← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣٩ - ألم تر أن الله ينقص من الليل ليزيد النهار، وينقص من النهار ليزيد الليل، وقدّر مسار الشمس والقمر؛ إِذْ يجريان كل في مداره إلى أَمَدٍ مُحَدَّد، وأن الله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها. ٣٠ - ذلك التدبير والتقدير يشهدان بأن الله وحده هو الحق، فهو حق في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ما يعبده المشركون من دونه الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي بذَاتِه وقَهْرِه وقَدْرِه على جميع مخلوقاته، الذي لا أعلى منه، الذي هو أكبر من كل شيء. ٣١ - ألم تر أن السفن تجري في البحر بلطفه وتسخيره؛ ليريكم -أيها الناس- من آياته الدالة على قدرته سبحانه ولطفه، إن في ذلك لدلالات على قدرته لكل صَبَّار على ما يصيبه من ضراء، شكور لما يناله من نعماء. ٣٢ - وإذا أحاط بهم من كل جانب موج مثل الجبال والغمام، دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء والعبادة، فلما استجاب الله لهم، وأنقذهم إلى البر، وسلمهم من الغرق، فمنهم مقتصد لم يقم بما وجب عليه من الشكر على وجه الكمال، ومنهم جاحد لنعمة الله، وما يجحد بآياتنا إلا كل غَدَّار -مثل هذا الذي عاهد الله لئن أنجاه ليكونن من الشاكرين له- كفور بنعم الله لا يشكر ربه الذي أنعم بها عليه. ٣٣ - يا أيها الناس، اتقوا ربكم؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخافوا عذاب يوم لا يغني فيه والد عن ولده، ولا يغني مولود عن والده شيئًا، إن وعد الله بالجزاء يوم القيامة ثابت وواقع لا محالة، فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بما فيها من شهوات وملهيات، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله عليكم وتأخيره العذاب عنكم. ٣٤ - إن الله عنده وحده علم الساعة؛ فيعلم متى تقع، وينزل المطر متى شاء، ويعلم ما في الأرحام أذكر هو أم أنثى؟! شقي أم سعيد؟! وما تعلم نفس ما تكسب غدًا من خير أو شر، وما يعلم نفس بأي أرض تموت، بل الله هو الذي يعلم ذلك كله، إن الله عليم خبير بكل ذلك، لا يخفى عليه شيء من ذلك. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • نقص الليل والنهار وزيادتهما وتسخير الشمس والقمر: آيات دالة على قدرة الله سبحانه، ونعمٌ تستحق الشكر. • الصبر والشكر وسيلتان للاعتبار بآيات الله. • الخوف من القيامة يقي من الاغترار بالدنيا، ومن الخضوع لوساوس الشياطين. • إحاطة علم الله بالغيب كله.

стр. 422

سُورة السَّجْدَةِ - مكية - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان دلائل الحق ومشاهده التي نزل بها القرآن، ومنها حقيقة الخلق وأحوال الإنسان. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿الم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ منزل عليه من رب العالمين لا شك في ذلك. ٣ - إن هؤلاء الكافرين يقولون: إن محمدًا اختلقه على ربه، ليس الأمر كما قالوا، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، المنزل من ربك -أيها الرسول- عليك لتخوّف قومًا ما جاءهم رسول من قبلك يخوفهم من عذاب الله، لعلهم يهتدون إلى الحق فيتبعوه ويعملوا به. ٤ - الله هو الذي خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق ما بينهما في ستة أيام، وهو قادر على خلقها في أقل من طرفة عين، ثم علا وارتفع على العرش علوا يليق بجلاله، ما لكم -أيها الناس- من دونه من ولي يتولى أمركم، أو شفيع يشفع لكم عند ربكم، أفلا تتفكرون، وتعبدون الله الذي خلقكم ولا تعبدون معه غيره؟! ٥ - يدبر الله جميع المخلوقات في السماوات وفي الأرض، ثم يصعد إليه ذلك الأمر في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون أنتم -أيها الناس- في الدنيا. ٦ - ذلك الذي يدبر ذلك كله هو عالم ما غاب وما حضر، يخفى عليه منهما شيء، العزيز الذي لا يغالبه أحد الذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بعباده المؤمنين. ٧ - الذي أتقن كل شيء خلقه، وبدأ خلق آدم من طين على غير مثال سابق. ٨ - ثم جعل ذريته من بعده من الماء الذي انسل فخرج منه (المني). ٩ - ثم أتم خلق الإنسان سويًّا، ونفخ فيه من روحه بأمر المَلَك الموكل بنفخ الروح، وجعل لكم -أيها الناس- الأسماع لتسمعوا بها، والأبصار لتبصروا بها، والأفئدة لتعقلوا بها، قليلًا ما تشكرون هذه النعم لله التي أنعم بها عليكم. ١٠ - وقال المشركون المكذبون بالبعث: إذا متنا ومتنا في الأرض، وصارت أجسامنا ترابًا، فهل نُبْعث أحياء من جديد؟! لا يعقل ذلك، بل هم في واقع أمرهم كافرون بالبعث لا يؤمنون به. ١١ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث: يتوفاكم ملك الموت الذي فوَّضه الله بقبض أرواحكم، ثم إلينا وحدنا يوم القيامة ترجعون للحساب والجزاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الحكمة من بعثة الرسل أن يهدوا أقوامهم إلى الصراط المستقيم. • ثبوت صفة الاستواء لله من غير تشبيه ولا تمثيل. • استبعاد المشركين للبعث مع وضوح الأدلة عليه.

стр. 423

١٢ - سوف يظهر المجرمون يوم القيامة وهم أذلاء يخفضون رؤوسهم بسبب كفرهم بالبعث، يشعرون بالخزي ويقولون: ربنا أبْصَرنا ما كنا نكذب به من البعث، وسمعنا مصداق ما جاءت به الرسل من عندك، فارجعنا إلى الحياة الدنيا نعمل عملًا صالحًا يرضيك عنا، إنا موقنون الآن بالبعث وبصدق ما جاءت به الرسل، لو رأيت المجرمين على تلك الحال رأيت أمرًا عظيمًا. ١٣ - ولو شئنا إعطاء كل نفس رشدها وتوفيقها لحملناها على هذا، ولكن وجب القول مني حكمة وعدلًا: لأملأنّ جهنم يوم القيامة من أهل الكفر من الثقلين: الجن والإنس؛ لاختيارهم طريق الكفر والضلال على طريق الإيمان والاستقامة. ١٤ - ويقال لهم يوم القيامة تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: فذوقوا العذاب بسبب غفلتكم في الحياة الدنيا عن لقاء الله يوم القيامة لحسابكم، إنا تركناكم في العذاب غير مبالين بما تقاسونه منه، وذوقوا عذاب النار الدائم الذي لا ينقطع بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من المعاصي. ولما ذكر الله حال المجرمين ذكر حال المؤمنين فقال: ١٥ - إنما يؤمن بآياتنا المنزلة على رسولنا الذين إذا وعظوا بها سجدوا لله مسبحين بحمده، وهم لا يستكبرون عن عبادة الله ولا عن السجود له بأي حال. ١٦ - تتباعد جنوبهم عن فُرُشِهم التي كانوا عليها في نومهم يتركونها ويتوجهون إلى الله، يدعونه في صلاتهم وغيرها خوفًا من عذابه، وطمعًا في رحمته، ويبذلون الأموال التي أعطيناهم إياها في سبيل الله. ١٧ - فلا تعلم أي نفس ما أعدّه الله لهم مما تقرّ به أعينهم، جزاءً منه لهم على ما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحات، فهو جزاء لا يحيط به إلا اللهُ لعِظَمه. ١٨ - من كان مؤمنًا بالله عاملًا بأوامره مجتنبًا لنواهيه، ليس كمن كان خارجًا عن طاعته؛ لا يستوي الفريقان عند الله في الجزاء. ١٩ - أما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، فجزاؤهم المعدّ لهم جنات يستقرون فيها كرامة من الله لهم، جزاءً على ما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحات. ٢٠ - وأما الذين خرجوا عن طاعة الله بالكفر وارتكاب المعاصي، فمستقرّهم الذي أُعِدَّ لهم يوم القيامة النار، ماكثين فيها أبدًا، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وقيل لهم تَبْكِيتا لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم تكذبون به في الدنيا عندما كانت رسلكم تخوّفكم منه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إيمان الكفار يوم القيامة لا ينفعهم؛ لأنها دار جزاء لا دار عمل. • خطر الغفلة عن لقاء الله يوم القيامة. • مِن هدي المؤمنين قيام الليل.

стр. 424

٢١ - ولنذيقنّ هؤلاء المكذبين الخارجين عن طاعة ربهم من المحن والبلاء في الدنيا، قبل العذاب الأكبر المعدّ لهم في الآخرة إن لم يتوبوا؛ لعلهم يعودون إلى طاعة ربهم. ٢٢ - ولا أحد أظلم ممن وُعِظ بآيات الله فلم يتعظ بها، وأعرض عنها غير مُبالٍ بها، إنا من المجرمين -بارتكاب الكفر والمعاصي الذين يعرضون عن آيات الله- منتقمون لا محالة. ٢٣ - ولقد أعطينا موسى التوراة، فلا تكن - أيها الرسول - في شك من لقائك موسى ليلة الإسراء والمعراج، وجعلنا الكتاب المنزل على موسى هاديًا لبني إسرائيل من الضلال. ٢٤ - وجعلنا من بني إسرائيل أئمة يقتدي بهم الناس في الحق، يرشدون إلى الحق، لما صبروا على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وعلى الأذى في سبيل الدعوة، وكانوا بآيات الله المنزلة على رسولهم يصدقون بها تصديقًا جازمًا. ٢٥ - إن ربك -أيها الرسول- هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فيبيّن المحق والمبطل، ويجازي كلا بما يستحقه. ٢٦ - أعَمِي هؤلاء فلم يتبين لهم كم أهلكنا قبلهم من الأمم السالفة؟! فها هم يمشون في مساكنهم التي كانوا يسكنونها قبل إهلاكهم، فلم يَتَّعِظُوا بحالهم، إن فيما حدث لتلك الأمم من الإهلاك بسبب كفرهم ومعاصيهم لعِبَرًا يُسْتَدلّ بها على صدق الذين جاؤوهم من عند الله، أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بآيات الله سماع قبول واتعاظ؟! ٢٧ - أَوَلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث أنا نرسل ماء المطر إلى الأرض القاحلة التي لا نبات فيها، فنخرج بذلك الماء زرعًا تأكل منه إبلهم وبقرهم وغنمهم، ويأكلون هم منه؟! أفلا يبصرون ذلك، ويدركون أن من أنبت الأرض القاحلة قادر على إحياء الموتى؟! ٢٨ - ويقول المكذبون بالبعث مستعجلين العذاب: متى هذا الحكم الذي تزعمون أنه سيفصل بيننا وبينكم يوم القيامة، فيكون مصيرنا النار ومصيركم الجنة؟! ٢٩ - قل لهم -أيها الرسول-: هذا الوعد هو يوم القيامة، إنه يوم الفصل بين العباد حين لا ينفع الذين كفروا بالله في الدنيا تصديقهم بعد معاينة يوم القيامة، ولا هم يُؤَخرون حتى يتوبوا إلى ربهم وينيبوا إليه. ٣٠ - فأعرِضْ -أيها الرسول- عن هؤلاء بعد تماديهم في ضلالهم، وانتظر ما يحل بهم، إنهم ينتظرون ما تعدهم من العذاب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عذاب الكافر في الدنيا وسيلة لتوبته. • ثبوت اللقاء بين نبينا ﷺ وموسى ﵇ ليلة الإسراء والمعراج. • الصبر واليقين صفتا أهل الإمامة في الدين.

стр. 425

سورة الأحزاب - مدينة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تركز على عناية الله بنبيِّه ﷺ وحماية جنابه وأهل بيته. [التَّفْسِيرُ] ١ - يا أيها النبي، اثبُتْ ومن معك على تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخَفْه وحده، ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما تهوى نفوسهم، إن الله كان عليمًا بما يكيده الكفار والمنافقون، حكيمًا في خلقه وتدبيره. ٢ - واتّبع ما ينزله عليك ربك من الوحي، إن الله كان بما تعملون خبيرًا، لا يفوته من ذلك شيء، وسيجازيكم على أعمالكم. ٣ - واعتمد على الله أمورك كلها، وكفى به سبحانه حافظًا لمن توكل عليه من عباده. ٤ - كما لم يجعل الله قلبين في صدر رجل واحد وكذلك لم يجعل الزوجات بمنزلة الأمهات في التحريم، ولم يجعل كذلك الأبناء بالتبنِّي بمنزلة الأبناء من الصُّلب، فإن الظِّهار -وهو تحريم الرجل زوجته عليه- وكذلك التبنِّي: من العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ذلك الظهار والتبنِّي، قول ترددونه بأفواهكم، ولا حقيقة له، فليست الزوجة أمًّا، ولا الدَّعِيُّ ابنًا لمن ادعاه، والله سبحانه يقول الحق ليعمل به عباده وهو يرشد إلى طريق الحق. ٥ - انسبوا من تزعمون أنهم أبناؤكم إلى آبائهم الحقيقيين، فنسبتهم إليهم هو العدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فهم إخوانكم في الدين ومحرَّرُوكم من الرق، فنادُوا أحدهم بيا أخي ويا ابن عمي، ولا إثم عليكم إذا أخطأ أحدكم فنسب دعيًّا إلى مدّعيه، ولكن تأثمون عند تعمد النطق بذلك، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم حيث لم يؤاخذهم بالخطأ. ٦ - النبي محمد ﷺ أحقّ بالمؤمنين من أنفسهم في كل ما دعاهم إليه، ولو كانت أنفسهم تميل إلى غيره، وزوجاته ﷺ بمنزلة أمهات لجميع المؤمنين، فيحرم على أي مؤمن أن يتزوج إحداهنّ بعد موته ﷺ ، وذوو القرابة بعضهم أحق ببعض في الإرث في حكم الله من أهل الإيمان والهجرة في سبيل الله، الذين كانوا يتوارثون فيما بينهم في صدر الإسلام، ثم نُسِخ توارثهم بعد ذلك، إلا أن تفعلوا -أيها المؤمنون- إلى أوليائكم من غير الورثة معروفًا من إيصاء لهم وإحسان إليهم فلكم ذلك، كان ذلك الحكم في اللوح المحفوظ مسطورًا فيجب العمل به. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لا أحد أكبر من أن يُؤمر بالمعروف ويُنْهى عن المنكر. • رفع المؤاخذة بالخطأ عن هذه الأمة. • وجوب تقديم مراد النبي ﷺ على مراد الأنفس. • بيان علو مكانة أزواج النبي ﷺ ، وحرمة نكاحهن من بعده؛ لأنهن أمهات للمؤمنين.

стр. 426

٧ - واذكر أيها الرسول -إذ أخذنا من الأنبياء عهدًا مؤكدًا أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا، وأن يُبَلغوا ما أنزل إليهم من الوحي، وأخذناه على وجه الخصوص منك، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم؛ أخذنا منهم عهدًا مؤكدًا على الوفاء بما ائتُمِنوا عليه من تبليغ رسالات الله. ٨ - أخذ الله هذا العهد المؤكد من الأنبياء ليسأل الصادقين من الرسل عن صدقهم تَبْكِيتًا للكافرين، وأعدّ الله للكافرين به وبرسله يوم القيامة عذابًا موجعًا هو نار جهنم. ٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، اذكروا نعمة الله عليكم، حين جاءت المدينةَ جنودُ الكفار متحزبين على قتالكم، وساندهم المنافقون واليهود، فبعثنا عليهم ريحًا هي ريح الصَّبا التي نُصِر بها النبي ﷺ ، وبعثنا جنودًا من الملائكة لم تروها فولى الكفار هاربين لا يقدرون على شيء، وكان الله بما تعملون بصيرًا لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على أعمالكم. ١٠ - وذلك حين جاءكم الكفار من أعلى الوادي ومن أسفله من جهتي المشرق والمغرب، حينها مالت الأبصار عن كل شيء إلا عن نظر عدوّها، ووصلت القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف، وتظنون بالله الظنون المختلفة؛ فتارة تظنون النصر، وتارة تظنون اليأس منه. ١١ - في ذلك الموقف في غزوة الخندق اختُبِر المؤمنون بما لاقوه من تكالب أعدائهم عليهم، واضطربوا اضطرابًا شديدًا من شدة الخوف، وتبين بهذا الاختبار المؤمن والمنافق. ١٢ - يومئذٍ قال المنافقون وضعاف الايمان الذين في قلوبهم شك: ما وعدنا الله ورسوله من النصر على عدوّنا والتمكين لنا في الأرض إلا باطلًا لا أساس له. ١٣ - واذكر -أيها الرسول- حين قال فريق من المنافقين لأهل المدينة: يا أهل يثرب (اسم المدينة قبل الإسلام)، لا إقامة لكم عند سفح سَلْع قرب الخندق فارجعوا إلى منازلكم، ويطلب فريق منهم الإذن من النبي ﷺ أن ينصرفوا إلى بيوتهم بدعوى أن بيوتهم مكشوفة للعدو وليست بمكشوفة كما زعموا، وإنما يريدون بهذا الاعتذار الكاذب الفرار من العدوّ. ١٤ - ولو دخل العدوّ عليهم المدينة من جميع نواحيها، وسألهم العودة إلى الكفر والشرك بالله لأعطوا عدوّهم ذلك، وما احتبسوا عن الردة والنكوص إلى الكفر إلا قليلًا. ١٥ - ولقد كان هؤلاء المنافقون عاهدوا الله بعد فرارهم يوم أُحد من القتال؛ لئن أشهدهم الله قتالًا آخر ليقاتلنّ عدوَّهم، ولا يفرُّوا خوفًا منهم، ولكنهم نكثوا، وكان العبد مسؤولًا عما عاهد الله عليه، وسوف يُسْأل عنه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • منزلة أَولي العزم من الرسل. • تأييد الله لعباده المؤمنين عند نزول الشدائد. • خذلان المنافقين للمؤمنين في المحن.

стр. 427

١٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من القتال خوفًا من الموت أو من القتل؛ لأن الآجال مقدرة، وإذا فررتم ولم يَحِنْ أجلكم فإنكم لا تستمتعون في الحياة إلا زمنًا قليلًا. ١٧ - قل لهم -أيها الرسول-: من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم ما تكرهونه من الموت أو القتل، أو أراد بكم ما ترجونه من السلامة والخير، لا أحد يمنعكم من ذلك، ولا يجد هؤلاء المنافقون لهم من دون الله وليًّا يتولى أمرهم، ولا نصيرًا يمنعهم من عقاب الله لهم. ١٨ - يعلم الله المُثبطين منكم لغيرهم عن القتال مع رسول الله ﷺ والقائلين لإخوانهم: تعالوا إلينا ولا تقاتلوا معه حتى لا تُقْتَلوا، فإنا نخاف عليكم القتل، وهؤلاء المُخَذِّلون لا يأتون الحرب ولا يشاركون فيها إلا نادرًا؛ ليدفعوا عن أنفسهم العار، لا لينصروا الله ورسوله. ١٩ - بُخلاء عليكم - معشر المؤمنين - بأموالهم فلا يعينونكم ببذلها، وبخلاء بأنفسهم فلا يقاتلون معكم، وبخلاء بمودتهم فلا يوادُّونكم، فإذا جاء الخوف عند ملاقاة العدوّ رأيتهم ينظرون إليك -أيها الرسول- تدور أعينهم من الجبن مثل دوران عيني من يعاني سكرات الموت، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا آذوكم بالكلام بالسنة سليطة، أَشِحَّة على الغنائم يبحثون عنها، أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يؤمنوا حقًّا، فأبطل الله ثواب أعمالهم، وكان ذلك الإبطال يسيرًا على الله. ٢٠ - يظنّ هؤلاء الجبناء أن الأحزاب المُتَأَلِّبة لقتال رسول الله ﷺ وقتال المؤمنين لن يذهبوا حتى يستأصلوا المؤمنين، وإن قدّر أن جاء الأحزاب مرة أخرى يودّ هؤلاء المنافقون أنهم خارجون من المدينة مع الأعراب، يسألون عن أخباركم: ماذا حدث لكم بعد قتال عدوّكم لكم؟ ولو كانوا فيكم -أيها المؤمنون- ما قاتلوا معكم إلا قليلًا، فلا تبالوا بهم، ولا تأسوا عليهم. ٢١ - لقد كان لكم فيما قاله رسول الله وقام به وفعله، قدوة حسنة، فقد حضر بنفسه الكريمة، وباشر الحرب، فكيف تبخلون بعد ذلك بأنفسكم عن نفسه؟ ولا يتأسَّى برسول الله ﷺ إلا من كان يرجو اليوم الآخر ويعمل له، وذكر الله ذكرًا كثيرًا، وأما الذي لا يرجو اليوم الآخر ولا يذكر الله كثيرًا فإنه لا يتأسَّى برسوله ﷺ . ٢٢ - ولما عاين المؤمنون الأحزاب المجتمعة لقتالهم قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والمحن والنصر، وصدق الله ورسوله في هذا، فقد تحقق، وما زادتهم معاينتهم للأحزاب إلا إيمانًا بالله وانقيادًا له. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الآجال محددة؛ لا يُقَرِّبُها قتال، ولا يُبْعِدُها هروب منه. • التثبيط عن الجهاد في سبيل الله شأن المنافقين دائمًا. • الرسول ﷺ قدوة المؤمنين في أقواله وأفعاله. • الثقة بالله والانقياد له من صفات المؤمنين.

стр. 428

٢٣ - من المؤمنين رجال صدقوا الله، فوفوا بما عاهدوه عليه من الثبات والصبر على الجهاد في سبيل الله، فمنهم من مات أو قتل في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيله، وما غير هؤلاء المؤمنون ما عاهدوا الله عليه مثل ما فعله المنافقون بعهودهم. ٢٤ - ليجزي الله الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه بصدقهم ووفائهم بعهودهم، ويعذب المنافقين الناقضين لعهودهم إن شاء، بأن يميتهم قبل التوبة من كفرهم، أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة، وكان الله غفورًا لمن تاب من ذنوبه، رحيمًا به. ٢٥ - وردّ الله قريشًا وغطفان والذين معهم بكربهم وغمّهم لفوتهم ما أملوا، لم يظفروا بما أرادوا من استئصال المؤمنين، وكفى الله المؤمنين القتال معهم؛ بما أرسله من الريح وأنزله من الملائكة، وكان الله قويًّا عزيزًا لا يغالبه أحد إلا غلبه وخذله. ٢٦ - وأنزل الله الذين أعانوهم من اليهود من حصونهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم، وألقى الخوف في نفوسهم، فريقًا تقتلونهم -أيها المؤمنون- وفريقًا تأسرونهم. ٢٦ - وملّكَكم الله بعد هلاكهِم أرضهم بما فيها من زروع ونخيل، وملّكَكم منازلهم وأموالهم الأخرى، وملَّكَكم أرض خَيْبر التي لم تطؤوها بعد، لكنكم ستطؤونها، وهذا وعد وبشرى للمؤمنين، وكان الله على كل شيء قديرًا، لا يعجزه شيء. ٢٨ - يا أيها النبي، قل لأزواجك حين طلبن منك التوسعة في النفقة ولم يكن عندك ما توسع به عليهن: إن كنتنّ تُرِدْن الحياة الدنيا وما فيها من زينة، فتعالين إليّ أمتعكنّ بما تُمَتَع به المطلقات، وأُطَلقكن طلاقًا لا إضرار فيه ولا إيذاء. ٢٩ - وإن كنتنّ تردن رضا الله ورضا رسوله، وتردن الجنة في الدار الآخرة، فاصبرن على حالكنّ، فإن الله أعدّ لمن أحسنَ منكنّ بالصبر وحسن العشرة أجرًا عظيمًا. ٣٠ - يا نساء النبي، من يأت منكنّ بمعصية ظاهرة يُضَاعَف لها العذاب يوم القيامة ضعفين لمكانتها ومنزلتها، ولصيانة جناب النبي ﷺ . وكانت تلك المضاعفة على الله سهلة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تزكية الله لأصحاب رسول الله ﷺ ، وهو شرف عظيم لهم. • عون الله ونصره لعباده من حيث لا يحتسبون إذا اتقوا الله. • سوء عاقبة الغدر على اليهود الذين ساعدوا الأحزاب. • اختيار أزواج النبي ﷺ رضا الله ورسوله دليل على قوة إيمانهنّ.

стр. 429

٣١ - ومن تدُم على طاعة الله ورسوله منكنّ، وتعمل عملًا صالحًا مرضًّا عند الله -نعطها من الثواب ضعف غيرها من سائر النساء، وأعددنا لها في الآخرة أجرًا كريمًا وهو الجنة. ٣٢ - يانساء النبي محمد ﷺ ، لستنّ في الفضل والشرف مثل سائر النساء، بل أنتنّ في الفضل والشرف بالمنزلة التي لا يصل إليها غيركنّ إن امتثلتُنَّ أوامر الله واجتنبتُنَّ نواهيه، فلا تُلَيِّنَّ القول وترَقِّقْن الصوت إذا تكلمتُنّ مع الأجانب من الرجال، فيطمع بسبب ذلك من في قلبه مرض النفاق وشهوة الحرام، وقلن قولا بعيدًا من الريبة بأن يكون جِدًّا لا هزلًا بقدر الحاجة. ٣٣ - واثبتن في بيوتكنّ، فلا تخرجن منها لغير حاجة، ولا تُظْهِرن محاسنكنّ صنيع من كنّ قبل الإسلام من النساء حيث كنّ يبدين ذلك استمالة للرجال، وأدين الصلاة على أكمل وجه، وأعطين زكاة أموالكنّ، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله سبحانه أن يذهب عنكم الأذى والسوء، يا أزواج رسول الله ويا أهل بيته، ويريد أن يطهّر نفوسكم؛ بتحليتها بفضائل الأخلاق، وتخليتها عن رذائلها تطهيرًا كاملًا، لا يبقى بعده دَنَس. ٢٤ - واذكرن ما يُقْرأ في بيوتكنّ من آيات الله المنزلة على رسوله، ومن سُنَّة رسوله المطهرة، إن الله كان لطيفًا بكنّ حين امتنّ عليكنّ بأن جعلكنّ في بيوت نبيِّه، خبيرًا بكنّ حين اصطفاكنّ أزواجًا لرسوله، واختاركنّ أمهات لجميع المؤمنين من أمته. ٢٥ - إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين بالله والمصدقات، والمطيعين والمطيعات لله، والصادقين والصادقات في إيمانهم وقولهم، والصابرين والصابرات على الطاعات وعن المعاصي وعلى البلاء، والمتصدقين والمتصدقات بأموالهم في الفرض والنفل، والصائمين والصائمات لله في الفرض والنفل، والحافظين والحافظات فروجهم بسترها عن الكشف أمام من لا يحلّ له النظر إليها، وبالبعد عن فاحشة الزنى ومقدماتها، والذاكرين والذاكرات اللهَ بقلوبهم وألسنتهم كثيرًا سرا وعلانية - أعدّ الله لهم مغفرة منه لذنوبهم، وأعدّ لهم ثوابًا عظيمًا يوم القيامة وهو الجنة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من توجيهات القرآن للمرأة المسلمة: النهي عن الخضوع بالقول، والأمر بالمكث في البيوت إلا لحاجة، والنهي عن التبرج. • فضل أهل بيت رسول الله ﷺ ، وأزواجُه من أهل بيته. • مبدأ التساوي بين الرجال والنساء قائم في العمل والجزاء إلا ما استثناه الشرع لكل منهما.

стр. 430

٣٦ - ولا يصحّ لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم بأمر، أن يكون لهم الاختيار في قَبوله أو رفضه، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل عن الصراط المستقيم ضلالًا واضحًا. ٣٧ - وإذ تقول -أيها الرسول- للذي أنعم الله عليه بنعمة الإسلام، وأنعمت عليه أنت بالعتق -والمقصود زيد بن حارثة ﵄ حين جاءك مشاورًا في شأن طلاق زوجته زينب بنت جحش- تقول له: أمسك عليك زوجتك ولا تطلّقها، واتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتكتم في نفسك -أيها الرسول- ما أوحى الله به لك من زواجك بزينب خشية من الناس والله سيظهر طلاق زيد لها ثم زواجك منها والله أولى أن تخشاه في هذا الأمر، فلما طابت نفس زيد ورغب عنها وطلّقها زوجناكها؛ لكي لا يكون على المؤمنين إثم في التزوج بزوجات أبنائهم بالتبني إذا طلقوهن وانقضت عدّتهنّ، وكان أمر الله مفعولًا لا مانع منه، ولا حائل دونه. ٣٨ - ما كان على النبي محمد ﷺ من إثم أو تضييق فيما أحلّ الله من نكاح زوجة ابنه بالتبنِّي، وهو في ذلك يتبع سُنَّة الأنبياء من قبله، فليس هو ﷺ بدْعًا من الرسل في ذلك، وكان ما يقضي الله به -من إتمام هذا الزواج وإبطال التبنِّي وليس للنبي فيه رأي أو خيارٌ- قضاءً نافذًا لا مردّ له. ٣٩ - هؤلاء الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله المنزلة عليهم إلى أممهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله ، فلا يلتفتون إلى ما يقوله غيرهم عندما يفعلون ما أحلّ الله لهم، وكفى بالله حافظًا لأعمال عباده ليحاسبهم عليها، ويجازيهم بها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ٤٠ - ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم، فليس هو والد زيد حتى يحرم عليه نكاح زوجته إذا طلقها، ولكنَّه رسول الله إلى الناس، وخاتم النبيين فلا نبي بعده، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده. ٤١ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرًا كثيرًا. ٤٢ - ونزهوه سبحانه بالتسبيح والتهليل أول النهار وآخره؛ لفضلهما. ٤٣ - هو الذي يرحمكم ويثني عليكم، وتدعو لكم ملائكته ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكان بالمؤمنين رحيمًا؛ فلا يعذبهم إذا هم أطاعوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب استسلام المؤمن لحكم الله والانقياد له. • اطلاع الله على ما في النفوس. • من مناقب أم المؤمنين زينب بنت جحش: أنْ زوّجها الله من فوق سبع سماوات. • فضل ذكر الله، خاصة وقت الصباح والمساء.

стр. 431

٤٤ - تحية المؤمنين يوم يلقون ربهم سلام وأمان من كل سوء، وأعدّ الله لهم أجرًا كريمًا -وهو جنته- جزاءً لهم على طاعتهم له، وبعدهم عن معصيته. ٤٥ - يا أيها النبي، إنا بعثناك إلى الناس شاهدًا عليهم بأن بلّغتهم ما أُرسِلتَ به إليهم، ومبشرًا للمؤمنين منهم بما أعدّ الله لهم من الجنة، ومخوّفًا الكافرين مما أعدّ لهم من عذابه. ٤٦ - وبعثناك داعيًا إلى توحيد الله وطاعته بأمره، وبعثناك مصباحًا منيرًا يستنير به كل من يريد الهداية. ٤٧ - وأخبِرِ المؤمنين بالله الذين يعملون بما شرعه لهم، بما يسرّهم أن لهم من الله سبحانه فضلًا عظيمًا يشمل نصرهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة بدخول الجنة. ٤٨ - ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما يدعون إليه من الصد عن دين الله، وأعرض عنهم، فلعل ذلك يكون أدعى لأن يؤمنوا بما جئتهم به، واعتمد على الله في كل أمورك؛ ومنها النصر على أعدائك، وكفى بالله وكيلًا يعتمد عليه العباد في جميع أمورهم في الدنيا والآخرة. ٤٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا عقدتم على المؤمنات عقد نكاح، ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهنّ فما لكم عليهن من عدة، سواء كانت بالأقْراء أو الشهور؛ للعلم ببراءة أرحامهن بعدم البناء بهنّ، ومتعوهنّ بأموالكم حسب وسعكم؛ جَبْرًا لخواطرهنّ المنكسرة بالطلاق، وخلّوا سبيلهنّ ينطلقن إلى أهليهنّ دون إيذاء لهن. ٥٠ - يا أيها النبي، إنا أبحنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهنّ مهورهنّ، وأحللنا لك ما ملكتَ من الإماء مما أفاء الله به عليك من السبايا، وأحللنا لك نكاح بنات عمك، ونكاح بنات عماتك، ونكاح بنات خالك، ونكاح بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، وأحللنا لك أن تنكح امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك من غير مهر إن أردت أن تنكحها، ونكاح الهبة خاص به ﷺ لا يجوز لغيره من الأمة، قد علمنا ما أوجبناه على المؤمنين في شأن زوجاتهم حيث لا يجوز لهم أن يتجاوزوا أربع نسوة، وما شرعناه لهم في شأن إمائهم حيث إن لهم أن يستمتعوا بمن شاؤوا منهنّ دون تقييد بعدد، وأبحنا لك ما أبحنا مما ذُكِر مما لم نبحه لغيرك؛ لئلا يكون عليك ضيق ومشقة، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الصبر على الأذى من صفات الداعية الناجح. • يُنْدَب للزوج أن يعطي مطلقته قبل الدخول بها بعض المال جبرًا لخاطرها. • خصوصية النبي ﷺ بجواز نكاح الهبة، وإن لم يحدث منه.

стр. 432

٥١ - تؤخر -أيها الرسول- من تشاء تأخير قَسْمه من نسائك فلا تبيت معها، وتضم إليك من تشاء منهن فتبيت معها، ومن طلبتَ أن تضمها ممن أخرتَهنَّ فلا إثم عليك في ذلك، ذلك التخيير والتوسيع لك أقرب أن تقر به أعين نسائك، وأن يرضين بما أعطيتهنّ جميعهنّ؛ لعلمهن أنك لم تترك واجبًا، ولم تبخل بحق، والله يعلم ما في قلوبكم - أيها الرجال - من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وكان الله عليمًا بأعمال عباده، لا يخفى عليه منها شيء، حليمًا لا يعاجلهم بالعقوبة لعلهم يتوبون إليه. ٥٢ - لا يجوز لك -أيها الرسول- أن تتزوج بنساء غير زوجاتك اللاتي هن في عصمتك، ولا يحلّ لك أن تطلقهن، وتطلق بعضهنّ لتأخذ غيرهن من النساء، ولو أعجبك حسن من تريد أن تتزوج بها من النساء غيرهن، لكن يجوز لك أن تَتَسَرَّى بما ملكت يمينك من الإماء دون حصر في عدد محدد، وكان الله على كل شيء حفيظًا. وهذا الحكم يدل على فضل أمهات المؤمنين، فقد مُنع طلاقهن والزواج عليهن. ٥٣ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد أن يأذن لكم بدخولها بدعوتكم إلى طعام، ولا تطيلوا الجلوس تنتظرون نضج الطعام، ولكن إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا، ولا تمكثوا بعده يستأنس بعضكم بحديث بعض، إن ذلك المكث كان يؤذي النبي ﷺ فيستحيي أن يطلب منكم الانصراف، والله لا يستحيي أن يأمر بالحق، فأمركم بالانصراف عنه حتى لا تؤذوه ﷺ بالمكث، وإذا طلبتم من زوجات النبي ﷺ حاجة مثل آنية ونحوها فاطلبوا حاجتكم تلك من وراء ستر، ولا تطلبوها منهن مواجهة حتى لا تراهنّ أعينكم؛ صونًا لهنّ؛ لمكانة رسول الله ﷺ ، ذلكم الطلب من وراء ستر أطهر لقلوبكم وأطهر لقلوبهنّ؛ حتى لا يتطرّق الشيطان إلى قلوبكم وقلوبهن بالوسوسة وتزيين المنكر، وما ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن تؤذوا رسول الله بالمكث للحديث، ولا أن تتزوجوا نساءه من بعد موته، فهنّ أمهات المؤمنين، ولا يجوز لأحد أن يتزوج أمه، إن ذلكم الإيذاء- ومن صورة نكاحكم نساءه من بعد موته، حرام ويعدُّ عند الله إثمًا عظيمًا. ٥٤ - إن تظهروا شيئًا من أعمالكم أو تستروه في أنفسكم، فلن يخفى على الله منه شيء، إن الله كان بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ولا من غيرها، وسيجازيكم على أعمالكم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم مقام النبي ﷺ عند ربه حتى عاتب الصحابة في المكث في بيته الذي كان يؤذيه. • ثبوت صفتي العلم والحلم لله تعالى. • الحياء من أخلاق النبي ﷺ . • صيانة مقام أمهات المؤمنين من زوجات النبي ﷺ .

стр. 433

٥٥ - لا إثم عليهنّ أن يراهنّ ويكلمهن دون حجاب: آباؤهنّ، وأولادهنّ، وإخوانهن، وأبناء إخوانهنّ، وأبناء أخواتهنّ من النسب أو الرضاعة، ولا إثم عليهنّ أن يكلمهنّ دون حجاب: النساء المؤمنات، وما ملكت أيمانهنّ، واتقين الله -أيتها المؤمنات- فيما أمر به ونهى عنه سبحانه، فهو مُشاهِد لِمَا يَظْهَرُ مِنكنَّ ويَصْدُرُ عنكن. ٥٦ - إن الله يثني عند ملائكته على الرسول محمد ﷺ ، وملائكته يدعون له، يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لعباده، صلوا على الرسول وسلموا عليه تسليمًا. ولما أمر الله بتعظيم الرسول ﷺ والصلاة عليه نهى عن إيذائه فقال: ٥٧ - إن الله يؤذون الله ورسوله بالقول أو الفعل أبعدهم الله وطردهم من رحاب رحمته في الدنيا وفي الآخرة، وأعدّ لهم في الآخرة عذابًا مُذلًّا جزاءً لهم على ما اقترفوه من إيذاء رسول. ٥٨ - والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول أو الفعل بغير ذنب اكتسبوه من جناية توجب ذلك الإيذاء، فقد احتملوا كذبًا وإثمًا ظاهرًا. ٥٩ - يا أيها النبي قل لأزواجك، وقل لبناتك، وقل لنساء المؤمنين: يُرخِين عليهنّ من الجلابيب التي يلبسنها حتى لا تنكشف منهن عورة أمام الأجانب من الرجال؛ ذلك أقرب أن يُعرف أنّهنّ حرائر فلا يَتعرض لهنّ أحد بالإيذاء كما يتعرض به للإيمان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا به. ٦٠ - لئن لم ينته المنافقون عن نفاقهم؛ بإضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام، والذين في قلوبهم فجور بتعلقهم بشهواتهم، والذين يأتون بالأخبار الكاذبة في المدينة ليفرقوا بين المؤمنين -: لنأمرنك -أيها الرسول- بمعاقبتهم، ولنسلطنّك عليهم، ثم لا يُساكنونك في المدينة إلا قليلًا من الزمن؛ لإهلاكهم أو طردهم عنها بسبب إفسادهم في الأرض. ٦١ - مطرودين من رحمة الله، في أي مكان لُقُوا أخِذُوا وَقُتِّلُوا تقتيلًا؛ لنفاقهم ونشرهم الفساد في الأرض. ٦٢ - هذه سُنَّة الله الجارية في المنافقين إذا أظهروا النفاق، وسُنَّة الله ثابتة لن تجد لها أبدًا تغييرًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • علوّ منزلة النبي ﷺ عند الله وملائكته. • حرمة إيذاء المؤمنين دون سبب. • النفاق سبب لنزول العذاب بصاحبه.

стр. 434

٦٣ - يسألك المشركون -أيها الرسول- سؤال إنكار وتكذيب، ويسألك اليهود أيضًا؛ عن الساعة: متى وقتها؟ قل لهؤلاء: علم الساعة عند الله ليس عندي منه شيء، وما يشعرك -أيها الرسول- أن الساعة تكون قريبة؟ ٦٤ - إن الله سبحانه طرد الكافرين من رحمته، وهيَّأ لهم يوم القيامة نارًا ملتهبة تنتظرهم. ٦٥ - ماكثون في عذاب تلك النار المعدة لهم أبدًا، لا يجدون فيها وليًّا ينفعهم، ولا نصيرًا يدفع عنهم عذابها. ٦٦ - يوم القيامة تقلّب وجوههم في نار جهنم، يقولون من شدة التحسر والندم: يا ليتنا في حياتنا الدنيا كنا أطعنا الله بامتثال ما أمرنا به، واجتناب ما نهانا عنه، وأطعنا الرسول فيما جاء به من ربه. ٦٧ - جاء هؤلاء بحجة واهية باطلة فقالوا: ربنا إنا أطعنا رؤساءنا وكبراء أقوامنا، فأضلونا عن الصراط المستقيم. ٦٨ - ربنا، اجعل لهؤلاء الرؤساء والكبراء الذين أضلونا عن الصراط المستقيم ضِعْفَي ما جَعَلْتَ لنا من العذاب لإضلالهم إيانا، واطردهم من رحمتك طردًا عظيمًا. ٦٩ - يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تؤذوا رسولكم فتكونوا مثل الذين آذوا موسى كعيبهم له في جسده فبرّأه الله مما قالوا، فتبين لهم سلامته مما قالوا فيه، وكان موسى عند الله وجيهًا، لا يرد طلبه، , لا يخيب مسعاه. ٧٠ - يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقولوا قولًا صوابًا صدقًا. ٧١ - إنكم إن اتقيتم الله وقلتم قولًا صوابًا، أصلح لكم أعمالكم، وتقبلها منكم، وَمَحَا عنكم ذنوبكم فلا يؤاخذكم بها، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا لا يدانيه أي فوز، وهو الفوز برضا الله ودخول الجنة. ٧٢ - إنا عرضنا التكاليف الشرعية، وما يحفظ من أموال وأسرار، على السماوات وعلى الأرض وعلى الجبال، فامتنعن من حملها، وخفن من عاقبته، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا بعاقبة حملها. ٧٣ - حملها الإنسان بقدر من الله؛ ليعذب الله المنافقين من الرجال والمنافقات من النساء، والمشركين من الرجال والمشركات من النساء؛ على نفاقهم وشركهم بالله، وليتوب الله على المؤمنين والمؤمنات الذين أحسنوا حمل أمانة التكاليف، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده رحيمًا بهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • اختصاص الله بعلم الساعة. • تحميل الأتباع كُبَرَاءَهُم مسؤوليةَ إضلالهم لا يعفيهم هم من المسؤولية. • شدة التحريم لإيذاء الأنبياء بالقول أو الفعل. • عظم الأمانة التي تحمّلها الإنسان.

стр. 435

سورة سبأ - مكية - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان مظاهر القدرة الإلهية على تبديل الأحوال، وأحوال الخلق في النعم بين الشكر والكفر. [التَّفْسِيرُ] ١ - الحمد لله الذي له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وله سبحانه الثناء في الآخرة، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير بأحوال عباد، لا يخفى عليه منها شيء. ٢ - يعلم ما يدخل في الأرض من ماء ونبات، ويعلم ما يخرج منها من نبات وغيره، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر والملائكة والرزق، ويعلم ما يصعد في السماء من الملائكة وأعمال عباده وأرواحهم، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، الغفور لذنوب من تاب إليه. ٣ - وقال الذين كفروا بالله: لا تأتينا الساعة أبدًا، قل لهم -أيها الرسول-: بلى والله، لتأتينكم الساعة التي تكذبون بها، لكن لا يعلم وَقْتَ ذلك إلا الله، فهو سبحانه عالم ما غاب من الساعة وغيرها، لا يغيب عن علمه سبحانه وزن أصغر نملة في السماوات ولا في الأرض، ولا يغيب عنه أصغر من ذلك المذكور ولا أكبر، إلا هو مكتوب في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة. ٤ - أثبت الله ما أثبت في اللوح المحفوظ ليجزي الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم من الله مغفرة لذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، ولهم رزق كريم؛ وهو جنته يوم القيامة. ٥ - والذين عملوا جاهدين لإبطال ما أنزل الله من آيات، فقالوا عنها: سحر، وقالوا عن رسولنا: كاهن، ساحر، شاعر، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم يوم القيامة أسوأ عذاب وأشده. ٦ - ويشهد علماء الصحابة ومن آمن من علماء أهل الكتاب أن الذي أنزله الله إليك من الوحي هو الحق الذي لا مِرْية فيه، ويرشد إلى طريق العزيز الذي لا يغلبه أحد، المحمود في الدنيا والآخرة. ٧ - وقال الذين كفروا بالله لبعضهم؛ تعجّبًا وسخرية مما جاء به الرسول ﷺ : هل ندلكم على رجل يخبركم أنكم إذا متم وقطِّعتم تقطيعًا أنكم ستبعثون بعد موتكم أحياء؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سعة علم الله سبحانه المحيط بكل شيء. • فضل أهل العلم. • إنكار المشركين لبعث الأجساد تَنكُّر لقدرة الله الذي خلقهم.

стр. 436

٨ - وقالوا: هل اختلق هذا الرجل على الله كذبًا فزعم ما زعم من بعثنا بعد موتنا، أم هو مجنون يهذي بما لا حقيقة له؟ ليس الأمر كما زعم هؤلاء، بل الحاصل أن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم في العذاب الشديد يوم القيامة، وفي الضلال البعيد عن الحق في الدنيا. ٩ - أفلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث ما بين أيديهم من الأرض، ويروا ما خلفهم من السماء؟ إن نشأ خَسْف الأرض من تحت أقدامهم خسفناها من تحتهم، وإن نشأ أن نسقط عليهم قِطَعًا من السماء لأسقطناها عليهم، إن في ذلك لعلامة قاطعة لكل عبد كثير الرجوع إلى طاعة ربه يستدل بها على قدرة الله، فالقادر على ذلك قادر على بعثكم بعد موتكم وتمزيق أجسامكم. ١٠ - ولقد أعطينا داود ﵇ منا نبوة وملكًا، وقلنا للجبال: يا جبال، رجِّعي مع داود التسبيح، وهكذا قلنا للطير، وصيّرنا له الحديد لينًا ليصنع منه ما يشاء من أدوات. ١١ - أن اعمل - يا داود - دروعًا واسعة تقي مقاتليك بأس عدوّهم، وصيّر المسامير مناسبة للحِلَق فلا تجعلها دقيقة بحيث لا تستقرّ فيها، ولا غليظة بحيث لا تدخل فيها، واعملوا عملًا صالحًا، إني بما تعملون بصير، لا يخفى عليَّ من أعمالكم شيء، وسأجازيكم عليها. ١٢ - وسخرنا لسليمان بن داود ﵇ الريح، تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وسيلنا له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، والذي يميل من الجن عمَّا أمرناه به من العمل نُذِيقُه من عذاب النار الملتهبة. ١٣ - يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور، وما يشاء من صور، وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور الطبخ الثابتات فلا يُحرَّكْنَ لعِظَمِهِن، وقلنا لهم: اعملوا - يا آل داود - شكرَا لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عبادي الشكور لي على ما أنعمت عليه. ١٤ - فلما حكمنا على سليمان بالموت ما أرشد الجن إلى أنه قد مات إلا حشرة الأَرَضة تأكل عصاه التي كان متكئًا عليها، فلما سقط تبيَّنت الجن أنهم لا يعلمون الغيب؛ إذ لو كانوا يعلمونه لما مكثوا في العذاب المذلّ لهم، وهو ما كانوا عليه من الأعمال الشاقة التي يعملونها لسليمان ﵇ ظنًّا منهم أنه حيٌّ يراقبهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تكريم الله لنبيه داود بالنبوة والملك، وبتسخير الجبال والطير يسبحن بتسبيحه، وإلانة الحديد له. • تكريم الله لنبيه سليمان ﵇ بالنبوة والملك. • اقتضاء النعم لشكر الله عليها. • اختصاص الله بعلم الغيب، فلا أساس لما يُدَّعى من أن للجن أو غيرهم اطلاعًا على الغيب.

стр. 437

ولما ذكر الله ما أنعم به على داود وابنه سليمان ﵇، ذكر ما أنعم به على أهل سبأ، إلا أن داود وسليمان ﵉ شَكَرَا اللهَ وأهلَ سبأ كَفَرُوه، فقال: ١٥ - لقد كان لقبيلة سبأ في مسكنهم الذي كانوا يسكنون فيه علامة ظاهرة على قدرة الله وإنعامه عليهم؛ وهي جنتان: إحداهما عن اليمين، والثانية عن الشمال وقلنا لهم: كلوا من رزق ربكم، واشكروه على نعمه؛ هذه بلدة طيبة، وهذا الله رب غفور يغفر ذنوب من تاب إليه. ١٦ - فأعرضوا عن شكر الله والإيمان برسله، فعاقبناهم بتبديل نعمهم نقمًا، فأرسلنا عليهم سيلًا جارفًا خرّب سدهم وأغرق مزارعهم، وبذلنا هم ببُسْتَانَيْهم بُسْتَانَين مُثْمرين بالثمر المر، وفيهما شجر الأثل غير المثمر، وشيء قليل من السِّدْر. ١٧ - ذلك التبديل -الحاصل لما كانوا عليه من النعم- بسبب كفرهم وإعراضهم عن شكر النعم، ولا نعاقب هذا العقاب الشديد إلا الجَحود لنعم الله الكفور به سبحانه. ١٨ - وجعلنا بين أهل سبأ في اليمن وبين قرى الشام التي باركنا فيها قرى متقاربة، وقدرنا فيها السير بحيث يسيرون من قرية إلى قرية دون مشقة حتى يصلوا الشام، وقلنا لهم: سيروا فيها ما شئتم من ليل أو نهار في أمن من العدو والجوع والعطش. ١٩ - فبطروا نعمة الله عليهم بتقريب المسافات، وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا بإزالة تلك القرى حتى نذوق تعب الأسفار، وتظهر مزية ركائبنا، وظلموا أنفسهم ببطرهم نعمة الله وإعراضهم عن شكره وحسدهم للفقراء منهم، فصيّرناهم أحاديث يتحدث بها مَن بَعدَهم، وفرقناهم في البلاد كل تفريق، بحيث لا يتواصلون فيما بينهم، إن في ذلك المذكور -من الإنعام على أهل سبأ ثم الانتقام منهم لكفرهم وبطرهم- لعبرة لكل صَبَّار على طاعة الله وعن معصيته وعلى البلاء، شكور لنعم الله عليه. ٢٠ - ولقد حَقَّقَ عليهم إبليس ما ظنه من أنه يستطيع إغواءهم وإضلالهم عن الحق، فاتبعوه في الكفر والضلال إلا طائفة من المؤمنين فإنهم خيبوا رجاءه بعدم اتباعهم له. ٢١ - وما كان لإبليس عليهم من سلطان يقهرهم به على أن يضلوا، وإنما كان يزين لهم ويغويهم، إلا أنا أذِنّا له في إغوائهم لنعلم من يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء، ممن هو من الآخرة في شك، وربك -أيها الرسول- على كل شيء حفيظ، يحفظ أعمال عباده، ويجازيهم عليها. ٢٢ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: نادوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله ليجلبوا لكم النفع أو يكشفوا عنكم الضر، فهم لا يملكون وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض، وليس لهم شرك فيها مع الله، وليس لله من معين يعينه، فهو غني عن الشركاء. وعن المعينين. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الشكر يحفظ النعم، والجحود يسبب سلبها. • الأمن من أعظم النعم التي يمتنّ الله بها على العباد. • الإيمان الصحيح يعصم من اتباع إغواء الشيطان بإذن الله. • ظهور إبطال أسباب الشرك ومداخله كالزعم بأن للأصنام مُلْكًا أو مشاركة لله، أو إعانة أو شفاعة عند الله.

стр. 438

٢٣ - ولا تنفع الشفاعة عنده سبحانه إلا لمن أذن له، والله لا يأذن في الشفاعة إلا لمن ارتضى؛ لعظمته، ومن عظمته أنه إذا تكلم في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم قالت الملائكة لجبريل: ماذا قال ربكم؟ قال جبريل: قال الحق، وهو العلي بذاته وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه. ٢٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: من يرزقكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات الثمرات والزروع والفواكه؟ قل: الله هو الذي يرزقكم منها، وإنا أو إياكم - أيها المشركون - لعلى هداية أو في ضلال واضح عن الطريق، فأحدنا لا محالة كذلك، ولا شك أن أهل الهدى هم المؤمنون، وأن أهل الضلال هم المشركون. ٢٥ - قل لهم -أيها الرسول-: لا تسألون يوم القيامة، عن ذنوبنا التي ارتكبناها، ولا نُسْأل نحن عما كنتم تعملون. ٣٦ - قل لهم: يجمع الله بيننا وبينكم يوم القيامة، ثم يقضي بيننا وبينكم بالعدل، فيبين المُحِق مِن المُبْطِل وهو الحاكم الذي يحكم بالعدل، العليم بما يحكم به. ٣٧ - قل لهم -أيها الرسول-: أروني الذين جعلتموهم لله شركاء تشركونهم معه في العبادة، كلا، ليس الأمر كما تصورتم من أن له شركاء، بل هو الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وقَدَرِه وتدبيره. ٣٨ - وما بعثناك -أيها الرسول- إلا للناس عامة مبشرًا أهل التقوى بأن لهم الجنة، ومُخَوِّفا أهل الكفر والفجور من النار، ولكن معظم الناس لا يعلمون ذلك، فلو علموه لما كذبوك. ٣٩ - ويقول المشركون مستعجلين بالعذاب الذي يخوفون منه: متى هذا الوعد بالعذاب إن كنتم صادقين فيما تدعونه من أنه حق؟ ٣٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لكم ميعاد يوم محدد؛ لا تتأخرون عنه ساعة، ولا تتقدمون عنه ساعة، وهذا اليوم هو يوم القيامة. ٣١ - وقال الذين كفروا بالله: لن نؤمن بهذا القرآن الذي يزعم محمد أنه منزل عليه، ولن نؤمن بالكتب السماوية السابقة، ولو ترى -أيها الرسول- إذ الظالمون محبوسون عند ربهم يوم القيامة للحساب، يتراجعون الكلام بينهم، يُلْقِي كل منهم المسؤولية واللوم على الآخر، يقول الأتباع الذين استُضْعِفوا لسادتهم الذين استَضْعَفوهم في الدنيا: لولا أنكم أضللتمونا، لكنا مؤمنين بالله وبرسله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التلطف بالمدعو حتى لا يلوذ بالعناد والمكابرة. • صاحب الهدى مُسْتَعْل بالهدى مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. • شمول رسالة النبي ﷺ للبشرية جمعاء، والجن كذلك.

стр. 439

٣٢ - قال المتبوعون الذين استكبروا عن الحق للتابعين الذين استضعفوهم: أنحن منعناكم عن الهدى الذي جاءكم به محمد؟! لا، بل كنتم ظلمة وأصحاب فساد وإفساد. ٣٢ - وقال المتبوعون الذين استضعفهم سادتهم لمتبوعيهم المستكبرين عن الحق: بل صدّنا عن الهدى مكركم بنا بالليل والنهار حين كنتم تأمروننا بالكفر بالله، وبعبادة مخلوقين من دونه. وأخفوا الندامة على ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا حين شاهدوا العذاب، وعلموا أنهم معذبون، وجعلنا الأصفاد في أعناق الكافرين، يجزون هذا الجزاء إلا بما كانوا يعملونه في الدنيا من عبادة غير الله وارتكاب المعاصي. ولتسلية الرسول ﷺ حين كذبه قومه ذكّره الله بأن التكذيب هو دَيْدَن الأمم من قبله، فقال: ٣٤ - وما بعثنا في قرية من القرى من رسول يخوّفهم عذاب الله إلا قال المُنَعَّمُون فيها من أصحاب السلطان والجاه والمال: إنا بما بُعِثْتم به - أيها الرسل - كافرون. ٣٥ - وقال أصحاب الجاه هؤلاء مُتَبَجِّحين مفتخرين: نحن أكثر أموالًا وأكثر أولادًا، وما زعمتم من أننا مُعَذَّبون كذب، فلسنا بمُعَذبين في الدنيا ولا في الآخرة. ٣٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المغرورين بما أوتوا من النعم: ربي يوسع الرزق لمن يشاء اختبارًا له أيشكر أم يكفر، ويضيقه على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يتسخط؟ ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الله حكيم؛ لا يقدِّر أمرًا إلا لحكمة بالغة؛ عَلِمَها مَن عَلِمها وجَهلَها مَن جهلها. ٣٧ - وليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها هي التي تقودكم إلى رضوان الله، لكن من آمن بالله وعمل عملًا صالحًا حاز الأجر المُضَاعَف؛ فالأموال تقربه بإنفاقها في سبيل الله، والأولاد بدعائهم له، فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم ثواب مضاعف لما عملوه من حسنات؛ وهم في المنازل العليا من الجنة آمنون من كل ما يخافونه من العذاب والموت وانقطاع النعيم. ٣٨ - والكفار الذين يبذلون غاية جهدهم في صرف الناس عن آياتنا ويسعون في تحقيق أهدافهم هؤلاء خاسرون في الدنيا مُعَذبون في الآخرة. ٣٩ - قل -أيها الرسول-: إن ربي يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء منهم، وما أنفقتم من شيء في سبيل الله، فالله يخلفه عليكم في الدنيا بإعطائكم ما هو خير منه، وفي الآخرة بالثواب الجزيل، والله سبحانه هو خير الرازقين، فمن طلب الرزق فليلجأ إليه سبحانه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تبرؤ الأتباع والمتبوعين بعضهم من بعض، لا يُعْفِي كلًّا من مسؤوليته. • الترف مُبْعِد عن الإذعان للحق والانقياد له. • المؤمن ينفعه ماله وولده، والكافر لا ينتفع بهما. • الإنفاق في سبيل الله يؤدي إلى إخلاف المال في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة.

стр. 440

٤٠ - واذكر -أيها الرسول- يوم يحشرهم الله جميعًا، ثم يقول سبحانه للملائكة تقريعًا للمشركين وتوبيخًا لهم: أهؤلاء كانوا يعبدونكم في الحياة الدنيا من دون الله؟ ٤١ - قال الملائكة: تنزهت وتقدست! أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، بل كان هؤلاء المشركون يعبدون الشياطين؛ يتمثلون لهم أنهم ملائكة فيعبدونهم من دون الله، معظمهم بهم مؤمنون. ٤٢ - يوم الحشر والحساب لا يملك المعبودون لمن عبدوهم في الدنيا من دون الله نفعًا، ولا يملكون لهم ضرًّا، ونقول للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي: ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا. ٤٣ - وإذا تقرأ على هؤلاء المشركين المكذبين آياتنا المنزلة على رسولنا واضحة لا لبس فيها قالوا: ما هذا الرجل الذي جاء بها إلا رجل يريد أن يصرفكم عما كان عليه آباؤكم، وقالوا: ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه على الله، وقال الذين كفروا بالله للقرآن لما جاءهم من عند الله: ليس هذا إلا سحرًا واضحًا، لتفريقه بين المرء وزوجه، والابن وأبيه. ٤٤ - وما أعطيناهم من كتب يقرؤونها حتى ترشدهم أن هذا القرآن كذب اختلقه محمد، وما أرسلنا إليهم قبل إرسالك -أيها الرسول- من رسول يخوّفهم من عذاب الله. ٤٥ - وكذبت الأمم السابقة مثل عاد وثمود وقوم لوط، وما وصل المشركون من قومك إلى مِعْشار ما وصلت إليه الأمم السابقة من القوة والمَنَعَة والمال والعدد، فكذب كل منهم رسوله، فما نفعهم ما أوتوا من المال والقوة والعدد، فوقع بهم عذابي، فانظر -أيها الرسول- كيف كان إنكاري عليهم، وكيف كان عقابي لهم. ٤٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنما أشير إليكم وأنصحكم بخصلة واحدة؛ هي أن تقوموا متجردين من الهوى لله سبحانه، اثنين اثنين أو منفردين، ثم تتفكروا في سيرة صاحبكم، وما علمتم من عقله وصدقه وأمانته؛ لتتبينوا أنه ﷺ ليس به جنون، ما هو إلا محذر لكم بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا إلى الله من الشرك به. ٤٧ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: ما سألتكم من ثواب أو أجر على ما جئتكم به من الهدى والخير -على تقدير وجوده-، فهو لكم، ليس ثوابي إلا على الله وحده، وهو سبحانه على كل شيء شهيد، فهو يشهد على أني بلغتكم، ويشهد على أعمالكم، فيوفيكم جزاءها. ولما بيَّن سبحانه الحجج على أهل الباطل والشرك بيَّن أن ذلك سُنَّته فقال: ٤٨ - قل -أيها الرسول-: إن ربي يسلط الحق على الباطل فيبطله، وهو علَّام الغيوب، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه أعمال عباده. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التقليد الأعمى للآباء صارف عن الهداية. • التفكر مع التجرد من الهوى وسيلة للوصول إلى القرار الصحيح، والفكر الصائب. • الداعية إلى الله لا ينتظر الأجر من الناس، وإنما ينتظره من رب الناس.

стр. 441

٤٩ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: جاء الحق الذي هو الاسلام، وزال الباطل الذي لا يبدو له أي أثر أو قوة ولا يعود إلى نفوذه. ٥٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: إن ضللتُ عن الحق فيما أبلغكم فضرر ضلالي قاصر علي، لا ينالكم منه شيء، وإن اهتديتُ إليه فبسبب ما يوحيه إليَّ ربي سبحانه، إنه سميع لأقوال عباده، قريب لا يتعذر عليه سماع ما أقول. ٥ ١ - ولو ترى -أيها الرسول- إذ فزع هؤلاء المكذبون لمَّا عاينوا العذاب يوم القيامة، فلا مفر لهم منه، ولا ملجأ يلتجئون إليه، وأخذوا من مكان قريب سهل التناول من أول وهلة، ترى ذلك لرأيت أمرًا عجبًا. ٥ ٢ - وقالوا حين رأوا مصيرهم: آمنا بيوم القيامة، وكيف لهم تعاطي الايمان وتناوله وقد بعد عنهم مكان قبول الإيمان بخروجهم من دار الدنيا التي هي دار عمل لا جزاء، إلى الدار الآخرة التى هي دار جزاء لا عمل؟! ٥ ٣ - وكيفت يحصل منهم الإيمان ويُقْبَل، وقد كفروا به في الحياة الدنيا، ويرمون بالظن من جهة بعيدة عن إصابة الحق، فيقولون في الرسول ﷺ : ساحر، كاهن، شاعر؟! ٥٤ - ومُنع هؤلاء المكذبون من الحصول على ما يشتهونه من ملذات الحياة، ومن التوبة من الكفر والنجاة من النار، والعودة إلى الحياة الدنيا، كما فُعِل بأمثالهم من الأمم المكذبة من قبلهم، إنهم كانوا في شك مما جاءت به الرسل من توحيد الله والإيمان بالبعث، شك باعث على الكفر. سورة فاطر - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] عرض مشاهد قدرة الله والإبداع في الخلق، وبواعث تعظيمه وخشيته والإيمان به وتذكر آلائه. [التَّفْسِيرُ] ١ - الحمد لله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، الذي جعل من الملائكة رسلًا ينفذون أوامره القدرية، ومنهم من يبلغ الأنبياء الوحي، وقوّاهم على أداء ما ائتمنهم عليه، فمنهم ذو جناحين وذو ثلاثة وذو أربعة، يطير بها لتنفيذ ما أمر به، يزيد الله في الخلق ما يشاء من عضو أو حُسْن أو صوت، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. ٢ - إن مفاتيح كل شيء بيد الله؛ فما يفتح للناس من رزق وهداية وسعادة فلا أحد يستطيع أن يمنعه، وما يمسكه من ذلك فلا أحد يستطيع إرساله من بعد إمساكه له وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره. ٣ - يا أيها الناس، اذكروا نعمة الله عليكم بقلوبكم وألسنتكم، وبجوارحكم بالعمل، هل لكم من خالق غير الله يرزقكم من السماء بما ينزله عليكم من المطر، ويرزقكم من الأرض بما ينبته من الثمار والزروع؟ لا معبود بحق غيره، فكيف بعد هذا تصرفون عن هذا الحق وتفترون على الله وتزعمون أن لله شركاء، وهو الذي خلقكم ورزقكم؟! [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مشهد فزع الكفار يوم القيامة مشهد عظيم. • محل نفع الإيمان في الدنيا؛ لأنها هي دار العمل. • عظم خلق الملائكة يدل على عظمة خالقهم سبحانه.

стр. 442

٤ - وإن يكذبك قومك -أيها الرسول- فاصبر، فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت أمم من قبلك رسلهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، وإلى الله وحده ترجع الأمور كلها، فيُهلك المكذبين، وينصر رسله والمؤمنين. ٥ - يا أيها الناس، إن ما وعد الله به -من البعث والجزاء يوم القيامة- حق لا شك فيه، فلا تخدعنكم لَذَّاتُ الحياة الدنيا وشهواتها عن الاستعداد لهذا اليوم بالعمل الصالح، ولا يخدعنكم الشيطان بتزيينه للباطل، والركون إلى الحياة الدنيا. ٦ - إن الشيطان لكم -أيها الناس- عدوّ دائم العداوة، فاتخذوه عدوَّا بالتزام محاربته، إنما يدعو الشيطان أتباعه إلى الكفر بالله لتكون عاقبتهم دخول النار الملتهبة يوم القيامة. ٧ - الذين كفروا بالله اتباعًا للشيطان، لهم عذاب قوي، والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لهم مغفرة من الله لذنوبهم، ولهم أجر عظيم منه وهو الجنة. ٨ - إن من حسّن له الشيطان عمله السيّئ فاعتقده هم حسنًا، ليس كمن زين له الله الحق فاعتقده حقًّا، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مكره له، فلا تُهْلِك -أيها الرسول- نفسك حزنًا على ضلال الضالين، إن الله سبحانه عليم بما يصنعون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. ٩ - والله الذي بعث الرياح فتحرك هذه الرياح سحابًا، فسقنا السحاب إلى بلد لا نبات فيه، فأحيينا بمائه الأرض بعد جفافها بما أنبتناه فيها من النبات، فكما أحيينا هذه الأرض بعد موتها بما أودعناه فيها من النبات، يكون بعث الأموات يوم القيامة. ١٠ - من كان يريد العزة في الدنيا أو في الآخرة فلا يطلبها إلا من الله، فللَّه وحده العزة فيهما، إليه يصعد ذكره الطيب، وعمل العباد الصالح يرفعه إليه، والذين يدبرون المكايد السيئة - كمحاولة قتل الرسول ﷺ لهم عذاب شديد، ومكر أولئك الكفار يبطل ويفسد، ولا يحقق لهم مقصدًا. ١١ - والله هو الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة، ثم جعلكم ذكورًا وإناثًا تتزاوجون بينكم، وما تحمل من أنثى جنينًا، ولا تضع ولدها إلا بعلمه سبحانه، لا يغيب عنه من ذلك شيء، وما يزاد في عمر أحدٍ مِنْ خلقه ولا ينقص منه إلا كان ذلك مسطورًا في اللوح المحفوظ، إن ذلك المذكور -من خلقكم من تراب وخلقكم أطوارًا وكتابة أعماركم في اللوح المحفوظ- على الله سهل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تسلية الرسول ﷺ بذكر أخبار الرسل مع أقوامهم. • الاغترار بالدنيا سبب الإعراض عن الحق. • اتخاذ الشيطان عدوًّا باتخاذ الأسباب المعينة على التحرز منه؛ من ذكر الله، وتلاوة القرآن، وفعل الطاعة، وترك المعاصي. • ثبوت صفة العلو لله تعالى.

стр. 443

١٢ - ولا يتساوى البحران: أحدهما عذب شديد العذوبة، سهل شربه لعذوبته، والثاني ملح مرّ لا يمكن شربه لشدة ملوحته، ومن كل من البحرين المذكورين تأكلون لحمًا طريًّا هو السمك، وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان تلبسونهما زينة، وترى السفن -أيها الناظر- تشقُّ بجَرْيِها البحرَ مُقبلة ومدبرة، لتطلبوا من فَضل الله بالتجارة، ولعلكم تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من نعمه الكثيرة. ١٣ - يُدْخِل الله الليل في النهار فيزيده طولًا، ويدخل النهار في الليل فيزيده طولًا وسخّر سبحانه الشمس، وسخر القمر، كل منهما يجري لموعدٍ مقدر يعلمه الله، وهو يوم القيامة، ذلك الذي يقدر ذلك كله ويجريه هو الله ربكم؛ له وحده الملك، والذين تعبدونهم من دونه من الأوثان ما يملكون قدر لفافة نواة تمر، فكيف تعبدونهم من دوني؟! ١٤ - إن تدعوا معبوديكم لا يسمعوا دعاءكم، فهم جمادات لا حياة فيها ولا سمع لها، ولو سمعوا دعاءكم -على سبيل التقدير- لما استجابوا لكم، ويوم القيامة يتبرؤون من شرككم وعبادتكم إياهم، فلا أحد يخبرك -أيها الرسول- أصدق من الله سبحانه. ١٥ - يا أيها الناس، أنتم المحتاجون إلى الله في كل شؤونكم، وفي كل أحوالكم، والله هو الغني الذي لا يحتاج إليكم في شي، المحمود في الدنيا والآخرة على ما يقدره لعباده. ١٦ - إن يشأ سبحانه أن يزيلكم بهلاك يهلككم به أزالكم، ويأت بخلق جديد بدلكم يعبدونه، لا يشركون به شيئًا. ١٧ - وما إزالتكم بإهلاككم، والإتيان بخلق جديد بدلكم؛ بممتنع على الله . ١٨ - ولا نحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، بل كل نفس مذنبة تحمل ذنبها، وإن تدع نفس مُثْقَلة بحمل ذنوبها مَنْ يحمل عنها شيئًا من ذنوبها لا يُحْمل عنها من ذنوبها شيء، ولو كان المدعو قريبًا لها، إنما تخوّف -أيها الرسول- من عذاب الله الذين يخافون ربهم بالغيب، وأتمّوا الصلاة على أكمل وجوهها، فهم الذين ينتفعون بتخويفك، ومن تطهر من المعاصي -وأعظمها الشرك- فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك عائد إليه، فالله غني عن طاعته، وإلى الله الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تسخير البحر، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر: من نعم الله على الناس، لكن الناس تعتاد هذه النعم فتغفل عنها. • سفه عقول المشركين حين يدعون أصنامًا لا تسمع ولا تعقل. • الافتقار إلى الله صفة لازمة للبشر، والغنى صفة كمال لله. • تزكية النفس عائدة إلى العبد؛ فهو يحفظها إن شاء أو يضيعها.

стр. 444

١٩ - وما يستوي الكافر والمؤمن في المنزلة، كما لا يستوي الأعمى والبصير. ٢٠ - ولا يستوي الكفر والإيمان، كما لا تستوي الظلمات والنور. ٢١ - ولا تستوي الجنة والنار في آثارهما، كما لا يستوي الظل والريح الحارة. ٢٢ - وما يستوي المؤمنون والكفار، كما لا يستوي الأحياء والأموات، إن الله يُسْمِع من يشاء هدايته، وما أنت -أيها الرسول- بمُسْمِع الكفار الذين هم مثل الموتى في القبور. ٢٣ - ما أنت إلا منذر لهم من عذاب الله. ٢٤ - إنا بعثناك -أيها الرسول- بالحق الذي لا مرية فيه، مبشرًا للمؤمنين بما أعدّ الله لهم من الثواب الكريم، ومنذرًا للكافرين مما أعدّ لهم من العذاب الأليم، وما من أمة من الأمم السابقة إلا سلف فيها رسول من عند الله ينذرها من عذابه. ٢٥ - وإن يكذبك قومك -أيها الرسول- فاصبر، فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت الأمم السابقة لهؤلاء رسلَهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، جاءتهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة الدالة على صدقهم، وجاءتهم رسلهم بالصحف، وبالكتاب المنير لمن تدبره وتأمله. ٢٦ - ومع ذلك كفروا بالله ورسله ولم يصدقوهم فيما جاؤوا به من عنده، فأهلكتُ الذين كفروا، فتأمل -أيها الرسول- كيف كان إنكاري عليهم حيث أهلكتهم. ٢٧ - ألم تر -أيها الرسول- أن الله سبحانه أنزل من السماء ماء المطر، فأخرجنا بذلك الماء ثمرات مختلفًا ألوانها فيها الأحمر والأخضر والأصفر وغيرها بعد أن سقينا أشجارها منه، ومن الجبال طرائق بيض وطرائق حمر، وطرائق حالكة السواد. ٢٨ - ومن الناس، ومن الدواب، ومن الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم) مختلف ألوانه مثل ذلك المذكور، إنما يعظم مقام الله تعالى ويخشاه العالمون به سبحانه؛ لأنهم عرفوا صفاته وشرعه ودلائل قدرته، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، غفور لذنوب من تاب من عباده. ٢٩ - إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزلناه على رسولنا ويعملون بما فيه، وأتموا الصلاة على أحسن وجه، وأنفقوا مما رزقناهم على سبيل الزكاة وغيرها خُفْيَةً وَجَهْرًا، يرجون بتلك الأعمال تجارة عند الله لن تكسد. ٣٠ - ليوفيهم الله ثواب أعمالهم كاملة، ويزيدهم من فضله، فهو أهل لذلك، إنه سبحانه غفور لذنوب المتصفين بهذه الصفات، شكور لأعمالهم الحسنة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • نفي التساوي بين الحق وأهله من جهة، وبين الباطل وأهله من جهة أخرى. • كثرة عدد الرسل ﵈ قبل رسولنا ﷺ دليل على رحمة الله وعناد الخلق. • إهلاك المكذبين سُنَّة إلهية. • صفات الإيمان تجارة رابحة، وصفات الكفر تجارة خاسرة.

стр. 445

٣١ - والذي أوحيناه إليك -أيها الرسول- من الكتاب هو الحق الذي لا شك فيه، الذي أنزله الله تصديقًا للكتب السابقة، إن الله لخبير بعباده بصير، فهو يوحي إلى رسول كل أمة ما تحتاج إليه في زمانها. ٣٢ - ثم أعطينا أمة محمد ﷺ الذين اخترناهم على الأمم القرآن، فمنهم ظالم لنفسه بفعل المحرمات وترك الواجبات، ومنهم مقتصد بفعل الواجبات وترك المحرمات، مع ترك بعض المستحبات وفعل بعض المكروهات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك بفعل الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات، ذلك المذكور -من الاختيار لهذه الأمة وإعطائها القرآن- هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل. ٣٣ - جنات إقامة يدخلها هؤلاء المصطَفَوْن، يلبسون فيها لؤلؤًا وأساور من ذهب، ولباسهم فيها حرير. ٣٤ - وقالوا بعد دخولهم الجنة: الحمد لله الذي أزال عنا الحزن بسبب ما كنا نخافه من دخول النار، إن ربنا لغفور لذنوب من تاب من عباده، شكور لهم على طاعتهم. ٣٥ - الذي أنزلَنا دار الإقامة -التي لا نقلة بعدها- من فضله، بحول منا ولا قوة، لا يصيبنا فيها تعب ولا عناء. ولما ذكر الله جزاء المُصْطَفَين من عباده ذكر جزاء الأرذلين منهم وهم الكفار، فقال: ٣٦ - والذين كفروا بالله لهم نار جهنم خالدين فيها، لا يُقْضَى عليهم بالموت فيموتوا ويستريحوا من العذاب، ولا يُخَفَّف عنهم من عذاب جهنم شيء، مثل هذا الجزاء نجزي يوم القيامة كل جحود لنعم ربه. ٣٧ - وهم يصيحون فيها بأعلى أصواتهم يستغيثون قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل عملًا صالحًا مغايرًا لما كنا نعمل في الدنيا لننال رضاك، ونسلم من عذابك، فيجيبهم الله: أَوَلم نجعلكم تعيشون عمرًا يتذكر فيه من يريد أن يتذكر، فيتوب إلى الله ويعمل عملًا صالحًا، وجاءكم الرسول منذرًا لكم من عذاب الله؟! فلا حجة لكم، ولا عذر بعد هذا كله، فذوقوا عذاب النار، فما للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي من نصير ينقذهم من عذاب الله أو يخففه عنهم. ٣٨ - إن الله عالم غيب السماوات والأرض، لا يفوته شيء منه، إنه عليم بما يخفيه عباده في صدورهم من الخير والشر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • فضل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم. • تفاوت إيمان المؤمنين يعني تفاوت منزلتهم في الدنيا والآخرة. • الوقت أمانة يجب حفظها، فمن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم. • إحاطة علم الله بكل شيء.

стр. 446

٣٩ - هو الذي جعل بعضكم -أيها الناس- يخلف في الأرض بعضًا ليختبركم كيف تعملون، فمن كفر بالله وبما جاءت به الرسل فإثم كفره وعقابه عائد عليه، ولا يضر كفرُهُ ربَّه، ولا يزيد الكفار كفرهم عند ربهم سبحانه إلا بغضًا شديدًا، ولا يزيد الكفار كفرهم إلا خسارًا، حيث إنهم يخسرون ما كان أعد الله لهم في الجنة لو آمنوا. ٤٠ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله، ماذا خلقوا من الأرض؟ أخلقوا جبالها؟ أخلقوا أنهارها؟ أخلقوا دوابَّها؟ أم أنهم شركاء مع الله في خلق السماوات؟ أم أعطيناهم كتابًا فيه حجة على صحة عبادتهم لشركائهم؟ لا شيء من ذلك حاصل، بل لا يَعِدُ الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي بعضهم بعضًا إلا خداعًا. ٤١ - إن الله سبحانه يمسك السماوات والأرض مانعًا إياهما من الزوال، ولئن زالتا -على سبيل الفرض- فلا أحد يمسكهما عن الزوال من بعده سبحانه كان حليمًا لا يعاجل بالعقوبة، غفورًا لذنوب من تاب من عباده. ٤٢ - وأقسم هؤلاء الكفار المكذبون قَسَمًا مؤكدًا مغلظًا: لئن جاءه? رسول من الله ينذرهم من عذابه ليكونن أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد ﷺ مرسلًا من ربه يخوفهم عذاب الله ما زادهم مجيئه إلا بُعْدًا عن الحق وتعلقًا بالباطل، فلم يوفوا بما أقسموا عليه الأيمان المؤكدة من أن يكونوا أهدى ممن سبقوهم. ٣٤ - وقَسَمهم بالله على ما أقسموا عليه ليس عن حسن نية وقصد سليم، بل للاستكبار في الأرض والخداع للناس، ولا يحيط المكر السيئ إلا بأصحابه الماكرين، فهل ينتظر هؤلاء المستكبرون الماكرون إلا سُنَّة الله الثابتة؛ وهي إهلاكهم كما أهلك أمثالهم من أسلافهم؟! فلن تجد لسُنَّة الله في إهلاك المستكبرين تبديلًا بألا تقع عليهم، ولا تحويلًا بأن تقع على غيرهم؛ لأنها سُنّة إلهية ثابتة. ٤٤ - أفلم يَسِرْ مكذبوك من قريش في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من الأمم قبلهم؟ ألم تكن نهايتهم نهاية سوء حيث أهلكهم الله، وكانوا أشدّ قوة من قريش؟! وما كان الله ليفوته شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليمًا بأعمال هؤلاء المكذبين، لا يغيب عنه من أعمالهم شيء ولا يفوته، قديرًا على إهلاكهم متى شاء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الكفر سبب لمقت الله، وطريق للخسارة والشقاء. • المشركون لا دليل لهم على شركهم من عقل ولا نقل. • تدبير الظالم في تدميره عاجلًا أو آجلًا.

стр. 447

٤ ٥ - ولو يعجل الله العقوبة للناس بما عملوه من المعاصي، وما ارتكبوه من الآثام، لأهلك جميع أهل الأرض في الحال وما يملكون من دواب وأموال، ولكنه سبحانه يؤخرهم إلى أجل محدد في علمه وهو يوم القيامة، فإذا جاء يوم القيامة فإن الله كان بعباده بصيرًا لا يخفى عليه منهم شيء، فيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. سورة يس - مَكيّة - [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إثبات الرسالة والبعث ودلائلهما. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿يس﴾ سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - يقسم الله بالقرآن الذي أُحْكِمت آياته، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ٣ - إنك -أيها الرسول- لمن الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده؛ ليأمروهم بتوحيده وعبادته وحده. ٤ - ٥ - على منهج مستقيم وشرع قويم. وهذا المنهج المستقيم والشرع القويم منزل من ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الرحيم بعباده المؤمنين. ٦ - أنزلنا إليك ذلك لتخوف قومًا وتنذرهم، وهم العرب الذين لم يأتهم رسول ينذرهم، فهم لاهون عن الإيمان والتوحيد، وكذلك شأن كل أمة انقطع عنها الإنذار، تحتاج إلى من يذكرها من الرسل. ٧ - لقد وجب العذاب من الله لأكثر هؤلاء، بعد أن بلغهم الحق من الله على لسان رسوله فلم يؤمنوا به، وبقوا على كفرهم، فهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله , ولا يعملون بما جاءهم من الحق. ٨ - ومثلهم في ذلك مثل من جُعِلَت أصفاد في أعناقهم، وجُمِعَت أيديهم مع أعناقهم تحت مجامع لحاهم، فاضطروا إلى رفع رؤوسهم إلى السماء , فلا يستطيعون خفضها، فهؤلاء مَغْلُولون عن الإيمان بالله فلا يذعنون له، ولا يخفضون رؤوسهم من أجله. ٩ - وجعلنا من بين أيديهم حاجزًا عن الحق، ومن خلفهم حاجزًا، وأغشينا أبصارهم عن الحق فهم لا يبصرون إبصارًا ينتفعون به، حصل ذلك لهم بعد أن ظهر عنادهم وإصرارهم على الكفر. ١٠ - سواء عند هؤلاء الكفار المعاندين للحق أَخَوَّفتهم - يا محمد - أم لم تخوِّفهم، فهم لا يؤمنون بما جئت به من عند الله. ١١ - إن الذي ينتفع حقًّا بإنذارك من صدّق بهذا القرآن واتبع ما جاء فيه، وخاف من ربه في الخلوة، حيث لا يراه غيره، فأخبر من هذه صفاتُه بما يسره من محو الله لذنوبه ومغفرته لها، ومن ثواب عظيم ينتظره في الآخرة وهو دخول الجنة. ١٢ - إنا نحن نحيي الموتى ببعثهم للحساب يوم القيامة، ونكتب ما قدموه في حياتهم الدنيا من الأعمال الصالحة والسيئة، ونكتب ما كان لهم من أثر باق بعد مماتهم صالحًا كان كالصدقة الجارية أو سيئًا كالكفر، وقد أحصينا كل شيء في كتاب واضح؛ وهو اللوح المحفوظ. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • العناد مانع من الهداية إلى الحق. • العمل بالقرآن وخشية الله من أسباب دخول الجنة. • فضل الولد الصالح والصدقة الجارية وما شابههما على العبد المؤمن.

стр. 448

١٣ - واجعل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين المعاندين مثلًا يكون لهم عبرة، وهو قصة أهل القرية حين جاءتهم رسلهم. ١٤ - حين أرسلنا إليهم أولًا رسولين ليدعواهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوا هذين الرسولين، فقويناهما بإرسال رسول ثالث معهم، فقال الرسل الثلاثة لأهل القرية: إنا -نحن الثلاثة- إليكم مرسلون؛ لندعوكم إلى توحيد الله واتباع شرعه. ١٥ - قال أهل القرية للمرسلين: لستم إلا بشرًا مثلنا، فلا مزية لكم علينا، وما أنزل الرحمن عليكم من وحي، ولستم إلا تكذبون على الله في دعواكم هذه. ١٦ - قال الرسل الثلاثة ردًّا على تكذيب أهل القرية: ربنا يعلم إنا إليكم - يا أهل القرية - لمرسلون من عنده، وكفى بذلك حجة لنا. ١٧ - وليس علينا إلا تبليغ ما أمرنا بتبليغه إليكم بوضوح، ولا نملك هدايتكم. ١٨ - قال أهل القرية للرسل: إنا تشاءمنا بكم، وإن لم تنتهوا عن دعوتنا إلى التوحيد لنعاقبنكم بالرمي بالحجارة حتى الموت، ولينالنَّكم منا عذاب موجع. ١٩ - قال الرسل ردًّا عليهم: شؤمكم ملازم لكم بسبب كفركم بالله وترككم اتباع رسله، أتتشاءمون إن ذكرناكم بالله؟ بل أنتم قوم تسرفون في ارتكاب الكفر والمعاصي. ٢٠ - وجاء من مكان بعيد من القرية رجل مسرع خوفًا على قومه من تكذيب الرسل وتهديدهم بالقتل والإيذاء، قال: يا قوم، اتبعوا ما جاء به هؤلاء المرسلون. ٢١ - اتبعوا - يا قوم - من لا يطلب منكم على إبلاغ ما جاء به ثوابًا منكم، وهم مهتدون فيما يبلغونه عن الله من وحيه، فمن كان كذلك فجدير بأن يتبع. ٢٢ - هذا الرجل الناصح: وأي مانع يمنعني من عبادة الله الذي خلقني؟! وأي مانع يمنعكم من عبادة ربكم الذي خلقكم، وإليه وحده ترجعون بالبعث للجزاء؟! ٢٣ - أأتخِذُ من دون الله الذي خلقني معبودات بغير حق؟! إن يردني الرحمن بسوء لا تغن عني شفاعة هذه المعبودات شيئًا فلا تملك لي نفعًا ولا ضرًّا، ولا تستطيع أن تنقذني من السوء الذي أراده الله بي إن مت على الكفر. ٢٤ - إني إذا اتخذتهم معبودات من دون الله لفي خطأ واضح حيث عبدت من لا يستحق العبادة، وتركت عبادة من يستحقها. ٢٥ - إني -يا قوم- آمنت بربي وربكم جميعًا فاسمعوني، فلا أبالي بما تهددونني به من القتل. فما كان من قومه إلا أن قتلوه، فأدخله الله الجنة. ٢٦ - ٢٧ - قيل تكريمًا له بعد استشهاده: ادخل الجنة، فلما دخلها وشاهد ما فيها من النعيم قال متمنيًا: يا ليت قومي الذين كذبوني وقتلوني يعلمون بما حصل لي من مغفرة الذنوب، وبما أكرمني به ربي؛ ليؤمنوا مثلما آمنت، وينالوا جزاءً مثل جزائي. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أهمية القصص في الدعوة إلى الله. • الطيرة والتشاؤم من أعمال الكفر. • النصح لأهل الحق واجب. • حب الخير للناس صفة من صفات أهل الإيمان.

стр. 449

٢٨ - وما احتجنا في إهلاك قومه الذين كذبوه وقتلوه إلى جند من الملائكة ننزلهم من السماء، فأمرهم أيسر عندنا من ذلك، فقد قدرنا أن يكون هلاكهم بصيحة من السماء، وليس بإنزال ملائكة العذاب. ٢٩ - فما كانت قصة إهلاك قومه إلا صيحة واحدة أرسلناها عليهم فإذا هم صَرْعَى لم تبق منهم باقية، مثلهم كنار كانت مشتعلة فانطفأت، فلم يبق لها أثر. ٣٠ - يا ندامة العباد المكذبين وحسرتهم يوم القيامة حين يشاهدون العذاب؛ ذلك أنهم كانوا في الدنيا ما يأتيهم من رسول من عند الله إلا كانوا يسخرون منه ويستهزئون به، فكان عاقبتهم الندامة يوم القيامة على ما فرطوا في جنب الله. ٣١ - ألم ير هؤلاء المكذبون المستهزئون بالرسل عبرة فيمن سبقهم من الأمم؟ فقد ماتوا، ولن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى، بل أفضوا إلى ما قدموا من أعمال، وسيجازيهم الله عليها. ٣٢ - وليس جميع الأمم دون استثناء إلا مُحْضرين عندنا يوم القيامة بعد بعثهم لنجازيهم على أعمالهم. ٣٣ - وعلامة للمكذبين بالبعث أن البعث حق هذه الأرض اليابسة المجدبة أنزلنا عليها المطر من السماء، فأنبتنا فيها من أصناف النبات وأخرجنا فيها من أصناف الحبوب ليأكلها الناس، فالذي أحيا هذه الأرض بإنزال المطر وإخراج النبات قادر على إحياء الموتى وبعثهم. ٣٤ - وصيرنا في هذه الأرض التي أنزلنا عليها المطر بساتين من النخيل والعنب، وفجرنا فيها من عيون الماء ما يسقيها. ٣٥ - ليأكل الناس من ثمار تلك البساتين ما أنعم الله به عليهم، ولم يكن لهم سعي فيه، أفلا يشكرون الله على نعمه هذه بعبادته والإيمان برسله؟! ٣٦ - تقدس الله وتعالى الذي أنشأ الأصناف من النبات والأشجار، ومن أَنْفُس الناس حيث أنشأ الذكور والإناث، وما لا يعلم الناس من مخلوقات الله الأخرى في البر والبحر وغيرهما. ٣٧ - ودلالة للناس على توحيد الله أنا نذهب الضياء بذهاب النهار ومجيء الليل حين ننزع النهار منه، ونأتي بالظلمة بعد ذهاب النهار، فإذا الناس داخلون في ظلام. ٣٨ - وعلامة لهم على وحدانية الله هذه الشمس التي تجري لمستقر يعلم الله قَدْرَه لا تتجاوزه، ذلك التقدير تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم الذي لا يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته. ٣٩ - وآية لهم دالة على توحيده سبحانه هذا القمر الذي قدرناه منازل كل ليلة؛ يبدأ صغيرًا ثم يكبر ثم يصغر حتى يصير مثل عِذْق النخلة المُتَعرِّج المُنْدَرِس في رقته وانحنائه وصفرته وقِدَمه. ٤٠ - وآيات الشمس والقمر والليل والنهار مقدرة بتقدير الله، فلا تتجاوز ما قدر لها، فلا الشمس يمكن أن تلحق بالقمر لتغيير مساره أو إذهاب نوره، ولا الليل يمكنه أن يسبق النهار ويدخل عليه قبل انقضاء وقته، وكل هذه المخلوقات المسخرة وغيرها من الكواكب والمجرات لها مساراتها الخاصة بها بتقدير الله وحفظه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ما أهون الخلق على الله إذا عصوه، وما أكرمهم عليه إن أطاعوه. • من الأدلة على البعث إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج الحَبِّ منه. • من أدلة التوحيد: خلق المخلوقات في السماء والأرض وتسييرها بقدر.

стр. 450

٤١ - وعلامة لهم على وحدانية الله كذلك وإنعامه على عباده أنا حملنا من نجا من الطوفان من ذرية آدم زمن نوح، في السفبنة المملوءة بمخلوقات الله، فقد حمل الله فيها من كل جنس زوجين. ٤٢ - وعلامة لهم على توحيده وإنعامه على عباده أنا خلقنا لهم من مثل سفينة نوح مراكب. ٤٣ - ولو أردنا إغراقهم أغرقناهم، فلا مغيث يغيثهم إن أردنا إغراقهم، ولا منقذ ينقذهم إذا غرقوا بأمرنا وقضائنا. ٤٤ - إلا أن نرحمهم بإنجائهم من الغرق وإعادتهم ليتمتعوا إلى أجل محدد لا يتجاوزونه، لعلهم يعتبرون فيؤمنوا. ٤٥ - وإذا قيل لهؤلاء المشركين المعرضين عن الإيمان: احذروا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة وشدائدها، واحذروا الدنيا المُدْبِرَة رجاء أن يمن الله عليكم برحمته؛ لم يمتثلوا لذلك، بل أعرضوا عنه غير مبالين به. ٤٦ - وكلما جاءت هؤلاء المشركين المعاندين آياتُ الله على توحيده واستحقاقه للإفراد بالعبادة، كانوا مُعرِضين عنها غير معتبرين بها. ٤٧ - وإذا قيل لهؤلاء المعاندين: ساعدوا الفقراء والمساكين من الأموال التي رزقكم الله إياها، ردوا مستنكرين قائلين للذين آمنوا: أنطعم من لو يشاء الله إطعامه لأطعمه؟! فنحن لا نخالف مشيئته، ما أنتم -أيها المؤمنون- إلا في خطأ واضح وبُعْد عن الحق. ٤٨ - ويقول الكفار المنكرون للبعث مكذبين به مستبعدين له: متى هذا البعث إن كنتم -أيها المؤمنون- صادقين في دعوى أنه واقع؟! ٤٩ - ما ينتظر هؤلاء المكذبون بالبعث المستبعدون له إلا النفخة الأولى حين ينفخ في الصور، فتبغتهم هذه الصيحة وهم وفي مشاغلهم الدنيوية من بيع وشراء وسقي ورعي وغيرها من مشاغل الدنيا. ٥٠ - فلا يستطيعون عندما تفْجَؤُهم هذه الصيحة أن يوصي بعضهم بعضًا، ولا يستطيعون الرجوع إلى منازلهم وأهليهم، بل يموتون وهم في مشاغلهم هذه. ٥١ - ونُفِخ في الصور النفخة الثانية للبعث، فإذا هم يخرجون جميعًا من قبورهم إلى ربهم يسرعون للحساب والجزاء. ٥٢ - قال هؤلاء الكافرون المكذبون بالبعث نادمين: يا خسارتنا، مَن الذي بعثنا من قبورنا؟! فيجابون عن سؤالهم: هذا ما وعد الله به فإنه لا بد واقع، وصدق المرسلون فيما بلغوه عن ربهم من ذلك. ٥٣ - ما كان أمر البعث من القبور إلا أثرًا عن نفخة ثانية في الصور، فإذا جميع المخلوقات مُحْضَرة عندنا يوم القيامة للحساب. ٥٤ - يكون الحكم بالعدل في ذلك اليوم، فلا تظلمون -أيها العباد- شيئًا بزيادة سيئاتكم أو نقصان حسناتكم، وإنما توفون جزاء كنتم تعملون في الحياة الدنيا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من أساليب تربية الله لعباده أنه جعل بين أيديهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. • الله تعالى مكَّن العباد، وأعطاهم من القوة ما يقدرون به على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أمروا به، كان ذلك اختيارًا منهم. • في يوم القيامة يتجلى لأهل الإيمان من رحمة ربهم ما لا يخطر على بالهم.

стр. 451

٥٥ - إن أصحاب الجنة في يوم القيامة مشغولون عن التفكير في غيرهم؛ لما شاهدوه من النعيم المقيم، والفوز العظيم، فهم يتفكهون في ذلك مسرورين. ٥٦ - هم وأزواجهم يتنعمون على الأَسِرَّة تحت ظلال الجنة الوارفة. ٥٧ - لهم فى الجنة أنواع من الفواكه الطيبة من العنب والتين والرمان، ولهم كل ما يطلبون من الملاذ وأنواع النعيم، فما طلبوه من ذلك حاصل لهم. ٥٨ - ولهم فوق هذا النعيم سلام حاصل لهم، قولًا من رب رحيم بهم، فإذا سلم عليهم حصلت لهم السلامة من كل الوجوه، وحصلت لهم التحية التى لا تحية أعلى منها. ٥٩ - ويقال للشركين يوم القيامة: تميزوا عن المؤمنين، فلا يليق بهم أن يكونوا معكم؛ لتباين جزائكم مع جزائهم وصفاتكم مع صفاتهم. ٦٠ - ألم أوصكم وآمركم على ألسنة رسلي وأقل لكم: يا بني آدم، لا تطيعوا الشيطان بارتكاب أنواع الكفر والمعاصي، إن الشيطان لكم عدو واضح العداوة، فكيف لعاقل أن يطيع عدوه الذي تظهر له عداوته؟! ٦١ - وأمرتكم -يا بني آدم- أن تعبدوني وحدي، ولا تشركوا بي شيئًا؛ فعبادتي وحدي وطاعتي طريق مستقيم يؤدي إلى رضاي ودخول الجنة، لكنكم لم تمتثلوا ما أوصيتكم وأمرتم به. ٦٢ - ولقد أضل الشيطان منكم خلقًا كثيرًا، أفلم تكن لكم عقول تأمركم بطاعة ربكم وعبادته وحده سبحانه، وتحذركم من طاعة الشيطان الذي هو عدو واضح العداوة لكم؟! ٦٣ - هذه هى جهنم التى توعدون بها في الدنيا على كفركم، وكانت غيبًا عنكم، وأما اليوم فها أنتم ترونها رأي العين. ٦٤ - ادخلوها اليوم، وعانوا من حرها بسبب كفركم بالله في حياتكم الدنيا. ٦٥ - اليوم نطبع على أفواههم فيصيرون خُرْسًا لا يتكلمون بإنكار ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، وتكلمنا أيديهم بما عملت به فى الدنيا، وتشهد أرجلهم بما كانوا يرتكبون من المعاصي ويمشون إليها. ٦٦ - ولو نشاء إذهاب أبصارهم لأذهبناها فلم يبصروا، فتسابقوا إلى الصراط ليعبروا منه إلى الجنة، فبعيد أن يعبروا وقد ذهبت أبصارهم. ٦٧ - ولو نشاء تغيير خلقهم وإقعادهم على أرجلهم لغيرنا خلفهم وأقعدناهم على أرجلهم، فلا يستطيعون أن يبرحوا مكانهم، ولا يستطيعون ذهابًا إلى أمام، ولا رجوعًا إلى وراء. ٦٨ - ومن نمد في حياته من الناس بإطالة عمره نرجعه إلى مرحلة الضعف، أفلا يتفكرون بعقولهم، ويدركون أن هذه الدار ليست دار بقاء ولا خلود، وأن الدار الباقية هي دار الآخرة. ٦٩ - وما علَّمنا محمدًا ﷺ الشعر، وما ينبغى له ذلك؛ لأنه ليس من طبعه، ولا تقتضيه جبلَّته، حتى يصح لكم ادعاء أنه شاعر، ليس الذى علمناه إلا ذكرًا وقرآنًا واضحًا لمن تأمله. ٧٠ - لينذر من كان حي القلب مستنير البصيرة، فهو الذي ينتفع به، ويحق العذاب على الكافرين، لما قامت عليهم الحجة بإنزاله وبلوغ دعوته إليهم، فلم يبق لهم عذر يعتذرون به. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أهل الجنة مسرورون بكل ما تهواه النفوس وتلذه العيون ويتمناه المتمنون. • ذو القلب هو الذي يزكو بالقرآن، ويزداد من العلم منه والعمل. • أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة.

стр. 452

٧١ - أَوَلم يروا أنا خلقنا لهم أنعامًا، فهم لأمر تلك الأنعام مالكون؛ يتصرفون فيها بما تقتضيه مصالحهم. ٧٢ - وسخرناها لهم وجعلناها منقادة لهم، فعلى ظهور بعضها يركبون ويحملون أثقالهم، ومن لحوم بعضها يأكلون. ٧٣ - ولهم فيها منافع غير ركوب ظهورها والأكل من لحومها؛ مثل أصوافها وأوبارها وأشعارها وأثمانها؛ فمنها يصنعون فرشًا ولباسًا، ولهم فيها مشارب حيث يشربون من ألبانها، أفلا يشكرون الله الذي منَّ عليهم بهذه النعم وغيرها؟! ٧٤ - واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها رجاء أن تنصرهم فتنقذهم من عذاب الله. ٧٥ - تلك الآلهة التي اتخذوها لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا نصر من يعبدونهم من دون الله، وهم وأصنامهم جميعًا مُحْضَرون في العذاب يتبرأ كل منهم من الآخر. ٧٦ - فلا يحزنك -أيها الرسول- قولهم: إنك لست مرسلًا، أو إنك شاعر، وغير ذلك من بُهْتانهم. إنا نعلم ما يخفون من ذلك وما يظهرون، لا يخفى علينا منه شيء، وسنجازيهم عليه. ٧٧ - أَوَلم يفكر الإنسان الذي ينكر البعث بعد الموت أنا خلقناه من مني، ثم مر بأطوار حتى ولد وتربَّى، ثم صار كثير الخصام والجدال؛ ألم ير ذلك ليستدل به على إمكان وقوع البعث؟! ٧٨ - غَفَل هذا الكافر وجَهِل حين استدل بالعظام البالية على استحالة البعث، فقال: من يعيدها؟ وغاب عنه خلقه هو من العدم. ٧٩ - قل -يا محمد- مجيبًا إياه: يحيي هذه العظام البالية مَن خلقها أول مرة، فمن خلقها أول مرة لا يعجز عن إعادة الحياة إليها، وهو سبحانه بكل خلق عليم يخفى عليه منه شيء. ٨٠ - الذي جعل لكم -أيها الناس- من الشجر الأخضر الرطب نارًا تستخرجونها منه فإذا أنتم توقدون منه نارًا، فمن جمع بين ضدين -بين رطوبة ماء الشجر الأخضر، والنار المشتعلة فيه- قادر لى إحياء الموتى. ٨١ - أوَليس الذي خلق السماوات والأرض على ما فيهما من عظم بقادر على إحياء الموتى بعد إماتتهم؟ بلى، إنه لقادر عليه، وهو الخلَّاق الذي خلق جميع المخلوقات، العليم بها، فلا يخفى عليه منها شيء. ٨٢ - إنما أمر الله وشأنه سبحانه أنه إذا أراد إيجاد شيء أن يقول له: كن، فيكون ذلك الشيء الذي يريده، ومن ذلك ما يريده من الإحياء والإماتة والبعث وغيرها. ٨٣ - فتنزه الله وتقدس عما ينسبه إليه المشركون من العجز، فهو الذي له ملك الأشياء كلها يتصرف فيها بما يشاء وبيده مفاتح كل شيء، وإليه وحده ترجعون في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من فضل الله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم المختلفة. • وفرة الأَدلة العقلية على يوم القيامة وإعراض المشركين عنها. • من صفات الله تعالى أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة.

стр. 453

سورة الصافات مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] تنزيه الله عما نسبه إليه المشركون، وإبطال مزاعمهم في الملائكة والجن. [التَّفْسِيرُ] ١ - أقسم بالملائكة التي تصُفُّ في عبادتها مُتَراصَّة. ٢ - وأقسم بالملائكة التى تزجر السحاب، وتسوقه إلى حيث يشاء الله له أن ينزل. ٣ - وأقسم بالملائكة الذين يتلون كلاَم الله. ٤ - إن معبودكم بحق -أيها الناس- لواحد لا شريك له، وهو الله. ٥ - رب السماوات، ورب الأرض، ورب ما بينهما، ورب الشمس فى مطالعها ومغاربها طول السنة. ٦ - إنا جمَّلنا أقرب السماوات إلى الأرض بزينة جميلة هى الكواكب التى هي في النظر كالجواهر المتلألئة. ٧ - وحفظنا السماء الدنيا بالنجوم من كل شيطان متمرد خارج عن الطاعة؛ فيُرْمَى بها. ٨ - لا يستطيع هؤلاء الشياطين أن يسمعوا الملائكة فى السماء إذا تكلموا بما يوحيه إليهم ربهم من شرعه ولا من قدره، ويرمون بالشُّهُب من كل جانب. ٩ - طردًا لهم وإبعادًا عن الاستماع إليهم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم دائم لا ينقطع. ١٠ - إلا من اختطف من الشياطين خَطْفة، وهي كلمة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم مما لم يصل علمه إلى أهل الأرض، فيتبعه شهاب مضيء يحرقه، وربما يلقي تلك الكلمة قبل أن يحرقه الشهاب إلى إخوانه فتصل إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة. ١١ - فاسأل -يا محمد- الكفار المنكرين للبعث: أهم أشد خلقًا وأقوى أجسامًا وأعظم أعضاءً ممن خلقنا من السماوات والأرض والملائكة؟ إنا خلقناهم من طين لَزِج، فكيف ينكرون البعث، وهم مخلوقون من خلق ضعيف وهو الطين اللزِج؟ ١٢ - بل عجبتَ -يا محمد- من قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه، وعجبتَ من تكذيب المشركين بالبعث، وهؤلاء المشركون من شدة تكذيبهم بالبعث يسخرون مما تقول بشأنه. ١٣ - وإذا وُعظ هولاء بموعظة من المواعظ لم يتعظوا بها، ولم ينتفعوا؛ لما هم عليه من قساوة القلوب. ١٤ - وإذا شاهدوا آية من آيات النبي ﷺ الدالة على صدقه بالغوا فى السخرية والتعجب منها. ١٥ - وقالوا ما هذا الذي جاء به محمد إلا سحر واضح. ١٦ - فإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية متفتته أإنا لمبعوثون أحياء بعد ذلك؟! إن هذا لمستبعد. ١٧ - أَوَيُبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا؟! ١٨ - قل -يا محمد- مجيبًا إياهم: نعم تبعثون بعد أن صرتم ترابًا وعظامًا بالية، ويُبْعث آباؤكم الأولون، تُبْعثون جميعًا وأنتم صاغرون ذليلون. ١٩ - فإنما هي نفخة واحدة في الصور (النفخة الثانية) فإذا هم جميعًا ينظرون إلى أهوال يوم القيامة يترقبون ما يفعل الله بهم. ٢٠ - وقال المشركون المكذبون بالبعث: يا هلاكنا هذا يوم الجزاء الذي يجازي فيه الله عباده على ما قدموا في حياتهم الدنيا من عمل. ٢١ - فيقال لهم: هذا يوم القضاء بين العباد الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به في الدنيا. ٢٢ - ٢٣ - ويقال للملائكة في ذلك اليوم: اجمعوا المشركين الظالمين بشركهم هم وأشباههم في الشرك والمُشايعون لهم في التكذيب، وما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام، فعرِّفوهم طريق النار ودلوهم عليها وسوقوهم إليها، فإنها مصيرهم. ٢٤ - واحبسوهم قبل إدخالهم النار للحساب، فهم مسؤولون، ثم بعد ذلك سوقوهم إلى النار. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تزيين السماء الدنيا بالكواكب لمنافع؛ منها: تحصيل الزينة، والحفظ من الشيطان المارد. • إثبات الصراط؛ وهو جسر ممدود على متن جهنم يعبره أهل الجنة، وتزل به أقدام أهل النار.

стр. 454

٢٥ - ويقال لهم توبيخًا لهم: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا تتناصرون، وتزعمون أن أصنامكم تنصركم؟! ٢٦ - بل هم اليوم منقادون لأمر الله ذليلون، لا ينصر بعضهم بعضا لعجزهم وقلة حيلتهم. ٢٧ - وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ويتخاصمون حين لا ينفع التلاوم والتخاصم. ٢٨ - قال الأتباع للمتبوعين: إنكم -يا كبراءنا- كنتم تأتوننا من جهة الدين والحق فتزينون لنا الكفر والشرك بالله وارتكاب المعاصي، وتنفروننا من الحق الذي جاءت به الرسل من عند الله. ٢٩ - قال المتبوعون للأتباع: ليس الأمر -كما زعمتم- بل كنتم على الكفر ولم تكونوا مؤمنين، بل كنتم منكرين. ٣٠ - وما كان لنا عليكم أيها الأتباع من تسلط بقهر أو غلبة حتى نوقعكم في الكفر والشرك وارتكاب المعاصي، بل كنتم قومًا متجاوزين الحد في الكفر والضلال. ٣١ - فوجب علينا وعليكم وعيد الله في قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، ومن ثمَّ فإنا ذائقون -لا محالة- ما توعد به ربنا. ٣٢ - فدعوناكم إلى الضلال والكفر، إنا كنا ضالين عن طريق الهدى. ٣٣ - فإن الأتباع والمتبوعين في العذاب يوم القيامة مشتركون. ٣٤ - إنا كما فعلنا بهؤلاء من إذاقتهم العذاب، نفعل بالمجرمين من غيرهم. ٣٥ - إن هؤلاء المشركين كانوا إذا قيل لهم في الدنيا: لا إله إلا الله للعمل بمقتضاها وترك ما يخالفها، رفضوا الاستجابة لذلك والإذعان له تكبرًا عن الحق وترفعًا عليه. ٣٦ - ويقولون محتجِّين لكفرهم: أنترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون؟! يعنون بقولهم هذا رسولَ الله ﷺ . ٣٧ - لقد أعظموا الفِرْية، فما كان رسول الله ﷺ مجنونا ولا شاعرًا، بل جاء بالقرآن الداعي إلى توحيد الله واتباع رسوله، وصدق المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله من التوحيد وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في شيء. ٣٨ - إنكم -أيها المشركون- لذائقو العذاب الموجع يوم القيامة بسبب كفركم وتكذيبكم للرسل. ٣٩ - وما تجْزَون -أيها المشركون- إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر بالله وارتكاب المعاصي. ٤٠ - لكن عباد الله المؤمنين الذين أخلصهم الله لعبادته، واخلصوا له العبادة، هم بمنجاة من هذا العذاب. ٤١ - أولئك العباد المخلصون لهم رزق يرزقهم الله إياه، معلوم في طيبه وحسنه ودوامه. ٤٢ - ومن هذا الرزق أنهم يرزقون فواكه من أطيب ما يأكلونه ويشتهونه، وهم فوق ذلك مكرمون برفع الدرجات وبالنظر إلى وجه الله الكريم. ٤٣ - كل ذلك ينالونه فى جنات النعيم المقيم الثابت الذي لا ينقطع ولا يزول. ٤٤ - يتكئون على أسِرَّة متقابلين ينظر بعضهم إلى بعض. ٤٥ - يدار عليهم بكؤوس الخمر التي هي في صفائها كالماء الجاري. ٤٦ - بيضاء اللون يلتذ بشربها من يشربها لذة كاملة. ٤٧ - ليست كخمر الدنيا، فليس فيها ما يُذْهِب العقول من السكر، ولا ينتاب متعاطيها صُداع، يَسْلَم لشاربها جسمه وعقله. ٤٨ - وعندهم في الجنة نساء عفيفات، لا تمتد أبصارهن إلى غير أزواجهن، حسان العيون. ٤٩ - كأنهن في بياض ألوانهن المشوبة بصفرة بيضُ طائر مصون لم تمسه الأيدي. ٥٠ - فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون عن ماضيهم وما حدث لهم في الدنيا. ٥١ - قال قائل من هؤلاء المؤمنين: إني كان لي في الدنيا صاحب مُنْكِر للبعث. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سبب عذاب الكافرين: العمل المنكر؛ وهو الشرك والمعاصي. • من نعيم أهل الجنة أنهم نعموا باجتماع بعضهم مع بعض، ومقابلة بعضهم مع بعض، وهذا من كمال السرور.

стр. 455

٥٢ - يقول لي منكرًا وساخرًا: هل أنت -أيها الصديق- مِن المصدِّقين ببعث الأموات؟ ٥٣ - أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا نخرة أإنا لمبعوثون ومجازون على أعمالنا التي عملناها في الدنيا؟ ٥٤ - قال قرينه المؤمن لأصحابه من أهل الجنة: اطَّلعوا معي لنرى مصير ذلك القرين الذي كان ينكر البعث؟ ٥٥ - فاطلع هو فرأى قرينه في وسط جهنم. ٥٦ - قال: تالله لقد قاربت -أيها القرين- أن تهلكني بدخول النار بدعوتك لي إلى الكفر وإنكار البعث. ٥٧ - ولولا إنعام الله علي بالهداية للإيمان والتوفيق له، لكنت من المحضرين إلى العذاب مثلك. ولما أنهى كلامه مع قرينه من أهل النار توجه إلى خطاب قرنائه من أهل الجنة فقال: ٥٨ - فلسنا نحن -أصحاب الجنة- بميتين. ٥٩ - غير موتتنا الأولى في الحياة الدنيا، بل نحن مخلدون في الجنة، ولسنا بمعذبين كما يعذب الكفار. ٦٠ - إن هذا الذي جازانا به ربنا -من دخول الجنة والخلود فيها والسلامة من النار- لهو الظفر العظيم الذي لا ظفر يساويه. ٦١ - لمثل هذا الجزاء العظيم يجب أن يعمل العاملون، فإن هذا هو التجارة الرابحة. ٦٢ - أذلك النعيم المذكور الذي أعده الله لعباده الذين أخلصهم لطاعته، خير وأفضل مقامًا وكرامة، أم شجرة الزقوم الملعونة في القرآن التي هي طعام الكفار الذي لا يسمن ولا يغنى من جوع؟! ٦٣ - إنا صيَّرنا هذه الشجرة فتنة يفتتن بها الظالمون بالكفر والمعاصي، حيث قالوا: إن النار تأكل الشجر، فلا يمكن أن ينبت فيها. ٦٤ - إن شجرة الزقوم شجرة خبيثة المَنْبَت، فهي شجرة تخرج في قعر الجحيم. ٦٥ - ثمرها الخارج منها كريه المنظر كأنه رؤوس الشياطين، وقبح المنظر دليل على قبح المخبر، وهذا يعني أن ثمرها خبيث الطعم. ٦٦ - فإن الكفار لآكلون من ثمرها المر القبيح، ومالئون منه بطونهم الخاوية. ٦٧ - ثم إنهم بعد أكلهم منها لهم شراب خليط قبيح حار. ٦٨ - ثم إن رجوعهم بعد ذلك لإلى عذاب الجحيم، فهم يتنقلون من عذاب إلى عذاب. ٦٩ - إن هؤلاء الكفار وجدوا آباءهم ضالين طريق الهداية، فتأسوا بهم تقليدًا لا عن حجة. ٧٠ - فهم يتبعون آثار آبائهم في الضلالة مسرعين. ٧١ - ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين، فليس قومك -أيها الرسول- أول من ضل من الأمم. ٧٢ - ولقد أرسلنا فى تلك الأولى رسلًا يخوفونهم من عذاب الله، فكفروا. ٧٣ - فانظر -أيها الرسول- كيف كانت نهاية الأقوام الذين أنذرتهم رسلهم فلم يستجيبوا لهم، إن نهايتهم كانت دخول النار خالدين فيها بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم. ٧٤ - إلا من أخلصهم الله للإيمان به، فإنهم ناجون من العذاب الذي كان نهاية أولئك المكذبين الكافرين. ٧٥ - ولقد دعانا نبينا نوح ﵇ حين دعا على قومه الذين كذبوه، فلنعم المجيبون نحن، فقد سارعنا في إجابة دعائه عليهم. ٧٦ - ولقد سلمناه وأهل بيته والمؤمنين معه من أذى قومه ومن الغرق بالطوفان العظيم المرسل على الكافرين من قومه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الظفر بنعيم الجنان هو الفوز الأعظم، ولمثل هذا العطاء والفضل ينبغي أن يعمل العاملون. • إن طعام أهل النار هو الزقُّوم ذو الثمر المر الكريه الطعم والرائحة، العسير البلع، المؤلم الأكل. • أجاب الله تعالى دعاء نوح ﵇ بإهلاك قومه، والله نعم المقصود المجيب.

стр. 456

٧٧ - ونجينا أهله وأتباعه المؤمنين وحدهم، فقد أغرقنا غيرهم من قومه الكافرين. ٧٨ - وأبقينا له في الأمم اللاحقة ثناءً حسنًا يثنون به عليه. ٧٩ - أمان وسلام لنوح من أن يقال ليه سوء في الأمم اللاحقة، بل سيبقى له الثناء والذكر الحسن. ٨٠ - إن مثل هذا الجزاء الذي جازينا به نوحًا ﵇ نجزي المحسنين بعبادتهم وطاعتهم لله وحده. ٨١ - إن نوحًا من عبادنا المؤمنين العاملين بطاعة الله. ٨٢ - ثم أغرقنا الباقبن بالطوفان الذي أرسلناه عليهم، فلم يبق منهم أحد. ٨٣ - وإن إبراهيم من أهل دينه الذين وافقوه في الدعوة إلى توحيد الله. ٨٤ - فاذكر حين جاء ربه بقلب سليم من الشرك ناصح في خلقه. ٨٥ - حين قال لأبيه وقومه المشركين موبخًا لهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟! ٨٦ - أآلهة مكذوبة تعبدونها من دون الله؟ ٨٧ - فما ظنكم -يا قوم- برب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تعبدون غيره؟! وماذا ترونه صانعًا بكم؟! ٨٨ - فنظر إبراهيم نظرة في النجوم يدبر مكيدة للتخلص من الخروج مع قومه. ٨٩ - فقال متعللًا عن الخروج مع قومه إلى عيدهم: إني مريض. ٩٠ - فتركوه وراءهم وذهبوا. ٩١ - فمال إلى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فقال ساخرًا من آلهتهم: ألا تاكلون من الطعام الذي يصنعه المشركون لكم؟! ٩٢ - ما شأنكم لا تتكلمون، ولا تجيبون من يسألكم؟! أمثل هذا يُعْبد من دون الله؟! ٩٣ - فمال عليهم إبراهيم يضربهم بيده اليمنى ليكسرهم. ٩٤ - فأقبل إليه عبَّاد هذه الأصنام يسرعون. ٩٥ - فقابلهم إبراهيم بثبات، وقال لهم موبخًا إياهم: أتعبدون من دون الله ألهة أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟! ٩٦ - والله سبحانه خلقكم أنتم، وخلق عملكم، ومن عملكم هذه الأصنام، فهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره. ٩٧ - فلما عجزوا عن مقارعته بالحجة لجؤوا إلى القوة، فتشاوروا فيما بينهم فيما يفعلونه بإبراهيم، قالوا: ابنوا له بنيانًا، واملؤوه حطبًا وأضرموه، ثم ارموه فيه. ٩٨ - فأراد قوم إبراهيم لإبراهيم سوءًا بأن يهلكوه فيستريحوا منه، فصيرناهم الخاسرين حين جعلنا النار عليه بردًا وسلامًا. ٩٩ - وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي تاركًا بلد قومي لأتمكنٍ من عبادته، سيدلني ربي على ما فيه الخير لي في الدنيا والآخرة. ١٠٠ - يارب، ارزقني ولدًا صالحا يكون لي عونا وعوضًا عن قومي في الغربة. ١٠١ - فاستجبنا له دعوته فأخبرناه بما يسره، حيث بشرناه بولد يكبر، ويصير حليمًا، وهذا الولد هو إسماعيل ﵇. ١٠٢ - فلما شب إسماعيل، وأدرك سعيُه سعي أبيه رأى أبوه إبراهيم رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي، قال إبراهيم مخبرًا ابنه عن فحوى هذه الرؤيا: يا بني، إني رأيت في النوم أني أذبحك، فانظر ما ترى في ذلك، فأجاب إسماعيل أباه قائلًا: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني من الصابرين الراضين بحكم الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من مظاهر الإنعام على نوح: نجاة نوح ومن آمن معه، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس، وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن. • أفعال الإنسان يخلقها الله ويفعلها العبد باختياره. • الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل ﵇؛ لأنه لمُبَشَّر به أولًا، وأما إسحاق ﵇ فبُشِّر به بعد إسماعيل ﵇. • قول إسماعيل: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ سبب لتوفيق الله له بالصبر؛ لأنه جعل الأمر لله.

стр. 457

١٠٣ - فلما خضعا لله وانقادا له، وضع إبراهيم ابنه على جانب جبهته لينفذ ما أمر به من ذبحه. ١٠٤ - ونادينا إبراهيم وهو يَهُمُّ بتنفيذ أمر الله بذبح ابنه: أن يا إبراهيم. ١٠٥ - قد حققت الرؤيا التي رأيتها في منامك بعزمك على ذبح ابنك، إنا -كما جزيناك بتخليصك من هذه المحنة العظيمة- نجزي المحسنين فنخلصهم من المحن والشدائد. ١٠٦ - إن هذا لهو الاختبار الواضح، وقد نجح إبراهيم فيه. ١٠٧ - وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدلًا منه يذبح عنه. ١٠٨ - وأبقينا على إبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم اللاحقة. ١٠٩ - تحية من الله له، ودعاءً بالسلامة من كل ضر وآفة. ١١٠ - كما جازينا إبراهيم هذا الجزاء على طاعته نجازي المحسنين. ١١١ - إن إبراهيم من عبادنا المؤمنين الذين يفون بما تقتضيه العبودية لله. ١١٢ - وبشرناه بولد آخر يصير نبيَّا وعبدًا صالحًا وهو إسحاق؛ جزاءً على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد. ١١٣ - وأنزلنا عليه وعلى ابنه إسحاق بركة منا، فأكثرنا لهما النعم، ومنها تكثير ولدهما، ومن ذريتهما محسن بطاعته لربه، ومنهم ظالم لنفسه بالكفر وارتكاب المعاصي واضح الظلم. ١١٤ - ولقد مننا على موسى وأخيه هارون بالنبوة. ١١٥ - وسلمناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن الغرق. ١١٦ - ونصرناهم على فرعون وجنوده، فكانت الغلبة لهم على عدوهم. ١١٧ - وأعطينا موسى وأخاه هارون التوراة كتابًا من عند الله واضحًا لا لبس فيه. ١١٨ - وهدينا هما إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإسلام الموصلة إلى مرضاة الخالق سبحانه. ١١٩ - وأبقينا عليهما ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة. ١٢٠ - تحية من الله طيبة لهما وثناءً عليهما ودعاءً بالسلامة من كل مكروه. ١٢١ - إنا كما جازينا موسى وهارون هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين بطاعتهم لربهم. ١٢٢ - إن موسى وهارون من عبادنا المؤمنين بالله العاملين بما شرع لهم. ١٢٣ - وإن إلياس لمن المرسلين من ربه، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة. ١٢٤ - إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم من بني إسرائيل: يا قوم، ألا تتقون الله؛ بامتثال أوامره، ومنها التوحيد، وباجتناب نواهيه، ومنها الشرك؟! ١٢٥ - أتعبدون من دون الله صنمكم بَعْلًا، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين؟! ١٢٦ - والله هو ربكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم من قبل، فهو المستحق للعبادة، لا غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ دليل على أن إبراهيم وإسماعيل ﵇ كانا في غاية التسليم لأمر الله تعالى. • من مقاصد الشرع تحرير العباد من عبودية البشر. • الثناء الحسن والذكر الطيب من النعيم المعجل في الدنيا.

стр. 458

١٢٧ - فما كان من قومه إلا أن كذبوه، وبسبب تكذيبهم فهم مُحْضرون في العذاب. ١٢٨ - إلا من كان من قومه مؤمنًا مخلصًا لله في عبادته؛ فإنه ناج من الإحضار إلى العذاب. ١٢٩ - وأبقينا عليه ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة. ١٣٠ - تحية من الله وثناءً على إلياس. ١٣١ - إنا كما جازينا إلياس هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. ١٣٢ - إن إلياس من عبادنا المؤمنين حقًّا الصادقين في إيمانهم بربهم. ١٣٣ - وإن لوطًا لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. ١٣٤ - فاذكر حين سلمناه وأهله كلهم من العذاب المرسل على قومه. ١٣٥ - إلا زوجته، فقد كانت امرأة شملها عذاب قومها؛ لكونها كانت كافرة مثلهم. ١٣٦ - ثم أهلكنا الباقين من قومه ممن كذبوا به، ويصدقوا بما جاء به. ١٣٧ - وإنكم -يا أهل مكة- لتمرون على منازلهم فى أسفاركم إلى الشام في وقت الصباح. ١٣٨ - وتمرون عليها كذلك ليلًا، أفلا تعقلون، وتتعظون بما آل إليه أمرهم بعد تكذيبهم وكفرهم وارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها؟! ١٣٩ - وإن عبدنا يونس لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. ١٤٠ - حين فرَّ من قومه من غير إذن ربه، وركب سفينة مملوءة من الركاب والأمتعة. ١٤١ - فأوشكت السفينة أن تغرق لامتلائها، فاقترع الركاب لِيُلْقُوا بعضهم؛ خوفًا من غرق السفينة بسبب كثرة الركاب، فكان يونس من هؤلاء المغلوبين، فألقوه في البحر. ١٤٢ - فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يُلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه. ١٤٣ - فلولا أن يونس كان من الذاكرين الله كثيرًا قبل ما حل به , ولولا تسبيحه في بطن الحوت. ١٤٤ - لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة بحيث يصير له قبرًا. ١٤٥ - فألقيناه من بطن الحوت بأرض خالية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن لمكثه مدَّة في بطن الحوت. ١٤٦ - وأنبتنا عليه في تلك الأرض الخالية شجرة من القرع يستظل بها ويأكل منها. ١٤٧ - وأرسلناه إلى قومه وعددهم مئة ألف، بل يزيدون. ١٤٨ - فآمنوا وصدقوا بما جاء به، فمتعهم الله في حياتهم الدنيا إلى أن انقضت آجالهم المحددة لهم. ١٤٩ - فاسأل -يا محمد- المشركين سؤال إنكار: أتجعلون لله البنات اللاتي تكرهونهن، وتجعلون لكم البنين الذين تحبونهم؟! أي قسمة هذه؟! ١٥٠ - كيف زعموا أن الملائكة إناث، وهم لم يحضروا خلقهم، وما شاهدوه؟! ١٥١ - ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه. ١٥٢ - لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه. ١٥٣ - هل اختار الله لنفسه البنات اللاتي تكرهونهن على البنين الذين تحبونهم؟! كلا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سُنَّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير: إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين. • ضرورة العظة والاعتبار بمصير الذين كذبوا الرسل حتى لا يحل بهم ما حل بغيرهم. • جواز القُرْعة شرعًا لقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.

стр. 459

١٥٤ - ما لكم -أيها المشركون- تحكمون هذا الحكم الجائر حيث تجعلون لله البنات، وتجعلون لكم البنين؟! ١٥٥ - أفلا تتذكرون بطلان ما أنتم عليه من هذا الاعتقاد الفاسد؟! فإنكم لو تذكرتم لما قلتم هذا القول. ١٥٦ - أم لكم حجة جلية وبرهان واضح من كتاب بذلك أو رسول؟! ١٥٧ - فأتُوا بكتابكم الذي يحمل لكم الحجة على هذا إن كنتم صادقين فيما تدعونه. ١٥٨ - وجعل المشركون بين الله وبين الملائكة المستورين عنهم نسبًا حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولقد علمت الملائكة أن الله سيحضر المشركين للحساب. ١٥٩ - تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به سبحانه من الولد والشريك وغير ذلك. ١٦٠ - إلا عباد الله المخلصين؛ فإنهم لا يصفون الله إلا بما يليق به سبحانه من صفات الجلال والكمال. ١٦١ - فإنكم أنتم -أيها المشركون- وما تعبدون من دون الله. ١٦٢ - لستم بمضلين من أحد عن دين الحق. ١٦٣ - إلا من قضى الله عليه أنه من أصحاب النار، فإن الله ينفذ فيه قضاءه فيكفر، ويدخل النار، أما أنتم ومعبوداتكم فلا قدرة لكم على ذلك. ١٦٤ - وقالت الملائكة مبينة عبوديتها لله، وبراءتها مما زعمه المشركون: وليس منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله وطاعته. ١٦٥ - ١٦٦ - وإنا- نحن الملائكة- لواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزهون الله عما لا يليق به من الصفات والنُّعوت. ١٦٧ - ١٧٠ - وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد ﷺ : لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد ﷺ بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة. ١٧١ - ١٧٣ - ولقد سبقت كلمتنا التي لا معقب لها ولا راد لرسلنا أنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وأن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا. ١٧٤ - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المشركين المعاندين إلى مدة يعلمها الله حتى يأتي وقت عذابهم. ١٧٥ - وأنظرهم حين ينزل بهم العذاب، فسيبصرون هم حين لا ينفعهم إبصار. ١٧٦ - أفيستعجل هؤلاء المشركون بعذاب الله؟! ١٧٧ - فإذا نزل عذاب الله بهم فبئس الصباح صباحهم. ١٧٨ - وأعرض -أيها الرسول- عنهم حتى يقضي الله بعذابهم. ١٧٩ - وانظر فسينظر هؤلاء ما يحل بهم من عذاب الله وعقابه. ١٨٠ - تنزه ربك -يا محمد- رب القوة، وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات النقص. ١٨١ - وتحية الله وثناؤه على رسله الكرام. ١٨٢ - والثناء كله لله ، فهو المستحق له، وهو رب العالمين جميعًا، لا رب لهم سواه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سُنَّة الله نصر المرسلين وورثتهم بالحجة والغلبة، وفي الآيات بشارة عظيمة؛ لمن اتصف بأنه من جند الله، أنه غالب منصور. • في الآيات دليل على بيان عجز المشركين وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبشارة لعباد الله المخلصين بأن الله بقدرته ينجيهم من إضلال الضالين المضلين.

стр. 460

سورة ص مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] ذكر المخاصمة بالباطل وعاقبتها. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿ص﴾ تقدم الكلام على نظائرها من الحروف المقطعة في بداية سورة البقرة. أقسم بالقرآن المشتمل على تذكير الناس بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، ليس الأمر كما يظنه المشركون من وجود شركاء مع الله. ٢ - لكن الكافرين في حمية وتكبر عن توحيد الله، وفي خلاف مع محمد ﷺ وعداوة له. ٣ - كم أهلكنا من قبلهم من القرون التي كذبت برسلها فنادوا مستغيثين عند نزول العذاب عليهم، وليس الوقت وقت خلاص لهم من العذاب فتنفعهم الاستغاثة منه. ٤ - وتعجبوا حين جاءهم رسول من أنفسهم يخوفهم من عذاب الله إن استمروا على كفرهم، وقال الكافرون حين شاهدوا البراهين على صدق ما جاء به محمد ﷺ : هذا رجل ساحر يسحر الناس، كذاب فيما يدعيه من أنه رسول من الله يوحى إليه. ٥ - أجعل هذا الرجل الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا لا إله غيره؟! إن صنيعه هذا لغاية فى العجب. ٦ - وانطلق أشرافهم وكبراؤهم قائلين لأتباعهم: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دين محمد، واثبتوا على عبادة آلهتكم، إن ما دعاكم إليه محمد من عبادة إله واحد شيء مُدَبِّر يريده هو ليعلو علينا ونكون له أتباعًا. ٧ - ما سمعنا بما يدعونا إليه محمد من توحيد الله فيما وجدنا عليه آباءنا، ولا في ملة عيسى ﵇، وما ذلك الذي سمعناه منه إلا كذب وافتراء. ٨ - أيصح أن ينزل عليه القرآن من بيننا، ويخص به، ولا ينزل علينا ونحن السادة الكبراء، بل هؤلاء المشركون في شك مما ينزل عليك من الوحي، ولمَّا يذوقوا عذاب الله، فاغتروا بإمهالهم، ولو ذاقوه لما تجاسروا على الكفر والشرك بالله والشك فيما يوحى إليك. ٩ - أم عند هؤلاء المشركين المكذبين خزائن فضل ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الذي يعطي ما يريد لمن يريد، ومن خزائن فضله النبوة، فيعطيها من يشاء، وليست هي لهم هُم حتى يمنحوها من شاؤوا ويمنعوها من أرادوا. ١٠ - أم لهم ملك السماوات وملك الأرض وملك ما فيهما؟ فيحق لهم أن يعطوا ويمنعوا؟ إن كان هذا زعمهم فليأخذوا بالأسباب الموصلة إلى السماء ليتمكنوا من الحكم بما أرادوا من منع أو إعطاء، ولن يستطيعوا ذلك. ١١ - هؤلاء المكذبون بمحمد ﷺ جند مهزوم مثل من سبقه من الجنود التي كذبت رسلها. ١٢ - ليس هؤلاء المكذبون أول مكذب؛ فقد كذب قبلهم قوم نوح، وكذبت عاد، وكذب فرعون الذي كانت له أوتاد يعذب بها الناس. ١٣ - وكذبت ثمود، وكذب قوم لوط، وكذب قوم شعيب، أولئك هم الأحزاب الذين تحزبوا على تكذيب رسلهم والكفر بما جاؤوا به. ١٤ - ما كل أحد من هذه الأحزاب إلا وقع منه تكذيب الرسل، فحق عليهم عذاب الله وحل عليهم عقابه وإن تأخر إلى حين. ١٥ - وما ينتظر هؤلاء المكذبون بمحمد ﷺ إلا أن يُنْفَخ في الصور النفخة الثانية التي لا رجوع فيها، فيقع عليهم العذاب إن ماتوا على تكذيبهم به. ١٦ - وقالوا مستهزئين: يا ربنا، عجل لنا نصيبنا من العذاب في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أقسم الله بالقرآن العظيم، فالواجب تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج معانيه. • غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم نزول الوحي على السادة والكبراء. • سبب إعراض الكفار عن الإيمان: التكبر والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق.
следующие страницы →