Полный текст (612 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
١٠٩ - ولله تعالى وحده مُلْكُ ما في السماوات وما في الأرض، خَلْقًا وأَمْرًا، واليه تعالى مصير أمر كل خلقه فيجازي كلًّا منهم على قدر استحقاقه.
١١٠ - كنتم - يا أمة محمد ﷺ خير الأمم التي أخرجها الله للناس في إيمانكم وعملكم، وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف الذي: دل عليه الشرع وحسَّنه العقل، وتنهون عن المنكر الذي نهى عنه الشرع وقبَّحه العقل، وتؤمنون بالله إيمانًا جازمًا يصدقه العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ لكان ذلك خيرًا لهم في دنياهم وآخرتهم. من أهل الكتاب قليل يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ، وأكثرهم هم الخارجون عن دين الله وشريعته.
١١١ - ومهما كان منهم من عداوة فلن يضروكم - أيها المؤمنون - في دينكم ولا في أنفسكم إلا أذى بألسنتهم، من الطعن في الدين، والاستهزاء بكم ونحو ذلك، وإن قاتلوكم يَفِرُّوا منهزمين أمامكم، ولا يُنْصَرون عليكم أبدًا.
١١٢ - جُعِل الهوان والصَّغار محيطًا باليهود مشتملًا عليهم أينما وُجِدوا، فلا يَأمَنون إلا بعهد أو أمن من الله تعالى أو من الناس، ورجعوا بغضب من الله، وجُعِلت عليهم الحاجة والفاقة محيطة بهم، ذلك الذي جُعل عليهم بسبب كفرهم بآيات الله، وقَتْلهم لأنبيائه ظلمًا، وذلك - أيضًا - بسبب عصيانهم وتجاوزهم لحدود الله. ولمَّا بيَّن الله حال غالب أهل الكتاب، بيَّن حال طائفة منهم مستقيمة على الحق قائمة به فقال:
١١٣ - ليس أهل الكتاب متساوين في حالهم، بل منهم طائفة مستقيمة على دين الله، قائمة بأمر الله ونهيه، يقرؤون آيات الله في ساعات الليل وهم يُصَلُّون لله، كانت هذه الفئة قبل بعثة النبي محمد ﷺ ، ومن أدرك منهم هذه البعثة أسلم.
١١٤ - يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا جازمًا، ويأمرون بالمعروف والخير، وينهون عن المنكر والشر، ويبادرون إلى أفعال الخيرات، ويغتنمون مواسم الطاعات، أولئك المتصفون بهذه الصفات من عباد الله الذين صلحت نياتهم وأعمالهم.
١١٥ - وما يفعله هؤلاء من خير قليلًا كان أو كثيرًا فلن يضيع عليهم ثوابه، ولن ينقص أجره، والله عليم بالمتقين الذين يمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أعظم ما يميز هذه الأمة وبه كانت خيريتها -بعد الإيمان بالله- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• قضى الله تعالى بالذل على أهل الكتاب لفسقهم وإعراضهم عن دين الله، وعدم وفائهم بما أخذ عليهم من العهد.
• أهل الكتاب ليسوا على حال واحدة؛ فمنهم القائم بأمر الله، المتبع لدينه، الواقف عند حدوده، وهؤلاء لهم أعظم الأجر والثواب. وهذا قبل بعثة النبي محمد ﷺ .
стр. 72
١١٦ - إن الذين كفروا بالله ورسله لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، لن ترد عنهم عذابه، ولن تجلب لهم رحمته، بل ستزيدهم عذابًا وحسرة، وأولئك هم أصحاب النار الملازمون لها.
١١٧ - مثل ما ينفقه هؤلاء الكافرون في وجوه البر، وما ينتظرونه من ثوابها؛ كمثل ريح فيها برد شديد أصابت زرْعَ قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي وغيرها، فأتلفت زرعهم، وقد رجوا منه خيرًا كثيرًا، فكما أتلفت هذه الريح الزرع فلم يُنتفع به، كذلك الكفر يبطل ثواب أعمالهم التي يرجونها، والله لم يظلمهم -تعالى عن ذلك- وإنما ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم به وتكذيبهم رسله.
١١٨ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تتخذوا أَخلّاء وأصفياء من غير المؤمنين، تُطْلِعونهم على أسراركم وخَواصِّ أحوالكم، فهم لا يُقَصِّرون في طلب مضرتكم وفساد حالكم، يتمنون حصول ما يضركم ويشق عليكم، قد ظهرت الكراهية والعداوة على ألسنتهم، بالطعن في دينكم، والوقيعة بينكم، وإفشاء أسراركم، وما تكتمه صدورهم من الكراهية أعظم، قد بينا لكم -أيها المؤمنون- البراهين الواضحة على ما فيه مصالحكم في الدنيا والآخرة، إن كنتم تعقلون عن ربكم ما أنزل عليكم.
١١٩ - ها أنتم - يا هؤلاء المؤمنون - تحبون أولئك القوم، وترجون لهم الخير، وهم لا يحبونكم، ولا يرجون لكم الخير، بل يبغضونكم، وأنتم تؤمنون بالكُتُبِ كُلها، ومنها كتبهم، وهم لا يؤمنون بالكتاب الذي أنزله الله على نبيكم، وإذا التقوكم قالوا بألسنتهم: صَدَّقْنا، وإذا انفرد بعضهم ببعض عَضُّوا أطراف أصابعهم غَمًا وغيظًا لما أنتم عليه من الوحدة، واجتماع الكلمة، وعزة الإسلام، ولما هم عليه من الذلة. قل - أيها النبي - لأولئك القوم: ابقوا على ما أنتم عليه حتى تموتوا غَمًّا وغيظًا، إن الله عليم بما في الصدور من الإيمان والكفر، والخير والشر.
١٢٠ - إن تصبكم -أيها المؤمنون- نعمة من نصر على عدو، أو زيادة في مال وولد؛ يصبهم الهم والحزن، وإن تصبكم مصيبة من نصر عدو أو نقص في مال وولد، يفرحوا بذلك، ويشمتوا بكم، وإن تصبروا على أوامره وأقداره، وتتقوا غضبه عليكم؛ لا يضركم مكرهم وأذاهم، إن الله بما يعملون من الكيد محيط، وسيردهم خائبين.
١٢١ - واذكر -أيها النبي- حين خرجت أول النهار من المدينة لقتال المشركين في أُحد، حيث أَخَذْتَ تُنْزِلُ المؤمنين مواقعهم من القتال، فبيّنت لكل واحد منزله، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• نَهْي المؤمنين عن موالاة الكافرين وجَعْلهم أَخِلّاء وأصفياء يُفْضَى إليهم بأحوال المؤمنين وأسرارهم.
• من صور عداوة الكافرين للمؤمنين فرحهم بما يصيب المؤمنين من بلاء ونقص، وغيظهم إن أصابهم خير.
• الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكون بالصبر وعدم إظهار الخوف، ثم تقوى الله والأخذ بأسباب القوة والنصر.
стр. 73
١٢٢ - اذكر -أيها النبي- ما وقع لفرقتين من المؤمنين من بني سَلِمَة، وبني حارثة، حين ضعفوا، وهَمُّوا بالرجوع حين رجع المنافقون، والله ناصر هؤلاء بتثبيتهم على القتال وصرفهم عما هَمُّوا به، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في كل أحوالهم.
١٢٣ - ولقد نصركم الله على المشركين في معركة بدر وأنتم مستضعفون وذلك لقلة عددكم وعتادكم، فاتقوا الله لعلكم تشكرون نعمه عليكم.
١٢٤ - اذكر -أيها النبي- حين قلت للمؤمنين مثبتًا لهم في معركة بدر بعدما سمعوا بمَدَدٍ يأتي للمشركين: ألن يكفيكم أن يعينكم الله بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين منه سبحانه لتقويتكم في قتالكم؟!
١٢٥ - بلى، إن ذلك يكفيكم. ولكم بشارة بعون آخر من الله: إن صبرتم على القتال، واتقيتم الله، وجاء المدد إلى أعدائكم من ساعتهم مسرعين إليكم، إن حصل ذلك فإن ربكم سيعينكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم وخيولهم بعلامة ظاهرة.
١٢٦ - وما جعل الله هذا العون وهذا الإمداد بالملائكة إلا خبرًا سارًّا لكم، تطمئن قلوبكم به، وإلا فإن النصر حقيقة لا يكون بمجرد هذه الأسباب الظاهرة، وإنما النصر حقًّا من عند الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في تقديره وتشريعه.
١٢٧ - هذا النصر الذي تحقق لكم في غزوة بدر أراد به أن يهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، ويخزي طائفة أخرى، ويغيظهم بهزيمتهم، فيرجعوا بفشل وذل.
١٢٨ - لما دعا الرسول على رؤساء المشركين بالهلاك بعد ما وقع منهم في أُحد؛ قال الله له: ليس لك من أمرهم شيء، بل الأمر لله، فاصبر إلى أن يقضي الله بينكم، أو يوفقهم للتوبة فيسلموا، أو يستمروا على كفرهم فيعذبهم، فإنهم ظالمون مستحقون للعذاب.
١٢٩ - ولله ما في السماوات وما في الأرض خَلْقًا وتدبيرًا، يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعد الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
١٣٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، تجنَّبوا أخذ الربا زيادة مضاعفة على رؤوس أموالكم التي أقرضتموها، كما يفعل أهل الجاهلية، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لعلكم تنالون ما تطلبون من خير الدنيا والآخرة.
١٣١ - واجعلوا بينكم وبين النار التي أعدها الله للكافرين به وقاية؛ وذلك بعمل الصالحات وترك المحرمات.
١٣٢ - وأطيعوا الله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، لعلكم تنالون الرحمة في الدنيا والآخرة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية التذكير بالنعم والنقم التي تنزل بالناس حتى يعتبر بها المرء.
• من أعظم أسباب تَنَزُّل نصر الله على عباده ورحمته ولطفه بهم: التزامُ التقوى، والصبر على شدائد القتال.
• الأمر كله لله تعالى، فيحكم بما يشاء، ويقضي بما أراد، والمؤمن الحق يُسَلِّم لله تعالى أمره، وينقاد لحكمه.
• الذنوب -ومنها الربا- من أعظم أسباب خِذلان العبد، ولا سيما في مواطن الشدائد والصعاب.
• مجيء النهي عن الربا بين آيات غزوة أُحد ليشعر بشمول الإسلام في شرائعه وترابطها بحيث يشير إلى بعضها في وسط الحديث عن بعض.
стр. 74
١٣٣ - وبادروا وسابقوا إلى فعل الخيرات، والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات؛ لتنالوا مغفرة من الله عظيمة، وتدخلوا جنة عرضها السماوات والأرض، هَيَّأها الله للمتقين من عباده.
١٣٤ - المتقون هم الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله، في حال اليسر والعسر، والمانعون غضبهم مع القدرة على الانتقام، والمتجاوزون عمن ظلمهم، والله يحب المحسنين المتصفين بمثل هذه الأخلاق.
١٣٥ - وهم الذين إذا فعلوا كبيرة من الذنوب، أو نقصوا حظ أنفسهم بارتكاب ما دون الكبائر، ذكروا الله تعالى، وتذكروا وعيده للعاصين، ووَعْده للمتقين، فطلبوا من ربهم نادمين ستر ذنوبهم وعدم مؤاخذتهم بها؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله وحده، ولم يصروا على ذنوبهم، وهم يعلمون أنهم مذنبون، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا.
١٣٦ - أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة، والخصال المجيدة، ثوابهم أن يستر الله ذنوبهم، ويتجاوز عنها، ولهم في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، مقيمين فيها أبدًا، ونِعْم ذلك الجزاء للعاملين بطاعة الله.
١٣٧ - ولما ابتُلي المؤمنون بما نزل بهم يوم أُحد قال الله معزيًا لهم: قد مضت من قبلكم سُنن إلهية في إهلاك الكافرين، وجعل العاقبة للمؤمنين بعد ابتلائهم، فسيروا في الأرض فانظروا معتبرين كيف كان مصير المكذبين لله ورسله، خلت ديارهم، وزال ملكهم.
١٣٨ - هذا القرآن الكريم بيان للحق وتحذير من الباطل للناس أجمعين، وهو دلالة إلى الهدى، وزاجر للمتقين؛ لأنهم هم المنتفعون بما فيه من الهدى والرشاد.
١٣٩ - ولا تضعفوا -أيها المؤمنون- ولا تحزنوا على ما أصابكم يوم أُحد -ولا ينبغي ذلك لكم، فأنتم الأعلون بإيمانكم، والأعلون بعون الله ورجائكم نصره، إن كنتم مؤمنين بالله ووعده لعباده المتقين.
١٤٠ - إن أصابكم -أيها المؤمنون- جِرَاح وقَتْل يوم أُحد، فقد أصاب الكفار جرَاح وقَتْل مثل ما أصابكم، والأيام يصرفها الله بين الناس مؤمنهم وكافرهم بما شاء من نصر وهزيمة؛ لحِكَم بالغَة؛ منها: ليَظْهَر المؤمنون حقيقةً من المنافقين، ومنها: ليُكْرِم من يشاء بالشهادة في سبيله، والله لا يحب الظالمين لأنفسهم بترك الجهاد في سبيله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الترغيب في المسارعة إلى عمل الصالحات اغتنامًا للأوقات، ومبادرة للطاعات قبل فواتها.
• من صفات المتقين التي يستحقون بها دخول الجنة: الإنفاق في كل حال، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق.
• النظر في أحوال الأمم السابقة من أعظم ما يورث العبرة والعظة لمن كان له قلب يعقل به.
стр. 75
١٤١ - ومن هذه الحكم تَطْهيرُ المؤمنين من ذنوبهم، وتخليص صَفِّهم من المنافقين، وليُهْلِك الكافرين ويمحوهم.
١٤٢ - أظننتم -أيها المؤمنون- أنكم تدخلون الجنة دون ابتلاء وصبرٍ يظهر به المجاهدون في سبيل الله حقيقةً، والصابرون على البلاء الذي يصيبهم فيه؟!
١٤٣ - ولقد كنتم -أيها المؤمنون- تتمنون لقاء الكفار لتنالوا الشهادة في سبيل الله، كما نالها إخوانكم في يوم بدر من قبل أن تلاقوا أسباب الموت وشدته، فها قد رأيتم في يوم أُحد ما تمنيتم، وأنتم تنظرون له عيانًا.
ولما شاع في الناس يوم أحد أن النبي ﷺ قُتِل، أنزل الله معاتبًا من قعد من المؤمنين عن القتال بسبب ذلك فقال:
١٤٤ - وما محمد إلا رسول من جنس من سبقه من رسل الله الذين ماتوا أو قتلوا، أفإن مات هو أو قتل ارتددتم عن دينكم، وتركتم الجهاد؟! ومن يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا؛ إذ هو القوي العزيز، وإنما يضر المرتد نفسه بتعريضها لخسارة الدنيا والآخرة، وسيجزي الله الشاكرين له أحسن الجزاء بثباتهم على دينه، وجهادهم في سبيله.
١٤٥ - وما كانت نفس لتموت إلا بقضاء الله، بعد أن تستوفي المدة التي كتبها الله وجعلها أجلًا لها، لا تزيد عنها ولا تنقص. ومن يُرِد ثواب الدنيا بعمله نعطه بقدر ما قُدِّر له منها، ولا نصيب له في الآخرة، ومن يُرِد بعمله ثواب الله في الآخرة نعطه ثوابها، وسنجزي الشاكرين لربهم جزاءً عظيمًا.
١٤٦ - وكم من نبي من أنبياء الله قاتل معه جماعات من أتباعه كثيرة، فما جَبُنُوا عن الجهاد لما أصابهم من قتل وجراح في سبيل الله، وما ضعفوا عن قتال العدو، وما خضعوا له، بل صبروا وثبتوا، والله يحب الصابرين على الشدائد والمكاره في سبيله.
١٤٧ - وما كان قول هؤلاء الصابرين لمَّا نزل بهم هذا البلاء إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وتجاوُزَنا الحدود في أمرنا، وثبت أقدامنا عند ملاقاة عدونا، وانصرنا على القوم الكافرين بك.
١٤٨ - فآتاهم الله ثواب الدنيا بنصرهم والتمكين لهم، وآتاهم الثواب الحسن في الآخرة بالرضا عنهم، والنعيم المقيم في جنات النعيم، والله يحب المحسنين في عبادتهم ومعاملتهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الابتلاء سُنَّة إلهية يتميز بها المجاهدون الصادقون الصابرون من غيرهم.
• يجب ألا يرتبط الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه بأحد من البشر مهما علا قدره ومقامه.
• أعمار الناس وآجالهم ثابتة عند الله تعالى، لا يزيدها الحرص على الحياة، ولا ينقصها الإقدام والشجاعة.
• تختلف مقاصد الناس ونياتهم، فمنهم من يريد ثواب الله، ومنهم من يريد الدنيا، وكل سيُجازَى على نيَّته وعمله.
стр. 76
١٤٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إن تطيعوا الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين، فيما يأمرونكم به من الضلال، يُرْجِعُوكم بعد إيمانكم إلى ما كنتم عليه كفارًا، فترجعوا خاسرين في الدنيا والآخرة.
١٥٠ - هؤلاء الكافرون لن ينصروكم إذا أطعتموهم، بل الله هو ناصركم على أعدائكم، فأطيعوه، وهو سبحانه خير الناصرين، فلا تحتاجون لأحد بعده.
١٥١ - سنلقي في قلوب الذين كفروا بالله الخوف الشديد، حتى لا يستطيعوا الثبات لقتالكم بسبب إشراكهم بالله آلهةً عبدوها بأهوائهم، لم ينزل عليهم بها حجة، ومُسْتقرُّهم الذي يرجعون إليه في الآخرة هو النار، وبئس مستقر الظالمين النار.
١٥٢ - ولقد أنجزكم الله ما وعدكم به من النصر على أعدائكم يوم أُحد، حين كنتم تقتلونهم قتلًا شديدًا بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنْتُم وضعفتم عن الثبات على ما أمركم به الرسول واختلفتم بين البقاء في مواقعكم أو تركها وجمع الغنائم، وعصيتم الرسول في أمره لكم بالبقاء في مواقعكم على كل حال، وقع ذلك منكم من بعد ما أراكم الله ما تحبونه من النصر على أعدائكم، منكم من يريد غنائم الدنيا، وهم الذين تركوا مواقعهم، ومنكم من يريد ثواب الآخرة، وهم الذين بقوا في مواقعهم مطيعين أمر الرسول، ثم حَوَّلكم الله عنهم، وسلَّطهم عليكم؛ ليختبركم، فيظهر المؤمن الصابر على البلاء ممَّن زلت قدمه، وضعفت نفسه، ولقد عفا الله عنكم ما ارتكبتموه من المخالفة لأمر رسول الله ﷺ صاحب فضل عظيم على المؤمنين حيث هداهم للإيمان، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصائبهم.
١٥٣ - اذكروا -أيها المؤمنون- حين كنتم تُبْعِدون في الأرض هاربين يوم أحد، لما أصابكم الفشل بمخالفة أمر الرسول، ولا ينظر أحد منكم لأحد، والرسول يدعوكم من خلفكم بينكم وبين المشركين قائلًا: إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله، فجازاكم الله على هذا ألمًا وضيقًا بما فاتكم من النصر والغنيمة، يتبعه ألم وضيق، وبما شاع بينكم من قَتْل النبي، وقد أنزل بكم هذا لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا ما أصابكم من قتل وجراح، بعدما علمتم أن النبي لم يُقْتل، حيث هانت عليكم كل مصيبة وألم، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أحوال قلوبكم، ولا أعمال جوارحكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• التحذير من طاعة الكفار والسير في أهوائهم، فعاقبة ذلك الخسران في الدنيا والآخرة.
• إلقاء الرعب في قلوب أعداء الله صورةٌ من صور نصر الله لأوليائه المؤمنين.
• من أعظم أسباب الهزيمة في المعركة التعلق بالدنيا والطمع في مغانمها، ومخالفة أمر قائد الجيش.
• من دلائل فضل الصحابة أن الله يعقب بالمغفرة بعد ذكر خطئهم.
стр. 77
١٥٤ - ثم أنزل عليكم بعد الألم والضيق طمأنينة وثقة، جَعلت طائفة منكم -وهم الواثقون بوعد الله- يغطيهم النعاس مما في قلوبهم من أمن وسكينة، وطائفة أخرى لم ينلهم أمن ولا نعاس، وهم المنافقون الذين لا هَمَّ لهم إلا سلامة أنفسهم، فهم في قلق وخوف، ويظنون بالله ظن السوء، من أن الله لا ينصر رسوله ولا يؤيد عباده، كظن أهل الجاهلية الذين لم يَقْدُروا الله حق قدره، يقول هؤلاء المنافقون لجهلهم بالله: ليس لنا من رأيٍ في أمر الخروج إلى القتال، ولو كان لنا ما خرجنا، قل - أيها النبي - مجيبًا هؤلاء: إن الأمر كله لله، فهو الذي يُقدِّر ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو من قدَّر خروجكم. وهؤلاء المنافقون يخفون في أنفسهم من الشك وظن السوء ما لا يظهرون لك، حيث يقولون: لو كان لنا في الخروج رأي ما قُتِلنا في هذا المكان، قل -أيها النبي- ردًّا عليهم: لو كنتم في بيوتكم بعيدين عن مواطن القتل والموت؛ لخرج من كَتبَ الله عليه القتل منكم إلى حيث يكون قَتْلهم. وما كتب الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من نيات ومقاصد، ويميز ما فيها من إيمان ونفاق، والله عليم بالذي في صدور عباده لا يخفى عليه شيء منها.
١٥٥ - إن الذين انهزموا منكم - يا أصحاب محمد - يوم التقى جَمْعُ المشركين في أُحدٍ بجمع المسلمين، إنما حملهم الشيطان على الزلل بسبب بعض ما اكتسبوه من المعاصي، ولقد عفا الله عنهم فلم يؤاخذهم بها فضلًا منه ورحمة، إن الله غفور لمن تاب، حليم لا يعاجل بالعقوبة.
١٥٦ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تكونوا مثل الكفار من المنافقين، ويقولون لأقاربهم إذا سافروا يطلبون رزقًا، أو كانوا غُزَاة فماتوا أو قتلوا: لو كانوا عندنا ولم يخرجوا، ولم يغزوا لم يموتوا ولم يقتلوا، جعل الله هذا الاعتقاد في قلوبهم ليزدادوا ندامة وحزنًا في قلوبهم، والله وحده هو الذي يحيي ويميت بمشيئته، لا يمنع قَدَرَه قعود ولا يُعَجلُه خروج، والله بما تعملون بصير، لا تخفى عليه أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
١٥٧ - ولئن قتلتم في سبيل الله أو متُّم -أيها المؤمنون- ليَغْفرنَّ الله لكم مغفرة عظيمة، ويرحمكم رحمة منه، هي خير من هذه الدنيا وما يجمع أهلها فيها من نعيمها الزائل.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الجهل بالله تعالى وصفاته يُورث سوء الاعتقاد وفساد الأعمال.
• آجال العباد مضروبة محدودة، لا يُعجِّلها الإقدام والشجاعة، ولايؤخرها الجبن والحرص.
• من سُنَّة الله تعالى الجارية ابتلاء عباده؛ ليميز الخبيث من الطيب.
• من أعظم المنازل وأكرمها عند الله تعالى منازل الشهداء في سبيله.
стр. 78
١٥٨ - ولئن مُتُّم على أي حال كان موتكم، أو قُتِلتم؛ فإلى الله وحده ترجعون جميعًا؛ ليجازيكم على أعمالكم.
١٥٩ - فبسبب رحمة من الله عظيمة كان خُلُقك -أيها النبي- سهلًا مع أصحابك، ولو كنت شديدًا في قولك وفعلك، قاسي القلب لتفرقوا عنك، فتجاوز عنهم تقصيرهم في حقك، واطلب لهم المغفرة، واطلب رأيهم فيما يحتاج إلى مشورة، فإذا عقدت عزمك على أمر بعد المشاورة فامض فيه، وتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين عليه فيوفقهم ويؤيدهم.
١٦٠ - إن يؤيدكم الله بإعانته ونصره فلا أحد يغلبكم، ولو اجتمع عليكم أهل الأرض، وإذا ترك نصركم ووَكَلكم إلى أنفسكم فلا أحد يستطيع أن ينصركم من بعده، فالنصر بيده وحده، وعلى الله فليعتمد المؤمنون لا على أحد سواه.
١٦١ - ما كان لنبي من الأنبياء أن يخون بأخذ شيء من الغنيمة غير ما اختصه به الله، ومن يَخُنْ منكم بأخذ شيء من الغنيمة، يُعاقَب بأن يُفضح يوم القيامة، فيأتي حاملًا ما أخذه أمام الخلق، ثم تُعطى كل نفس جزاء ما اكتسبته تامًّا غير منقوص، وهم لا يُظلمون بزيادة سيئاتهم، ولا بنقص حسناتهم.
١٦٢ - لا يستوي عند الله من اتبع ما ينال به رضوان الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن كفر بالله وعَمِلَ السيئات، فرجع بغضب شديد من الله، ومستقره جهنم وساءت مرجعًا ومستقرًا.
١٦٣ - هم متفاوتون في منازلهم في الدنيا والآخرة عند الله، والله بصير بما يعملون، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كلًّا بعمله.
١٦٤ - لقد أنعم الله على المؤمنين وأحسن إليهم حين بعث فيهم رسولًا من جنسهم، يقرأ عليهم القرآن، ويطهِّرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة، ويعلمهم القرآن والسُّنَّة، وقد كانوا من قبل بعثة هذا الرسول في ضلال واضح عن الهدى والرشاد.
١٦٥ - أعندما أصابتكم -أيها المؤمنون- مصيبة حين هُزمتم في أُحد، وقُتِل منكم من قُتِل، قد أصبتم من عدوكم ضِعْفَيها من القتلى والأسرى يوم بدر، قلتم: من أين أصابنا هذا ونحن مؤمنون، ونبي الله فينا؟! قل -أيها النبي-: ما أصابكم من ذلك جاءكم بسببكم حين تنازعتم، وعصيتم الرسول، إن الله على كل شيء قدير؛ فينصر من يشاء، ويخذل من يشاء.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النصر الحقيقي من الله تعالى، فهو القوي الذي لا يُحارَب، والعزيز الذي لا يُغالَب.
• لا تستوي في الدنيا حال من اتبع هدى الله وعمل به وحال من أعرض وكذب به، كما لا تستوي منازلهم في الآخرة.
• ما ينزل بالعبد من البلاء والمحن هو بسبب ذنوبه، وقد يكون ابتلاءً ورَفْع درجات، والله يعفو ويتجاوز عن كثير منها.
стр. 79
١٦٦ - وما حدث لكم من القَتْل والجِرَاح والهزيمة يوم أحد حين التقى جمعكم وجَمْعُ المشركين، فهو بإذن الله وقدره؛ لحكمة بالغة حتى يظهر المؤمنون الصادقون.
١٦٧ - وليظهر المنافقون الذين لمَّا قيل لهم: قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا بتكثيركم سواد المسلمين؛ قالوا: لو نعلم أنه يكون قتال لاتبعناكم لكنه لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتال، هم في حالهم وقتئذٍ أقرب إلى ما يدل على كفرهم مما يدل على إيمانهم، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يُبْطِنونه في صدورهم، وسيعاقبهم عليه.
١٦٨ - هم الذين تخلَّفوا عن القتال، وقالوا لقراباتهم الذين أصيبوا يوم أُحد: لو أنهم أطاعونا ولم يخرجوا للقتال لَمَّا قتلوا، قل - أيها النبي - ردًّا عليهم: فادفعوا عن أنفسكم الموت إذا نزل بكم إن كنتم صادقين فيما ادعيتموه من أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأن سبب نجاتكم من الموت هو القعود عن الجهاد في سبيل الله.
١٦٩ - ولا تظنن -أيها النبي- أن الذين قُتلوا في الجهاد في سبيل الله أموات، بل هم أحياء حياة خاصة عند ربهم في دار كرامته، يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلمه إلا الله.
١٧٠ - قد غمرتهم السعادة، وشملتهم الفرحة، بما مَنَّ الله عليهم من فضله، ويأملون وينتظرون أن يلحق بهم إخوانهم الذين بقوا في الدنيا، أنهم إن قتلوا في الجهاد فسينالون من الفضل مثلهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
١٧١ - ويفرحون مع هذا بثواب كبير ينتظرهم من الله، وزيادة على الثواب عظيمة، وأنه تعالى لا يُبْطل أجر المؤمنين به، بل يوفيهم أجورهم كاملة، ويزيدهم عليها.
١٧٢ - الذين استجابوا لأمر الله ورسوله عندما دُعوا إلى الخروج للقتال في سبيل الله، وملاقاة المشركين في غزوة "حمراء الأسد" التي أعقبت أُحُدًا بعدما أصابتهم الجروح يوم أُحُد، فلم تمنعهم جروحهم من تلبية نداء الله ورسوله. للذين أحسنوا منهم في أعمالهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أجر عظيم من الله، وهو الجنة.
١٧٣ - الذين قال لهم بعض المشركين: إن قريشًا بقيادة أبي سفيان قد جمعوا لكم جموعًا كثيرة لقتالكم والقضاء عليكم فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فزادهم هذا الكلام والتخويف تصديقًا بالله وثقة بوعده، فخرجوا إلى لقائهم وهم يقولون: يكفينا الله تعالى، وهو نِعْمَ من نفوِّض إليه أمرنا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من سنن الله تعالى أن يبتلي عباده؛ ليتميز المؤمن الحق من المنافق، وليُعلم الصادق من الكاذب.
• عِظَم منزلة الجهاد والشهادة في سبيل الله وثواب أهله عند الله تعالى حيث ينزلهم الله تعالى بأعلى المنازل.
• فضل الصحابة وبيان علو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لما بذلوه من أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى.
стр. 80
١٧٤ - فرجعوا بعد خروجهم إلى "حمراء الأسد" بثواب عظيم من الله، وزيادة في درجاتهم، وسلامة من عدوهم فلم يصبهم قَتْل ولا جِرَاح، واتبعوا ما يرضي الله عنهم من التزام طاعته والكف عن معصيته، والله صاحب فضل عظيم على عباده المؤمنين.
١٧٥ - إنما المُخوِّف لكم الشيطان، يرهبكم بأنصاره وأعوانه، فلا تجبنوا عنهم، فإنهم لا حول لهم ولا قوة، وخافوا بالتزام طاعته، إن كنتم مؤمنين به حقًّا.
١٧٦ - ولا يُوقِعْك في الحزن -أيها الرسول- الذين يسارعون في الكفر مرتدين على أعقابهم من أهل النفاق، فإنهم لن ينالوا الله بأي ضرر، وإنما يضرون أنفسهم ببعدهم عن الإيمان بالله وطاعته، يريد الله بخذلانهم وعدم توفيقهم ألا يكون لهم نصيب في نعيم الآخرة، ولهم فيها عذاب عظيم في النار.
١٧٧ - إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله أي شيء، إنما يضرون أنفسهم، ولهم عذاب أليم في الآخرة.
١٧٨ - ولا يظنن الذين كفروا بربهم، وعاندوا شرعه، أن إمهالهم وإطالة عمرهم على ما هم عليه من كفرٍ خيرٌ لأنفسهم، ليس الأمر كما ظنوا، وإنما نمهلهم ليزدادوا إثمًا بكثرة المعاصي على إثمهم، ولهم عذاب مُذِلّ.
١٧٩ - ما كان من حكمة الله أن يَدَعَكم -أيها المؤمنون- على ما أنتم عليه من اختلاط بالمنافقين وعدم تمايز بينكم، وعدم تبين المؤمنين حقًّا، حتى يميزكم بأنواع التكاليف والابتلاءات، ليظهر المؤمن الطيب من المنافق الخبيث. وما كان من حكمة الله أن يطلعكم على الغيب فتُميزوا بين المؤمن والمنافق، ولكن الله يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض الغيب؛ كما أطلع نبيه محمدًا ﷺ على حال المنافقين، فحقِّقوا إيمانكم بالله ورسوله، وأن تؤمنوا حقًّا وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فلكم ثواب عظيم عند الله.
١٨٠ - ولا يظنن الذين يبخلون بما آتاهم الله من النعمٍ تفضُّلًا منه، فيمنعون حق الله فيها، لا يظنُّوا أن ذلك خير لهم، بل هو شر لهم؛ لأن ما بخلوا به سيكون طَوْقًا يُطَوَّقون به يوم القيامة في أعناقهم يعذبون به، ولله وحده يؤول ما في السماوات والأرض، وهو الحي بعد فناء خلقه كلهم، والله عليم بدقائق ما تعملون، وسيجازيكم عليه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ينبغي للمؤمن ألا يلتفت إلى تخويف الشيطان له بأعوانه وأنصاره من الكافرين، فإن الأمر كله لله تعالى.
• لا ينبغي للعبد أن يغتر بإمهال الله له، بل عليه المبادرة إلى التوبة، ما دام في زمن المُهلة قبل فواتها.
• البخيل الذي يمنع فضل الله عليه إنما يضر نفسه بحرمانها المتاجرة مع الله الكريم الوهاب، وتعريضها للعقوبة يوم القيامة.
стр. 81
١٨١ - لقد سمع الله قول اليهود حين قالوا: "إن الله فقير حيث طلب منا القرض، ونحن أغنياء بما عندنا من أموال" سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم وقتلهم أنبياءهم بغير حق، ونقول لهم: ذوقوا العذاب المحرق في النار.
١٨٢ - ذلك العذاب بسبب ما قدمت أيديكم -أيها اليهود- من المعاصي والمخازي، وبأن الله ليس يظلم أحدًا من عبيده.
١٨٣ - وهم الذين قالوا كذبًا وافتراء: إن الله أوصانا في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بما يصدق قوله، وذلك بأن يتقرب إلى الله بصدقة تُحْرقُها نار تنزل من السماء، فكذبوا على الله في نسبة الوصية إليه، وفي حصر دلائل صدق الرسل فيما ذكروا، ولهذا أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: قد جاءكم رسل من قبلي بالبراهين الواضحة على صدقهم، وبالذي ذكرتم من القُربان الذي تحرقه نار من السماء، فلِمَ كذبتموهم وقتلتموهم إن كنتم صادقين فيما تقولون؟!
١٨٤ - فإن كذبوك -أيها النبي- فلا تحزن، فهي عادة الكافرين، فقد كُذب رسل كثر من قبلك، جاؤوا بالأدلة الواضحة، وبالكتب المشتملة على المواعظ والرقائق، والكتاب الهادي بما فيه من الأحكام والشرائع.
١٨٥ - كل نفس مهما تكن لا بد أن تذوق الموت، فلا يغتر مخلوق بهذه الدنيا، وفي يوم القيامة تعطون أجور أعمالكم كاملة غير منقوصة، فمن أبعده الله عن النار وأدخله الجنة؛ فقد نال ما يرجو من الخير، ونجا مما يخاف من الشر، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل، ولا يتعلق بها إلا المخدوع.
١٨٦ - لتُختبرنّ -أيها المؤمنون- في أموالكم، بأداء الحقوق الواجبة فيها، وبما ينزل بها من مصائب، ولتختبرُنَّ في أنفسكم بالقيام بتكاليف الشريعة، وما ينزل بكم من أنواع البلاء، ولتسمعُنّ من الذين أُعطوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا شيئًا كثيرًا مما يؤذيكم من الطعن فيكم وفي دينكم، وإن تصبروا على ما يصيبكم من أنواع المصائب والابتلاءات، وتتقوا الله بفعل ما أمر وتَرْك ما نهى، فإن ذلك من الأمور التي تحتاج إلى عزم، ويتنافس فيها المتنافسون.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من سوء فعال اليهود وقبيح أخلاقهم اعتداؤهم على أنبياء الله بالتكذيب والقتل.
• كل فوز في الدنيا فهو ناقص، وإنما الفوز التام في الآخرة، بالنجاة من النار ودخول الجنة.
• من أنواع الابتلاء الأذى الذي ينال المؤمنين في دينهم وأنفسهم من قِبَل أهل الكتاب والمشركين، والواجب حينئذ الصبر وتقوى الله تعالى.
стр. 82
١٨٧ - واذكر, -أيها النبي- حين أخذ الله العهد المؤكد على علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لتُوضِّحُنَّ للناس كتاب الله، ولا تكتمون ما فيه من الهدى، ولا ما دل عليه من نبوة محمد ﷺ ، فما كان منهم إلا أن طرحوا العهد، ولم يلتفتوا إليه، فكتموا الحق وأظهروا الباطل، واستبدلوا بعهد الله ثمنًا زهيدًا، كالجاه والمال الذي قد ينالونه، فبئس هذا الثمن الذي يستبدلونه بعهد الله.
١٨٨ - لا تظنن - يا أيها النبي - أن الذين يفرحون بما فعلوا من القبائح، ويحبون أن يمدحهم الناس بما لم يفعلوه من الخير، لا تظننهم بمَنْجاة من العذاب وسلامة، بل محلهم جهنم، ولهم فيها عذاب موجع.
١٨٩ - ولله وحده دون غيره ملك السماوات والأرض وما فيهما خَلْقًا وتدبيرًا، والله على كل شيء قدير.
١٩٠ - إن في إيجاد السماوات والأرض من عَدَم على غير مثال سابق، وفي تعاقب الليل والنَّهار، وتفاوتهما طولًا وقِصَرًا؛ لدلائلَ واضحة لأصحاب العقول السليمة، تدلهم على خالق الكون المستحق للعبادة وحده.
١٩١ - وهم الذين يذكرون الله على كل
أحوالهم، في حال قيامهم، وحال جلوسهم،
وفي حال اضطجاعهم، ويُعْمِلون فكرَهم في خلق السماوات والأرض؛ قائلين: يا ربنا، ما خلقت هذا الخلق العظيم عبثًا، تنزَّهت عن العبث، فجنِّبنا عذاب النار بتوفيقنا للصالحات وحِفْظِنا من السيئات.
١٩٢ - فإنك -يا ربنا- من تدخل النار من خلقك فقد أهنته وفضحته، وليس للظالمين يوم القيامة من أعوان يمنعون عنهم عذاب الله وعقابه.
١٩٣ - ربنا إننا سمعنا داعيًا للإيمان - وهو نبيك محمد ﷺ يدعو قائلًا: آمنوا بالله ربكم إلهًا واحدًا، فآمنا بما يدعو إليه، واتبعنا شريعته، فاستر ذنوبنا فلا تفضحنا، وتجاوز عن سيئاتنا فلا تؤاخذنا بها، وتوفنا مع الصالحين بتوفيقنا لفعل الخيرات وترك السيئات.
١٩٤ - ربنا وأعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، من الهداية والنصر في الدنيا، ولا تفضحنا يوم القيامة بدخول النار، إنك - يا ربنا - كريم لا تُخْلف وعدك.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من صفات علماء السوء من أهل الكتاب: كَتْم العلم، واتباع الهوى، والفرح بمدح الناس مع سوء سرائرهم وأفعالهم.
• التفكر في خلق الله تعالى في السماوات والأرض وتعاقب الأزمان يورث اليقين بعظمة الله وكمال الخضوع له .
• دعاء الله وخضوع القلب له تعالى من أكمل مظاهر العبودية.
стр. 83
١٩٥ - فأجاب ربهم دعاءهم: بأني لا أضيع ثواب أعمالكم قَلَّت أو كثرت، سواء كان العامل ذكرًا أو أنثى، فحكم بعضكم من بعض في الملة واحد، لا يُزاد لذَكَرٍ، ولا يُنقص لأنثى، فالذين هاجروا في سبيل الله، وأخرجهم الكفار من ديارهم، وأصابهم الأذى بسبب طاعتهم لربهم، وقاتلوا في سبيل الله وقُتِلُوا لتكون كلمة الله هي العليا -لأغفِرن لهم سيئاتهم يوم القيامة، ولأتجاوزن عنها، ولأُدخلنهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ثوابًا من عند الله، والله عنده الجزاء الحسن الذي لا مثل له.
١٩٦ - لا يخدعنك -أيها النبي- تنقُّل الكافرين في البلاد، وتَمَكُّنهم منها، وسعة تجاراتهم وأرزاقهم فتشعر بالهَمِّ والغم من حالهم.
١٩٧ - فهذه الدنيا متاع قليل لا دوام له، ثم بعد ذلك يكون مصيرهم الذي يرجعون إليه يوم القيامة: جهنم، وبئس الفِراشُ لهم النار.
١٩٨ - لكنِ الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ماكثين فيها أبدًا، جزاءً مُعَدًّا لهم من عند الله تعالى، وما أعده الله للصالحين من عباده خير وأفضل مما يتقلب فيه الكفار من ملذات الدنيا.
١٩٩ - ليس أهل الكتاب سواء، فإن منهم طائفة يؤمنون بالله وبما أنزل إليكم من الحق والهدى، ويؤمنون بما أنزل إليهم في كتبهم، لا يفرقون بين رسل الله، خاضعين متذللين لله، رغبة فيما عنده، لا يستبدلون بآيات الله ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا، أولئك الموصوفون بهذه الصفات لهم ثوابهم العظيم عند ربهم، إن الله سريع الحساب على الأعمال سريع الجزاء عليها.
٢٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، اصبروا على تكاليف الشريعة، وعلى ما يعرض لكم من مصائب الدنيا، وغالبوا الكفار في الصبر فلا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على الجهاد في سبيل الله، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لعلكم تنالون مطلوبكم بالسلامة من النار ودخول الجنة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأذى الذي ينال المؤمن في سبيل الله فيضطره إلى الهجرة والخروج والجهاد من أعظم أسباب تكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.
• ليستِ العبرة بما قد يُنَعَّم به الكافر في الدنيا من المال والمتاع وإن عَظُم؛ لأن الدنيا زائلة، وإنما العبرة بحقيقة مصيره في الآخرة في دار الخلود.
• من أهل الكتاب من يشهدون بالحق الذي في كتبهم، فيؤمنون بما أنزل إليهم وبما أنزل على المؤمنين، فهؤلاء لهم أجرهم مرتين.
• الصبر على الحق، ومغالبة المكذبين به، والجهاد في سبيله، هو سبيل الفلاح في الآخرة.
стр. 84
سُوُرَةُ النِّسَاءِ
مَدَنيّة
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تنظيم المجتمع المسلم من داخله من خلال حفظ الحقوق الاجتماعية والمالية، إزالةً لرواسب الجاهلية وتركيزًا على حقوق النساء والضعفاء.
[التَّفْسِيرُ]
سُمِّيت بذلك لذكر النساء فيها وتفصيل كثير من أحكامهن.
١ - يا أيها الناس، اتقوا ربكم، فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي أبوكم آدم، وخلق من آدم زوجه حواء أمكم، ونشر منهما في أقطار الأرض بشرًا كثيرًا ذكورًا وإناثًا، واتقوا الله الذي يسأل بعضكم بعضًا به بأن يقول: أسألك بالله أن تفعل كذا، واتقوا قَطْع الأرحام التي تربط بينكم، إن الله كان عليكم رقيبًا، فلا يفوته شيء من أعمالكم، بل يحصيها ويجازيكم عليها.
٢ - وأعطوا -أيها الأوصياء- اليتامى (وهم: من فقدوا آباءهم ولم يبلغوا الحُلم) أموالِهم كاملة إذا بلغوا وكانوا راشدين، ولا تتبدّلوا الحرام بالحلال؛ بأن تأخذوا الجيِّد النفيس من أموال اليتامى، وتدفعوا بدله الرديء الخسيس من أموالكم، ولا تأخذوا أموال اليتامى مضمومة إلى أموالكم، إن ذلك كان ذنبًا عظيمًا عند الله.
٣ - وإن خفتم ألا تعدلوا إذا تزوجتم اليتيمات اللاتي تحت ولايتكم، إما خوفًا من نقص مهرهن الواجب لهن، أو إساءة معاملتهن، فدعوهن وتزوجوا الطيبات من النساء غيرهن، إن شئتم تزوجتم اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خفتم ألا تعدلوا بينهن فاقتصروا على واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم من الإماء؛ إذ لا يجب لهن مثل ما يجب للزوجات من الحقوق، ذلك الذي ورد في الآية في شأن اليتامى والاقتصار على نكاح واحدة أو الاستمتاع بالإماء أقرب إلى ألا تَجُورُوا وتميلوا.
٤ - وأعطوا النساء مهورهن عطية واجبة، فإن طابت نفوسهن بشيء من المهر لكم بلا إكراه؛ فكلوه سائغًا لا تنغيص فيه.
٥ - ولا تعطوا -أيها الأولياء- الأموال للذين لا يحسنون التصرف، فهذه الأموال جعلها الله سببًا تقوم به مصالح العباد وأمور معاشهم، وهؤلاء ليسوا أهلًا للقيام على الأموال وحفظها، وأنفقوا عليهم واكسوهم منها، وقولوا لهم قولًا طيبًا، وعِدُوهم مَوعِدَةً حسنة بأن تعطوهم مالهم إذا بلغوا الرشد وحُسْنَ التصرف.
٦ - واختبروا - أيها الأولياء - اليتامى إذا وصلوا سن البلوغ، بإعطائهم جزءًا من مالهم يتصرفون فيه، فإن أحسنوا التصرف فيه، وتبين لكم رشدهم؛ فسلموا إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة، ولا تأكلوا أموالهم متجاوزين الحد الذي أباحه الله لكم من أموالهم عند الحاجة، ولا تبادروا بأكلها خشية أن يأخذوها إذا بلغوا، ومن كان منكم له مال يُغْنيه فليمتنع عن الأخذ من مال اليتيم، ومن كان منكم فقيرًا لا مال له فليأكل بقدر حاجته، وإذا سلمتم إليهم أموالهم بعد البلوغ وتبين الرشد منهم؛ فاشهدوا على ذلك التسليم حفظًا للحقوق، ومنعًا لأسباب الاختلاف، وكفى الله شاهدا على ذلك، ومحاسبًا للعباد على أعمالهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الأصل الذي يرجع إليه البشر واحد، فالواجب عليهم أن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأن يرحم بعضهم بعضًا.
• أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الضعفة من النساء واليتامى، بأن تكون المعاملة معهم بين العدل والفضل.
• جواز تعدد الزوجات إلى أربع نساء، بشرط العدل بينهن، والقدرة على القيام بما يجب لهن.
• مشروعية الحَجْر على السفيه الذي لا يحسن التصرف, لمصلحته، وحفظًا للمال الذي تقوم به مصالح الدنيا من الضياع.
стр. 85
٧ - للرجال حظ مما تركه الوالدان والأقربون كالإخوة والأعمام بعد موتهم، قليلًا كان أو كثيرًا، وللنساء حظ مما تركه هؤلاء؛ خلافًا لما كان عليه أمر الجاهلية من حرمان النساء والأطفال من الميراث، هذا النصيب حق مُبيَّن المقدارِ مفروضٌ من الله تعالى.
٨ - وإذا حضر قَسْمَ التركة من لا يرث من الأقارب واليتامى والفقراء؛ فأعطوهم -على سبيل الاستحباب- من هذا المال قبل قسمته ما تطيب به نفوسكم، فهم مُتشوِّفون إليه، وقد جاءكم بلا عناء، وقولوا لهم قولًا حسنًا لا قبح فيه.
٩ - وَلْيَخَف الذين لو ماتوا وتركوا خلفهم أولادًا صغارًا ضعافًا، خافوا عليهم من الضياع، فليتقوا الله فيمن تحت ولايتهم من الأيتام بترك ظلمهم، حتى ييسر الله لهم بعد موتهم من يحسن لأولادهم كما أحسنوا هم، وليحسنوا في حق أولاد من يحضرون وصيته بأن يقولوا لهم قولًا مصيبًا للحق بألا يظلم في وصيته حقَّ ورثته من بعده، ولا يحرم نفسه من الخير بترك الوصية.
١٠ - إن الذين يأخذون أموال اليتامى، ويتصرفون فيها ظلمًا وعدوانًا، إنما يأكلون في أجوافهم نارًا تلتهب عليهم، وستحرقهم النار يوم القيامة.
١١ - يعهد الله إليكم ويأمركم في شأن ميراث أولادكم؛ أن الميراث يُقسم بينهم للابن مثل نصيب البنتين، فإن ترك الميّت بنات دون ولد ذكر؛ فللبنتين فأكثر الثلثان مما ترك، وإن كانت بنتًا واحدة فلها نصف ما ترك، ولكل واحد من أبوي الميّتِ سدس ما ترك؛ إن كان له ولد ذكرًا كان أو أنثى، وإن لم يكن له ولد وله وارث له غير أبويه؛ فللأم الثلث، وباقي الميراث لأبيه، وإن كان للميّتِ إخوة اثنان فأكثر ذكورًا كانوا أو إناثًا أشقاء أو غير أشقاء؛ فلأمه السدس فرضًا، والباقي للأب تعصيبًا، ولا شيء للإخوة، ويكون هذا القسم للميراث بعد تنفيذ الوصية التي أوصى بها الميِّت بشرط ألا تزيد وصيته عن ثلث ماله، وبشرط قضاء الدَّين الذي عليه، وقد جعل الله تعالى قسمة الميراث على هذا؛ لأنكم لا تدرون مَنْ مِن الآباء والأبناء أقرب لكم نفعًا في الدنيا والآخرة، فقد يظن الميتُ بأحد ورثته خيرًا؛ فيعطيه المال كله، أو يظن به شرًّا فيحرمه منه، وقد يكون الحال خلاف ذلك، والذي يعلم ذلك كله هو الله الذي لا يخفى عليه شي، ولذلك قسم الميراث على ما بيَّن، وجعله فريضة منه واجبة على عباده، إن الله كان عليمًا لا يخفى عليه شيء من مصالح عباده، حكيمًا في شرعه وتدبيره.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلَّت أحكام المواريث على أن الشريعة أعطت الرجال والنساء حقوقهم مراعيةً العدل بينهم وتحقيق المصلحة بينهم.
• التغليظ الشديد في حرمة أموال اليتامى، والنهي عن التعدي عليها، وعن تضييعها على أي وجه كان.
• لمَّا كان المال من أكثر أسباب النزاع بين الناس تولى الله تعالى قسمته في أحكام المواريث.
стр. 86
١٢ - ولكم - أيها الأزواج - نصف ما تركت زوجاتكم؛ إن لم يكن لهن ولد -ذكرًا كان أو أنثى- منكم أو من غيركم، فإن كان لهن ولد -ذكرًا كان أو أنثى- فلكم الربع مما تركن من المال يقسم لكم ذلك بعد تنفيذ وصيتهن، وقضاء ما عليهن من دين.
وللزوجات الربع مما تركتم - أيها الأزواج - إن لم يكن لكم ولد -ذكرًا كان أو أنثى- منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ولد -ذكرًا كان أو أنثى- فلهن الثمن مما تركتم، يُقسم لهن ذلك بعد تنفيذ وصيتكم، وقضاء ما عليكم من دَين. وإن مات رجل ليس له والد ولا ولد أو ماتت امرأة ليس لها والد ولا ولد، وكان للميت منهما أخ لأم أو أخت لأم؛ فلكل واحد من أخيه لأمه أو أخته لأمه السدس فرضًا، فإن كان الإخوة لأم أو الأخوات لأم أكثر من واحد؛ فلجميعهم الثلث فرضًا يشتركون فيه، يستوي في ذلك ذكرهم وأنثاهم، وإنما يأخذون نصيبهم هذا بعد تنفيذ وصية الميت، وقضاء ما عليه من دَين، بشرط أن تكون وصيته لا تُدْخِل الضرر على الورثة؛ كان تكون وصية بأكثر من ثلث ماله، هذا الحكم الذي تضمَّنته الآية عهد من الله إليكم أوجبه عليكم، والله عليم بما يصلح عباده في الدنيا والآخرة، حليم لا يعاجل العاصي بالعقوبة.
١٣ - تلك الأحكام المذكورة في شأن اليتامى وغيرهم، شرائعُ الله التي شرعها لعباده ليعملوا بها، ومن يطع الله ورسوله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ يدخله الله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ماكثين فيها لا يلحقهم فناء، وذلك الجزاء الإلهي هو الفلاح العظيم الذي لا يضاهيه فلاح.
١٤ - ومن يعص الله ورسوله بتعطيل أحكامه وترك العمل بها، أو الشك فيها، ويتجاوز حدود ما شرعه؛ يدخله نارًا ماكثًا فيها، وله فيها عذاب مُذِلٍّ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• لا تُقْسم الأموال بين الورثة حتى يُقضى ما على الميت من دين، ويخرج منها وصيته التي لا يجوز أن تتجاوز ثلث ماله.
• التحذير من التهاون في قسمة المواريث؛ لأنها عهدُ الله ووصيته لعباده المؤمنين؛ فلا يجوز تركها أو التهاون فيها.
من علامات الإيمان امتثال أوامر الله، وتعظيم نواهيه، والوقوف عند حدوده.
• من عدل الله تعالى وحكمته أن من أطاعه وعده بأعظم الثواب، ومن عصاه وتعدَّى حدوده توعده بأعظم العقاب.
стр. 87
١٥ - واللاتي يرتكبن فاحشة الزنى من نسائكم محصنات وغير محصنات فاستشهدوا عليهن أربعة رجال مسلمين عدول، فإن شهدوا عليهن بارتكابها فاحبسوهن في البيوت عقوبة لهن، حتى تنقضي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا غير طريق الحبس. ثم بَيّن الله السبيل لهم بعد ذلك، فشرع جلد البكر الزانية مئة جلدة وتغريب عام، ورجم المُحصَنة.
١٦ - واللذان يرتكبان فاحشة الزنى من الرجال -مُحْصَنيْن أو غير محصَنَيْن- فعاقبوهما باللسان واليد بما يحقق الإهانة والزجر، فإن أقلعا عمَّا كانا عليه، وصلحت أعمالهما؛ فأعرضوا عن أذاهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله كان توابًا على من تاب من عباده رحيمًا بهم.
والاكتفاء بهذا النوع من العقاب كان في أول الأمر، ثم نُسِخ بعد ذلك بجلد البكْر وتغريبه، وبرجم المُحصَن.
١٧ - إنما يقبل الله توبة الذين أقدموا على ارتكاب الذنوب والمعاصي بجهل منهم لعاقبتها وشؤمها -وهذا شأن كل مرتكبِ ذنبٍ متعمدًا كان أو غير متعمد- ثم يرجعون منيبين إلى ربهم قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، وكان الله عليمًا بأحوال خلقه، حكيمًا في تقديره وتشريعه.
١٨ - ولا يقبل الله توبة الذين يُصرُّون على المعاصي، ولا يتوبون منها إلى أن يعانوا سكرات الموت، فعندئذ يقول الواحد منهم: إني تبت الآن مما ارتكبته من المعاصي. ولا يقبل الله - كذلك - توبة الذين يموتون وهم مُصِرُّون على الكفر، أولئك العصاة المُصِرُّون على المعاصي، والذين يموتون وهم على كفرهم؛ أعددنا لهم عذابًا أليمًا.
١٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله , لا يجوز لكم أن ترثوا نساء آبائكم كما يُورثُ المال وتتصرفوا فيهن بالزواج بهن، أو تزويجهن ممن تشاؤون، أو منعهن من الزواج. ولا يجوز لكم إمساك أزواجكم اللاتي تكرهونهن للإضرار بهن، حتى يتنازلن لكم عن بعض ما أعطيتموهن من مهر وغيره، إلا أن يرتكبن فاحشة واضحة كالزنى، فإذا فعلن ذلك جاز لكم إمساكهن والتضييق عليهن حتى يفتدين منكم بما أعطيتموهن، وصاحبوا نساءكم صحبة طيبة، بكف الأذى وبذل الإحسان، فإن كرهتموهن لأمر دنيوي فاصبروا عليهن؛ فلعل الله يجعل فيما تكرهون خيرًا كثيرًا في الحياة الدنيا والآخرة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ارتكاب فاحشة الزنى من أكثر المعاصي خطرًا على الفرد والمجتمع؛ ولهذا جاءت العقوبات عليها شديدة.
• لُطْف الله ورحمته بعباده حيث فتح باب التوبة لكل مذنب، ويسَّر له أسبابها، وأعانه على سلوك سبيلها.
• كل من عصى الله تعالى بعمد أو بغير عمد فهو جاهل بقدر من عصاه جل وعلا، وجاهل بآثار المعاصي وشؤمها عليه.
• من أسباب استمرار الحياة الزوجية أن يكون نظر الزوج متوازنًا، فلا يحصر نظره فيما يكره، بل ينظر
стр. 88
أيضا إلى ما فيه من خير وقد يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
٢٠ - وإن أردتم -أيها الأزواج- تطليق امرأة، واستبدال غيرها بها؛ فلا حرج عليكم في ذلك، وإن كنتم أعطيتم التي عزمتم على فراقها مالًا كثيرًا مهرًا لها؛ فلا يجوز لكم أخذ شيء منه، فإنَّ أَخْذ ما أعطيتموهن يُعدُّ افتراءً مبينًا وإثمًا واضحًا!
٢١ - وكيف تأخذون ما أعطيتموهن من المهر بعد الذي حصل بينكم من علاقة ومودة واستمتاع واطلاع على الأسرار، فإن الطمع بما في أيديهن من مال بعد هذا أمر مُنكَر ومستقبَح، وقد أخذن منكم عهدًا موثَّقًا شديدًا، وهو استحلالهن بكلمة الله تعالى وشرعه.
٢٢ - ولا تنزوَّجوا ما تزوجه آباؤكم من النساء؛ فإن ذلك محرَّم، إلا ما سبق من ذلك قبل الإسلام فلا مؤاخذة عليه، ذلك أن تزوج الأبناء من زوجات آبائهم أمر يعظم قُبْحُه، وسبب غضب الله على فاعله، وساء طريقًا لمن سلكها.
٢٣ - حَرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم وإن عَلَوْن؛ أي أم الأم وجدتها من جهة الأب أو الأم، وبناتكم وإن نزلن؛ أي بنتها وبنت بنتها، وكذلك بنات الابن وبنات البنت وإن نزلن، وأخواتكم من أبويكم أو من أحدهما، وعماتكم، وكذلك عمات آبائكم وأمهاتكم وإن عَلَوْن، وخالاتكم، وكذلك خالات أمهاتكم وآبائكم وإن علَوْن، وبنات الأخ وبنات الأخت، وأولادهن وإن نزلوا، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات زوجاتكم سواء دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن، وبنات زوجاتكم من غيركم اللاتي ينشأن ويتربين في بيوتكم غالبًا، وكذلك إذا لم يتربين فيها، إن كنتم دخلتم بأمهاتهن، وأما إذا لم تدخلوا بهن فلا حرج عليكم في نكاح بناتهن، وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ولو لم يدخلوا بهن، ويدخل في هذا الحكم زوجات أبنائكم من الرضاعة، وحرم عليكم الجمع بين الأختين من النسب أو الرضاعة إلا ما مضى من ذلك في الجاهلية فقد عفا الله عنه، إن الله كان غفورًا لعباده التائبين إليه، رحيمًا بهم. وثبت في السُّنَّة تحريم الجمع كذلك بين المرأة وعمتها أو خالتها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• إذا دخل الرجل بامرأته فقد ثبت مهرها، ولا يجوز له التعدي عليه أو الطمع فيه، حتى لو أراد فراقها وطلاقها.
• حَرَّم الله تعالى نكاح زوجات الآباء؛ لأنه فاحشة تمقتها العقول الصحيحة والفطر السليمة.
• بيَّن الله تعالى بيانًا مفصلًا من يحل نكاحه من النساء ومن يحرم، سواء أكان بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع، تعظيمًا لها، وصيانة لها من الاعتداء.
стр. 89
٢٤ - وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا ما ملكتموهن بالسبي في الجهاد في سبيل الله، فيحل لكم وطؤهن بعد استبراء أرحامهن بحيضة، فرض الله ذلك عليكم فرضًا، وأحل الله ما عدا ذلكم من النساء، أن تطلبوا بأموالكم إحصان أنفسكم وإعفافها بالحلال غير قاصدين الزنى، فمن تمتعتم بهن بالنكاح فأعطوهن مهورهن التي جعلها الله فريضة واجبة عليكم، ولا إثم عليكم فيما وقع عليه تراضيكم من بعد تحديد المهر الواجب من زيادة عليه أو مسامحة في بعضه، إن الله كان عليمًا بخلقه لا يخفى عليه منهم شيء، حكيمًا في تدبيره وتشريعه.
٢٥ - ومن لم يستطع منكم - أيها الرجال - لقلة ماله أن يتزوج الحرائر من النساء جاز له نكاح الإماء المملوكات لغيركم، إن كن مؤمنات فيما يظهر لكم، والله أعلم بحقيقة إيمانكم وبواطن أحوالكم، وأنتم وهنَّ سواء في الدين والإنسانية، فلا تَسْتنكِفوا عن الزواج منهن، فتزوجوهن بإذن مالكيهن، وآتوهن مهورهن دون نقص أو مماطلة، هذا إن كن عفيفات غير زانيات علنًا، ولا متخذات أَخِلَاء للزنى بهن سرًّا، فإذا تزوجن، ثم ارتكبن فاحشة الزنى فحدُّهن نصف عقوبة الحرائر: خمسين جلدة، ولا رجم عليهن، بخلاف المحصنات من الحرائر إذا زنين. ذلك المذكور من إباحة نكاح الإماء المؤمنات العفيفات رخصة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، ولم يقدر على الزواج من الحرائر، على أن الصبر عن نكاح الإماء أولى؛ لتجنيب الأولاد الاسترقاق، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته أن شرع لهم نكاح الإماء حال العجز عن نكاح الحرائر عند خشية الزنى.
٢٦ - يريد الله سبحانه بتشريعه هذه الأحكام لكم أن يبين لكم معالم شرعه ودينه، وما فيه مصالحكم في الدنيا والآخرة، ويريد أن يرشدكم إلى طرق الأنبياء من قبلكم في التحليل والتحريم، وشمائلهم الكريمة، وسيرهم الحميدة لتتبعوهم، ويريد أن يرجع بكم عن معصيته إلى طاعته، والله عليم بما فيه مصلحة عباده فيشرعه لهم، حكيم في تشريعه وتدبيره لشؤونهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• حُرْمة نكاح المتزوجات: حرائر أو إماء حتى تنقضي عدتهن أيًا كان سبب العدة.
• أن مهر المرأة يتعين بعد الدخول بها، وجواز أن تحط بعض مهرها إذا كان بطيب نفس منها.
• جواز نكاح الإماء المؤمنات عند عدم القدرة على نكاح الحرائر؛ إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنى.
• من مقاصد الشريعة بيان الهدى والضلال، وإرشاد الناس إلى سنن الهدى التي تردهم إلى الله تعالى.
стр. 90
٢٧ - والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن سيئاتكم، ويريد الذين يسيرون خلف ملذاتهم، أن تبعدوا عن طريق الاستقامة بُعدًا شديدًا.
٢٨ - يريد الله أن يخفف عنكم فيما شرع، فلا يكلفكم ما لا تطيقون؛ لأنه عالم بضعف الإنسان في خَلْقه وخُلُقه.
٢٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبَعوا رسوله، لا يأخذ بعضكم مال بعض بالباطل، كالغصب والسرقة والرشوة وغيرها، إلا أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين، فيحل لكم أكلها والتصرف فيها، ولا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل أحدكم نفسه، ولا يُلْقِ بها إلى التهلكة، إن الله كان بكم رحيمًا، ومن رحمته حَرَّم دمائكم وأموالكم وأعراضكم.
٣٠ - ومن يفعل ذلك الذي نهيتكم عنه فيأكل مال غيره أو يتعدى عليه بقتل ونحوه عالمًا متعديًا لا جاهلًا أو ناسيًا؛ فسيدخله الله نارًا عظيمة يوم القيامة، يعاني حرها، ويقاسي عذابها، وكان ذلك على الله هينًا؛ لأنه قادر لا يعجزه شيء.
٣١ - إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن فعل كبائر المعاصي مثل الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل الربا؛ نتجاوز عما ترتكبونه من صغائرها بتكفيرها ومحوها، وندخلكم مكانًا كريمًا عند الله، وهو الجنة.
٣٢ - ولا تتمنَّوا -أيها المؤمنون- ما فضل الله به بعضكم على بعض؛ لئلا يؤدي إلى السخط والحسد، فلا ينبغي للنساء أن يرتجين ما خص الله به الرجال فإن لكل فريق حظًّا من العمل الذي يلائمه، واطلبوا مِن الله أن يزيدَكم مِن عطائه؛ إن الله عليم بكل شيء؛ فأعطى كل نوع ما يناسبه من العمل.
٣٣ - ولكل واحد منكم جعلنا له عَصَبَة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراث. والذين عقدتم معهم الأيمان المؤكدة على الحِلْف والنصرة فأعطوهم نصيبهم من الميراث، إن الله كان على كل شيء شهيدًا، ومن ذلك شهادته على أيمانكم وعهودكم هذه، والتوارث بالحِلْف كان في صدر الإسلام، ثم نُسِخ.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• سعة رحمة الله بعباده؛ فهو سبحانه يحب التوبة منهم، والتخفيف عنهم، وأما أهل الشهوات فإنما يريدون بهم ضلالًا عن الهدى.
• حفظت الشريعة حقوق الناس؛ فحرمت الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، ورتبت أعظم العقوبة على ذلك.
• الابتعاد عن كبائر الذنوب سبب لدخول الجنة ومغفرة للصغائر.
• الرضا بما قسم الله، وترك التطلع لما في يد الناس؛ يُجنب المرء الحسد والسخط على قدر الله تعالى.
стр. 91
٣٤ - شؤونهن، بسبب ما خصَّهم الله به من الفضل عليهن، وبسبب ما يجب عليهم من النفقة والقيام عليهن، والصالحات من النساء مطيعات لربهن، مطيعات لأزواجهن، حافظات لهم في غيبتهم بسبب توفيق الله لهن، واللاتي تخافون ترفُّعهن عن طاعة أزواجهن في قول أو فعل، فابدؤوا -أيها الأزواج- بتذكيرهن وتخويفهن من الله، فإن لم يستجبن فاهجروهن في الفراش، بأن يوليها ظهره، ولا يجامعها، فإن لم يستجبن فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، فإن رجعن إلى الطاعة؛ فلا تعتدوا عليهن بظلم أو معاتبة، إن الله كان ذا علوٍّ على كل شيء، كبيرًا في ذاته وصفاته فخافوه.
٣٥ - وإن خفتم -يا أولياء الزوجين- أن يصل الخلاف بينهما إلى العداوة والتدابر، فابعثوا رجلًا عدلًا من أهل الزوج، ورجلًا عدلًا من أهل الزوجة؛ ليحكما بما فيه المصلحة من التفريق أو التوفيق بينهما، والتوفيق أحب وأولى، فإن أرا ده الحَكَمان وسلكا الأسلوب الأمثل إليه يوفق الله بين الزوجين، ويرتفع الخلاف بينهما، إن الله لا يخفى عليه شيء من عباده، وهو عليم بدقائق ما يخفونه في قلوبهم.
٣٦ - واعبدوا الله وحده بالانقياد له، ولا تعبدوا معه سواه، وأحسنوا إلى الوالدين بإكرامهما وبرِّهما، وأحسنوا إلى الأقارب واليتامى والفقراء، وأحسنوا إلى الجار ذي القرابة، والجار الذي لا قرابة له، وأحسنوا إلى الصاحب المرافق لكم، وأحسنوا إلى المسافر الغريب الذي انقطعت به السبل، وأحسنوا إلى مماليككم، إن الله لا يحب من كان معجبًا بنفسه، متكبرًا على عباده، مادحًا لنفسه على وجه الفخر على الناس.
٣٧ - ولا يحب الله الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم من الإنفاق مما أعطاهم من رزقه، ويأمرون بقولهم وفعلهم غيرَهم بذلك، ويخفون ما آتاهم الله من فضله من الرزق والعلم وغيره، يبينون للناس الحق، بل يكتمونه، ويظهرون الباطل، وهذه الخصال من خصال الكفر، وقد هيأنا للكافرين عذابًا مخزيًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ثبوت قِوَامة الرجال على النساء بسبب تفضيل الله لهم باختصاصهم بالولايات، وبسبب ما يجب عليهم من الحقوق، وأبرزها النفقة على الزوجة.
• التحذير من البغي وظلم المرأة في التأديب بتذكير العبد بقدرة الله عليه وعلوه سبحانه.
• التحذير من ذميم الأخلاق، كالكبر والتفاخر والبخل وكتم العلم وعدم تبيينه للناس.
стр. 92
٣٨ - وهيأنا العذاب كذلك للذين ينفقون أموالهم من أجل أن يراهم الناس ويمدحوهم، وهم لا يؤمنون بالله، ولا بيوم القيامة؛ أعددنا لهم ذلك العذاب المخزى، وما أضلهم إلا متابعتهم للشيطان، ومن يكن الشيطان له صاحبًا ملازمًا فساء صاحبًا.
٣٩ - وماذا يضر هؤلاء لو أنهم آمنوا بالله حقًّا وبيوم القيامة، وأنفقوا أموالهم في سبيل الله مخلصين له؟! بل في ذلك الخير كله، وكان الله بهم عليمًا، لا يخفى عليه حالهم، وسيجازي كلًّا بعمله.
٤٠ - إن الله تعالى عدل لا يظلم عباده شيئًا، فلا ينقص من حسناتهم مقدار نملة صغيرة، ولا يزيد في سيئاتهم شيئًا، وإن تكن زنة الذرَّة حسنة يضاعف ثوابها فضلًا منه، ويؤت من عنده مع المضاعفة ثوابًا عظيمًا.
٤١ - فكيف يكون الأمر يوم القيامة حين نجيء بنبي كل أمة يشهد عليها بما عملت، ونجيء بك -أيها الرسول- على أمتك شاهدًا؟!
٤٢ - في ذلك اليوم العظيم يود الذين كفروا بالله وعصوا رسوله لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض، ولا يُخفون عن الله شيئًا مما عملوا؛ لأن الله يختم على ألسنتهم فلا تنطق، ويأذن لجوارحهم فتشهد عليهم بعملهم.
٤٣ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تصلُّوا وأنتم في حال سكر حتى تصحوا من سكركم، وتميزوا ما تقولون -وكان هذا قبل تحريم الخمر مطلقًا- ولا تصلُّوا وأنتم في حال جنابة، ولا تدخلوا المساجد في حالها إلا مُجْتازين دون بقاء فيها؛ حتى تغتسلوا، وإن أصابكم مرض لا يمكن استعمال الماء معه، أو كنتم مسافرين، أو أحدث أحدكم، أو جامعتم النساء؛ فلم تجدوا ماءً -فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، إن الله كان عفوًّا عن تقصيركم، غفورًا لكم.
٤٤ - ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أعطاهم الله حظًّا من العلم بالتوراة يستبدلون الضلال بالهدى، وهم حريصون على إضلالكم -أيها المؤمنون- عن الصراط المستقيم الذي جاء به الرسول؛ لتسلكوا طريقهم المعْوجّ؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من كمال عدله تعالى وتمام رحمته أنه لا يظلم عباده شيئًا مهما كان قليلًا، ويتفضل عليهم بمضاعفة حسناتهم.
• من شدة هول يوم القيامة وعظم ما ينتظر الكافر يتمنى أن يكون ترابًا.
• الجنابة تمنع من الصلاة والبقاء في المسجد، ولا بأس من المرور به دون مُكْث فيه.
• تيسير الله على عباده بمشروعية التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله.
стр. 93
٤ ٥ - والله أعلم منكم بأعدائكم -أيها المؤمنون- فأخبركم بهم وبيَّن لكم عداوتهم، وكفى بالله وليًّا يحفظكم من بأسهم، وكفى بالله نصيرًا يمنعكم من كيدهم وأذاهم وينصركم عليهم.
٤٦ - من اليهود قوم سوء يغيرون الكلام الذي أنزله الله، فيُؤوِّلونه على غير ما أنزل الله، ويقولون للرسول ﷺ حين يأمرهم بأمر: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، ويقولون مستهزئين: اسمع ما نقول لا سَمِعْتَ؛ ويوهمون بقولهم: "راعنا" أنهم يريدون: راعنا سمعك، وإنما يريدون الرعونة؛ يلوون بها ألسنتهم، يريدون الدعاء عليه ﷺ ، ويقصدون القدح في الدين، ولو أنهم قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، بدلًا من قولهم: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وقالوا: اسمع، بدل قولهم: اسمع لا سمعت، وقالوا: انتظرنا نفهم عنك ما تقول، بدل قولهم: راعنا؛ لكان ذلك خيرًا لهم مما قالوه أولًا، وأعدل منه؛ لما فيه من حسن الأدب اللائق بجناب النبي ﷺ ، ولكن لعنهم الله، فطردهم من رحمته بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إيمانًا ينفعهم.
٤٧ - يا أيها الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، آمنوا بما أنزلنا على محمد ﷺ ، الذي جاء مصدقًا لما معكم من التوراة والإنجيل، من قبل أن نمحو ما في الوجوه من الحواس، ونجعلها ناحية أدبارهم، أو نطردهم من رحمة الله كما طردنا منها أصحاب السبت الذين اعتدوا بالصيد فيه بعد نهيهم عنه، فمسخهم الله قردة، وكان أمره تعالى وقدره واقعًا لا محالة.
٤٨ - إن الله لا يغفر أن يُشرك به شيء من مخلوقاته، ويتجاوز عما دون الشرك والكفر من المعاصي لمن يشاء بفضله، أو يعذب بها من شاء منهم بقدر ذنوبهم بعدله، ومن يُشرك مع الله غيره فقد اختلق إثمًا عظيمًا لا يُغفر لمن مات عليه.
٤ - ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين يثنون ثناء تزكية على أنفسهم وأعمالهم؟ بل الله وحده هو الذي يثني على من شاء من عباده ويزكيهم؛ لأنه عالم بخفايا القلوب، ولن ينقصوا شيئًا من ثواب أعمالهم ولو كان قدر الخيط الذي في نواة التمر.
٥٠ - انظر أيها الرسول كيف يختلقون على الله الكذب بثنائهم على أنفسهم! وكفى بذلك ذنبًا مبينًا عن ضلالهم.
٦٠ - ألم تعلم -أيها الرسول- وتتعجب من حال اليهود الذين آتاهم الله حظًّا من العلم، يؤمنون بما اتخذوه من معبودات من دون الله، ويقولون -مصانعةً للمشركين-: إنهم أهدى طريقًا من أصحاب محمد ﷺ ؟!
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• كفاية الله للمؤمنين ونصره لهم تغنيهم عما سواه.
• بيان جرائم اليهود، كتحريفهم كلام الله، وسوء أدبهم مع رسوله ﷺ ، وتحاكمهم إلى غير شرعه سبحانه.
• بيان خطر الشرك والكفر، وأنه لا يُغْفر لصاحبه إذا مات عليه، وأما ما دون ذلك فهو تحت مشيئة الله تعالى.
стр. 94
٥٢ - أولئك الذين يعتقدون هذا الاعتقاد الفاسد هم الذين طردهم الله من رحمته، ومن يطرده الله فلن تجد له نصيرًا يتولاه.
٥٣ - ليس لهم نصيبٌ من الملك، ولو كان لهم هذا لَمَا أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان قدر النقطة التي في ظهر نواة التمر.
٥٤ - بل يحسدون محمدًا ﷺ وأصحابه على ما آتاهم الله من النبوة والايمان والتمكين في الأرض. فَلِمَ يحسدونهم وقد سبق أن آتينا ذرية إبراهيم الكتاب المنزل، وما أوحيناه اليهم سوى الكتاب، وآتيناهم ملكًا واسعًا على الناس؟!
٥٥ - من أهل الكتاب من آمن بما أنزل الله على إبراهيم ﵇ وعلى أنبيائه من زريته، ومنهم من أعرض عن الإيمان به، وهذا موقفهم مما أُنزِل على النبي محمد ﷺ ، والنار هي العذاب المكافئ لمن كفر منهم.
٥٦ - إن الذين كفروا بآياتنا سوف ندخلهم يوم القيامة نارًا تحيط بهم، كلما أحرقت جلودهم بدلناهم جلودًا أخرى غيرها؛ ليستمر عليهم العذاب، إن الله كان عزيزًا لا يغالبه شيء، حكيمًا فيما يدبره ويقضي به.
٥٧ - والذين آمنوا بالله واتبعوا رسله، وعملوا الطاعات سندخلهم يوم القيامة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لهم في هذه الجنات زوجات مطهرات من كل قذر، وسندخلهم ظلًّا ممتدًا كثيفًا لا حر فيه ولا برد.
٥٨ - إن الله يأمركم أن توصلوا كل ما ائتمنتم عليه إلى أصحابه، ويأمركم إذا قضيتم بين الناس أن تقسطوا ولا تميلوا وتجوروا في الحكم، إن الله نِعْم ما يُذَكِّرُكم به ويرشدكم إليه في كل أحوالكم، إن الله كان سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم.
٥٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أطيعوا الله وأطيعوا رسوله، بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى، وأطيعوا ولاة أموركم ما لم يأمروا بمعصية، فإن اختلفتم في شيء فارجعوا فيه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيه ﷺ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك الرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة خير من التمادي في الخلاف والقول بالرأي، وأحسن عاقبة لكم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• من أعظم أسباب كفر أهل الكتاب حسدهم المؤمنين على ما أنعم الله به عليهم من النبوة والتمكين في الأرض.
• الأمر بمكارم الأخلاق من المحافظة على الأمانات، والحكم بالعدل.
• وجوب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، والرجوع عند التنازع إلى حكم الله ورسوله تحقيقًا لمعنى الإيمان.
стр. 95
٦٠ - ألم ترَ -أيها الرسول- تناقض المنافقين من اليهود الذين يَدَّعون كذبًا أنهم آمنوا بما أُنزِل عليك وما أُنزِل على الرسل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا في نزاعاتهم إلى غير شرع الله مما وضعه البشر، وقد أمروا أن يكفروا بذلك. ويريد الشيطان أن يبعدهم عن الحق إبعادًا شديدًا لا يهتدون معه.
٦١ - وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى ما أنزل الله في كتابه من الحكم، وإلى الرسول ليحكم بينكم في خصامكم، رأيتهم -أيها الرسول- يعرضون عنك إلى التحاكم إلى غيرك إعراضًا تامًّا.
٦٢ - فكيف يكون حال المنافقين إذا حدثت لهم مصائب بسبب ما ارتكبوه من الذنوب، ثم جاؤوك -أيها الرسول- معتذرين إليك يحلفون بالله: ما قصدنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان والتوفيق بين المتنازعين؟! وهم كاذبون في ذلك؛ فإن الإحسان هو في تحكيم شرع الله على عباده.
٦٣ - أولئك الذين يعلم الله ما يضمرون في قلوبهم من النفاق والقصد الرديء، فاتركهم -أيها الرسول- وأعرض عنهم، وبيِّن لهم حكم الله مرغبًا ومرهِّبًا وقل لهم قولًا بالغًا بلوغًا شديدًا متغلغلًا في نفوسهم.
٦٤ - وما أرسلنا من رسول إلا لأجل أن يُطاع فيما يأمر به بمشيئة الله وتقديره، ولو أنهم حين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك مُقِرِّين بما ارتكبوه نادمين تائبين، وطلبوا المغفرة من الله، وطلبتَ المغفرة لهم؛ لوجدوا الله توابًا عليهم رحيمًا بهم.
٦٥ - فليس الأمر كما زعم هؤلاء المنافقون. ثم أقسم الله بذاته أنهم لا يكونون مصدقين حقًّا حتى يتحاكموا إلى الرسول في حياته والى شرعه بعد وفاته في كل ما يحصل بينهم من خلافٍ، ثم يرضون بحكم الرسول، ولا يكون في صدورهم ضيق منه ولا شك فيه، ويُسلِّموا تسليمًا تامًّا بانقياد ظواهرهم وبواطنهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاحتكام إلى غير شرع الله والرضا به مناقض للإيمان بالله تعالى، ولا يكون الإيمان التام إلا بالاحتكام إلى الشرع، مع رضا القلب والتسليم الظاهر والباطن بما يحكم به الشرع.
• من أبرز صفات المنافقين عدم الرضا بشرع الله، وتقديم حكم الطواغيت على حكم الله تعالى.
• النَّدْب إلى الإعراض عن أهل الجهل والضلالات، مع المبالغة في نصحهم وتخويفهم من الله تعالى.
стр. 96
٦٦ - ٦٨ - ولو أنا فرضنا عليهم قَتْل بعضهم بعضًا، أو الخروج من ديارهم؛ ما امتثل أمرنا منهم إلا عدد قليل، فليحمدوا الله أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، ولو أنهم فعلوا ما يذكرون به من طاعة الله لكان خيرًا من المخالفة، وأشد رسوخًا لإيمانهم، ولآتيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا، ولوفقناهم إلى الطريق الموصل إلى الله وجنته.
٦٩ - ومن يطع الله والرسول فهو مع من أنعم الله عليهم بدخول الجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، وعملوا به، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، والصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم فصلحت أعمالهم، ما أحسن أولئك من رفقاء في الجنة.
٧٠ - ذلك الثواب المذكور تَفَضَّل من الله على عباده، وكفى بالله عليمًا بأحوالهم، وسيجازي كلًّا بعمله.
٧١ - يا أيها الدين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، خذوا الحذر من أعدائكم باتخاذ الأسباب المعينة على قتالهم، فأخرجوا إليهم جماعة بعد جماعة، وأخرجوا إليهم جميعًا، كل ذلك حسب ما فيه مصلحتكم، وما فيه النكاية بأعدائكم.
٧٢ - وإنَّ منكم - أيها المسلمون - أقوامًا يتباطؤون عن الخروج لقتال أعدائكم لجبنهم، ويبطِّئون غيرهم، وهم المنافقون وضعيفو الإيمان، فإن نالكم قتل أو هزيمة قال أحدهم فرحًا بسلامته: قد تفضل الله علي فلم أحضر القتال معهم فيصيبني ما أصابهم.
٧٣ - ولئن نالكم -أيها المسلمون- فضل من الله بنصر أو غنيمة ليقولَنَّ هذا المتخلف عن الجهاد: كأنه ليس منكم ولم تكن بينكم وبينه محبة وصحبة: يا ليتني كنت معهم في قتالهم هذا فأظفر بعظيم ما ظفروا به.
٧٤ - فليقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، المؤمنون الصادقون الذين يبيعون الحياة الدنيا رغبة عنها، بالآخرة رغبة فيها، ومن يقاتل في سبيل الله لتكون كلمته هي العليا فيُقتلْ شهيدًا، أو يظهَرْ على عدوه، ويظفر به، فسيعطيه الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة ورضوان الله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فعل الطاعات من أهم أسباب الثبات على الدين.
• أخذ الحيطة والحذر باتخاذ جميع الأسباب المعينة على قتال العدو، لا بالقعود والتخاذل.
• الحذر من التباطؤ عن الجهاد وتثبيط الناس عنه؛ لأن الجهاد أعظم أسباب عزة المسلمين ومنع تسلط العدو عليهم.
стр. 97
٧٥ - وما المانع لكم -أيها المؤمنون- من الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، ولاستنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والأطفال الذين يدعون الله قائلين: يا ربنا، أخرجنا من مكة لظلم أهلها بالشرك بالله والاعتداء على عباده، واجعل لنا من عندك من يتولى أمرنا بالرعاية والحفظ، ونصيرًا يدفع عنا الضر.
٧٦ - المؤمنون الصادقون يقاتلون في سبيل الله لإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل آلهتهم، فقاتلوا أعوان الشيطان، فإنكم إن قاتلتموهم غلبتموهم؛ لأن تدبير الشيطان كان ضعيفًا لا يضر المتوكلين على الله تعالى.
٧٧ - ألم تعلم -أيها الرسول- شأن بعض أصحابك الذين سألوا أن يُفرض عليهم الجهاد، فقيل لهم: امنعوا أيديكم عن القتال، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة -وكان ذلك قبل فرض الجهاد- فلما هاجروا إلى المدينة، وصار للإسلام منعة، وفُرِض القتال؛ شَقَّ ذلك على بعضهم، فصاروا يخافون الناس كخوفهم من الله أو أشد، وقالوا: يا ربنا، لم فرضت علينا القتال؟ هلَّا أخرته مدة قريبة حتى نتمتع بالدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا مهما بلغ قليل زائل، والآخرة خير لمن اتقى الله تعالى لدوام ما فيها من النعيم، ولا تُنْقصون من أعمالكم الصالحة أي شيء، ولو كان قَدْر الخيط الذي في نواة التمرة.
٧٨ - حيثما تكونوا يلحقكم الموت إذا حضر أجلكم، ولو كنتم في قصور منيعة بعيدة عن ساحة القتال، وإن يَنَل هؤلاء المنافقين ما يسرهم من ولد ورزق كثير قالوا: هذه من عند الله، وإن يَنَلْهم شدة في ولدٍ أو رزق تشاءموا من النبي ﷺ قالوا: هذه السيئة بسببك، قل -أيها الرسول- ردًّا على هؤلاء: كل من السراء والضراء بقضاء الله وقدره، فما لهؤلاء الذين يصدر عنهم هذا القول لا يكادون يفهمون كلامك لهم؟!
٧٩ - ما نالك -يا ابن آدم- مما يسرك من رزق وولد فهو من الله، تفضل به عليك، وما نالك مما يسوؤك في رزقك وولدك فهو من نفسك بسبب ما ارتكبته من المعاصي. وقد بعثناك -أيها النبي- لجميع الناس رسولًا من الله تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شاهدًا على صدقك فيما تبلغه عنه، بما آتاك من أدلة وبراهين.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين، وذم الخوف والجبن والاعتراض على أحكام الله.
• الدار الآخرة خير من الدنيا وما فيها من متاع وشهوات لمن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته.
• الخير والشر كله بقدر الله، وقد يبتلي الله عباده ببعض السوء في الدنيا لأسباب، منها: ذنوبهم ومعاصيهم.
стр. 98
٨٠ - من يطع الرسول بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ فقد استجاب لأمر الله، ومن أعرض عن طاعتك -أيها الرسول- فلا تحزن عليه، فما أرسلناك مراقبًا عليه تحفظ أعماله، وإنما نحن من يحصي عمله ويحاسبه.
٨١ - ويقول المنافقون لك بألسنتهم: نطيع أمرك ونمتثله، فإذا خرجوا من عندك دَبَّر جماعة منهم على وجه الخفاء خلاف ما أظهروا لك، والله يعلم ما يدبِّرون، وسيجازيهم على كيدهم هذا، فلا تلتفت لهم؛ فلن يضروك شيئًا، وفوِّض أمرك إلى الله، واعتمد عليه، وكفى بالله وكيلًا تعتمد عليه.
٨٢ - لِمَ لا يتأمل هؤلاء القرآن ويدرسونه حتى يثبت لهم أنه لا يوجد فيه اختلاف ولا اضطراب؟! وحتى يعلموا صدق ما جئت به، ولو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اضطرابًا في أحكامه واختلافًا كثيرًا في معانيه.
٨٣ - وإذا جاء هؤلاء المنافقين أمر مما فيه أمن المسلمين وسرورهم، أو خوفهم وحزنهم؛ أفشوه ونشروه، ولو تأنّوا وأرجعوا الأمر إلى رسول الله ﷺ وإلى أهل الرأي والعلم والنصح؛ لأدرك أهل الرأي والاستنباط ما ينبغي أن يُعمل بشأنه من نشر أو كتمان، ولولا فضل الله عليكم بالاسلام ورحمته بكم بالقرآن -أيها المؤمنون- فعافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين؛ لاتبعتم وساوس الشيطان إلا قليلًا منكم.
٨٤ - فقاتل -أيها الرسول- في سبيل الله لإعلاء كلمته، ولا تُسأل عن غيرك ولا تُلزم به؛ لأنك لا تكلف إلا حمل نفسك على القتال، ورغب المؤمنين في القتال وحثهم عليه، عسى الله أن يدفع بقتالكم قوة الكافرين، والله أشد قوة، وأشد عقوبة.
٨٥ - من يسعى لجلب الخير للغير؛ يكن له حظ من الثواب، ومن يسعى لجلب الشر للغير؛ يكن له حظ من الإثم، وكان الله على كل ما يعمله الإنسان شهيدًا وسيجازيه عليه. فمن كان منكم سببًا في حصول خير فله منه حظ ونصيب، ومن كان سببًا في حصول شر فإنه يناله منه شيء.
٨٦ - وإذا سلَّم عليكم أحدٌ فردوا السلام عليه بأفضل مما سلَّم عليكم، أو ردوا عليه بمثل ما قال، والرد بالأحسن أفضل، إن الله كان على ما تعملون حفيظًا، وسيجازي كلًّا بعمله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• تدبر القرآن الكريم يورث اليقين بأنه تنزيل من الله؛ لسلامته من الاضطراب، ويظهر عظيم ما تضمنه من الأحكام.
• لا يجوز نشر الأخبار التي تنشأ عنها زعزعة أمن المؤمنين، أو دب الرعب بين صفوفهم.
• التحدث بقضايا المسلمين والشؤون العامة المتصلة بهم يجب أن يصدر من أهل العلم وأولي الأمر منهم.
• مشروعية الشفاعة الحسنة التي لا إثم فيها ولا اعتداء على حقوق الناس، وتحريم كل شفاعة فيها إثم أو اعتداء.
стр. 99
٨٧ - الله لا معبود بحق غيره، ليجمعنّ أولكم وآخركم يوم القيامة الذي لا شك فيه؛ لمجازاتكم على أعمالكم، ولا أحد أصدق حديثًا من الله.
٨٨ - ما شأنكم -أيها المؤمنون- صرتم فريقيْن مختلفيْن في شأن التعامل مع المنافقين: فريق يقول بقتالهم لكفرهم، وفريق يقول بترك قتالهم لإيمانهم؟! فما كان لكم أن تختلفوا بشأنهم، والله ردهم إلى الكفر والضلال بسبب أعمالهم، أتريدون أن تهدوا من لم يوفقه الله إلى الحق؟! ومن يضلل الله فلن تجد له طريقًا إلى الهداية.
٨٩ - تمنَّى المنافقون لو تكفرون بما أنزل عليكم كما كفروا فتكونون مستوين معهم في الكفر، فلا تتخذوا منهم أولياء لعداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله من دار الشرك إلى بلاد الإسلام دلالة على إيمانهم، فإن أعرضوا واستمروا على حالهم فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًّا يواليكم على أموركم، ولا نصيرًا يعينكم على أعدائكم.
٩٠ - إلا من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم عقد مؤكد على ترك القتال، أو من جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم فلا يريدون قتالكم ولا قتال قومهم، ولو شاء الله لمكنهم منكم فقاتلوكم، فاقبلوا من الله عافيته، ولا تتعرضوا لهم بقتل ولا أسر، فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا إليكم مصالحين تاركين قتالكم، فما جعل الله لكم عليهم طريقًا بقتلهم أو أسرهم.
٩١ - ستجدون -أيها المؤمنون- فريقًا آخر من المنافقين يظهرون لكم الإيمان ليأمنوا على أنفسهم، ويظهرون لقومهم من الكفار الكفر إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، كلما دُعُوا إلى الكفر بالله والشرك به وقعوا فيه أشد الوقوع، فهؤلاء إذا لم يتركوا قتالكم، وينقادوا إليكم مصالحين، ويكفوا أيديهم عنكم؛ فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، وأولئك الذين هذه صفتهم جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة؛ لغدرهم ومكرهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خفاء حال بعض المنافقين أوقع الخلاف بين المؤمنين في حكم التعامل معهم.
• بيان كيفية التعامل مع المنافقين بحسب أحوالهم ومقتضى المصلحة معهم.
• عدل الإسلام في الكف عمَّن لم تقع منه أذية متعدية من المنافقين.
• يكشف الجهاد في سبيل الله أهل النفاق بسبب تخلفهم عنه وتكلف أعذارهم.
стр. 100
٩٢ - وما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يقع ذلك منه على وجه الخطأ، ومن قتل مؤمنًا على وجه الخطأ فعليه عتق نفس مملوكة مؤمنة كفارة عن فعله، وعلى قرابة القاتل الذين يرثونه دية مُسَلَّمَة إلى ورثة القتيل، إلا أن يعفوا عن الدية فتسقط، فإن كان القتيل من قوم محاربين لكم وهو مؤمن؛ فيجب على القاتل عتق نفس مملوكة مؤمنة، ولا دية عليه، وإن كان القتيل غير مؤمن لكنه من قوم بينكم وبينهم عهد مثل أهل الذمة، فعلى قرابة القاتل الذين يرثونه دية مُسَلَّمَة إلى ورثة القتيل، وعلى القاتل عتق نفس مملوكة مؤمنة كفارة عن فعله، فإن لم يجد من يعتقه أو لا يستطيع أن يدفع ثمنه، فعليه صيام شهرين متصلين بلا انقطاع لا يفطر فيهما، ليتوب الله عليه مما فعل، وكان الله عليمًا بأعمال عباده ونياتهم، حكيمًا في تشريعه وتدبيره.
٩٣ - ومن يقتل مؤمنًا على وجه القصد بغير حق؛ فجزاؤه دخول جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته، وأعد له عذابًا عظيمًا لاقترافه هذا الذنب الكبير.
٩٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله فتثبتوا في أمر من تقاتلون، ولا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: لست مؤمنًا، وإنما حملك على إظهار الإسلام الخوف على دمك ومالك، فتقتلوه تطلبون بقتله متاع الدنيا الزهيد كالغنيمة منه، فعند الله مغانم كثيرة، وهي خير وأعظم من هذا، كذلك كنتم من قبل مثل هذا الذي يخفي إيمانه من قومه، فمنَّ الله عليكم بالإسلام فعصم دماءكم فتثبتوا، إن الله لا يخفى عليه شيء من عملكم وإن دق، وسيجازيكم به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• جاء القرآن الكريم معظِّمًا حرمة نفس المؤمن، وناهيًا في انتهاكها، ومرتبًا على ذلك أشد العقوبات.
• من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن القاتل لا يُخلد أبدًا في النار، وإنما يُعذب فيها مدة طويلة ثم يخرج منها برحمة الله تعالى.
• وجوب التثبت والتبين في الجهاد، وعدم الاستعجال في الحكم على الناس حتى لا يُعتدى على البريء.
стр. 101
٩٥ - لا يستوي المؤمنون القاعدون عن الجهاد في سبيل الله غير أصحاب الأعذار كالمرضى والمكفوفين، والمجاهدون في سبيل الله ببذل أموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين ببذل أموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد درجة، ولكل من المجاهدين والقاعدين عن الجهاد لعذر أجره الذي يستحقه، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين بإعطائهم ثوابًا عظيمًا من عنده.
٩٦ - هذا الثواب منازل بعضها فوق بعض، مع مغفرة ذنوبهم ورحمته بهم، وكان الله غفورًا لعباده رحيمًا بهم.
٩٧ - إن الذين توفاهم الملائكة وهم ظالمون لأنفسهم بترك الهحرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، تقول لهم الملائكة حال قبض أرواحهم توبيخًا لهم: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ فيجيبون معتذرين: كنا ضعفاء لا حول لنا ولا قوة نرد بها عن أنفسنا، فتقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: ألم تكن بلاد الله واسعة فتخرجوا إليها لتأمنوا على دينكم وأنفسكم من الإذلال والقهر؟! فاولئك الذين لم يهاجروا مثواهم الذي يستقرون فيه هو النار مرجعًا مآبًا لهم.
٩٨ - ٩٩ - ويُسْتثنى من هذا الوعيد الضعفاء أصحاب الأعذار رجالًا كانوا أو نساءً أو أطفالًا، ممن لا قوة لهم يدفعون بها عنهم الظلم والقهر، ولا يهتدون إلى طريقة للتخلص مما هم فيه من القهر، فأولئك عسى الله برحمته ولطفه أن يعفو عنهم، وكان الله عفوًا عن عباده غفورًا لمن تاب منهم.
ولما ذكر الوعيد على ترك الهجرة مع القدرة عليها رغَّب فيها، فقال:
١٠٠ - ومن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ابتغاء مرضاة الله يجد في الأرض التي هاجر إليها مُتحوِّلًا وأرضًا غير أرضه التي ترك، ينال فيها العزة والرزق الواسع، ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم ينزل به الموت قبل وصوله إلى مُهاجَره، ففد ثبت أجره على الله، ولا يضره أنه لم يصل إلى مُهاجَره، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده رحيمًا بهم.
١٠١ - وإذا سافرتم في الأرض فليس عليكم إثم في قصر الصلاة الرباعية من أربع ركعات إلى ركعتين، إن خفتم أن يلحقكم مكروه من الكافرين، إن عداوة الكافرين لكم عداوة ظاهرة بينة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• فضل الجهاد في سبيل الله وعظم أجر المجاهدين، وأن الله وعدهم منازل عالية في الجنة لا يبلغها غيرهم.
• أصحاب الأعذار يسقط عنهم فرض الجهاد مع ما لهم من أجر إن حسنت نيتهم.
• فضل الهجرة إلى بلاد الإسلام، ووجوبها على القادر إن كان يخشى على دينه في بلده.
• مشروعية قصر الصلاة في حال السفر.
стр. 102
١٠٢ - إذا كنت -أيها الرسول- في الجيش وقت قتال العدو، فاردت أن تصلي بهم، فقسِّم الجيش جماعتين: تقوم جماعة منهم تصلي معك، وليأخذوا أسلحتهم معهم في صلاتهم، ولتكن الجماعة الأخرى في حراستكم، فإذا صلت الجماعة الأولى ركعة مع الإمام أتمت لنفسها الصلاة، فإذا صلوا فليكونوا من ورائكم تجاه العدو، ولتأت الجماعة التي كانت في الحراسة ولم يصلوا، فليصلوا ركعة مع الإمام، فإذا سلّم الإمام أتموا ما بقي من صلاتهم، وليأخذوا حذرهم من عدوهم، وليحملوا أسلحتهم، فإن الذين كفروا يتمنون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم إذا صليتم فيحملون عليكم حملة واحدة، ويأخذونكم في غفلتكم، ولا إثم عليكم إن أصابكم أذى بسبب المطر أو كنتم مرضى ونحوه، أن تضعوا أسلحتكم فلا تحملوها، واحترزوا من عدوكم بما تستطيعون، إن الله هيَّأ للكافرين عذابًا مذلًّا لهم.
١٠٣ - فإذا فرغتم -أيها المؤمنون- من الصلاة فأذكروا الله بالتسبيح والتحميد والتهليل في كل أحوالكم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، فإذا زال عنكم الخوف وأمنتم فأدوا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها ومستحباتها على ما أُمرتم، إن الصلاة كانت على المؤمنين فريضة محددة بوقت، لا يجوز تأخيرها عنه إلا لعذر، هذا في حالة الإقامة، أما في حالة السفر فلكم الجمع والقصر.
١٠٤ - ولا تضعفوا -أيها المؤمنون- ولا تكسلوا في طلب عدوكم من الكافرين، فإن كنتم تتوجعون لما يصيبكم من القتل والجراح فإنهم كذلك يتوجعون كما تتوجعون، ويصيبهم مثل ما يصيبكم، فلا يكن صبرهم أعظم من صبركم، فإنكم ترجون من الله من الثواب والنصر والتأييد ما لا يرجونه، وكان الله عليمًا بأحوال عباده، حكيمًا في تدبيره وتشريعه.
١٠٥ - إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملًا على الحق؛ لتفصل بين الناس في كل شؤونهم بما علمك الله وألهمك لا بهواك ورأيك، ولا تكن للخائنين لأنفسهم وأمانتهم مدافعًا ترد عنهم من طالبهم بالحق.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• مشروعية صلاة الخوف وبيان أحكامها وصفتها.
• الأمر بالأخذ بالأسباب في كل الأحوال، وأن المؤمن لا يعذر في تركها حتى لو كان في عبادة.
• مشروعية دوام ذكر الله تعالى على كل حال, فهو حياة القلوب وسبب طمأنينتها.
• النهي عن الضعف والكسل في حال قتال العدو، والأمر بالصبر على قتاله.
стр. 103
١٠٦ - واطلب المغفرة والعفو من الله، إن الله كان غفورًا لمن تاب إليه من عباده، رحيمًا به.
١٠٧ - ولا تخاصم عن أي شخص يخون ويبالغ في إخفاء خيانته، والله لا يحب هؤلاء الخونة الكاذبين.
١٠٨ - يستترون من الناس عند ارتكابهم معصية خوفًا وحياء، ولا يستترون من الله، وهو معهم بإحاطته بهم، لا يخفى عليه منهم شيء حين يدَبِّرون خفية ما لا يرضى من القول، كالدفاع عن المذنب واتهام البريء، وكان الله بما يعملون في السر والعلن محيطًا، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم.
١٠٩ - ها أنتم -يا من يهمكم أمر هؤلاء الذين يرتكبون جرمًا- خاصمتم عنهم في الحياة الدنيا لتثبتوا براءتهم، وتدفعوا عنهم العقوبة، فمن الذي يجال الله عنهم يوم القيامة وقد علم حقيقة حالهم؟! ومن الذي يكون وكيلًا عليهم في ذلك اليوم؟! ولا شك أن أحدًا لا يستطيع ذلك.
١١٠ - ومن يعمل عملًا سيئًا، أو يظلم نفسه باقتراف المعاصي، ثم يطلب المغفرة من الله مقرًّا بذنبه نادمًا عليه مقلعًا عنه، يجد الله أبدًا غفورًا لذنوبه رحيمًا به.
١١١ - ومن يرتكب إثمًا صغيرًا أو كبيرًا فإنما عقوبته عليه وتتجاوزه إلى غير، وكان الله عليمًا بأعمال العباد، حكيمًا في تدبيره وتشريعه.
١١٢ - ومن يرتكب خطيئة على غير عمد، أو إثمًا بعمد، ثم يتهم به إنسانا بريئًا من ذلك الذنب، فقد تَحمَّل بفعله ذلك كذبًا شديدًا وإثمًا بينًا.
١١٣ - ولولا فضل الله عليك -أيها الرسول- بعصمتك لعزمت جماعة من هؤلاء الذين يخونون أنفسهم أن يضلوك عن الحق فتحكم بغير القسط، وما يضلون حقيقة إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة ما اقترفوه من محاولة الإضلال راجع عليهم، وأنزل الله عليك القرآن والسنَّة، وعلَّمك من الهدى والنور ما لم تكن تعلم قبل ذلك، وكان فضل الله عليك بالنبوة والعصمة عظيمًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• النهي عن المدافعة والمخاصمة عن المبطلين؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.
• ينبغي للمؤمن الحق أن يكون خوفه من الله وتعظيمه والحياء منه فوق كل أحد من الناس.
• سعة رحمة الله ومغفرته لمن ظلم نفسه، مهما كان ظلمه إذا صدق في توبته، ورجع عن ذنبه.
• التحذير من اتهام البريء وقذفه بما لم يكن منه؛ وأنَّ فاعل ذلك قد وقع في أشد الكذب والإثم.
стр. 104
١١٤ - لا خير في كثير من الكلام الذي يُسِرُّه الناس، ولا نفع منه، إلا إن كان كلامهم أمرًا بصدقة، أو معروف جاء به الشرع ودل عليه العقل، أو دعوة إلى الإصلاح بين المتنازعين، ومن يفعل ذلك طلبًا لرضا الله فسوف نؤتيه ثوابًا عظيمًا.
١١٥ - ومن يعاند الرسول ويخالفه فيما جاء به من بعد ما اتضح له الحق، ويتبع طريقًا غير طريق المؤمنين، نتركه وما اختار لنفسه، ولا نوفقه للحق لإعراضه عن عمد وندخله نار جهنم يُعاني حرَّها وساءت مرجعًا لأهلها.
١١٦ - إن الله لا يغفر أن يُشرك به، بل يُخلد المشرك في النار، ويغفر ما دون الشرك من المعاصي لمن يشاء برحمته وفضله، ومن يشرك مع الله أحدًا فقد تاه عن الحق وبعد عنه بعدًا كثيرًا؛ لأنه سَوَّى بين الخالق والمخلوق.
١١٧ - ما يعبد هؤلاء المشركون ويدعون مع الله إلا أوثانًا مسمَّاة بأسماء الإناث كاللات والعُزَّى، لا نفع لها ولا ضرّ، وما يعبدون في الحقيقة إلا شيطانًا خارجًا عن طاعة الله لا خير فيه؛ لأنه هو الذي أمرهم بعبادة الأوثان.
١١٨ - ولذلك طرده الله من رحمته. وقال هذا الشيطان لربه حالفًا: لأجعلنَّ لي من عبادك قسمًا معلومًا أغويهم عن الحق.
١١٩ - ولأصدنهم عن صراطك المستقيم، ولأمنيُنَّهم بالوعود الكاذبة التي تزين لهم ضلالهم، ولآمرنَّهم بتقطيع آذان الأنعام لتحريم ما أحل الله منها، ولآمرنهم بتغيير خلق الله وفطرته، ومن يتخذ الشيطان وليًّا يتولاه ويطيعه فقد خسر خسرانًا بينًا بموالاة الشيطان الرجيم.
١٢٠ - يعدهم الشيطان الوعود الكاذبة، ويُمنيهم الأماني الباطلة، وما يعدهم في الواقع إلا باطلًا لا حقيقة له.
١٢١ - أولئك المتبعون لخطوات الشيطان وما يمليه عليهم مستقرهم نار جهنم لا يجدون عنها مهربًا يلجؤون إليه.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• أكثر تناجي الناس لا خير فيه، بل ربما كان فيه وزر، وقليل من كلامهم فيما بينهم يتضمن خيرًا ومعروفًا.
• معاندة الرسول ﷺ ومخالفة سبيل المؤمنين نهايتها البعد عن الله ودخول النار.
• كل الذنوب تحت مشيئة الله، فقد يُغفر لصاحبها، إلا الشرك، فلا يغفره الله أبدًا.
• غاية الشيطان صرف الناس عن عبادة الله تعالى، ومن أعظم وسائله تزيين الباطل بالأماني الغرارة والوعود الكاذبة.
стр. 105
ولما ذكر الله جزاء أتباع الشيطان ذكر جزاء أتباع الرسل؛ فقال:
١٢٢ - والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة المقرِّبة إليه سندخلهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ماكثين فيها أبدًا، وعدًا من الله ووعده تعالى حق، فهو لا يخلف الميعاد، ولا أحد أصدق من الله قولًا.
١٢٣ - ليس أمر النجاة والفوز تابعًا لما تتمنون -أيها المسلمون- أو لما يتمناه أهل الكتاب، بل الأمر تابع للعمل، فمن يعمل منكم عملًا سيئًا يجازَ به يوم القيامة، ولا يجد له من دون الله وليًّا يجلب له النفع، ولا نصيرًا يدفع عنه الضر.
١٢٤ - ومن يعمل من الأعمال الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى حقًّا فأولئك الذين جمعوا بين الإيمان والعمل يدخلون الجنة، ولا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان شيئًا قليلًا قدر النقرة التي تكون في ظهر نواة التمر.
١٢٥ - ولا أحد أحسن دينًا ممن استسلم لله ظاهرًا وباطنًا وأخلص نيته له، وأحسن في عمله باتباع ما شرع، واتبع دين إبراهيم الذي هو أصل دين محمد ﷺ مائلًا عن الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان. واصطفى الله نبيه إبراهيم ﵇ بالمحبة التامَّة من بين سائر خلقه.
١٢٦ - ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله محيطًا بكل شيء من خلقه علمًا وقدرة وتدبيرًا.
١٢٧ - ويسألونك -أيها الرسول- في أمر النساء وما يجب لهن وعليهن، قل: الله يبين لكم ما سألتم عنه، ويبين لكم ما يتلى عليكم في القرآن، في شأن اليتامى من النساء اللاتي تحت ولايتكم، ولا تؤتونهن ما فرض الله لهن من المهر أو الميراث، ولا ترغبون في نكاحهن، وتمنعونهن من النكاح طمعًا في أموالهن، ويبين لكم ما يجب في المستضعفين من الصغار، من إعطائهم حقهم من الميراث، وألا تظلموهم بالاستيلاء على أموالهم، ويبين لكم وجوب القيام على اليتامى بالعدل بما يصلح شأنهم في الدنيا والآخرة، وما تفعلوا من خير لليتامى وغيرهم فإن الله عليم به، وسيجازيكم به.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• ما عند الله من الثواب لا يُنال بمجرد الأماني والدعاوى، بل لا بد من الإيمان والعمل الصالح.
• الجزاء من جنس العمل، فمن يعمل سوءًا يُجْز به، ومن يعمل خيرًا يُجْز بأحسن منه.
• الإخلاص والاتباع هما مقياس قبول العمل عند الله تعالى.
• عَظّمَ الإسلام حقوق الفئات الضعيفة من النساء والصغار، فحرم الاعتداء عليهم، وأوجب رعاية مصالحهم في ضوء ما شرع.
стр. 106
١٢٨ - وإن خافت امرأة من زوجها ترفُّعًا عنها وعدم رغبة فيها فلا إثم عليهما أن يتصالحا بأن تتنازل عن بعض الحقوق الواجبة لها كحق النفقة والمبيت، والصلح هنا خير لهما من الطلاق، وقد جُبِلت النفوس على الحرص والبخل، فلا ترغب في التنازل عما لها من حق، فينبغي للزوجين علاج هذا الخلق بتربية النفس على التسامح والإحسان. وإن تحسنوا في كل شؤونكم، وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم به.
١٢٩ - ولن تستطيعوا -أيها الأزواج- أن تعدلوا العدل التام مع الزوجات في الميل القلبي، ولو حرصتم على ذلك؛ بسبب أمور ربما تكون خارجة عن إرادتكم، فلا تميلوا كل الميل عن التي لا تحبونها فتتركوها مثل المعلقة لا هي ذات زوج يقوم بحقها، ولا غير ذات زوج فتتطلع للزواج، وإن تصلحوا ما بينكم بأن تحمِلوا أنفسكم على ما لا تهواه من القيام بحق الزوجة، وتتقوا الله فيها، فإن الله كان غفورًا رحيمًا بكم.
١٣٠ - وإن تفرق الزوجان بطلاق أو خُلْع أغْنَى الله كلًّا منهما من فضله الواسع، فيغني الرجل بزوجة خير له منها، ويغني المرأة بزوج خير لها منه، وكان الله واسع الفضل والرحمة، حكيمًا في تدبيره وتقديره.
١٣١ - ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض وملك ما بينهما، ولقد عَهِدنا إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعَهِدنا إليكم بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وإن تكفروا بهذا العهد فلن تضروا إلا أنفسكم، فالله غني عن طاعتكم، فله ملك ما في السماوات وما في الأرض، وهو الغني عن جميع خلقه، المحمود على جميع صفاته وأفعاله.
١٣٢ - ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، المستحق أن يطاع، وكفى بالله متوليًا تدبير كل شؤون خلقه.
١٣٣ - إن يشا يُهْلِككم -أيها الناس- ويأت بآخرين غيركم يطيعون الله ولا يعصونه، وكان الله على ذلك قديرًا.
١٣٤ - من كان منكم -أيها الناس- يريد بعمله ثواب الدنيا فقط، فليعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فيطلب ثوابهما منه، وكان الله سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم، وسيجازيكم عليها.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• استحباب المصالحة بين الزوجين عند المنازعة، وتغليب المصلحة بالتنازل عن بعض الحقوق إدامة لعقد الزوجية.
• أوجب الله تعالى العدل بين الزوجات خاصة في الأمور المادية التي هي في مقدور الأزواج، وتسامح الشرع حين يتعذر العدل في الأمور المعنوية، كالحب والميل القلبي.
• لا حرج على الزوجين في الفراق إذا تعذرت العِشْرة بينهما.
• الوصية الجامعة للخلق جميعًا أولهم وآخرهم هي الأمر بتقوى الله تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
стр. 107
١٣٥ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، كونوا قائمين بالعدل في كل أحوالكم، مؤدِّين الشهادة بالحق مع كل أحد، ولو اقتضى ذلك أن تُقِرُّوا على أنفسكم بالحق، أو على والديكم أو الأقربين منكم، ولا يحملنَّكم فقر أحد أو غناه على الشهادة أو تركها، فالله أولى بالفقير والغني منكم وأعلم بمصالحهما، فلا تتبعوا الأهواء في شهادتكم لئلا تميلوا عن الحق فيها، وإن حرفتم الشهادة بأدائها على غير وجهها، أو أعرضتم عن أدائها؛ فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.
١٣٦ - يا أيها الذين آمنوا اثبتوا على إيمانكم بالله وبرسوله، وبالقرآن الذي أنزله على رسوله، وبالكتب التي أنزلها على الرسل من قبله، ومن يكفر بالله وبملائكته وبكتبه وبرسله وبيوم القيامة؛ فقد بعُد عن الطريق المستقيم بُعْدًا عظيمًا.
١٣٧ - إن الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان، بأن دخلوا في الإيمان ثم ارتدوا عنه، ثم دخلوا فيه، ثم ارتدوا عنه، وأصروا على الكفر وماتوا عليه؛ لم يكن الله ليغفر لهم ذنوبهم، ولا ليوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إليه تعالى.
١٣٨ - بشِّر -أيها الرسول- المنافقين الذين يُظهرون الإيمان، ويُبطنون الكفر، بأن لهم عند الله يوم القيامة عذابًا موجعًا.
١٣٩ - هذا العذاب لأنهم اتخذوا الكفار أنصارًا وأعوانًا من دون المؤمنين، وإنه لعجب ذلك الذي جعلهم يوالونهم، أيطلبون عندهم القوة والمنعة ليرتفعوا بها؟! فإن القوة والمنعة كلها لله.
١٤٠ - وقد نزل الله عليكم -أيها المؤمنون- في القرآن الكريم أنكم إذا جلستم في مجلس وسمعتم فيه من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها؛ فيجب عليكم ترك القعود معهم والانصراف عن مجالستهم، حتى يتحدثوا في حديث غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، إنكم إذا جالستموهم حال الكفر بآيات الله والاستهزاء بها بعد سماعكم ذلك مثلهم في مخالفة أمر الله؛ لأنكم عصيتم الله بجلوسكم كما عصوا الله بكفرهم، إن الله سيجمع المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر مع الكافرين في نار جهنم يوم القيامة.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• وجوب العدل في القضاء بين الناس وعند أداء الشهادة، حتى لو كان الحق على النفس أو على أحد من القرابة.
• على المؤمن أن يجتهد في فعل ما يزيد إيمانه من أعمال القلوب والجوارح، ويثبته في قلبه.
• عظم خطر المنافقين على الإسلام وأهله؛ ولهذا فقد توعدهم الله بأشد العقوبة في الآخرة.
• إذا لم يستطع المؤمن الإنكار على من يتطاول على آيات الله وشرعه، فلا يجوز له الجلوس معه على هذه الحال.
стр. 108
١٤١ - الذين ينتظرون ما يحصل لكم من خير أو شر، فإن كان لكم نصر من الله وغنمتم قالوا لكم: ألم نكن معكم، شهدنا ما شهدتم؟! لينالوا من الغنيمة، وإن كان للكافرين حظ قالوا لهم: ألم نتول شؤونكم ونُحِطْكم إحاطة العناية والنصرة ونحمكم من المؤمنين بإعانتكم وتخذيلهم؟! فالله يحكم بينكم جميعًا يوم القيامة، فيجازي المؤمنين بدخول الجنة، ويجازي المنافقين بدخول الدرك الأسفل من النار، ولن يجعل الله بفضله للكافرين تسلطًا على المؤمنين، بل سيجعل العاقبة للمؤمنين.
١٤٢ - إن المنافقين يخادعون الله بإظهار الإسلام وإضمار الكفر، وهو خادعهم؛ لأنه عصم دماءهم مع علمه بكفرهم، وأعد لهم أشد العقوبة في الآخرة، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى كارهين لها، ولا يذكرون الله إلا قليلًا إذا رأوا المؤمنين.
١٤٣ - هؤلاء المنافقون مترددون في حَيرة، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين، بل ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكافرين، ومن يضلل الله فلن تجد له -أيها الرسول- طريقًا لهدايته من الضلال.
١٤٤ - يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله،
لا تتخذوا الكافرين بالله أصفياء توالونهم من دون المؤمنين، أتريدون بفعلكم هذا أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة دالة على استحقاقكم العقاب؟!
١٤٥ - إن المنافقين سيجعلهم الله في المكان الأسفل من النار يوم القيامة، ولن تجد لهم نصيرًا يدفع عنهم العذاب.
١٤٦ - إلا الذين رجعوا إلى الله بالتوبة من نفاقهم، وأصلحوا باطنهم، وتمسكوا بعهد الله، وأخلصوا عملهم لله بلا رياء، فأولئك المتصفون بهذه الصفات مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا جزيلًا.
١٤٧ - لا حاجة لله في تعذيبكم إن شكرتم له وآمنتم به، فهو تعالى البر الرحيم، وإنما يعذبكم بذنوبكم، فإن أصلحتم العمل، وشكرتموه على نعمه، وآمنتم به ظاهرًا وباطنًا فلن يعذبكم، وكان الله شاكرًا لمن اعترف بنعمه فيجزل لهم الثواب عليها، عليمًا بإيمان خلقه، وسيجازي كلًّا بعمله.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• بيان صفات المنافقين، ومنها: حرصهم على حظ أنفسهم سواء كان مع المؤمنين أو مع الكافرين.
• أعظم صفات المنافقين تَذَبْذُبُهم وحيرتهم واضطرابهم، فلا هم مع المؤمنين حقًّا ولا مع الكافرين.
• النهي الشديد عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
• أعظم ما يتقي به المرء عذاب الله تعالى في الآخرة هو الإيمان والعمل الصالح.
стр. 109
١٤٨ - لا يحب الله الجهر بقول السوء، بل يبغضه ويتوعّد عليه، لكن من ظُلم جاز له أن يجهر بقول السوء؛ للشكاية من ظالمه والدعاء عليه ومجازاته بمثل قوله، لكنَ صَبْرَ المظلوم أولى من جهره بالسوء، وكان الله سميعًا لأقوالكم، عليمًا بنياتكم، فاحذروا قول السوء أو قصده.
١٤٩ - إن تُظْهرُوا أي خير قولي أو فعلي، أو تستروه، أو تَتجاوزوا عمن أساء إليكم؛ فإن الله كان عفوًا قديرًا، فليكن العفو من أخلاقكم، لعل الله أن يعفو عنكم.
١٥٠ - إن الذين يكفرون بالله ويكفرون برسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله وبين رسله؛ بأن يؤمنوا به، ويكذبوا بهم، ويقولون: نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، ويريدون أن يتخذوا طريقا بين الكفر والإيمان يتوهمون أنها تنجيهم.
١٥١ - أولئك الذين يسلكون هذا المسلك هم الكافرون حقًّا؛ ذلك أنَّ من كفر بالرسل أو ببعضهم فقد كفر بالله وبرسله، وأعددنا للكافرين عذابًا مذلًّا لهم يوم القيامة، عقابًا لهم على تكبرهم عن الإيمان بالله وبرسله.
ولما ذكر الله جزاء الكافرين ذكر بعده جزاء المؤمنين فقال:
١٥٢ - والذين آمنوا بالله ووحدوه، ولم يشركوا به أحدًا، وصَدقُوا برسله جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم كما يفعله الكافرون، بل آمنوا بهم جميعًا؛ أولئك سوف يعطيهم الله أجرًا عظيمًا جزاء إيمانهم وأعمالهم الصالحة التابعة منه، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم.
١٥٣ - يسألك -أيها الرسول- اليهود أن تنزل عليهم كتابًا من السماء جملة واحدة كما وقع لموسى، يكون علامة لصدقك، فلا تستعظم منهم ذلك، فقد سأل أسلافهم موسى أعظم مما سألك هؤلاء، حيث سألوه أن يريهم الله عيانًا، فَصُعِقُوا عقابًا لهم على ما ارتكبوه، ثم أحياهم الله، فعبدوا العجل من دون الله من بعد ما جاءتهم الأيات الواضحة الدالة على وحدانية الله وتفرده بالربوبية والألوهية، ثم تجاوزنا عنهم، وأعطينا موسى حجة واضحة على قومه.
١٥٤ - ورفعنا فوقهم الجبل بسبب أخذ العهد المؤكد عليهم تخويفًا ليعملوا بما فيه، وقلنا لهم بعد رفعه: ادخلوا باب بيت المقدس سُجَّدًا بانحناء الرؤس، فدخلوا يزحفون على أدبارهم، وقلنا لهم: لا تعتدوا بالإقدام على الصيد يوم السبت، فما كان منهم إلا أن اعتدوا فاصطادوا، وأخذنا عليهم عهدًا موثقًا شديدًا بذلك، فنقضوا العهد المأخوذ عليهم.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• يجوز للمظلوم أن يتحدث عن ظلمه وظالمه لمن يُرْجى منه أن يأخذ له حقه، وإن قال ما لا يسر الظالم.
• حض المظلوم على العفو -حتى وإن قدر- كما يعفو الرب -سبحانه- مع قدرته على عقاب عباده.
• لا يجوز التفريق بين الرسل بالإيمان ببعضهم دون بعض، بل يجب الإيمان بهم جميعًا.
стр. 110
١٥٥ - فطردناهم من رحمتنا بسبب نقضهم العهد المؤكد عليهم، وبسبب كفرهم بآيات الله، وجراءتهم على قتل الأنبياء، وبقولهم لمحمد ﷺ : قلوبنا في غطاء، فلا تعي ما تقول، والأمر ليس كما قالوا، بل ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم.
١٥٦ - وطردناهم من الرحمة بسبب كفرهم، وبسبب رميهم مريم ﵍ بالزنى زورًا وبهتانًا.
١٥٧ - ولعناهم بقولهم مفتخرين كذبًا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه كما ادعوا وما صلبوه، ولكن قتلوا رجلًا ألقى الله شَبَهَ عيسى عليه وصلبوه، فظنوا أن المقتول هو عيسى ﵇. والذين ادعوا قتله من اليهود والذين أسلموه إليهم من النصارى، كلاهما في حيرة من أمره وشك، فليس لهم به علم، وإنما يتبعون الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وما قتلوا عيسى، وما صلبوه قطعًا.
١٥٨ - بل نجَّاه الله من مكرهم، ورفعه الله بجسمه روحه إليه، وكان الله عزيزًا في ملكه، لا يغالبه أحد، حكيمًا في تدبيره وقضائه وشرعه.
١٥٩ - وما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇ بعد نزوله آخر الزمان وقبل موته، ويوم القيامة يكون عيسى ﵇ شاهدًا على أعمالهم؛ ما يوافق الشرع منها وما يخالف.
١٦٠ - فبسبب ظلم اليهود حَرَّمْنَا عليهم بعض المآكل الطيبة التي كانت حلالًا لهم، فحرمنا عليهم كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، وبسبب صدهم أنفسهم وصدهم غيرهم عن سبيل الله، حتى صار الصد عن الخير سجية لهم.
١٦١ - وبسبب تعاملهم بالربا بعد أن نهاهم الله عن تناوله، وبسبب أخذ أموال الناس بغير حق شرعي، وأعددنا للكافرين منهم عذابًا موجعًا.
ولما ذكر مثالب أهل الكتاب ذكر المؤمنين منهم فقال:
١٦٢ - لكنِ الثابتون المتمكنون في العلم من اليهود، والمؤمنون يُصَدِّقُون بما أنزله الله عليك -أيها الرسول- من القرآن، ويُصَدقُون بما أنزل من الكتب على من قبلك من الرسل كالتوراة والإنجيل، ويقيمون الصلاة، ويعطون زكاة أموالهم، ويصدقون بالله إلهًا واحدًا لا شريك له، ويصدقون بيوم القيامة؛ أولئك المتصفون بهذه الصفات سنعطيهم ثوابًا عظيمًا.
[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الختم على القلوب سبب لحرمانها من الفهم.
• بيان عداوة اليهود لنبي الله عيسى ﵇، حتى إنهم وصلوا لمرحلة محاولة قتله.
• بيان جهل النصارى وحيرتهم في مسألة الصلب، وتعاملهم فيها بالظنون الفاسدة.
• بيان فضل العلم، فإن من أهل الكتاب من هو متمكن في العلم حتى أدى به تمكنه هذا للإيمان بالنبي محمد ﷺ .
следующие страницы →