن الشان في بذل الجهد، فهاهنا تسكب العبرات.
وللتقصير أسباب كثيرة، وبعضها قد يخفى، ومن أسبابها ... ، فذكرها. انظر: (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).
وقال في ترجمة ابن حبان (١/ ٤٨٢) محذِّراً من وقوع الناس بعضهم في بعض، خصوصا في العقائد: "واختلاف الناس في العقائد والمذاهب جزيلاً طويلاً، وأرتع بعضُهم في أعراض بعض
стр. 65
مرتعاً وبيلاً، وسدَّد في الطعن من السهام ما لا تردُّه دروع الزجر ولا المَلام، وبثَّ في الأرض داهية يحِقُّ أن يقال لها: صَمِّي صَمامَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].
* * *
стр. 66
المبحث الرابع قيمة الكتاب العلمية
حسبك كتاب يقول فيه الحافظ قطب الدين الحلبي: إنه لم يتكلم على الحديث من عهد الصحابة إلى زماننا مثل ابن دقيق العيد، ومن أراد معرفة ذلك، فعليه بالنظر في القطعة التي شرح فيها "الإلمام"، فإن من جملة ما فيها: أنه أورد حديث البراء بن عازب: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع"، واشتمل على أربع مئة فائدة (١).
حسبك هذا أن يكون هذا الشرح فريداً في بابه، بل لعله لم يُصنَّفْ في الإسلام مثلُه.
وقال عنه الذهبي: وشرح بعض "الإلمام" شرحاً عظيماً (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: وصنف "الإلمام في أحاديث الأحكام"، وشرع في شرحه، فخرج منه أحاديث يسيرة في مجلدين، أتى فيهما بالعجائب الدالة على سعة دائرته في العلوم، خصوصًا في الاستنباط (٣).
стр. 67
وقال عنه الأُدفُوي وهو يعدد مؤلفات الإمام ابن دقيق: فكيف بـ "شرح الإلمام"، وما تضمنه من الأحكام، وما اشتمل عليه من الفوائد النقلية، والقواعد العقلية، والأنواع الأدبية، والنكت الخلافية، والمباحث المنطقية، واللطائف البيانية، والمواد اللغوية، والأبحاث النحوية، والعلوم الحديثية، والمُلَح التاريخية (١).
إن كتاباً أربت مواردُه على المئتين والثلاثين كتاباً من أمهات كتب الإسلام، اعتمد مؤلفُه عليها في أواخر القرن السابع الهجري، لجديرٌ أن يُوقَفَ عنده، وأن ينظر إلى ما حواه، وأن يُنعم النظر في فحواه.
وإن كتاباً بلغت فوائده ومباحثه الحديثية والأصولية والفقهية واللغوية كثر من ثلاثة آلاف، كلُّ هذا من النظر في خمس وخمسين حديثاً، لشهادة عظمى بعلو كعب هذا الإمام، وتقدم شرحه هذا على غيره من كتب الشروح والأحكام.
ثم إن قيمته الكبرى تبرز في المنهج الذي سار عليه المؤلف في الاستدلال والاستنباط والمناقشة، والذي يعد منهجاً سليماً قوياً؛ إذ يربِّي في نفوس طلبة العلم ملكة الاستدلال والاستنباط في فهم نصوص الكتاب والسنة.
стр. 68
ويعطيهم الطريقة المثلى في اختيار النصوص الصحيحة للاحتجاج والاستشهاد.
وتغذي فيهم الملكات الأدبية.
وتنمِّي عندهم الشخصية الجامعة بين العلم والعمل، والرواية والدراية (١).
* * *
стр. 69
المبحث الخامس موارد المؤلف فى الكتاب
* اللغة وعلومها:
١ - معاجم اللغة والغريب:
١ - " غريب الحديث" - أبو عبيد القاسم بن سلام.
٢ - "معجم ما استعجم" - أبو عبيد البكري.
٣ - "غريب الحديث" - الهروي.
٤ - "مجمع الغرائب في غريب الحديث" - أبو الحسن الفارسي.
٥ - "الفائق في غريب الحديث" - الزمخشري.
٦ - "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" - الأزهري.
٧ - "مشارق الأنوار" - القاضي عياض.
٨ - "مطالع الأنوار" - ابن قُرقُول.
٩ - "مفردات ألفاظ القرآن" - الراغب الأصفهاني.
١٠ - "المنتخب والمجرد في اللغة" - علي بن الحسن الهنائي، كراع النمل.
١١ - "المنجد في اللغة" - علي بن الحسن الهنائي، كراع النمل.
١٢ - "الزينة في اللغة" - أبو حاتم السجستاني.
١٣ - "جامع اللغة" - محمد بن جعفر القزاز.
١٤ - "الاستدراك على كتاب العين" - أبو بكر الزبيدي.
стр. 70
١٥ - "المحكم" - ابن سيده.
١٦ - "المخصص" - ابن سيده.
١٧ - "تهذيب اللغة" - الأزهري.
١٨ - "الصحاح" - الجوهري.
١٩ - "أساس البلاغة" - الزمخشري.
٢٠ - "العباب الزاخر" - الصغاني.
٢ - النحو والصرف:
٢١ - " الكتاب" - سيبويه.
٢٢ - "اللوامع" - الطرطي.
٢٣ - "الملخص في ضبط قوانين العربية" - ابن أبي الربيع الأشبيلي.
٢٤ - "البسيط في شرح جمل الزجاجي " - ابن أبي الربيع الأشبيلي.
٢٥ - "شرح جمل الزجاجي" - ابن عصفور.
٢٦ - "شرح جمل الزجاجي" - ابن الضائع.
٢٧ - "المقدمة في النحو" - أبو موسى الجُزُولي.
٢٨ - "شرح اللمع" - أبو البقاء.
٢٩ - "شرح مقدمة ابن هبيرة في النحو" - أبو محمد بن الخشاب.
٣٠ - "شرح المفصل" - ابن يعيش.
٣١ - "الإيضاح في شرح المفصل" - ابن الحاجب.
٣٢ - "الأمالي النحوية" - ابن الحاجب.
٣٣ - "الكافية" - ابن الحاجب.
стр. 71
٣٤ - "الشافية" - ابن الحاجب.
٣٥ - "جامع الأفعال" - ابن طريف الأندلسي.
٣٦ - " الأفعال" - ابن القُوطيَّة.
٣٧ - كما نقل فصولاً عن ابن بَرِّي، وأبي الحسن الأُبَّدي النحوي، وعن مُهَلَّب بن الحسن البصري، وغيرهم.
٣ - الأدب اللغات:
٣٨ - " الحيوان" - الجاحظ.
٣٩ - "أعضاء الإنسان وصفاته على ما سمت العرب" - الزجاج.
٤٠ - "ديوان الأدب" - إسحاق بن إبراهيم الفارابي.
٤١ - "السبب في حصر كلام العرب" - الحسين بن المهذب البصري.
٤٢ - "ليس في كلام العرب" - ابن خالويه.
٤٣ - "المعرَّب من الكلام العجمي" - الجواليقي.
٤٤ - "تثقيف اللسان" - أبو حفص الصقلي.
٤٥ - " الأضداد" - ابن الأنباري.
٤٦ - "مجمل اللغة" - ابن فارس.
٤٧ - "جمهرة اللغة" - ابن دريد.
٤٨ - "درة الغواص في أوهام الخواص" - القاسم بن علي الحريري.
٤٩ - "الزاهر في معاني كلمات الناس" - ابن الأنباري.
стр. 72
٥٠ - "شرح الزاهر في معاني كلمات الناس" - أبو القاسم الزجاجي.
٥١ - "شرح أدب الكاتب" - ابن السِّيْد الأندلسي.
٥٢ - "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" - أبو هلال العسكري.
* التفسير وعلوم القرآن:
١ - " أحكام القرآن" - إسماعيل بن إسحاق القاضي.
٢ - "الوسيط" - الواحدي.
٣ - "المحرر الوجيز" - ابن عطية.
٤ - "الكشاف" - الزمخشري.
٥ - "أحكام القرآن" - ابن العربي.
٦ - "التفسير الكبير" - الرازي.
٧ - "تفسير الثعلبي".
٨ - "معاني القرآن" - الزجاج.
٩ - "معاني القرآن" - الفراء.
١٠ - "إعراب القرآن" - أبو البقاء العكبري.
١١ - "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" - ابن جني.
١٢ - "الحجة للقراء السبعة" - أبو علي الفارسي.
* الحديث وعلومه:
أ - الصحاح والسنن والمصنفات الحديثية الأخرى:
١ - " صحيح البخاري".
стр. 73
٢ - "صحيح مسلم".
٣ - "صحيح ابن خزيمة".
٤ - "صحيح ابن حبان".
٥ - "صحيح ابن منده".
٦ - "المستدرك" - الحاكم.
٧ - "سنن أبي داود".
٨ - "سنن النسائي - المجتبى".
٩ - "السنن الكبرى" - النسائي.
١٠ - "سنن الترمذي".
١١ - "سنن ابن ماجه".
١٢ - "سنن الدارقطني".
١٣ - "السنن" - الكشِي.
١٤ - "السنن" - المعمري.
١٥ - "السنن الكبرى" - البيهقي.
١٦ - "معرفة السنن والآثار" - البيهقي.
١٧ - "الطهور" - أبو عبيد.
١٨ - "مسند الإمام الشافعي".
١٩ - "مسند الإمام أحمد بن حنبل".
٢٠ - "مسند الحميدي".
٢١ - "مسند أبي عوانة".
стр. 74
٢٢ - "الموطأ" - الإمام مالك.
٢٣ - "المصنف" - عبد الرزاق.
٢٤ - "المصنف" - ابن أبي شيبة.
٢٥ - "المعجم الكبير" - الطبراني.
٢٦ - "المعجم الأوسط" - الطبراني.
٢٧ - "شرح معاني الآثار" - الطحاوي.
٢٨ - "المستخرج على صحيح البخاري" - أبو بكر الإسماعيلي.
٢٩ - "المستخرج على صحيح مسلم" - أبو نعيم الأصبهاني.
٣٠ - "جزء رفع اليدين في الصلاة" - البخاري.
٣١ - "غرائب حديث مالك" - الدارقطني.
٣٢ - "بعض أحاديث المقلين من أبناء المكثرين، وبعض أحاديث المكثرين عن آبائهم المقلين وعن إخوانهم المقلين" - الدارقطني.
٣٣ - "الجمع بين الصحيحين" - الحميدي.
٣٤ - "الجمع بين الصحيحين" - عبد الحق الإشبيلي.
ب - العلل والجرح والتعديل:
٣٥ - " العلل" - الترمذي.
٣٦ - "العلل" - عبد الله بن الإمام أحمد.
٣٧ - "العلل" - ابن أبي حاتم.
٣٨ - "تاريخ ابن معين" - رواية الدوري.
стр. 75
٣٩ - "تاريخ ابن معين" - رواية الدارمي.
٤٠ - "معرفة الثقات" - أحمد بن عبد الله العجلي.
٤١ - "تاريخ أسماء الثقات" - ابن شاهين.
٤٢ - "الجرح والتعديل" - ابن أبي حاتم.
٤٣ - "التمييز" - النسائي.
٤٤ - "الكامل في الضعفاء" - ابن عدي.
٤٥ - "الضعفاء" - العقيلي.
٤٦ - "الثقات" - ابن حبان.
٤٧ - "بيان الوهم والإيهام" - ابن القطان.
٤٨ - "سؤالات أبي زرعة الرازي" - ابن طاهر المقدسي.
٤٩ - "التحقيق في أحاديث الخلاف" - ابن الجوزي.
ج - مصطلح الحديث:
٥٠ - " المحدث الفاصل" - الرامهرمزي.
٥١ - "معرفة علوم الحديث" - الحاكم.
٥٢ - "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" - الخطيب البغدادي.
٥٣ - "علوم الحديث" - ابن الصلاح.
٥٤ - "شروط الأئمة الستة" - ابن طاهر المقدسي.
د - شروح الحديث:
٥٥ - " التمهيد" - ابن عبد البر.
٥٦ - "التقصي لحديث الموطأ" - ابن عبد البر.