← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٨٧ - قد كان في أول الأمر يحرم على الرجل إذا نام في ليلة الصيام ثم استيقظ قبل الفجر أن يأكل أو يقرب أهله، فنسخ الله ذلك، وأباح الله لكم -أيها المؤمنون- في ليالي الصيام جماع نسائكم، فهن ستر وإعفاف لكم، وأنتم ستر وإعفاف لهن، لا يستغني بعضكم عن بعض، عَلِمَ الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بفعل ما نهاكم عنه، فرحمكم وتاب عليكم، وخفف عنكم، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدّر الله لكم من الذرية، وكلوا واشربوا في الليل كله، حتَّى يتبين لكم طلوع الفجر الصادق ببياض الفجر وانفصاله عن سواد الليل، ثم أكملوا الصيام بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر حتَّى تغيب الشمس، ولا تجامعوا النساء وأنتم معتكفون في المساجد؛ لأن ذلك يبطله. تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله بين الحلال والحرام فلا تقربوها أبدًا؛ فإن من اقترب من حدود الله يوشك أن يقع في الحرام، وبمثل هذا البيان الواضح الجلي لتلك الأحكام يبين الله آياته للناس لعلهم يتقونه بفعل ما أمر وترك ما نهى. ١٨٨ - ولا يأخذ بعضكم مال بعضكم بوجه غير مشروع، كالسرقة والغَصْب والغش، ولا تخاصموا بها إلى الحكام لتأخذوا طائفة من أموال الناس متلبّسين بالمعصية، وأنتم تعلمون أن الله حرم ذلك، فالإقدام على الذنب مع العلم بتحريمه أشد قُبْحًا وأعظم عقوبة. ١٨٩ - يسألونك -أيها الرسول- عن تكوين الأهلة وتغير أحوالها، قل مجيبًا إياهم عن حكمة ذلك: إنها مواقيت للناس، يعرفون بها أوقات عباداتهم؛ كأشهر الحج، وشهر الصيام، وتَمَام الحَوْل في الزكاة، ويعرفون أوقاتهم في المعاملات؛ كتحديد آجال الديات والديون. وليس البر والخير أن تأتوا البيوت من ظهورها عند إحرامكم بالحج أو العمرة -كما كنتم تزعمون في الجاهلية- ولكن البر حقيقةً برُّ من اتقى الله في الظاهر والباطن، ولكن مجيئكم للبيوت من أبوابها، فهو أيسر لكم وأبعد عن المشقة؛ لأن الله لم يكلفكم بما فيه عسر ومشقة عليكم، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح، لعلكم تفلحون بنيل ما ترغبون فيه، والنجاة مما ترهبون منه. ١٩٠ - وقاتلوا -ابتغاء رفع كلمة الله- الذين يقاتلونكم من الكفار ليصدوكم عن دين الله، ولا تتجاوزوا حدود الله بقتل الصبيان والنساء والشيوخ، أو بالتمثيل بالقتلى ونحو ذلك، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدوده فيما شرع وحكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد للعبادة؛ ولهذا يُنهى عن كل ما يعارض مقصود الاعتكاف، ومنه مباشرة المرأة. • النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم كل الوسائل والأساليب التي تقود لذلك، ومنها الرشوة. • تحريم الاعتداء والنهي عنه؛ لأن هذا الدين قائم على العدل والإحسان.

стр. 37

١٩١ - واقتلوهم حيث لقيتموهم، وأخرجوهم من المكان الَّذي أخرجوكم منه، وهو مكة، والفتنة الحاصلة بصَدِّ المؤمن عن دينه ورجوعه إلى الكفر أعظم من القتل. ولا تبدؤوهم بقتال عند المسجد الحرام تعظيمًا له حتَّى يبدؤوكم بالقتال فيه، فإن بدؤوا بالقتال في المسجد الحرام فاقتلوهم، ومثل هذا الجزاء -وهو قتلهم إذا اعتدوا في المسجد الحرام- يكون جزاء الكافرين. ١٩٢ - فإن انتهوا عن قتالكم وكفرهم فانتهوا عنهم، إن الله غفور لمن تاب فلا يؤاخذهم بذنوبهم السابقة، رحيم بهم لا يعاجلهم بالعقوبة. ١٩٣ - وقاتلوا الكفار حتَّى لا يكون منهم شرك ولا صَدٌّ للناس عن سبيل الله ولا كفر، ويكون الدين الظاهر دين الله، فإن انتهوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله فاتركوا قتالهم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين بالكفر والصد عن سبيل الله. ١٩٤ - الشهر الحرام الَّذي مكّنَكم الله فيه من دخول الحرم وأداء العمرة سنةَ سَبع، هو عِوَض عن الشهر الحرام الَّذي صدكم فيه المشركون عن الحرم سنةَ سِتٍّ، والحُرمات -كحرمة البلد الحرام والشهر الحرام والإحرام- يجري فيها القصاص من المعتدين، فمن اعتدى عليكم فيها فعاملوه بمثل فعله، ولا تتجاوزوا حد المماثلة، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدوده وخافوا الله في تجاوز ما أذن لكم فيه، واعلموا أن الله مع المتقين له بالتوفيق والتأييد. ١٩٥ - وأنفقوا المال في طاعة الله من الجهاد وغيره، ولا تلقوا بأنفسكم إلى الهلاك، بأن تتركوا الجهاد والبذل في سبيله، أو بأن تلقوا بأنفسكم فيما يكون سببًا لهلاككم، وأحسنوا في عباداتكم ومعاملاتكم وأخلاقكم، إن الله يحب المحسنين في كل شؤونهم، فيعظم لهم الثواب، ويوفقهم للرشاد. ١٩٦ - وأدوا الحج والعمرة تامَّين، مبتغين وجه اللهِ تعالى، فإذا مُنِعْتُم من إتمامهما بمرض أو بعدوٍّ؛ فعليكم بذبح ما تيسر من الهدي -من الإبل أو البقر أو الغنم- لتتحلَّلوا من إحرامكم. ولا تحلقوا رؤوسكم أو تقصروها حتَّى يبلغ الهدي الموضع الَّذي يحل فيه ذبحه، فإن كان ممنوعًا من الحرم فليذبح حيث مُنع، وإن كان غير ممنوع من الحرم فليذبح في الحرم يوم النحر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من شعر رأسه؛ كقمل ونحوه، فَحَلَق رأسه بسبب ذلك، فلا حرج عليه، وعليه أن يفدي عن ذلك؛ إما بصيام ثلاثة أيام، أو بإطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، أو بذبح شاة توزع على فقراء الحرم، فإذا كنتم غير خائفين فمن استمتع منكم بأداء العمرة في أشهر الحج، وتمتع بما حرُمَ عليه من محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج من عامه؛ فليذبح ما تيسر له من شاة أو يشترك سبعة في ذبح بعير أو بقرة، فإذا لم يقدر على الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام من أيام المناسك بدلًا منه، وعليه صيام سبعة أيام بعد رجوعه إلى أهله، ليكون مجموع الأيام عشرة كاملة، ذلك التمتع مع وجوب الهدي أو الصيام للعاجز عن الهدي هو لغير أهل الحرم ومن يقيم قريبًا من الحرم؛ لأنهم لا حاجة بهم إلى التمتع فهم لوجودهم بالحرم يكفيهم مطلق الطواف عن التمتع بالعمرة إلى الحج، واتقوا الله باتباع ما شرع، وتعظيم حدوده، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مقصود الجهاد وغايته جَعْل الحكم لله تعالى وإزالة ما يمنع الناس من سماع الحق والدخول فيه. • ترك الجهاد والقعود عنه من أسباب هلاك الأمة؛ لأنه يؤدي إلى ضعفها وطمع العدو فيها. • وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما، وجواز التحلل منهما بذبح هدي لمن مُنِع عن الحرم.

стр. 38

١٩٧ - وقت الحج أشهر معلومات، تبدأ بشهر شوال، وتنتهي بعشر ذي الحجة، فمن أوجب على نفسه الحج في هذه الأشهر وأحرم به؛ حَرُمَ عليه الجماع ومقدماته، ويتأكد في حقه حُرْمة الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي؛ لعظم الزمان والمكان، ويحرم عليه الجدال المؤدي إلى الغضب والخصومة، وما تفعلوا من خير يعلمه الله فيجازيكم به. واستعينوا على أداء الحج بأخذ ما تحتاجون إليه من طعام وشراب، واعلموا أن خير ما تستعينون به في كل شؤونكم هو تقوى الله تعالى، فخافوني بامتثال أوامري واجثناب نواهيّ يا ذوي العقول السليمة. ١٩٨ - ليس عليكم إثم أن تطلبوا الرزق الحلال بالتجارة وغيرها في أثناء الحج، فإذا دفعتم من عرفات بعد وقوفكم فيها يوم التاسع، متوجهين إلى مزدلفة ليلة العاشر من ذي الحجة؛ فاذكروا الله بالتسبيح والتهليل والدعاء عند المشعر الحرام بمزدلفة، واذكروا الله لهدايته لكم إلى معالم دينه، ومناسك حج بيته، فقد كنتم من قبل ذلك من الغافلين عن شريعته. ١٩٩ - ثم ادفعوا من عرفات كما كان يصنع الناس المقتدون بإبراهيم ﵇، لا كما كان يصنع من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واطلبوا المغفرة من الله على تقصيركم في أداء ما شرع، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم. ٢٠٠ - فإذا أنهيتم أعمال الحج، وفرغتم منها فاذكروا الله، وأكثروا من الثناء عليه، كفَخْرِكم بآبائكم وثنائكم عليهم، أو أشد ذكرًا لله من ذكر آبائكم؛ لأن كل نعمة تتنعّمون بها هي منه ، والناس مختلفون، فمنهم الكافر المشرك الَّذي لا يؤمن إلا بهذه الحياة الدنيا، فلا يسأل ربه إلا نعيمها وزينتها من الصحة والمال والولد، وليس لهم نصيب مما أعد الله لعباده المؤمنين في الآخرة، لرغبتهم في الدنيا وإعراضهم عن الآخرة. ٢٠١ - وفريق من الناس مؤمن بالله يؤمن بالآخرة، فيسأل ربه نعيم الدنيا والعمل الصالح فيها، كما يسأله الفوز بالجنّة والسلامة من عذاب النار. ٢٠٢ - أولئك الداعون بخَيْرَي الدنيا والآخرة لهم حظٌّ من ثواب عظيم بما اكتسبوا من الأعمال الصالحة في الدنيا، والله سريع الحساب للأعمال. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • يجب على المؤمن التزود في سفر الدنيا وسفر الآخرة، ولذلك ذكر الله أن خير الزاد هو التقوى. • مشروعية الإكثار من ذكر الله تعالى عند إتمام نسك الحج. • اختلاف مقاصد الناس؛ فمنهم من جعل همّه الدنيا، فلا يسأل ربه غيرها، ومنهم من يسأله خير الدنيا والآخرة، وهذا هو الموفَّق.

стр. 39

٢٠٣ - واذكروا الله بالتكبير والتهليل في أيام قلائل؛ هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، فمن تعجَّل وخرج من منى بعد الرمي في اليوم الثاني عشر فله ذلك، ولا إثم عليه؛ لأن الله خفف عنه، ومن تأخر إلى الثالث عشر حتَّى يرمي فله ذلك، ولا حرج عليه، وقد جاء بالأكمل، واتبع فعل النبي ﷺ ، كل ذلك لمن اتقى الله في حجه فجاء به كما أمر الله، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأيقنوا أنكم إليه وحده ترجعون وتصيرون، فيجازيكم على أعمالكم. ٢٠٤ - ومن الناس منافق يعجبك -أيها النبي- كلامه في هذه الدنيا، فتراه حسن المنطق، حتَّى لتظن صدقه ونصحه، وإنما قَصْده حفظُ نفسه وماله، ويُشهِد الله -وهو كاذب- على ما في قلبه من إيمان وخير، وهو شديد الخصومة والعداوة للمسلمين. ٢٠٥ - وإذا أدبر عنك وفارقك سعى مجتهدًا في الأرض من أجل أن يُفسد بالمعاصي، ويُتْلِف الزرع، ويقتل المواشي، والله لا يحب الفساد في الأرض، ولا يحب أهله. ٢٠٦ - وإذا قيل لذلك المفسد -على سبيل النصح-: اتق الله بتعظيم حدوده واجتناب نواهيه، منعته الأَنَفَةُ والكِبْر عن الرجوع إلى الحق، وتمادى في الإثم، فجزاؤه الَّذي يكفيه دخول جهنم، ولبئس المستقر والمقام لأهلها. ٢٠٧ - ومن الناس مؤمن يبيع نفسه، فيبذلها طاعة لربه، وجهادًا في سبيله وطلبًا لمرضاته، والله واسع الرحمة بعباده، رؤوف بهم. ٢٠٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله ادخلوا في الإسلام جميعه، ولا تتركوا منه شيئًا، كما يفعل أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ولا تتبعوا مسالك الشيطان؛ لأنه لكم عدو واضح العداوة مُظْهِرُها. ٢٠٩ - فإن وقع منكم زلل وميل من بعد ما جاءتكم الدلائل الواضحات التي لا لَبس فيها؛ فاعلموا أن الله عزيز في قدرته وقهره، حكيم في تدبيره وتشريعه، فخافوه وعَظِّموه. ٢١٠ - ما ينتظر هؤلاء المتبعون مسالك الشيطان المائلون عن طريق الحق إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة إتيانًا يليق بجلاله سبحانه، في ظُلَل من السحاب للقضاء بينهم، وتأتيهم الملائكة محيطة بهم من كل جانب، وعندئذ يُقضى أمر الله فيهم، ويُفرغُ منه، وإلى الله سبحانه وحده ترجع أمور الخلائق وشؤونهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التقوى حقيقةً لا تكون بكثرة الأعمال فقط، وإنما بمتابعة هدي الشريعة والالتزام بها. • الحكم على الناس لا يكون بمجرد أشكالهم وأقوالهم، بل بحقيقة أفعالهم الدالة على ما أخفته صدورهم. • الإفساد في الأرض بكل صوره من صفات المتكبرين التي تلازمهم، والله تعالى لا يحب الفساد وأهله. • لا يكون المرء مسلمًا حقيقة لله تعالى حتَّى يُسَلِّم لهذا الدين كله، ويقبله ظاهرًا وباطنًا.

стр. 40

٢١١ - اسأل -أيها النبي- بني إسرائيل سؤال توبيخ لهم: كم بيَّن الله تعالى لكم من آية واضحة دالة على صدق الرسل! فكذبتموها وأعرضتم عنها، ومن يبدل نعمة الله كفرًا وتكذيبًا بعد معرفتها وظهورها؛ فإن الله شديد العقاب للكافرين المكذبين. ٢١٢ - حُسِّن للذين كفروا بالله الحياة الدنيا وما فيها من مُتَع زائلة، وملذات منقطعة، ويستهزئون بالذين آمنوا بالله واليوم الآخر، والذين اتقوا الله بفعل أوامره وترك نواهيه فوق هؤلاء الكافرين في الآخرة، حيث ينزلهم الله في جنات عدن، والله يعطي من يشاء من خلقه بلا عدّ ولا حساب. ٢١٣ - كان الناس أمة واحدة متفقين على الهدى، على دين أبيهم آدم، حتَّى أضلتهم الشياطين، فاختلفوا بين مؤمن وكافر، فلأجل ذلك بعث الله الرسل مبشرين أهل الإيمان والطاعة بما أعبد الله لهم من رحمته، ومنذرين أهل الكفر بما أوعدهم الله به من شديد عقابه، وأنزل مع رسله الكتب مشتملة على الحق الَّذي لا شك فيه؛ ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه. وما اختلف في التوراة إلا الذين أعطوا علمها من اليهود بعدما جاءتهم حجج الله أنَّه حق من عنده لا يسعهم الاختلاف فيه، ظلمًا منهم، فوفّق الله المؤمنين لمعرفة الهدى من الضلال بإذنه وإرادته، والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإيمان. ٢١٤ - أم ظننتم -أيها المؤمنون- أن تدخلوا الجنّة ولم يصبكم ابتلاءٌ مثل ابتلاء الماضين من قبلكم، حيث أصابهم شدة الفقر والمرض، وزلزلتهم المخاوف، حتَّى بلغ بهم البلاء أن يستعجلوا نصر الله، فيقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتى نصر الله؛ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين به، المتوكلين عليه. ٢١٥ - يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا ينفقون من أموالهم المتنوعة، وأين يضعونها؟ قل مجيبًا إياهم: ما أنفقتم من خير -وهو الحلال الطيب- فليصرف للوالدين، وللأدنى منكم من قراباتكم بحسب الحاجة، وللمحتاج من اليتامى، وللمُعدمين. الذين ليس لهم مال، وللمسافر الَّذي انقطع له السفر عن أهله ووطنه، وما تفعلوا -أيها المؤمنون- من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله به عليم، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ترك شَكر الله تعالى على نعمه وترك استعمالها في طاعته يعرضها للزوال ويحيلها بلاءً على صاحبها. • الأصل أن الله خلق عباده على فطرة التوحيد والإيمان به، وإبليس وأعوانه هم الذين صرفوهم عن هذه الفطرة إلى الشرك به. • أعظم الخذلان الَّذي يؤدي للفشل أن تختلف الأمة في كتابها وشريعتها، فيكفّر بعضُها بعضًا، ويلعن بعضُها بعضًا. • الهداية للحق الَّذي يختلف فيه الناس، ومعرفة وجه الصواب بيد الله، ويُطلب منه تعالى بالإيمان به والانقياد له. • الابتلاء سُنَّة الله تعالى في أوليائه، فيبتليهم بقدر ما في قلوبهم من الإيمان به والتوكل عليه. • من أعظم ما يعين على الصبر عند نزول البلاء، الاقتداء بالصالحين وأخذ الأسوة منهم.

стр. 41

٢١٦ - فُرِض عليكم -أيها المؤمنون- القتال في سبيل الله وهو مكروه للنفس بطبعها، لما فيه من بذل المال والنفس، ولعلكم تكرهون شيئًا وهو في الواقع خير ونفع لكم؛ كالقتال في سبيل الله، فمع عِظم ثوابه فيه النصر على الأعداء ورفع كلمة الله، ولعلكم تحبون شيئًا وهو شر ووبال عليكم؛ كالجلوس عن الجهاد، فإن فيه الخذلان وتسلط الأعداء، والله يعلم علمًا تامًّا خير الأمور وشرها، وأنتم لا تعلمون ذلك، فاستجيبوا لأمره؛ ففيه الخير لكم. ٢١٧ - يسألك الناس -أيها النبي- عن حكم القتال في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، قل مجيبًا إياهم: القتال في هذه الأشهر عظيم عند الله ومستنكر، كما أن ما يقوم به المشركون من صد عن سبيل الله مستقبح كذلك، ومنع المؤمنين عن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، والشرك الَّذي هم فيه أعظم من القتل. ولا يزال المشركون على ظلمهم يقاتلونكم -أيها المؤمنون- حتَّى يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومن يرجع منكم عن دينه، ويمت وهو على الكفر بالله؛ فقد بطل عمله الصالح، ومآله في الآخرة دخول النار وملازمتها أبدًا. ٢١٨ - إن الذين آمنوا بالله ورسوله، والذين تركوا أوطانهم مهاجرين إلى الله ورسوله، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا؛ أولئك يطمعون في رحمة الله ومغفرته، والله غفور لذنوب عباده رحيم بهم. ٢١٩ - يسألك أصحابك -أيها النبي- عن الخمر (وهي: كل ما غطى العقل وأذهبه)؛ يسألونك عن حكم شربها وبيعها وشرائها؟ ويسألونك عن حكم القِمار (وهو: ما يُؤخذ من المال عن طريق المنافسات التي فيها عوض من الطرفين المشترِكَين في المنافسة)؟ قل مجيبًا إياهم: فيهما مضار ومفاسد دينية ودنيوية كثيرة؛ من ذهاب العقل والمال، والوقوع في العداوة والبغضاء، وفيهما منافع قليلة كالمكاسب المالية، وضررهما والإثم الحاصل بهما أكبر من نفعهما، وما كان ضرّه أكثر من نفعه؛ فإن العاقل يجتنبه، وهذا البيان من الله فيه تمهيد لتحريم الخمر. ويسألك أصحابك -أيها النَّبي- عن قدر ما ينفقونه من أموالهم على وجه التطوع والتبرع؟ قل مجيبًا إياهم: أنفقوا من أموالكم الَّذي يزيد عن حاجتكم (وقد كان هذا أول الأمر، ثم شرع الله بعد ذلك الزكاة الواجبة في أموال مخصوصة وأنصبة معينة)، وبمثل هذا البيان الَّذي لا لبس فيه يبين الله لكم أحكام الشرع لعلكم تتفكرون. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجهل بعواقب الأمور قد يجعل المرء يكره ما ينفعه ويحب ما يضره، وعلى المرء أن يسأل الله الهداية للرشاد. • جاء الإسلام بتعظيم الحرمات والنهي عن الاعتداء عليها، ومن أعظمها صد الناس عن سبيل الله تعالى. • لا يزال الكفار أبدًا حربًا على الإسلام وأهله حتَّى يخرجوهم من دينهم، والله موهن كيد الكافرين. • الإيمان بالله تعالى، والهجرة إليه، والجهاد في سبيله؛ أعظم الوسائل التي ينال بها المرء رحمة الله ومغفرته. • حرّمت الشريعة كل ما فيه ضرر غالب وإن كان فيه بعض المنافع؛ مراعاة لمصلحة العباد.

стр. 42

٢٢٠ - شرع ذلك لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألك أصحابك -أيها النبي- عن قيامهم بالولاية على اليتامى: كيف يتصرفون في التعامل معهم؟ وهل يخلطون أموالهم معهم في النفقة والمطاعمة والمساكنة؟ قل مجيبًا إياهم: تفضلكم عليهم بإصلاح أموالهم من غير عوض أو مخالطة في أموالهم؛ خير لكم عند الله وأعظمُ أجرًا، وهو خير لهم في أموالهم؛ لما فيه من حفظ أموالهم عليهم، وإنْ تشاركوهم بضم ما لهم إلى ما لكم في المعاش والمسكن ونحو ذلك؛ فلا حرج في ذلك، فهم إخوانكم في الدين، والإخوة يعين بعضهم بعضًا، ويقوم بعضهم على شؤون بعض، والله يعلم من يريد الإفساد من الأولياء بمشاركة اليتامى أموالهم ممن يريد الإصلاح، ولو شاء أن يشق عليكم في شأن اليتامى لشقّ عليكم، ولكنه يسر لكم سبيل التعامل معهم؛ لأن شريعته مبنية على اليسر، إن الله عزيز لا يغالبه شيء، حكيم في خَلْقِه وتدبيره وتشريعه. ٢٢١ - ولا تتزوجوا -أيها المؤمنون- المشركات بالله حتَّى يؤمنّ بالله وحده، ويدخلن في دين الإسلام، وإنَّ امرأة مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير من امرأة حرة تعبد الأوثان، ولو أعجبتكم بجمالها ومالها، ولا تزوِّجوا المسلمات رجالًا مشركين، ولعبد مملوك مؤمن بالله ورسوله خير من حر مشرك، ولو أعجبكم، أولئك المتصفون بالشرك -رجالًا ونساءً- يدعون بأقوالهم وأفعالهم إلى ما يقود إلى دخول النار، والله يدعو إلى الأعمال الصالحة التي تقود إلى دخول الجنّة والمغفرة من الذنوب بإذنه وفضله، ويبين آياته للناس لعلهم يعتبرون بما دلت عليه فيعملون بها. ٢٢٢ - ويسألك أصحابك -أيها النبي- عن الحيض (وهو دم طبيعي يخرج من رحم المرأة في أوقات مخصوصة)؟ قل مجيبًا إياهم: الحيض أذى للرجل والمرأة، فاجتنبوا جماع النساء في وقته، ولا تقربوهن بالوطء حتَّى ينقطع الدم عنهن، ويتطهرن منه بالغُسل، فإذا انقطع وتطهرن منه فجامعوهن على الوجه الَّذي أباح لكم: طاهرات في قُبُلهن، إن الله يحب المكثرين من التوبة من المعاصي، والمبالغين في الطهارة من الأخباث. ٢٢٣ - زوجاتكم محل زرع لكم يلدن لكم الأولاد؛ كالأرض التي تخرج الثمار، فأتوا محل الزرع -وهو القُبل- من أي جهة شئتم وكيفما شئتم إذا كان في القُبل، وقدموا لأنفسكم بفعل الخيرات، ومنه أن يجامع الرجل امرأته بقصد التقريب إلى الله، ورجاء الذرية الصالحة، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومنها ما شرع لكم في شأن النساء، واعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة، واقفون بين يديه، ومجازيكم على أعمالكم، وبشّر -أيها النبي- المؤمنين بما يسرهم عند لقاء ربهم من النعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم. ٢٢٤ - ولا تجعلوا الحلف بالله حجة مانعة، من فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلفتم على ترك البر؛ فافعلوا البر وكفِّروا عن أيمانكم، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، وسيجازيكم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تحريم النِّكَاح بين المسلمين والمشركين، وذلك لبُعد ما بين الشرك والإيمان. • دلت الآية على اشتراط الولي عند عقد النِّكَاح؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء لمّا نهى عن تزويج المشركين. • حث الشريعة على الطهارة الحسية من النجاسات والأقذار، والطهارة المعنوية من الشرك والمعاصي. • ترغيب المؤمن في أن يكون نظره في أعماله -حتَّى ما يتعلق بالملذات- إلى الدار الآخرة، فيقدم لنفسه ما ينفعه فيها.

стр. 43

٢٢٥ - لا يحاسبكم الله بسبب الأيمان التي تجري على ألسنتكم من غير قصد؛ كقول أحدكم: لا والله، وبلى والله، فلا كفارة عليكم ولا عقوبة في ذلك، ولكن يحاسبكم على ما قصدتموه من تلك الأيمان، والله غفور لذنوب عباد، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة. ٢٢٦ - للذين يحلفون على ترك جماع نسائهم انتظار مدة لا تزيد عن أربعة أشهر، ابتداء من حلفهم، وهو ما يُعرف بالإيلاء، فإن رجعوا إلى جماع نسائهم بعد حلفهم على تركه في مدة أربعة أشهر فما دون؛ فإن الله غفور يغفر لهم ما حصل منهم، ورحيم بهم حيث شرع الكفارة مخرجًا من هذا اليمين. ٢٢٧ - وإن قصدوا الطلاق باستمرارهم على ترك جماع نسائهم وعدم الرجوع إليه فإن الله سميع لأقوالهم التي منها الطلاق، عليم بأحوالهم ومقاصدهم، وسيجازيهم عليها. ٢٢٨ - والمطلقات ينتظرن بأنفسهن ثلاث حيض لا يتزوجن خلالها، ولا يجوز لهن أن يُخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل، إن كن صادقات في الإيمان بالله واليوم الآخر، وأزواجهن المطلقون لهن أحق بمراجعتهن في مدة العدة، إن قصدوا بالمراجعة الألفة وإزالة ما وقع بسبب الطلاق، وللزوجات من الحقوق والواجبات مثل الَّذي لأزواجهن عليهن بما تعارف عليه الناس، وللرجال درجة أعلى عليهن، من القِوَامة وأمر الطلاق، والله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في شرعه وتدبيره. ٢٢٩ - الطلاق الَّذي يمتلك فيه الزوج الرجعة طلقتان، بأن يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق، ثم يراجع، ثم بعد الطلقتين إما أن يمسكها في عصمته مع المعاشرة بالمعروف، أو يطلقها الثالثة مع الإحسان إليها وأداء حقوقها، ولا يحِلُّ لكم -أيها الأزواج- أن تأخذوا مما دفعتم إلى زوجاتكم من المهر شيئًا، إلا أن تكون المرأة كارهة لزوجها بسبب خُلُقه أو خَلْقه، ويظن الزوجان بسبب هذا الكُره عدم وفائهما بما عليهما من الحقوق، فليعرضا أمرهما على من له بهما صلة قرابة أو غيرها، فإن خاف الأولياء عدم قيامهما بالحقوق الزوجية بينهما، فلا حرج عليهما أن تَخْلَع المرأة نفسها بمال تدفعه لزوجها مقابل طلاقها. تلك الأحكام الشرعية هي الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله بين الحلال والحرام؛ فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك، وتعريضها لغضب الله وعقابه. ٢٣٠ - فإن طلقها زوجها طلقة ثالثة لم يحل له نكاحها من جديد حتَّى تتزوج رجلًا غيره زواجًا صحيحًا لرغبة لا لقصد التحليل، ويجامعها في هذا النِّكَاح، فإن طلقها الزوج الثانى أو توفي عنها؛ فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعا بعقد ومهر جديدين، إن غلب على ظنهما أنهما يقومان بما يلزمهما من الأحكام الشرعية، وتلك الأحكام الشرعية يبينها الله لأناس يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيَّن الله تعالى أحكام النِّكَاح والطلاق بيانًا شاملًا حتَّى يعرف الناس حدود الحلال والحرام فلا يتجاوزوها. • عظَّم الله شأن النِّكَاح وحرم التلاعب فيه بالألفاظ فجعلها ملزمة، وألغى التلاعب بكثرة الطلاق والرجعة فجعل لها حدًّا بطلقتين رجعيتين ثم تحرم عليه إلا أن تنكح زوجًا غيره ثم يطلقها. • المعاشرة الزوجية تكون بالمعروف، فإن تعذر ذلك فلا بأس من الطلاق، ولا حرج على أحد الزوجين أن يطلبه.

стр. 44

٢٣١ - وإذا طلقتم نساءكم فقاربْنَ انتهاء عدتهن؛ فلكم أن تُراجعوهن أو تتركوهن بالمعروف دون رجعة حتَّى تنقضي عدتهن، ولا تُراجعوهن لأجل الاعتداء عليهن والإضرار بهن كما كان يُفعل في الجاهلية، ومن يفعل ذلك بقصد الإضرار بهن؛ فقد ظلم نفسه بتعريضها للإثم والعقوبة، ولا تجعلوا آيات الله محل استهزاء بالتلاعب بها والتجرؤ عليها، واذكروا نعم الله عليكم، ومن أعظمها ما أنزل عليكم من القرآن والسُّنَّة، يذكركم بهذا ترغيبًا لكم وترهيبًا، وخافوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم بأعمالكم. ٢٣٢ - وإذا طلقتم نساءكم أقل من ثلاث طلقات، وانتهت عدتهن، فلا تمنعوهن -أيها الأولياء- حينئذ من العودة إلى أزواجهن بعقد ونكاح جديد إذا رغبن في ذلك، وتراضين مع أزواجهن عليه، ذلك الحكم المتضمن النهي عن منعهن يُذكَّر به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، ذلكم أكثر نماء للخير فيكم، وأشد طُهْرًا لأعراضكم وأعمالكم من الأدناس، والله يعلم حقائق الأمور وعواقبها وأنتم لا تعلمون ذلك. ٢٣٣ - والوالدات يرضعن أولادهن سنتين كاملتين , ذلك التحديد بسنتين لمن قصد إكمال مدة الرضاعة، وعلى والد الطفل نفقة الوالدات المرضعات المطلقات ولباسهن، بحسب ما تعارف عليه الناس مما لا يخالف الشرع، لا يكلف الله نفسًا أكثر من سعتها وقدرتها، ولا يحل لأحد الأبوين أن يتخذ الولد وسيلة إضرار للآخر، وعلى وارث الطفل إذا عُدِمَ الأب، وكان الطفل ليس له مال مثل ما على الأب من الحقوق. فإن أراد الأبوان فطام الولد قبل تمام السنتين فلا إثم عليهما في ذلك، إذا كان بعد تشاورهما وتراضيهما على ما فيه مصلحة المولود، وإن أردتم أن تطلبوا لأولادكم مرضعات غير الأمهات؛ فلا إثم عليكم إذا سلمتم ما اتفقتم عليه مع المرضعة من أجرة بالمعروف بلا نقص أو مماطلة، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، فلا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على ما قدمتم من أعمال. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • نهي الرجال عن ظلم النساء سواء كان بِعَضْلِ مَوْلِيَّتِه عن الزواج، أو إجبارها على ما لا تريد. • حَفِظَ الشرع للأم حق الرضاع، وإن كانت مطلقة من زوجها، وعليه أن ينفق عليها ما دامت ترضع ولده. • نهى الله تعالى الزوجين عن اتخاذ الأولاد وسيلة يقصد بها أحدهما الإضرار بالآخر. • الحث على أن تكون كل الشؤون المتعلقة بالحياة الزوجية مبنية على التشاور والتراضي بين الزوجين.

стр. 45

٢٣٤ - والذين يموتون ويتركون وراءهم زوجات غير حوامل؛ ينتظرن بأنفسهن وجوبًا مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، يمتنعن فيها عن الخروج من بيت الزوج، وعن الزينة والزواج، فإذا انقضت هذه المدة؛ فلا إثم عليكم -أيها الأولياء- فيما فعلن بأنفسهن مما كان ممنوعًا عليهن في تلك المدة، على الوجه المعروف شرعًا وعرفًا، والله بما تعملون خبير لا يخفى عليه شيء من ظاهركم وباطنكم، وسيجازيكم عليه. ٢٣٥ - ولا إثم عليكم في التلميح بالرغبة في خطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن، دون التصريح بالرغبة؛ كأن يقول: إذا انقضت عِدَّتُكِ فأخبريني، ولا إثم عليكم فيما أخفيتم في أنفسكم من الرغبة في نكاح المعتدة بعد انقضاء عدتها، علم الله أنكم ستذكرونهن لشدة رغبتكم فيهن، فأباح لكم التلميح دون التصريح، واحذروا أن تتواعدوا سرًّا على النِّكَاح وهن في مدة العدة، إلا وفق المعروف من القول وهو التعريض، ولا تُبرموا عقد النِّكَاح في زمن العدة، واعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في أنفسكم مما أباح لكم وحرم عليكم فاحذروه، ولا تخالفوا أمره، واعلموا أن الله غفور لمن تاب من عباده، حليم لا يعاجل بالعقوبة. ٢٣٦ - لا إثم عليكم إن طلقتم زوجاتكم اللائي عقدتم عليهن قبل أن تجامعوهن وقبل أن توجبوا مهرًا محددًا لهن، فإذا طلقتموهن على هذه الحال فلا يجب لهن عليكم مهر، وإنما يجب إعطاؤهن شيئًا يتمتعن به، ويجبر كسر نفوسهن، بحسب الاستطاعة سواء كان مُوسَّعًا عليه كثير المال أو مُضَيّقًا عليه قليل المال، وهذا العطاء حق ثابت على المحسنين في أفعالهم ومعاملاتهم. ٢٣٧ - وإن طلقتم زوجاتكم اللائي عقدتم عليهن قبل جماعهن وقد أوجبتم لهن مهرًا محددًا، فيجب عليكم دفع نصف المهر المسمى إليهن، إلا أن يسمحن لكم عنه -إن كنّ رشيدات- أو يسمح الأزواج أنفسهم ببذل المهر كاملًا لهن، وأن تتسامحوا في الحقوق بينكم أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تتركوا -أيها الناس- تفضل بعضكم على بعض، والمسامحة في الحقوق، فإن الله بما تعملون بصير، فاجتهدوا في بذل المعروف لتنالوا ثواب الله عليه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية العِدة على من توفي عنها زوجها بأن تمتنع عن الزينة والزواج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام. • معرفة المؤمن باطلاع الله عليه تَحْمِلُه على الحذر منه تعالى والوقوف عند حدوده. • الحث على المعاملة بالمعروف بين الأزواج والأقارب، وأن يكون العفو والمسامحة أساس تعاملهم فيما بينهم.

стр. 46

٢٣٨ - حافظوا على الصلوات بأدائها تامة كما أمر الله، وحافظوا على الصلاة الوسطى بين الصلوات وهي صلاة العصر، وقوموا لله في صلاتكم مطيعين خاشعين. ٢٣٩ - فإن خفتم من عدوٍّ ونحوه، فلم تقدروا على أدائها تامة فصلوا مشاة على أرجلكم أو راكبين على الإبل والخيل ونحوها، أو على أي صفة تقدرون عليها، فإذا زال الخوف عنكم فاذكروا الله كما علَّمكم، ومنه ذِكرُه في الصلاة على كمالها وتمامها، واذكروه أيضًا لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من النور والهدى. ٢٤٠ - والذين يموتون منكم ويتركون وراءهم أزواجًا عليهم أن بوصوا لهن بأن يُمتَّعن بالسكنى والنفقة عامًا كاملًا لا يُخرجهن ورثتكم؛ جبرًا لهن لما أصابهن، ووفاء للميت، فإن خرجن قبل إكمال العام من تلقاء أنفسهن فلا إثم عليكم ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من التزين والتطيب، والله عزيز لا غالب له، حكيم في تدبيره وشرعه وقدره. هذا وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن حكمِ هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ٢٤١ - وللمطلقات متاع يمتَّعن به من كسوة أو مال أو غير ذلك، جبرًا لخواطرهن المنكسرة بالطلاق، وفق المعروف من مراعاة حال الزوج من قلة أو كثرة، وهذا الحكم حق ثابت على المتقين لله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه. ٢٤٢ - مثل ذلك البيان السابق يبين الله لكم -أيها المؤمنون- آياته المشتملة على حدوده وأحكامه؛ لعلكم تعقلونها وتعملون بها، فتنالون الخير في الدنيا والآخرة. ٢٤٣ - ألم يبلغ علمك -أيها النبي- خبر الذين خرجوا من بيوتهم وهم خلق كثير خوفًا من الموت بسبب الوباء أو غيره، وهم طائفة من بني إسرائيل، فقال لهم الله: موتوا فماتوا، ثم أعادهم أحياء، ليبين لهم أن الأمر كله بيده سبحانه، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، إن الله لذو عطاء وفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمه. ٢٤٤ - وقاتلوا -أيها المؤمنون- أعداء الله، نصرة لدينه ورفعة لكلمته، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأفعالكم، وسيجازيكم عليها. ٢٤٥ - من ذا الَّذي يعمل عمل المُقرض، فينفق ماله في سبيل الله بنية حسنة ونفس طيبة، ليعود عليه أضعافًا كثيرة، والله يضيِّق في الرزق والصحة وغيرها، ويوسع في ذلك كله بحكمته وعدله، وإليه وحده ترجعون في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الحث على المحافظة على الصلاة وأدائها تامة الأركان والشروط، فإن شق عليه صلَّى على ما تيسر له من الحال. • رحمة الله تعالى بعباده ظاهرة، فقد بين لهم آياته أتم بيان للإفادة منها. • أن الله تعالى قد يبتلي بعض عباده فيضيِّق عليهم الرزق، ويبتلي آخرين بسعة الرزق، وله في ذلك الحكمة البالغة.

стр. 47

٢٤٦ - ألم يبلغ علمك -أيها النبي- خبر الأشراف من بني إسرائيل بعد زمن موسى ﵇، حين قالوا لنبي لهم: أقم لنا مَلِكًا نقاتل معه في سبيل الله، فقال لهم نبيهم: لعلكم إن فرض الله عليكم القتال ألا تقاتلوا في سبيل الله! قالوا منكرين ظنه فيهم: أي مانع يمنعنا من القتال في سبيل الله مع وجود ما يقتضي ذلك منا؟ فقد أَخرجَنا أعداؤنا من أوطاننا، وأسروا أبناءنا، فنقاتل لاستعادة أوطاننا وتخليص أَسْرَانا، فلما فرض الله عليهم القتال أعرضوا إذ لم يوفّوا بما وعدوا به إلا قلة منهم، والله عليم بالظالمين المعرضين عن أمره، الناقضين لعهده، وسيجازيهم على ذلك. ٢٤٧ - وقال لهم نبيهم: إن الله قد أقام لكم طالوت ملكًا عليكم لتقاتلوا تحت رايته، قال أشرافهم مستنكرين هذا الاختيار ومعترضين عليه: كيف يكون له المُلك علينا، ونحن أولى بالمُلك منه؛ إذ لم يكن من أبناء الملوك، ولم يُعْطَ مالًا واسعًا يستعين به على الملك؟! قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم، وزاده عليكم سعة في العلم وقوة في الجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء بحكمته ورحمته، والله واسع الفضل يعطي من يشاء، عليم بمن يستحقه من خلقه. ٢٤٨ - وقال لهم نبيهم: إن علامة صدق اختياره ملكًا عليكم؛ أن يَرُد الله عليكم التابوت -وكان صندوقًا يعظمه بنو إسرائيل أُخذ منهم- فيه طمأنينة تصاحبه، وفيه بقايا مما تركه آل موسى وآل هارون، مثل العصا، وبعض من الألواح، إن في ذلك لعلامة بينة لكم إن كنتم مؤمنين حقًّا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التنبيه إلى أهم صفات القائد التي تؤهله لقيادة الناس؛ وهي العلم بما يكون قائدًا فيه، والقوة عليه. • إرشاد من يتولى قيادة الناس إلى ألا يغتر بأقوالهم حتَّى يبلوهم، ويختبر أفعالهم بعد أقوالهم. • أن الاعتبارات التي قد تشتهر بين الناس في وزن الآخرين والحكم عليهم قد لا تكون هي الموازين الصحيحة عند الله تعالى، بل هو سبحانه يصطفي من يشاء من خلقه بحكمته وعلمه.

стр. 48

٢٤٩ - فلما خرج طالوت بالجنود عن البلد قال لهم: إن الله مختبركم بنهر، فمن شرب منه فليس على طريقتي، ولا يصاحبني في قتال، ومن لم يشرب منه فإنه على طريقتي، ويصاحبني في القتال، إلا من اضطر فشرب مقدار غرفة بكفِّ يده فلا شيء عليه، فشرب الجنود إلا قليلًا منهم صبروا على عدم الشرب مع شدة العطش، فلما جاوز طالوت النهر هو والمؤمنون معه، قال بعض جنوده: لا قدرة لنا اليوم على قتال جالوت وجنوده، وعندئذ قال الذين يوقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة: كم من طائفة مؤمنة قليلة العدد غلبت طائفة كافرة كثيرة العدد بإذن الله وعونه، فالعبرة في النصر بالإيمان لا بالكثرة، والله مع الصابرين من عباده يؤيدهم وينصرهم. ٢٥٠ - ولما خرجوا ظاهرين لجالوت وجنوده توجهوا إلى الله بالدعاء قائلين: ربنا صُبَّ على قلوبنا الصبر صبًّا، وثبت أقدامنا حتَّى لا نَفِرّ ولا ننهزم أمام عدونا، وانصرنا بقوتك وتأييدك على القوم الكافرين. ٢٥١ - فهزموهم بإذن الله، وقتل داودُ قائدَهم جالوت، وآتاه الله الملك والنبوة، وعلمه مما يشاء من أنواع العلوم، فجمع له بين ما يصلح الدنيا والآخرة. ولولا أن من سُنَّة الله أن يردَّ ببعض الناس فساد بعضهم؛ لفسدت الأرض بتسلط المفسدين فيها، ولكن الله ذو فضل على جميع المخلوقات. ٢٥٣ - تلك آيات الله الواضحة البينة نتلوها عليك -أيها النبي- متضمنة صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وإنك لمن المرسلين من رب العالمين. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من حكمة القائد أن يُعرِّض جيشه لأنواع الاختبارات التي يتميز بها جنوده ويعرف الثابت من غيره. • العبرة في النصر ليست بمجرد كثرة العدد والعدة فقط، وإنما معونة الله وتوفيقه أعظم الأسباب للنصر والظفر. • لا يثبت عند الفتن والشدائد إلا من عَمَرَ اليقينُ بالله قلوبَهم، فمثل أولئك يصبرون عند كل محنة، ويثبتون عند كل بلاء. • الضراعة إلى الله تعالى بقلب صادق متعلق به من أعظم أسباب إجابة الدعاء، ولا سيما في مواطن القتال. • من سُنَّة الله تعالى وحكمته أن يدفع شر بعض الخلق وفسادهم في الأرض ببعضهم.

стр. 49

٢٥٣ - أولئك الرسل الذين ذكرناهم لك، فضَّلنا بعضهم على بعض في الوحي والأتباع والدرجات، منهم من كَلَّمَه الله مثل موسى ﵇، ومنهم من رفعه درجات عالية مثل محمد ﷺ ؛ إذ أُرسِل للناس كلهم، وخُتِمَت به النبوة، وفُضِّلَت أمته على الأمم، وآتينا عيسى بن مريم المعجزات الواضحات الدالة على نبوته؛ كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيدناه بجبريل ﵇ تَقْويةً له على القيام بأمر الله تعالى. ولو شاء الله ما اقتتل الذين جاؤوا من بعد الرسل من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، ولكن اختلفوا فانقسموا؛ فمنهم من آمن بالله، ومنهم من كفر به، ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد، فيهدي من يشاء إلى الإيمان برحمته وفضله، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. ٢٥٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أنفقوا مما رزقناكم من مُختلف الأموال الحلال، من قبل أن يأتي يوم القيامة، حينئذ لا بيع فيه يكتسب منه الإنسان ما ينفعه، ولا صداقة تنفعه في وقت الشدة، ولا وساطة تَدفع ضرًّا أو تَجلب نفعًا إلا بعد أن ياذن الله لمن يشاء ويرضى، والكافرون هم الظالمون حقًّا لكفرهم بالله تعالى. ٢٥٥ - الله الذي لا إله يُعبد بحقٍّ إلا هو وحده دون سواه، الحي حياة كاملة لا موت فيها ولا نقص، القيوم الَّذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه، وبه قامت جميع المخلوقات فلا تستغني عنه في كل أحوالها، لا يأخذه نعاس ولا نوم؛ لكمال حياته وقيوميته، له وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، لا يملك أحد أن يشفع عنده لأحد إلا بعد إذنه ورضاه، يعلم ما مضى من أمور خلقه مما وقع، وما يستقبلونه مما لم يقع، ولا يحيطون بشيء من علمه تعالى إلا بما شاء أن يطلعهم عليه، أحاط كرسيه -وهو: موضعِ قَدَميِ الرب- بالسماوات والأرض على سَعَتِهما وعِظَمِهما، ولا يُثْقِلُه أو يشق عليه حفظهما، وهو العَليُّ بذاته وقدْرِه وقهْرِه، العظيم في ملكه وسلطانه. ٢٥٦ - لا إكراه لأحد على الدخول في دين الإسلام؛ لأنه الدين الحق البيِّن فلا حاجة به إلى إكراه أحد عليه، قد تميز الرُّشد من الضلال، فمن يكفر بكل ما يعبد من دون الله ويتبرأ منها، ويؤمن بالله وحده؛ فقد استمسك من الدين بأقوى سبب لا ينقطع للنجاة يوم القيامة، والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أن الله تعالى قد فاضل بين رسله وأنبيائه، بعلمه وحكمته سبحانه. • إثبات صفة الكلام لله تعال على ما يليق بجلاله، وأنه قد كلَّم بعض رسله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. • الإيمان والهدى والكفر والضلال كلها بمشيئة الله وتقديره، فله الحكمة البالغة، ولو شاء لهدى الخلق جميعًا. • آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، لما تضمنته من ربوبية الله وألوهيته وبيان أوصافه . • اتباع الإسلام والدخول فيه يجب أن يكون عن رضًا وقَبول، فلا إكراه في دين الله تعالى. • الاستمساك بكتاب الله وسُنَّة رسوله أعظم وسيلة للسعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة.

стр. 50

٢٥٧ - الله يتولى الذين آمنوا به، يوفقهم وينصرهم، ويخرجهم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، والذين كفروا أولياؤهم الأنداد والأوثان، الذين زينوا لهم الكفر، فأخرجوهم من نور الإيمان والعلم إلى ظلمات الكفر والجهل، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدًا. ولما ذكر الله الفريقين ضرب مثالين على الفريقين فقال: ٢٥٨ - هل رأيت -أيها النبي- أعجب من جرأة الطاغية الذي جادل إبراهيم ﵇ في ربوبية الله وتوحيده، وقد وقع منه ذلك لأن الله آتاه المُلك فطغى، فبيّن له إبراهيم صفات ربه قائلًا: ربي الذي يحيي الخلائق ويُمِيتُها، قال الطاغية عنادًا: أنا أُحيي وأُميت بأن أقتل من أشاء وأعفو عمن أشاء، فأتاه إبراهيم ﵇ بحجة أخرى أعظم، قال له: إن ربي الذي أعبده يأتي بالشمس من جهة المشرق، فأت بها أنت من جهة المغرب، فما كان من الطاغية إلا أن تحيَّر وانقطع، وغُلب من قوة الحجة، والله لا يوفق الظالمين لسلوك سبيله؛ لظلمهم وطغيانهم. ٢٥٩ - أو هل رأيت مِثْلَ الذي مَرَّ على قرية سقطت سقوفها، وتهدمت جدرانها، وهلك سكانها، فأصبحت موحشة مُقْفرة، قال هذا الرجل متعجبًا: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتها؟! فأماته الله مدة مئة عام، ثم أحياه، وسأله فقال له: كم مكثت ميتًا؟ قال مجيبًا: مكثت مدة يوم أو بعض يوم. قال له: بل مكثت مئة سنة تامة، فانظر إلى ما كان معك من الطعام والشراب، فها هو ذا باقٍ على حاله لم يتغير، مع أن أسرع ما يصيبه التغير الطعام والشراب، وانظر إلى حمارك الميت، ولنجعلك علامة بينة للناس دالة على قدرة الله على بعثهم، فانظر إلى عظام حمارك التي تفرقت وتباعدت، كيف نرفعها ونضم بعضها إلى بعض، ثم نكسوها بعد ذلك اللحم، ونعيد فيها الحياة، فلما رأى ذلك تبين له حقيقة الأمر، وعلم قدرة الله، فقال معترفًا بذلك: أعلم أن الله على كل شيء قدير. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من أعظم ما يميز أهل الإيمان أنهم على هدى وبصيرة من الله تعالى في كل شؤونهم الدينية والدنيوية، بخلاف أهل الكفر. • من أعظم أسباب الطغيان الغرور بالقوة والسلطان حتى يعمى المرء عن حقيقة حاله. • مشروعية مناظرة أهل الباطل لبيان الحق، وكشف ضلالهم عن الهدى. • عظم قدرة الله تعالى؛ فلا يُعْجِزُهُ شيء، ومن ذلك إحياء الموتى.

стр. 51

٢٦٠ - واذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم ﵇: يا رب أرني ببصري كيف يكون إحياء الموتى؟! قال الله: أوَلم تؤمن بهذا الأمر؟ قال إبراهيم: بلى قد آمنت، ولكن زيادة في طمأنينة قلبي، فأمره الله وقال له: خذ أربعة من الطير، فاضممهنَّ إليك وقطِّعْهنَّ، ثم اجعل على كل جبل من الجبال التي حولك جزءًا منهن، ثم نادِهن يأتينك سعيًا مسرعات قد عادت إليهن الحياة. واعلم يا إبراهيم أن الله عزيز في ملكه، حكيم في أمره وشرعه وخلقه. ٢٦١ - مَثَل ثواب المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة يضعها الزارع في أرض طيبة فتنبت سبع سنابل، في كل سنبلة منها مئة حبة، والله يضاعف الثواب لمن يشاء من عباده، فيعطيهم أجرهم دون حساب، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يستحق المضاعفة. ٢٦٢ - الذين يبذلون أموالهم في طاعة الله ومرضاته يُتْبعون بذلهم بما يبطل ثوابه من المَنِّ على الناس بالقول أو الفعل، لهم ثوابهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضى لعظم نعيمهم. ٢٦٣ - قول كريم تُدخِل به السرور على قلب مؤمن، وعفو عمن أساء إليك؛ أفضل من صدقة يتبعها إيذاء بالمنِّ على المتصدَّق عليه، والله غني عن عباده، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة. ٢٦٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تفسدوا ثواب صدقاتكم بالمَنِّ على المتصدَّق عليه وإيذائه، فإن مَثلَ من يفعل ذلك مَثلُ الذي يبذل أمواله بقصد أن يراه الناس ويمدحوه، وهو كافر لا يؤمن بالله ولا بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، فمَثَلُ هذا مَثَلُ حجر أملس فوقه تراب، فأصاب ذلك الحجر مطر غزير، فأزاح الترابَ عن الحجر وتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك المُراؤون يذهب ثواب أعمالهم ونفقاتهم ولا يبقى منها عند الله شيء، والله لا يهدي الكافرين إلى ما يرضيه تعالى وينفعهم في أعمالهم ونفقاتهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مراتب الإيمان بالله ومنازل اليقين به متفاوتة لا حد لها، وكلما ازداد العبد نظرًا في آيات الله الشرعية والكونية زاد إيمانًا ويقينًا. • بَعْثُ الله تعالى للخلق بعد موتهم دليل ظاهر على كمال قدرته وتمام عظمته سبحانه. • فضل الإنفاق في سبيل الله وعظم ثوابه، إذا صاحبته النية الصالحة، ولم يلحقه أذى ولا مِنّة محبطة للعمل. • من أحسن ما يقدمه المرء للناس حُسن الخلق من قول وفعل حَسَن، وعفو عن مسيء.

стр. 52

٢٦٥ - ومثل المؤمنين الذين يبذلون أموالهم طلبًا لرضوان الله، مطمئنةً أنفسُهم بصدق وعد الله غيرَ مكرهة، كمثل بستان على مكان مرتفع طيب، أصابه مطر فزير، فأنتج ثمرًا مضاعفًا، فان لم يصبه مطر كزير أصابه مطر خفيف فاكتفى به لطيب أرضه، وكذلك نففات المخلصين يقبلها الله ويضاعف أجرها وإن كانت قليلة، والله بما تعملون بصير، فلا يخفى عليه حال المخلصين والمرائين، وسيجازي كلا بما يستحق. ثم ضرب تعالى مثالًا يصور به حال المنفق ماله رياءً فقال: ٢٦٦ - أيرغب أحدكم في أن يكون له بستان فيه نخل وعنب تجري في خلاله المياه العذبة، له فيه من كل أنواع الثمرات الطيبة، وأصاب صاحبَه الكِبَرُ فأصبح شيخًا لا يقدر على العمل والكسب، وله أبناء صغار ضعفاء لا يستطيعون العمل، فأصابت البستانَ ريح شديدة فيها نار شديدة فاحترق البستان كله، وهو أحوج ما يكون إليه لكبره وضعف ذريته؟! فحال المنفق ماله رياء للناس مثل هذا الرجل؛ يَرِدُ على الله يوم القيامة بلا حسنات، في وقت هو أشد ما يكون حاجة لها. مثل هذا البيان يبين الله لكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون فيه. ٢٦٧ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أنفقوا من المال الحلال الطيب الذي كسبتموه، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من نبات الأرض، ولا تقصدوا إلى الرديء منه فتنفقوه، ولو أعطي لكم ما أخذتموه إلا إذا تغاضيتم عنه مكرهين على رداءته، فكيف ترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم؟! واعلموا أن الله غني عن نفقاتكم، محمود في ذاته وأفعاله. ولما أمرهم بإنفاق الطيب حذرهم من كيد الشيطان ووساوسه، فقال: ٢٦٨ - الشيطان يخوفكم من الفقر، ويحثكم على البخل، ويدعوكم إلى ارتكاب الآثام والمعاصي، والله يعدكم مغفرة عظيمة لذنوبكم، ورزقًا واسعًا، والله واسع الفضل، عليم بأحوال عباده. ٢٦٩ - يؤتي السداد في القول والإصابة في العمل من يشاء من عباده، ومن يعط ذلك فقد أعطي خيرًا كثيرًا، ولا يتذكر ويتعظ بآيات الله إلا أصحاب العقول الكاملة التي تستضيء بنوره، وتهتدي بهديه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • المؤمنون بالله تعالى حقًّا واثقون من وعد الله وثوابه، فهم ينفقون أموالهم ويبذلون بلا خوف ولا حزن ولا التفات إلى وساوس الشيطان كالتخويف بالفقر والحاجة. • الإخلاص من أعظم ما يبارك الأعمال وينميها. • أعظم الناس خسارة من يرائي بعمله الناس؛ لأنه ليس له من ثواب على عمله إلا مدحهم وثناؤهم.

стр. 53

٢٧٠ - وما أنفقتم من نفقةٍ قليلةً كانت أو كثيرة ابتغاء مرضاة الله، أو التزمتم فعل طاعة لله من عند أنفسكم لم تكلفوا بها؛ فإن الله يعلم ذلك كله، فلا يضيع عنده شيء منه، وسيجازيكم عليه أعظم الجزاء، وليس للظالمين المانعين لما يجب عليهم، المتعدين الله، أنصار يدفعون عنهم عذاب يوم القيامة. ٢٧١ - إن تُظْهِروا ما تبذلون من الصدقة بالمال فَنِعْم الصدقة صدقتكم، وإن تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم من إظهارها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص. وفي صدقات المخلصين ستر لذنوبهم ومغفرة لها، والله بما تعملون خبير، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم. ٢٧٢ - ليس عليك -أيها النبي- هدايتهم لقبول الحق والانقياد له وحملهم عليه، وإنما تجب عليك دلالتهم إلى الحق وتعريفهم به، فإن التوفيق للحق والهداية إليه بيد الله، وهو يهدي من يشاء. وما تنفقوا من خير فنفعه عائد إليكم؛ لأن الله غني عنه، ولتكن نفقتكم خالصة لله، فالمؤمنون حقًّا لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله، وما تنفقوا من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإنكم تُعْطَونَ ثوابه تامًا غير منقوص، فإن الله لا يظلم أحدًا. ولما ذكر الإنفاق في سبيله ودعا المؤمنين إليه بيَّن لهم المصارف التي ينفقون فيها، فقال: ٢٧٣ - اجعلوها للفقراء الذين منعهم الجهاد في سبيل الله من السفر طلبًا للرزق، يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء لتعففهم عن السؤال ويعرفهم المطلع عليهم بعلاماتهم، من الحاجة الظاهرة على أجسامهم وثيابهم، ومن صفاتهم أنهم ليسوا كسائر الفقراء الذين يسألون الناس مُلِحِّين في مسألتهم، وما تنفقوا من مال وغيره فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه أعظم الجزاء. ٢٧٤ - الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله في الليل والنهار، سرًّا وعلانية بلا رياء ولا سمعة، فلهم ثوابهم عند ربهم يوم القيامة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمرهم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، فضلًا من الله ونعمة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إذا أخلص المؤمن في نفقاته وصدقاته فلا حرج عليه في إظهارها وإخفائها بحسب المصلحة، وإن كان الإخفاء أعظم أجرًا وثوابًا لأنها أقرب للإخلاص. • دعوة المؤمنين إلى الالتفات والعناية بالمحتاجين الذين تمنعهم العفة من إظهار حالهم وسؤال الناس. • مشروعية الإنفاق في سبيل الله تعالى في كل وقت وحين، وعظم ثوابها، حيث وعد تعالى عليها بعظيم الأجر في الدنيا والآخرة.

стр. 54

ولمَّا رغَّب تعالى في الإنفاق في سبيله لما فيه من التعاون والتكافل بين المسلمين؛ حذَّر مما يناقض ذلك وهو الربا، فقال: ٢٧٥ - الذين يتعاملون بالربا ويأخذونه لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا مثل ما يقوم الذي به مس من الشيطان، فيقوم من قبره يخبط كما يخبط من به صرع في قيامه وسقوطه؛ ذلك بسبب أنهم استحلوا أكل الربا، ولم يفرقوا بين الربا وبين ما أحل الله من مكاسب البيع، فقالوا: إنما البيع مثل الربا في كونه حلالًا، فكل منهما يؤدي إلى زيادة المال ونمائه، فرد الله عليهم وأبطل قياسهم وأكذبهم، وبيَّن أنه تعالى أحل البيع لما فيه من نفع عام وخاص، وحرم الربا لما فيه من ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل بلا مقابل، فمن جاءته موعظة من ربه فيها النهي والتحذير من الربا، فانتهى عنه وتاب إلى الله منه، فله ما مضى من أخذه للربا لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل بعد ذلك، ومن عاد إلى أخذ الربا بعد أن بلغه النهي من الله، وقامت عليه الحجة؛ فقد استحق دخول النار والخلود فيها. وهذا الخلود في النار المقصود به البقاء الطويل فيها، فإن الخلود الدائم فيها لا يكون إلا للكفار، أما أهل التوحيد فلا يخلدون فيها. ولما ذكر الله الإنفاق في سبيله وأَخذ الربا، بيَّن الفرق بينهما في الجزاء، فقال: ٢٧٦ - يُهلك الله المال الربوي ويُذهِبُه، إما حسًّا بتلفه ونحو ذلك، أو معنًى بنزع البركة منه، ويزيد الصدقات وينمِّيها بمضاعفة ثوابها، فالحسنة بعشر أمثالها الى سَبع مِئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويبارك في أموال المتصدقين، والله لا يحب كل من كان كافرًا عنيدًا، مستحلا للحرام، متماديًا في المعاصي والآثام. ٢٧٧ - إن الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، وأدوا الصلاة تامة على ما شرع الله، وآتوا زكاة أموالهم لمن يستحقها؛ لهم ثوابهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمورهم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ونعيمها. ٢٧٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، خافوا الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، واتركوا المطالبة بما بقي لكم من أموال ربوية عند الناس، إن كنتم مؤمنين حقا بالله وبما نهاكم عنه من الربا. ٢٧٩ - فإن لم تفعلوا ما أُمِرتم به فاعلموا واستيقنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم إلى الله وتركتم الربا فلكم قَدْرُ ما أقرضتم من: رؤوس أموالكم، لا تَظلِمون أحدًا بأخذ زيادة على رأس مالكم، ولا تُظلَمون بالنقص منها. ٢٨٠ - وإن كان من تطالبونه بالدَّين معسرًا لا يجد سداد دينه، فأخِّروا مطالبته إلى أن يتيسر له المال، ويجد ما يقضي به الدين، وأن تتصدقوا عليه بترك المطالبة بالدين أو إسقاط بعضه عنه، خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ذلك عند الله تعالى. ٢٨١ - وخافوا عذابَ يوم ترجعون فيه جميعًا إلى الله، وتقومون بين يديه، ثم تُعطى كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر، لا يُظلمون بنقص ثواب حسناتهم، ولا بزيادة العقوبة على سيئاتهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من أعظم الكبائر أكل الربا، ولهذا توعد الله تعالى آكله بالحرب وبالمحق في الدنيا والتخبط في الآخرة. • الالتزام بأحكام الشرع في المعاملات المالية ينزل البركة والنماء فيها. • فضل الصبر على المعسر، والتخفيف عنه بالتصدق عليه ببعض الدَّين أو كله.

стр. 55

٢٨٣ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا تعاملتم بالدَّيْنِ، بأن دَايَنَ بعضكم بعضًا إلى مدة محددة فاكتبوا ذلك الدَّيْنَ، وليكتب بينكم كاتب بالحق والإنصاف الموافق للشرع، ولا يمتنع الكاتب أن يكتب الدَّين بما يوافق ما علَّمه الله من الكتابة بالعدل، فلْيَكتبْ ما يُمْلِيه الذي عليه الحق، حتى يكون ذلك إقرارًا منه، وليتق الله ربه، ولا يَنقُص من الدَّين شيئًا في قدره أو نوعه أو كيفيته، فإن كان الذي عليه الحق لا يحسن التصرف، أو كان ضعيفًا لصغره أو جنونه أو كان لا يستطيع الإملاء لخَرَسِه ونحو ذلك، فلْيقُم بالإملاء عنه وليُّه المسؤول عنه بالحق والإنصاف. واطلبوا شهادة رجلين عاقلين عدلين، فإن لم يوجد رجلان فاستشهدوا رجلًا وامرأتين ترضون دينهم وأمانتهم، حتى إذا نسيت إحدى المرأتين ذكّرتها أختها، ولا يمتنع الشهود إذا طُلِب منهم الشهادة على الدَّين، وعليهم أداؤها إذا دُعوا لذلك، ولا يُصِبْكم الملل من كتابة الدَّين قليلًا كان أو كثيرًا إلى مدته المحددة، فكتابة الدَّين أعدل في شرع الله، وأبلغ في إقامة الشهادة وأدائها، وأقرب إلى نفي الشك في نوع الدَّين ومقداره ومدته، إلا إذا كان التعاقد بينكم على تجارة في سلعة حاضرة وثمن حاضر؛ فلا حرج في ترك الكتابة حينئذ لعدم الحاجة إليها، ويشرع لكم الإشهاد منعًا لأسباب النزاع، ولا يجوز الإضرار بالكُتّابِ والشهود، ولا يجوز لهم الإضرار بمن طلب كتابتهم أو شهادتهم، وأن يقع منكم الإضرار فإنه خروج عن طاعة الله إلى معصيته. وخافوا الله -أيها المؤمنون- بأن تمتثلوا ما أمركم به، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، ويعلِّمكم الله ما فيه صلاح دنياكم وآخرتكم، والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية توثيق الدَّين وسائر المعاملات المالية دفعًا للاختلاف والتنازع. • وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وأنواع الإجارات. • ثبوت الولاية على القاصرين إما بسبب عجزهم، أو ضعف عقلهم، أو صغر سنهم. • مشروعية الإشهاد على الإقرار بالديون والحقوق. • أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها. • لا يجوز الإضرار بأحد بسبب توثيق الحقوق وكتابتها، لا من جهة أصحاب الحقوق، ولا من جهة من يكتبه ويشهد عليه.

стр. 56

٢٨٣ - وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبًا يكتب لكم وثيقة الدَّين، فيكفي أن يُعْطي الذي عليه الحق رهنًا يقبضه صاحب الحق، يكون ضمانًا لحقه، إلى أن يقضي المدين ما عليه من دَين، فإن وَثِقَ بعضكم ببعض لم تلزم كتابة ولا إشهاد ولا رهن، ويكون الدَّين حينئذ أمانة في ذمة المَدِين يجب عليه أداؤه لدائنه، وعليه أن يتقي الله في هذه الأمانة فلا ينكر منها شيئًا، فإن أنكر كان على من شهد المعاملة أن يؤدي الشهادة، ولا يجوز له أن يكتمها، ومن يكتمها فإن قلبه قلب فاجر، والله بما تعملون عليم، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على أعمالكم. ٢٨٤ - لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلفًا وملكًا وتدبيرًا، وإن تُظهروا ما في قلوبكم أو تخفوه يعلمه الله، وسيحاسبكم عليه، فيغفر بعد ذلك لمن يشاء فضلًا ورحمة، ويعذب من يشاء عدلًا وحكمة، والله على كل شيء قدير. ٢٨٥ - آمن الرسول محمد ﷺ بكل ما أُنزل إليه من ربه، والمؤمنون آمنوا كذلك، كلهم جميعًا آمنوا بالله، وآمنوا بجميع ملائكته، وجميع كتبه التي أنزلها على الأنبياء، وجميع رسله الذين أرسلهم، آمنوا بهم قائلين: لا نفرق بين أحد من رسل الله، وقالوا: سمعنا ما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأطعناك بفعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه، ونسألك أن تغفر لنا يا ربنا، فإن مرجعنا إليك وحدك في كل شؤوننا. ٢٨٦ - لا يكلف الله نفسًا إلا ما تطيق من الأعمال؛ لأن دين الله مبني على اليسر فلا مشقة فيه، فمن كسب خيرًا فله ثواب ما عمل لا يُنْقَصُ منه شيء، ومن كسب شرًّا فعليه جزاء ما اكتسب من ذنب لا يحمله عنه غيره. وقال الرسول والمؤمنون: ربنا لا تعاقبنا إن نسينا أو أخطانا في فعل أو قول بلا قصد منا، ربنا ولا تكلِّفنا ما يشق علينا ولا نطيقه، كما كلَّفت من قبلنا ممن عاقبتهم على ظلمهم كاليهود، ولا تحمِّلنا ما يشق علينا ولا نطيقه من الأوامر والنواهي، وتجاوز عن ذنوبنا، واغفر لنا، وارحمنا بفضلك، أنت ولينا وناصرنا فانصرنا على القوم الكافرين. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • جواز أخذ الرهن لضمان الحقوق في حال عدم القدرة على توثيق الحق، إلا إذا وَثِقَ المتعاملون بعضهم ببعض. • حرمة كتمان الشهادة وإثم من يكتمها ولا يؤديها. • كمال علم الله تعالى واطلاعه على خلقه، وقدرته التامة على حسابهم على ما اكتسبوا من أعمال. • في الآية تقرير لأركان الإيمان وبيان لأصوله. • قام هذا الدين على اليسر ورفع الحرج والمشقة عن العباد، فلا يكلفهم الله إلا ما يطيقون، ولا يحاسبهم على ما لا يستطيعون.

стр. 57

سُوْرَةُ آلِ عِمْرَانَ مدنية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] الثبات على الإسلام بعد كماله وبيانه، وردّ شبهات أهل الكتاب وخاصة النصارى. [التَّفْسِيرُ] هي سورة مدنية، سُمِّيت سورة آل عمران لذكر آل عمران فيها في الآية (٣ ٣) من السورة. ١ - ﴿الم﴾ هذه الحروف المقطعة تقدّم نَظيرُها في سورة البقرة، وفيها إشارة إلى عجز العرب عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنه مؤلف من مثل هذه الحروف التى بُدِأت بها السورة، والتي يُركّبون منها كلامهم. ٢ - الله الذي لا إله يعبد بحق إلا هو وحده دون سواه، الحي حياة كاملة لا موت فيها ولا نقص، القيُّوم الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه، وبه قامت جميع المخلوقات فلا تستغني عنه في كل أحوالها. ٣ - ٤ - نزَّل عليك -أيها النبي- القرآن بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، موافقًا لما سبقه من الكتب الإلهية، فلا تعارض بينها، وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى ﵇ مِن قبل تنزيل القرآن عليك، وهذه الكتب الإلهية كلها هداية وإرشاد للناس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأنزل الفرقان الذي يعرف به الحق من الباطل والهدى من الضلال. والذين كفروا بآيات الله التي أنزلها عليك لهم عذاب شديد. والله عزيز لا يُغالبه شيء ذو انتقام ممن كذَّب رسله وخالف أمره. ٥ - إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء, قد أحاط بالأشياء كلها ظاهرها وباطنها. ٦ - هو الذي يخلقكم صورًا شتى في بطون أمهاتكم كيف يشاء، من ذكرٍ أو أنثى، وحسن أو قبيح، وأبيض أو أسود. لا معبود بحق غيره، العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه. ٧ - هو الذي أنزل عليك -أيها النبي- القرآن، منه آيات واضحة الدلالة، لا لبس فيها، هي أصل الكتاب ومعظمه، وهي المرجع عند الاختلاف، ومنه آيات أُخر محتملة لأكثر من معنى، يلتبس معناها على أكثر الناس، فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق فيتركون المُحْكم، ويأخذون بالمتشابه المُحْتمل؛ يبتغون بذلك إثارة الشبهة وإضلال الناس، ويبتغون بذلك تأويلها بأهوائهم على ما يوافق مذاهبهم الفاسدة، ولا يعلم حقيقة معانى هذه الآيات وعاقبتها التي تؤول إليها إلا الله. والراسخون في العلم المتمكنون منه يقولون: آمنا بالقرآن كله؛ لأنه كله من عند ربنا، ويفسرون المتشابه بما أُحْكِم منه. وما يتذكر ويتعظ إلا أصحاب العقول السليمة. ٨ - وهؤلاء الراسخون يقولون: ربنا لا تُمِل قلوبنا عن الحق بعد أن هديتنا إليه، وسلَّمنا مما أصاب المنحرفين المائلين عن الحق، وهب لنا رحمة واسعة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتعصمنا بها من الضلال، إنك -يا ربنا- الوهاب كثير العطاء. ٩ - ربنا إنك ستجمع الناس جميعًا إليك لحسابهم في يوم لا شك فيه، فهو آت لا محالة، إنك -يا ربنا - لا تخلف الميعاد. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أقام الله الحجة وقطع العذر عن الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب التي تهدي للحق وتحذر من الباطل. • كمال علم الله تعالى وإحاطته بخلقه، فلا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء, سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا. • من أصول أهل الإيمان الراسخين في العلم أن يفسروا ما تشابه من الآيات بما أحْكِم منها. • مشروعية دعاء الله تعالى وسؤاله الثبات على الحق، والرشد في الأمر، ولا سيما عند الفتن والأهواء.

стр. 58

١٠ - إن الذين كفروا بالله وبرسله لن تمنع عنهم أموالهم ولا أولادهم عذابَ الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم حطب جهنم الذي توقد به يوم القيامة. ١١ - وشأن هؤلاء الكافرين كشأن آل فرعون ومَن قبلهم من الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته، فعذبهم الله بسبب ذنوبهم، ولم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، والله شديد العقاب لمن كفر به، وكذب بآياته. ١٢ - قل -أيها الرسول- للذين كفروا على اختلاف دياناتهم: سيغلبكم المؤمنون، وتموتون على الكفر، ويجمعكم الله إلى نار جهنم، وبئس الفراش لكم. ١٣ - قد كان لكم دلالة وعبرة في فرقتين التقتا للقتال يوم بدر، إحداهما فرقة مؤمنة وهي رسول الله ﷺ وأصحابه، تقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والأخرى فرقة كافرة وهم كفار مكة الذين خرجوا فخرًا ورياءً وعصبية، يراهم المؤمنون ضِعْفيهم حقيقةً رأي عين، فنصر الله أولياءه، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة وعظة لأصحاب البصائر، ليعلموا أن النصر لأهل الإيمان وإن قَلَّ عددهم، وأن الهزيمة لأهل الباطل وإن كثر عددهم. ١٤ - يخبر الله تعالى أنه حَسَّن للناس -ابتلاءً لهم- حب الشهوات الدنيوية: مثل النساء، والبنين، والأموال الكثيرة المجتمعة من الذهب والفضة، والخيل المُعلَّمة الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، وزراعة الأرض، ذلك متاع الحياة الدنيا يُتَمتَّعُ به فترة ثم يزول، فلا ينبغي للمؤمن أن يتعلق به، والله عنده وحده حسن المرجع، وهو الجنة التي عرضها السماوات والأرض. ولما كانت شهوات الدنيا منقطعة نبَّه الله إلى ما هو خير من ذلك فقال: ١٥ - قل -أيها الرسول-: "خبركم بخير من تلك الشهوات؟ للذين اتقوا الله بفعل طاعته وترك معصيته جناتٌ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها لا يدركهم موت ولا فناء، ولهم فيها أزواج مطهرات من كل سوء في خَلْقِهن وأخلاقهن، ولهم مع ذلك رضوان من الله يحل عليهم فلا يسخط عليهم أبدًا، والله بصير بأحوال عباده، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيهم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أن غرور الكفار بأموالهم وأولادهم لن يغنيهم يوم القيامة من عذاب الله تعالى إذا نزل بهم. • النصر حقيقة لا يتعلق بمجرد العدد والعُدة، وانما بتأييد الله تعالى وعونه. • زَيَّن الله تعالى للناس أنواعًا من شهوات الدنيا ليبتليهم، وليعلم تعالى من يقف عند حدوده ممن يتعداها. • كل نعيم الدنيا ولذاتها قليل زائل، لا يقاس بما في الآخرة من النعيم العظيم الذي لا يزول.

стр. 59

١٦ - أهل الجنة هؤلاء هم الذين يقولون في دعائهم لربهم: ربنا إننا آمنا بك، وبما أنزلت على رسلك، واتبعنا شريعتك؛ فَاغْفِرْ لنا ما ارتكبنا من ذنوب، وجنِّبنا عذاب النار. ١٧ - وهم الصابرون على فعل الطاعات وترك السيئات، وعلى ما يصيبهم من البلاء، وهم الصادقون في أقوالهم وأعمالهم، وهم المطيعون لله طاعة تامة، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، وهم المستغفرون آخر الليل؛ لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة، ويخلو فيه القلب من الشواغل. ١٨ - شهد الله على أنه هو الإله المعبود بحق دون سواه، وذلك بما أقام من الآيات الشرعية والكونية الدالة على أُلوهيته، وشهد على ذلك الملائكة، وشهد أهل العلم على ذلك ببيانهم للتوحيد ودعوتهم إليه، فشهدوا على أعظم مشهود به وهو توحيد الله وقيامه تعالى بالعدل في خلقه وشرعه , لا إله إلا هو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه. ١٩ - إن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، وهو الانقياد لله وحده بالطاعة والاستسلام له بالعبودية؛ والإيمان بالرسل جميعًا إلى خاتمهم محمد ﷺ ، الذي ختم الله به الرسالات، فلا يَقْبَلُ غير شريعته. وما اختلف اليهود والنصارى في دينهم وافترقوا شيعًا وأحزابًا إلا من بعد ما قامت عليهم الحجة بما جاءهم من العلم، حسدًا وحرصًا على الدنيا. ومن يكفر بآيات الله المنزلة على رسوله فإن الله سريع الحساب لمن كفر به وكذّب رسله. ٢٠ - فإن جادلوك -أيها الرسول- في الحق الذي نزل عليك، فقل مجيبًا إياهم: أسلمت أنا ومن تبعني من المؤمنين لله تعالى، وقل -أيها الرسول- لأهل الكتاب والمشركين: أأسلمتم لله تعالى مخلصين له متبعين لما جِئتُ به؛ فإن أسلموا لله واتبعوا شريعتك فقد سلكوا سبيل الهدى، وإن أعرضوا عن الإسلام فليس عليك إلا أن تبلغهم ما أرسلت به، وأمرهم إلى الله، فهو تعالى بصير بعباده، وسيجازي كل عامل بما عمل. ٢١ - إن الذين يكفرون بحجج الله التي أنزلها عليهم، ويقتلون أنبياءه بغير حق، وإنما ظلمًا وعدوانًا، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل من الناس، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، بشِّر هؤلاء الكفار القتلة بعذاب أليم. ٢٢ - أولئك المتصفون بتلك الصفات قد بطلت أعمالهم فلا ينتفعون بها في الدنيا ولا في الآخرة، لعدم إيمانهم بالله، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم العذاب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من أعظم ما يُكفِّر الذنوب ويقي عذاب النار الإيمان بالله تعالى واتباع ما جاء به الرسول ﷺ . • أعظم شهادة وحقيقة هي ألوهية الله تعالى ولهذا شهد الله بها لنفسه، وشهد بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم ممن خلق. • البغي والحسد من أعظم أسباب النزاع والصرف عن الحق.

стр. 60

٢٣ - ألم تنظر -أيها النبي- إلى حال اليهود الذين آتاهم الله حظًّا من العلم بالتوراة وما دلَّت عليه من نبوتك، يُدْعَون إلى الرجوع إلى كتاب الله التوراة ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، ثم ينصرف فريق من علمائهم ورؤسائهم وهم مُعْرِضون عن حكمه إذ لم يوافق أهواءهم، وكان الأولى بهم -وهم يزعمون اتباعهم له- أن يكونوا أسرع الناس إلى التحاكم إليه. ٢٤ - ذلك الانصراف عن الحق والإعراض عنه لأنهم كانوا يدَّعون أن النار لن تمسهم يوم القيامة إلا أيامًا قليلة، ثم يدخلون الجنة، فغَرَّهم هذا الظن الذي اختلقوه من الأكاذيب والأباطيل فتجرؤوا على الله ودينه. ٢٥ - فكيف يكون حالهم وندمهم؟! سيكون غاية في السوء إذا جمعناهم للحساب في يوم لا شك فيه وهو يوم القيامة، وأعطيت كل نفس جزاء ما عملت على قدر ما تستحق، من غير ظلم بنقص حسناتها، أو زيادة سيئاتها. ٢٦ - قل -أيها الرسول- مُثْنيًا على ربك ومعظِّمًا له: اللهُمَّ أنت مالك الملك كله في الدنيا والآخرة، تؤتي الملك من تشاء من خلقك، وتنزعه ممن تشاء، وتُعز من تشاء منهم، وتذل من تشاء، وكل ذلك بحكمتك وعدلك، وبيدك وحدك الخير كله، وأنت على كل شيء قدير. ٢٧ - ومن مظاهر قدرتك أنك تدخل الليل في النهار فيطول وقت النهار، وتدخل النهار في الليل فيطول وقت الليل، وتخرج الحي من الميت؛ كإخراج المؤمن من الكافر، والزرع من الحب، وتخرج الميت من الحي، كالكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة، وترزق من تشاء رزقًا واسعًا من غير حساب وعدّ. ٢٨ - لا تتخذوا -أيها المؤمنون- الكافرين أولياء تحبونهم وتنصرونهم من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فلا حرج أن تتقوا أذاهم بإظهار اللين في الكلام واللطف في الفعال، مع إضمار العداوة لهم، ويحذركم الله نفسه فخافوه، ولا تتعرضوا لغضبه بارتكاب المعاصي، وإلى الله وحده رجوع العباد يوم القيامة لمجازاتهم على أعمالهم. ٢٩ - قل -أيها النبي-: إن تُخفوا ما في صدوركم مما نهاكم الله عنه كموالاة الكفار، أو تظهروا ذلك يعلمه الله، ولا يخفى عليه منه شيء، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أن التوفيق والهداية من الله تعالى، والعلم -وإن كثر وبلغ صاحبه أعلى المراتب- إن لم يصاحبه توفيق الله لم ينتفع به المرء. • أن الملك لله تعالى، فهو المعطي المانع، المعز المذل، بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فلا يُسأل أحد سواه. • خطورة تولي الكافرين، حيث توعَّد الله فاعله بالبراءة منه وبالحساب يوم القيامة.

стр. 61

٣٠ - يوم القيامة تلقى كلُّ نفس عملها من الخير قد أُتي به لا نقص فيه، والذي عملت من السوء تتمنى أن بينها وبينه زمنًا بعيدًا، وأنى لها ما تمنت! ويحذركم الله نفسه، فلا تتعرضوا لغضبه بارتكاب الآثام، والله بالعباد، ولهذا يحذرهم ويخوفهم. ٣١ - قل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقًّا فاتبعوا ما جئت به ظاهرًا وباطنًا، تنالوا محبة الله، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور تاب من عباده رحيم بهم. ٣٢ - قل -أيها الرسول-: أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فإن أعرضوا عن ذلك فإن الله لا يحب الكافرين المخالفين لأمره وأمر رسوله. ٣٣ - إن الله اختار آدم ﵇ فأسجد له ملائكته، واختار نوحًا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض، واختار آل إبراهيم فجعل النبوة باقية في ذريته، واختار آل عمران؛ اختار كل هؤلاء وفضلهم على أهل زمانهم. ٣٤ - هؤلاء المذكورون من الأنبياء وذرياتهم المُتّبِعون لطريقتهم هم ذرية بعضها متسلسل من بعض في توحيد الله وعمل الصالحات، يتوارثون من بعضهم المكارم والفضائل، والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم؛ ولهذا يختار من يشاء منهم، ويصطفي منهم من يشاء. ٣٥ - اذكر -أيها الرسول- إذا قالت امرأة عمران والدة مريم ﵍: يا رب إني أوجبت على نفسي أن أجعل ما في بطني من حمل خالصًا لوجهك، محرَّرًا من كل شيء ليخدمك ويخدم بيتك، فتقبل مني ذلك، إنك أنت السميع لدعائي، العليم بنيِّتي. ٣٦ - فلما تم حملُها وضعت ما في بطنها، وقالت معتذرة -وقد كانت ترجو أن يكون الحمل ذكرًا-: يا رب إني ولدتها أنثى، والله أعلم بما ولدت، وليس الذكر الذي كانت ترجوه كالأنثى التي وُهِبت لها في القوة والخِلْقَة. وإني سمَّيتها مريم، وإني حَصَّنتها بك هي وذريتها من الشيطان المطرود من رحمتك. ٣٧ - فتقبَّل الله نذرها بقَبول حسن، وأنشأها نشاةً حسنة، وعطف عليها قلوب الصالحين من عباده، وجعل كفالتها إلى زكريا. وكان زكريا كلما دخل عليها مكان العبادة وجد عندها رزقًا طيبًا ميسَّرًا، فقال مخاطبًا إياها: يا مريم، من أين لك هذا الرزق؟ قالت مجيبة إياه: هذا الرزق من عند الله، إن الله يرزق من يشاء رزقًا واسعًا بغير حساب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم مقام الله وشدة عقوبته تجعل العاقل على حذر من مخالفة أمره تعالى. • برهان المحبة الحقة لله ولرسوله باتباع الشرع أمرًا ونهيًا، وأما دعوى المحبة بلا اتباعٍ فلا تنفع صاحبها. • أن الله تعالى يختار من يشاء من عباده ويصطفيهم للنبوة والعبادة بحكمته ورحمته، وقد يخصهم بآيات خارقة للعادة.

стр. 62

٣٨ - عند ذلك الذي رآه زكريا من رزق الله تعالى لمريم بنت عمران على غير المعتاد من سُننه تعالى في الرزق؛ رجا أن يرزقه الله ولدًا مع الحال التي هو عليها من تقدم سنِّه وعُقْم امرأته، فقال: يا رب، هب لي ولدًا طيبًا، إنك سميعٌ لدعاء من دعاك، مجيب له. ٣٩ - فنادته الملائكة مخاطبة له وهو في حال قيامه للصلاة في مكان عبادته بقولها: إن الله يُبشرك بولد يولد لك اسمه يحيى، من صفته أن يكون مصدقًا بكلمة من الله، وهو عيسى بن مريم -لأنه خُلِق خلقًا خاصًّا بكلمة من الله- ويكون هذا الولد سيدًا على قومه في العلم والعبادة، مانعًا نفسه وحابسها عن الشهوات ومنها قُرْبان النساء، متفرغًا لعبادة ربه، ويكون -أيضًا- نبيًّا من الصالحين. ٤٠ - قال زكريا لمَّا بشرته الملائكة بيحيى: يا رب، كيف يكون لي ولد بعد أن صرت شيخًا، وامرأتي عقيم لا يولد لها! قال الله جوابًا على قوله: مَثَلُ خَلْق يحيى على كبر سنِّك وعُقْم زوجك؛ كخلق الله ما يشاء مما يخالف المألوف عادة؛ لأن الله على كل شيءٍ قدير، يفعل ما يشاء بحكمته وعلمه. ٤٠ - قال زكريا: يا رب، اجعل لي علامة على حمل امرأتي مني، قال الله: علامتك التي طلبتَ هي: ألا تستطيع كلام الناس ثلاثة أيام بلياليهن إلا بالإشارة ونحوها، من غير خلل يصيبك، فأكثِرْ مِن ذكر الله وتسبيحه في آخر النهار وأوله. ٤٢ - واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة لمريم ﵍: إن الله اختارك لما تتصفين به من صفات حميدة، وطَهَّرك من النقائص، واختارك على نساء العالمين في زمانك. ٤٣ - يا مريم، أطيلي القيام في الصلاة، واسجدي لربك، واركعي له مع الراكعين من عباده الصالحين. ٤٤ - ذلك المذكور من خبر زكريا ومريم ﵉ من أخبار الغيب نوحيه إليك -أيها الرسول- وما كنت عند أولئك العلماء والصالحين حين اختصموا فيمن هو أحق بتربية مريم، حتى لجؤوا للقرعة فألقوا أقلامهم، ففاز قلم زكريا ﵇. ٤٥ - اذكر -أيها الرسول- إذ قالت الملائكة: يا مريم، إن الله يبشّرك بولد يكون خَلْقُه من غير أب، وإنما بكلمة من الله بأن يقول له: "كن"، فيكون ولدًا بإذن الله، واسم هذا الولد: المسيح عيسى بن مريم، له مكانة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة، ومن المقربين إليه تعالى. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عناية الله تعالى بأوليائه، فإنه سبحانه يجنبهم السوء، ويستجيب دعاءهم. • فَضْل مريم ﵍ حيث اختارها الله على نساء العالمين، وطهَّرها من النقائص، وجعلها مباركة. • كلما عظمت نعمة الله على العبد عَظُم ما يجب عليه من شكره عليها بالقنوت والركوع والسجود وسائر العبادات. • مشروعية القُرْعة عند الاختلاف فيما لا بَيِّنة عليه ولا قرينة تشير إليه.

стр. 63

٤٦ - ويكلم الناس وهو طفل صغير قبل أوان الكلام، ويكلمهم وهو كبير قد كَملت قوَّتُه ورجولته، يخاطبهم بما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، وهو من الصالحين في أقوالهم وأعمالهم. ٤٧ - قالت مريم مستغربةً أن يكون لها ولد من غير زوج: كيف يكون لي ولد لم يقربني بشر لا في حلالٍ ولا في حرام؟! قال لها الملَك: مِثلُ ما خلق الله لك ولدًا من غير أب، يخلق ما يشاء مما يخالف المألوف والعادة، فإذا أراد أمرًا قال له: "كن" فيكون، فلا يعجزه شيء. ٤٨ - ويُعلمه الكتابة والإصابة والتوفيق في القول والعمل، ويعلمه التوراة التي أنزلها على موسى ﵇، ويعلمه الإنجيل الذي سينزله عليه. ٤٩ - ويجعله -كذلك- رسولًا إلى بني إسرائيل، حيث يقول لهم: إني رسول الله إليكم قد جئتكم بعلامة دالة على صدق نبوتي هي: أني أُصوِّر لكم من مادة الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيصير طيرًا حيًّا بإذن الله، وأشفي من وُلد أعمى فيبصر، ومن أصيب ببَرَصٍ فيعود جلده سليمًا، وأُحْيي من كان ميتًا، كل ذلك بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وبما تخبئون في بيوتكم من طعام وتخفونه، إن فيما ذكرته لكم من هذه الأمور العظيمة التي لا يقدر عليها البشر؛ لعلامة ظاهرة على أني رسول من الله إليكم، إن كنتم تريدون الإيمان، وتصدقون بالبراهين. ٥٠ - وجئتكم -كذلك- مصدقًا لما نزل قبلي من التوراة، وجئتكم لأحل لكم بعض ما حُرِّم عليكم من قبلُ، تيسيرًا وتخفيفًا عليكم، وجئتكم بحجة واضحة على صحة ما قلت لكم، فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. ٥١ - ذلك لأن الله ربي وربكم، فهو وحده المُستحِقُّ أن يُطاع ويُتقى، فاعبدوه وحده، هذا الذي أمرتكم به من عبادة الله وتقواه هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. ٥٢ - فلما علم عيسى ﵇ منهم الإصرار على الكفر، قال مخاطبًا بني إسرائيل: من ينصرني في الدعوة إلى الله؟ قال الأصفياء من أتباعه: نحن أنصار دين الله، آمنا بالله واتبعناك، واشهد - يا عيسى - بأنا منقادون لله بتوحيده وطاعته. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • شرف الكتابة والخط وعلو منزلتهما، حيث بدأ الله تعالى بذكرهما قبل غيرهما. • من سنن الله تعالى أن يؤيد رسله بالآيات الدالة على صدقهم، مما لا يقدر عليه البشر. • جاء عيسى ﵇ بالتخفيف على بني إسرائيل فيما شُدِّد عليهم في بعض شرائع التوراة، وفي هذا دلالة على وقوع النسخ بين الشرائع.

стр. 64

٥٣ - وقال الحواريون كذلك: ربنا آمنا بما أنزلت من الإنجيل، واتبعنا عيسى ﵇، فاجعلنا مع الشاهدين بالحق الذين آمنوا بك وبرسلك. ٥٤ - ومَكَر الكافرون من بني إسرائيل حيث سعوا في قتل عيسى ﵇، فمكر الله بهم فتركهم في ضلالهم، وألقى شَبَهَ عيسى ﵇ على رجل آخر، والله خير الماكرين؛ لأنه لا أشد من مكره تعالى بأعدائه. ٥٥ - ومكر الله بهم -أيضًا- حين قال مخاطبًا عيسى ﵇: يا عيسى، إني قابضك من غير موت، ورافعٌ بدنك وروحك إلي، ومُنزِّهك من رِجْس الذين كفروا بك ومُبعِدك عنهم، وجاعل الذين اتبعوك على الدين الحق -ومنه الإيمان بمحمد ﷺ فوق الذين كفروا بك إلى يوم القيامة بالبرهان والعزة، ثم إليَّ وحدي رجوعكم يوم القيامة، فأحكم بينكم بالحق فيما كنتم فيه تختلفون. ٥٦ - فأما الذين كفروا بك وبالحق الذي جئتهم به فأُعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا بالقتل والأسر والذل وغيرها، وفي الآخرة بعذاب النار، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم العذاب. ٥٧ - وأما الذين آمنوا بك وبالحق الذي جئتهم به، وعملوا الصالحات من صلاة وزكاة وصيام وصلة وغيرها؛ فإن الله يعطيهم ثواب أعمالهم تامة لا يُنقِصُ منها شيئا، وهذا الحديث عن أتباع المسيح قبل بعثة النبي محمد ﷺ الذي بشَّر به المسيحُ نفسُه، والله لا يحب الظالمين، ومن أعظم الظلم الشرك بالله تعالى وتكذيب رسله. ٥٨ - ذلك الذي نقرؤه عليك من خبر عيسى ﵇ من العلامات الواضحات الدالة على صحة ما أُنزل إليك، وهو ذِكْر للمتقين، محكم لا يأتيه الباطل. ٥٩ - إن مثل خلق عيسى ﵇ عند الله كمثل خلق آدم من تراب، من غير أب ولا أم، وإنما قال الله له: كن بشرًا فكان كما أراد تعالى، فكيف يزعمون أنه إله بحجة أنه خُلِق من غير أب، وهم يقرون بأن آدم بشر، مع أنه خُلِق من غير أب ولا أم؟! ٦٠ - الحق الذي لا شك فيه في شأن عيسى ﵇ هو الذي نزل عليك من ربك، فلا تكن من الشاكين المُتردِّدين، بل عليك الثبات على ما أنت عليه من الحق. ٦١ - فمن جادلك -أيها الرسول- من نصارى نجران في أمر عيسى زاعمًا أنه ليس عبدًا لله من بعد ما جاءك من العلم الصحيح في شأنه؛ فقل لهم: تعالوا نُنَادِ للحضور أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ونجتمع كلنا، ثم نتضرع إلى الله بالدعاء أن ينزل لعنته على الكاذبين منا ومنكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من كمال قدرته تعالى أنه يعاقب من يمكر بدينه وبأوليائه، فيمكر بهم كما يمكرون. • بيان المعتقد الصحيح الواجب في شأن عيسى ﵇، وبيان موافقته للعقل فهو ليس بدعًا في الخلقة، فآدم المخلوق من غير أب ولا أم أشد غرابة والجميع يؤمن ببشريته. • مشروعية المُباهلة بين المتنازعين على الصفة التي وردت بها الآية الكريمة.

стр. 65

٦٢ - إن هذا الذي ذكرنا لك من شأن عيسى ﵇ هو الخبر الحق الذي لا كذب فيه ولا شك، وما من معبود بحق إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وأمره وخلقه. ٦٣ - فإن أعرضوا عما جئت به، ولم يتبعوك؛ فذلك من فسادهم، والله عليم بالمفسدين في الأرض، وسيجازيهم على ذلك. ٦٤ - قل -أيها الرسول-: تعالوا يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، نجتمع على كلمة عدلٍ نستوي فيها جميعًا: أن نُفرد الله بالعبادة فلا نعبد معه أحدًا سواه مهما كانت منزلته، وعلت مكانته، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا يُعبدون ويُطاعون من دون الله، فإن انصرفوا عن هذا الذي تدعوهم إليه من الحق والعدل فقولوا لهم - أيها المؤمنون -: اشهدوا بأنا مستسلمون لله منقادون له تعالى بالطاعة. ٦٥ - يا أهل الكتاب لِمَ تجادلون في ملّة إبراهيم ﵇؛ فاليهودي يزعم أن إبراهيم كان يهوديًّا، والنصراني يزعم أنه كان نصرانيًّا، وأنتم تعلمون أن اليهودية والنصرانية لم تظهر إلا بعد موته بوقت طويل، أفلا تدركون بعقولكم بطلان قولكم وخطأ زعمكم؟! ٦٦ - ها أنتم - يا أهل الكتاب - جادلتم النبي ﷺ فيما لكم به علم من أمر دينكم وما أُنزِل عليكم، فَلِم تجادلون فيما ليس لكم به علم من أمر إبراهيم ﵇ ودينه، مما ليس في كتبكم ولا جاءت به أنبياؤكم؟! والله يعلم حقائق الأمور وبواطنها وأنتم لا تعلمون. ٦٧ - ما كان إبراهيم ﵇ على الملة اليهودية، ولا على النصرانية، ولكن كان مائلًا عن الأديان الباطلة، مسلمًا لله موحدًا له تعالى، وما كان من المشركين به كما يزعم مشركو العرب أنهم على ملته. ٦٨ - إن أحق الناس بالانتساب إلى إبراهيم، هم الذين اتبعوا ما جاء به في زمانه، وأحق الناس أيضًا بذلك هذا النبي محمد ﷺ ، والذين آمنوا به من هذه الأمة، والله ناصر المؤمنين به وحافظهم. ٦٩ - يتمنى أحبارٌ من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يضلوكم - أيها المؤمنون - عن الحق الذي هداكم الله له، وما يضلون إلا أنفسهم؛ لأن سعيهم في إضلال المؤمنين يزيد في ضلالهم هم، وما يعلمون عاقبة أفعالهم. ٧٠ - يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى لِمَ تكفرون بآيات الله التي أنزلت عليكم وما فيها من: دلالةِ على نبوة محمد ﷺ ، وأنتم تشهدون أنه الحق الذي دلت عليه كتبكم؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أن الرسالات الإلهية كلها اتفقت على كلمة عدل واحدة، وهي: توحيد الله تعالى والنهي عن الشرك. • أهمية العلم بالتاريخ؛ لأنه قد يكون من الحجج القوية التي تُرَدُّ بها دعوى المبطلين. • أحق الناس بإبراهيم ﵇ من كان على ملته وعقيدته، وأما مجرد دعوى الانتساب إليه مع مخالفته فلا تنفع. • دَلَّتِ الآيات على حرص كفرة أهل الكتاب على إضلال المؤمنين من هذه الأمة حسدًا من عند أنفسهم.

стр. 66

٧١ - يا أهل الكتاب لم تخلطون الحق الذي أُنزل في كتبكم بالباطل من عندكم، وتخفون ما فيها من الحق والهدى، ومنه صحة نبوة محمد ﷺ ، وأنتم تعلمون الحق من الباطل والهدى من الضلال؟! ٧٢ - وقالت جماعة من علماء اليهود: آمِنوا في الظاهر بالقرآن الذي أُنزِل على المؤمنين أول النهار، واكفروا به آخره، لعلهم يشُكُّون في دينهم بسبب كفركم به بعد إيمانكم فيرجعون عنه قائلين: هم أعلم منا بكتب الله وقد رجعوا عنه. ٧٣ - وقالوا أيضًا: ولا تؤمنوا وتتبعوا إلا لمن كان تابعًا لدينكم، قل -أيها الرسول-: إن الهدى إلى الحق هو هدى الله تعالى لا ما أنتم عليه من تكذيب وعناد مخافة أن يؤتى أحد من الفضل مثل ما أوتيتم، أو مخافة أن يحاجوكم عند ربكم إن أقررتم بما أنزل عليهم، قل -أيها الرسول-: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، لا يقتصر فضله على أمة دون أمة، والله واسع الفضل عليم بمن يستحقه. ٧٤ - يختص برحمته من يشاء من خلقه، فيتفضل عليه بالهداية والنبوة وأنواع العطاء، والله ذو الفضل العظيم الذي لا حدّ له. ٧٥ - ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه على مال كثير يؤدِّ إليك ما ائتمنته عليه، ومنهم من إن تَسْتأمِنه على مال قليل لا يؤدِّ إليك ما ائتمنته عليه إلا إن ظللت تُلحُّ عليه بالمطالبة والتقاضي، ذلك من أجل قولهم وظنهم الفاسد: ليس علينا في العرب وأكل أموالهم إثم؛ لأن الله أباحها لنا، يقولون هذا الكذب وهم يعلمون افتراءهم على الله. ٧٦ - ليس الأمر كما زعموا، بل عليهم حرج، ولكن من أوفى بعهده مع الله من الإيمان به وبرسله ووفى بعهده مع الناس فأدى الأمانة، واتقى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فإن الله يحب المتقين وسيجازيهم على ذلك أكرم الجزاء. ٧٧ - إن الذين يستبدلون بوصية الله إليهم باتباع ما أنزله في كتابه وأرسل به رسله، وبأيمانهم التي قطعوها بالوفاء بعهد الله، يستبدلون بها عوضًا قليلًا من متاع الدنيا، لا نصيب لهم من ثواب الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم نظر رحمة يوم القيامة، ولهم عذاب أليم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من علماء أهل الكتاب من يخدع أتباع ملتهم، ولا يبين لهم الحق الذي دلت عليه كتبهم، وجاءت به رسلهم. • من وسائل الكفار الدخول في الدين والتشكيك فيه من الداخل. • الله تعالى هو الوهاب المتفضل، يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله وحكمته، ولا ينال فضله إلا بطاعته. • كل عِوَضٍ في الدنيا عن الإيمان بالله والوفاء بعهده -وإن كان عظيمًا- فهو قليل حقير أمام ثواب الآخرة ومنازلها.

стр. 67

٧٨ - وإن من اليهود لطائفة يَحْرِفون ألسنتهم بذكر ما ليس من التوراة المنزلة من عند الله، لتظنوا أنهم يقرؤون التوراة، وما هو من التوراة، بل هو من كذبهم وافترائهم على الله، ويقولون: ما نقرؤه منزل من عند الله، وليس هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون كذبهم على الله ورسله. ٧٩ - ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله كتابًا منزلًا من عنده، ويرزقه العلم والفهم، ويختاره نبيًّا؛ ثم يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين مربين للناس مصلحين لأمورهم بسبب تعليمكم الكتاب المنزل للناس، وبما كنتم تدرسونه منه حفظًا وفهمًا. ٨٠ - ولا ينبغي له - كذلك - أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله، أيجوز منه أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم إليه واستسلامكم له؟! ٨١ - واذكر -أيها الرسول- حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيين قائلًا لهم: مهما أعطيتكم من كتاب أنزله عليكم، وحكمة أعلمكم إياه وبلغ أحدكم ما بلغ من المكانة والمنزلة، ثم جاءكم رسول من عندي - وهو محمد ﷺ مصدق لما معكم من الكتاب والحكمة؛ لتؤمنن بما جاء به، ولتنصرنه متبعين له، فهل أقررتم - أيها الأنبياء - بذلك، وأخذتم على ذلك عهدى الشديد؟ فأجابوا قائلين: أقررنا به، قال الله: اشهدوا على أنفسكم وعلى أممكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. ٨٢ - فمن أعرض بعد هذا العهد المؤكد بالشهادة من الله ورسله؛ فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعته. ٨٣ - أفغير دين الله الذي اختار لعباده - وهو الإسلام - يَطْلُبُ هؤلاء الخارجون عن دين الله وطاعته؟! وله - سبحانه - انقاد واستسلم كل من في السماوات والأرض من الخلائق، طوعًا له كحال المؤمنين، وكَرْهًا كحال الكافرين، ثم إليه تعالى يرجع الخلائق كلهم يوم القيامة للحساب والجزاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ضلال علماء اليهود ومكرهم في تحريفهم كلام الله، وكذبهم على الناس بنسبة تحريفهم إليه تعالى. • كل من يدعي أنه على دين نبي من أنبياء الله إذا لم يؤمن بمحمد ﵊ فهو ناقض لعهده مع الله تعالى. • أعظم الناس منزلةً العلماءُ الربانيون الذين يجمعون بين العلم والعمل، ويربون الناس على ذلك. • أعظم الضلال الإعراض عن دين الله تعالى الذي استسلم له سبحانه الخلائق كلهم بَرُّهم وفاجرهم.

стр. 68

٨٤ - قل -أيها الرسول-: آمنا بالله إلهًا، وأطعناه فيما أمرنا به، وآمنا بالوحي الذي أنزله علينا، وبما أنزله على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب، وبما أنزله على الأنبياء من ولد يعقوب، وبما أوتي موسى وعيسى والنبيون جميعًا من الكتب والآيات من ربهم لا نفرق بينهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، ونحن منقادون لله وحده مستسلمون له تعالى. ٨٥ - ومن يطلب دينًا غير الدين الذي ارتضاه الله وهو دين الإسلام؛ فلن يقبل الله ذلك منه، وهو في الآخرة من الخاسرين لأنفسهم بدخولهم النار. ٨٦ - كيف يوفق الله للإيمان به وبرسوله قومًا كفروا بعد إيمانهم بالله وشهادتهم أن ما جاء به الرسول محمد ﷺ حق، وجاءتهم البراهين الواضحة على صحة ذلك؟! والله لا يوفق للإيمان به القوم الظالمين الذين اختاروا الضلال بدلًا عن الهدى. ٨٧ - إن جزاء أولئك الظالمين الذين اختاروا الباطل أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فهم مُبعَدُون عن رحمة الله مطرودون. ٨٨ - خالدين في النار لا يخرجون منها، ولا يُخَفف عنهم عذابها، ولا هم يُؤخَّرون ليتوبوا ويعتذروا. ٨٩ - إلا الذين رجعوا إلى الله بعد كفرهم وظلمهم، وأصلحوا عملهم؛ فإن الله غفور لمن تاب من عباده رحيم بهم. ٩٠ - إن الذين كفروا بعد إيمانهم، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا؛ لن تقبل منهم التوبة عند حضور الموت لذهاب وقتها، وأولئك هم الضالون عن الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى. ٩١ - إن الذين كفروا وماتوا على كفرهم؛ فلن يُقْبل من أحدهم وزن الأرض ذهبًا ولو قدّمه مقابل انفكاكه من النار، أولئك الذين لهم عذاب أليم، وما لهم من ناصرين يوم القيامة يدفعون عنهم العذاب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • يجب الإيمان بجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى، وجميع ما أنزل عليهم من الكتب، دون تفريق بينهم. • لا يقبل الله تعالى من أحد دينًا أيًّا كان بعد بعثة النبي محمد ﷺ إلا الإسلام الذي جاء به. • مَنْ أصرَّ على الضلال، واستمر عليه، فقد يعاقبه الله بعدم توفيقه إلى التوبة والهداية. • باب التوبة مفتوح للعبد ما لم يحضره الموت، أو تشرق الشمس من مغربها، فعندئذ لا تُقْبل منه التوبة. • لا ينجي المرء يوم القيامة من عذاب النار إلا عمله الصالح، وأما المال فلو كان ملء الأرض لم ينفعه شيئًا.

стр. 69

٩٢ - لن تدركوا -أيها المؤمنون- ثواب أهل البر ومنزلتهم حتى تنفقوا في سبيل الله من أموالكم التي تحبونها، وما تنفقوا من شيء قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله عليم بنياتكم وأعمالكم، وسيجازي كلًّا بعمله. ٩٣ - جميع الأطعمة الطيبة كانت حلالًا لبني إسرائيل، ولم يُحَرَّم عليهم منها إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، لا كما تزعم اليهود أن ذلك التحريم كان في التوراة، قل لهم -أيها النبي-: فأحضروا التوراة واقرؤوها إن كنتم صادقين في هذا الذي تدَّعونه، فبهتوا، ولم يأتوا بها. وهو مثال يدل على افتراء اليهود على التوراة وتحريف مضمونها. ٩٤ - فمن افترى الكذب على الله بعد ظهور الحجة؛ بأن ما حَرَّمه يعقوب ﵇ حَرَّمه على نفسه من غير تحريم من الله؛ فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بترك الحق بعد ظهور حجته. ٩٥ - قل -أيها النبي-: صدق الله فيما أخبر به عن يعقوب ﵇، وفي كل ما أنزل وشرع، فاتبعوا دين إبراهيم ﵇، فقد كان مائلًا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ولم يشرك مع الله غيره أبدًا. ٩٦ - إن أول بيت بني في الأرض للناس جميعًا من أجل عبادة الله هو بيت الله الحرام الذي بمكة، وهو بيت مبارك، كثير المنافع الدينية والدنيوية، وفيه هداية للعالمين جميعًا. ٩٧ - في هذا البيت علامات ظاهرات على شرفه وفضله؛ كالمناسك والمشاعر، ومن هذه العلامات الحَجَر الذي قام عليه ابراهيم لما أراد رفع جدار الكعبة، ومنها أن من دخله يزول الخوف عنه ولا يناله أذى. ويجب لله على الناس قَصْد هذا البيت لأداء مناسك الحج، لمن كان منهم قادرًا على الوصول إليه، ومن كفر بفريضة الحج فإن الله غني عن هذا الكافر وعن العالمين أجمعين. ٩٨ - قل -أيها النبي-: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى لِمَ تجحدون البراهين على صدق النبي ﷺ ، ومنها براهين جاءت بها التوراة والإنجيل؟! والله مطلع على عملكم هذا شاهد عليه، وسيجازيكم به. ٩٩ - قل -أيها النبي-: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى لِمَ تمنعون عن دين الله مَنْ آمن به من الناس تطلبون لدين الله ميلًا عن الحق إلى الباطل، ولأهله ضلالًا عن الهدى، وأنتم شهداء على أن هذا الدين هو الحق مصدق لما في كتبكم؟! وليس الله بغافل عما تعملون من الكفر به، والصد عن سبيله، وسيجازيكم به. ١٠٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيما يقولونه، وتقبلون رأيهم فيما يزعمونه؛ يُرْجِعُوكم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما فيهم من الحسد والضلال عن الهدى. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • كَذِبُ اليهود على الله تعالى وأنبيائه، ومن كذبهم زعمهم أن تحريم يعقوب ﵇ لبعض الأطعمة نزلت به التوراة. • أعظم أماكن العبادة وأشرفها البيت الحرام، فهو أول بيت وضع لعبادة الله، وفيه من الخصائص ما ليس في سواه. • ذَكَرَ الله وجوب الحج بأوكد ألفاظ الوجوب تأكيدًا لوجوبه.

стр. 70

١٠١ - وكيف تكفرون بالله بعد إيمانكم به، وأنتم معكم السبب الأعظم للثبات على الإيمان! فآيات الله تُقْرأ عليكم، ورسوله محمد ﷺ يُبيِّنها لكم، ومن يَسْتمْسِك بكتاب الله وسُنَّة رسوله؛ فقد وفّقه الله إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه. ١٠٢ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، خافوا ربكم حق المَخَافة، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وشكره على نعمه، واستمسكوا بدينكم حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك. ١٠٣ - وتَمسَّكوا -أيها المؤمنون- بالكتاب والسُّنَّة، ولا ترتكبوا ما يوقعكم في التفرق، واذكروا إنعام الله عليكم حين كنتم أعداءً قبل الإسلام تتقاتلون على أقل الأسباب، فجمع بين قلوبكم بالإسلام، فصرتم بفضله إخوانًا في الدين، متراحمين متناصحين، وكنتم قبل ذلك مُشْرِفين على دخول النار بكفركم، فأنجاكم الله منها بالإسلام وهداكم للإيمان. وكما بيَّن لكم الله هذا يبين لكم ما يصلح أحوالكم في الدنيا والآخرة، لتهتدوا إلى طريق الرشاد وتسلكوا سبيل الاستقامة. ١٠٤ - ولتكن منكم -أيها المؤمنون- جماعة يدعون إلى كل خير يحبه الله، ويأمرون بالمعروف الذي دل عليه الشرع وحسَّنه العقل، وينهون عن المنكر الذي نهى عنه الشرع وقبَّحه العقل، والمتصفون بهذه الصفة هم أهل الفوز التام في الدنيا والآخرة. ١٠٥ - ولا تكونوا -أيها المؤمنون- مثل أهل الكتاب الذين تفرقوا فصاروا أحزابًا وشيعًا، واختلفوا في دينهم من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة من الله تعالى، وأولئك المذكورون لهم عذاب عظيم من الله. ١٠٦ - يقع عليهم هذا العذاب العظيم يوم القيامة، حين تَبْيَضُّ وجوه أهل الإيمان من الفرح والسعادة، وتَسْودُّ وجوه الكافرين من الحزن والكآبة، فأما الذين اسودَّت وجوههم في ذلك اليوم العظيم فيقال توبيخًا لهم: أكفرتم بتوحيد الله وعهدِه الذي أخذ عليكم بألا تشركوا به شيئًا، بعد تصديقكم وإقراركم؟! فذوقوا عذاب الله الذي أعده لكم بسبب كفركم. ١٠٧ - وأما الذين ابيضت وجوههم فمقامهم في جنات النعيم، خالدين فيها أبدًا، في نعيم لا يزول ولا يحول. ١٠٨ - تلك الآيات المتضمنة وعدَ الله ووعيدَه نقرؤها عليك -أيها النبي- بالصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، وما الله يريد ظلمًا لأي أحد من العالمين، بل لا يعذب أحدًا إلا بما كسبت يده. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • متابعة أهل الكتاب في أهوائهم تقود إلى الضلال والبعد عن دين الله تعالى. • الاعتصام بالكتاب والسُّنَة والاستمساك بهديهما أعظم وسيلة للثبات على الحق، والعصمة من الضلال والافتراق. • الافتراق والاختلاف الواقع في هذه الأمة في قضايا الاعتقاد فيه مشابهة لمن سبق من أهل الكتاب. • وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن به فلاح الأمة وسبب تميزها.

стр. 71

١٠٩ - ولله تعالى وحده مُلْكُ ما في السماوات وما في الأرض، خَلْقًا وأَمْرًا، واليه تعالى مصير أمر كل خلقه فيجازي كلًّا منهم على قدر استحقاقه. ١١٠ - كنتم - يا أمة محمد ﷺ خير الأمم التي أخرجها الله للناس في إيمانكم وعملكم، وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف الذي: دل عليه الشرع وحسَّنه العقل، وتنهون عن المنكر الذي نهى عنه الشرع وقبَّحه العقل، وتؤمنون بالله إيمانًا جازمًا يصدقه العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ لكان ذلك خيرًا لهم في دنياهم وآخرتهم. من أهل الكتاب قليل يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ، وأكثرهم هم الخارجون عن دين الله وشريعته. ١١١ - ومهما كان منهم من عداوة فلن يضروكم - أيها المؤمنون - في دينكم ولا في أنفسكم إلا أذى بألسنتهم، من الطعن في الدين، والاستهزاء بكم ونحو ذلك، وإن قاتلوكم يَفِرُّوا منهزمين أمامكم، ولا يُنْصَرون عليكم أبدًا. ١١٢ - جُعِل الهوان والصَّغار محيطًا باليهود مشتملًا عليهم أينما وُجِدوا، فلا يَأمَنون إلا بعهد أو أمن من الله تعالى أو من الناس، ورجعوا بغضب من الله، وجُعِلت عليهم الحاجة والفاقة محيطة بهم، ذلك الذي جُعل عليهم بسبب كفرهم بآيات الله، وقَتْلهم لأنبيائه ظلمًا، وذلك - أيضًا - بسبب عصيانهم وتجاوزهم لحدود الله. ولمَّا بيَّن الله حال غالب أهل الكتاب، بيَّن حال طائفة منهم مستقيمة على الحق قائمة به فقال: ١١٣ - ليس أهل الكتاب متساوين في حالهم، بل منهم طائفة مستقيمة على دين الله، قائمة بأمر الله ونهيه، يقرؤون آيات الله في ساعات الليل وهم يُصَلُّون لله، كانت هذه الفئة قبل بعثة النبي محمد ﷺ ، ومن أدرك منهم هذه البعثة أسلم. ١١٤ - يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا جازمًا، ويأمرون بالمعروف والخير، وينهون عن المنكر والشر، ويبادرون إلى أفعال الخيرات، ويغتنمون مواسم الطاعات، أولئك المتصفون بهذه الصفات من عباد الله الذين صلحت نياتهم وأعمالهم. ١١٥ - وما يفعله هؤلاء من خير قليلًا كان أو كثيرًا فلن يضيع عليهم ثوابه، ولن ينقص أجره، والله عليم بالمتقين الذين يمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أعظم ما يميز هذه الأمة وبه كانت خيريتها -بعد الإيمان بالله- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • قضى الله تعالى بالذل على أهل الكتاب لفسقهم وإعراضهم عن دين الله، وعدم وفائهم بما أخذ عليهم من العهد. • أهل الكتاب ليسوا على حال واحدة؛ فمنهم القائم بأمر الله، المتبع لدينه، الواقف عند حدوده، وهؤلاء لهم أعظم الأجر والثواب. وهذا قبل بعثة النبي محمد ﷺ .

стр. 72

١١٦ - إن الذين كفروا بالله ورسله لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، لن ترد عنهم عذابه، ولن تجلب لهم رحمته، بل ستزيدهم عذابًا وحسرة، وأولئك هم أصحاب النار الملازمون لها. ١١٧ - مثل ما ينفقه هؤلاء الكافرون في وجوه البر، وما ينتظرونه من ثوابها؛ كمثل ريح فيها برد شديد أصابت زرْعَ قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي وغيرها، فأتلفت زرعهم، وقد رجوا منه خيرًا كثيرًا، فكما أتلفت هذه الريح الزرع فلم يُنتفع به، كذلك الكفر يبطل ثواب أعمالهم التي يرجونها، والله لم يظلمهم -تعالى عن ذلك- وإنما ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم به وتكذيبهم رسله. ١١٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تتخذوا أَخلّاء وأصفياء من غير المؤمنين، تُطْلِعونهم على أسراركم وخَواصِّ أحوالكم، فهم لا يُقَصِّرون في طلب مضرتكم وفساد حالكم، يتمنون حصول ما يضركم ويشق عليكم، قد ظهرت الكراهية والعداوة على ألسنتهم، بالطعن في دينكم، والوقيعة بينكم، وإفشاء أسراركم، وما تكتمه صدورهم من الكراهية أعظم، قد بينا لكم -أيها المؤمنون- البراهين الواضحة على ما فيه مصالحكم في الدنيا والآخرة، إن كنتم تعقلون عن ربكم ما أنزل عليكم. ١١٩ - ها أنتم - يا هؤلاء المؤمنون - تحبون أولئك القوم، وترجون لهم الخير، وهم لا يحبونكم، ولا يرجون لكم الخير، بل يبغضونكم، وأنتم تؤمنون بالكُتُبِ كُلها، ومنها كتبهم، وهم لا يؤمنون بالكتاب الذي أنزله الله على نبيكم، وإذا التقوكم قالوا بألسنتهم: صَدَّقْنا، وإذا انفرد بعضهم ببعض عَضُّوا أطراف أصابعهم غَمًا وغيظًا لما أنتم عليه من الوحدة، واجتماع الكلمة، وعزة الإسلام، ولما هم عليه من الذلة. قل - أيها النبي - لأولئك القوم: ابقوا على ما أنتم عليه حتى تموتوا غَمًّا وغيظًا، إن الله عليم بما في الصدور من الإيمان والكفر، والخير والشر. ١٢٠ - إن تصبكم -أيها المؤمنون- نعمة من نصر على عدو، أو زيادة في مال وولد؛ يصبهم الهم والحزن، وإن تصبكم مصيبة من نصر عدو أو نقص في مال وولد، يفرحوا بذلك، ويشمتوا بكم، وإن تصبروا على أوامره وأقداره، وتتقوا غضبه عليكم؛ لا يضركم مكرهم وأذاهم، إن الله بما يعملون من الكيد محيط، وسيردهم خائبين. ١٢١ - واذكر -أيها النبي- حين خرجت أول النهار من المدينة لقتال المشركين في أُحد، حيث أَخَذْتَ تُنْزِلُ المؤمنين مواقعهم من القتال، فبيّنت لكل واحد منزله، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • نَهْي المؤمنين عن موالاة الكافرين وجَعْلهم أَخِلّاء وأصفياء يُفْضَى إليهم بأحوال المؤمنين وأسرارهم. • من صور عداوة الكافرين للمؤمنين فرحهم بما يصيب المؤمنين من بلاء ونقص، وغيظهم إن أصابهم خير. • الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكون بالصبر وعدم إظهار الخوف، ثم تقوى الله والأخذ بأسباب القوة والنصر.

стр. 73

١٢٢ - اذكر -أيها النبي- ما وقع لفرقتين من المؤمنين من بني سَلِمَة، وبني حارثة، حين ضعفوا، وهَمُّوا بالرجوع حين رجع المنافقون، والله ناصر هؤلاء بتثبيتهم على القتال وصرفهم عما هَمُّوا به، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في كل أحوالهم. ١٢٣ - ولقد نصركم الله على المشركين في معركة بدر وأنتم مستضعفون وذلك لقلة عددكم وعتادكم، فاتقوا الله لعلكم تشكرون نعمه عليكم. ١٢٤ - اذكر -أيها النبي- حين قلت للمؤمنين مثبتًا لهم في معركة بدر بعدما سمعوا بمَدَدٍ يأتي للمشركين: ألن يكفيكم أن يعينكم الله بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين منه سبحانه لتقويتكم في قتالكم؟! ١٢٥ - بلى، إن ذلك يكفيكم. ولكم بشارة بعون آخر من الله: إن صبرتم على القتال، واتقيتم الله، وجاء المدد إلى أعدائكم من ساعتهم مسرعين إليكم، إن حصل ذلك فإن ربكم سيعينكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم وخيولهم بعلامة ظاهرة. ١٢٦ - وما جعل الله هذا العون وهذا الإمداد بالملائكة إلا خبرًا سارًّا لكم، تطمئن قلوبكم به، وإلا فإن النصر حقيقة لا يكون بمجرد هذه الأسباب الظاهرة، وإنما النصر حقًّا من عند الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في تقديره وتشريعه. ١٢٧ - هذا النصر الذي تحقق لكم في غزوة بدر أراد به أن يهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، ويخزي طائفة أخرى، ويغيظهم بهزيمتهم، فيرجعوا بفشل وذل. ١٢٨ - لما دعا الرسول على رؤساء المشركين بالهلاك بعد ما وقع منهم في أُحد؛ قال الله له: ليس لك من أمرهم شيء، بل الأمر لله، فاصبر إلى أن يقضي الله بينكم، أو يوفقهم للتوبة فيسلموا، أو يستمروا على كفرهم فيعذبهم، فإنهم ظالمون مستحقون للعذاب. ١٢٩ - ولله ما في السماوات وما في الأرض خَلْقًا وتدبيرًا، يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعد الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم. ١٣٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، تجنَّبوا أخذ الربا زيادة مضاعفة على رؤوس أموالكم التي أقرضتموها، كما يفعل أهل الجاهلية، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لعلكم تنالون ما تطلبون من خير الدنيا والآخرة. ١٣١ - واجعلوا بينكم وبين النار التي أعدها الله للكافرين به وقاية؛ وذلك بعمل الصالحات وترك المحرمات. ١٣٢ - وأطيعوا الله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، لعلكم تنالون الرحمة في الدنيا والآخرة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشروعية التذكير بالنعم والنقم التي تنزل بالناس حتى يعتبر بها المرء. • من أعظم أسباب تَنَزُّل نصر الله على عباده ورحمته ولطفه بهم: التزامُ التقوى، والصبر على شدائد القتال. • الأمر كله لله تعالى، فيحكم بما يشاء، ويقضي بما أراد، والمؤمن الحق يُسَلِّم لله تعالى أمره، وينقاد لحكمه. • الذنوب -ومنها الربا- من أعظم أسباب خِذلان العبد، ولا سيما في مواطن الشدائد والصعاب. • مجيء النهي عن الربا بين آيات غزوة أُحد ليشعر بشمول الإسلام في شرائعه وترابطها بحيث يشير إلى بعضها في وسط الحديث عن بعض.

стр. 74

١٣٣ - وبادروا وسابقوا إلى فعل الخيرات، والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات؛ لتنالوا مغفرة من الله عظيمة، وتدخلوا جنة عرضها السماوات والأرض، هَيَّأها الله للمتقين من عباده. ١٣٤ - المتقون هم الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله، في حال اليسر والعسر، والمانعون غضبهم مع القدرة على الانتقام، والمتجاوزون عمن ظلمهم، والله يحب المحسنين المتصفين بمثل هذه الأخلاق. ١٣٥ - وهم الذين إذا فعلوا كبيرة من الذنوب، أو نقصوا حظ أنفسهم بارتكاب ما دون الكبائر، ذكروا الله تعالى، وتذكروا وعيده للعاصين، ووَعْده للمتقين، فطلبوا من ربهم نادمين ستر ذنوبهم وعدم مؤاخذتهم بها؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله وحده، ولم يصروا على ذنوبهم، وهم يعلمون أنهم مذنبون، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا. ١٣٦ - أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة، والخصال المجيدة، ثوابهم أن يستر الله ذنوبهم، ويتجاوز عنها، ولهم في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، مقيمين فيها أبدًا، ونِعْم ذلك الجزاء للعاملين بطاعة الله. ١٣٧ - ولما ابتُلي المؤمنون بما نزل بهم يوم أُحد قال الله معزيًا لهم: قد مضت من قبلكم سُنن إلهية في إهلاك الكافرين، وجعل العاقبة للمؤمنين بعد ابتلائهم، فسيروا في الأرض فانظروا معتبرين كيف كان مصير المكذبين لله ورسله، خلت ديارهم، وزال ملكهم. ١٣٨ - هذا القرآن الكريم بيان للحق وتحذير من الباطل للناس أجمعين، وهو دلالة إلى الهدى، وزاجر للمتقين؛ لأنهم هم المنتفعون بما فيه من الهدى والرشاد. ١٣٩ - ولا تضعفوا -أيها المؤمنون- ولا تحزنوا على ما أصابكم يوم أُحد -ولا ينبغي ذلك لكم، فأنتم الأعلون بإيمانكم، والأعلون بعون الله ورجائكم نصره، إن كنتم مؤمنين بالله ووعده لعباده المتقين. ١٤٠ - إن أصابكم -أيها المؤمنون- جِرَاح وقَتْل يوم أُحد، فقد أصاب الكفار جرَاح وقَتْل مثل ما أصابكم، والأيام يصرفها الله بين الناس مؤمنهم وكافرهم بما شاء من نصر وهزيمة؛ لحِكَم بالغَة؛ منها: ليَظْهَر المؤمنون حقيقةً من المنافقين، ومنها: ليُكْرِم من يشاء بالشهادة في سبيله، والله لا يحب الظالمين لأنفسهم بترك الجهاد في سبيله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الترغيب في المسارعة إلى عمل الصالحات اغتنامًا للأوقات، ومبادرة للطاعات قبل فواتها. • من صفات المتقين التي يستحقون بها دخول الجنة: الإنفاق في كل حال، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق. • النظر في أحوال الأمم السابقة من أعظم ما يورث العبرة والعظة لمن كان له قلب يعقل به.

стр. 75

١٤١ - ومن هذه الحكم تَطْهيرُ المؤمنين من ذنوبهم، وتخليص صَفِّهم من المنافقين، وليُهْلِك الكافرين ويمحوهم. ١٤٢ - أظننتم -أيها المؤمنون- أنكم تدخلون الجنة دون ابتلاء وصبرٍ يظهر به المجاهدون في سبيل الله حقيقةً، والصابرون على البلاء الذي يصيبهم فيه؟! ١٤٣ - ولقد كنتم -أيها المؤمنون- تتمنون لقاء الكفار لتنالوا الشهادة في سبيل الله، كما نالها إخوانكم في يوم بدر من قبل أن تلاقوا أسباب الموت وشدته، فها قد رأيتم في يوم أُحد ما تمنيتم، وأنتم تنظرون له عيانًا. ولما شاع في الناس يوم أحد أن النبي ﷺ قُتِل، أنزل الله معاتبًا من قعد من المؤمنين عن القتال بسبب ذلك فقال: ١٤٤ - وما محمد إلا رسول من جنس من سبقه من رسل الله الذين ماتوا أو قتلوا، أفإن مات هو أو قتل ارتددتم عن دينكم، وتركتم الجهاد؟! ومن يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا؛ إذ هو القوي العزيز، وإنما يضر المرتد نفسه بتعريضها لخسارة الدنيا والآخرة، وسيجزي الله الشاكرين له أحسن الجزاء بثباتهم على دينه، وجهادهم في سبيله. ١٤٥ - وما كانت نفس لتموت إلا بقضاء الله، بعد أن تستوفي المدة التي كتبها الله وجعلها أجلًا لها، لا تزيد عنها ولا تنقص. ومن يُرِد ثواب الدنيا بعمله نعطه بقدر ما قُدِّر له منها، ولا نصيب له في الآخرة، ومن يُرِد بعمله ثواب الله في الآخرة نعطه ثوابها، وسنجزي الشاكرين لربهم جزاءً عظيمًا. ١٤٦ - وكم من نبي من أنبياء الله قاتل معه جماعات من أتباعه كثيرة، فما جَبُنُوا عن الجهاد لما أصابهم من قتل وجراح في سبيل الله، وما ضعفوا عن قتال العدو، وما خضعوا له، بل صبروا وثبتوا، والله يحب الصابرين على الشدائد والمكاره في سبيله. ١٤٧ - وما كان قول هؤلاء الصابرين لمَّا نزل بهم هذا البلاء إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وتجاوُزَنا الحدود في أمرنا، وثبت أقدامنا عند ملاقاة عدونا، وانصرنا على القوم الكافرين بك. ١٤٨ - فآتاهم الله ثواب الدنيا بنصرهم والتمكين لهم، وآتاهم الثواب الحسن في الآخرة بالرضا عنهم، والنعيم المقيم في جنات النعيم، والله يحب المحسنين في عبادتهم ومعاملتهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الابتلاء سُنَّة إلهية يتميز بها المجاهدون الصادقون الصابرون من غيرهم. • يجب ألا يرتبط الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه بأحد من البشر مهما علا قدره ومقامه. • أعمار الناس وآجالهم ثابتة عند الله تعالى، لا يزيدها الحرص على الحياة، ولا ينقصها الإقدام والشجاعة. • تختلف مقاصد الناس ونياتهم، فمنهم من يريد ثواب الله، ومنهم من يريد الدنيا، وكل سيُجازَى على نيَّته وعمله.
следующие страницы →