Полный текст (612 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٥٢ - وناديناه من جانب الجبل الأيمن بالنسبة لموقع موسى ﵇، وقرّبناه مناجيًا، حيث أسمعه الله كلامه.
٥٣ - وأعطيناه -من رحمتنا وإنعامنا عليه- أخاه هارون ﵇ نبيًّا؛ استجابة لدعائه حين سأل ربه ذلك.
٥٤ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر إسماعيل ﵇، إنه كان صادق الوعد، لا يَعِدُ وعدًا إلا وَفَى به، وكان رسولًا نبيًّا.
٥٥ - وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة، وبإعطاء الزكاة, وكان عند ربه مرضيًّا.
٥٦ - واذكر -أيها الرسول- في القرآن المنزل عليك خبر إدريس ﵇, إنه كان كثير الصدق والتصديق بآيات ربه، وكان نبيًّا من أنبياء الله.
٥٧ - ورفعنا ذكره بما أعطيناه من النبوة، فكان عالي المنزلة.
٥٨ - أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداءً بزكريا وختامًا بإدريس ﵇، هم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة من أبناء آدم ﵇، ومن أبناء من حملنا في السفينة مع نوح ﵇، ومن أبناء إبراهيم وأبناء يعقوب ﵇، وممن وفقنا للهداية إلى الإِسلام، واصطفيناهم وجعلناهم أنبياء، كانوا إذا سمعوا آيات الله تقرأ سجدوا لله باكين من خشيته.
٥٩ - فجاء من بعد هؤلاء الأنبياء المصطفين أتباع سوء وضلال، ضيعوا الصلاة، فلم يأتوا بها على الوجه المطلوب، وارتكبوا ما تشتهيه أنفسهم من المعاصي كالزنى، فسوف يلقون شرًّا في جهنم وخيبة.
٦٠ - إلا من تاب من تقصيره وتفريطه، وآمن بالله وعمل عملًا صالحًا فأولئك الموصوفون بهذه الصفات يدخلون الجنة، ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئًا ولو قلّ.
٦١ - جنات إقامة واستقرار التي وعد الرحمن عباده الصالحين بالغيب أن يدخلهم فيها، وهم لم يروها فآمنوا بها، فوعْد الله بالجنة -وإن كان غيبًا- آت لا محالة.
٦٢ - لا يسمعون فيها فضولًا, ولا كلامَ فحش، بل يسمعون سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة عليهم، ويأتيهم ما يشتهون من الطعام فيها صباحًا ومساءً.
٦٣ - هذه الجنّة الموصوفة بهذه الصفات هي التي نورثها من عبادنا من كان ممتثلًا للأوامر، مجتنبًا للنواهي.
ولما ذكر سبحانه ثواب المتقين ذكر أن التقوى هي الوقوف مع أمره، فقال:
٦٤ - وقيل -يا جبريل- لمحمد ﷺ : إن الملائكة لا تتنزل من تلقاء أنفسها، وإنما تتنزّل بأمر الله، لله ما نستقبله من أمر الآخرة، وما خلّفناه من أمر الدنيا، وما بين الدنيا والآخرة, وما كان ربك -أيها الرسول- ناسيًا شيئًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حاجة الداعية دومًا إلى أنصار يساعدونه في دعوته.
• إثبات صفة الكلام لله تعالى.
• صدق الوعد محمود، وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخُلْف مذموم.
• إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله.
стр. 317
٦٥ - خالق السماوات وخالق الأرض، ومالكهما ومدبر أمرهما، وخالق ما بينهما ومالكه ومدبره، فاعبده وحده، فهو المستحق للعبادة، واثبت على عبادته، فليس له مثيل ولا نظير يشاركه في العبادة.
٦٦ - ويقول الكافر المنكر للبعث؛ استهزاء: أإذا متّ فإني سوف أخرج من قبري حيًّا حياة ثانية؟! إن هذا لبعيد.
٦٧ - أَوَلا يتذكر هذا المنكر للبعث أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئًا؟! فيستدلّ بالخلق الأول على الخلق الثاني، مع أن الخلق الثاني أسهل وأيسر.
٦٨ - فوربّك -أيها الرسول- لنخرجنّهم من قبورهم إلى المحشر مصحوبين بشياطينهم الذين أضلّوهم، ثم لنسوقنّهم إلى أبواب جهنم أذلاء، باركين على ركبهم.
٦٩ - ثم لنجذبنّ بشدة وعنف من كل طائفة من طوائف الضلال أشدهم عصيانًا، وهم قادتهم.
٧٠ - ثم لنحن أعلم بالذين هم أحقّ بدخول النار ومقاساة حرّها ومعاناته.
٧١ - وما منكم -أيها الناس- أحد إلا سيعبر فوق الصراط المضروب على متن جهنم، كان هذا العبور قضاء مُبْرَمًا قضاه الله، فلا رادّ لقضائه.
٧٢ - ثم بعد هذا العبور على الصراط نسلّم الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ونترك الظالمين باركين على ركبهم، لا يستطيعون الفرار منها.
٧٣ - وإذا تُقْرأ على الناس آياتنا المنزلة على رسولنا واضحات قال الكفار للمؤمنين: أيُّ فريقينا خير إقامة ومسكنا، وأحسن مجلسًا ومجتمعًا: فريقنا أم فريقكم؟!
٧٤ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء الكفار المفتخرين بما هم فيه من تفوّق مادي، هي أحسن منهم أموالًا، وأحسن منظرًا لنفاسة ثيابهم، وتنعّم أبدانهم.
٧٥ - قل -أيها الرسول-: من كان يتخبّط في ضلاله فسيمهله الرحمن حتى يزداد ضلالًا، حتى إذا عاينوا ما كانوا يوعدون به من العذاب المعجل في الدنيا، أو المؤجَّل يوم القيامة فسيعلمون حينئذ من هو شر منزلًا وأقل ناصرا، أهو فريقهم أم فريق المؤمنين؟
٧٦ - ومقابل الإمهال أو لئك حتى يزدادوا ضلالًا، يزيد الله الذين اهتدوا إيمانًا وطاعة، والأعمال الصالحات المؤدّية إلى السعادة الأبدية أنفع عند ربك -أيها الرسول- جزاء، وخير عاقبة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• على المؤمنين الاشتغال بما أمروا به والاستمرار عليه في حدود المستطاع.
• وورد جميع الخلائق عَلى النار -أي: المرور على الصراط، لا الدخول في النار- أمر واقع لا محالة.
• أن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام.
• من كان غارقًا في الضلالة متأصلًا في الكفر يتركه الله في طغيان جهله وكفره، حتى يطول اغترار، فيكون ذلك أشد لعقابه.
• يثبّت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقًا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سببًا لزيادة اليقين مجازاةً لهم.
стр. 318
٧٧ - أفرأيت -أيها الرسول- الذي كفر بحججنا، وأنكر وعيدنا، وقال: إن متّ، وبعثت لأعطَينّ مالًا كثيرًا وأولادًا.
٧٨ - أَعَلِم الغيب فقال ما قال عن بينة؟! أم جعل عند ربه عهدًا ليدخلنّه الجنة، ويعطينه مالًا وأولادًا؟!
٧٩ - ليس الأمر كما زعم، سنكتب ما يقوله وما يعمله، ونزيده عذابًا فوق عذابه لما يدّعيه من الباطل.
٨٠ - ونرث ما تركه من مال وولد بعد إهلاكنا له، ويجيئنا يوم القيامة فردًا قد سلب منه ما كان يتمتّع به من مال ومن جاء.
٨١ - واتّخذ المشركون لهم معبودين من دون الله؛ ليكونوا لهم ظهيرًا ومعينًا ينتصرون بهم.
٨٢ - ليس الأمر كما زعموا، فهذه المعبودات التي يعبدونها من دون الله ستجحد عبادة المشركين لها يوم القيامة، وتتبرأ منهم، وتكون لهم أعداء.
٨٣ - ألم تر -أيها الرسول- أنا بعثنا الشياطين، وسلطناهم على الكفار تهيجهم إلى فعل المعاصي والصد عن دين الله تهييجًا؟
٨٤ - فلا تعجل -أيها الرسول- بطلب الله أن يعجّل هلاكهم، إنما نحصي أعمارهم إحصاء، حتى إذا انتهى وقت إمهالهم عاقبناهم بما يستحقّون.
٨٥ - واذكر -أيها الرسول- يوم القيامة يوم نجمع المتقين ربهم -بامتثال أوامره واجتناب نواهيه- إلى ربهم وفدًا مكرمين مُعَزَّزين.
٨٦ - ونسوق الكفار إلى جهنم عطاشًا.
٨٧ - لا يملك هؤلاء الكفار الشفاعة لبعضهم إلا من اتّخذ عند الله في الدنيا عهدًا بالإيمان به وبرسله.
٨٨ - وقال اليهود والنصارى وبعض المشركين: اتخذ الرحمن ولدًا.
٨٩ - لقد جئتم -أيها القائلون بهذا- شيئًا عظيمًا.
٩٠ - تكاد السماوات تتشقّق من هذا القول المنكر، وتكاد الأرض تتصاع، وتكاد الجبال تسقط منهدمة.
٩١ - كل ذلك من أجل أن نسبوا للرحمن ولدًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
٩٢ - وما يستقيم أن يتخذ الرحمن ولدًا لتنزّهه عن ذلك.
٩٣ - إن كل من في السماوات من الملائكة والإنس والجن إلا يأتي ربه يوم القيامة خاضعًا.
٩٤ - لقد أحاط بهم علمًا، وعدهم عدًّا، فلا يخفى عليه منهم شيء.
٩٥ - وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردًا لا ناصر له ولا مال.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تدل الآيات على سخف الكافر وسَذَاجة تفكيره، وتَمَنِّيه الأماني المعسولة، وهو سيجد نقيضها تمامًا في عالم الآخرة.
• سلّط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر، والإخراج من الطاعة إلى المعصية.
• أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون بإذن الله يوم القيامة.
стр. 319
٩ ٦ - إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات المرضية عند الله، سيجعل لهم الله محبة بحبه إياهم، وبتحبيبهم إلى عباده.
٩ ٧ - فإنما يسرنا هذا القرآن بإنزاله بلسانك -أيها الرسول- من أجل أن تبشّر به المتقين الذين يمتثلون أوامري، ويجتنبون نواهي، وتخوّف به قومًا أشداء في الخصومة والمكابرة في الإذعان للحق.
٩ ٨ - وما أكثر الأمم التي أهلكناها من قبل قومك، فهل تشعر اليوم بأحد من تلك الأمم؟! وهل تسمع لهم صوتًا خفيًّا؟! فما أصابهم قد يصيب غيرهم حين يأذن الله.
سورة طه
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تقوية النبي ﷺ لحمل الرسالة والصبر عليها.
[التَّفْسِيرُ]
١ - ﴿طه﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
٢ - ما أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن ليكون سببًا في إرهاق نفسك أسفًا على إعراض قومك عن الإيمان بك.
٣ - ما أنزلناه إلا ليكون تذكيرًا لمن وفقهم الله لخشيته.
٤ - نزّله الله الذي خلق الأرض، وخلق السماوات المرتفعة، فهو قرآن عظيم؛ لأنه منزل من عند عظيم.
٥ - الرحمن علا وارتفع على العرش علوًّا يليق بجلاله .
٦ - له سبحانه وحده ما في السماوات وما في الأرض وما تحت التراب من مخلوقات، خلقًا وملكًا وتدبيرًا.
٧ - وإن تعلن -أيها الرسول- القول، أو تخفه فإنه سبحانه يعلم ذلك كله، فهو يعلم السر وما هو أخفى من السر مثل خواطر النفس، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
٨ - الله لا معبود بحق غيره, له وحده الأسماء البالغة الكمال في الحسن.
ولما كان النبي ﷺ يعاني من قومه الإعراض، جاءت تسليته بقصة موسى ﵇، فقال سبحانه:
٩ - ولقد جاءك -أيها الرسول- خبر موسى بن عمران ﵇.
١٠ - حين عاين في سفره نارًا، فقال لأهله: أقيموا في مكانكم هذا، إني أبصرت نارًا لعلي آتيكم من هذه النار بشعلة، أو أجد من يهديني إلى الطريق.
١١ - فلما جاء النار ناداه الله سبحانه بقوله: يا موسى.
١٢ - إني أنا ربك فانزع نعليك استعدادًا لمناجاتي، إنك بالوادي المُطَهَّر (طُوَى).
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم.
• قَرَن الله بين الخلق والأمر، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة؛ فكذلك لا يأمر ولا ينهى إلا بما هو عدل وحكمة.
• على الزوج واجب الإنفاق على الأهل (المرأة) من غذاء وكساء ومسكن ووسائل تدفئة وقت البرد.
стр. 320
١٣ - وأنا اصطفيتك -يا موسى- لتبليغ رسالتي، فاستمع لما أوحيه إليك.
١٤ - إنني أنا الله لا معبود بحق غيري، فاعبدني وحدي، وأدّ الصلاة على أكمل وجه لتذكُرني فيها.
١٥ - إن الساعة آتية لا محالة وواقعة، أكاد أخفيها فلا يعلم وقتها مخلوق، ولكن يعرفون علاماتها بإخبار النبي لهم؛ لكي تُجَازَى كل نفس بما عملته، خيرًا كان أو شرًّا.
١٦ - فلا يصرفنّك عن التصديق بها والاستعداد لها بالعمل الصالح من لا يؤمن بها من الكفار، واتبع ما تهواه نفسه من المحرمات، فتهلك بسبب ذلك.
١٧ - وما تلك التي بيدك اليمنى يا موسى؟
١٨ - قال موسى ﵇: هي عصاي؛ أعتمد عليها في المشي، وأخبط بها الشجر ليسقط ورقها لغنمي، ولي فيها منافع غير ما ذكرت.
١٩ - قال الله: ألقها يا موسى.
٢٠ - فألقاها موسى، فانقلبت حية تمشي بسرعة وخفة.
٢١ - قال الله لموسى ﵇: خذ العصا, ولا تخف من انقلابها حية، سنعيدها إذا أخذتها إلى حالتها الأولى.
٢٢ - واضمم يدك إلى جنبك تخرج بيضاء من غير برص؛ علامة ثانية لك.
٢٣ - أريناك هاتين العلامتين لنريك -يا موسى- من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا، وعلى أنك رسول من عند الله.
٢٤ - سر -يا موسى- إلى فرعون، فإنه تجاوز الحد في الكفر والتمرد على الله.
٢٥ - قال موسى ﵇: رب، وسّع لي صدري لأتحمّل الأذى.
٢٦ - وسهّل لي أمري.
٢٧ - وأقدرني على النطق بالفصيح من الكلام.
٢٨ - ليفهموا كلامي إذا بلّغتهم رسالتك.
٢٩ - واجعل لي معينًا من أهلي يعينني في أموري.
٣٠ - هارون بن عمران أخي.
٣١ - قوِّ به ظهري.
٣٢ - واجعله شريكًا لي في الرسالة.
٣٣ - لكي نسبحك تسبيحا كثيرًا.
٣٤ - ونذكرك ذكرًا كثيرًا.
٣٥ - إنك كنت بنا بصيرًا لا يخفى عليك شيء من أمرنا.
٣٦ - قال الله: قد أعطيناك ما طلبت يا موسى.
٣٧ - ولقد أنعمنا عليك مرة أخرى.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب حسن الاستماع في الأمور المهمة، وأهمها الوحي المنزل من عند الله.
• اشتمل أول الوحي إلى موسى على أصلين في العقيدة وهما: الإقرار بتوحيد الله، والإيمان بالساعة (القيامة)، وعلى أهم فريضة بعد الإيمان وهي الصلاة.
• التعاون بين الدعاة ضروري لإنجاح المقصود؛ فقد جعل الله لموسى أخاه هارون نبيًّا ليعاونه في أداء الرسالة.
• أهمية امتلاك الداعية لمهارة الإفهام للمدعوِّين.
стр. 321
٣٨ - إذ ألهمنا أمك ما ألهمناها مما حفظك الله به من مكر فرعون.
٣٩ - فقد أمرناها حين ألهمناها: أن ارميه بعد ولادته في الصندوق، واطرحي الصندوق في البحر، فسيطرحه البحر بالشاطن بأمر منّا، فيأخذه عدو لي وله، وهو فرعون، ووضعت عليك محبّة منّي، فأحبّك الناس، ولتتربى على عيني وفي حفظي ورعايتي.
٤٠ - إذ خرجت أختك تسير كما سار التابوت تتابعه، فقالت لمن أخذوه: هل أرْشِدكم إلى من يحفظه ويرضعه ويربيه؟ فمننّا عليك بإرجاعك إلى أمّك لتسرّ برجوعك إليها, ولا تحزن من أجلك، وقتلت القِبْطِي الذي وَكَزْتَه، فمننّا عليك به. نجائك من العقوبة، وخلصناك مرة بعد مرة من كل امتحان تعرّضت له، فخرجت ومكثت أعوامًا في أهل مَدْين، ثم أتيت في الوقت الذي قُدِّر لك أن تأتي فيه لتكليمك يا موسى.
٤١ - واخترتك لتكون رسولًا عنّي تبلّغ الناس ما أوحيت به إليك.
٤٢ - اذهب أنت -يا موسى- وأخوك هارون، بآياتنا الدالة على قدرة الله ووحدانيته، ولا تضعفا عن الدعوة إليّ، وعن ذكري.
٤٣ - اذهبا إلى فرعون، فإنه تجاوز الحد في الكفر والتمرّد على الله.
٤٤ - فقولا له قولًا لطيفًا لا عنف فيه؛ رجاء أن يتذكر، ويخاف الله فيتوب.
٤٥ - قال موسى وهارون ﵇: إننا نخاف أن يعجّل بالعقوبة قبل إتمام دعوته، أو أن يتجاوز الحد في ظلمنا بالقتل أو غيره.
٤٦ - قال الله لهما: لا تخافا؛ إنني معكما بالنصر والتأييد، أسمع وأرى ما يحدث بينكما وبينه.
٤٧ - فأتياه، فقولا له: إنا رسولا ربك -يا فرعون- فابعث معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، قد أتيناك ببرهان من ربك على صدقنا، والأمان من عذابِ الله لمن آمن، واتبع هدى الله.
٤٨ - إنا قد أوحى الله إلينا أن العذاب في الدنيا والآخرة على من كذّب بآيات الله، وأعرض عما جاءت به الرسل.
٤٩ - قال فرعون منكرًا لما جاءا به: فمن ربكما الذي زعمتما أنه أرسلكما إلي يا موسى؟
٥٠ - قال موسى: ربنا هو الذي أعطى كل شيء صورته وشكله المناسب له، ثم هدى المخلوقات لما خلقها له.
٥١ - قال فرعون: فما شأن الأمم السابقة التي كانت على الكفر؟
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كمال اعتناء الله بكليمه موسى ﵇ والأنبياء والرسل , ولورثتهم نصيب من هذا الاعتناء على حسب أحوالهم مع الله.
• من الهداية العامة للمخلوقات أن تجد كل مخلوق يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عن نفسه.
• بيان فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضُمِنَت له العصمة.
• الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل.
стр. 322
٥٢ - قال موسى ﵇ لفرعون: عِلْمُ ما كانت عليه تلك الأمم عند ربي، مثبت في اللوح المحفوظ، لا يخطئ ربي في علمها, ولا ينسى ما علمه منها.
٥٣ - عند ربي الذي صيَّر لكم الأرض مُمَهَّدة للعيش عليها، وجعل لكم فيها طرقًا صالحة للسير عليها، وأنزل من السماء ماء المطر، فأخرجنا بذلك الماء أصنافًا من النباتات مختلفة.
٥٤ - كلوا -أيها الناس- مما أخرجنا لكم من الطيبات، وارعوا أنعامكم، إن في ذلك المذكور من النعم لدلائل على قدرة الله ووحدانيته لأصحاب العقول.
٥٥ - من تراب الأرض خلقنا أباكم آدم ﵇، وفيها نرجعكم بالدفن إذا مُتم، ومنها نخرجكم مرة أخرى للبعث يوم القيامة.
٥٦ - ولقد أظهرنا لفرعون آياتنا التسع كلها، وشاهدها فكذّب بها، وامتنع أن يستجيب إلى الإيمان باللهِ.
٥٧ - قال فرعون: أجئتنا لتخرجنا من مصر بما جئت به من السحر -يا موسى- ليبقى لك ملكها؟
٥٨ - فلنأتينّك -يا موسى- بسحر مثل سحرك، فاجعل بيننا وبينك موعدًا في زمان معلوم ومكان محدد، لا نتخلّف نحن ولا تتخلف أنت عنه، وليكن المكان وسطًا بين الفريقين معتدلًا.
٥٩ - قال موسى ﵇ لفرعون: الموعد بيننا وبينكم يوم العيد حيث يجتمع الناس محتفلين بعيدهم ضحى.
٦٠ - فأدبر فرعون منصرفًا، وجمع مَكْرَهُ وحِيَلَه، ثم جاء في الزمان والمكان المحددين للمُغَالبة.
٦١ - قال موسى يعظ سحرة فرعون: احذروا، لا تختلقوا على الله كذبًا بما تخدعون به الناس من السحر فيستأصلكم بعذاب من عنده، وقد خسر من اختلق على الله الكذب.
٦٢ - فتناظر السحرة لما سمعوا كلام موسى ﵇، وتناجوا بينهم سرا.
٦٣ - قال بعض السحرة لبعضهم سرا: إن موسى وهارون ساحران، يريدان أن يخرجاكم من مصر بسحرهما الذي جاءا به، ويذهبا بسُنَّتكم العليا في الحياة، ومذهبكم الأرقى.
٦٤ - فاحكموا أمركم, لا تختلفوا فيه، ثم تقدموا مُصْطَفين، وارموا ما عندكم دفعة واحدة، وقد ظفر بالمطلوب اليوم من غلب خصمه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إخراج أَصناف من النبات المختلفة الأنواع والألوان من الأرض دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجود الصانع.
• ذكرت الآيات دليلين عقليين واضحين على الإعادة: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها وإيجادهم.
• كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى الآيات عيانا لا خبرًا، واقتنع بها في أعماق نفسه.
• اختار موسى يوم العيد؛ لتعلو كلمة الله، ويظهر دينه، ويكبت الكفر، أمام الناس قاطبة في "المجمع العام ليَشِيع الخبر.
стр. 323
٦٥ - قال السحرة لموسى ﵇: يا موسى، اختر أحد أمرين: أن تكون البادئ به. لقاء ما لديك من سحر، أو نكون نحن البادئين بذلك.
٦٦ - قال موسى ﵇: بل اطرحوا أنتم ما لديكم أوّلًا، فطرحوا ما عندهم، فإذا حبالهم وعصيهم التي طرحوها يُخَيّل إلى موسى من سحرهم أنها ثعابين تتحرك بسرعة.
٦٧ - فأسرّ موسى في نفسه الخوف مما صنعوا.
٦٨ - قال الله لموسى ﵇ مطمئنًا إياه: لا تخف مما خُيِّل إليك، إنك -يا موسى- أنت المُسْتَعْلِي عليهم بالغلبة والنصر.
٦٩ - واطرح العصا التي بيدك اليمنى تنقلب حية تبتلع ما صنعوه من السحر، فما صنعوه ليس إلا كيدا سحريًّا, ولا يظفر الساحر بمطلوب أين كان.
٧٠ - فطرح موسى عصاه فانقلبت حية، وابتلعت ما صنعه السحرة، فسجد السحرة لله لما علموا أن ما عند موسى ليس سحرًا، إنما هو من عند الله، قالوا: آمنا برب موسى وهارون، رب جميع المخلوقات.
٧١ - قال فرعون منكِرًا على السحرة إيمانهم ومتوعّدًا: هل آمنتم بموسى قبل أن آذن لكم بذلك؟! إن موسى لهو رئيسكم -أيها السحرة- الذي علّمكم السحر، فلأقطّعنّ من كل واحد منكم رِجْلًا ويدا مخالفا بين جهتيهما, ولأصلّبنّ أبدانكم على جذوع النخل حتى تموتوا، وتكونوا عبرة لغيركم، ولتعلمنّ عند ذلك أينا أقوى عذابًا، وأدوم: أنا أو رب موسى؟!
٧٢ - السحرة لفرعون: لن نفضّل اتّباعك -يا فرعون- على اتباع ما جاءنا من الآيات الواضحات، ولن نفضّلك على الله الذي خلقنا، فاصنع ما أنت صانع بنا، مالك سلطان علينا إلا في هذه الحياة الفانية، وسيزول سلطانك.
٧٣ - إنا آمنّا بربنا رجاء أن يمحو عنا معاصينا السالفة من الكفر وغيره، ويمحو عنا ذنب السحر الذي أجبرتنا على تعلمه وممارسته ومغالبة موسى به، والله خير جزاءً مما وعدتنا به، وأدْوَم عذابًا مما توعّدتنا به من العذاب.
٧٤ - إن الشأن والحاصل أن من يأتي ربه يوم القيامة كافرًا به أن له نار جهنم يدخلها ماكثًا فيها أبدًا، لا يموت فيها فيستريح من عذابها, ولا يحيا حياة طيبة.
٧٥ - ومن يأت ربه يوم القيامة مؤمنا به قد عمل الأعمال الصالحات فأولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة لهم المنازل الرفيعة، والدرجات العليّة.
٧٦ - تلك الدرجات هي جنات إقامة تجري الأنهار من تحت قصورها ماكثين فيها أبدًا، وذلك الجزاء المذكور جزاء كل من تطهّر من الكفر والمعاصي.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا يفوز ولا ينجو الساحر حيث أتى من الأرض أو حيث احتال، ولا يحصل مقصوده بالسحر خَيرًا كان أو شرًّا.
• الإيمان يصنع المعجزات؛ فقد كان إيمان السحرة أرسخ من الجبال، فهان عليهم عذاب الدنيا, ولم يبالوا بتهديد فرعون.
• دأب الطغاة التهديد بالعذاب الشديد لأهل الحق والإمعان في ذلك للإذلال والإهانة.
стр. 324
٧٧ - ولقد أوحينا إلى موسى: أن سر بعبادي ليلًا من مصر حتى لا يشعر بهم أحد، واجعل لهم طريقًا في البحر يابسًا بعد ضرب البحر بالعصا، آمنًا لا تخاف أن يلحق بك فرعون وملؤه, ولا تخشى من الغرق في البحر.
٧٨ - فتبعهم فرعون مصحوبًا بجنوده، فغمره وغمر جنوده من البحر ما غمرهم مما لا يعلم حقيقته إلا الله، فغرقوا جميعًا وهلكوا، ونجا موسى ومن معه.
٧٩ - وأضلّ فرعون قومه بما حسّنه لهم من الكفر، وخدعهم به من الباطل، ولم يرشدهم إلى طريق الهداية.
٨٠ - وقلنا لبني إسرائيل بعد أن أنقذناهم من فرعون وجنوده: يا بني إسرائيل، قد أنقذناكم من عدوّكم، وواعدناكم أن نكلّم موسى بالجهة اليمنى من الوادي الواقع بجانب جبل الطور، ونزّلنا عليكم في التيه من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرا صغيرًا طيب اللحم يشبه السمانى.
٨١ - كلوا من المستلذّات ممّا رزقناكم من الأطعمة الحلال، ولا تتجاوزوا ما أبحناه لكم إلى ما حرّمناه عليكم، فينزل عليكم غضبي، ومن ينزل عليه غضبي فقد هلك وشقي في الدنيا والآخرة.
٨٢ - وإني لكثير المغفرة والعفو لمن تاب إليّ وآمن، وعمل عملًا صالحًا، ثم استقام على الحق.
٨٣ - وما الذي جعلك تعجل عن قومك -يا موسى- فتتقدمهم تاركًا إياهم خلفك؟
٨٤ - قال موسى ﵇: ها هم ورائي وسيلحقونني، وسبقت قومي إليك لترضى عني بمسارعتي إليك.
٨٥ - قال الله: فإنا قد ابتلينا قومك الذين خلفتهم وراءك بعبادة العجل، فقد دعاهم إلى عبادته السامري، فأضلّهم بذلك.
٨٦ - فعاد موسى إلى قومه غضبان لعبادتهم العجل، حزينًا عليهم , قال موسى ﵇: يا قوم، أَمَا وعدكم الله وعدًا حسنًا أن ينزل عليكم التوراة، ويدخلكم الجنة، فهل طال عليكم الزمان فنسيتم؟ أم أردتم بفعلكم هذا أن ينزل عليكم غضب من ربكم، ويقع عليكم عذابه، فلذلك أخلفتم موعدي بالثبات على الطاعة حتى أرجع إليكم؟!
٨٧ - قال قوم موسى: ما أخلفنا موعدك -يا موسى- باختيار منّا، بل باضطرار، فقد حملنا أحمالًا وأثقالًا من حُلِيِّ قوم فرعون، فرميناها في حفرة للتخلص منها، فكما رميناها في الحفرة رمى السامريّ ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﵇.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من سُنَّة الله انتقامه من المجرمين بما يشفي صدور المؤمنين، ويقر أعينهم، ويذهب غيظ قلوبهم.
• الطاغية شؤم على نفسه وعلى قومه؛ لأنه يضلهم عن الرشد، وما يهديهم إلى خير ولا إلى نجاة.
• النعم تقتضي الحفظ والشكر المقرون بالمزيد، وجحودها يوجب حلول غضب الله ونزوله.
• الله غفور على الدوام لمن تاب من الشرك والكفر والمعصية، وآمن به وعمل الصالحات، ثم ثبت على ذلك حتى مات عليه.
• أن العجلة وإن كانت في الجملة مذمومة فهي ممدوحة في الدين.
стр. 325
٨٨ - فأخرج السامري من تلك الحلي لبني إسرائيل جَسَدَ عجل لا روح فيه، له صياح كصياح البقر، فقال المفتونون منهم بعمل السامري: هذا هو معبودكم ومعبود موسى، نسيه وتركه هنا.
٨٩ - أفلا يرى هؤلاء الذين فُتِنوا بالعجل فعبدوه أن العجل لا يكلمهم ولا يجيبهم، ولا يقدر على دفع ضر عنهم ولا عن غيرهم، ولا جلب نفع له، أو لغيره؟!
٩٠ - ولقد قال لهم هارون قبل رجوع موسى إليهم: ما في صياغة العجل من الذهب وخُوَارِه إلا اختبار لكم ليظهر المؤمن من الكافر، وإن ربّكم -يا قوم- هو من يملك الرحمة لا من لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا فضلًا عن أن يرحمكم، فاتبعوني في عبادته وحده, وأطيعوا أمري بترك عبادة غيره.
٩١ - قال المفتونون بعبادة العجل: لن نزال مقيمين على عبادته حتى يعود إلينا موسى.
٩٢ - قال موسى لأخيه هارون: ما الذي منعك حين رأيتهم ضلّوا بعبادة العجل من دون الله.
٩٣ - أن تتركهم وتلحق بي؟! أفعصيت أمري لك حين استخلفتك عليهم؟!
٩٤ - ولما أخذ موسى بلحية أخيه ورأسه يسحبه إليه مستنكرًا عليه صنيعه قال له هارون مستعطفا إياه: لا تمسك بلحيتي ولا بشعر رأسي، فإن لي عذرًا في بقائي معهم، فقد خفت إن تركتهم وحدهم أن يتفرّقوا، فتقول: إني فرقت بينهم، وإني لم أحفظ وصيتك فيهم.
٩٥ - قال موسى ﵇ للسامري: فما شأنك أنت يا سامري؟ وما الذي دفعك إلى ما صنعت؟
٩٦ - قال السامري لموسى ﵇: رأيت ما لم يروه، فقد رأيت جبريل على فرس، فأخذت قبضة من تراب من أثر فرسه، فطرحتها على الحلي المذاب المسبوك على صورة عجل، فنشأ عن ذلك عجل جَسَد له خُوَار، وكذلك حسّنت لي نفسي ما صنعته.
٩٧ - قال موسى ﵇ للسامري: فاذهب أنت فإن لك أن تقول ما دمت حيًّا: لا أَمَسّ ولا أُمَسّ، فتعيش منبوذًا، وإن لك موعدًا يوم القيامة تُحَاسَب فيه وتُعَاقَب، لن يخلفك الله هذا الموعد، وانظر إلى عجلك الذي اتخذته معبودك، وأقمت على عبادته من دون الله، لنشعلنّ عليه نارًا حتى ينصهر، ثم لنَذْرِينه في البحر حتى لا يبقى له أثر.
٩٨ - إنما معبودكم بحق -أيها الناس- هو الله الذي لا معبود بحق غيره، أحاط بكل شيء علمًا، فلا يفوته سبحانه علم شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خداع الناس بتزوير الحقائق مسلك أهل الضلال.
• الغضب المحمود عند انتهاكِ محارم الله.
• في الآيات أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم، وألا يُخَالَطوا.
• في الآيات وجوب التفكر في معرفة الله تعالى من خلال مفعولاته في الكون.
стр. 326
٩٩ - مثل ما قصصنا عليك -أيها الرسول- خبر موسى وفرعون، وخبر قومهما نقصّ عليك أخبار من سبقوك من الأنبياء والأمم لتكون تسلية لك، وقد أعطيناك من عندنا قرآنا يتذكر به من تذكر.
١٠٠ - من أعرض عن هذا القرآن المنزل عليك فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه؛ فإنه يأتي يوم القيامة حاملًا إثمًا عظيمًا، ومستحقًّا عقابًا أليمًا.
١٠١ - ماكثين في ذلك العذاب دائمًا، وبئس العمل الذي يحملونه يوم القيامة.
١٠٢ - يوم ينفخ المَلَك في الصور النفخة الثانية للبعث، ونحشر الكفار في ذلك اليوم زُرْقًا لتغيّر ألوانهم وعيونهم من شدة ما لاقوه من أهوال الآخرة.
١٠٣ - يتهامسون بقولهم: ما لبثتم في البَرْزَخ بعد الموت إلا عشر ليال.
١٠٤ - نحن أعلم بما يتسارون به، لا يفوتنا منه شيء، إذ يقول أوفرهم عقلا: ما لبثتم في البَرْزَخ إلا يومًا واحدًا لا أكثر.
١٠٥ - ويسألونك -أيها الرسول- عن حال الجبال يوم القيامة، فقل لهم: الجبال يقتلعها ربي من أصولها ويُذْرِيها، فتكون هباءً.
١٠٦ - فيترك الأرض التي كانت تحملها مستوية لا بناء عليها ولا نبات.
١٠٧ - لا ترى -أيها النانظر إليها- في الأرض من تمام استوائها ميلًا ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا.
١٠٨ - في ذلك اليوم يتبع الناس صوت الداعي إلى المحشر, لا معدل لهم عن اتباعه، وسكتت الأصوات للرحمن رهبة، فلا تسمع في ذلك اليوم إلا صوتا خفيًّا.
١٠٩ - في ذلك اليوم العظيم لا تنفع الشفاعة من أي شافع إلا شافعًا أذن له الله أن يشفع، ورضي قوله في الشفاعة.
١١٠ - يعلم الله سبحانه ما يستقبله الناس من أمر الساعة، ويعلم ما استدبروه في دنياهم، ولا يحيط جميع العباد بذات الله وصفاته علمًا.
١١١ - ودلّت وجوه العباد، واستكانت للحي الذي لا يموت، القائم بأمور عباده بتدبيرها وتصريفها، وقد خسر من حمل الإثم بإراده نفسه موارد الهلاك.
١١٢ - ومن يعمل الأعمال الصالحة وهو مؤمن بالله ورسله فسينال جزاءه وافيًا, ولا يخاف ظلمًا بأن يعذّب بذنب لم يفعله، ولا نقصًا لثواب عمله الصالح.
١١٣ - ومثل ما أنزلنا من قصص السابقين أنزلنا هذا القرآن بلسان عربي مبين، وبيَّنا فيه أنواع الوعيد من تهديد وتخويف؟ رجاء أن يخافوا الله، أو ينشئ لهم القرآن موعظة واعتبارًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• القرآن العظيم كله تذكير ومواعظ للأمم والشعوب والأفراد وشرف وفخر للإنسانية.
• لا تنفع الشفاعة أحدًا إلا شفاعة من أذن له الرحمن، ورضي قوله في الشفاعة.
• القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها.
• من آداب التعامل مع القرآن تلقيه بالقبول والتسليم والتعظيم، والاهتداء بنوره إلى الصراط المستقيم، والإقبال عليه بالتعلم والتعليم.
• ندم المجرمين يوم القيامة حيث ضيعوا الأوقات الكثيرة، وقطعوها ساهين لاهين، معرضين عما ينفعهم، مقبلين على ما يضرهم.
стр. 327
١١٤ - فتعالى الله وتقدّس وجَلَّ، الملك الذي له ملك كل شيء، الذي هو حق وقوله حق، تعالى عما يصفه به المشركون، ولا تسرع -أيها السول- بقراءة القرآن مع جبريل قبل أن ينهي إليك إبلاغه، وقيل: رب زدني علمًا إلى ما علّمتني.
ولما ذكر الله قصة موسى وما اشتملت عليه من إعراض فرعون وغفلة بني إسرائيل, ذكر قصة آدم ﵇ حثًّا على رجوع من نسي إلى طاعة الله فقال:
١١٥ - ولقد وصينا آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة، ونهيناه عن ذلك، وبيّنا له عاقبته، فنسي الوصية وأكل من الشجرة، ولم يصبر عنها, ولم نر له قوة عزم على حفظ ما وصيناه به.
١١٦ - واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية، فسجدوا كلهم إلا إبليس -الذي كان معهم ولم يكن منهم- امتنع من السجود تكبرًا.
١١٧ - فقلنا: يا آدم، إن إبليس عدوّ لك وعدو لزوجك، فلا يخرجنّك أنت وزوجك من الجنة بطاعته فيما يوسوس به، فتتحمّل أنت المشاقّ والمكاره.
١١٨ - إن لك على الله أن يطعمك في الجنة فلا تجوع، ويكسوك فلا تعرى.
١١٩ - وأن يسقيك فلا تعطش، ويظلك فلا يصيبك حر الشمس.
١٢٠ - فوسوس الشيطان إلى آدم، وقال له: هل أرشدك إلى شجرة مَنْ أكل منها لا يموت أبدًا، بل يبقى حيًّا مُخَلدا، ويملك ملكًا مستمرا لا ينقطع ولا ينتهي؟!
١٢١ - فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهِيا عن الأكل منها، فظهرت لهما عوراتهما بعد أن كانت مستورة، وشرَعا ينزعان من أوراق شجر الجنة، ويستران بها عوراتهما، وخالف آدم أمر ربه إذ لم يمتثل أمره باجتناب الأكل من الشجرة، فتعدّى إلى ما لا يجوز له.
١٢٢ - ثم اختاره الله وقبل توبته، ووفّقه إلى الرشاد.
١٢٣ - قال الله لآدم وحواء: انزلا من الجنة أنتما وإبليس، فهو عدو لكما وأنتما عدوان له، فإن جاءكم مني بيان لسبيلي: فمن اتبع منكم بيان سبيلي وعمل به ولم ينحرف عنه؛ فلا يضلّ عن الحق، ولا يشقى في الآخرة بالعذاب، بل يدخله الله الجنة.
١٢٤ - ومن تولّى عن ذكري ولم يقبله، ولم يستجب له فإن له معيشة ضيقة في الدنيا وفي البَرْزَخ، ونسوقه إلى المحشر يوم القيامة فاقد البصر والحجة.
١٢٥ - يقول هذا المُعْرِض عن الذكر: يا رب، لم حشرتني اليوم أعمى، وقد كنت في الدنيا بصيرًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأدب في تلقي العلم، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المُمْلِي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض.
• نسي آدم فنسيت ذريته، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم كذلك، وبادر بالتوبة فغفر الله له، ومن يشابه أباه فما ظلم.
• فضيلة التوبة؛ لأن آدم ﵇ كان بعد التوبة أحسن منه قبلها.
• المعيشة الضنك في دار الدنيا، وفي دار البَرْزَخ، وفي الدار الآخرة لأهل الكفر والضلال.
стр. 328
١٢٦ - قال الله تعالى ردًّا عليه: مثل ذلك فعلتَه في الدنيا، فقد جاءتك آياتنا فأعرضت عنها وتركتها، وكذلك فإنك تُتْرَك اليوم في العذاب.
١٢٧ - ومثل هذا الجزاء نجزي من انهمك في الشهوات المحرَّمة، وأعرض عن الإيمان بالدلائل الواضحة من ربه. ولعذاب الله في الآخرة أفظع وأقوى من المعيشة الضنْك في الدنيا والبَرْزَخ وأدوم.
١٢٨ - أفلم يتبيّن للمشركين كثرة الأمم التي أهلكناها من قبلهم، يمشون في مساكن تلك الأمم المُهْلَكة، ويعاينون آثار ما أصابهم؟ إن فيما أصاب تلك الأمم الكثيرة من الهلاك والدمار لعبرًا لأصحاب العقول.
١٢٩ - ولولا كلمة سبقت من ربك -أيها الرسول- أنه لا يعذّب أحدًا قبل إقامة الحجة عليه، ولولا أجل مُقَدَّر عنده لهم لعاجلهم العذاب؛ لاستحقاقهم إياه.
١٣٠ - فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله المكذبون بك من أوصاف باطلة، وسبّح بحمد ربك في صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وفي صلاة العصر قبل غروبها، وفي صلاة المغرب والعشاء من ساعات الليل، وفي صلاة الظهر عند الزوال بعد نهاية الطرف الأول من النهار وفي صلاة المغرب بعد نهاية الطرف الثاني منه؛ رجاء أن تنال عند الله من الثواب ما ترضى به.
١٣١ - ولا تنظر إلى ما جعلناه لأصناف هؤلاء المكذبين متعة يتمتعون بها من زهرة الحياة الدنيا لنختبرهم، فإن ما جعلناه لهم من ذلك زائل، وثواب ربّك الذي وعدك به حتى ترضى خير مما متّعهم به في الدنيا من متع زائلة وأدوم؛ لأنه لا ينقطع.
١٣٢ - وأمُرْ -أيها الرسول- أهلك بأداء الصلاة، واصطبر أنت على أدائها, لا نطلب منك رزقًا لنفسك ولا لغيرك، نحن نتكفّل برزقك، والعاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة لأصحاب التقوى الذين يخافون الله، فيمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.
١٣٣ - وقال هؤلاء الكفار المكذبون بالنبي ﷺ : هلا يأتينا محمَّد بعلامة من ربه تدلّ على صدقه وأنه رسول، أَوَلم يأت هؤلاء المكذبين القرآنُ الذي هو تصديق للكتب السماوية من قبله؟!
١٣٤ - ولو أنَّا أهلكنا هؤلاء المكذبين بالنبي ﷺ بإنزال عذاب عليهم لكفرهم وعنادهم قبل أن نرسل إليهم رسولًا، وننزل عليهم كتابًا لقالوا يوم القيامة معتذرين عن كفرهم: هلا أرسلت -ربنا- إلينا رسولًا في الدنيا، فنؤمن به ونتبع ما جاء به من آيات من قبل أن يحل بنا الهوان والخزي بسبب عذابك؟!
١٣٥ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء. المكذبين: كل واحد منّا ومنكم منتظر ما يُجْزيه الله، فانتظروا أنتم، فستعلمون -لا محالة- مَن أصحاب الطريق المستقيم، ومَن المهتدون: نحن أم أنتم؟
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من الأسباب المعينة على تحمل إيذاء المعرضين استثمار الأوقات الفاضلة في التسبيح بحمد الله.
• ينبغي على العبد إذا رأى من نفسه طموحًا إلى زينة الدنيا وإقبالًا عليها أن يوازن بين زينتها الزائلة ونعيم الآخرة الدائم.
• على العبد أن يقيم الصلاة حق الإقامة، وإذا حَزَبَهُ أمْر صلى وأمَر أهله بالصلاة، وصبر عليهم تأسيًّا بالرسول ﷺ .
• العاقبة الجميلة المحمودة هي الجنة لأهل التقوى.
стр. 329
سورة الأنبياء
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
بيان وحدة الرسالات من خلال التذكير بحال الرسل ودعوتهم الواحدة لعبادة الله وحده.
[التَّفْسِيرُ]
١ - قَرُب للناس حسابهم على أعمالهم يوم القيامة، وهم في غفلة معرضون عن الآخرة؛ لانشغالهم بالدنيا عنها.
٢ - وما يأتيهم من قرآن من ربهم حديث النزول إلا استمعوه سماعًا غير نافع، بل سماع لعب غير مبالين بما فيه.
٣ - استمعوه وقلوبهم كافلة عنه، وأخفى الظالمون بالكفرِ الحديثَ الذي يتناجون به قائلين: هل هذا الذي يدعي أنه رسول الله بشر مثلكم، لا ميزة له عنكم؟! وما جاء به سحر، أفتتبعونه وأنتم تدركون أنه بشر مثلكم، وأن ما جاء به سحر؟!
٤ - قال الرسول ﷺ : ربي يعلم ما أخفيتم من الحديث، فهو يعلم كل قول صادر من قائله في السماوات وفي الأرض، وهو السميع لأقوال عباده، العلم بأعمالهم، وسيجازيهم عليها.
٥ - بل ترددوا بشأن ما جاء به محمد ﷺ ، فتارة قالوا: أحلام مختلطة لا تأويل لها، وقالوا تارة: لا، بل اختلقه من غير أن يكون له أصل، وقالوا تارة: هو شاعر، وإن كان صادقًا في دعواه فليجئنا بمعجزة مثل الأولين من الرسل، فقد جاؤوا بالمعجزات، مثل عصا موسى، وناقة صالح.
٦ - ما آمنت قبل هؤلاء المقترحين قرية اقترحوا نزول الآيات فأعطُوها كما اقترحوها، بل كذبوا بها فأهلكناهم، أفيؤمن هؤلاء؟!
٧ - وما بعثنا قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر نوحي إليهم، ولم نبعثهم ملائكة، فاسألوا أهل الكتاب من قبلكم إن كنتم لا تعلمون ذلك.
٨ - وما جعلنا الرسل الذين نرسلهم ذوي جسد لا يأكلون الطعام، بل يأكلون كما يأكل غيرهم، وما كانوا باقين في الدنيا لا يموتون.
٩ - ثم حققنا لرسلنا ما وعدناهم به حيث أنقذناهم وأنقذنا من نشاء من المؤمنين من الهلاك، وأهلكنا المتجاوزين للحد بكفرهم بالله، وارتكابهم المعاصي.
١٠ - لقد أنزلنا إليكم القرآن فيه شرفكم وفخركم إن صدقتم به، وعملتم بما فيه، أفلا تعقلون ذلك، فتسارعوا إلى الإيمان به، والعمل بما تضمنه؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• قُرْب القيامة مما يستوجب الاستعداد لها.
• انشغال القلوب باللهو يصرفها عن الحق.
• إحاطة علم الله بما يصدر من عباده من قول أو فعل.
• اختلاف المشركين في الموقف من النبي ﷺ يدل على تخبطهم واضطرابهم.
• أن الله مع رسله والمؤمنين بالتأييد والعون على الأعداء.
• القرآن شرف وعز لمن آمن به وعمل به.
стр. 330
١١ - وما أكثَرَ القرى التي أهلكناها بسبب ظلمها بالكفر، وخلقنا بعدها قومًا آخرين!
١٢ - فلما شاهد المهلَكون عذابنا المُسْتَأصِل، إذا هم من قريتهم يسرعون هربًا من الهلاك.
١٣ - فينادَون على وجه السخرية: لا تهربوا، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من التنعم بملذاتكم، وإلى مساكنكم؛ لعلكم تُسألون من دنياكم شيئًا.
١٤ - قال هؤلاء الظالمون معترفين بذنبهم: يا هلاكنا وخسراننا، إنا كنا ظالمين لكفرِنا بالله.
١٥ - فما زال اعترافهم بذنبهم ودعاؤهم على أنفسهم بالهلاك دعوتهم التي يكررونها حتى صيرناهم مثل الزرع المحصود، ميتين لا حَرَاكَ بهم.
١٦ - وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لعبًا وعبثًا، بل خلقناهما للدلالة على قدرتنا.
١٧ - لو أردنا اتخاذ صاحبة أو ولد لاتخذناه مما عندنا، وما كنا فاعلين ذلك لتنزهنا عنه.
١٨ - بل نرمي بالحق الذي نوحيه به إلى رسولنا على باطل أهل الكفر فَيَدْحَضُه، فإذا باطلهم ذاهب زائل، ولكم -أيها القائلون باتخاذه صاحبة وولدًا- الهلاك لوصفكم له بما لا يليق به.
ولما كان اتخاذ الصاحبة والولد منبئًا عن الافتقار؛ بيّن أنه مالك هذا الكون، فقال:
١٩ - وله سبحانه وحده ملك السماوات وملك الأرض، ومن عنده من الملائكة لا يتكبّرون عن عبادته، ولا يتعبون منها.
٢٠ - يواظبون على تسبيح الله دائمًا, لا يملون منه.
٢١ - بل اتخذ المشركون آلهة من دون الله, لا يحيون الموتى، فكيف يعبدون عاجزًا عن ذلك؟!
٢٢ - لو كان في السماوات والأرض معبودات متعددة لفسدتا بتنازع المعبودات في المُلْك، والواقع خلاف ذلك، فَتَنزَّه الله رب العرش عما يصفه به المشركون كذبًا من أن له شركاء.
٢٣ - والله هو المتفرد في ملكه وقضائه، لا يسأله أحد عما قدَّره وقضى به، وهو يسأل عباده عن أعمالهم، ويجازيهم عليها.
٢٤ - بل اتخذوا من دون الله معبودات، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هاتوا حجتكم على استحقاقها للعبادة، فهذا الكتاب المنزل علي، والكتب المنزلة على الرسل لا حجة لكم فيها، بل معظم المشركين لا يستندون إلا إلى الجهل والتقليد، فهم معرضون عن قبول الحق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الظلم سبب في الهلاك على مستوى الأفراد والجماعات.
• ما خلق الله شيئًا عبثًا؛ لأنه سبحانه مُنَزَّه عن العبث.
• غلبة الحق، ودحر الباطل سُنَّة إلهية.
• إبطال عقيدة الشرك بدليل التَّمَانُع.
стр. 331
٢٥ - وما بعثنا من قبلك -أيها الرسول- رسولًا إلا نوحي إليه أنه لا معبود بحق إلا أنا فاعبدوني وحدي، ولا تشركوا بي شيئًا.
٢٦ - وقال المشركون: اتخذ الله الملائكة بنات، تَنَزَّه سبحانه وتَقَدَّس عما يقولونه من الكذب، بل الملائكة عباد لله، مكرمون منه، مقربون إليه.
٢٧ - لا يتقدّمون ربهم بقول، فلا ينطقون به حتى يأمرهم، وهم بأمره يعملون، فلا يخالفون له أمرًا.
٢٨ - يعلم سابق أعمالهم ولاحقها, ولا يسألون الشفاعة إلا بإذنه لمن ارتضى الشفاعة له، وهم من خوفه سبحانه حذرون، فلا يخالفونه في أمر ولا نهي.
٢٩ - ومن يقل من الملائكة من باب الافتراض: إني معبود من دون الله، فإننا نجزيه على قوله بعذاب جهنم يوم القيامة خالدًا فيها، ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين بالكفر والشرك بالله.
٣٠ - أَوَ لم يعلم الذين كفروا بالله أن السماوات والأرض كانتا مُلْتصِقتين، لا فراغ بينهما فينزل منه المطر، ففصلنا بينهما، وجعلنا من الماء النازل من السماء إلى الأرض كل شيء من حيوان أو نبات، أفلا يعتبرون بذلك، ويؤمنون بالله وحده؟!
٣١ - وخلقنا في الأرض جبالًا ثابتة حتى لا تضطرب بمن عليها، وجعلنا فيها مسالك وطرقًا واسعة لعلّهم يهتدون في أسفارهم إلى مقاصدهم.
٣٢ - وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا من السقوط من غير عَمَد، ومحفوظِّا من اسْتِراق السمع، والمشركون عما في السماء من الآيات -كالشمس والقمر- معرضون لا يعتبرون.
٣٣ - والله وحده هو الذي خلق الليل للراحة، وخلق النهار لكسب المعاش، وخلق الشمس علامة على النهار، والقمر علامة على الليل، كل من الشمس والقمر يجري في مداره الخاص به، لا ينحرف عنه ولا يميل.
٣٤ - وما جعلنا لأحد من البشر قبلك -أيها الرسول- البقاء في هذه الحياة؟ أفإن انقضى أجلك في هذه الحياة ومتّ فهؤلاء باقون بعدك؟! كلا.
٣٥ - كل نفس مؤمنة أو كافرة ذائقة الموت في الدنيا، ونختبركم -أيها الناس- في الحياة الدنيا بالتكاليف والنعم والنقم، ثم بعد موتكم إلينا لا إلى غيرنا ترجعون، فنجازيكم على أعمالكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تنزيه الله عن الولد.
• منزلة الملائكة عند الله أنهم عباد خلقهم لطاعته، لا يوصفون بالذكورة ولا الأنوثة، بل عباد مكرمون.
• خُلِقت السماوات والأرض وفق سُنَّة التدرج، فقد خُلِقتا مُلْتزِقتين، ثم فُصِل بينهما.
• الابتلاء كما يكون بالشر يكون بالخير.
стр. 332
٣٦ - وإذا رآك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون لا يتخذونك إلا سخرية منفّرين أتباعهم بقولهم: أهذا هو الذي يسبّ آلهتكم التي تعبدونها؟! وهم مع السخرية بك جاحدون بما أنزل الله عليهم من القرآن وبما أعطاهم من النعم كافرون؛ فهم أولى بالعيب لجمعهم كل سوء.
٣٧ - طُبع الإنسان على العجلة، فهو يستعجل الأشياء قبل وقوعها، ومن ذلك استعجال المشركين للعذاب، سأريكم -أيها المستعجلون لعذابي- ما استعجلتموه منه، فلا تطلبوا تعجيله.
٣٨ - ويقول الكفار المنكرون للبعث على وجه الاستعجال: متى يكون ما تَعِدُوننا به -أيها المسلمون- من البعث إن كنتم صادقين فيما تدّعونه من وقوعه؟!
٣٩ - لو يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث حين لا يردون النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم، وأن لا ناصر ينصرهم بدفع العذاب عنهم، لو تيقّنوا ذلك لما استعجلوا العذاب.
٤٠ - لا تأتيهم هذه النار التي يُعَذَّبون بها عن علم منهم، بل تأتيهم فجأة، فلا يقدرون على ردها عنهم, ولا هم يُؤَخَّرون حتى يتوبوا فتنالهم الرحمة.
ولما عانى رسول الله ﷺ من استهزاء قومه به وتكذيبهم له، سلاه الله بقوله:
٤١ - ولئن سخر بك قومك فلست بدْعًا في ذلك، فقد استهزئ برسل من قبلك -أيها الرسول- فأحاط بالكفار الذين كانوا يسخرون منهم العذابُ الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا عندما تخوفهم رسلهم به.
٤٢ - قل -أيها الرسول - لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: من يحفظكم بالليل والنهار مما يريد بكم الرحمن من إنزال العذاب والهلاك بكم؟ بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه معرضون, لا يتدبّرون شيئًا منها جهلًا وسفهًا.
٤٣ - أم هل لهم آلهة تمنعهم من عذابنا؟ لا يستطيعون نصر أنفسهم بدفع ضر عنها, ولا بجلب نفع لها، ومن لا ينصر نفسه فكيف ينصر غيره؟! ولا هم يُجَارون من عذابنا.
٤٤ - بل متعنا هؤلاء الكفار، ومتّعنا آباءهم بما بسطنا عليهم من نعمنا؛ استدراجًا لهم، حتى تَطَاوَل بهم الزمن فاغتروا بذلك، وأقاموا على كفرهم، أفلا يرى هؤلاء المغترّون بنعمنا المستعجلون بعذابنا أنا نأتي الأرض ننقصها من جوانبها بقهرنا لأهلها، وغلبتنا لهم، فيعتبروا بذلك حتى لا يقع بهم ما وقع بغيرهم؟! فليس هؤلاء غالبين، بل هم مغلوبون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان كفر من يستهزئ بالرسول، سواء بالقول أو الفعل أو الإشارة.
• من طبع الإنسان الاستعجال, والأناة خلق فاضل.
• لا يحفظ من عذاب الله إلا الله.
• مآل الباطل الزوال، ومآل الحق البقاء.
стр. 333
٤٥ - قل -أيها الرسول-: إنما أخوفكم -أيها الناس- من عذاب الله بالوحي الذي يوحيه إلي ربي، ولا يسمع الصم عن الحق ما يدعون إليه سماع قبول إذا خُوِّفوا من عذاب الله.
٤٦ - ولئن من هؤلاء المستعجلين بالعذاب نصيب من عذاب ربك -أيها الرسول- ليقولُنّ عندئذ: يا هلاكنا وخسراننا، إنا كنا ظالمين بالشرك بالله والتكذيب بما جاء به محمد ﷺ .
٤٧ - ونَنْصِب الموازين العادلة لأهل القيامة لتوزن بها أعمالهم، فلا تُظْلَم في ذلك اليوم نفس بنقص حسناتها أو زيادة سيئاتها, وإن كان الموزون قليلا مثل ما تزنه حبة خردل جئنا به , وكفى بنا محصين نحصي أعمال عبادنا.
٤٨ - ولقد أعطينا موسى وهارون ﵉ التوراة فارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهداية لمن آمنوا بها، وتذكيرًا للمتقين لربهم.
٤٩ - الذين يخافون عقاب ربهم الذي يؤمنون به مع أنهم لم يشاهدوه، وهم من الساعة خائفون.
٥٠ - وهذا القرآن المنزل على محمَّد ﷺ ذِكر لمن أراد أن يتذكر به وموعظة، كثير النفع والخير، أفأنتم له مع ذلك منكرون؟! غير مقرّين بما فيه، ولا عاملين به؟!
٥١ - ولقد أعطينا إبراهيم الحجة على قومه في صغره وكنا به عالمين، فأعطيناه ما يستحقّه في علمنا من الحجة على قومه.
٥٢ - إذ قال لأبيه آزر ولقومه: ما هذه الأصنام التي صنعتموها بأيديكم، والتي أنتم مقيمون على عبادتها؟
٥٣ - قال له قومه: وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها تأسِّيًا بهم.
٥٤ - قال لهم إبراهيم: لقد كنتم -أيها التابعون- أنتم وآباؤكم المتبوعون في ضلال عن طريق الحق واضح.
٥٥ - قال له قومه: أجئتنا بالجد حين قلت ما قلت، أم أنت من الهازلين؟
٥٦ - قال إبراهيم: بل جئتكم بالجد لا بالهزل، فربّكم هو ربّ السماوات والأرض الذي خلقهن على غير مثال سابق، وأنا على أنه ربكم ورب السماوات والأرض من الشاهدين، وليس لأصنامكم حظ من ذلك.
٥٦ - وقال إبراهيم بحيث لا يسمعه قومه: والله لأدبرنّ لأصنامكم ما تكرهون بعد أن تذهبوا عنها إلى عيدكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نَفْع الإقرار بالذنب مشروط بمصاحبة التوبة قبل فوات أوانها.
• إثبات العدل لله، ونفي الظلم عنه.
• أهمية قوة الحجة في الدعوة إلى الله.
• ضرر التقليد الأعمى.
• التدرج في تغيير المنكر، والبدء بالأسهل فالأسهل، فقد بدأ إبراهيم بتغيير منكر قومه بالقول والصاع بالحجة، ثم انتقل إلى التغيير بالفعل.
стр. 334
٥٨ - فحطّم إبراهيم أصنامهم حتى صارت قطعًا صغيرة، وأبقى كبيرها رجاء أن يرجعوا إليه ليسألوه عمن حظمها.
٥٩ - فلما رجعوا ووجدوا أصنامهم قد حُطِّمت سأل بعضهم بعضًا: من حَطَّم معبوداتنا؟ إن من حطّمها لمن الظالمين، حيث حقّر ما يستحق التعظيم والتقديس.
٦٠ - قال بعضهم: سمعنا فتى يذكرهم بسوء ويعيبهم يُدْعى إبراهيم، لعله هو الذي حطمهم.
٦١ - قال سادتهم: جيئوا بابراهيم على مشهد من الناس ومرأى؛ لعلهم يشهدون على إقراره بما صنع، فيكون إقراره حجة لكم عليه.
٦٢ - فجاؤوا بإبراهيم ﵇ فسألوه: أأنت فعلت هذا الفعل الشنيع بأصنامنا يا إبراهيم؟!
٦٣ - قال إبراهيم -مُتَهكِّما بهم، مظهرا عجز أصنامهم على مرأى من الناس-: ما فعلت ذلك، بل فعله كبير الأصنام، فاسألوا أصنامكم إن كانوا يتكلمون.
٦٤ - فرجعوا إلى أنفسهم بالتفكر والتأمل، فتبيّن لهم أن أصنامهم لا تنفع ولا تضر، فهم ظالمون حين عبدوها من دون الله.
٦٥ - ثم عادوا للعناد والجحود، فقالوا: لقد أيقنت -يا إبراهيم- أن هذه الأصنام لا تنطق، فكيف تأمرنا أن نسألها؟ أرادوا ذلك حجة لهم، فكان حجة عليهم.
٦٦ - قال إبراهيم -منكرًا عليهم-: أفتعبدون من دون الله أصنامًا لا تنفعكم شيئًا ولا تضركم، فهي عاجزة عن دفع الضر عن نفسها، أو جلب النفع لها.
٦٧ - قُبْحًا لكم، وقُبْحًا لما تعبدونه من دون الله من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، أفلا تعقلون ذلك، وتتركون عبادتها؟!
٦٨ - فلما عجزوا عن مواجهته بالحجة لجؤوا إلى القوة، فقالوا: حرقوا إبراهيم بالنار؛ انتصارًا لأصنامكم التي هدمها وكسرها إن كنتم فاعلين به عقابًا رادعًا.
٦٩ - فأوقدوا نارًا ورموه فيها، فقلنا: يا نار، كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، فكانت كذلك، فلم يُصَب بأذى.
٧٠ - وأراد قوم إبراهيم ﵇ به كيدًا بأن يحرقوه، فأبطلنا كيدهم، وجعلناهم هم الهالكين المغلوبين.
٧١ - وأنقذناه وأنقذنا لوطًا، وأخرجناهما إلى أرض الشام التي باركنا فيها؛ بما بعثنا فيها من الأنبياء، وبما بثثناه فيها للمخلوقات من الخيرات.
٧٢ - ووهبنا له إسحاق حين دعا ربه أن يرزقه ولدًا، ووهبنا له يعقوب زيادة، وكلّ من إبراهيم وابنيه إسحاق ويعقوب صَيرناهم صالحين مطيعين لله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جواز استخدام الحيلة لإظهار الحق وإبطال الباطل.
• تعلّق أهل الباطل بحجج يحسبونها لهم، وهي عليهم.
• التعنيف في القول وسيلة من وسائل التغيير للمنكر إن لم يترتب عليه ضرر أكبر.
• اللجوء لاستخدام القوة برهان على العجز عن المواجهة بالحجة.
• نَصْر الله لعباده المؤمنين، وإنقاذه لهم من المحن من حيث لا يحتسبون.
стр. 335
٧٣ - وصيَّرناهم أئمة يهتدي بهم الناس في الخير، يدعون الناس إلى عبادة الله وحده بإذن منه تعالى, وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات، وائتوا بالصلاة على أكمل وجه، وأدّوا الزكاة، وكانوا لنا مُنْقادين.
٧٤ - ولوطًا أعطيناه فصل القضاء بين الخصوم، وأعطيناه علمًا بأمر دينه، وسلّمناه من العذاب الذي أنزلناه على قريته (سَدُوم) التي كان أهلها يأتون الفاحشة، إنهم كانوا قوم فساد خارجين عن طاعة ربهم.
٧٥ - وأدخلناه في رحمتنا إذ أنجيناه من العذاب الذي أصاب قومه، إنه من الصالحين الذين يأتمرون بأمرنا، وينتهون بنهينا.
٧٦ - واذكر -أيها الرسول- قصة نوح؛ إذ نادى الله من قبلِ إبراهيم ولوط، فاستجبنا له بإعطائه ما طلب، فأنقذناه وأنقذنا أهله المؤمنين من الغَمِّ العظيم.
٧٧ - ونجيناه من مكر القوم الذين كذبوا بما أيّدناه به من الآيات الدالة على صدقه، إنهم كانوا قوم فساد وشر، فأهلكناهم أجمعين بالغرق.
٧٨ - واذكر -أيها الرسول- قصة داود وابنه سليمان ﵇ إذ يحكمان في قضية رُفِعَت إليهما بشأن خصمين؛ لأحدهما غنم انتشرت ليلًا في حَرْث الآخر فأفسدته، وكنّا الحاكم داود وسليمان شاهدين، لم يغب عنا من حكمهما شيء.
٧٩ - ففهّمنا القضية سليمان دون أبيه داود، وكلًّا من داود وسليمان أعطيناه النبوّة والعلم بأحكام الشرع، لم نخص به سليمان وحده, وطوّعنا مع داود الجبال تسبّح بتسبيحه، وطوّعنا له الطير، وكنا فاعلين لذلك التفهيم وإعطاء الحكم والعلم والتسخير.
٨٠ - وعلّمنا داود دون سليمان صناعة الدروع لتحميكم من فتك السلاح بأجسامكم، فهل أنتم -أيها الناس- شاكرون لهذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم؟!
٨١ - وطوّعنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تجري بأمره إذا أمرها إلى أرض الشام التي باركنا فيها بما بعثنا فيها من الأنبياء، وبما بسط فيها من الخيرات، وكنا بكل شيء عالمين، لا يخفى علينا منه شيء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فعل الخير والصلاة والزكاة، مما اتفقت عليه الشرائع السماوية.
• ارتكاب الفواحش سبب في وقوع العذاب المُسْتَأصِل.
• الصلاح سبب في الدخول في رحمة الله.
• الدعاء سبب في النجاة من الكروب.
стр. 336
٨٢ - وسخّرنا من الشياطين من يغوصون له في البحار يستخرجون اللآلئ وغيرها، ويعملون غير ذلك من الأعمال كالبناء, وكنا لأعدادهم وأعمالهم حافظين , لا يفوتنا شيء من ذلك.
٨٣ - واذكر -أيها الرسول- قصة أيوب ﵇، إذ دعا ربه سبحانه حين أصابه البلاء قائلًا: يا رب، إني أُصِبْت بالمرض وفَقْدِ الأهل، وأنت أرحم الراحمين جميعًا، فاصرف عني ما أصابني من ذلك.
٨٤ - فأجبنا دعوته، وصرفنا عنه ما أصابه من ضر، وأعطيناه ما فقد من أهله وأولاده، وأعطيناه مثلهم معهم، كل ذلك فعلناه رحمة من عندنا، وتذكيرا لكل منقاد لله بالعبادة؛ ليصبر كما صبر أيوب.
٨٥ - واذكر -أيها الرسول- إسماعيل وإدريس وذا الكفل ﵇، كل واحد منهم من الصابرين على البلاء، وعلى القيام بما كلّفهم الله به.
٨٦ - وأدخلناهم في رحمتنا، فجعلناهم أنبياء، وأدخلناهم الجنة، إنهم من عباد الله الصالحين الذين عملوا بطاعة ربهم، وصلحت سرائرهم وعلانياتهم.
٨٧ - واذكر -أيها الرسول- قصة صاحب الحوت يونس ﵇، إذ ذهب دون إذن من ربه مغاضبًا قومه لتماديهم في العصيان، فظن أننا لن نُضَيِّق عليه؛ بعقابه على ذهابه، فابتُلِي بشدة الضيق والحبس حين التقمه الحوت، فدعا في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل؛ مقرًّا بذنبه تائبًا إلى الله منه، فقال: لا معبود بحق غيرك، تنزهتَ وتقدستَ، إني كنت من الظالمين.
٨٨ - فأجبنا دعوته، ونجيناه من كرب الشدة بإخراجه من الظلمات، ومن بطن الحوت، ومثل إنجاء يونس من كربه هذا ننجي المؤمنين إذا وقعوا في كرب ودعوا الله.
٨٩ - واذكر -أيها الرسول- قصة زكريا ﵇ إذ دعا ربه سبحانه قائلًا: رب لا تتركني منفردًا لا ولد لي، وأنت خير الباقين، فارزقني ولدًا يبقى بعدي.
٩٠ - فأجبنا له دعوته، وأعطيناه يحيى ولدًا، وأصلحنا زوجه، فصارت ولودًا بعد أن كانت لا تلد، إن زكريا وزوجه وابنه كانوا يسارعون إلى فعل الخيرات، وكانوا يدعوننا راغبين فيما عندنا من الثواب، خائفين مما عندنا من العقاب، وكانوا لنا مُتَضرعين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصلاح سبب للرحمة.
• الالتجاء إلى الله وسيلة لكشف الكروب.
• فضل طلب الولد ليبقى بعد الإنسان إذا مات.
• الإقرار بالذنب، والشعور بالاضطرار لله وشكوى الحال له، وطاعة الله في الرخاء من أسباب إجابة الدعاء وكشف الضر.
стр. 337
٩١ - واذكر -أيها الرسول- قصة مريم ﵍ التي صانت فرجها من الزنى، فأرسل الله إليها جبريل ﵇، فنفخ فيها فحملت بعيسى ﵇، وكانت هي وابنها عيسى علامة للناس على قدرة الله، وأنه لا يعجزه شيء حيث خلقه من غير أب.
٩٢ - إن هذه ملتكم -أيها الناس- ملة واحدة، وهي التوحيد الذي هو دين الإِسلام، وأنا ربكم، فأخلصوا العبادة لي وحدي.
٩٣ - وتفرّق الناس، فصار منهم الموحّد والمشرك والكافر والمؤمن، وكل هؤلاء المتفرقين إلينا وحدنا راجعون يوم القيامة، فنجازيهم على أعمالهم.
٩٤ - فمن عمل منهم الأعمال الصالحات وهو مؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فلا جحود لعمله الصالح، بل يشكر الله له ثوابه فيضاعفه له، ويجده في كتاب عمله يوم يبعث، فيسرّ به.
٩٥ - ومستحيل على أهل قرية أهلكناها بسبب كفرها أن يرجعوا إلى الدنيا؛ ليتوبوا وتُقْبل توبتهم.
٩٦ - لا يرجعون أبدًا حتى إذا فُتِح سدّ يأجوج ومأجوج، وهم يومئذ من كل مرتفع من الأرض يخرجون مسرعين.
٩٧ - واقتربت القيامة بخروجهم، وظهرت أهوالها وشدائدها، فإذا أبصار الكفار مفتوحة من شدّة هولها يقولون: يا هلاكنا، قد كنا في الدنيا في لهو وانشغال عن الاستعداد لهذا اليوم العظيم، بل كنا ظالمين بالكفر وارتكاب المعاصي.
٩٨ - إنكم -أيها المشركون- وما تعبدونه من دون الله من الأصنام، وممن يرضى بعبادتكم له من الإنس والجن - وقود جهنم، أنتم ومعبوداتكم لها داخلون.
٩٩ - لو كانت هذه المعبودات آلهة تُعْبَد بحق ما دخلوا النار مع من عبدوهم، وكل من العابدين والمعبودين في النار، ماكثون فيها أبدًا لا يخرجون منها.
١٠٠ - لهم فيها -من شدة ما يلاقونه من الآلام- تنفس شديد، وهم في النار لا يسمعون الأصوات من شدة الهول المُفْزع الذي أصابهم.
١٠١ - ولما قال المشركون: (إنّ عيسى والملائكة الذين عُبدوا سيدخلون النار) قال الله: إن الذين سبق في علم الله أنهم من أهل السعادة مثل عيسى ﵇ مبعدون عن النار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التنويه بالعفاف وبيان فضله.
• اتفاق الرسالات السماوية في التوحيد وأسس العبادات.
• فَتْح سد يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
• الغفلة عن الاستعداد ليوم القيامة سبب لمعاناة أهوالها.
стр. 338
١٠٢ - لا يصل إلى سَمْعِهم صوتُ جهنم، وهم فيما اشتهته أنفسهم من النعيم والملذات ماكثون، لا ينقطع نعيمهم أبدًا.
١٠٣ - لا يخيفهم الهول العظيم حين تطبق النار على أهلها، وتستقبلهم الملائكة بالتهنئة قائلين: هذا يومكم الذي كنتم توعدون به في الدنيا، وتبشّرون بما تلاقون فيه من النعيم.
١٠٤ - يوم نطوي السماء مثل في الصحيفة على ما فيها، ونحشر الخلق على هيئتهم التي خلقوا بها أول مرة، وعدنا بذلك وعدًا لا خُلْف فيه، إنا كنا منجزين ما نعد به.
١٠٥ - ولقد كتبنا في الكتب التي أنزلناها على الرسل من بعد ما كتبناه في اللوح المحفوظ: أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون العاملون بطاعته، وهم أمة محمَّد ﷺ .
١٠٦ - إن فيما أنزلناه من الوعظ لبلاغًا لقوم عابدين ربهم بما شرعه لهم، فهم الذين ينتفعون به.
١٠٧ - وما بعثناك -يا محمَّد- رسولا إلا رحمة لجميع الخلق؛ لما تتصف به من الحرص على هداية الناس وانقاذهم من عذاب الله.
١٠٨ - قل -أيها الرسول-: إنما يُوحَى إلى من ربي أنما معبودكم بحق معبود واحد, لا شريك له وهو الله، فانقادوا للإيمان به، والعمل بطاعته.
١٠٩ - فإن أعرض هؤلاء عما جئتهم به، فقل -أيها الرسول- لهم: أعلمتكم أنني وإياكم على أمر مستوٍ بيني وبينكم من المفاصلة، ولست أعلم متى ينزل بكم ما وعبد الله به من عذابه.
١١٠ - إن الله يعلم ما أعلنتم من القول، ويعلم ما تكتمونه منه, لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجزيكم عليه.
١١١ - ولست أدري لعل إمهالكم بالعذاب اختبار لكم، واستدراج، وتمتيع لكم إلى أمد مقدّر في علم الله؛ لتتمادوا في كفركم وضلالكم.
١١٢ - قال رسول الله ﷺ داعيًا ربه: رب، افصل بيننا وبين قومنا الذين أصرّوا على الكفر بالقضاء الحق، وبربنا الرحمن نستعين على ما تقولون من الكفر والتكذيب.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الصلاح سبب للتمكين في الأرض.
• بعثة النبي ﷺ وشرعه وسنته رحمة للعالمين.
• الرسول ﷺ لا يعلم الغيب.
• علم الله بما يصدر من عباده من قول.
стр. 339
سورة الحج
مدنية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر التعظيم والاستسلام لله من خلال عرض مشاهد العظمة والقدرة الإلهية.
[التَّفْسِيرُ]
١ - يا أيها الناس، اتقوا ربكم بامتثال ما أمركم به، والكفّ عما نهاكم عنه، إن ما يصاحب القيامة من زلزلة الأرض وغيرها من الأهوال أمر عظيم، يجب الاستعداد له بالعمل بما يرضي الله.
٢ - يوم تشاهدونها تغفل كلّ مرضعة عن رضيعها، وتُسْقِط كل صاحبة حمل حملها من شدة الخوف وترى الناس من غياب عقولهم مثل السكارى من شدة هول الموقف، وليسوا سكارى من شرب الخمر، ولكن عذاب الله شديد، فقد أفقدهم عقولهم.
ولما ذكر الله ما يصاحب قيام الساعة من أهوال ردّ على الذين ينكرون القيامة والبعث، فقال:
٣ - ومن الناس من يخاصم في قدرة الله على بعث الأموات دون علم يستند إليه، ويتّبع في اعتقاده وقوله كل متمرّد على ربه من الشياطين، ومن أئمة الضلال.
٤ - كُتِب على ذلك المتمرد من شياطين الإنس والجن أن من اتبعه وصدّق به فإنه يضله عن طريق الحق، ويسوقه إلى عذاب النار بما يقوده إليه من الكفر والمعاصي.
٥ - يا أيها الناس، إن كان لديكم شك في قدرتنا على بعثكم بعد الموت، فتأملوا في خلقكم؛ فقد خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم خلافنا ذريته من مني يقذفه الرجل في رحم المرأة، ثم يتحول المني دمًا جامدًا، ثم يتحول الدم الجامد إلى قطعة لحم تشبه قطعة اللحم الممضوغة، ثم تتحول قطعة اللحم إما إلى خلق سوي يبقى في الرحم حتى يخرج مولودًا حيًّا، وإما إلى خلق غير سوي يسقطه الرحم؛ لنبين لكم قدرتنا بخلقكم أطوارًا، ونثبت في الأرحام ما نشاء من الأجنة حتى يولد في أجل محدد وهو تسعة أشهر، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا، ثم لتصلوا إلى كمال القوة والعقل، ومنكم من يموت قبل ذلك، ومنكم من يعيش حتى يبلغ من الهرم حيث تضعف القوة ويضعف العقل، حتى يصير أسوأ حالًا من الصبي، لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه، وترى الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر تفتحت عن النبات، وارتفعت بسبب نموّ نباته، وأخرجت من كل صنف من النبات جميل المنظر.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب الاستعداد ليوم القيامة بزاد التقوى.
• شدة أهوال القيامة حيث تنسى المرضع طفلها وتسقط الحامل حملها وتذهب عقول الناس.
• التدرج في الخلق سُنَّة إلهية.
• دلالة الخلق الأول على إمكان البعث.
• ظاهرة المطر وما يتبعها من إنبات الأرض دليل ملموس على بعث الأموات.
стр. 340
٦ - ذلك الذي ذكرنا لكم -من بدء خلقكم وأطواره وأحوال من يولد منكم- لأجل أن تؤمنوا بأن الله الذي خلقكم هو الحق الذي لا شك فيه، بخلاف ما تعبدون من أصنامكم، ولتؤمنوا بأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير, لا يعجزه شيء.
٧ - ولتؤمنوا بأن الساعة آتية لا شك في إتيانها، وأن الله يبعث الموتى من قبورهم ليجازيهم على أعمالهم.
ولما ذكر الله سبحانه حال الضلال بسبب التقليد في الآية الثالثة ذكر حال ضلال رؤوس الكفر في هذه الآية فقال:
٨ - ومن الكفار من يجادل في توحيد الله، بغير علم منهم يصلون به إلى الحق، ولا اتباع هادٍ يدلهم عليه، ولا كتاب مضيءٍ منزل من عند الله يهديهم إليه.
٩ - لاويًا عنقه تكبُّرًا ليصرف الناس عن الإيمان والدخول في دين الله، لمن هذا وَصفُه ذُلٌّ في الدنيا بما يلحقه من عقاب، ونذيقه في الآخرة عذاب النار المحرقة.
١٠ - ويقال له: ذلك العذاب الذي ذقته بسبب ما اكتسبته من الكفر والمعاصي، والله لا يعذّب أحدًا من خلقه إلا بذنب.
١١ - ومن الناس مضطرب يعبد الله على شك، فإن أصابه خير من صحة وغنى استمرّ على إيمانه وعبادته لله، وإن أصابه ابتلاء بمرض وفقر تشاءم بدينه فارتدّ عنه، خسر دنياه، فلن يزيده كفره حظًّا من الدنيا لم يكتب له، وخسر آخرته بما يلقاه من عذاب الله، ذلك هو الخسران الواضح.
١٢ - يعبد من دون الله أصنامًا لا تضرّه إن عصاها, ولا تنفعه إن أطاعها , ذلك الدعاء لأصنام لا تضر ولا تنفع هو الضلال البعيد عن الحق.
١٣ - يدعو هذا الكافر الذي يعبد الأصنام من ضرره المحقّق أقرب من نفعه المفقود, لَسَاء المعبود الذي ضرّه أقرب من نفعه، ساء ناصرا لمن يستنصره، وصاحبا لمن يصحبه.
١٤ - إن الله يدخل الذين آمنوا به وعملوا الأعمال الصالحات جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، إن الله يفعل ما يريد من رحمة من يرحمه، وعقاب من يعاقبه، لا مُكره له سبحانه.
١٥ - من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به بقطع نفسه عن الأرض، ثم لينظر هل يذهبنّ ذلك ما يجده في نفسه من الغيظ، فالله ناصر نبيَّه، شاء المعاند أم أبى.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أسباب الهداية إما علم يوصل به إلى الحق، أو هادٍ يدلهم إليه، أو كتاب يوثق به يهديهم إليه.
• الكبر خُلُق يمنع من التوفيق للحق.
• من عدل الله أنه لا يعاقب إلا على ذنب.
• الله ناصرٌ نبيه ودينه ولو كره الكافرون.
стр. 341
١٦ - وكما بيّنا لكم الحجج الواضحة على البعث أنزلنا على محمَّد ﷺ القرآن آيات واضحة، وأن الله يوفّق بفضله من يشاء لسبيل الهداية والرشاد.
١٧ - إن الذين آمنوا بالله من هذه الأمة، واليهود -والصابئين (طائفة من أتباع بعض الأنبياء) , والنصارى، وعبدة النار، وعبدة الأوثان- إن الله يقضي بينهم يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، إن الله على كل شيء من أقوال عباده وأعمالهم شهيد, يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
١٨ - ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله يسجد له سجود طاعة من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من مؤمني الإنس والجن، وتسجد له الشمس، ويسجد له القمر، وتسجد له النجوم في السماء، والجبال والشجر والدواب في الأرض؛ سجود انقياد، ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، وكثير يمتنع عن السجود له طاعة، فحقّ عليهم عذاب الله لكفرهم، ومن يقض الله عليه بالذلة والمهانة لكفره فليس له أحد يكرمه، إن الله يفعل ما يشاء, فلا مكره له سبحانه.
ولما بيَّن الله من يسجد له طاعة ومن يمتنع، عقّب ذلك بمصير كل منهما فقال:
١٩ - هذان فريقان متخاصمان في ربهم أيهم المُحِق: فريق الإيمان, وفريق الكفر؛ ففريق الكفر تحيط بهم النار مثل إحاطة الثياب بلابسها، ويُصَبّ من فوق رؤوسهم الماء المتناهي في الحرارة.
٢٠ - يُذاب به ما في بطونهم من الأحشاء من شدة حرّه، ويصل إلى جلودهم فيذيبها.
٢١ - ولهم في النار مطارق من حديد تضرب الملائكة بها رؤوسهم.
٢٢ - كما حاولوا الخروج من النار من شدّة ما يلاقونه فيها من الكرب رُدُّوا إليها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار المحرق.
٢٣ - وفريق الإيمان وهم الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، يدخلهم الله في جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، يزينهم الله بتحليتهم بأسورة من الذهب، ويزينهم بالتحلية باللؤلؤ، ويكون لباسهم فيها الحرير.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الهداية بيد الله يمنحها من يشاء من عباده.
• رقابة الله على كل شيء من أعمال عباده وأحوالهم.
• خضوع جميع المخلوقات لله قدرًا، وخضوع المؤمنين له طاعة.
• العذاب نازل بأهل الكفر والعصيان، والرحمة ثابتة لأهل الإيمان والطاعة.
стр. 342
٢٤ - وأرشدهم الله في الحياة الدنيا إلى طيب الأقوال كشهادة أن لا إله إلا الله، والتكبير والتحميد، وأرشدهم إلى طريق الإِسلام المحمود.
٢٥ - إن الذين كفروا بالله، ويصرفون غيرهم عن الدخول في الإِسلام، ويصدون الناس عن المسجد الحرام، مثل ما فعل المشركون عام الحديبية فسوف نذيقهم العذاب الأليم، ذلك المسجد الذي جعلناه قبلة للناس في صلاتهم ومنسكًا من مناسك الحج والعمرة، يستوي فيه المكي المقيم فيه، والطارئ فيه من غير أهل مكة، ومن يرد فيه ميلًا عن الحق بالوقوع بشيء من المعاصي عامدًا نذقه من عذاب مؤلم.
٢٦ - واذكر -أيها الرسول- إذ بيّنا لإبراهيم ﵇ مكان البيت وحدوده بعد أن كان مجهولًا، وأوحينا إليه ألا تشرك بعبادتي شيئًا، بل اعبدني وحدي، وطهّر بيتي من الأنجاس الحسية والمعنوية للطائفين به، والمصلّين فيه.
٢٧ - ونادِ في الناس داعيًا إياهم إلى حج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه؛ يأتوك مشاة أو ركبانًا على كل بعير مهزول مما عانى من السير، تأتي بهم الإبل تحملهم من كل طريق بعبد.
٢٨ - ليحضروا ما يعود لهم بالنفع من مغفرة الذنوب، والحصول على الثواب، وتوحيد الكلمة وغير ذلك، وليذكروا اسم الله على ما يذبحونه من الهدايا في أيام معلومات هي: عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده؛ شكرًا لله على ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم، فكلوا من هذه الهدايا، وأطعموا منها من كان شديد الفقر.
٢٩ - ثم ليقضوا ما بقي عليهم من مناسك حجهم، ويتحللوا بحلق رؤوسهم وقص أظفارهم وإزالة الوسخ المتراكم عليهم بسبب الإحرام، وليوفوا بما أوجبوا على أنفسهم من حج أو عمرة أو هدي، وليطوفوا طواف الإفاضة بالبيت الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة عليه.
٣٠ - ذلك الذي أمرتم -به من التحلل بحلق الرأس وقص الأظفار وإزالة الأوساخ، والوفاء بالنذر والطواف بالبيت- هو ما أوجبه الله عليكم، فعظموا ما أوجبه الله عليكم، ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه؛ تعظيمًا منه لحدود الله أن يواقعها، وحرماته أن يستحلها فهو خير له في الدنيا والآخرة عند ربه سبحانه، وأبيحت لكم -أيها الناس- الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فلم يُحرِّمْ عليكم منها حاميًا ولا بَحِيرةً ولا وَصِيلةً، فلم يحرم منها إلا ما تجدونه في القرآن من حرمة الميتة والدم وغيرهما، فابتعدوا عن القذر الذي هو الأوثان، وابتعدوا عن كل قول باطل كذب على الله أو على خلقه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حرمة البيت الحرام تقتضي الاحتياط من المعاصي فيه أكثر من غيره.
• بيت الله الحرام مأوى أفئدة المؤمنين في كل زمان ومكان.
• منافع الحج عائدة إلى الناس سواء الدنيوية أو الأخروية.
• شكر النعم يقتضي العطف على الضعفاء.
стр. 343
٣١ - اجتنبوا ذلك مائلين عن كل دين سوى دينه المُرْتَضى عنده، غير مشركين به في العبادة أحدًا، ومن يشرك بالله فكأنما سقط من السماء، فإما أن تخطف الطير لحمه وعظامه، أو تقذفه الريح في مكان بعيد.
٣٢ - ذلك ما أمر الله به من توحيده والإخلاص له، واجتناب الأوثان وقول الزور. ومن يعظّم معالم الدين -ومنها الهدي ومناسك الحج- فإن تعظيمها من تقوى القلوب لربها.
٣٣ - لكم في الهدايا التي تنحرونها بالبيت منافع، مثل الركوب والصوف والنسل واللبن، إلى أجل محدد بوقت ذبحها عند القرب من بيت الله الذي أعتقه من تَسَلط الجبابرة.
٣٤ - ولكل أمة ماضية جعلنا منسكًا لإراقة الدماء قربانًا لله؛ رجاء أن يذكروا اسم الله على ما يذبحونه من تلك القرابين عند الذبح؛ شكرًا لله على ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم, فمعبودكم بحق -أيها الناس- معبود واحد لا شريك له, فله وحده انقادوا بلإذعان والطاعة, أخبر -أيها الرسول- الخاشعين المخلصين بما يَسرّهم.
٣٥ - الذين إذا ذُكِر الله خافوا من عقابه، فابتعدوا عن مخالفة أمره، وأدَّوُا الصلاة تامة، ويصبرون إن أصابهم بلاءً، وينفقون في وجوه البر مما رزقهم الله.
٣٦ - والإبل والبقر التي تُهْدَى إلى البيت جعلناها لكم من شعائر الدين وأعلامه، لكم فيها منافع دينية ودنيوية، فقولوا: (باسم الله) عند نحرها بعد أن تصفّ قوائمها وهي قائمة قد ربطت إحدى يديها حتى لا تشرد، فإذا سقطت بعد النحر على جنبها، فكلوا -أيها المُهْدون- منها، وأعطوا منها الفقير الذي يتعفف عن السؤال, والفقير الذي يتعرض ليُعْطَى منها، كما ذللناها لكم لتحملوا عليها وتركبوها ذللناها لكم فانقادت إلى حيث تنحرونها؛ تقربًا لله لعلكم تشكرون الله على نعمة تذليلها لكم.
٣٧ - لن يصل إلى الله لحوم ما تقدمونه من هدايا ولا دماؤها, ولن تُرْفَع إليه، لكن يرفع إليه اتقاؤكم الله فيها؛ بأن تخلصوا له في امتثالكم للتقرب بها إليه، كذلك ذللها الله لكم لتكبروا الله شاكرين إياه على ما وفقكم له من الحق، وأَخْبِر -أيها الرسول- المحسنين في عبادتهم لربهم وفي تعاملهم مع خلقه، بما يسرّهم.
٣٨ - إن الله يدفع عن الذين آمنوا بالله شر أعدائهم، إن الله لا يحب كل خوان لأمانته، كفور لنعم الله، فلا يشكر الله عليها، بل يبغضه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ضَرْب المثل لتقريب الصور المعنوية بجعلها في ثوب حسي، مقصد تربوي عظيم.
• فضل التواضع.
• الإحسان سبب للسعادة.
• الإيمان سبب لدفاع الله عن العبد ورعايته له.
стр. 344
ولما بيَّن الله أنه يدافع عن المؤمنين، فاطمأنّت نفوسهم أَذِن لهم في قتال الكفار، فقال:
٣٩ - أَذِن الله للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون بالقتال؛ لما وقع عليهم من ظلم أعدائهم لهم، وإن الله على نصر المؤمنين على عدوهم دون قتال لقدير، لكنّ حكمته اقتضت أن يختبر المؤمنين بقتال الكافرين.
٤٠ - الذين أخرجهم الكفار من ديارهم ظلمًا، لا لجُرْم ارتكبوه إلا أنهم قالوا: ربنا الله، لا ربّ لنا غيره، ولولا ما شرعه الله للأنبياء وللمؤمنين من قتال أعدائهم لاعتدوا على مواطن العبادة، فهدموا صوامع الرهبان، وكنائس النصارى، ومعابد اليهود، ومساجد المسلمين المُعَدَّة للصلاة، فيها يذكر المسلمون الله ذكرًا كثيرًا، ولينصرنّ الله من ينصر دينه ونبيّه، إن الله لقوي على نصر من ينصر دينه، عزيز لا يغالبه أحد.
٤١ - هؤلاء الموعودون بالنصر هم الذين إن مكنّاهم في الأرض بالنصر على أعدائهم أدوا الصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالهم، وأمروا بما أمر به الشرع، ونهوا عما نهى عنه، وحده مرجع الأمور في الثواب عليها والعقاب.
٤٢ - وإن يكذبك -أيها الرسول- قومك، فاصبر فلست أول من كذبه قومه من الرسل، فقد كذب قبل قومك قومُ نوح نوحًا, كذبت عادٌ هودًا، وثمو صالحًا.
٤٣ - وكذب قومُ إبراهيم إبراهيم، وكذب قومُ لوط لوطًا.
٤٤ - وكذب أصحاب مدين شعيبًا، وكذب فرعونُ وقومُهُ موسى، فَأَخَّرْتُ عن أقوامهم العقوبة استدراجًا لهم، ثم أخذتهم بالعذاب، فتأمّل كيف كان إنكاري عليهم، فقد أهلكتهم بسبب كفرهم.
٤٥ - فما أكثر القرى التي أهلكناها -وهي ظالمة بكفرها- بعذاب مُسْتَأصِل، فديارها مهدمة خالية من سكانها، وما أكثر الآبار الخالية من ورَّادها لهلاكهم، وما أكثر القصور العالية المزخرفة التي لم تحصن ساكنيها من العذاب.
٤٦ - أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بما جاء به الرسول ﷺ في الأرض؟ ليعاينوا آثار تلك القرى المهلكة، فيتفكروا بعقولهم ليعتبروا، ويسمعوا قصصهم سماع قبول ليتعظوا، فإن العمى ليس عمى البصر، بل العمى المُهْلِك المُرْدِي هو عمى البصيرة، بحيث لا يكون لصاحبه اعتبار ولا اتعاظ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إثبات صفتي القوة والعزة لله.
• إثبات مشروعية الجهاد؛ للحفاظ على مواطن العبادة.
• إقامة الدين سبب لنصر الله لعبيده المؤمنين.
• عمى القلوب مانع من الاعتبار بآيات الله.
стр. 345
٤٧ - ويستعجلك -أيها الرسول- الكفار من قومك بالعذاب المُعَجَّل في الدنيا وبالعذاب المُؤَجَّل في الآخرة لما أنذروا بهما, ولن يخلفهم الله ما وعدهم به منه، ومن المُعَجَّل ما حل بهم يوم بدر، وإن يومًا من العذاب في الآخرة مثل ألف سنة مما تعدون من سِنِي الدنيا بسبب ما فيه من العذاب.
٤٨ - وما أكثر القرى التي أمهلتها بالعذاب وهي ظالمة لكفرها, ولم أعاجلها به استدراجًا لها، ثم أخذتها بعذاب مُسْتَأصِل، وإليّ وحدي مرجعهم يوم القيامة، فأجازيهم على كفرهم بالعذاب الدائم.
٤٩ - يا أيها الناس، إنما أنا لكم منذر أبلغكم ما أرسلت به، واضح في إنذاري.
٥٠ - فالذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم مغفرة لذنوبهم، ولهم رزق كريم في الجنة لا ينقطع أبدًا.
٥١ - والذين سعوا في التكذيب بآياتنا مُقدِّرين أنهم سيعجزون الله ويفوتونه فلا يعذبهم، أولئك أصحاب الجحيم يلازمونه كما يلازم الصاحب صاحبه.
٥٢ - وما بعثنا من قبلك -أيها الرسول- من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ كتاب الله ألقى الشيطان في قراءته ما يلبس به على الناس أنه من الوحي، فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من إلقائه، ويثبت آياته، والله عليم بكل شيء, لا يخفى عليه شيء، حكيم في خلقه وتقديره وتدبيره.
٥٣ - يُلْقِي الشيطان في قراءة النبي ليصيّر الله ما يلقيه امتحانًا للمنافقين، وللذين قست قلوبهم من المشركين، وإن الظالمين من المنافقين والمشركين لفي عداوة لله ورسوله وبُعْدٍ عن الحق والرشاد.
٥٤ - وليتيقن الذين أعطاهم الله العلم أن القرآن المنزل على محمَّد ﷺ هو الحق الذي أوحى به الله إليك -أيها الرسول- فيزدادوا إيمانًا به، وتخضع له قلوبهم وتخشع، وإن الله لهادي الذين آمنوا به إلى طريق الحق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه؛ جزاء لهم على خضوعهم له.
٥٥ - ولا يزال الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله في شك مما أنزل الله عليك من القرآن، مستمرّين حتى تأتيهم الساعة فجأة وهم على ذلك، أو يأتيهم عذاب يوم لا رحمة فيه ولا خير، وهو يوم القيامة بالنسبة لهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• استدراج الظالم حتى يتمادى في ظلمه سُنَّة إلهية.
• حفظ الله لكتابه من التبديل والتحريف وصرف مكايد أعوان الشيطان عنه.
• النفاق وقسوة القلوب مرضان قاتلان.
• الإيمان ثمرة للعلم، والخشوع والخضوع لأوامر الله ثمرة للإيمان.
стр. 346
٥٦ - الملك يوم القيامة -يوم يأتي هؤلاء ما كانوا يوعدون به من العذاب- لله وحده، لا منازع له فيه، هو سبحانه يحكم بين المؤمنين والكافرين، فيحكم لكل منهم بما يستحقه، فالذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لهم ثواب عظيم هو جنات النعيم المقيم الذي لا ينقطع.
٥٧ - والذين كفروا بالله وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا، لهم عذاب مُذِلّ يذلهم الله به في جهنم.
٥٨ - والذين تركوا ديارهم وأوطانهم طلبًا لمرضاة الله وإعزازًا لدينه، ثم قُتِلوا في الجهاد في سبيله، أو ماتوا -ليرزقنّهم الله في الجنة رزقًا حسنًا دائمًا لا ينقطع، وإن الله سبحانه لهو خير الرازقين.
٥٩ - ليدخلنّهم الله موضعًا يرضونه وهو الجنة، وإن الله لعليم بأفعالهم ونياتهم، حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة على ما فرطوا فيه.
٦٠ - ذلك المذكور؛ من إدخال المهاجرين في سبيل الله الجنة، ومن الإذن بمقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى بحيث لا إثم عليه في ذلك، فإذا عاود المعتدي اعتداءه فإن الله ينصر المُعْتَدَى عليه، إن الله عفو عن ذنوب المؤمنين، غفور لهم.
٦١ - ذلك النصر للمُعْتَدَى عليه لأن الله قادر على ما يشاء، ومن قدرته إدخال الليل في النهار، والنهار في الليل, بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وأن الله سميع لأقوال عباده, عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيهم عليها.
٦٢ - ذلك المذكور من إدخال الله الليل في النهار، والنهار في الليل؛ لأن الله هو الحق، فدينه حق، ووعده حق، ونصره للمؤمنين حق، وأن ما يعبده المشركون من دون الله من الأوثان هو الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي على خلقه ذاتًا وقَدْرًا وقهرًا، الكبير الذي له الكبرياء والعظمة والجلال.
٦٣ - ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السماء مطرًا، فتصبح الأرض بعد نزول المطر عليها خَضْرَاء بما أنبتته من نبات، إن الله لطيف بعباده حيث أنزل لهم المطر، وأنبت لهم الأرض، خبير بمصالحهم، لا يخفى عليه شيء منها.
٦٤ - له وحده ملك ما في السماوات وملك ما في الأرض، وإن الله لهو الغني الذي لا يفتقر إلى أي مخلوق من مخلوقاته، المحمود في كل حال.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مكانة الهجرة في الإِسلام وبيان فضلها.
• جواز العقاب بالمثل.
• نصر الله للمُعْتَدَى عليه يكون في الدنيا أو الآخرة.
• إثبات الصفات العُلَا لله بما يليق بجلاله؛ كالعلم والسمع والبصر والعلو.
стр. 347
٦٥ - ألم تر -أيها الرسول- أن الله ذَلَّل لك وللناس ما في الأرض من الدواب والجمادات لمنافعكم وحاجاتكم، وذلَّل لكم السفن تجري في البحر بأمره وتسخيره من بلد إلى بلد، ويمسك السماء حتى لا تسقط على الأرض إلا بإذنه، فلو أذن لها أن تسقط عليها لسقطت، إن الله بالناس لرؤوف رحيم، حيث سخّر لهم هذه الأشياء مع ما فيهم من ظلم.
٦٦ - والله هو الذي أحياكم حيث أوجدكم بعد أن كنتم معدومين، ثم يميتكم إذا انقضت أعماركم، ثم يحييكم بعد موتكم ليحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها، إن الإنسان لكثير الجحد لنعم الله -مع أنها ظاهرة- بعبادته معه غيره.
٦٧ - لكل أهل ملة جعلنا شريعة، فهم يعملون بشريعتهم، فلا يُنازعَنَّك -أيها الرسول- المشركون وأهل الأديان الأخرى في شريعتك، فأنت أولى بالحق منهم؛ لأنهم أصحاب باطل، وادع الناس إلى إخلاص التوحيد لله، إنك لعلى طريق مستقيم, لا اعوجاج فيه.
٦٨ - وإن امتنعوا إلا أن يجادلوك بعد ظهور الحجة ففوض أمرهم إلى الله قائلًا على سبيل الوعيد: الله أعلم بما تعملون من عمل، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
٦٩ - الله يحكم من عباده: مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا من أمر الدين.
٧٠ - ألم تعلم -أيها الرسول - أن الله يعلم ما في السماء، ويعلم ما في الأرض , لا يخفى عليه شيء مما فيهما، إن علم ذلك مُسَجَّل في اللوح المحفوظ، إن علم ذلك كله على الله سهل.
٧١ - ويعبد المشركون من دون الله أصنامًا لم ينزل الله حجة على عبادتها في كتبه، وليس لهم عليها دليل من علم، وإنما مستندهم التقليد الأعمى لآبائهم، وليس للظالمين من نصير يمنعهم مما يحلّ بهم من عذاب الله.
٧٢ - وإذا تقرأ عليهم آياتنا في القرآن واضحات تعرف في وجوه الذين كفروا بالله إنكارها من عبوسهم عند سماعهم لها، يكادون من شدة الغضب يبطشون بالذين يقرؤون عليهم آياتنا، قل لهم -أيها الرسول-: أفأخبركم بما هو شر من غيظكم وعبوسكم؟ هو النار التي وعد الله الكفار أن يدخلهم فيها، وساء المصير الذي يصيرون إليه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من نعم الله على الناس تسخير ما في السماوات وما في الأرض لهم.
• إثبات صفتي الرأفة والرحمة لله تعالى.
• إحاطة علم الله بما في السماوات والأرض وما بينهما.
• التقليد الأعمى هو سبب تمسك المشركين بشركهم بالله.
стр. 348
٧٣ - يا أيها الناس، ضُرِب مثل فاستمعوا له، واعتبروا به، إن ما تعبدون من أصنام وغيرها من دون الله لن يخلقوا ذبابًا على صغره لعجزهم، ولو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوه ما خلقوه، وإذا أخذ الذباب شيئًا مما عليهم من طيب وما أشبهه لم يقدروا على إنقاذه منه، وبعجزهم عن خلق الذباب، وإنقاذ أشيائهم منه؛ تبين عجزهم عما هو أكبر من ذلك، فكيف تعبدونها -مع عجزها- من دون الله؟! ضَعُفَ هذا الطالب وهو الصنم المعبود الذي لا يستطيع إنقاذ ما استلبه الذباب منه، وضَعُفَ هذا المطلوب الذي هو الذباب.
٧٤ - ما عظموا الله حق تعظيمه حين عبدوا معه بعض مخلوقاته، إن الله لقوي، ومن قوته وقدرته خلق السماوات والأرض ومن فيهما، عزيز لا يغالبه أحد بخلاف أصنام المشركين فهي ضعيفة ذليلة لا تخلق شيئًا.
٧٥ - الله يختار من الملائكة رسلًا، ويختار من الناس رسلًا كذلك، فيرسل بعض الملائكة إلى الأنبياء مثل جبريل أرسله إلى الرسل من البشر، ويرسل الرسل من البشر إلى الناس، إن الله سميع لما يقوله المشركون في رسله، بصير بمن يختاره لرسالته.
٧٦ - يعلم سبحانه ما عليه رسله من الملائكة والناس قبل خلقهم وبعد موتهم، وإلى الله وحده ترجع الأمور يوم القيامة، حيث يبعث عباده فيجازيهم على ما قدموا من عمل.
٧٧ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، اركعوا واسجدوا في صلاتكم لله وحده، وافعلوا الخير من صدقة وصلة؛ رجاء أن تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.
٧٨ - وجاهدوا في سبيل الله جهادًا خالصًا لوجهه، هو اختاركم وجعل دينكم سَمْحًا لا ضيق فيه ولا شدّة، هذه الملة السمْحَة هي ملة أبيكم إبراهيم ﵇، وقد سماكم الله المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن؛ ليكون الرسول شهيدًا عليكم أنه بلغكم ما أمِر بتبليغه، ولتكونوا أنتم شهودًا على الأمم السابقة أنّ رسلها بلَّغَتها، فاشكروا الله على ذلك بالإتيان بالصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، والجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في أموركم، فهو سبحانه نِعْم المولى لمن تولاه من المؤمنين، ونعْم النصير لمن استنصره منهم، فتولوه يتولكم، واستنصروه ينصركم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أهمية ضرب الأمثال لتوضيح المعاني، وهي طريقة تربوية جليلة.
• عجز الأصنام عن خلق الأدنى دليل على عجزها عن خلق غيره.
• الإشراك بالله سببه عدم تعظيم الله.
• إثبات صفتي القوة والعزة لله، وأهمية أن يستحضر المؤمن معاني هذه الصفات.
стр. 349
سورة المؤمنون
مكية
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
ذكر الإيمان وحقيقته وثماره وعواقب مخالفته وذم الكافرين، ولذلك افتتحت بفلاح المؤمنين وعدم فلاح الكافرين.
[التَّفْسِيرُ]
١ - قد فاز المؤمنون بالله العاملون بشرعه بالحصول على ما يطلبون، والنجاة مما يرهبون.
٢ - الذين هم في صلاتهم مُتَذلِّلون، قد سكنت فيها جوارحهم، وفرغت قلوبهم من الشواغل.
٣ - والذين هم عن الباطل واللهو وما فيه معصية من الأقوال والأفعال معرضون.
٤ - والذين هم لتطهير أنفسهم من الرذائل، وتطهير أموالهم بإخراج زكاتها فاعلون.
٥ - والذين هم لفروجهم بإبعادها عن الزنى واللواط والفواحش حافظون، فهم أعفّاء طاهرون.
٦ - إلا على زوجاتهم أو ما يملكون من الإماء، فإنهم لا يُلامون في الاستمتاع بهنّ بالوطء وغيره.
٧ - فمن طلب الاستمتاع بما عدا الزوجات أو إمائه اللاتي يملكها فهو متجاوز لحدود الله بتجاوز ما أحله من التمتع إلى ما حرمه منه.
٨ - والذين هم لما ائتمنهم الله عليه، أو ائتمنهم عباده، ولعهودهم حافظون لا يضيعونها، بل يوفون بها.
٩ - والذين هم على صلواتهم يحافظون بالمداومة عليها، وعلى أدائها في أوقاتها بأركانها وواجباتها ومستحبّاتها.
١٠ - أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الوارثون.
١١ - الذين يرثون أعلى الجنة هم فيها ماكثونِ أبدًا , لا ينقطع نعيمهم فيها.
١٢ - ولقد خلقنا أبا البشر آدم من طين، أخِذت ترجمته من خلافة استُخْرِجت من ماء مختلط بتربة الأرض.
١٣ - ثم خلقنا ذريته متناسلين من نطفة تستقر في الرحم إلى حين الولادة.
١٤ - فخلقنا بعد ذلك النطفة المستقرة في الرحم عَلَقَة حمراء، ثم جعلنا تلك العَلَقَة الحمراء كقطعة لحم ممضوغة، فخلقنا قطعة اللحم تلك عظامًا مُتَصَلِّبة، فألبسنا تلك العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقا آخر بنفخ الروح فيه، وإخراجه إلى الحياة، فتبارك الله أحسن الخالقين.
١٥ - ثم إنكم -أيها الناس- بعد ما مررتم به من تلك الأطوار ستموتون عند انقضاء آجالكم.
١٦ - ثم إنكم بعد موتكم تبعثون من قبوركم يوم القيامة؛ لتحاسبوا على ما قدمتم من عمل.
١٧ - ولقد خلقنا فوقكم -أيها الناس- سبع سماوات بعضها فوق بعض، وما كنا بغافلين عن خلقنا, ولا ناسين إياه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• للفلاح أسباب متنوعة يحسن معرفتها والحرص عليها.
• التدرج في الخلق والشرع سُنَّة إلهية.
• إحاطة علم الله بمخلوقاته.
стр. 350
١٨ - وأنزلنا من السماء ماء المطر بمقدار الحاجة، لا كثيرًا فيفسد ولا قليلًا فلا يكفي، فجعلناه يستقر في الأرض ينتفع به الناس والدواب، بيانا لقادرون على أن نذهب به فلا تنتفعون.
١٩ - فأنشأنا لكم بذلك الماء بساتين من النخيل والأعناب، لكم فيها فواكه متعددة الأشكال والألوان، كالتِّين والرمان والتفاح، ومنها تأكلون.
٢٠ - وأنشأنا لكم به شجرة الزيتون التي تخرج في منطقة جبل سيناء، تُنبِت الدهن الَّذي يستخرج من ثمرها يُدَّهن به ويُؤْتَدَم.
٢١ - وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام (الإبل، البقر، الغنم) لعبرة ودلالة تستدلّون بها على قدرة الله ولطفه بكم، نسقيكم مما في بطون هذه الأنعام لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ولكم فيها منافع كثيرة تنتفعون بها منها؛ كالركوب والصوف والوبر والشعر، وتأكلون من لحومها.
٢٢ - وعلى الإبل من الأنعام في البر، وعلى السفن في البحر تُحْمَلون.
٢٣ - ولقد بعثنا نوحًا ﵇ إلى قومه يدعوهم إلى الله، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ما لكم من معبود بحق غيره سبحانه، أفلا تتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؟!
٢٤ - فقال الأشراف والسادة الذين كفروا بالله من قومه لأتباعهم وعامتهم: ما هذا الَّذي يزعم أنَّه رسول إلا بشر مثلكم يريد الرئاسة والسيادة عليكم، فلو شاء الله أن يرسل إلينا رسولًا لأرسله من الملائكة، ولم يرسله من البشر، ما سمعنا بمثل ما ادعاه عند أسلافنا الذين سبقونا.
٢٥ - وما هو إلا رجل به جنون، لا يعي ما يقول، فانتظروا به حتَّى يتضح أمره للناس.
٢٦ - قال نوح ﵇: رب انصرني عليهم بأن تنتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي.
٢٧ - فأوحينا إليه أن أصنع السفينة بمرأى منا وتعليمنا إياك كيف تصنعها، فإذا جاء أمرنا لإهلاكهم، ونبع الماء بقوة من المكان الَّذي يخبز فيه، فأدخل فيها من كل الأحياء ذكرًا وأنثى ليستمرّ النَّسْل، وأدخل أهلك إلا من سبق عليه القول من الله بالإهلاك مثل زوجتك وابنك، ولا تخاطبني في الذين ظلموا بالكفر بطلب نجاتهم وترك إهلاكهم، إنهم مُهْلَكون -لا محالة- بالغرق في ماء الطوفان.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لطف الله بعباده ظاهر لإنزال المطر وتيسير الانتفاع به.
• التنويه بمنزلة شجرة الزيتون.
• اعتقاد المشركين ألوهية الحجر، وتكذيبهم بنبوة البشر، دليل على سخف عقولهم.
• نصر الله لرسله ثابت عندما تكذبهم أممهم.
стр. 351
٢٨ - فإذا علوت على السفينة أنت ومن معك من المؤمنين الناجين، فقل: الحمد لله الَّذي أنقذنا من القوم الكافرين فأهلكهم.
٢٩ - وقل: رب أنزلني من الأرض إنزالًا مباركًا، وأنت خير المُنْزِلين.
٣٠ - إن في ذلك المذكور من إنجاء نوح والمؤمنين معه، وإهلاك الكافرين؛ لدلالات جلية على قدرتنا على نصر رسلنا وإهلاك المكذبين بهم، بيان كنا لمختبرين قوم نوح برساله إليهم ليتضح المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي.
٣١ - ثم أنشأنا من بعد إهلاك قوم نوح أمة أخرى.
٣٢ - فبعثنا فيهم رسولًا منهم يدعوهم إلى الله، فقال لهم: اعبدوا الله وحده ما لكم من معبود بحق غيره سبحانه، أفلا تتقون الله باجتناب نواهيه، وامتثال أوامره؟!
٣٣ - وقال الأشراف والسادة من قومه الذين كفروا بالله، وكذبوا بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، وأطغاهم ما وسّعنا لهم من النعم في الحياة الدنيا، قالوا لأتباعهم وعامتهم-: ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون منه، فليس له مزية عليكم حتَّى يُبْعَث رسولًا إليكم.
٣٤ - ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذن لخاسرون لعدم انتفاعكم بطاعته لترككم آلهتكم، واتباع من لا فضيلة له عليكم.
٣٥ - أيعدكم هذا الَّذي يزعم أنَّه رسول أنكم إذا متم وصرتم ترابًا وعظامًا بالية أنكم تخرجون من قبوركم أحياء؟! أيعقل هذا؟!
٣٦ - بعيد جدًّا ما توعدون به من إخراجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم، ومصيركم ترابًا وعظامًا بالية.
٣٧ - ليست الحياة إلا الحياة الدنيا، لا الحياة الآخرة، تموت الأحياء منا ولا تحيا، ويولد آخرون فيحيون، ولسنا بمُخرَجين بعد موتنا للحساب يوم القيامة.
٣٨ - ما هذا الَّذي يدّعي أنَّه رسول إليكم إلا رجل اختلق على الله كذبًا بادعائه هذا، ولسنا له بمؤمنين.
٣٩ - قال الرسول: رب انصرني عليهم بأن تنتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي.
٤٠ - فأجابه الله قائلًا: بعد زمن قليل سيصبح هؤلاء المكذبون بما جئت به نادمين على ما وقع منهم من التكذيب.
٤١ - فأخذهم صوت شديد مُهلك باستحقاقهم العذاب لتعنُتهم، فصيّرتهم هلكى مثل غثاء السيل، فهلاكًا للقوم الظالمين.
٤٢ - ثم بعد إهلاكهم أنشأنا أقوامًا وأممًا آخرين مثل قوم لوط، وقوم شعيب، وقوم يونس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب حمد الله على النعم.
• الترف في الدنيا من أسباب الغفلة أو الاستكبار عن الحق.
• عاقبة الكافر الندامة والخسران.
• الظلم سبب في البعد عن رحمة الله.
стр. 352
٤٣ - لا تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لمجيء هلاكها، ولا تتأخر عنه، مهما كان لها من الوسائل.
٤٤ - ثم بعثنا رسلنا متتابعين رسولًا رسولًا، كلما جاء أمةً من تلك الأمم رسولُها المبعوث إليها كذبوه، فاتبعنا بعضهم ببعض بالهلاك، فلم يبق لهم وجود إلا أحاديث الناس عنهم، فهلاكًا لقوم لا يؤمنون بما جاءتهم به رسلهم من عند ربهم.
٤٥ - ثم بعثنا موسى وأخاه هارون بآياتنا النسع: (العصا، اليد، الجراد، القُمَّل، الضفاع، الدم، الطوفان، السنون، نقص الثمرات)، وبحجة واضحة.
٤٦ - بعثناهما إلى فرعون والأشراف من قومه فاستكبروا، فلم ينقادوا للإيمان لهما، وكانوا قومًا مُسْتَعْلِين على الناس بالقهر والظلم.
٤٧ - فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا، لا مزية لهما علينا، وقومهما (بنو إسرائيل) لنا مطيعون خاضعون؟!
٤٨ - فكذبوهما فيما جاءا به من عند الله، فكانوا بسبب تكذيبهم من المُهْلَكين بالغرق.
٤٩ - ولقد أعطينا موسى التوراة رجاء أن يهتدي بها قومه إلى الحق، ويعملوا بها.
٥٠ - وصيرنا عيسى بن مريم وأمه مريم علامة دالة على قدرتنا، فقد حملت به من غير أب، وآويناهما إلى مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ صالح للاستقرار عليه، فيه ماء جار متجدد.
٥١ - يا أيها الرسل، كلوا مما أحللت لكم مما يُسْتَطاب أكله، واعملوا عملًا صالحًا موافقًا للشرع، إني بما تعملون من عمل عليم، يخفى عليَّ من أعمالكم شيء.
٥٢ - وإن ملَّتكم -أيها الرسل- ملة واحدة وهي الإسلام، وأنا ربكم لا ربَّ لكم غيري، فاتقوني بامتثال أوامري، واجتناب نواهيّ.
٥٣ - فتفرّق أتباعهم بعدهم في الدين، فصاروا أحزابًا وشيعًا، كل حزب معجب بما يؤمن أنَّه هو الدين المرضي عند الله، ولا يلتفت إلى ما عند غيره.
٥٤ - فاتركهم -أيها الرسول- فيما هم فيه من الجهل والحيرة إلى حين نزول العذاب بهم.
٥٥ - ٥٦ - أيظن هؤلاء الأحزاب الفرحون بما لديهم أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد في الحياة الدنيا هو تعجيل خير لهم يستحقونه؟! ليس الأمر كما ظنوا، إنما نعطيهم ذلك إملاءً واستدراجًا لهم، لكنهم لا يحسُّون بذلك.
٥٧ - إن الذين هم مع إيمانهم وإحسانهم وجِلون من ربهم.
٥٨ - والذين هم بآيات كتابه يؤمنون.
٥٩ - والذين هم يوحدون ربهم لا يشركون به شيئًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستكبار مانع من التوفيق للحق.
• إطابة المأكل له أثر في صلاح القلب وصلاح العمل.
• التوحيد ملة جميع الأنبياء ودعوتهم.
• الإنعام على الفاجر ليس إكرامًا له، وإنما هو استدراج.
стр. 353
٦٠ - والذين يجتهدون في أعمال البر، ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة وهم خائفون ألا يتقبل الله منهم إنفاقهم وأعمالهم الصالحة إذا رجعوا إليه يوم القيامة.
٦١ - أولئك الموصوفون بهذه الصفات العظيمة يبادرون إلى الأعمال الصالحة، وهم إليها سابقون، ومن أجلها سبقوا غيرهم.
٦٢ - ولا نكلف نفسًا إلا قدر ما تستطيعه من العمل، وعندنا كتاب أثبتنا فيه عمل كل عامل، ينطق بالحق الَّذي لا مرية فيه، وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم، ولا زيادة سيئاتهم.
٦٣ - بل قلوب الكفار في غفلة من هذا الكتاب الَّذي ينطق بالحق، والكتاب الَّذي نزل عليهم، ولهم أعمال أخرى دون ما هم عليه من الكفر هم لها عاملون.
٦٤ - حتَّى إذا عاقبنا منعَّميهم في الدنيا بالعذاب يوم القيامة إذا هم يرفعون أصواتهم مستغيثين.
٦٥ - فيقال لهم تيئيسًا لهم من رحمة الله: لا تصرخوا ولا تستغيثوا في هذا اليوم، فإنه لا ناصر لكم يمنعكم من عذاب الله.
٦٦ - قد كانت آيات كتاب الله تُقْرأ عليكم في الدنيا، فكنتم ترجعون مولّين عنها إذا سمعتموها كراهية لها.
٦٧ - تفعلون ذلك مستكبرين على الناس بما تزعمونه من أنكم أهل الحرم ولستم أهله؛ لأن أهله هم المتقون، وتتسامرون حوله بالسيئ من القول، فأنتم لا تقدسونه.
٦٨ - أفلم يتدبر هؤلاء المشركون ما أنزل الله من القرآن ليؤمنوا به، ويعملوا بما فيه، أم جاءهم ما لم يأت أسلافهم من قبلهم، فأعرضوا عنه وكذبوا به.
٦٩ - أم إنهم لم يعرفوا محمدًا ﷺ الَّذي أرسله الله إليهم، فهم منكرون له، لقد عرفوه وعرفوا صدقه وأمانته.
٧٠ - بل يقولون: هو مجنون، لقد كذبوا، بل جاءهم بالحق الَّذي لا مِرْية فيه أنَّه من عند الله، ومعظمهم كارهون للحق، مبغضون له حسدًا من عند أنفسهم، وتعصبًا لباطلهم.
٧١ - ولو أجرى الله الأمور، ودبّرها على وفق ما تهواه أنفسهم لفسدت السماوات والأرض، وفسد من فيهن لجهلهم بعواقب الأمور، وبالصحيح والفاسد من التدبير.
٧٢ - هل طلبت -أيها الرسول- أجرًا من هؤلاء على ما جئتهم به، وذلك جعلهم يرفضون الدعوة؛ هذا لم يحدث منك، فثواب ربك وأجره خير من ثواب هؤلاء وغيرهم، وهو -سبحانه- خير الرازقين.
٧٣ - وإنك -أيها الرسول- لتدعو هؤلاء وغيرهم إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام.
٧٤ - وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب وثواب عن طريق الإسلام لمائلون إلى غيرها من الطرق المعوجة الموصلة إلى النار.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خوف المؤمن من عدم قبول عمله الصالح.
• سقوط التكليف بما لا يُسْتطاع رحمة بالعباد.
• الترف مانع من موانع الاستقامة وسبب في الهلاك.
• قصور عقول البشر عن إدراك كثير من المصالح.
стр. 354
٧٥ - ولو رحمناهم ورفعنا عنهم ما بهم من قحط وجوع لتمادوا في ضلالهم عن الحق يترددون ويتخبّطون.
٧٦ - ولقد اختبرناهم بأنواع المصائب، فما تَذَلَّلوا لربِّهم ولا خضعوا له، وما دعوه خاشعين ليرفع عنهم المصائب عند نزولها.
٧٧ - حتَّى إذا فتحنا عليهم بابًا من العذاب الشديد إذا هم فيه آيسون من كل فَرَج وخير.
ولما كان إنكار البعث لا يقع ممن ينتفع بسمعه وبصره وعقله ذكَّرهم الله بما أنعم عليهم به منها، فقال:
٧٨ - والله سبحانه هو الَّذي خلق لكم -أيها المكذبون بالبعث- السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتفقهوا بها، وذلك لا تشكرونه على هذه النعم إلا قليلًا.
٧٩ - وهو الَّذي خلقكم -أيها الناس- في الأرض، وإليه وحده يوم القيامة تحشرون للحساب والجزاء.
٨٠ - وهو وحده سبحانه الَّذي يحيي فلا محيي غيره، وهو وحده الَّذي يميت فلا مميت سواه، وإليه وحده تقدير اختلاف الليل والنهار ظلمة وإنارة وطولًا وقصرًا، أفلا تعقلون قدرته، وتفرّده بالخلق والتدبير؟!
٨١ - بل قالوا مثل ما قال آباؤهم وأسلافهم في الكفر.
٨٢ - قالوا على وجه الاستبعاد والإنكار: أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية أإنا لمبعوثون أحياءً للحساب؟!
٨٣ - لقد وعدنا هذا الوعد - وهو البعث بعد الموت - ووُعِد أسلافنا من قبلُ بذلك، ولم نر ذلك الوعد تحقق، ما هذا إلا أباطيل الأقدمين وأكاذيبهم.
٨٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفار المنكرين للبعث: لمن هذه الأرض، ومن عليها إن كان لكم علم؟
٨٥ - سيقولون: الأرض ومن عليها لله، فقل لهم: ألا تتذكرون أن من له الأرض ومن عليها قادر على إحيائكم بعد موتكم؟
٨٦ - قل لهم: من رب السماوات السبع؟ ومن رب العرش العظيم الَّذي لا يوجد مخلوق أعظم منه؟
٨٧ - سيقولون: السماوات السبع والعرش العظيم ملك لله، فقل لهم: أفلا تتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لتسلموا من عذابه؟
٨٨ - قل لهم: من الَّذي بيده ملك كل شيء، لا يشذ عن ملكه شيء، وهو يغيث من شاء من عباده، ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه العذاب، إن كان لكم علم؟
٨٩ - سيقولون: ملك كل شيء بيده سبحانه، فقل لهم: فكيف تذهب عقولكم، وتعبدون غيره مع إقراركم بذلك؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• عدم اعتبار الكفار بالنعم أو النقم التي تقع عليهم دليل على فساد فطرهم.
• كفران النعم صفة من صفات الكفار.
• التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول للحق.
• الإقرار بالربوبية ما لم يصحبه إقرار بالألوهية لا ينجي صاحبه.
стр. 355
٩٠ - ليس الأمر كما يدّعون، بل جئناهم بالحق الَّذي لا مرية فيه، وإنهم لكاذبون فيما يدّعونه لله من الشريك والولد، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
٩١ - ما اتخذ الله من ولد كما يزعم الكفار، وما كان معه من معبود بحق، ولو فرض أنَّه معه معبود بحق لذهب كل معبود بنصيبه من الخلق الَّذي خلقه، وَلَغَالَبَ بعضهم بعضًا، فيفسد نظام الكون، والواقع أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فدل على أن المعبود بحق واحد وهو الله وحده، تنزه وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به من الولد والشريك.
٩٢ - عالم كل ما غاب عن خلقه، وعالم كل ما يشاهد ويدرك بالحواس، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فتعالى سبحانه أن يكون له شريك.
٩٣ - قل -يا أيها الرسول-: رب إما تريني في هؤلاء المشركين ما وعدتهم من العذاب.
٩٤ - رب إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم فيصيبني ما أصابهم من العذاب.
٩٥ - وإنا على أن نجعلك تشاهد وترى ما نعدهم به من العذاب لقادرون، لا نعجز عن ذلك ولا عن غيره.
٩٦ - ادفع -أيها الرسول- من يسيء إليك بالخصلة التي هي أحسن؛ بأن تصفح عنه، وتصبر على أذاه، نحن أعلم بما يصفون من الشرك والتكذيب، وبما يصفونك به مما لا يليق بك كالسحر والجنون.
٩٧ - وقل: رب اعتصم بك من نَزَغَات الشياطين ووساوسهم.
٩٨ - وأعوذ بك رب أن يحضروني في شيء من أموري.
٩٩ - حتَّى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعاين ما ينزل به قال ندمًا على ما فات من عمره، وما فرّط في جنب الله: رب ارجعني إلى الحياة الدنيا.
١٠٠ - لعلّي أعمل عملًا صالحًا إذا رجعت إليها، كلا، ليس الأمر كما طلبت، إنها مجرد كلمة هو قائلها، فلو رُدَّ إلى الحياة الدنيا لما وفى بما وعد به، وسيبقى هؤلاء المتوفّون في حاجز بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور، فلا يرجعون منه إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم، ويصلحوا ما أفسدوه.
١٠١ - فإذا نفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية المؤذنة بالقيامة، فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها لانشغالهم بأهوال الآخرة، ولا يسأل بعضهم بعضًا لانشغالهم بما يهمهم.
١٠٢ - فمن ثقلت موازينه برجحان حسناته على سيئاته فأولئك هم المفلحون بما ينالونه من مطلوبهم، وما يجنّبون من مرهوبهم.
١٠٣ - ومن خفّت موازينه لرجحان سيئاته على حسناته فأولئك هم الذين ضيعوا أنفسهم بفعل ما يضرّها، وترك ما ينفعها من الإيمان والعمل الصالح، فهم في نار جهنم ماكثون، لا يخرجون منها.
١٠٤ - تحرق وجوههم النار، وهم فيها قد تقلّصت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم من شدة العبوس.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاستدلال باستقرار نظام الكون على وحدانية الله.
• إحاطة علم الله بكل شيء.
• معاملة المسيء بالإحسان أدب إسلامي رفيع له تأثيره البالغ في الخصم.
• ضرورة الاستعاذة بالله من وساوس الشيطان وإغراءاته.
следующие страницы →