Полный текст (612 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
٢٨ - فإذا علوت على السفينة أنت ومن معك من المؤمنين الناجين، فقل: الحمد لله الَّذي أنقذنا من القوم الكافرين فأهلكهم.
٢٩ - وقل: رب أنزلني من الأرض إنزالًا مباركًا، وأنت خير المُنْزِلين.
٣٠ - إن في ذلك المذكور من إنجاء نوح والمؤمنين معه، وإهلاك الكافرين؛ لدلالات جلية على قدرتنا على نصر رسلنا وإهلاك المكذبين بهم، بيان كنا لمختبرين قوم نوح برساله إليهم ليتضح المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي.
٣١ - ثم أنشأنا من بعد إهلاك قوم نوح أمة أخرى.
٣٢ - فبعثنا فيهم رسولًا منهم يدعوهم إلى الله، فقال لهم: اعبدوا الله وحده ما لكم من معبود بحق غيره سبحانه، أفلا تتقون الله باجتناب نواهيه، وامتثال أوامره؟!
٣٣ - وقال الأشراف والسادة من قومه الذين كفروا بالله، وكذبوا بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، وأطغاهم ما وسّعنا لهم من النعم في الحياة الدنيا، قالوا لأتباعهم وعامتهم-: ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون منه، فليس له مزية عليكم حتَّى يُبْعَث رسولًا إليكم.
٣٤ - ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذن لخاسرون لعدم انتفاعكم بطاعته لترككم آلهتكم، واتباع من لا فضيلة له عليكم.
٣٥ - أيعدكم هذا الَّذي يزعم أنَّه رسول أنكم إذا متم وصرتم ترابًا وعظامًا بالية أنكم تخرجون من قبوركم أحياء؟! أيعقل هذا؟!
٣٦ - بعيد جدًّا ما توعدون به من إخراجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم، ومصيركم ترابًا وعظامًا بالية.
٣٧ - ليست الحياة إلا الحياة الدنيا، لا الحياة الآخرة، تموت الأحياء منا ولا تحيا، ويولد آخرون فيحيون، ولسنا بمُخرَجين بعد موتنا للحساب يوم القيامة.
٣٨ - ما هذا الَّذي يدّعي أنَّه رسول إليكم إلا رجل اختلق على الله كذبًا بادعائه هذا، ولسنا له بمؤمنين.
٣٩ - قال الرسول: رب انصرني عليهم بأن تنتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي.
٤٠ - فأجابه الله قائلًا: بعد زمن قليل سيصبح هؤلاء المكذبون بما جئت به نادمين على ما وقع منهم من التكذيب.
٤١ - فأخذهم صوت شديد مُهلك باستحقاقهم العذاب لتعنُتهم، فصيّرتهم هلكى مثل غثاء السيل، فهلاكًا للقوم الظالمين.
٤٢ - ثم بعد إهلاكهم أنشأنا أقوامًا وأممًا آخرين مثل قوم لوط، وقوم شعيب، وقوم يونس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب حمد الله على النعم.
• الترف في الدنيا من أسباب الغفلة أو الاستكبار عن الحق.
• عاقبة الكافر الندامة والخسران.
• الظلم سبب في البعد عن رحمة الله.
стр. 352
٤٣ - لا تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لمجيء هلاكها، ولا تتأخر عنه، مهما كان لها من الوسائل.
٤٤ - ثم بعثنا رسلنا متتابعين رسولًا رسولًا، كلما جاء أمةً من تلك الأمم رسولُها المبعوث إليها كذبوه، فاتبعنا بعضهم ببعض بالهلاك، فلم يبق لهم وجود إلا أحاديث الناس عنهم، فهلاكًا لقوم لا يؤمنون بما جاءتهم به رسلهم من عند ربهم.
٤٥ - ثم بعثنا موسى وأخاه هارون بآياتنا النسع: (العصا، اليد، الجراد، القُمَّل، الضفاع، الدم، الطوفان، السنون، نقص الثمرات)، وبحجة واضحة.
٤٦ - بعثناهما إلى فرعون والأشراف من قومه فاستكبروا، فلم ينقادوا للإيمان لهما، وكانوا قومًا مُسْتَعْلِين على الناس بالقهر والظلم.
٤٧ - فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا، لا مزية لهما علينا، وقومهما (بنو إسرائيل) لنا مطيعون خاضعون؟!
٤٨ - فكذبوهما فيما جاءا به من عند الله، فكانوا بسبب تكذيبهم من المُهْلَكين بالغرق.
٤٩ - ولقد أعطينا موسى التوراة رجاء أن يهتدي بها قومه إلى الحق، ويعملوا بها.
٥٠ - وصيرنا عيسى بن مريم وأمه مريم علامة دالة على قدرتنا، فقد حملت به من غير أب، وآويناهما إلى مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ صالح للاستقرار عليه، فيه ماء جار متجدد.
٥١ - يا أيها الرسل، كلوا مما أحللت لكم مما يُسْتَطاب أكله، واعملوا عملًا صالحًا موافقًا للشرع، إني بما تعملون من عمل عليم، يخفى عليَّ من أعمالكم شيء.
٥٢ - وإن ملَّتكم -أيها الرسل- ملة واحدة وهي الإسلام، وأنا ربكم لا ربَّ لكم غيري، فاتقوني بامتثال أوامري، واجتناب نواهيّ.
٥٣ - فتفرّق أتباعهم بعدهم في الدين، فصاروا أحزابًا وشيعًا، كل حزب معجب بما يؤمن أنَّه هو الدين المرضي عند الله، ولا يلتفت إلى ما عند غيره.
٥٤ - فاتركهم -أيها الرسول- فيما هم فيه من الجهل والحيرة إلى حين نزول العذاب بهم.
٥٥ - ٥٦ - أيظن هؤلاء الأحزاب الفرحون بما لديهم أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد في الحياة الدنيا هو تعجيل خير لهم يستحقونه؟! ليس الأمر كما ظنوا، إنما نعطيهم ذلك إملاءً واستدراجًا لهم، لكنهم لا يحسُّون بذلك.
٥٧ - إن الذين هم مع إيمانهم وإحسانهم وجِلون من ربهم.
٥٨ - والذين هم بآيات كتابه يؤمنون.
٥٩ - والذين هم يوحدون ربهم لا يشركون به شيئًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستكبار مانع من التوفيق للحق.
• إطابة المأكل له أثر في صلاح القلب وصلاح العمل.
• التوحيد ملة جميع الأنبياء ودعوتهم.
• الإنعام على الفاجر ليس إكرامًا له، وإنما هو استدراج.
стр. 353
٦٠ - والذين يجتهدون في أعمال البر، ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة وهم خائفون ألا يتقبل الله منهم إنفاقهم وأعمالهم الصالحة إذا رجعوا إليه يوم القيامة.
٦١ - أولئك الموصوفون بهذه الصفات العظيمة يبادرون إلى الأعمال الصالحة، وهم إليها سابقون، ومن أجلها سبقوا غيرهم.
٦٢ - ولا نكلف نفسًا إلا قدر ما تستطيعه من العمل، وعندنا كتاب أثبتنا فيه عمل كل عامل، ينطق بالحق الَّذي لا مرية فيه، وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم، ولا زيادة سيئاتهم.
٦٣ - بل قلوب الكفار في غفلة من هذا الكتاب الَّذي ينطق بالحق، والكتاب الَّذي نزل عليهم، ولهم أعمال أخرى دون ما هم عليه من الكفر هم لها عاملون.
٦٤ - حتَّى إذا عاقبنا منعَّميهم في الدنيا بالعذاب يوم القيامة إذا هم يرفعون أصواتهم مستغيثين.
٦٥ - فيقال لهم تيئيسًا لهم من رحمة الله: لا تصرخوا ولا تستغيثوا في هذا اليوم، فإنه لا ناصر لكم يمنعكم من عذاب الله.
٦٦ - قد كانت آيات كتاب الله تُقْرأ عليكم في الدنيا، فكنتم ترجعون مولّين عنها إذا سمعتموها كراهية لها.
٦٧ - تفعلون ذلك مستكبرين على الناس بما تزعمونه من أنكم أهل الحرم ولستم أهله؛ لأن أهله هم المتقون، وتتسامرون حوله بالسيئ من القول، فأنتم لا تقدسونه.
٦٨ - أفلم يتدبر هؤلاء المشركون ما أنزل الله من القرآن ليؤمنوا به، ويعملوا بما فيه، أم جاءهم ما لم يأت أسلافهم من قبلهم، فأعرضوا عنه وكذبوا به.
٦٩ - أم إنهم لم يعرفوا محمدًا ﷺ الَّذي أرسله الله إليهم، فهم منكرون له، لقد عرفوه وعرفوا صدقه وأمانته.
٧٠ - بل يقولون: هو مجنون، لقد كذبوا، بل جاءهم بالحق الَّذي لا مِرْية فيه أنَّه من عند الله، ومعظمهم كارهون للحق، مبغضون له حسدًا من عند أنفسهم، وتعصبًا لباطلهم.
٧١ - ولو أجرى الله الأمور، ودبّرها على وفق ما تهواه أنفسهم لفسدت السماوات والأرض، وفسد من فيهن لجهلهم بعواقب الأمور، وبالصحيح والفاسد من التدبير.
٧٢ - هل طلبت -أيها الرسول- أجرًا من هؤلاء على ما جئتهم به، وذلك جعلهم يرفضون الدعوة؛ هذا لم يحدث منك، فثواب ربك وأجره خير من ثواب هؤلاء وغيرهم، وهو -سبحانه- خير الرازقين.
٧٣ - وإنك -أيها الرسول- لتدعو هؤلاء وغيرهم إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام.
٧٤ - وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب وثواب عن طريق الإسلام لمائلون إلى غيرها من الطرق المعوجة الموصلة إلى النار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خوف المؤمن من عدم قبول عمله الصالح.
• سقوط التكليف بما لا يُسْتطاع رحمة بالعباد.
• الترف مانع من موانع الاستقامة وسبب في الهلاك.
• قصور عقول البشر عن إدراك كثير من المصالح.
стр. 354
٧٥ - ولو رحمناهم ورفعنا عنهم ما بهم من قحط وجوع لتمادوا في ضلالهم عن الحق يترددون ويتخبّطون.
٧٦ - ولقد اختبرناهم بأنواع المصائب، فما تَذَلَّلوا لربِّهم ولا خضعوا له، وما دعوه خاشعين ليرفع عنهم المصائب عند نزولها.
٧٧ - حتَّى إذا فتحنا عليهم بابًا من العذاب الشديد إذا هم فيه آيسون من كل فَرَج وخير.
ولما كان إنكار البعث لا يقع ممن ينتفع بسمعه وبصره وعقله ذكَّرهم الله بما أنعم عليهم به منها، فقال:
٧٨ - والله سبحانه هو الَّذي خلق لكم -أيها المكذبون بالبعث- السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتفقهوا بها، وذلك لا تشكرونه على هذه النعم إلا قليلًا.
٧٩ - وهو الَّذي خلقكم -أيها الناس- في الأرض، وإليه وحده يوم القيامة تحشرون للحساب والجزاء.
٨٠ - وهو وحده سبحانه الَّذي يحيي فلا محيي غيره، وهو وحده الَّذي يميت فلا مميت سواه، وإليه وحده تقدير اختلاف الليل والنهار ظلمة وإنارة وطولًا وقصرًا، أفلا تعقلون قدرته، وتفرّده بالخلق والتدبير؟!
٨١ - بل قالوا مثل ما قال آباؤهم وأسلافهم في الكفر.
٨٢ - قالوا على وجه الاستبعاد والإنكار: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية أإنا لمبعوثون أحياءً للحساب؟!
٨٣ - لقد وعدنا هذا الوعد - وهو البعث بعد الموت - ووُعِد أسلافنا من قبلُ بذلك، ولم نر ذلك الوعد تحقق، ما هذا إلا أباطيل الأقدمين وأكاذيبهم.
٨٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفار المنكرين للبعث: لمن هذه الأرض، ومن عليها إن كان لكم علم؟
٨٥ - سيقولون: الأرض ومن عليها لله، فقل لهم: ألا تتذكرون أن من له الأرض ومن عليها قادر على إحيائكم بعد موتكم؟
٨٦ - قل لهم: من رب السماوات السبع؟ ومن رب العرش العظيم الَّذي لا يوجد مخلوق أعظم منه؟
٨٧ - سيقولون: السماوات السبع والعرش العظيم ملك لله، فقل لهم: أفلا تتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لتسلموا من عذابه؟
٨٨ - قل لهم: من الَّذي بيده ملك كل شيء، لا يشذ عن ملكه شيء، وهو يغيث من شاء من عباده، ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه العذاب، إن كان لكم علم؟
٨٩ - سيقولون: ملك كل شيء بيده سبحانه، فقل لهم: فكيف تذهب عقولكم، وتعبدون غيره مع إقراركم بذلك؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم اعتبار الكفار بالنعم أو النقم التي تقع عليهم دليل على فساد فطرهم.
• كفران النعم صفة من صفات الكفار.
• التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول للحق.
• الإقرار بالربوبية ما لم يصحبه إقرار بالألوهية لا ينجي صاحبه.
стр. 355
٩٠ - ليس الأمر كما يدّعون، بل جئناهم بالحق الَّذي لا مرية فيه، وإنهم لكاذبون فيما يدّعونه لله من الشريك والولد، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
٩١ - ما اتخذ الله من ولد كما يزعم الكفار، وما كان معه من معبود بحق، ولو فرض أنَّه معه معبود بحق لذهب كل معبود بنصيبه من الخلق الَّذي خلقه، وَلَغَالَبَ بعضهم بعضًا، فيفسد نظام الكون، والواقع أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فدل على أن المعبود بحق واحد وهو الله وحده، تنزه وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به من الولد والشريك.
٩٢ - عالم كل ما غاب عن خلقه، وعالم كل ما يشاهد ويدرك بالحواس، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فتعالى سبحانه أن يكون له شريك.
٩٣ - قل -يا أيها الرسول-: رب إما تريني في هؤلاء المشركين ما وعدتهم من العذاب.
٩٤ - رب إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم فيصيبني ما أصابهم من العذاب.
٩٥ - وإنا على أن نجعلك تشاهد وترى ما نعدهم به من العذاب لقادرون، لا نعجز عن ذلك ولا عن غيره.
٩٦ - ادفع -أيها الرسول- من يسيء إليك بالخصلة التي هي أحسن؛ بأن تصفح عنه، وتصبر على أذاه، نحن أعلم بما يصفون من الشرك والتكذيب، وبما يصفونك به مما لا يليق بك كالسحر والجنون.
٩٧ - وقل: رب اعتصم بك من نَزَغَات الشياطين ووساوسهم.
٩٨ - وأعوذ بك رب أن يحضروني في شيء من أموري.
٩٩ - حتَّى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعاين ما ينزل به قال ندمًا على ما فات من عمره، وما فرّط في جنب الله: رب ارجعني إلى الحياة الدنيا.
١٠٠ - لعلّي أعمل عملًا صالحًا إذا رجعت إليها، كلا، ليس الأمر كما طلبت، إنها مجرد كلمة هو قائلها، فلو رُدَّ إلى الحياة الدنيا لما وفى بما وعد به، وسيبقى هؤلاء المتوفّون في حاجز بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور، فلا يرجعون منه إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم، ويصلحوا ما أفسدوه.
١٠١ - فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية المؤذنة بالقيامة، فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها لانشغالهم بأهوال الآخرة، ولا يسأل بعضهم بعضًا لانشغالهم بما يهمهم.
١٠٢ - فمن ثقلت موازينه برجحان حسناته على سيئاته فأولئك هم المفلحون بما ينالونه من مطلوبهم، وما يجنّبون من مرهوبهم.
١٠٣ - ومن خفّت موازينه لرجحان سيئاته على حسناته فأولئك هم الذين ضيعوا أنفسهم بفعل ما يضرّها، وترك ما ينفعها من الإيمان والعمل الصالح، فهم في نار جهنم ماكثون، لا يخرجون منها.
١٠٤ - تحرق وجوههم النار، وهم فيها قد تقلّصت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم من شدة العبوس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستدلال باستقرار نظام الكون على وحدانية الله.
• إحاطة علم الله بكل شيء.
• معاملة المسيء بالإحسان أدب إسلامي رفيع له تأثيره البالغ في الخصم.
• ضرورة الاستعاذة بالله من وساوس الشيطان وإغراءاته.
стр. 356
١٠٥ - ويقال لهم تقريعًا لهم: ألم تكن آيات القرآن تقرأ عليكم في الدنيا، فكنتم بها تكذبون؟!
١٠٦ - قالوا: ربنا غلب علينا ما سبق في علمك من شقاوتنا، وكنا قومًا ضالين عن الحق.
١٠٧ - ربنا أخرجنا من النار، فإن رجعنا إلى ما كنا عليه من الكفر والضلال فإنا ظالمون لأنفسنا، قد انقطع عذرنا.
١٠٨ - قال الله: اسكنوا أذلاء مهانين في النار، ولا تكلموني.
١٠٩ - إنه كان فريق من عبادي الذين آمنوا بي يقولون: ربنا آمنا بك فاغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك، وأنت خير الراحمين.
١١٠ - فاتخذتم هؤلاء المؤمنين الداعين ربهم محلًّا للاستهزاء تسخرون منهم، وتستهزئون بهم حتَّى أنساكم الانشغالُ بالسخرية منهم ذكرَ الله، وكنتم تضحكون منهم سخرية واستهزاء.
١١١ - إني جزيت هؤلاء المؤمنين الفوز بالجنّة يوم القيامة؛ لصبرهم على طاعة الله وعلى ما كانوا يتلقونه منكم من الأذى.
ولما سألوا الرجوع إلى الدنيا ليصلحوا ما أفسدوا، ذكَّرهم بما عمّروا فيها مما يمكنهم من التوبة لو أرادوا ذلك.
١١٢ - قال: كم مكثتم في الأرض من السنين؟ وكم أضعتم فيها من وقت؟
١١٣ - فيجيبون بقولهم: مكثنا يومًا أو جزءًا من يوم، فاسأل الذين يُعْنَوْن بحساب الأيام والشهور.
١١٤ - قال: ما مكثتم في الدنيا إلا زمنًا قليلًا يسهل الصبر فيه على الطاعة لو أنكم كنتم تعلمون مقدار مكثكم.
١١٥ - أفحسبتم -أيها الناس- أنما خلقناكم لعبًا دون حكمة، فلا ثواب ولا عقاب مثل البهائم، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة للحساب والجزاء؟!
١١٦ - فتنزّه الله الملك المتصرّف في خلقه بما يشاء , الَّذي هو حق، ووعده حق، وقوله حق، لا معبود بحق غيره، رب العرش الكريم الَّذي هو أعظم المخلوقات، ومن كان ربًّا لأعظم المخلوقات فهو ربها كلها.
١١٧ - ومن يدع مع الله معبودًا آخر لا حجة له على استحقاقه العبادة (وهذا شأن كل معبود غير الله) فإنما جزاء عمله السيئ عند ربه سبحانه، فهو الَّذي يجازيه بالعذاب عليه، إنه لا يفوز الكافرون بنيل ما يطلبون، ولا بالنجاة مما يرهبون.
١١٨ - وقل -أيها الرسول-: رب اغفر لي ذنوبي، وارحمني برحمتك وأنت خير من رحم ذا ذنبٍ، فقبل توبته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكافر حقير مهان عند الله.
• الاستهزاء بالصالحين ذنب عظيم يستحق صاحبه العذاب.
• تضييع العمر لازم من لوازم الكفر.
• الثناء على الله مظهر من مظاهر الأدب في الدعاء.
• لما افتتح الله سبحانه السورة بذكر صفات فلاح المؤمنين ناسب أن تختم السورة بذكر خسارة الكافرين وعدم فلاحهم.
стр. 357
سورة النور
مدنية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
التركيز على قضية العفاف والستر وصفاء المجتمع المسلم وتحصينه من أسباب الفاحشة وكيد المنافقين في نشرها.
[التَّفْسِيرُ]
١ - هذه سورة أنزلناها، وأوجبنا العمل بأحكامها، وأنزلنا فيها آيات بينات؛ رجاء أن تتذكروا ما فيها من الأحكام فتعملوا به.
٢ - الزانية والزاني البكْران فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة، ولا تأخذكم بهما رِقَّة ورحمة بحيث لا تقيمون عليهما الحد أو تخففونه عنهما، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليحضر إقامة الحد عليهما جمع من المؤمنين إمعانًا في التشهير بهما، وردعًا لهما ولغيرهما.
٣ - لتفظيع الزنى ذكر الله أن الَّذي اعتاده لا يرغب في الزواج إلا من زانية مثله أو مشركة لا تتوقى الزنى مع عدم جواز نكاحها، والذي اعتادت الزنى لا ترغب في الزواج إلا من زان مثلها أو مشرك لا يتوقاه مع حرمة زواجها منه، وحُرِّم نكاح الزانية وإنكاح الزاني على المؤمنين.
٤ - والذين يرمون بالفاحشة العفائف من النساء (والأعفّاء من الرجال مثلهن)، ثم لم يأتوا بأربعة شهود على ما رموهم به من الفاحشة فاجلدوهم -أيها الحكام- ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك الذين يرمون العفائف هم الخارجون عن طاعة الله.
٥ - إلا الذين تابوا إلى الله بعد الَّذي أقدموا عليه من ذلك، وأصلحوا أعمالهم فإن الله يقبل توبتهم وشهادتهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده رحيم بهم.
٦ - والرجال الذين يرمون زوجاتهم وليس لهم شهود غير أنفسهم يشهدون على صحة ما رموهن به؛ يشهد الواحد منهم أربع شهادات بالله: إنه لصادق فيما رمى به زوجته من الزنى.
٧ - ثم في شهادته الخامسة يزيد الدعاء على نفسه باستحقاق اللعنة إن كان كاذبًا فيما رماها به.
٨ - فتستحق هي بذلك أن تُحَد حد الزنى، ويدفع عنها هذا الحد أن تشهد هي أربع شهادات بالله: إنه لكاذب فيما رماها به.
٩ - ثم في شهادتها الخامسة تزيد الدعاء على نفسها بغضب الله عليها إن كان صادقًا فيما رماها به.
١٠ - ولولا تفضل الله عليكم -أيها الناس- ورحمته بكم، وإنه تواب على من تاب من عباده، حكيم في تدبيره وشرعه لعاجلكم بالعقوبة على ذنوبكم، ولفضحكم بها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التمهيد للحديث عن الأمور العظام بما يؤذن بعظمها.
• الزاني يفقد الاحترام والرحمة في المجتمع المسلم.
• الحصار الاجتماعي على الزناة وسيلة لتحصين المجتمع منهم، ووسيلة لردعهم عن الزنى.
• تنويع عقوبة القاذف إلى عقوبة مادية (الحد)، ومعنوية (رد شهادته، والحكم عليه بالفسق) دليل على خطورة هذا الفعل.
• لا يثبت الزنى إلا ببينة، وادعاؤه دونها قذف.
стр. 358
١١ - إن الذين جاؤوا بالبُهْتَان (وهو رمي أم المؤمنين عائشة ﵂ بالفاحشة) جماعة تنتسب إليكم -أيها المؤمنون- لا تظنوا أن ما افتروه شر لكم، بل هو خير لما فيه من الثواب والتمحيص للمؤمنين، ولما يصحبه من تبرئة أم المؤمنين، لكل واحد شارك في رميها بالفاحشة جزاء ما اكتسبه من الإثم لتكلّمه بالإفك، والذي تحمّل معظم ذلك ببدئه به له عذاب عظيم، والمقصود به رأس المنافقين عبد الله بن بن ابن سَلُول.
١٢ - هلَّا إذ سمع المؤمنون والمؤمنات هذا الإفك العظيم ظنوا سلامة من افتُرِي عليه ذلك من إخوانهم المؤمنين، وقالوا: هذا كذب واضح.
١٣ - هلَّا أتى المفترون على أم المؤمنين عائشة ﵄ على فريتهم العظيمة بأربعة شهود يشهدون على صحة ما نسبوا إليها، فإن لم يأتوا بأربعة شهود على ذلك -ولن يأتوا بهم أبدًا- فهُم كاذبون في حكم الله.
١٤ - ولولا تفضّل الله عليكم -أيها المؤمنون- ورحمته بكم حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، وتاب على من تاب منكم؛ لأصابكم عذاب عظيم بسبب ما خضتم فيه من الكذب والافتراء على أم المؤمنين.
١٥ - إذ يرويه بعضكم عن بعض، وتتناقلونه بأفواهكم مع بطلانه؛ فما لكم به علم، وتظنون أن ذلك سهل هين، وهو عند الله عظيم؛ لما فيه من الكذب ورمي بريء.
١٦ - وهلَّا إذ سمعتم هذا الإفك قلتم: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا الأمر الشنيع، تنزيهًا لك ربنا، هذا الَّذي رموا به أم المؤمنين كذب عظيم.
١٧ - يذكِّركم الله وينصحكم أن تعودوا لمثل هذا الإفك فترموا بريئًا بالفاحشة إن كنتم مؤمنين بالله.
١٨ - ويوضّح الله لكم الآيات المشتملة على أحكامه ومواعظه، والله عليم بأفعالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها، حكيم في تدبيره وشرعه.
١٩ - إن الذين يحبون أن تنتشر المنكرات -ومنها القذف بالزنى- في المؤمنين، لهم عذاب موجع في الدنيا بإقامة حد القذف عليهم، ولهم في الآخرة عذاب النار، والله يعلم كذبهم، وما يؤول إليه أمر عباده، ويعلم مصالحهم، وأنتم لا تعلمون ذلك.
٢٠ - ولولا تفضّل الله عليكم -أيها الواقعون في الإفك - ورحمته بكم، ولولا أن الله رؤوف رحيم بكم، لعاجلكم بالعقوبة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تركيز المنافقين على هدم مراكز الثقة في المجتمع المسلم بإشاعة الاتهامات الباطلة.
• المنافقون قد يستدرجون بعض المؤمنين لمشاركتهم في أعمالهم.
• تكريم أم المؤمنين عائشة ﵄ بتبرئتها من فوق سبع سماوات.
• ضرورة التثبت تجاه الشائعات.
стр. 359
٢١ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بشرعه، لا تتبعوا طرق الشيطان في تزيينه للباطل، ومن يتبع طرقه فإنه يأمر بالقبيح من الأفعال والأقوال، وبما ينكره الشرع، ولولا فضل الله عليكم -أيها المؤمنون- ما طهر منكم من أحد أبدًا بالتوبة إن تاب، ولكن الله يطهّر من يشاء بقبول توبته، والله سميع لأقوالكم، عليم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.
٢٢ - ولا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب السعة في المال على ترك إعطاء أقربائهم المحتاجين -لما هم عليه من الفقر، من المهاجرين في سبيل الله- لذنب ارتكبوه، وليعفوا عنهم، وليصفحوا عنهم، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم إذا عفوتم عنهم وصفحتم؟! والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، فليتأسّ به عباده. نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁ لما حلف على ترك الإنفاق على مِسْطَح لمشاركته في الإفك.
٢٣ - إن الذين يرمون العفائف الغافلات عن الفاحشة التي لا يفطن لها المؤمنات، طُردوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم في الآخرة.
٢٤ - يحصل لهم ذلك العذاب يوم القيامة يوم تشهد عليهم ألسنتهم بما نطقوا به من الباطل، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
٢٥ - في ذلك اليوم يوفّيهم الله جزاءهم بعدل، ويعلمون أن الله سبحانه هو الحق، فكل ما يصدر عنه من خبر أو وعد أو وعيد حق واضح لا مرية فيه.
٢٦ - كلّ خبيث من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب وموافق لما هو خبيث، وكل طيب من ذلك مناسب وموافق لما هو طيب، أولئك الطيبون والطيبات مُبَرَّؤون مما يقوله عنهم الخبيثون والخبيثات، لهم مغفرة من الله يغفر بها ذنوبهم، ولهم رزق كريم وهو الجنّة.
ولما كان الاطلاع على العورات سببًا لإثارة الشهوة المؤدي إلى ارتكاب الزنى المذكور في بداية السورة، أمر الله بالاستئذان على البيوت؛ حماية للنظر من الاطلاع على العورات، فقال:
٢٧ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بشرعه، لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتَّى تستأذنوا ساكنيها في الدخول عليهم، وتسلّموا عليهم بأن تقولوا في السلام والاستئذان: السلام عليكم أأدخل؟ ذلك الاستئذان الَّذي أمرتم به خير لكم من الدخول فجأة، لعلكم تتذكرون ما أمرتم به فتمتثلوه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إغراءات الشيطان ووساوسه داعية إلى ارتكاب المعاصي، فليحذرها المؤمن.
• التوفيق للتوبة والعمل الصالح من الله لا من العبد.
• العفو والصفح عن المسيء سبب لغفران الذنوب.
• قذف العفائف من كبائر الذنوب.
• مشروعية الاستئذان لحماية النظر، والحفاظ على حرمة البيوت.
стр. 360
٢٨ - فإن لم تجدوا في تلك البيوت أحدًا فلا تدخلوها حتَّى يؤذن لكم في دخولها ممن يملك الإذن، وإن قال لكم أربابها: (ارجعوا) فارجعوا ولا تدخلوها، فإنه أطهر لكم عند الله، والله بما تعملون عليم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
٢٩ - ليس عليكم حرج أن تدخلوا دون استئذان بيوتًا عامة لا تختص بأحد، أعدّت للانتفاع العام؛ كالمكتبات والحوانيت في الأسواق، والله يعلم ما تظهرون من أعمالكم وأحوالكم وما تخفون، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم عليه.
ولما كان النظر بريدًا إلى الزنى، أمر الله بغض البصر للوقاية منه، فقال:
٣٠ - قل -أيها الرسول- للمؤمنين يكفّوا من أبصارهم عن النظر إلى ما لا يحل لهم من النساء والعورات، ويحفظوا فروجهم من الوقوع في المحرم، ومن كشفها، ذلك الكف عن النظر إلى ما حرمه الله أطهر لهم عند الله، إن الله خبير بما يصنعون، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيهم عليه.
٣١ - وقل للمؤمنات يكففن من أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحلّ لهن النظر إليه من العورات، ويحفظن فروجهن بالبعد عن الفاحشة وبالستر، ولا يُظْهِرن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها مما لا يمكن إخفاؤه كالثياب، وليضربن بأغطيتهنّ على فتحات أعلى ثيابهن ليسترن شعورهن ووجوههن وأعناقهن، ولا يُظْهِرن زينتهنّ الخفية إلا لأزواجهنّ، أو آبائهن، أو آباء أزواجهن، أو أبنائهنّ، أو أبناء أزواجهنّ، أو إخوانهنّ، أو أبناء إخوانهنّ، أو أبناء أخواتهنّ، أو نسائهنّ المأمونات، مسلمات كنّ أو كافرات، أو ما ملكن من العبيد ذكورًا أو إناثًا، أو التابعين الذين لا غرض لهم في النساء، أو الأطفال الذين لم يطّلعوا على عورات النساء لصغرهم، ولا يضرب النساء بأرجلهن قصد أن يُعْلَم ما يسترن من زينتهنّ مثل الخلخال وما شابهه، وتوبوا إلى الله جميعًا -أيها المؤمنون- مما يحصل لكم من النظر وغيره؛ رجاء أن تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جواز دخول المباني العامة دون استئذان.
• وجوب غض البصر على الرجال والنساء عما لا يحلّ لهم.
• وجوب الحجاب على المرأة.
• منع استخدام وسائل الإثارة.
стр. 361
ولما كانت العنوسة سببًا من أسباب انتشار الزنى، أمر الله بإعانة الأيامى على النِّكَاح، فقال:
٣٢ - وزوّجوا -أيها المؤمنون- الرجال الذين لا زوجات لهم، والحرائر اللاتي لا أزواج لهنّ، وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم ومن إمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله الواسع، والله واسع الرزق، لا ينقص رزقه إغناء أحد، عليم بأحوال عباده.
ولما أمر الله المؤمنين بتزويج الأيامى، أمر الأيم أن يستعفّ إذا لم يجد ما يتزوج به، فقال:
٣٣ - وليطلب العفة عن زنى الذين لا يستطيعون الزواج لفقرهم إلى أن يغنيهم الله من فضله الواسع، والذين يطلبون مكاتبة أسيادهم من العبيد على دفع مال ليتحرّروا، فعلى أسيادهم أن يقبلوا منهم ذلك إن علموا فيهم القدرة على الأداء والصلاح في الدين، وعليهم أن يعطوهم من مال الله الَّذي أعطاهم بأن يحطّوا عنهم جزءًا مما كاتبوهم على دفعه، لا تجبروا إماءكم على الزنى بحثًا عن المال -كما فعل عبد الله بن أبيّ بأمَتَيْه حين طلبتا التعفف والبعد عن الفاحشة- لتطلبوا ما تكسبه بفرجها، ومن يجبرهنّ منكم على ذلك فإن الله من بعد الإجبار لهن غفور لذنبهنّ، رحيم بهن؛ لأنهنّ مُكرهات، والإثم على مُكْرِههنّ.
٣٤ - ولقد أنزلنا إليكم -أيها الناس- آيات واضحات لا لَبس فيها، وأنزلنا إليكم مثلًا من الذين مضوا من قبلكم من المؤمنين والكافرين، وأنزلنا عليكم موعظة يتعظ بها الذين يتقون ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٣٥ - الله نور السماوات والأرض، وهادي من فيهما، مثل نوره سبحانه في قلب المؤمن كَكُوَّة في حائط غير نافذة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة متوهجة كأنها كوكب مضيء كالدر، يوقد المصباح من زيت شجرة مباركة، هي شجرة الزيتون، الشجرة لا يسترها عن الشمس شيء ; لا في الصباح ولا في المساء، يكاد زيتها لصفائه يضيء، ولو لم تمسسه نار، فكيف إذا مسّته؟! نور المصباح على نور الزجاجة، وهكذا قلب المؤمن إذا أشرق فيه نور الهداية، والله يوفق لاتباع القرآن من يشاء من عباده، ويبين الله الأشياء بأشباهها بضربه للأمثال, والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
٣٦ - يوقد هذا المصباح في مساجد أمر الله أن يعلو قدرها وبناؤها، ويذكر فيها اسمه بالأذان والذكر والصلاة، يُصَلِّي فيها ابتغاء مرضاة الله أول النهار وآخره.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الله ضيق أسباب الرق (بالحرب) ووسع أسباب العتق وحض عليه .. التخلص من الرِّق عن طريق المكاتبة وإعانة الرقيق بالمال ليعتق حتَّى لا يشكل الرقيق طبقة مُسْتَرْذَلة تمتهن الفاحشة.
• قلب المؤمن نيِّر بنور الفطرة، ونور الهداية الربانية.
• المساجد بيوت الله في الأرض أنشأها ليعبد فيها، فيجب إبعادها عن الأقذار الحسية والمعنوية.
• من أسماء الله الحسنى (النور) وهو يتضمن صفة النور له سبحانه.
стр. 362
٣٧ - رجال لا يلهيهم شراء ولا بيع عن ذكر الله سبحانه، والإتيان بالصلاة على أكمل وجه، وإعطاء الزكاة لمصارفها، يخافون يوم القيامة، ذلك اليوم الَّذي تتقلب فيه القلوب بين الطمع في النجاة من العذاب والخوف منه، وتتقلّب فيه الأبصار إلى أي ناحية تصير.
٣٨ - عملوا ذلك ليثيبهم الله على أعمالهم أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله جزاء عليها، والله يرزق من يشاء بغير حساب على قدر أعمالهم، بل يعطيهم أضعاف ما عملوا.
٣٩ - والذين كفروا بالله أعمالهم التي عملوها لا ثواب لها مثل السراب بمنخفض من الأرض يراه العطشان فيظنّه ماءً، فيسير إليه حتَّى إذا جاءه ووقف عليه لم يجد ماءً، وكذا الكافر يظن أن أعماله تنفعه حتَّى إذا مات وبُعِث لم يجد ثوابها، ووجد ربه أمامه فوفّاه حساب عمله كاملًا، والله سريع الحساب.
٤٠ - أو أعمالهم مثل ظلمات في بحر عميق، يعلوه موج، من فوق ذلك الموج موج آخر، من فوقه سحاب يستر ما يهتدي به من النجوم، ظلمات متراكم بعضها فوق بعض، إذا أخرج من وقع في هذه الظلمات يده لم يكد يبصرها من شدة الظلمة، وهكذا الكافر، فقد تراكمت عليه ظلمات المجهل والشك والحيرة والطبع على قلبه، ومن لم يرزقه الله هدى من الضلالة، وعلمًا بكتابه، فما له هدى يهتدي به، ولا كتاب يستنير به.
٤١ - ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله يسبّح له من في السماوات، ويسبّح له من في الأرض من مخلوقاته، وتسبّح له الطيور قد صفّت أجنحتها في الهواء، كل من تلك المخلوقات علم الله صلاة من يصلّي منها كالإنسان، وتسبيح من يسئح منها كالطير، والله عليم بما يفعلون، لا يخفى عليه من أفعالهم شيء.
٤٢ - ولله وحده ملك السماوات وملك الأرض، وإليه وحده الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء.
٤٣ - ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله يسوق سحابًا، ثم يضمّ أجزاء بعضه إلى بعض، ثم يجعله متراكمًا يركب بعضه بعضًا، فترى المطر يخرج من داخل السحاب، وينزّل من جهة السماء من السحاب المتكاثفة فيها التي تشبه الجبال في عظمتها قطعًا متجمدة من الماء كالحصى، فيصيب بذلك البَرَد من يشاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء منهم، يكاد ضوء برق السحاب من شدة لمعانه يذهب بالأبصار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• موازنة المؤمن بين المشاغل الدنيوية والأعمال الأخروية أمر لازم.
• بطلان عمل الكافر لفقد شرط الإيمان.
• أن الكافر نشاز من مخلوقات الله المسبِّحة المطيعة.
• جميع مراحل المطر من خلق الله وتقديره.
стр. 363
٤٤ - يُعَاقِب الله بين الليل والنهار طولًا وقصرًا، ومجيئًا وذهابًا، إن في ذلك المذكور من الآيات من دلائل الربوبية عظة لأصحاب البصائر على قدرة الله ووحدانيته.
٤٥ - والله خلق كل ما يدبّ على وجه الأرض من الحيوان من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه زحفًا كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام، يخلق الله ما يشاء مما ذكر ومما لم يذكر، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
٤٦ - لقد أنزلنا على محمد ﷺ آيات واضحات لا لبس فيها، والله يوفّق من يشاء إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، فيوصله ذلك الطريق إلى الجنّة.
٤٧ - ويقول المنافقون: آمنّا بالله، وآمنّا بالرسول، وأطعنا الله، وأطعنا رسوله، ثم تتولى طائفة منهم، فلا يطيعون الله ورسوله في الأمر بالجهاد في سبيل الله وغيره بعد ما زعموه من الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما، وما أولئك المتولّون عن طاعة الله ورسوله بالمؤمنين وإن ادعوا أنهم مؤمنون.
٤٨ - وإذا دعى هؤلاء المنافقون إلى الله، وإلى الرسول ليحكم الرسول بينهم فيما يختصمون فيه، إذا هم معرضون عن حكمه لنفاقهم.
٤٩ - وإن علموا أن الحق لهم، وأنه سيحكم لصالحهم يأتوا إليه منقادين خاضعين.
٥٠ - أفي قلوب هؤلاء مرض لازم لها، أم شكّوا في أنَّه رسول الله، أم يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله في الحكم؟ ليس ذلك لشيء مما ذُكر، بل لعلة في أنفسهم بسبب إعراضهم عن حكمه وعنادهم له.
ولما ذكر موقف المنافقين الرافض لحكم الله ورسوله ذكر موقف المؤمنين الراضي به، فقال:
٥١ - إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله، هالى الرسول ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، وأولئك المتصفون بتلك الصفات هم الفائزون في الدنيا والآخرة.
٥٢ - ومن يطع الله ويطع رسوله، ويستسلم لحكمهما، ويَخَفْ ما تَجُرُّه المعاصي، ويتّق عذاب الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه، فأولئك وحدهم هم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة.
٥٣ - وحلف المنافقون بالله أقصى أيمانهم المغلظة التي يستطيعون الحلف بها: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجُن، قل لهم -أيها الرسول-: لا تحلفوا، فكذبكم معروف وطاعتكم المزعومة معروفة، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم مهما أخفيتموها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تنوّع المخلوقات دليل على قدرة الله.
• من صفات المنافقين الإعراض عن حكم الله إلا إن كان الحكم في صالحهم، ومن صفاتهم مرض القلب والشك، وسوء الظن بالله.
• طاعة الله ورسوله والخوف من الله من أسباب الفوز في الدارين.
• الحلف على الكذب سلوك معروف عند المنافقين.
стр. 364
٥٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنافقين: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، في الظاهر والباطن، فإن تتولوا عما أمرتم به من طاعتهما فإنما عليه هو ما كلّف به من التبليغ، وعليكم أنتم ما كلّفتم به من الطاعة، والعمل بما جاء به، وإن تطيعوه بفعل ما أمركم بفعله وبالكف عما نهاكم عنه تهتدوا إلى الحق، وليس على الرسول إلا البلاغ الواضح، فليس عليه حملكم على الهداية، وإجباركم عليها.
٥٥ - وعبد الله الذين آمنوا منكم بالله وعملوا الأعمال الصالحات، أن ينصرهم على أعدائهم، ويجعلهم خلفاء في الأرض مثل ما جعل من قبلهم من المؤمنين خلفاء فيها، ووعدهم أن يجعل دينهم الَّذي ارتضاه لهما -وهو دين الإسلام- مكينًا عزيزًا، ووعدهم أن يُبَدِّلهم من بعد خوفهم أمانًا، يعبدونني وحدي، لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد تلك النعم فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله.
٥٦ - وأدّوا الصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، وأطيعوا الرسول بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه؛ رجاء أن تنالوا رحمة الله.
٥٧ - لا تظنّن -أيها الرسول- الذين كفروا بالله يفوتونني إذا أردت أن أنزل بهم العذاب، ومأواهم يوم القيامة جهنم، وَلَسَاء مصير مَنْ جهنم مصيرهم.
ولما ذكر الله من قبلُ أحكامَ استئذان الأحرار البالغين، ذكر هنا أحكام استئذان العبيد والأحرار غير البالغين، والأطفال إذا بلغوا، فقال:
٥٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، ليطلب منكم الإذن عبيدكم وإماؤكم والأطفال الأحرار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الصبح وقت إبدال ثياب النوم بثياب اليقظة، وفي وقت الظهيرة حين تخلعون ثيابكم للقيلولة، وبعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت نومكم وخلع ثياب اليقظة ولبس ثياب النوم، هذه ثلاثة أوقات عورات لكم، لا يدخلون فيها عليكم إلا بعد إذن منكم، ليس عليكم حرج في دخولهم دون استئذان، ولا عليهم هم حرج فيما عداها من الأوقات، هم كثيرو التطواف، بعضكم يطوف على بعض، فيتعذّر منعهم من الدخول في كل وقت إلا باستئذان، كما بيّن الله لكم أحكام الاستئذان يبيّن لكم الآيات الدالة على ما شرعه لكم من أحكام، والله عليم بمصالح عباده، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اتباع الرسول ﷺ علامة الاهتداء.
• على الداعية بذل الجهد في الدعوة، والنتائج بيد الله.
• الإيمان والعمل الصالح سبب التمكين في الأرض والأمن.
• تأديب العبيد والأطفال على الاستئذان في أوقات ظهور عورات الناس.
стр. 365
٥٩ - وإذا بلغ الأطفال منكم سن الاحتلام فليطلبوا الإذن عند الدخول على البيوت في كل الأوقات مثل ما ذكر بشأن الكبار سابقًا، كما بيّن الله لكم أحكام الاستئذان يبيّن الله لكم آياته، والله عليم بمصالح عباده، حكيم فيما يشرعه لهم.
٦٠ - والعجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل لكبرهن، اللاتي لا يطمعن في النِّكَاح فليس عليهنّ إثم أن يضعن بعض ثيابهنّ كالرداء والقناع، غير مظهرات للزينة الخفية التي أُمِرْن بسترها، وأن يتركن وضع تلك الثياب خير لهنّ من وضعها إمعانًا في الستر والتعفف، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم عليها.
٦١ - ليس على الأعمى الَّذي فقد بصره إثم؛ ولا على الأعرج إثم، ولا على المريض إثم؛ إن تركوا ما لا يستطيعون القيام به من التكاليف كالجهاد في سبيل الله، وليس عليكم -أيها المؤمنون- إثم في الأكل من بيوتكم، ومنها بيوت أبنائكم، ولا في الأكل من بيوت آبائكم أو أمهاتكم أو إخوانكم أو أخواتكم أو أعمامكم أو عماتكم، أو أخوالكم أو خالاتكم، أو ما وُكِّلتم على حفظه من البيوت مثل حارس البستان، ولا حرج في الأكل من بيوت صديقكم لطيب نفسه عادة بذلك، ليس عليكم إثم أن تأكلوا مجتمعين أو فُرَادَى، فإذا دخلتم بيوتًا مثل البيوت المذكورة وغيرها فسلّموا على من فيها بأن تقولوا: السلام عليكم، فإن لم يكن فيها أحد فسلموا على أنفسكم بأن تقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تحية من عند الله شرعها لكم مباركة؛ لِمَا تنشره من المودة والألفة بينكم، طيبة تطيب بها نفس سامعها، بمثل هذا التبيين المتقدم في السورة يبيّن الله الآيات رجاء أن تعقلوها، وتعملوا بما فيها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جواز وضع العجائز بعض ثيابهنّ لانتفاء الريبة من ذلك.
• الاحتياط في الدين شأن المتقين.
• الأعذار سبب في تخفيف التكليف.
• المجتمع المسلم مجتمع التكافل والتآزر والتآخي.
стр. 366
ولما ذكر الله الاستئذان عند الدخول ذكر الاستئذان عند الانصراف، فقال:
٦ ٢ - إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله وآمنوا برسوله، وإذا كانوا مع النبي ﷺ في أمر يجمعهم لمصلحة المسلمين، لم ينصرفوا حتَّى يطلبوا منه الإذن في الانصراف، إن الذين يطلبون منك -أيها الرسول- الإذن عند الانصراف أولئك الذين يؤمنون بالله، ويؤمنون برسوله حقًّا، فإذا طلبوا منك الإذن لبعض أمر يهمهم فأذَنْ لمن شئت أن تأذن له منهم، واطلب لهم المغفرة لذنوبهم، إن الله غفور لذنوب من تاب من عباده رحيم بهم.
٦٣ - شَرِّفُوا -أيها المؤمنون- رسول الله، فإذا ناديتموه فلا تنادوه باسمه مثل: يا محمد، أو باسم أبيه مثل: يا ابن عبد الله، كما يفعل بعضكم مع بعض، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبيّ الله، وإذا دعاكم لأمر عام فلا تجعلوا دعوته كدعوة بعضكم بعضًا في الأمور التافهة عادة، بل سارعوا إلى الاستجابة لها، قد يعلم الله الذين ينصرفون منكم خفية دون إذن، فليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ أن يصيبهم الله بمحنة وبلاء، أو يصيبهم بعذاب موجع لا صبر لهم عليه.
٦٤ - ألا إن لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، يعلم ما أنتم -أيها الناس- عليه من الأحوال، لا يخفى عليه منها شيء، ويوم القيامة- حين يرجعون إليه بالبعث بعد الموت- يخبرهم بما عملوا من أعمال في الدنيا، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض.
سورة الفرقان
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الانتصار للرسول ﷺ بعد تطاول المشركين عليه.
[التَّفْسِيرُ]
١ - تعاظَم وكَثُرَ خيرُ الَّذي نزّل القرآن فارقًا بين الحق والباطل على عبده ورسوله محمد ﷺ ؛ ليكون رسولًا إلى الثقلين الإنس والجنّ، مخوّفًا لهم من عذاب الله.
٢ - الَّذي له وحده ملك السماوات وملك الأرض، ولم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في ملكه، وخلق جميع الأشياء، فقدّر خلقها وفق ما يقتضيه علمه وحكمته تقديرًا، كل بما يناسبه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دين الإسلام دين النظام والآداب، وفي الالتزام بالآداب بركة وخير.
• منزلة رسول الله ﷺ تقتضي توقيره واحترامه أكثر من غيره.
• شؤم مخالفة سُنَّة النبي ﷺ .
• إحاطة ملك الله وعلمه بكل شيء.
стр. 367
٣ - واتّخذ المشركون من دون الله معبودات لا يَخلقون شيئًا صغيرًا أو كبيرًا وهم يُخلقون، فقد خلقهم الله من عدم، ولا يستطيعون دفع ضرّ عن أنفسهم، ولا جلب نفع لها، ولا يستطيعون إماتة حيّ، ولا إحياء ميّت، ولا يستطيعون بعث الموتى من قبورهم.
ولما ذَكَّرهم شركهم بالله ذكر موقفهم من كتابه ومن رسوله، فقال:
٤ - وقال الذين كفروا بالله وبرسوله: ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد فنسبه بهتانًا إلى الله، وأعانه على اختلاقه أناس آخرون، فقد افترى هؤلا , الكافرون قولًا باطلًا، فالقرآن كلام الله، لا يمكن أن يأتي البشر ولا الجن بمثله.
٥ - وقال هؤلاء المكذبون بالقرآن: القرآن أحاديث الأولين وما يسطّرونه من الأباطيل، استنسخها محمد، فهي تُقْرأ عليه أول النهار وآخره.
٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: أنزل القرآنَ اللهُ الَّذي يعلم كل شيء في السماوات والأرض، وليس مُخْتَلَقًا كما زعمتم، ثم قال مرغبًا لهم بالتوبة: إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
٧ - وقال المشركون المكذبون بالنبي ﷺ : ما لهذا الَّذي يزعم أنَّه رسول من عند الله يأكل الطعام كما يأكل غيره من الناس، ويسير في الأسواق بحثًا عن المعاش، هلَّا أنزل الله معه ملكًا يكون رفيقه يصدقه ويساعده.
٨ - أو ينزل عليه كنز من السماء، أو تكون له حديقة يأكل من ثمرها، فيستغني عن المشي في الأسواق وطلب الرزق، , قال الظالمون: ما تتبعون -أيها المؤمنون- رسولًا، وإنما تتبعون رجلًا مغلوبًا على عقله بسبب السحر.
٩ - انظر -أيها الرسول- لتتعجب منهم كيف وصفوك بأوصاف باطلة، فقالوا: ساحر، وقالوا: مسحور، وقالوا: مجنون، فضفوا بسبب ذلك عن الحق، فلا يستطيعون سلوك طريق للهداية، ولا يستطيعون سبيلًا إلى القدح في صدقك وأمانتك.
١٠ - تبارك الله الَّذي إن شاء جعل لك خيرًا مما اقترحوه لك، بأن يجعل لك في الدنيا حدائق تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها تأكل من ثمارها، ويجعل لك قصورًا تسكن فيها مُنَعَّمًا.
١١ - ولم يصدر منهم ما صدر من الأقوال طلبًا للحق وبحثًا عن البرهان، بل الحاصل أنهم كذبوا بيوم القيامة، وأعددنا لمن كذب بيوم القيامة نارًا عظيمة شديدة الاشتعال.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اتصاف الإله الحق بالخلق والنفع والإماتة والإحياء، وعجز الأصنام عن كل ذلك.
• إثبات صفتي المغفرة والرحمة لله.
• الرسالة لا تستلزم انتفاء البشرية عن الرسول.
• تواضع النبي ﷺ حيث يعيش كما يعيش الناس.
стр. 368
١٢ - إذا عاينَتِ النارُ الكفارَ وهم يساقون إليها من مكان بعيد سمعوا لها غليانًا شديدًا، وصوتًا مزعجًا من شدة غضبها عليهم.
١٣ - وإذا رُمِي هؤلاء الكفار في جهنم في مكان ضيق منها مقرونة أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل دعوا على أنفسهم بالهلاك؛ رجاء الخلاص منها.
١٤ - لا تدعوا -أيها الكفار- اليوم هلاكًا واحدًا، وادعوا هلاكًا كثيرًا، لكن لن تجابوا إلى ما تطلبون، بل ستبقون في العذاب الأليم خالدين.
١٥ - قل لهم -أيها الرسول-: أذلك المذكور من العذاب الَّذي وُصِف لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها، ولا ينقطع أبدًا؟ وهي التي وعد الله المتقين من عباده المؤمنين أن تكون لهم ثوابًا، ومرجعًا يرجعون إليه يوم القيامة.
١٦ - لهم في هذه الجنّة ما يشاؤون من النعيم، كان ذلك على الله وعدًا، يسأله إياه عباده المتقون، ووعد الله متحقق، فهو لا يخلف الميعاد.
١٧ - ويوم يحشر الله المشركين المكذبين، ويحشر ما يعبدونه من دون الله، فيقول للمعبودين تقريعًا لعابديهم: أأنتم أضللتم عبادي بأمركم لهم أن يعبدوكم، أم هم ضلوا من تلقاء أنفسهم؟!
١٨ - قال المعبودون: تنزهت ربنا أن يكون لك شريك، ما يليق بنا أن نتخذ من دونك أولياء نتولاهم، فكيف ندعو عبادك أن يعبدونا من دونك؟! ولكن متعت هؤلاء المشركين بملذات الدنيا، ومتعت آباءهم من قبلهم استدراجًا لهم حتَّى نسوا ذكرك، فعبدوا معك غيرك، وكانوا قومًا هلكى بسبب شقائهم.
١٩ - فقد كذبكم -أيها المشركون- من عبدتموهم من دون الله فيما تدّعونه عليهم، فما تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم ولا نصرها لعجزكم، ومن يظلم منكم -أيها المؤمنون- بالشرك بالله نذقه عذابًا عظيمًا مثل ما أذقناه من ذُكِر.
ولما استنكر المشركون أن الرسول ﷺ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ردّ الله عليهم بقوله:
٢٠ - وما بعثنا قبلك -أيها الرسول- من المرسلين إلا بشرًا كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فلست بِدْعًا من الرسل في ذلك، وجعلنا بعضكم -أيها الناس- لبعض اختبارًا في الغنى والفقر والصحة والمرض بسبب هذا الاختلاف، أتصبرون على ما ابتليتم به فيثيبكم الله على صبركم؟! وكان ربك بصيرًا بمن يصبر ومن لا يصبر، وبمن يطيعه ومن يعصيه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجمع بين الترهيب من عذاب الله والترغيب في ثوابه.
• متع الدنيا مُنْسِية لذكر الله.
• بشرية الرسل نعمة من الله للناس لسهولة التعامل معهم.
• تفاوت الناس في النعم والنقم اختبار إلهي لعباده.
стр. 369
٢١ - وقال الكافرون الذين لا يؤمِّلون لقاءنا، ولا يخشون عذابنا: هلَّا أنزل الله علينا الملائكة، فتخبرنا عن صدق محمد، أو نشاهد ربنا عيانًا، فيخبرنا بذل؟ لقد عظم الكِبْر في نفوس هؤلاء حتَّى منعهم من الإيمان، وتجاوزوا بقولهم هذا الحد في الكفر والطغيان.
٢٢ - يوم يعاين الكافرون الملائكةَ عند موتهم، وفي البرزخ، وعند بعثهم، وحين يُساقون للحساب، وحين يدخلون في النار -لا بشارة لهم في تلك المواقف، بخلاف المؤمنين، وتقول لهم الملائكة: حرامًا محرَّمًا عليكم البشرى من الله.
٢٣ - وعمدنا إلى ما عمله الكفار في الدنيا من عمل البر والخير فصيرناه في بطلانه وعدم نفعه بسبب كفرهم مثل الغبار المفرق يراه الناظر في شعاع الشمس الداخل من النافذة.
٢٤ - المؤمنون أصحاب الجنّة في ذلك اليوم أفضل مقامًا، وأحسن مكان راحة وقت قائلتهم في الدنيا من هؤلاء الكفار؛ ذلك لإيمانهم بالله وعملهم الصالح.
٢٥ - واذكر -أيها الرسول- يوم تتشقق السماء عن سحب بيضاء رفيقة، ونُزِّل الملائكة الى أرض المحشر تنزيلًا كثيرًا لكثرتهم.
٢٦ - المُلْك الَّذي هو المُلْك الحق الثابت يوم القيامة للرحمن سبحانه، وكان ذلك اليوم على الكفار صعبًا بخلاف المؤمنين فإنه سهل عليهم.
٢٧ - واذكر -أيها الرسول- يوم يَعَضُّ الظالم بسبب ترك اتباع الرسول ﷺ على يديه من شدة الندم قائلًا: يا ليتني اتبعت الرسول فيما جاء به من عند ربه، واتخذت معه طريقًا إلى النجاة.
٢٨ - ويقول من شدة الأسف داعيًا على نفس بالويل: يا ويلي ليتني لم اتخذ الكافر فلانًا صديقًا.
٢٩ - لقد أضلني هذا الصديق الكافر عن القرآن بعد أن بلغني عن طريق الرسول، وكان الشيطان للإنسان كثير الخذلان، إذا نزل به كرب تبرّأ منه.
٣٠ - وقال الرسول في ذلك اليوم شاكيًا حال قومه: يا رب، إن قومي الذين بعثتني إليهم تركوا هذا القرآن وأعرضوا عنه.
٣١ - ومثل ما لاقيت -أيها الرسول- من قومك من الإيذاء والصد عن سبيلك جعلنا لكل نبي من الأنبياء من قبلك عدوا من مجرمي قومه، وكفى بربك هاديًا يهدي إلى الحق، وكفى به نصيرًا ينصرك على عدوك.
٣٢ - وقال الذين كفروا بالله: هلَّا نُزِّل على الرسول هذا القرآن دفعة واحدة، ولم يُنَزَّل عليه مفرقًا، نزّلنا القرآن كذلك مفرقًا لتثبيت قلبك -أيها الرسول- بنزوله مرة بعد مرة، وأنزلناه شيئًا بعد شيء لتسهيل فهمه وحفظه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكفر مانع من قبول الأعمال الصالحة.
• خطر قرناء السوء.
• ضرر هجر القرآن.
• من حِكَمِ تنزيل القرآن مُفَرَّقًا طمأنة النبي ﷺ وتيسير فهمه وحفظه والعمل به.
стр. 370
٣٣ - ولا يأتيك -أيها الرسول- المشركون بمَثَلٍ مما يقترحونه إلا جئناك بالجواب الحق الثابت عليه، وجئناك بما هو أحسن بيانًا.
٣٤ - الذين يُسَاقون يوم القيامة مسحوبين على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانًا؛ لأن مكانهم جهنم، وأبعد طريقًا عن الحق؛ لأن طريقهم طريق الكفر والضلال.
٣٥ - ولقد أعطينا موسى التوراة، وصَيَّرنا معه أخاه هارون رسولًا ليكون له معينًا.
٣٦ - فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بآياتنا. فامتَثَلا أمرنا، وذهبا إليهم فدَعَوَاهم إلى توحيد الله، فكذبوهما فأهلكناهم إهلاكًا شديدًا.
٣٧ - وقوم نوح لما كذبوا الرسل بتكذيبهم نوحًا ﵇ أهلكناهم بالغرق في البحر، وصيَّرنا إهلاكهم دلالة على قدرتنا على استئصال الظالمين، وأعددنا للظالمين يوم القيامة عذابًا موجعًا.
٣٨ - وأهلكنا عادًا قوم هود، وثمود قوم صالح، وأهلكنا أصحاب البئر، وأهلكنا أممًا كثيرة بين هؤلاء الثلاث.
٣٩ - وكل من هؤلاء المُهْلَكين وصفنا له إهلاك الأمم السابقة وأسبابه ليتعظوا، وكلًّا أهلكناه إهلاكًا شديدًا لكفرهم وعنادهم.
٤٠ - ولقد أتى المكذبون من قومك -في ذهابهم إلى الشام- إلى قرية قوم لوط التي أُمْطِرت بالحجارة؛ عقابًا لها على فعل الفاحشة ليعتبروا، أَفَعَمُوا عن هذه القرية فلم يكونوا يشاهدونها؟ لا، بل كانوا لا يتوقعون بعثًا يحاسبون بعده.
٤١ - وإذا قابلك -أيها الرسول- هؤلاء المكذبون سخروا منك قائلين على سبيل الاستهزاء والإنكار: أهذا الَّذي بعثه الله رسولًا إلينا؟!
٤٢ - لقد أوشك أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا، لولا أن صبرنا على عبادتها لَصَرَفَنا عنها بحججه وبراهينه، وسوف يعلمون حين يعاينون العذاب في قبورهم ويوم القيامة مَن أضَلُّ طريقًا أَهُمْ أم هو؟ وسيعلمون أيهم الأضلّ.
٤٣ - أرأيت -أيها الرسول- من جعل مِنْ هواه إلهًا فأطاعه، أفأنت تكون عليه حفيظًا ترده إلى الإيمان، وتمنعه من الكفر؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الكفر بالله والتكذيب بآياته سبب إهلاك الأمم.
• غياب الإيمان بالبعث سبب عدم الاتعاظ.
• السخرية بأهل الحق شأن الكافرين.
• خطر اتباع الهوى.
стр. 371
٤٤ - بل أتحسب -أيها الرسول- أن أكثر الذين تدعوهم إلى توحيد الله وطاعته يسمعون سماع قبول أو يعقلون الحجج والبراهين؟! ليسوا إلا مثل الأنعام في السماع والتعقل والفهم، بل هم أضل طريقًا من الأنعام.
٤٥ - ألم تر -أيها الرسول- إلى آثار خلق الله حين بسط الظل على وجه الأرض , ولو شاء أن يجعله ساكنًا لا يتحرك لجعله كذلك، ثم صيَّرنا الشمس دلالة عليه، يطول بها ويقصر.
٤٦ - ثم قبضنا الظل بالنقص يتدرج شيئًا فشيئًا قبضًا قليلًا حسب ارتفاع الشمس.
٤٧ - والله هو الَّذي صيَّر لكم الليل بمنزلة لباس يستركم، ويستر الأشياء، وهو الَّذي صيَّر لكم النوم راحة تستريحون به من أشغالكم، وهو الَّذي صيَّر لكم النهار وقتًا تنطلقون فيه إلى أعمالكم.
٤٨ - وهو الذي بعث الرياح مبشرة بنزول المطر الذي هو من رحمته بعباده، وأنزلنا من السماء ماء المطر طاهرًا يتطهرون به.
٤٩ - لنحيي بذلك الماء النازل أرضًا قاحلة لا نبات فيها بإنباتها بأنواع النبات وبث الخضرة فيها، ولنسقي بذلك الماء مما خلقنا أنعامًا وبشرًا كثيرًا.
٥٠ - ولقد بيَّنا ونوّعنا في القرآن الحجج والبراهين ليعتبروا بها، فأبى معظم الناس إلا كفورًا بالحق وتنكرًا له.
٥١ - ولو شئنا لبعثنا في كل قرية رسولًا ينذرهم ويخوفهم من عقاب الله، لكنا لم نشأ ذلك، وإنما بعثنا محمدًا ﷺ رسولًا إلى جميع الناس.
٥٢ - فلا تطع الكفار فيما يطالبونك به من مداهنتهم، وفيما يقدمونه من اقتراحات، وجاهدهم بهذا القرآن المُنَزَّل عليك جهادًا عظيمًا بالصبر على أذاهم وتحمل المشاق في دعوتهم إلى الله.
٥٣ - والله سبحانه هو الَّذي خلط ماء البحرين، خلط العذب منهما بالمالح، وصيّر بينهما حاجزًا وسترًا ساترًا يمنعهما من التمازُج.
٥٤ - وهو الَّذي خلق من مني الرجل والمرأة بشرًا، ومَن خلَق البشر أنشأ علاقة القرابة وعلاقة المُصَاهرة، وكان ربك -أيها الرسول- قديرًا لا يعجزه شيء، ومن قدرته خلق الإنسان من مني الذكر والمرأة.
٥٥ - ويعبد الكفار من دون الله أصنامًا لا تنفعهم إن أطاعوها، ولا تضرهم إن عصوها، وكان الكافر تابعًا للشيطان على ما يسخط الله سبحانه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• انحطاط الكافر إلى مستوى دون مستوى الحيوان بسبب كفره بالله.
• ظاهرة الظل آية من آيات الله الدالة على قدرته.
• تنويع الحجج والبراهين أسلوب تربوي ناجح.
• الدعوة بالقرآن من صور الجهاد في سبيل الله.
стр. 372
٥٦ - وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا مبشرًا من أطاع الله بالإيمان والعمل الصالح، ومنذرًا من عصاه بالكفر والعصيان.
٥٧ - قل -أيها الرسول-: لا أسألكم على تبليغ الرسالة من أجر إلا من شاء منكم أن يتخذ طريقًا إلى مرضاة الله بالإنفاق فليفعل.
٥٨ - وتوكل -أيها الرسول- في جميع أمورك على الله الحي الباقي الَّذي لا يموت أبدًا، ونزّهه مثنيًا عليه سبحانه، وكفى به بذنوب عباده خبيرًا لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
٥٩ - الَّذي خلق السماوات وخلق الأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم علا وارتفع على العرش علوًّا يليق بجلاله، وهو الرحمن، فاسأل -أيها الرسول- به خبيرًا، وهو الله الَّذي يعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيء.
٦٠ - وإذا قيل للكفار: اسجدوا للرحمن، قالوا: لا نسجد للرحمن، وما الرحمن؟ لا نعرفه ولا نقرّ به، أنسجد لما تأمرنا بالسجود له ونحن لا نعرفه؟! وزادهم أمره لهم بالسجود له بُعْدًا عن الإيمان بالله.
٦١ - تبارك الَّذي جعل في السماء منازل للكواكب والنجوم السيارة، وجعل في السماء شمسًا تشعّ النور، وجعل فيها قمرًا ينير الأرض بما يعكسه من ضوء الشمس.
٦٢ - والله هو الَّذي صيَّر الليل والنهار متعاقبين يعقب أحدهما الآخر ويخلفه، لمن أراد أن يعتبر بآيات الله فيهتدي، أو أراد شكر الله على نعمه.
ولما ذكر الله في هذه السورة الكفار المعرضين عن الإيمان بالله وطاعته، ذكر صفات عباده الصالحين المقبلين على طاعته فقال:
٦٣ - وعباد الرحمن المؤمنون الذين يمشون على الأرض بوقار متواضعين، وإذا خاطبهم الجهال لم يقابلوهم بالمثل، بل يقولون لهم معروفًا لا يجهلون فيه عليهم.
٦٤ - والذين يبيتون لربهم سجدًا على جباههم، وقيامًا على أقدامهم يصلُّون لله.
٦٥ - والذين يقولون في دعائهم لربهم: ربنا، أبعد عنا عذاب جهنم، إن عذاب جهنم كان دائمًا ملازمًا لمن مات كافرًا.
٦٦ - إنها ساءت مكان استقرار لمن استقرّ فيها، وساءت مقامًا لمن يقيم فيها.
٦٧ - والذين إذا بذلوا أموالهم لم يَصِلُوا في بذلهم لها إلى حد التبذير، ولم يضيقوا في بذلها على من تجب عليهم نفقته من أنفسهم أو غيرها، وكان إنفاقهم بين التبذير والتقتير عدلًا وسطًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الداعي إلى الله لا يطلب الجزاء من الناس.
• ثبوت صفة الاستواء لله بما يليق به .
• أن الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد قط، دال على صفة من صفاته وهي الرحمة.
• إعانة العبد بتعاقب الليل والنهار على تدارُكِ ما فاتَهُ من الطاعة في أحدهما.
• من صفات عباد الرحمن التواضع والحلم، وطاعة الله عند غفلة الناس، والخوف من الله، والتزام التوسط في الإنفاق وفي غيره من الأمور.
стр. 373
٦٨ - والذين لا يدعون مع الله سبحانه معبودًا آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بما أذن الله به من قتل القاتل أو المرتد أو الزاني المحصن، ولا يزنون، ومن يفعل هذه الكبائر يَلْقَ يوم القيامة عقوبةَ ما ارتكبه من الإثم.
٦٩ - يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد في العذاب ذليلًا حقيرًا.
٧٠ - لكن من تاب إلى الله وآمن، وعمل عملًا صالحًا يدل على صدق توبته، فأولئك يبدل الله ما عملوه من السيئات حسنات، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا بهم.
٧١ - ومن تاب إلى الله، وبَرْهَن على صدق توبته بفعل الطاعات وترك المعاصي فإن توبته توبة مقبولة.
٧٢ - والذين لا يحضرون الباطل؛ كمواطن المعاصي والملاهي المحرمة، وإذا مَرُّوا باللغو من ساقط الأقوال والأفعال مَرُّوا مرورًا عابرًا، مُكْرِمين أنفسهم بتنزيهها عن مخالطته.
٧٣ - والذين إذا ذُكروا بآيات الله المسموعة والمشهودة لم يصموا آذانهم عن الآيات المسموعة، ولم يعموا عن الآيات المشهودة.
٧٤ - والذين يقولون في دعائهم لربهم: ربنا، أعطنا من أزواجنا، ومن أولادنا من يكون قرة عين لنا لتقواه واستقامته على الحق، وصَيِّرنا للمتقين أئمة في الحق يُقْتَدى بنا.
٧٥ - أولئك المتصفون بتلك الصفات يجزون الغرفات العالية في الفردوس الأعلى من الجنّة بسبب صبرهم على طاعة الله، ويُلَقَّون فيها من الملائكة بالتحية والسلام، ويَسْلَمُون فيها من الآفات.
٧٦ - ماكثين فيها أبدًا، حسنت مكان استقرار يستقرون فيه، ومكان مقام يقيمون فيه.
٧٧ - قل -أيها الرسول- للكفار المُصِرِّين على كفرهم: ما يبالي بكم ربي لنفع يعود إليه من طاعتكم، لولا أنَّ له عبادًا يدعونه دعاء عبادة ودعاء مسألة لما بالى بكم، فقد كذبتم الرسول فيما جاءكم به من ربكم، فسوف يكون جزاء التكذيب ملازمًا لكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من صفات عباد الرحمن: البعد عن الشرك، وتجنُّب قتل الأنفس بغير حق، والبعد عن الزنى، والبعد عن الباطل، والاعتبار بآيات الله، والدعاء.
• التوبة النصوح تقتضي ترك المعصية وفعل الطاعة.
• الصبر سبب في دخول الفردوس الأعلى من الجنّة.
• غنى الله عن إيمان الكفار.
стр. 374
سورة الشعراء
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
مواجهة المُصِرِّين على التكذيب بالرسول ﷺ ، الطاعنين برسالته، وتوهينُ شأنهم.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿طسم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - تلك آيات القرآن المبين للحق من الباطل.
٣ - لعلك -أيها الرسول- لحرصك على هدايتهم قاتل نفسك حزنًا وحرصًا على هدايتهم.
٤ - إنْ نشَأ إنزال آية عليهم من السماء أنزلناها عليهم، فتظل أعناقهم خاضعة لها ذليلة، لكنا لم نشأ ذلك ابتلاء لهم: هل يؤمنون بالغيب؟
٥ - وما يجيء هؤلاء المشركين من تذكير مُحْدَث إنزاله من الرحمن بحججه الدالة على توحيده وصدق نبيه إلا أعرضوا عن سماعه والتصديق به.
٦ - فقد كذبوا بما جاءهم به رسولهم، فسيأتيهم تحقيق أنباء ما كانوا به يسخرون، ويحل عليهم العذاب.
٧ - أبقي هؤلاء مُصِرِّين على كفرهم فلم ينظروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل نوع من أنواع النبات حسن المنظر كثير المنافع؟!
٨ - إن في إنبات الأرض بأنواع مختلفة من النبات لدلالة واضحة على قدرة من أنبتها على إحياء الموتى، وما كان معظمهم مؤمنين.
٩ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو الغالب الَّذي لا يغلبه أحد، الرحيم بعباده.
١٠ - واذكر -أيها الرسول- حين نادى ربك موسى آمرًا إياه أن يأتي القوم الظالمين بكفرهم بالله واستعباد قوم موسى.
١١ - وهم قوم فرعون، فيأمرهم برفق ولين بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
١٢ - قال موسى ﵇: إني أخاف أن يكذبوني فيما أبلغهم به عنك.
١٣ - ويضيق صدري لتكذيبهم إياي، وينحبس لساني عن الكلام، فأرسل جبريل ﵇ إلى أخي هارون ليكون معينًا لي.
١٤ - ولهم علي ذنب بسبب قتلي القِبْطِي فأخاف أن يقتلوني.
١٥ - قال الله لموسى ﵇: كلا، لن يقتلوك، فاذهب أنت وأخوك هارون بآياتنا الدالة على صدقكما، فإنا معكما بالنصو والتأييد مستمعون لما تقولون ولما يقال لكم، يفوتنا من ذلك شيء.
١٦ - فَأتِيَا فرعون، فقولا له: إنا رسولان إليك من رب المخلوقات كلها.
١٧ - أن ابعث معنا بني إسرائيل.
١٨ - قال فرعون لموسى ﵇: ألم نربّك لدينا صغيرًا، ومكثت فينا من عمرك سنين، فما الَّذي دعاك إلى ادعاء النبوة؟
١٩ - وفعلت أمرًا عظيمًا حين قتلت القِبْطِي انتصارًا لرجل من قومك، وأنت من الجاحدين لنعمي عليك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حرص الرسول ﷺ على هداية الناس.
• إثبات صفة العزة والرحمة لله.
• أهمية سعة الصدر والفصاحة للداعية.
• دعوات الأنبياء تحرير من العبودية لغير الله.
• احتج فرعون على رسالة موسى بوقوع القتل منه ﵇ فأقر موسى بالفعلة، مما يشعر بأنها ليست حجة لفرعون بالتكذيب.
стр. 375
٢٠ - قال موسى ﵇ لفرعون معترفًا: قتلت ذلك الرجل وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني الوحي.
٢١ - فهربت منكم بعد قتله إلى قرية مَدْيَن لما خفت من قتلكم إياي به، فأعطاني ربي علمًا، وصيرني من رسله الذين يرسلهم إلى الناس.
٢٢ - وتربيتك إياي من غير أن تستعبدني مع استعبادك بني إسرائيل نعمة تمنّ بها على بحق، لكن ذلك لا يمنعني من دعوتك.
٢٣ - قال فرعون لموسى ﵇: وما رب المخلوقات الَّذي زعمت أنك رسوله؟!
٢٤ - قال موسى مجيبًا فرعون: رب المخلوقات هو رب السماوات ورب الأرض، ورب ما بينهما إن كنتم موقنين أنَّه ربهم فاعبدوه وحده.
٢٥ - قال فرعون لمن حوله من سادة قومه: ألا تستمعون إلى جواب موسى، وما فيه من زعم كاذب!
٢٦ - قال لهم موسى: الله ربكم ورب آبائكم السابقين.
٢٧ - قال فرعون: إن الَّذي يزعم أنَّه رسول إليكم لمجنون لا يعي كيف يجيب، ويقول ما لا يعقل.
٢٨ - قال موسى: الله الَّذي أدعوكم إليه هو رب المشرق، ورب المغرب، ورب ما بينهما إن كانت لكم عقول تعقلون بها.
٢٩ - قال فرعون لموسى بعد عجزه عن مُحَاجَّته: لئن عبدت معبودًا غيري لأصيّرنك من المسجونين.
٣٠ - قال موسى ﵇ لفرعون: أتصيرني من المسجونين حتَّى لو جئتك بما يبين صدقي فيما جئتك به من عند الله؟
٣١ - قال: فأت بما ذكرت أنَّه يدل على صدقك إن كنت من الصادقين فيما تدّعيه.
٣٢ - فرمى موسى عصاه في الأرض فانقلبت فجأة ثعبانًا واضحًا للعيان.
٣٣ - وأدخل يده في جيبه غير بيضاء، فأخرجها بيضاء بياضًا نورانيًّا لا بياض بَرَص، يشاهده الناظرون كذلك.
٣٤ - قال فرعون لسادة قومه من حوله: إن هذا الرجل لساحر عليم بالسحر.
٣٥ - يريد بسحره أن يخرجكم من أرضكم، فما رأيكم فيما نتخذه فيه؟
٣٦ - قالوا له: أَخِّرْه وأخِّرْ أخاه، ولا تبادر بعقوبتهما، وأرسل في مدائن مصر من يجمعون السحرة.
٣٧ - يأتوك بكل سحَّار عليم بالسحر.
٣٨ - فجمع فرعون سحرته لمباراة موسى في مكان وزمان محددين.
٣٩ - وقيل للناس: هل أنتم مجتمعون لتروا الغالب أهو موسى أم السحرة؟
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أخطاء الداعية السابقة والنعم التي عليه لا تعني عدم دعوته لمن أخطأ بحقه أو أنعم عليه.
• اتخاذ الأسباب للحماية من العدو لا ينافي الإيمان والتوكل على الله.
• دلالة مخلوقات الله على ربوبيته ووحدانيته.
• ضعف الحجة سبب من أسباب ممارسة العنف.
• إثارة العامة ضد أهل الدين أسلوب الطغاة.
стр. 376
٤٠ - رجاء أن نتبع السحرة في دينهم إن كانت الغلبة لهم على موسى.
٤١ - فلما جاء السحرة إلى فرعون ليغالبوا موسى قالوا له: هل لنا جزاء مادي أو معنوي إن كانت الغلبة لنا على موسى؟
٤٢ - قال لهم فرعون: نعم لكم جزاء، وإنكم في حال فوزكم عليه لمن المقربين عندي بإعطائكم المناصب الرفيعة.
٤٣ - قال لهم موسى واثقًا بنصر الله ومبينًا أن ما عنده ليس سحرًا: ألقوا ما أنتم مُلْقُوه من حبالكم وعصيكم.
٤٤ - فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا عند إلقائها: بعظمة فرعون إنا لنحن الغالبون، وموسى هو المغلوب.
٤٥ - فألقى موسى عصاه فانقلبت حية، فإذا هي تبتلع ما يُمَوِّهون به على الناس من السحر.
٤٦ - فلما أبصر السحرة عصا موسى تبتلع ما ألقوه من سحرهم سقطوا ساجدين.
٤٧ - قالوا: آمنا برب المخلوقات كلها.
٤٨ - رب موسى ورب هارون ﵇.
٤٩ - قال فرعون منكرًا على السحرة إيمانهم: أآمنتم بموسى قبل أن آذن لكم بذلك؟! إن موسى لهو كبيركم الَّذي علمكم السحر، وقد تآمرتم جميعًا على إخراج أهل مصر منها، فلسوف تعلمون ما أوقعه بكم من عقاب، فلأقطعنّ رجْل كل واحد ويده مخالفًا بينهما بقطع الرجل اليمنى مع اليد اليسرى أو العكس، ولأصلبنكم أجمعين على جذوع النخل، لا أستبقي منكم أحدًا.
٥٠ - قال السحرة لفرعون: لا ضرر فيما تهددنا به من القطع والصلب في الدنيا، فعذابك يزول، ونحن إلى ربنا منقلبون، وسيدخلنا في رحمته الدائمة.
٥١ - إنا نرجو أن يمحو الله عنا خطايانا السابقة التي ارتكبناها لأجل أن كنا أول من آمن بموسى وصدَّق به.
٥٢ - وأوحينا إلى موسى آمرين إياه أن يسري ببني إسرائيل ليلًا، فإن فرعون ومن معه متبعوهم ليردوهم.
٥٣ - فبعث فرعون بعض جنوده في المدائن جامعين يجمعون الجيوش ليردوا بني إسرائيل لما علم بمسيرهم من مصر.
٥٤ - قال فرعون مقللًا من شأن بني إسرائيل: إن هؤلاء لطائفة قليلة.
٥٥ - وإنهم لفاعلون ما يغيظنا عليهم.
٥٦ - وإنا لمستعدون لهم متيقظون.
٥٧ - فأخرجنا فرعون وقومه من أرض مصر ذات الحدائق الغناء، والعيون الجارية بالماء.
٥٨ - وذات خزائن المال، والمساكن الحسنة.
٥٩ - وكما أخرجنا فرعون وقومه من هذه النعم صيرنا جنس هذه النعم من بعدهم لبني إسرائيل في بلاد الشام.
٦٠ - فسار فرعون وقومه في إثر بني إسرائيل في وقت شروق الشمس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• العلاقة بين أهل الباطل هي المصالح المادية.
• ثقة موسى بالنصر على السحرة تصديقًا لوعد ربه.
• إيمان السحرة برهان على أن الله هو مُصَرِّف القلوب يصرفها كيف يشاء.
• الطغيان والظلم من أسباب زوال الملك.
стр. 377
٦١ - فلما تقابل فرعون وقومه مع موسى وقومه بحيث صار يرى كل فريق الفريق الآخر، قال أصحاب موسى: إن فرعون وقومه سيلحقوننا، ولا قِبَل لنا بهم.
٦٢ - قال موسى لقومه: ليس الأمر كما تصورتم، فإن معي ربي بالتأييد والنصر، سيرشدني ويدلني إلى طريق النجاة.
٦٣ - فأوحينا إلى موسى آمرين إياه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه بها، فانشقّ البحر وتحوّل إلى اثني عشر مَسْلكًا بعدد قبائل بني إسرائيل، فكانت كل قطعة منشقة من البحر مثل الجبل العظيم في العِظَم والثبات بحيث لا يسيل منها ماء.
٦٤ - وقربنا فرعون وقومه حتَّى دخلوا البحر ظانين أن الطريق سالك.
٦٥ - وأنقذنا موسى ومن معه من بني إسرائيل، فلم يهلك منهم أحد.
٦٦ - ثم أهلكنا فرعون وقومه بالغرق في البحر.
٦٧ - إن في انفلاق البحر لموسى ونجاته وهلاك فرعون وقومه لآية دالة على صدق موسى، وما كان أكثرُ مَنْ مَعَ فرعون بمؤمنين.
٦٨ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب منهم.
٦٩ - واتلُ عليهم -أيها الرسول- قصة إبراهيم.
٧٠ - حين قال لأبيه آزر وقومه: ما الَّذي تعبدونه من دون الله؟
٧١ - قال له قومه: نعبد أصنامًا فنظلّ مقيمين على عبادتها ملازمين لها.
٧٢ - قال لهم إبراهيم: هل تسمع الأصنام دعاءكم حين تدعونهم؟
٧٣ - أو ينفعونكم إن أطعتموهم، أو يضرونكم إن عصيتموهم؟
٧٤ - قالوا: لا يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا إن أطعناهم، ولا يضروننا إن عصيناهم، بل الحاصل أنا وجدنا آباءنا يفعلون ذلك، فنحن نقلدهم.
٧٥ - قال إبراهيم: أتأملتم فرأيتم ما كنتم تعبدون من الأصنام من دون الله.
٧٦ - وما كان يعبده آباؤكم الأولون.
٧٧ - فإنهم كلهم أعداء لي؛ لأنهم باطل إلا الله رب المخلوقات كلها.
٧٨ - الَّذي خلقني، فهو يرشدني إلى خيري الدنيا والآخرة.
٧٩ - والذي هو وحده يطعمني إذا جعت، ويسقيني إذا عطشت.
٨٠ - وإذا مرضت فهو وحده الَّذي يشفيني من المرض لا شافي لي غيره.
٨١ - والذي هو وحده يتوفاني إذا انقضى أجلي، ويحييني بعد موتي.
٨٢ - والذي أرجوه وحده أن يغفر لي خطيئتي يوم الجزاء.
٨٣ - قال إبراهيم داعيًا ربه: رب أعطني فقهًا في الدين، وألحقني بالصالحين من الأنبياء قبلي بأن تدخلني الجنّة معهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الله مع عباده المؤمنين بالنصر والتأييد والإنجاء من الشدائد.
• ثبوت صفتي العزة والرحمة لله تعالى.
• خطر التقليد الأعمى.
• أمل المؤمن في ربه عظيم.
стр. 378
٨٤ - واجعل لي ذكرًا جميلًا وثناء حسنًا فيمن يجيء من القرون بعدي.
٨٥ - واجعلني ممن يرث منازل الجنّة التي يتنعم فيها عبادك المؤمنون، وأسكنِّي فيها.
٨٦ - واغفر لأبي؛ إنه كان من الضالين عن الحق بسبب الشرك، دعا إبراهيم لأبيه قبل أن يتبين له أنَّه من أصحاب الجحيم، فلما تبين له ذلك تبرأ منه ولم يَدْعُ له.
٨٧ - ولا تفضحني بالعذاب يوم يبعث الناس للحساب.
٨٨ - يوم لا ينفع فيه مال قد جمعه الإنسان في دنياه، ولا بنون كان ينتصر بهم.
٨٩ - إلا من جاء الله بقلب سليم؛ لا شرك فيه ولا نفاق ولا رياء ولا عجب، فإنه ينتفع بماله الَّذي أنفقه في سبيل الله، وبأبنائه الذين يدعون له.
٩٠ - وقربت الجنّة للمتقين لربهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
٩١ - وأظهرت النار في المحشر للضالين الذين ضلوا عن دين الحق.
٩٢ - وقيل لهم تقريعًا لهم: أين ما كنتم تعبدونه من الأصنام؟
٩٣ - تعبدونهم من دون الله؟ هل ينصرونكم بمنعكم من عذاب الله، أو ينتصرون هم لأنفسهم؟
٩٤ - فَرُمِي بعضهم في الجحيم فوق بعض هم ومن أضلوهم.
٩٥ - وأعوان إبليس من الشياطين كلهم، لا يُسْتَثْنى منهم أحد.
٩٦ - قال المشركون الذين كانوا يعبدون غير الله، ويتخذونهم شركاء من دونه، وهم يتخاصمون مع من كانوا يعبدونهم من دونه:
٩٧ - تالله لقد كنا في ضلال واضح عن الحق.
٩٨ - إذ نعدلكم برب المخلوقات كلها، فنعبدكم كما نعبده.
٩٩ - وما أضلنا عن طريق الحق إلا المجرمون الذين دعونا إلى عبادتهم من دون الله.
١٠٠ - فليس لنا شافعون يشفعون لنا عند الله لينجينا من عذابه.
١٠١ - وليس لنا صديق خالص المودة يدافع عنا ويشفع لنا.
١٠٢ - فلو أن لنا رجعة الى الحياة الدنيا فنكون من المؤمنين بالله.
١٠٣ - إن في ذلك المذكور من قصة إبراهيم ﵇، ومصير المكذبين لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٠٤ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب منهم.
١٠٥ - كذبت قوم نوح المرسلين حين كذبوا نوحًا ﵇.
١٠٦ - إذ قال لهم نوح: ألا تتقون الله بترك عبادة غيره خوفًا منه؟!
١٠٧ - إني لكم رسول أرسلني الله إليكم، أمين لا أزيد على ما أوحاه الله إلى ولا أنقص.
١٠٨ - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه.
١٠٩ - وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات لا على غيره.
١١٠ - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه.
١١١ - قال له قومه: أنؤمن بك -يا نوح- ونتبع ما جئت به ونعمل والحال أن أتباعك إنما هم السفلة من الناس، فلا يوجد فيهم السادة والأشراف؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية سلامة القلب من الأمراض كالحسد والرياء والعُجب.
• تعليق المسؤولية عن الضلال على المضلين لا تنفع الضالين.
• التكذيب برسول الله تكذيب بجميع الرسل.
• حُسن التخلص في قصة إبراهيم من الاستطراد في ذكر القيامة ثم الرجوع إلى خاتمة القصة.
стр. 379
١١٢ - قال لهم نوح ﵇: وما علمي بما كان هؤلاء المؤمنون يعملون؟ فلست وكيلًا عليهم أحصي أعمالهم.
١١٣ - ما حسابهم إلا على الله الَّذي يعلم سرائرهم وعلانياتهم وليس إلي، لو تشعرون لما قلتم ما قلتم.
١١٤ - ولست بطارد المؤمنين عن مجلسي استجابة لطلبكم كي تؤمنوا.
١١٥ - ما أنا إلا نذير واضح النذارة أحذركم عذاب الله.
١١٦ - قال له قومه: لئن لم تَكُفَّ عَمَّا تدعونا إليه لتكونن من المشتومين والمقتولين بالرمي بالحجارة.
١١٧ - قال نوح داعيًا ربه: رب إن قومي كذبوني، ولم يصدقوني فيما جئت به من عندك.
١١٨ - فاحكم بيني وبينهم حكمًا يهلكهم لإصرارهم على الباطل، وأنقذني ومن معي من المؤمنين مما تهلك به الكفار من قومي.
١١٩ - فاستجبنا له دعاءه، وأنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة من الناس والحيوان.
١٢٠ - ثم أغرقنا بعدهم الباقين، وهم قوم نوح.
١٢١ - إن في ذلك المذكور من قصة نوح وقومه، ونجاة نوح ومن معه من المؤمنين، وهلاك الكافرين من قومه لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٢٢ - وإن ربك -أيها الرسول- هو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب منهم.
١٢٣ - كذبت عاد المرسلين حين كذبوا رسولهم هودًا ﵇.
١٢٤ - اذكر حين قال لهم نبيهم هود: ألا تتقون الله بترك عبادة غيره خوفًا منه؟!
١٢٥ - إني لكم رسول أرسلني الله إليكم، أمين لا أزيد على ما أمرني الله بتبليغه ولا أنقصه.
١٢٦ - فاتقوا الله؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه.
١٢٧ - وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات، لا على غيره.
١٢٨ - أتبنون بكل مكان مشرف مرتفع بنيانًا عَلَمًا عبثًا دون فائدة تعود عليكم في دنياكم أو آخرتكم؟!
١٢٩ - وتتخذون حصونًا وقصورًا كانكم تخلدون في هذه الدنيا، ولا تنتقلون عنها؟!
١٣٠ - وإذا سطوتم بالقتل أو الضرب سطوتم جبارين من غير رأفة ولا رحمة.
١٣١ - فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه.
١٣٢ - وخافوا من سخط الله الَّذي أعطاكم من نعمه ما تعلمون.
١٣٣ - أعطاكم أنعامًا، وأعطاكم أولادًا.
١٣٤ - أعطاكم بساتين وعيونًا جارية.
١٣٥ - إني أخاف عليكم -يا قومي- عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة.
١٣٦ - قال له قومه: يستوي عندنا تذكيرك لنا وعدم تذكيرك، فلن نؤمن بك، ولن نرجع عما نحن عليه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أفضلية أهلِ السبق للإيمان حتَّى لو كانوا فقراء أو ضعفاء.
• إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين سُنَّة إلهية.
• خطر الركون إلى الدنيا.
• تعنت أهل الباطل، وإصرارهم عليه.
стр. 380
١٣٧ - ليس هذا إلا دين الأوَّلين وعاداتهم وأخلاقهم.
١٣٨ - ولسنا بمُعَذبين.
١٣٩ - فاستمروا على تكذيب نبيهم هود ﵇، فأهلكناهم بسبب تكذيبهم بالريح العقيم، إن في ذلك الإهلاك لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٤٠ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب من عباده.
١٤١ - كذبت ثمود الرسل بتكذيبهم نبيهم صالحًا ﵇.
١٤٢ - إذ قال لهم أخوهم في النسب صالح: ألا تتقون الله بترك عبادة غيره خوفًا منه؟!
١٤٣ - إني لكم رسول أرسلني الله إليكم، أمين فيما أبلغه عنه لا أزيد عليه ولا أنقص منه.
١٤٤ - فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه.
١٤٥ - وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات، لا على غيره.
١٤٦ - أتطمعون أن تُتْركوا فيما أنتم فيه من الخيرات والنعم آمنين لا تخافون؟!
١٤٧ - في بساتين وعيون جارية.
١٤٨ - وزروع ونخل ثمرها لين نضيج.
١٤٩ - وتقطعون الجبال لتصنعوا بيوتًا تسكنونها وأنتم ماهرون بنحتها.
١٥٠ - فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه.
١٥١ - ولا تنقادوا لأمر المسرفين على أنفسهم بارتكاب المعاصي.
١٥٢ - الذين يفسدون في الأرض بما ينشرونه من المعاصي، ولا يصلحون أنفسهم بالتزام طاعة الله.
١٥٣ - قال له قومه: إنما أنت ممن سُحِروا مرارًا حتَّى غلب السحر على عقولهم فأذهبها.
١٥٤ - لستَ إلا بشرًا مثلنا فلا مزية لك علينا حتَّى تكون رسولًا، فأت بعلامة تدل على أنك رسول إن كنت صادقًا فيما تدّعيه من أنك رسول.
١٥٥ - قال لهم صالح -وقد أعطاه الله علامة، وهي ناقة أخرجها الله من الصخرة-: هذه ناقة تُرى وتُلمس، لها نصيب من الماء، ولكم نصيب معلوم، لا تشرب في اليوم الَّذي هو نصيبكم، ولا تشربون أنتم في اليوم الَّذي هو نصيبها.
١٥٦ - ولا تمسوها بما يسوؤها من عَقْر أو ضربٍ، فَيَنَالَكُم بسبب ذلك عذاب من الله يهلككم به في يوم عظيم لما فيه من البلاء النازل عليكم.
١٥٧ - فاتفقوا على عَقْرها، فَعَقَرها أشقاهم، فأصبحوا نادمين على ما أقدموا عليه لمَّا علموا أن العذاب نازل بهم لا محالة، لكن الندم عند معاينة العذاب لا ينفع.
١٥٨ - فأخذهم العذاب الَّذي وُعِدوا به وهو الزلزلة والصيحة، إن في ذلك المذكور من قصة صالح وقومه لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٥٩ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب من عباده.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• توالي النعم مع الكفر استدراج للهلاك.
• التذكير بالنعم يُرتجى منه الإيمان والعودة إلى الله من العبد.
• المعاصي هي سبب الفساد في الأرض.
стр. 381
١٦٠ - كذبت قوم لوط المرسلين لتكذيبهم نبيهم لوطًا ﵇.
١٦١ - إذ قال لهم أخوهم في النسب لوط: ألا تتقون الله بترك الشرك به خوفًا منه؟!
١٦٢ - إني لكم رسول أرسلني الله إليكم، أمين فيما أبلغه عنه، لا أزيد عليه ولا أنقص.
١٦٣ - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه.
١٦٤ - وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات، لا على غيره.
١٦٥ - أتأتون الذكور من الناس في أدبارهم؟!
١٦٦ - وتتركون إتيان ما خلقه الله لتقضوا شهواتكم منه من فروج زوجاتكم؟! بل أنتم متجاوزون لحدود الله بهذا الشذوذ المنكر.
١٦٧ - قال له قومه: لئن لم تكفّ يا لوط عن نهينا عن هذا الفعل وإنكاره علينا لتكونن أنت ومن معك من المُخْرَجين من قريتنا.
١٦٨ - قال لهم لوط: إني لعملكم هذا الَّذي تعملونه لمن الكارهين المبغضين.
١٦٩ - قال داعيًا ربه: رب نجني ونجّ أهلي مما سيصيب هؤلاء من العذاب بسبب ما يفعلونه من المنكر.
١٧٠ - فأجبنا دعاءه فنجيناه وأهله كلهم.
١٧١ - إلا زوجته فقد كانت كافرة، فكانت من الذاهبين الهالكين.
١٧٢ - ثم بعدما خرج لوط وأهله من قرية (سَدُوم) أهلكنا قومه الباقين بعده أشدّ إهلاك.
١٧٣ - وأنزلنا عليهم حجارة من السماء مثل إنزال المطر، فقبح مطر هؤلاء الذين كان ينذرهم لوط ويحذرهم من عذاب الله إن هم استمرّوا على ما هم عليه من ارتكاب المنكر.
١٧٤ - إن في ذلك المذكور من العذاب النازل على قوم لوط بسبب فعل الفاحشة، لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٧٥ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب من عباده.
١٧٦ - كذب أصحاب القرية ذات الشجر الملتف قرب مدين المرسلين حين كذبوا نبيهم شعيبًا ﵇.
١٧٧ - إذ قال لهم نبيهم شعيب: ألا تتقون الله بترك الشرك به خوفًا منه؟!
١٧٨ - إني لكم رسول أرسلني الله إليكم، أمين فيما أبلغه عنه، لا أزيد على ما أمرني بتبليغه ولا أنقص.
١٧٩ - فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه.
١٨٠ - وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات، لا على غيره.
١٨١ - أتموا للناس الكيل عندما تبيعونهم، ولا تكونوا ممن ينقص الكيل إذا باع الناس.
١٨٢ - وزنوا إذا وزنتم لغيركم بالميزان المستقيم.
١٨٤ - ولا تنقصوا الناس حقوقهم، ولا تكثروا في الأرض الفساد بارتكاب المعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• اللواط شذوذ عن الفطرة ومنكر عظيم.
• من الابتلاء للداعية أن يكون أهل بيته من أصحاب الكفر أو المعاصي.
• العلاقات الأرضية ما لم يصحبها الإيمان، لا تنفع صاحبها إذا نزل العذاب.
• وجوب وفاء الكيل وحرمة التَّطْفِيف.
стр. 382
١٨٤ - واتقوا الَّذي خلقكم، وخلق الأمم السابقة بالخوف منه أن ينزل بكم عقابه.
١٨٥ - قال قوم شعيب لشعيب: إنما أنت من الذين أصابهم السحر مرارًا حتَّى غلب السحر على عقلك، فَغَيَّبه.
١٨٦ - ولست إلا بشرًا مثلنا فلا مزية لك علينا، فكيف تكون رسولًا؟ ولا نظنك إلا كاذبًا فيما تدّعيه من أنك رسول.
١٨٧ - فأسقط علينا قطعًا من السماء إن كنت صادقًا فيما تدّعيه.
١٨٨ - قال لهم شعيب: ربي أعلم بما تعملون من الشرك والمعاصي لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.
١٨٩ - فاستمرّوا على تكذيبه، فأصابهم عذاب حيث أظلتهم سحابة بعد يوم شديد الحر، فأمطرت عليهم نارًا فأحرقتهم، إن يوم إهلاكهم كان يومًا عظيم الهول.
١٩٠ - إن في ذلك المذكور من إهلاك قوم شعيب لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
١٩١ - وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب من عباده.
١٩٢ - وإن هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ منزل من رب المخلوقات.
١٩٣ - نزل به جبريل الأمين ﵇.
١٩٤ - نزل به على قلبك -أيها الرسول- لتكون في الرسل الذين ينذرون الناس، ويخوفونهم من عذاب الله.
١٩٥ - نزل به لسان عربي واضح.
١٩٦ - وإن هذا القرآن لمذكور في كتب الأولين، فقد بشرت به الكتب السماوية السابقة.
١٩٧ - أو لم يكن لهؤلاء المكذبين بك علامة على صدقك أن يعلم حقيقة ما نزل عليك علماء بني إسرائيل، مثل عبد الله بن سلام.
١٩٨ - ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعاجم الذين لا يتكلمون باللسان العربي.
١٩٩ - فقرأه عليهم ما صاروا به مؤمنين؛ لأنهم سيقولون: لا نفهمه، فليحمدوا الله أن نزل بلغتهم.
٢٠٠ - كذلك أدخلنا التكذيب والكفر في قلوب المجرمين.
٢٠١ - لا يتغيرون عما هم عليه من الكفر ولا يؤمنون حتَّى يروا العذاب الموجع.
٢٠٢ - فيأتيهم هذا العذاب فجاة، وهم لا يعلمون بمجيئه حتَّى يباغتهم.
٢٠٣ - فيقولون حين ينزل بهم العذاب بغتة من شدة الحسرة: هل نحن مُمْهَلون فنتوب إلى الله؟!
٢٠٤ - أفبعذابنا يستعجل هؤلاء الكفار قائلين: لن نؤمن لك حتَّى تُسْقِط السماء كما زعمت علينا كسفًا؟!
٢٠٥ - فأخبرني -أيها الرسول- إن متعنا هؤلاء الكافرين المعرضين عن الإيمان بما جئت به، بالنعم زمنًا ممتدًّا.
٢٠٦ - ثم جاءهم بعد ذلك الزمن الَّذي نالوا فيه تلك النعم ما كانوا يوعدون به من العذاب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كلما تعمَّق المسلم في اللغة العربية، كان أقدر على فهم القرآن.
• الاحتجاج على المشركين بما عند المُنْصِفين من أهل الكتاب من الإقرار بأن القرآن من عند الله.
• ما يناله الكفار من نعم الدنيا استدراج لا كرامة.
стр. 383
٢٠٧ - ماذا ينفعهم ما كانوا عليه من نعم في الدنيا؟! فقد انقطعت تلك النعم، ولم تُجْد شيئًا.
٢٠٨ - وما أهلكنا من أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليها بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
٢٠٩ - عظة وتذكيرًا لهم، وما كنا ظالمين بتعذيبهم بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
٢١٠ - وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على قلب الرسول ﷺ .
٢١١ - وما يصح أن يتنزلوا على قلبه، وما يستطيعون ذلك.
٢١٢ - ما يستطيعونه لأنهم معزولون عن مكانه من السماء، فكيف يصلون إليه، ويتنزلون به؟!
٢١٣ - فلا تعبد مع الله معبودًا آخر تشركه معه، فتكون بسبب ذلك من المعذبين.
٢١٤ - وأنذر -أيها الرسول- الأقرب فالأقرب من قومك حتَّى لا يصيبهم عذاب الله إن بقوا على الشرك.
٢١٥ - وأَلِنْ جانبك فعلًا وقولًا لمن اتبعك من المؤمنين رحمة بهم ورفقًا.
٢١٦ - فإن عصوك، ولم يستجيبوا لما أمرتهم به من توحيد الله وطاعته، فقل لهم: إني بريء مما تعملون من الشرك والمعاصي.
٢١٧ - واعتمد في أمورك كلها على العزيز الَّذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن أناب منهم إليه.
٢١٨ - الَّذي يراك سبحانه حين تقوم إلى الصلاة.
٢١٩ - ويرى سبحانه تقلبك من حال إلى حال في المصلين، لا يخفى عليه شيء مما تقوم به، ولا مما يقوم به غيرك.
٢٢٠ - إنه هو السميع لما تتلوه من قرآن وذكر في صلاتك، العليم بنيتك.
ولما زعموا أن الشياطين تنزلت بالقرآن، وأن محمدًا ﷺ شاعر رد الله عليهم زعمهم فقال:
٢٢١ - هل أخبركم على من تتنزل الشياطين الذين زعمتم أنهم تنزلوا بهذا القرآن؟
٢٢٢ - تتنزل الشياطين على كل كذاب كثير الإثم والمعصية من الكهان.
٢٢٣ - يسترق الشياطين السمع من الملإ الأعلى، فيلقونه إلى أوليائهم من الكهان، وأكثر الكهان كاذبون، إن صدقوا في كلمة كذبوا معها مئة كذبة.
٢٢٤ - والشعراء الذين زعمتم أن محمدًا ﷺ منهم يتبعهم المنحرفون عن طريق الهدى والاستقامة، فيروون ما يقولونه من شعر.
٢٢٥ - ألم تر -أيها الرسول- أن من مظاهر غوايتهم أنهم تائهون في كل واد يمضون في المدح تارة، وفي الذم تارة، وفي غيرهما تارات.
٢٢٦ - وأنهم يكذبون، فيقولون: فعلنا كذا، ولم يفعلوه.
٢٢٧ - إلا الذين آمنوا من الشعراء وعملوا الأعمال الصالحات، وذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وانتصروا من أعداء الله بعدما ظلموهم مثل حسان بن ثابت ﵁، وسيعلم الذين ظلموا بالشرك بالله والاعتداء على عباده أي مرجع يرجعون إليه، فسيرجعون إلى موقف عظيم، وحساب دقيق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات العدل لله، ونفي الظلم عنه.
• تنزيه القرآن عن قرب الشياطين منه.
• أهمية اللين والرفق للدعاة إلى الله.
• الشعر حَسَنُهُ حَسَن، وقبيحه قبيح.
стр. 384
سورة النمل
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
الامتنان على النبي ﷺ بالآية الكبرى -وهي القرآن- والحث على شكرها والصبر على تبليغها.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿طس﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات المنزلة عليك هي آيات القرآن، وكتاب واضح لا لبس فيه، مَن تدبَّرَه عَلِمَ أنَّه من عند الله.
٢ - هذه الآيات هادية إلى الحق مرشدة إليه، ومبشرة للمؤمنين بالله ورسله.
٣ - الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون زكاة أموالها بصرفها إلى مصارفها، وموقنون بما في الآخرة من ثواب وعقاب.
٤ - إن كافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، حسنا لهم أعمالهم السيئة، فاستمروا على فعلها، فهم متحيِّرون لا يهتدون إلى صواب ولا رشد.
٥ - أولئك الموصوفون بما ذُكِر هم الذين لهم سوء العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، وهم في الآخرة أكثر الناس خسرانًا، حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بتخليدهم في النار.
٦ - وإنك -أيها الرسول- لتتلقى هذا القرآن المنزل عليك من عند حكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، عليم لا يخفى عليه شيء من مصالح عباده.
٧ - اذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لأهله: إني أبصرت نارًا، سآتيكم منها بخبر من موقدها يرشدنا إلى الطريق، أو آتيكم بشعلة نار مأخوذة منها رجاء أن تستدفئوا بها من البرد.
٨ - فلما وصل إلى مكان النار التي أبصرها ناداه الله: أنْ قُدِّس من في النار، ومن حولها من الملائكة، وتعظيمًا لرب العالمين وتنزيهًا له عما لا يليق به من الصفات التي يصفه بها الضالون.
٩ - قال له الله: يا موسى، إنه أنا الله العزيز الَّذي لا يغالبني أحد، الحكيم في خلقِي وتقديري وشرعي.
١٠ - وألق عصاك، فامتثل موسى، فلما رآها موسى تضطرب وتتحرك كأنها حية ولى مدبرًا عنها ولم يرجع، فقال له الله: لا تخف منها، فإني لا يخاف عندي المرسلون من حية ولا من سواها.
١١ - لكن من ظلم نفسه بارتكاب ذنب، ثم تاب بعد ذلك فإني غفور له، رحيم به.
١٢ - وأدخل يدك في فتحة قميصك مما يلي الرقبة تخرج بعد إدخالك لها بيضاء مثل الثلج من غير برص، ضمن تسع آيات تشهد بصدقك -هي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم- إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله بالكفر به.
١٣ - فلما جاءتهم آياتنا هذه التي أيدنا بها موسى واضحة ظاهرة قالوا: هذا الَّذي جاء به موسى من الآيات سحر بيّن.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• القرآن هداية وبشرى للمؤمنين.
• الكفر بالله سبب في اتباع الباطل من الأعمال والأقوال، والحيرة، والاضطراب.
• تأمين الله لرسله وحفظه لهم سبحانه من كل سوء.
стр. 385
١٤ - وكفروا بهذه الآيات البينات ولم يقروا بها، واستيقنت أنفسهم أنها من عند الله؛ بسبب ظلمهم واستكبارهم عن الحق، فتأمّل -أيها الرسول- كيف كانت عاقبة المفسدين في الأرض بكفرهم ومعاصيهم، فقد أهلكناهم، ودمّرناهم كلهم.
١٥ - ولقد أعطينا داود وابنه سليمان علمًا، ومنه علم كلام الطير، وقال داود وسليمان شاكرين الله : الحمد لله الَّذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين بالنبوة، وبتسخير الجن والشياطين.
١٦ - وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك، وقال متحدثا بنعمة الله عليه وعلى أبيه: يا أيها الناس، عَلَّمنا الله فهم أصوات الطير، وأعطانا من كل شيء أعطاه الأنبياء والملوك، إن هذا الَّذي أعطانا الله سبحانه لهو الفضل الواضح البيّن.
١٧ - وجُمِع لسليمان جنوده من البشر والجن والطير، فهم يُسَاقون بنظام.
١٨ - فلم يزالوا يُسَاقون حتَّى إذا جاؤوا إلى وادي النمل (موضع بالشام) قالت نملة من النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم حتَّى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون بكم، إذ لو علموا بكم لما داسوكم.
١٩ - فلما سمع سليمان كلامها تبسّم ضاحكًا من قولها هذا، وقال داعيًا ربه سبحانه: ربّ وفقني وألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، ووفقني أن أعمل عملًا صالحًا ترتضيه، وأدخلني برحمتك في جملة عبادك الصالحين.
٢٠ - وتعَهَّد سليمان الطير فلم ير الهدهد، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أمنعني من رؤيته مانع، أم كان من الغائبين؟
٢١ - فقال لما تبين له غيابه: لأعذبنّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنّه عقابًا له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب.
٢٢ - فمكث الهدهد في غيابه زمنًا غير بعيد، فلما جاء قال لسليمان ﵇: اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من أهل سبأ بخبر صادق لا شك فيه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التبسم ضحك أهل الوقار.
• شكر النعم أدب الأنبياء والصالحين مع ربهم.
• الاعتذار عن أهل الصلاح بظهر الغيب.
• سياسة الرعية بإيقاع العقاب على من يستحقه، وقبول عذر أصحاب الأعذار.
• قد يوجد من العلم عند الأصاغر ما لا يوجد عند الأكابر.
стр. 386
٢٣ - إني وجدت امرأة نحكمهم، وأُعطِيت هذه المرأة من كل شيء من أسباب القوة والملك، ولها سرير عظيم تدير مِن عليه شؤون قومها.
٢٤ - وجدت هذه المرأة، ووجدت قومها يسجدون للشمس من دون الله ، وحسَّن لهم الشيطان ما هم عليه من أعمال الشرك والمعاصي، فصرفهم عن طريق الحق، فهم لا يهتدون إليه.
٢٥ - حسَّن لهم الشيطان أعمال الشرك والمعاصي؛ لئلا يسجدوا لله وحده الَّذي يُخْرِج ما ستره في السماء من المطر، وفي الأرض من النبات، ويعلم ما تخفونه من الأعمال وما تظهرونه، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
٢٦ - الله لا معبود بحق غيره، رب العرش العظيم.
٢٧ - قال سليمان ﵇ للهدهد: سننظر أصدقت فيما تدعيه، أم كنت من الكاذبين.
٢٨ - فكتب سليمان كتابًا، وسلمه للهدهد، وقال له: اذهب بكتابي هذا فارمه إلى أهل سبأ وسلّمهم إياه، وتنحّ عنهم جانبًا بحيث تسمع ما يرددون بشأنه.
٢٩ - واستلمت الملكة الكتاب، وقالت: يا أيها الأشراف إني ألقي إلي كتاب كريم جليل.
٣٠ - مضمون هذا الكتاب المرسل من سليمان المفتتح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم":
٣١ - ألا تتكبروا، وأتوني منقادين مستسلمين لما أدعوكم إليه من توحيد الله وترك ما أنتم عليه من الشرك به، حيث عبدتم الشمس معه.
٣٢ - قالت الملكة: يا أيها الأشراف والسادة، بيِّنوا لي وجه الصواب في أمري، ما كنت قاضية أمرًا حتَّى تحضروني، وتظهروا رأيكم فيه.
٣٣ - قال لها الأشراف من قومها: نحن أصحاب قوة عظيمة، وأصحاب بأس قوي في الحرب، والرأي ما ترينه فانظري ماذا تأمريننا به فنحن قادرون على تنفيذه.
٣٤ - قالت الملكة: إن الملوك إذا دخلوا قرية من القرى أفسدوها بما يقومون به من القتل والسَّلْب والنَّهْب، وصيَّروا سادتها وأشرافها أذلاء بعد ما كانوا فيه من العزة والمنعة، وكذلك يفعل الملوك دائمًا إذا تغلبوا على أهل قرية؛ ليزرعوا الهيبة والرعب في النفوس.
٣٥ - وإني مرسلة إلى صاحب الكتاب وقومه هدية، وأنظر ماذا تأتي به الرسل بعد إرسال هذه الهدية.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إنكار الهدهد على قوم سبأ ما هم عليه من الشرك والكفر دليل على أن الإيمان فطري عند الخلائق.
• التحقيق مع المتهم والتثبت من حججه.
• مشروعية الكشف عن أخبار الأعداء.
• من آداب الرسائل افتتاحها بالبسملة.
• إظهار عزة المؤمن أمام أهل الباطل أمر مطلوب.
стр. 387
٣٦ - فلما جاء رسولها ومن معه من أعوانه يحملون الهدية إلى سليمان أنكر عليهم سليمان إرسال الهدية قائلًا: أتمدونني بالأموال لتثنوني عنكم، فما أعطاني الله من النبوة والملك والمال خير مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بما يُهْدَى إليكم من حطام الدنيا.
٣٧ - قال سليمان ﵇ لرسولها: ارجع إليهم بما جئت من هدية، فلنأتينها وقومها بجنود لا طاقة لهم بمواجهتهم، ولنخرجنهم من سبأ وهم أذلة مهانون بعد ما كانوا فيه من العزة إن لم يأتوني منقادين.
٣٨ - قال سليمان ﵇ مخاطبًا أعيان أهل ملكه: يا أيها الملأ، أيكم يأتيني بسرير ملكها قبل أن يأتوني منقادين؟
٣٩ - أجابه مارد من الجن قائلًا: أنا آتيك بسريرها قبل أن تقوم من مجلسك هذا الَّذي أنت فيه، وإني لقوي على حمله أمين على ما فيه، فلن أنقص منه شيئًا.
٤٠ - قال رجل صالح عالم عند سليمان، عنده علم من الكتاب، ومن ضمنه اسم الله الأعظم الَّذي إذا دعي به أجاب: أنا آتيك بسريرها قبل أن ترمش عينك؛ بأن أدعو الله فيأتي به، فدعا فاستجاب الله له دعاءه فلما رأى سليمان سريرها مستقرًّا عنده قال: هذا من فضل ربي سبحانه؛ ليختبرني أأشكر نعمه أم أكفرها؟ ومن شكر الله فإنما نَفْع شكره عائد إليه، فالله غني لا يزيده شكر العباد، ومن جحد نعم الله فلم يشكره له فإن ربي غني عن شكره كريم، ومن كرمه إفضاله على من يجحدها.
٤١ - قال سليمان ﵇: غيِّروا لها سرير ملكها عن هيئته التي كان عليها ننظر: هل تهتدي إلى معرفة أنَّه سريرها، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفة أشيائهم؟
٤٢ - فلما جاءت ملكة سبأ إلى سليمان قيل لها اختبارًا لها: أهذا مثل عرشك؟ فأجابت طبق السؤال: كأنه هو، فقال سليمان: وأعطانا الله العلم من قبلها لقدرته على مثل هذه الأمور، وكنا منقادين لأمر الله مطيعين له.
٤٣ - وصرفها عن توحيد الله ما كانت تعبد من دون الله اتباعًا لقومها، وتقليدًا لهم، إنها كانت من قوم كافرين بالله، فكانت كافرة مثلهم.
٤٤ - قيل لها: ادخلي الصرح وهو كهيئة السطح، فلما رأته ظنته ماءً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، قال سليمان ﵇: إنه صرح مُمَلَّس من زجاج، ودعاها إلى الإسلام، فأجابته إلى ما دعاها إليه قائلة: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك معك، وانقدت مع سليمان لله رب المخلوقات جميعها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عزة الإيمان تحصّن المؤمن من التأثر بحطام الدنيا.
• الفرح بالماديات والركون إليها صفة من صفات الكفار.
• يقظة شعور المؤمن تجاه نعم الله.
• اختبار ذكاء الخصم بغية التعامل معه بما يناسبه.
• إبراز التفوق على الخصم للتأثير فيه.
стр. 388
٤٥ - ولقد بعثنا إلى ثمود أخاهم في النسب صالحًا ﵇ أن اعبدوا الله وحده، فإذا هم بعد دعوته إياهم طائفتان: طائفة مؤمنة، وأخرى كافرة يتنازعون أيهم على الحق.
٤٦ - قال لهم صالح ﵇: لِمَ تطلبون تعجيل العذاب قبل الرحمة؟ هلَّا تطلبون المغفرة من الله لذنوبكم رجاء أن يرحمكم.
٤٧ - قال له قومه في تَعنُّت عن الحق: تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين، قال لهم صالح ﵇: ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره، عند الله علمه لا يخفى عليه منه شيء، بل أنتم قوم تُخْتبرون بما يبسط لكم من الخير وبما ينالكم من الشر.
٤٨ - كان في مدينة الحِجْر تسعة رجال يفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا يصلحون فيها بالإيمان والعمل الصالح.
٤٩ - قال بعضهم لبعض: ليحلف كل واحد منكم بالله لنأتينه في بيته ليلًا، فلنقتلنهم، ثم لنقولن لولي دمه: ما حضرنا قتل صالح وأهله، وإنا لصادقون فيما قلنا.
٥٠ - ودبَّروا مكيدة خفية لإهلاك صالح وأتباعه من المؤمنين، ومكرنا مكرًا لنصره وإنجائه من مكرهم وإهلاك الكافرين من قومه، وهم لا يعلمون بذلك.
٥١ - فتأمل -أيها الرسول- كيف كان مآل تدبيرهم ومكرهم؟ أنّا استأصلناهم بعذاب من عندنا فهلكوا عن آخرهم.
٥٢ - فتلك بيوتهم قد انهدمت جدرانها على سقوفها، وبقيت خالية من أهلها بسبب ظلمهم، إنَّ فيما أصابهم من العذاب بسبب ظلمهم لعبرة لقوم يؤمنون، فهم الذين يعتبرون بالآيات.
٥٣ - وأنقذنا الذين آمنوا بالله من قوم صالح ﵇، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٥٤ - واذكر -أيها الرسول- لوطًا حين قال لقومه موبخًا إياهم ومنكرًا عليهم: أتأتون الخصلة القبيحة -وهي اللواط- في أنديتكم جهارًا يبصر بعضكم بعضًا؟!
٥٥ - أئنكم لتأتون الرجال على سبيل الاشتهاء دون النساء، لا تريدون إعفافًا ولا ولدًا، وإنما قضاء شهوة بهيمية، بل أنتم قوم تجهلون ما يجب عليكم من الإيمان والطهر والبعد عن المعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستغفار من المعاصي سبب لرحمة الله.
• التشاؤم بالأشخاص والأشياء ليس من صفات المؤمنين.
• عاقبة التمالؤ على الشر والمكر بأهل الحق سيئة.
• إعلان المنكر أقبح من الاستتار به.
• الإنكار على أهل الفسوق والفجور واجب.
стр. 389
٥٦ - فما كان لقومه من جواب إلا قولهم: أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتنزهون عن الأقذار والأنجاس، قالوا ذلك استهزاءً بآل لوط الذين لا يشاركونهم فيما يرتكبونه من الفواحش، بل ينكرون عليهم ارتكابها.
٥٧ - فسلَّمناه وسلَّمنا أهله، إلا امرأته حكمنا عليها أن تكون من الباقين في العذاب لتكون من الهالكين.
٥٨ - وأمطرنا عليهم حجارة من السماء، فكان مطرًا سيئًا مهلكًا لمن خُوِّفُوا بالعذاب ولم يستجيبوا.
٥٩ - قل -أيها الرسول-: الحمد لله على نعمه، وأمان منه من عذابه الَّذي عذب به قوم لوط وصالح لأصحاب النبي ﷺ ، الله المعبودُ بحقٍّ الَّذي بيده ملكوت كل شيء خير أم ما يعبده المشركون من معبودات لا تملك نفعًا ولا ضرًّا؟!
٦٠ - أم من خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنزل لكم -أيها الناس- من السماء ماء المطر، فأنبتنا لكم به حدائق ذات حسن وجمال، ما كان لكم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق لعجزكم عن ذلك، فالله هو الَّذي أنبتها، أمعبود فعل هذا مع الله؟! لا، بل هم قوم ينحرفون عن الحق فَيُسَوُّون الخالق بالمخلوقين ظلمًا.
٦١ - أَمْ مَنْ صيّر الأرض مستقرّة ثابتة لا تضطرب بمن عليها، وصيّر داخلها أنهارًا تجري، وصير لها جبالًا ثوابت، وصيّر بين البحرين: المالِح والعذب فاصلًا يمنع اختلاط المالح بالعذب حتَّى لا يفسده، فلا يصلح للشرب، أمعبود فعل ذلك مع الله؟! لا، بل معظمهم لا يعلمون، ولو كانوا يعلمون لما أشركوا بالله أحدًا من مخلوقاته.
٦٢ - أَمْ مَنْ يجيب من ضاق عليه أمره واشتدّ إذا دعاه، ويرفع ما يقع بالإنسان من مرض وفقر وغيرهما، ويصيّركم خلفاء في الأرض يخلف بعضكم بعضًا جيلًا بعد جيل، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! لا، قليلًا ما تتعظون وتعتبرون.
٦٣ - أمْ مَنْ يهديكم في ظلمات البر وظلمات البحر بما ينصبه لكم من معالم ونجوم، ومن يبعث الرياح مبشرات بقرب نزول المطر الَّذي يرحم به عباده، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! تنزه الله، وتقدس عما يشركون به من مخلوقاته.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لجوء أهل الباطل للعنف عندما تحاصرهم حجج الحق.
• رابطة الزوجية دون الإيمان لا تنفع في الآخرة.
• ترسيخ عقيدة التوحيد من خلال التذكير بنعم الله.
• كل مضطر من مؤمن أو كافر فإن الله قد وعده بالإجابة إذا دعاه.
стр. 390
٦٤ - أم من يبدأ الخلق في الأرحام مرحلة بعد مرحلة، ثم يحييه بعدما يميته، ومن يرزقكم من السماء بالمطر المنزل من جهته، ويرزقكم من الأرض بالنبات الَّذي ينبته فيها! أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هاتوا حججكم على ما أنتم عليه من الشرك، إن كنتم صادقين فيما تدعونه من أنكم على حق.
٦٥ - قل -أيها الرسول-: لا يعلم الغيب من في السماوات من الملائكة، ولا من في الأرض من الناس، لكن الله هو الَّذي يعلمه، وما يعلم جميع من في السماوات ومن في الأرض متى يُبْعثون للجزاء إلا الله.
٦٦ - أم هل تتابع علمهم بالآخرة فأيقنوا بها؟ لا، بل هم في شك وحيرة من الآخرة، بل قد عميت بصائرهم عنها.
٦٧ - وقال الذين كفروا مستنكرين: أإذا متنا وكنا ترابًا أيمكن أن نُبْعَثَ أحياء؟
٦٨ - لقد وُعِدْنا نحن، ووُعِدَ آباؤنا من قبل أننا نبعث جميعًا، فلم نر تحقيقًا لذلك الوعد، ما هذا الوعد الَّذي وُعِدناه جميعًا إلا أكاذيب الأولين التي دونوها في كتبهم.
٦٩ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: سيروا في أي جهة من الأرض فتأملوا كيف كانت نهاية المجرمين المكذبين بالبعث، فقد أهلكناهم لتكذيبهم به.
٧٠ - ولا تحزن بسبب إعراض المشركين عن دعوتك، ولا يضق صدرك من كيدهم فالله ناصرك عليهم.
٧١ - ويقول الكفار المنكرون للبعث من قومك: متى يتحقق ما تعدنا به أنت والمؤمنون من العذاب إن كنتم صادقين فيما تدعونه من ذلك؟
٧٢ - قل لهم -أيها الرسول-: عسى أن يكون اقترب لكم بعض ما تستعجلون به من العذاب.
٧٣ - وإن ربك -أيها الرسول- لذو فضل على الناس حيث يترك معاجلتهم بالعقوبة مع ما هم عليه من الكفر والمعاصي، ولكن معظم الناس لا يشكرون الله على ما ينعم به عليهم.
٧٤ - وإن ربك ليعلم ما تضمر قلوب عباده وما يظهرونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيهم عليه.
٧٥ - وما من شيء غائب عن الناس في السماء، ولا غائب عنهم في الأرض إلا هو في كتاب مبين وهو اللوح المحفوظ.
٧٦ - إن هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ يقصّ علي بني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه، ويكشف انحرافاتهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• علم الغيب مما اختص به الله فادعاؤه كفر.
• الاعتبار بالأمم السابقة من حيث مصيرها وأحوالها طريق النجاة.
• إحاطة علم الله بأعمال عباده.
• تصحيح القرآن لانحرافات بني إسرائيل وتحريفهم لكتبهم.
следующие страницы →