← Тафсир

Тафсир · id 18102

المختصر في تفسير القرآن الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (612 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٧٧ - ونجينا أهله وأتباعه المؤمنين وحدهم، فقد أغرقنا غيرهم من قومه الكافرين. ٧٨ - وأبقينا له في الأمم اللاحقة ثناءً حسنًا يثنون به عليه. ٧٩ - أمان وسلام لنوح من أن يقال ليه سوء في الأمم اللاحقة، بل سيبقى له الثناء والذكر الحسن. ٨٠ - إن مثل هذا الجزاء الذي جازينا به نوحًا ﵇ نجزي المحسنين بعبادتهم وطاعتهم لله وحده. ٨١ - إن نوحًا من عبادنا المؤمنين العاملين بطاعة الله. ٨٢ - ثم أغرقنا الباقبن بالطوفان الذي أرسلناه عليهم، فلم يبق منهم أحد. ٨٣ - وإن إبراهيم من أهل دينه الذين وافقوه في الدعوة إلى توحيد الله. ٨٤ - فاذكر حين جاء ربه بقلب سليم من الشرك ناصح في خلقه. ٨٥ - حين قال لأبيه وقومه المشركين موبخًا لهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟! ٨٦ - أآلهة مكذوبة تعبدونها من دون الله؟ ٨٧ - فما ظنكم -يا قوم- برب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تعبدون غيره؟! وماذا ترونه صانعًا بكم؟! ٨٨ - فنظر إبراهيم نظرة في النجوم يدبر مكيدة للتخلص من الخروج مع قومه. ٨٩ - فقال متعللًا عن الخروج مع قومه إلى عيدهم: إني مريض. ٩٠ - فتركوه وراءهم وذهبوا. ٩١ - فمال إلى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فقال ساخرًا من آلهتهم: ألا تاكلون من الطعام الذي يصنعه المشركون لكم؟! ٩٢ - ما شأنكم لا تتكلمون، ولا تجيبون من يسألكم؟! أمثل هذا يُعْبد من دون الله؟! ٩٣ - فمال عليهم إبراهيم يضربهم بيده اليمنى ليكسرهم. ٩٤ - فأقبل إليه عبَّاد هذه الأصنام يسرعون. ٩٥ - فقابلهم إبراهيم بثبات، وقال لهم موبخًا إياهم: أتعبدون من دون الله ألهة أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟! ٩٦ - والله سبحانه خلقكم أنتم، وخلق عملكم، ومن عملكم هذه الأصنام، فهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره. ٩٧ - فلما عجزوا عن مقارعته بالحجة لجؤوا إلى القوة، فتشاوروا فيما بينهم فيما يفعلونه بإبراهيم، قالوا: ابنوا له بنيانًا، واملؤوه حطبًا وأضرموه، ثم ارموه فيه. ٩٨ - فأراد قوم إبراهيم لإبراهيم سوءًا بأن يهلكوه فيستريحوا منه، فصيرناهم الخاسرين حين جعلنا النار عليه بردًا وسلامًا. ٩٩ - وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي تاركًا بلد قومي لأتمكنٍ من عبادته، سيدلني ربي على ما فيه الخير لي في الدنيا والآخرة. ١٠٠ - يارب، ارزقني ولدًا صالحا يكون لي عونا وعوضًا عن قومي في الغربة. ١٠١ - فاستجبنا له دعوته فأخبرناه بما يسره، حيث بشرناه بولد يكبر، ويصير حليمًا، وهذا الولد هو إسماعيل ﵇. ١٠٢ - فلما شب إسماعيل، وأدرك سعيُه سعي أبيه رأى أبوه إبراهيم رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي، قال إبراهيم مخبرًا ابنه عن فحوى هذه الرؤيا: يا بني، إني رأيت في النوم أني أذبحك، فانظر ما ترى في ذلك، فأجاب إسماعيل أباه قائلًا: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني من الصابرين الراضين بحكم الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من مظاهر الإنعام على نوح: نجاة نوح ومن آمن معه، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس، وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن. • أفعال الإنسان يخلقها الله ويفعلها العبد باختياره. • الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل ﵇؛ لأنه لمُبَشَّر به أولًا، وأما إسحاق ﵇ فبُشِّر به بعد إسماعيل ﵇. • قول إسماعيل: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ سبب لتوفيق الله له بالصبر؛ لأنه جعل الأمر لله.

стр. 457

١٠٣ - فلما خضعا لله وانقادا له، وضع إبراهيم ابنه على جانب جبهته لينفذ ما أمر به من ذبحه. ١٠٤ - ونادينا إبراهيم وهو يَهُمُّ بتنفيذ أمر الله بذبح ابنه: أن يا إبراهيم. ١٠٥ - قد حققت الرؤيا التي رأيتها في منامك بعزمك على ذبح ابنك، إنا -كما جزيناك بتخليصك من هذه المحنة العظيمة- نجزي المحسنين فنخلصهم من المحن والشدائد. ١٠٦ - إن هذا لهو الاختبار الواضح، وقد نجح إبراهيم فيه. ١٠٧ - وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدلًا منه يذبح عنه. ١٠٨ - وأبقينا على إبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم اللاحقة. ١٠٩ - تحية من الله له، ودعاءً بالسلامة من كل ضر وآفة. ١١٠ - كما جازينا إبراهيم هذا الجزاء على طاعته نجازي المحسنين. ١١١ - إن إبراهيم من عبادنا المؤمنين الذين يفون بما تقتضيه العبودية لله. ١١٢ - وبشرناه بولد آخر يصير نبيَّا وعبدًا صالحًا وهو إسحاق؛ جزاءً على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد. ١١٣ - وأنزلنا عليه وعلى ابنه إسحاق بركة منا، فأكثرنا لهما النعم، ومنها تكثير ولدهما، ومن ذريتهما محسن بطاعته لربه، ومنهم ظالم لنفسه بالكفر وارتكاب المعاصي واضح الظلم. ١١٤ - ولقد مننا على موسى وأخيه هارون بالنبوة. ١١٥ - وسلمناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن الغرق. ١١٦ - ونصرناهم على فرعون وجنوده، فكانت الغلبة لهم على عدوهم. ١١٧ - وأعطينا موسى وأخاه هارون التوراة كتابًا من عند الله واضحًا لا لبس فيه. ١١٨ - وهدينا هما إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإسلام الموصلة إلى مرضاة الخالق سبحانه. ١١٩ - وأبقينا عليهما ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة. ١٢٠ - تحية من الله طيبة لهما وثناءً عليهما ودعاءً بالسلامة من كل مكروه. ١٢١ - إنا كما جازينا موسى وهارون هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين بطاعتهم لربهم. ١٢٢ - إن موسى وهارون من عبادنا المؤمنين بالله العاملين بما شرع لهم. ١٢٣ - وإن إلياس لمن المرسلين من ربه، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة. ١٢٤ - إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم من بني إسرائيل: يا قوم، ألا تتقون الله؛ بامتثال أوامره، ومنها التوحيد، وباجتناب نواهيه، ومنها الشرك؟! ١٢٥ - أتعبدون من دون الله صنمكم بَعْلًا، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين؟! ١٢٦ - والله هو ربكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم من قبل، فهو المستحق للعبادة، لا غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ دليل على أن إبراهيم وإسماعيل ﵇ كانا في غاية التسليم لأمر الله تعالى. • من مقاصد الشرع تحرير العباد من عبودية البشر. • الثناء الحسن والذكر الطيب من النعيم المعجل في الدنيا.

стр. 458

١٢٧ - فما كان من قومه إلا أن كذبوه، وبسبب تكذيبهم فهم مُحْضرون في العذاب. ١٢٨ - إلا من كان من قومه مؤمنًا مخلصًا لله في عبادته؛ فإنه ناج من الإحضار إلى العذاب. ١٢٩ - وأبقينا عليه ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة. ١٣٠ - تحية من الله وثناءً على إلياس. ١٣١ - إنا كما جازينا إلياس هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. ١٣٢ - إن إلياس من عبادنا المؤمنين حقًّا الصادقين في إيمانهم بربهم. ١٣٣ - وإن لوطًا لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. ١٣٤ - فاذكر حين سلمناه وأهله كلهم من العذاب المرسل على قومه. ١٣٥ - إلا زوجته، فقد كانت امرأة شملها عذاب قومها؛ لكونها كانت كافرة مثلهم. ١٣٦ - ثم أهلكنا الباقين من قومه ممن كذبوا به، ويصدقوا بما جاء به. ١٣٧ - وإنكم -يا أهل مكة- لتمرون على منازلهم فى أسفاركم إلى الشام في وقت الصباح. ١٣٨ - وتمرون عليها كذلك ليلًا، أفلا تعقلون، وتتعظون بما آل إليه أمرهم بعد تكذيبهم وكفرهم وارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها؟! ١٣٩ - وإن عبدنا يونس لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. ١٤٠ - حين فرَّ من قومه من غير إذن ربه، وركب سفينة مملوءة من الركاب والأمتعة. ١٤١ - فأوشكت السفينة أن تغرق لامتلائها، فاقترع الركاب لِيُلْقُوا بعضهم؛ خوفًا من غرق السفينة بسبب كثرة الركاب، فكان يونس من هؤلاء المغلوبين، فألقوه في البحر. ١٤٢ - فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يُلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه. ١٤٣ - فلولا أن يونس كان من الذاكرين الله كثيرًا قبل ما حل به , ولولا تسبيحه في بطن الحوت. ١٤٤ - لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة بحيث يصير له قبرًا. ١٤٥ - فألقيناه من بطن الحوت بأرض خالية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن لمكثه مدَّة في بطن الحوت. ١٤٦ - وأنبتنا عليه في تلك الأرض الخالية شجرة من القرع يستظل بها ويأكل منها. ١٤٧ - وأرسلناه إلى قومه وعددهم مئة ألف، بل يزيدون. ١٤٨ - فآمنوا وصدقوا بما جاء به، فمتعهم الله في حياتهم الدنيا إلى أن انقضت آجالهم المحددة لهم. ١٤٩ - فاسأل -يا محمد- المشركين سؤال إنكار: أتجعلون لله البنات اللاتي تكرهونهن، وتجعلون لكم البنين الذين تحبونهم؟! أي قسمة هذه؟! ١٥٠ - كيف زعموا أن الملائكة إناث، وهم لم يحضروا خلقهم، وما شاهدوه؟! ١٥١ - ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه. ١٥٢ - لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه. ١٥٣ - هل اختار الله لنفسه البنات اللاتي تكرهونهن على البنين الذين تحبونهم؟! كلا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سُنَّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير: إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين. • ضرورة العظة والاعتبار بمصير الذين كذبوا الرسل حتى لا يحل بهم ما حل بغيرهم. • جواز القُرْعة شرعًا لقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.

стр. 459

١٥٤ - ما لكم -أيها المشركون- تحكمون هذا الحكم الجائر حيث تجعلون لله البنات، وتجعلون لكم البنين؟! ١٥٥ - أفلا تتذكرون بطلان ما أنتم عليه من هذا الاعتقاد الفاسد؟! فإنكم لو تذكرتم لما قلتم هذا القول. ١٥٦ - أم لكم حجة جلية وبرهان واضح من كتاب بذلك أو رسول؟! ١٥٧ - فأتُوا بكتابكم الذي يحمل لكم الحجة على هذا إن كنتم صادقين فيما تدعونه. ١٥٨ - وجعل المشركون بين الله وبين الملائكة المستورين عنهم نسبًا حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولقد علمت الملائكة أن الله سيحضر المشركين للحساب. ١٥٩ - تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به سبحانه من الولد والشريك وغير ذلك. ١٦٠ - إلا عباد الله المخلصين؛ فإنهم لا يصفون الله إلا بما يليق به سبحانه من صفات الجلال والكمال. ١٦١ - فإنكم أنتم -أيها المشركون- وما تعبدون من دون الله. ١٦٢ - لستم بمضلين من أحد عن دين الحق. ١٦٣ - إلا من قضى الله عليه أنه من أصحاب النار، فإن الله ينفذ فيه قضاءه فيكفر، ويدخل النار، أما أنتم ومعبوداتكم فلا قدرة لكم على ذلك. ١٦٤ - وقالت الملائكة مبينة عبوديتها لله، وبراءتها مما زعمه المشركون: وليس منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله وطاعته. ١٦٥ - ١٦٦ - وإنا- نحن الملائكة- لواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزهون الله عما لا يليق به من الصفات والنُّعوت. ١٦٧ - ١٧٠ - وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد ﷺ : لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد ﷺ بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة. ١٧١ - ١٧٣ - ولقد سبقت كلمتنا التي لا معقب لها ولا راد لرسلنا أنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وأن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا. ١٧٤ - فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المشركين المعاندين إلى مدة يعلمها الله حتى يأتي وقت عذابهم. ١٧٥ - وأنظرهم حين ينزل بهم العذاب، فسيبصرون هم حين لا ينفعهم إبصار. ١٧٦ - أفيستعجل هؤلاء المشركون بعذاب الله؟! ١٧٧ - فإذا نزل عذاب الله بهم فبئس الصباح صباحهم. ١٧٨ - وأعرض -أيها الرسول- عنهم حتى يقضي الله بعذابهم. ١٧٩ - وانظر فسينظر هؤلاء ما يحل بهم من عذاب الله وعقابه. ١٨٠ - تنزه ربك -يا محمد- رب القوة، وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات النقص. ١٨١ - وتحية الله وثناؤه على رسله الكرام. ١٨٢ - والثناء كله لله ، فهو المستحق له، وهو رب العالمين جميعًا، لا رب لهم سواه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سُنَّة الله نصر المرسلين وورثتهم بالحجة والغلبة، وفي الآيات بشارة عظيمة؛ لمن اتصف بأنه من جند الله، أنه غالب منصور. • في الآيات دليل على بيان عجز المشركين وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبشارة لعباد الله المخلصين بأن الله بقدرته ينجيهم من إضلال الضالين المضلين.

стр. 460

سورة ص مكية [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] ذكر المخاصمة بالباطل وعاقبتها. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿ص﴾ تقدم الكلام على نظائرها من الحروف المقطعة في بداية سورة البقرة. أقسم بالقرآن المشتمل على تذكير الناس بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، ليس الأمر كما يظنه المشركون من وجود شركاء مع الله. ٢ - لكن الكافرين في حمية وتكبر عن توحيد الله، وفي خلاف مع محمد ﷺ وعداوة له. ٣ - كم أهلكنا من قبلهم من القرون التي كذبت برسلها فنادوا مستغيثين عند نزول العذاب عليهم، وليس الوقت وقت خلاص لهم من العذاب فتنفعهم الاستغاثة منه. ٤ - وتعجبوا حين جاءهم رسول من أنفسهم يخوفهم من عذاب الله إن استمروا على كفرهم، وقال الكافرون حين شاهدوا البراهين على صدق ما جاء به محمد ﷺ : هذا رجل ساحر يسحر الناس، كذاب فيما يدعيه من أنه رسول من الله يوحى إليه. ٥ - أجعل هذا الرجل الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا لا إله غيره؟! إن صنيعه هذا لغاية فى العجب. ٦ - وانطلق أشرافهم وكبراؤهم قائلين لأتباعهم: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دين محمد، واثبتوا على عبادة آلهتكم، إن ما دعاكم إليه محمد من عبادة إله واحد شيء مُدَبِّر يريده هو ليعلو علينا ونكون له أتباعًا. ٧ - ما سمعنا بما يدعونا إليه محمد من توحيد الله فيما وجدنا عليه آباءنا، ولا في ملة عيسى ﵇، وما ذلك الذي سمعناه منه إلا كذب وافتراء. ٨ - أيصح أن ينزل عليه القرآن من بيننا، ويخص به، ولا ينزل علينا ونحن السادة الكبراء، بل هؤلاء المشركون في شك مما ينزل عليك من الوحي، ولمَّا يذوقوا عذاب الله، فاغتروا بإمهالهم، ولو ذاقوه لما تجاسروا على الكفر والشرك بالله والشك فيما يوحى إليك. ٩ - أم عند هؤلاء المشركين المكذبين خزائن فضل ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الذي يعطي ما يريد لمن يريد، ومن خزائن فضله النبوة، فيعطيها من يشاء، وليست هي لهم هُم حتى يمنحوها من شاؤوا ويمنعوها من أرادوا. ١٠ - أم لهم ملك السماوات وملك الأرض وملك ما فيهما؟ فيحق لهم أن يعطوا ويمنعوا؟ إن كان هذا زعمهم فليأخذوا بالأسباب الموصلة إلى السماء ليتمكنوا من الحكم بما أرادوا من منع أو إعطاء، ولن يستطيعوا ذلك. ١١ - هؤلاء المكذبون بمحمد ﷺ جند مهزوم مثل من سبقه من الجنود التي كذبت رسلها. ١٢ - ليس هؤلاء المكذبون أول مكذب؛ فقد كذب قبلهم قوم نوح، وكذبت عاد، وكذب فرعون الذي كانت له أوتاد يعذب بها الناس. ١٣ - وكذبت ثمود، وكذب قوم لوط، وكذب قوم شعيب، أولئك هم الأحزاب الذين تحزبوا على تكذيب رسلهم والكفر بما جاؤوا به. ١٤ - ما كل أحد من هذه الأحزاب إلا وقع منه تكذيب الرسل، فحق عليهم عذاب الله وحل عليهم عقابه وإن تأخر إلى حين. ١٥ - وما ينتظر هؤلاء المكذبون بمحمد ﷺ إلا أن يُنْفَخ في الصور النفخة الثانية التي لا رجوع فيها، فيقع عليهم العذاب إن ماتوا على تكذيبهم به. ١٦ - وقالوا مستهزئين: يا ربنا، عجل لنا نصيبنا من العذاب في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أقسم الله بالقرآن العظيم، فالواجب تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج معانيه. • غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم نزول الوحي على السادة والكبراء. • سبب إعراض الكفار عن الإيمان: التكبر والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق.

стр. 461

١٧ - اصبر -أيها الرسول- على ما يقوله هؤلاء المكذبون مما لا يرضيك، واذكر عبدنا داود صاحب القوة على مقارعة أعدائه والصبر على طاعة الله، إنه كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، والعمل بما يرضيه. ١٨ - إنا سخرنا الجبال مع داود يسبحن بتسبيحه إذا سبح آخر النهار وأوله عند الإشراق. ٢٠ - وقوينا ملكه بما وهبناه من الهيبة والقوة والنصر على أعدائه، وأعطيناه النبوة والصواب في أموره، وأعطيناه البيان الشافي في كل قصد، والفصل في الكلام والحكم. ٢١ - وهل جاءك -أيها الرسول- خبر المتخاصمَيْن حين عَلَوَا على داود ﵇ مكان عبادته. ٢٢ - إذ دخلا على داود فجأة فارتاع من دخولهما عليه فجاة بهذه الطريقة غير المألوفة للدخول عليه، فلما تبين لهما ارتياعه قالا: لا تخف؛ فنحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، فاحكم بيننا بالعدل، ولا تَجُرْ علينا إذا حكمت بيننا، وأرشدنا إلى سواء السبيل الذي هو سبيل الصواب. ٢٣ - قال أحد الخصمين لداود ﵇: إن هذا الرجل أخي، له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فطلب مني أن أعطيه إياها، وغلبني في الحجة. ٢٤ - فحكم داود بينهما وقال مخاطبًا صاحب الدعوى: لقد ظلمك أخوك حين سألك ضم نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الشركاء ليعتدي بعضهم على بعض بأخذ حقه وعدم الإنصاف، إلا المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات فإنهم ينصفون شركاءهم ولا يظلمونهم، والمتصفون بذلك قليل، وأيقن داود ﵇ أنما أوقعناه في فتنة بهذه الخصومة، فطلب المغفرة من ربه وسجد تقربًا إلى الله، وتاب إليه. وهذا مَثَلٌ ضربه الله لما وقع لداود من فتنة في المرأة. ٢٥ - فاستجبنا له فغفرنا له ذلك، وإنه عندنا لمن المقربين، وله حُسْن مصير في الآخرة. ٢٦ - يا داود، إنا صيَّرناك خليفة في الأرض تنفذ الأحكام والقضايا الدينية والدنيوية، فاقض بين الناس بالعدل، ولا تتبع الهوى في حكمك بين الناس؛ بأن تميل مع أحد الخصمين لقرابة أو صداقة أو تميل عنه لعداوة، فيضلك الهوى عن صراط الله المستقيم، إن الذين يضلون عن صراط الله المستقيم لهم عذاب قوي بسبب نسيانهم يوم الحساب؛ إذ لو كانوا يذكرونه ويخافون منه لما مالوا مع أهوائهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • بيان فضائل نبي الله داود وما اختصه الله به من الآيات. • الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، ولكن قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة بنسيان أو غفلة عن حكم، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه. • استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ﴾ على مشروعية الشركة بين اثنين وأكثر. • ينبغي التزام الأدب في الدخول على أهل الفضل والمكانة.

стр. 462

٢٧ - وما خلقنا السماء والأرض عبثًا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل لهؤلاء الكافرين الذين يظنون هذا الظن من عذاب النار يوم القيامة إذا ماتوا على ما هم عليه من الكفر وظن السوء بالله. ٢٨ - لن نجعل الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا الأعمال الصالحات مثل المفسدين في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا نجعل المتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه مثل الكافرين والمنافقين المنغمسين في المعاصي، إن التسوية بينهما جَوْر لا يليق بالله ، بل يجازي الله المؤمنين الأتقياء بدخول الجنة، ويعاقب الكافرين الأشقياء بدخول النار؛ لأنهم لا يستوون عند الله، فلا يستوي جزاؤهم عنده. ٢٩ - إن هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك كثير الخير والنفع، ليتدبر الناس آياته ويتفكروا في معانيها، وليتعظ به أصحاب العقول الراجحة النيرة. ٣٠ - ووهبنا لداود ابنه سليمان إنعامًا منا عليه وتفضلًا لتقر عينه به، نعم العبد سليمان، إنه كثير التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه. ٣١ - اذكر حين عرضت عليه عصرًا الخيول الأصيلة السريعة، تقف على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة، فلم تزل تُعْرض عليه تلك الخيول الأصيلة حتى غربت الشمس. ٣٢ - فقال سليمان: إني آثرت حب المال -ومنه هذه الخيل- على ذكر ربي حتى غابت الشمس وتأخرتُ عن صلاة العصر. ٣٣ - ردوا علي هذه الخيل، فردوها عليه، فبدأ يضرب بالسيف سوقها وأعناقها. ٣٤ - ولقد اختبرنا سليمان وألقينا على كرسي ملكه شيطانًا، متمثلًا بإنسان تصرف في ملكه مدة قصيرة ثم رجع لسليمان ملكه وسلَّطه على الشياطين. ٣٥ - قال سليمان: يا رب، اغفر لي ذنوبي، وأعطني ملكًا خاصًّا بي، لا يكون لأحد من الناس بعدي، إنك -يا رب- كثير العطاء، عظيم الجود. ٣٦ - فاستجبنا له وذللنا له الريح تنقاد بأمره لينة، لا زعزعة فيها مع قوتها وسرعة جريها، تحمله حيث أراد. ٣٧ - وذللنا له الشياطين يأتمرون بأمره، فمنهم البناؤون، ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار، فيستخرجون الدار منها. ٣٨ - ومن الشياطين مردة سُخروا له، فهم موثقون في الأغلال لا يستطيعون التحرك. ٣٩ - يا سليمان، هذا عطاؤنا الذي أعطيناكه استجابة لما طلبت منا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلن تحاسب في إعطاء أو منع. ٤٠ - وإن سليمان عندنا لمن المقربين، وله حُسْن مرجع يرجع إليه وهو الجنة. ٤١ - واذكر -أيها الرسول- عبدنا أيوب حين دعا الله ربه: أني أصابني الشيطان بأمر متعب معذب. ٤٢ - فقلنا له: اضرب برجلك الأرض، فضرب برجله الأرض، فنبع له منها ماء يشرب منه ويغتسل، فيذهب ما به من الضر والأذى. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الحث على تدبر القرآن. • في الآيات دليل على أنه بحسب سلامة القلب وفطنة الإنسان يحصل له التذكر والانتفاع بالقرآن الكريم. • في الآيات دليل على صحة القاعدة المشهورة: "من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منها".

стр. 463

٤٣ - فاستجبنا له، فكشفنا ما به من ضر، وأعطيناه أهله، وزدناه عليهم مثلهم من البنين والحفدة رحمة منا به، وجزاءً له على صبره، وليتذكر أصحاب العقول الراجحة أن عاقبة الصبر الفرج والثواب. ٤٤ - حين غضب أيوب على زوجته، فأقسم ليضربنها مئة جلدة، قلنا له: خذ -يا أيوب- بيدك حزمة شَمَاريخ فاضربها بها إبرارًا لقسمك، ولا تحنث في قسمك الذي أقسمته، فأخذ بحزمة شَمَاريخ فضربها بها، إنا وجدناه صابرًا على ما ابتليناه به، نعم العبد هو، إنه كثير الرجوع والإنابة إلى الله. ٤٥ - واذكر -أيها الرسول- عبادنا الذين اصطفينا هم ورسلنا الذين أرسلناهم: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقد كانوا أصحاب قوة في طاعة الله وتلمَّس مرضاته، وكانوا أصحاب بصيرة في الحق صادقة. ٤٦ - إنا مننا عليهم بخاصة اختصصناهم بها، وهي إعمار قلوبهم بذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالعمل الصالح ودعوة الناس إلى العمل لها. ٤٧ - وإنهم عندنا لممن اصطفيناهم لطاعتنا وعبادتنا، واخترناهم لحمل رسالتنا وتبليغها للناس. ٤٨ - واذكر -أيها النبي- إسماعيل بن إبراهيم، واذكر اليَسَعَ، واذكر ذا الكِفْل، وأثن عليهم بأحسن ثناء، فهم أهل له، وكل هؤلاء من المختارين عند الله المصطفَين. ٤٩ - هذا ذكر لهؤلاء بالثناء الجميل في القرآن، وإن للمتقين بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لمرجعًا حسنًا في الدار الآخرة. ٥٠ - هذا المرجع الحسن هو جنات إقامة يدخلونها يوم القيامة، وقد فتحت لهم أبوابها احتفاء بهم. ٥١ - متكئين على الأرائك المزينة لهم، يطلبون من خدامهم أن يقدموا لهم ما يشتهونه من الفواكه الكثيرة المتنوعة، ومن الشراب مما يشتهونه من خمر وغيرها. ٥٢ - وعندهم نساء قاصرات أطرافهن على أزواجهن، لا تتجاوزهم إلى غيرهم، وهن مستويات في السن. ٥٣ - هذا ما توعدون -أيها المتقون- من الجزاء الطيب يوم القيامة على أعمالكم الصالحة التي كنتم تعملونها في الدنيا. ٥٤ - إن هذا الذي ذكرنا من الجزاء لرزقنا نرزق به المتقين يوم القيامة، رزق مستمر، لا ينقطع ولا ينتهي. ٥٥ - هذا الذي ذكرنا جزاء المتقين، وإن للمتجاوزين لحدود الله بالكفر والمعاصي لجزاء مغايرًا لجزاء المتقين، فلهم شر مرجع يرجعون إليه يوم القيامة. ٥٦ - هذا الجزاء هو جهنم تحيط بهم، ويعانون حرها ولهيبها، لهم منها فراش، فبئس الفراش فراشهم. ٥٧ - هذا العذاب ماء متناهي الحرارة، وصديد سائل من أجساد أصحاب النار المعذبين فيها، فليشربوه، فهو شرابهم الذي لا يروي من عطش. ٥٨ - ولهم عذاب آخر من شكل هذا العذاب، فلهم عدة أصناف من العذاب يُعَذَّبون بها في الآخرة. ٥٩ - وإذا دخل أهل النار وقع بينهم ما يقع بين الخصوم من الشتم، وتبرأ بعضهم من بعض، فيقول بعضهم: هذه طائفة من أهل النار داخلة النار معكم، فيجيبونهم: لا مرحبًا بهم إنهم مقاسون من عذاب النار مثل ما نقاسيه. ٦٠ - قال فوج الأتباع لسادته المتبوعين: بل أنتم -أيها السادة المتبوعون- لا مرحبًا بكم، فأنتم من تسببتم لنا بهذا العذاب الأليم بإضلالكم لنا وإغوائكم، فبئس القرار هذا القرار، قرار الجميع الذي هو نار جهنم. ٦١ - قال الأتباع: يا ربنا، من أضلنا عن الهدى بعد إذ جاءنا فاجعل عذابه في النار عذابًا مضاعفًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • من صبر على الضر فالله تعالى يثيبه ثوابًا عاجلًا وآجلًا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه. • في الآيات دليل على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبًا ضربًا غير مبرح؛ فأيوب ﵇ حلف على ضرب امرأته ففعل.

стр. 464

٦٢ - وقال المتكبرون الطغاة: ما لنا لا نرى معنا في النار رجالًا كنا نحسبهم في الدنيا من الأشقياء الذين يستحقون العذاب. ٦٣ - أكانت سخريتنا واستهزاؤنا بهم خطأ فلم يستحقوا العذاب، أم أن استهزاءنا بهم كان صوابًا، وقد دخلوا النار، ولم تقع عليهم أبصارنا؟! ٦٤ - إن ذلك الذى ذكرنا لكم من تخاصم الكفار بينهم يوم القيامة لحَقٌّ لا مرية فيه ولا ريب. ٦٥ - قل -يا محمد- للكفار من قومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يوقعه عليكم بسبب كفركم به وتكذيبكم لرسله، وليس يوجد إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه، فهو المنفرد في عظمته وصفاته وأسمائه، وهو القهار الذي قهر كل شيء، فكل شيء خاضع له. ٦٦ - وهو رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما، وهو العزيز في ملكه الذي لا يغالبه أحد، وهو الغفار لذنوب التائبين من عباده. ٦٧ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: إن القرآن خبر ذو شأن عظيم. ٦٨ - أنتم عن هذا الخبر العظيم الشأن معرضون، لا تلتفتون إليه. ٦٩ - ليس لي من علم بما كان يدور من حديث بين الملائكة بشأن خلق آدم، لولا أن الله أوحى إليَّ وعلَّمني. ٧٠ - إنما يوحي الله إليَّ ما يوحيه لأني نذير لكم من عذابه بين النذارة. ٧١ - اذكر حين قال ربك للملائكة: إني خالق بشرًا من طين وهو آدم ﵇. ٧٢ - فإذا سويَّت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، فاسجدوا له. ٧٣ - فامتثل الملائكة أمر ربهم، فسجدوا جميعهم سجود تكريم، ولم يبق منهم أحد إلا سجد لآدم. ٧٤ - إلا إبليس تكبر عن السجود وكان بتكبره على أمر ربه من الكافرين. ٧٥ - قال الله: يا إبليس، أي شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي؟! أمنعك من السجود التكبر، أم كنت من قبل ذا تكبر وعلو على ربك؟! ٧٦ - قال إبليس: أنا خير من آدم، فقد خلقتني من نار وخلقته من طين، وبزعمه أن النار أشرف عنصرًا من الطين. ٧٧ - قال الله لإبليس: فاخرج من الجنة فإنك ملعون مشتوم. ٧٨ - وإن عليك الطرد من الجنة إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة. ٧٩ - قال إبليس: فأمهلني ولا تمتني إلى يوم تبعث عبادك. ٨٠ - قال الله: فإنك من المُمْهَلين. ٨١ - إلى يوم الوقت المعلوم المحدد لإهلاكك. ٨٢ - قال إبليس: فأقسم بقدرتك وقهرك، لأضلنَّ بني آدم أجمعين. ٨٣ - إلا من عصمته أنت من إضلالي وأخلصته لعبادتك وحدك. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • القياس والاجتهاد مع وجود النص الواضح مسلك باطل. • كفر إبليس كفر عناد وتكبر. • من أخلصهم الله لعبادته من الخلق لا سبيل للشيطان عليهم.

стр. 465

٨ ٤ - قال الله تعالى: فالحق مني، والحق أقوله، لا أقول غيره. ٨ ٥ - لأملأن يوم القيامة جهنم منك وممن تبعك في كفرك من بني آدم أجمعين. ٨٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على ما أبلغكم من النصح من جزاء، وما أنا من المتكلفين بالإتيان بزيادة على ما أمرت به. ٨٧ - ليس القرآن إلا تذكيرًا للمكلفين من الإنس والجنِّ. ٨٨ - ولتعلمُنَّ خبر هذا القرآن، وأنه صادق بعد وقت قريب حين تموتون. سورة الزمر مَكيَّة [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] الدعوة للتوحيد والإخلاص، ونبذ الشرك، وعاقبة كلٍّ في الآخرة. [التَّفْسِيرُ] ١ - تنزيل القرآن من الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، ليس مُنزلًا من غيره سبحانه. ٢ - إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملًا على الحق، فأخباره كلها صادقة وأحكامه جميعها عادلة، فاعبد الله موحدًا له، مخلصًا له التوحيد من الشرك. ٣ - ألا لله الدين الخالي من الشرك، والذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأوثان والطواغيت يعبدونهم من دون الله معتذرين عن عبادتهم لهم بقولهم: ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا إلى الله منزلة، ويرفعوا حوائجنا إليه، ويشفعوا لنا عنده؛ إن الله يحكم بين المؤمنين الموحدين وبين الكافرين المشركين يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون من التوحيد، إن الله لا يوفِّق للهداية إلى الحق من هو كاذب على الله ينسب له الشريك، كفور بنعم الله عليه. ٤ - لو أراد الله اتخاذ ولد لاختار من خلقه ما يشاء، فجعله بمنزلة الولد، تنزه وتقدس عما يقوله هؤلاء المشركون، هو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له فيها، القهار لجميع خلقه. ٥ - خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة، لا عبثًا كما يقول الظالمون، يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل، فإذا جاء أحدهما غاب الآخر، وذَلَّل الشمس، وذَلَّل القمر، كل منهما يجري لوقت مُقَدَّر هو انقضاء هذه الحياة، ألا هو سبحانه العزيز الذي ينتقم من أعدائه، ولا يغالبه أحد، الغفار لذنوب من تاب من عباده. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الداعي إلى الله يحتسب الأجر من عنده، لا يريد من الناس أجرًا على ما يدعوهم إليه من الحق. • التكلُّف ليس من الدين. • التوسل إلى الله يكون بأسمائه وصفاته وبالإيمان وبالعمل الصالح لا غير.

стр. 466

٦ - خلقكم ربكم -أيها الناس- من نفس واحدة هي آدم، ثم خلق من آدم زوجه حواء، وخلق لكم من الإبل والبقر والضأن والمعز ثمانية أنواع، من كل صنف خلق ذكرًا وأنثى، ينشئكم سبحانه في بطون أمهاتكم طورًا بعد طور في ظلمات البطن والرحم والمَشِيمة، ذلكم الذي يخلق ذلك كله هو الله ربكم، له وحده الملك، لا معبود بحق غيره، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة من لا يخلق شيئًا وهم يخلقون؟! ٧ - إن تكفروا -أيها الناس- بربكم فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يضرُّه كفركم، وإنما ضرر كفركم عائد إليكم، ولا يرضى لعباده أن يكفروا به، ولا يأمرهم بالكفر؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإن تشكروا الله على نعمه وتؤمنوا به يَرْضَ شكركم، ويثبكم عليه، ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى, بل كل نفس بما كسبت رهينة، ثم إلى ربكم وحده مرجعكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم على أعمالكم، إنه سبحانه عليم بما في قلوب عباده، لا يخفى عليه شيء مما فيها. ٨ - وإذا أصاب الكافرَ ضُرٌّ من مرض وفَقْد مال وخوف غرق دعا ربه سبحانه أن يكشف عنه ما به من ضُرٍّ راجعًا إليه وحده، ثم إذا أعطاه نعمة بأن كشف عنه الضر الذي أصابه ترك من كان يتضرع إليه من قبل وهو الله، وجعل لله شركاء يعبدهم من دونه ليحرف غيره عن طريق الله الموصل إليه، قل -أيها الرسول- لمن هذه حالة: استمتع بكفرك بقية عمرك، وهو زمن قليل، فإنك من أصحاب النار الملازمين لها يوم القيامة ملازمة الصاحب صاحبه. ٩ - أم من هو مطيع لله يقضي أوقات الليل ساجدًا لربه وقائمًا له، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه خيرٌ، أم ذلك الكافر الذي يعبد الله في الشدة ويكفر به في الرخاء، ويجعل مع الله شركاء؟! قل -أيها الرسول-: هل يستوي الذين يعلمون ما أوجب الله عليهم بسبب معرفتهم بالله وأولئك الذين لا يعلمون شيئًا من هذا؟! إنما يعرف الفرق بين هذين الفريقين أصحاب العقول السليمة. ١٠ - قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا بي وبرسلي: اتقوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، للذين أحسنوا منكم العمل في الدنيا حسنة في الدنيا بالنصر والصحة والمال، وفي الآخرة بالجنة، وأرض الله واسعة، فهاجروا فيها حتى تجدوا مكانًا تعبدون الله فيه، لا يمنعكم مانع، إنما يُعْطَى الصابرون ثوابهم يوم القيامة دون عدٍّ ولا مقدار لكثرته وتنوعه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • رعاية الله للإنسان في بطن أمه. • ثبوت صفة الغنى وصفة الرضا لله. • تعرَّف الكافر إلى الله في الشدة وتنكَّره له في الرخاء، دليل على تخبطه واضطرابه. • الخوف والرجاء صفتان من صفات أهل الإيمان.

стр. 467

١١ - قل -أيها الرسول-: إني أمرني الله أن أعبده وحده مخلصًا له العبادة. ١٢ - وأمرني أن أكون أول من أسلم له وانقاد من هذه الأمة. ١٣ - قل -أيها الرسول-: إني أخاف إن عصيت الله ولم أطعه عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة. ١٤ - قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده مخلصًا له العبادة، لا أعبد معه غيره. ١٥ - فاعبدوا أنتم -أيها المشركون- ما شئتم من دونه من الأوثان (والأمر للتهديد)، قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم، وخسروا أهليهم، فلم يلقوهم لمفارقتهم لهم بانفرادهم بدخول الجنة، أو بدخولهم معهم النار، فلن يلتقوا أبدًا، ألا ذلك حقا هو الخسران الواضح الذي لا لبس فيه. ١٦ - لهم من فوقهم دخان ولهب وحر، ومن تحتهم دخان ولهب وحر، ذلك المذكور من العذاب يخوِّف الله به عباده، يا عبادي، فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب نواهيَّ. ولما ذكر الله أحوال المجرمين، ذكر أحوال عباده الصالحين فقال: ١٧ - والذين اجتنبوا عبادة الأوثان، وكل ما يُعبد من دون الله، ورجعوا إلى الله بالتوبة؛ لهم البشرى بالجنة عند الموت، وفي القبر، ويوم القيامة، فبشر -أيها الرسول- عبادي. ١٨ - الذين يستمعون القول ويميزون بين الحسن منه والقبيح، فيتبعون أحسن القول لما فيه من النفع، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الذين وفقهم الله للهداية، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة. ١٩ - من وجبت عليه كلمة العذاب لاستمراره في كفره وضلاله، فلا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، وتوفيقه، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إنقاذ من هذه صفته من النار؟! ٢٠ - لكن الذين اتقوا ربهم؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لهم منازل عالية، بعضها فوق بعض، تجري من تحتها الأنهار، وعدهم الله بذلك وعدًا، والله لا يخلف الميعاد. ٢١ - إنكم تعلمون بالمشاهدة أن الله أنزل من السماء ماء المطر، فأدخله في عيونٍ ومجارٍ، ثم يخرج بهذا الماء زرعًا مختلف الألوان، ثم ييبس الزرع، فتراه -أيها المشاهد- مُصْفَرَّ اللون بعد أن كان مُخْضَرًّا، ثم يجعله بعد يبسه متكسِّرًا متهشمًا، إن في ذلك المذكور لتذكيرًا لأصحاب القلوب الحية. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • إخلاص العبادة لله شرط في قبولها. • المعاصي توجب عذاب الله وغضبه. • هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول ﷺ .

стр. 468

٢٢ - أفمن شرح الله صدره للإسلام، فاهتدى إليه، فهو على بصيرة من ربه، مثل من قسا قلبه عن ذكر الله؟! لا يستويان أبدًا، فالنجاة للمهتدين، والخسران لمن قست قلوبهم عن ذكر الله، أولئك في ضلال واضح عن الحق. ٢٣ - الله نزَّل على رسوله محمد ﷺ القرآن الذي هو أحسن حديث، أنزله متشابهًا يشبه بعضه بعضًا في الصدق والحسن والائتلاف وعدم الخلاف، تتعدد فيه القصص والأحكام، الوعد والوعيد، وصفات أهل الحق، وصفات أهل الباطل وغير ذلك، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم إذا سمعوا ما فيه من الوعيد والتهديد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله إذا سمعوا ما فيه من الرجاء والبشارات، ذلك المذكور من القرآن وتأثيره هداية الله يهدي بها من يشاء، ومن يخذله الله، ولم يوفقه للهداية، فليس له من هاد يهديه. ٢٤ - أيستوى هذا الذي هداه ووفقه في الدنيا وأدخله الجنة في الآخرة، ومن كفر ومات على كفره فأدخله النار مغلول اليدين والرجلين، لا يستطيع أن يتقي النار إلا بوجهه المُكَب عليه؟! وقيل للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي على سبيل التوبيخ: ذوقوا ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي، فهذا جزاؤكم. ٢٥ - كذبت الأمم التي كانت قبل هؤلاء المشركين، فجاءهم العذاب فجأة من حيث لا يُحسُّون به فيستعدون له بالتوبة. ٢٦ - فأذاقهم الله بذلك العذاب الخزي والعار والفضيحة في الحياة الدنيا، وإن عذابَ الآخرة الذي ينتظرهم أعظم وأشدَّ لو كانوا يعلمون. ٢٧ - ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن المنزل على محمد ﷺ أنواع الأمثال في الخير والشر، والحق والباطل، والإيمان والكفر وغير ذلك؛ رجاء أن يعتبروا بما ضربناه منها، فيعملوا بالحق، ويتركوا الباطل. ٢٨ - جعلناه قرآنا بلسان عربي، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لَبْس، رجاء أن يتقوا الله؛ باتباع أوامره واجتناب نواهيه. ٢٩ - ضرب الله مثلًا للمشرك والموحد رجلًا مملوكًا لشركاء متنازعين؛ إن أرضى بعضهم أغضب بعضًا، فهو في حيرة واضطراب، ورجلًا خالصًا لرجل، وحده يملكه، ويعرف مراده فهو في طمأنينة وهدوء بال، لا يستوي هذان الرجلان. الحمد لله، بل معظمهم لا يعلمون، فلذلك يشركون مع الله غيره. ٣٠ - إنك -أيها الرسول- ميت، وإنهم ميتون لا محالة. ٣١ - ثم إنكم -أيها الناس- يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيما تتنازعون فيه، فيتبيَّن المحق من المبطل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أهل الإيمان والتقوى هم الذين يخشعون لسماع القرآن، وأهل المعاصي والخذلان هم الذين لا ينتفعون به. • التكذيب بما جاءت به الرسل سبب نزول العذاب إما في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا. • لم يترك القرآن شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا بيَّنه، إما إجمالًا أو تفصيلًا، وضرب له الأمثال.

стр. 469

٣٢ - ولا أحد أظلم ممن نسب إلى الله ما لا يليق به؛ من الشريك والزوجة والولد، ولا أحد أظلم ممن كذَّب بالوحي الذي جاء به رسول الله ﷺ ، أليس في النار مأوى ومسكن للكافرين بالله، وبما جاء به رسوله؟! بلى، إن لهم لمأوى ومسكنًا فيها. ولما ذكر الله الكاذب المكذِّب ذكر الصادق المُصَدِّق، فقال: ٣٣ - والذي جاء بالصدق في أقواله وأفعاله من الأنبياء وغيرهم، وصدَّق به مؤمنًا، وعمل بمقتضاه، أولئك هم المتقون حقًّا، الذين يمتثلون أمر ربهم، ويجتنبون نهيه. ٣٤ - لهم ما يشاؤون عند ربهم من الملذات الدائمة، ذلك جزاء المحسنين أعمالهم مع خالقهم ومع عبيده. ٣٥ - ليمحو الله عنهم أسوأ الذي كانوا يعملونه من المعاصي في الدنيا؛ لتوبتهم منها، وإنابتهم إلى ربهم، ويجزيهم ثوابهم بأحسن ما كانوا يعملون من الصالحات. ٣٦ - أليس الله بكافٍ عبده محمدًا ﷺ أَمْر دينه ودنيا دافِع عدوَّه عنه؟! بلى، إنه لكافيه، ويخوفونك -أيها الرسول- من جهلهم وسفاهتهم، من الأصنام التي يعبدونها من دون الله أن تنالك بسوء، ومن يخذله الله ولم يوفقه للهداية فما له من هاد يهديه ويوفقه. ٣٧ - ومن يوفقه الله للهداية فلا مضلَّ يستطيع إضلاله، أليس الله بعزيز لا يغالبه أحد، ذي انتقام ممن يكفر به ويعصيه؟! بلى إنه لعزيز ذو انتقام. ٣٨ - ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولنَّ: خلقهن الله، قل لهم إظهارًا لعجز آلهتهم: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، إن أراد الله أن يصيبني بضرٍّ هل تملك إزالة ضرِّه عني؟! أو إن أراد ربي أن يمنحني رحمة منه هل تستطيع منع رحمته عني؟! قل لهم: حسبي الله، عليه اعتمدت في أموري كلها، وعليه وحده يعتمد المتوكلون. ٣٩ - قل -أيها الرسول-: يا قومي، اعملوا على الحالة التي ارتضيتموها من الشرك بالله، إني عامل على ما أمرني ربي به؛ من الدعوة إلى توحيده، وإخلاص العبادة له، فسوت تعلمون عاقبة كل مسلك. ٤٠ - سوف تعلمون من يأتيه عذاب في الدنيا يذله ويهينه، وينزل عليه في الآخرة عذاب مقيم، ينقطع، ولا يزول. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظم خطورة الافتراء على الله ونسبة ما لا يليق به أو بشرعه له سبحانه. • ثبوت حفظ الله للرسول ﷺ أن يصيبه أعداؤه بسوء. • الإقرار بتوحيد الربوبية فقط بغير توحيد الألوهية، لا ينجي صاحبه من عذاب النار.

стр. 470

٤١ - إنا أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن للناس بالحق لتنذرهم، فمن اهتدى فإنما نفْع هدايته لنفسه، فالله لا تنفعه هدايته؛ لأنه غني عنها، ومن ضل فإنما ضرر ضلاله على نفسه، فالله سبحانه لا يضره ضلاله، ولست عليهم موكلًا لتجبرهم على الهداية، فما عليك إلا تبليغهم ما أمرت بتبليغه. ٤٢ - الله الذي يقبض الأرواح عند نهاية آجالها، ويقبض الأرواح التي لم تَنْقَضِ آجالها عند النوم، فيمسك التي حكم عليها بالموت، ويرسل التي لم يحكم عليها به إلى أمد محدد في علمه سبحانه، إن في ذلك القبض والإرسال والإماتة والإحياء لدلائل لقوم يتفكرون على أن الذي يفعل ذلك قادر على بعث الناس بعد موتهم للحساب والجزاء. ٤٣ - لقد اتخذ المشركون من أصنامهم شفعاء يرجون عندهم النفع من دون الله، قل لهم -أيها الرسول-: أتتخذونهم شفعاء حتى لو كانوا لا يملكون لكم ولا لأنفسهم شيئًا، ولا يعقلون؛ فهم جمادات صماء لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر؟! ٤٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لله وحده الشفاعة كلها، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يشفع إلا لمن ارتضى، له وحده ملك السماوات وملك الأرض، ثم إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء، فيجازيكم على أعمالكم. ٤٥ - وإذا ذُكِر الله وحده نفرت قلوب المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاء، وإذا ذُكِرت الأصنام التي يعبدونها من دون الله إذا هم مسرورون فرحون. ٤٦ - قل -أيها الرسول-: اللَّهُمَّ خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليك شيء من ذلك، أنت وحدك تفصل بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فتبين المحق والمبطل، والسعيد والشقي. ٤٧ - ولو أن للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي ما في الأرض من نفائس وأموال؛ لافتدوا به من العذاب الشديد الذي شاهدوه بعد بعثهم، لكن ليس لهم ذلك، ولو فُرِض أنه لهم لم يُقْبل منهم، وظهر لهم من الله من صنوف العذاب ما لم يكونوا يتوقعونه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • النوم والاستيقاظ درسان يوميان للتعريف بالموت والبعث. • إذا ذُكِر الله وحده عند الكفار أصابهم ضيق وهم؛ لأنهم يتذكرون ما أمر به وما نهى عنه وهم معرضون عن هذا كله. • افتداء الكافر يوم القيامة نفسه بكل ما يملك مع بخله به في الدنيا، ولن يُقْبل منه.

стр. 471

٤٨ - وظهر لهم سيئات ما كسبوه من الشرك والمعاصي، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا إذا خُوِّفوا منه في الدنيا يستهزئون به. ٤٩ - فإذا أصاب الإنسان الكافر مرض أو فقر ونحوه دعانا لنكشف عنه ما أصابه من ذلك، ثم إذا أعطيناه نعمة من صحة أو مال قال الكافر: إنما أعطاني الله ذلك لعلمه بأني أستحقُّه، والصحيح أنه ابتلاء واستدراج، ولكنَّ معظم الكافرين لا يعلمون ذلك؛ فيغترون بما أنعم الله به عليهم. ٥٠ - قد قال هذا القول الكفار من قلبهم، فما أغنى عنهم ما كانو يكسبون من الأموال والمنزلة شيئًا. ٥١ - فأصابهم جزاء سيئات ما كسبوا من الشرك والمعاصي، والذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي من هؤلاء الحاضرين سيصيبهم جزاء سيئات ما كسبوا مثل الماضين، ولن يفوتوا الله ولن يغلبوه. ٥٢ - أقال هؤلاء المشركون ما قالوا، ولم يعلموا أن الله يوسع الرزق على من يشاء ابتلاء له: أيشكر أم يكفر؟! ويضيِّقه على من يشاء اختبارًا له: أيصبر أم يتسخط على قدر الله؟! إن في ذلك المذكور من توسيع الرزق وتضييقه لدلالات على تدبير الله لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالدلالات، وأما الكفار فهم يمرون عليها وهم عنها معرضون. ٥٣ - قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تجاوزوا الحد على أنفسهم بالشرك بالله وارتكاب المعاصي: لا تَيْئَسُوا من رحمة الله، ومن مغفرته لذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب كلها لمن تاب إليه، إنه هو الغفور لذنوب التائبين، الرحيم بهم. ٥٤ - وارجعوا إلى ربكم بالتوبة والأعمال الصالحة، وانقادوا له، من قبل أن يأتيكم العذاب يوم القيامة ثم لا تجدون من أصنامكم أو أهليكم من ينصركم بإنقاذكم من العذاب. ٥٥ - واتبعوا القرآن الذي هو أحسن ما أنزله ربكم على رسوله، عملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، من قبل أن يأتيكم العذاب فجاة وأنتم لا تحسُّون به فتستعدُّوا له بالتوبة. ٥٦ - افعلوا ذلك حذر أن تقول نفس من شدة الندم يوم القيامة: يا ندمها على تفريطها في جنب الله بما كانت عليه من الكفر والمعاصي، وعلى أنها كانت تسخر من أهل الإيمان والطاعة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • النعمة على الكافر استدراج. • سعة رحمة الله بخلقه. • الندم النافع هو ما كان في الدنيا، وتبعته توبة نصوح.

стр. 472

٥٧ - أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله وفَّقني لكنت من المتقين له؛ أمتثل أوامره، وأجتنب نواهيه. ٥٨ - أو تقول حين تشاهد العذاب مُتَمنِّية: لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأتوب إلى الله، وأكون من المحسنين في أعمالهم. ٥٩ - ليس الأمر كما زَعَمْتَ من تمني الهداية، فقد جاءتكَ آياتي فكذبتَ بها وتكبرتَ، وكنتَ من الكافرين بالله وبآياته ورسله. ٦٠ - ويوم القيامة تشاهد الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك والولد إليه وجوههم مسودة؛ علامة على شقائهم، أليس في جهنم مقرٌّ للمتكبرين على الإيمان بالله ورسله؟! بلى، إن فيها لمقرًّا لهم. ٦١ - ويُسلِّم الله الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العذاب بإدخالهم مكان فوزهم وهو الجنة، يمسُّهم العذاب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الحظوظ الدنيوية. ٦٢ - الله خالق كل شيء، فلا خالق غيره، وهو على كل شيء حفيظ، يدبر أمره، ويصرفه كيف يشاء. ٦٣ - له وحده مفاتيح خزائن الخيرات في السماوات والأرض، يمنحها من يشاء، ويمنعها ممن يشاء، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون؛ لحرمانهم من الإيمان في حياتهم الدنيا، ولدخولهم النار خالدين فيها في الآخرة. ٦٤ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يراودونك أن تعبد أوثانهم: أتأمرونني -أيها الجاهلون بربكم- أن أعبد غير الله؟! لا يستحق العبادة إلا الله ? فلن أعبد غيره. ٦٥ - ولقد أوحى الله إليك -أيها الرسول- وأوحى إلى الرسل من قبلك: لئن عبدت مع الله كيره ليبطلنَّ ثواب عملك الصالح، ولتكوننَّ من الخاسرين في الدنيا بخسران دينك، وفي الآخرة بالعذاب. ٦٦ - بل اعبُدِ الله ولا تشرك به أحدًا، وكن من الشاكرين له على نعمه التي أنعم بها عليك. ٦٧ - وما عظَّم المشركون الله حق تعظيمه حين أشركوا به غيره من مخلوقاته الضعيفة العاجزة، وغفلوا عن قدرة الله التي من مظاهرها أن الأرض بما فيها من جبال وأشجار وأنهار وبحار يوم القيامة في قبضته، وأن السماوات السبع كلها مطويات بيمينه، تَنَزَّه وتقدس وتعالى عما يقوله ويعتقده المشركون. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الكِبْر خلق ذميم مشؤوم يمنع من الوصول إلى الحق. • سواد الوجوه يوم القيامة علامة شقاء أصحابها. • الشرك محبط لكل الأعمال الصالحة. • ثبوت القبضة واليمين لله سبحانه دون تشبيه ولا تمثيل.

стр. 473

٦٨ - يوم ينفخ المَلَك الموكل بالنفخ في القرن، يموا كل من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه المَلَك مرة ثانية للبعث، فإذا جميع الأحياء قائمون ينظرون ما الله فاعل بهم. ٦٩ - وأضاءت الأرض لما تجلَّى رب العزة للفصل بين العباد. ونُشِرت صحف أعمال الناس، وجيء بالأنبياء، وجيء بأمة محمد ﷺ لتشهد للأنبياء على أقوامهم، وحكم الله بين جميعهم بالعدل وهم لا يُظْلمون في ذلك اليوم، فلا يزاد إنسان سيئة، ولا ينقص حسنة. ٧٠ - وأكمل الله جزاء كل نفس، خيرًا كان عملها أو شرًّا، والله أعلم بما يفعلون، لا يخفى عليه من أفعالهم خيرها وشرها شيء، وسيجازيهم في هذا اليوم على أعمالهم. ٧١ - وساق الملائكةُ الكافرين بالله إلى جهنم جماعات ذليلة، حتى إذا جاؤوا جهنم فتحت لهم خزنتها من الملائكة الموكلين بها أبوابها، واستقبلوهم بالتوبيخ قائلين لهم: ألم يأتكم رسل من جنسكم يقرؤون عليكم آيات ربكم المنزلة عليهم، ويخوفونكم لقاء يوم القيامة؛ لما فيه من عذاب شديد؟! قال الذين كفروا مُقِرِّين على أنفسهم: بلى، قد حصل كل ذلك، ولكن وجبت كلمة العذاب على الكافرين، ونحن كنا كافرين. ٧٢ - قيل لهم إهانةً لهم وتيئيسًا من رحمة الله، ومن الخروج من النار: ادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فساء وقبح مقر المتكبرين المتعالين على الحق. ٧٣ - وساق الملائكةُ برِفْقٍ المؤمنين الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه إلى الجنة جماعات مكرمة، حتى إذا جاؤوا الجنة فتحت لهم أبوابها، وقال لهم الملائكة الموكلون بها: سلام عليكم من كل ضرٍّ ومن كل ما تكرهونه، طابت قلوبكم وأعمالكم، فادخلوا الجنة ماكثين فيها أبدًا. ٧٤ - وقال المؤمنون لما دخلوا الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده الذي وعدناه على ألسنة رسله، فقد وعدنا بأن يدخلنا الجنة، وأورثنا أرض الجنة، ننزل منها المكان الذي نشاء أن ننزله، فنعم أجر العاملين الذين يعملون الأعمال الصالحة ابتغاء وجه ربهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • ثبوت النفختين. • بيان الإهانة التي يتلقاها الكفار، والإكرام الذي يُسْتَقبل به المؤمنون. • ثبوت خلود الكفار في الجحيم، وخلود المؤمنين في النعيم. • طيب العمل يورث طيب الجزاء.

стр. 474

٧ ٥ - ويكون الملائكة في هذا اليوم المشهود محيطين بالعرش، ينزهون الله عما لا يليق به مما يقوله الكفار، وقضى الله بين جميع الخلائق بالعدل، فأكرم من أكرم، وعذب من عذب، وقيل: الحمد لله رب المخلوقات على حكمه بما حكم به من رحمة لعباده المؤمنين، ومن عذاب لعباده الكافرين. سورة غافر مَكيَّة [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] معالجة المجادلين في آيات الله بمحاورتهم ودعوتهم للرجوع إلى الحق. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - تنزيل القرآن المنزل على رسوله محمد ﷺ من الله العزيز الذي لا يغلبه أحد العليم بمصالح عباده. ٣ - غافر ذنوب المذنبين، قابل توبة من تاب إليه من عباده، شديد العقاب لمن لم يتب من ذنوبه، ذي الإحسان والتفضل، لا معبود بحق غيره، إليه وحده مرجع العباد يوم القيامة، فيجازيهم بما يستحقون. ٤ - ما يخاصم في آيات الله الدالة على توحيده وصدق رسله إلا الذين كفروا بالله لفساد عقولهم، فلا تحزن عليهم، ولا يغررك ما هم فيه من بسط الرزق والنعم، فإمهالهم استدراج لهم ومكر بهم. ٥ - كذَّب قبل هؤلاء قوم نوح، وكذبت قبلهم الأحزاب بعد قوم نوح، فكذبت عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْين، وكذَّب فرعون، وهمَّت كل أمة من الأمم برسولها لتأخذه فتقتله، وجادلوا بما عندهم من الباطل ليزيلوا به الحق، فأخذت تلك الأمم كلها، فتأمل كيف كان عقابي لهم، فقد كان عقابًا شديدًا. ٦ - وكما حكم الله بإهلاك تلك الأمم المكذبة، وجبت كلمة ربك -أيها الرسول- على الذين كفروا أنهم أصحاب النار. ٧ - الملائكة الذين يحملون عرش ربك -أيها الرسول- والذين هم من حوله، ينزهون ربهم عما لا يليق به، ويؤمنون به، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا بالله، قائلين في دعائهم: ربنا، وسع علمك ورحمتك كل شيء، فاغفر للذين تابوا من ذنوبهم، واتبعوا دينك، واحفظهم من النار أن تمسهم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجمع بين الترغيب في رحمة الله، والترهيب من شدة عقابه: مسلك حسن. • الثناء على الله بتوحيده والتسبيح بحمده أدب من آداب الدعاء. • كرامة المؤمن عند الله؛ حيث سخر له الملائكة يستغفرون له.

стр. 475

٨ - وتقول الملائكة: ربنا وأدخل المؤمنين جنات الخلد التي وعدتهم أن تدخلهم فيها، وأدخل معهم من صلح عمله من آبائهم وأزواجهم وأولادهم، إنك أنت العزيز الذي لا يغلبك أحد، الحكيم في تقديرك وتدبيرك. ٩ - واحفظهم من سيئات أعمالهم فلا تعذبهم بها، ومن تحفظه يوم القيامة من العقاب على سيئات أعماله فقد رحمته، تلك الوقاية من العذاب، والرحمة بدخول الجنة؛ هي الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز. ١٠ - إن الذين كفروا بالله وبرسله ينادون يوم القيامة عندما يدخلون النار ويمقتون أنفسهم ويلعنونها: لَشدة بُغض الله لكم أعظم من شدة بغضكم لأنفسكم حين كنتم تُدعون في الدنيا إلى الإيمان بالله فتكفرون به، وتتخذون معه آلهة. ١١ - والكفار مُقِرِّين بذنوبهم حين لا ينفع إقرارهم ولا توبتهم: ربنا، أمتَّنا مرتين حيث كنا عدمًا فأوجدتنا، ثم أمَتَّنا بعد ذلك الإيجاد، وأحييتنا مرتين بإيجادنا من العدم، وبإحيائنا للبعث، فاعترفنا بذنوبنا التي اكتسبناها، فهل من طريق نسلكه إلى خروج من النار فنعود إلى الحياة لنصلح أعمالنا، فترضى عنا؟! ١٢ - ذلكم العذاب الذي عذبتم به هو بسبب أنكم كنتم إذا دعي الله وحده ولم يشرَك به أحد كفرتم به وجعلتم له شركاء، وإذا عُبد مع الله شريك آمنتم، فالحكم لله وحده، العلي بذاته وقدره وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه. ١٣ - الله هو الذي يريكم آياته في الآفاق والأنفس؛ لتدلُّكم على قدرته ووحدانيته، وينزل لكم من السماء ماء المطر ليكون سببًا لما ترزقون به من النبات والزروع وغيرهما , وما يتَّعظ بآيات الله إلا من يرجع إليه تائبًا مخلصًا. ١٤ - فادعوا الله -أيها المؤمنون- مخلصين له في الطاعة والدعاء، غير مشركين به، ولو كره الكافرون ذلك وأغضبهم. ١٥ - فهو أهل لأن يُخْلَص له الدعاء والطاعة، فهو رفيع الدرجات مباين لجميع خلقه، وهو رب العرش العظيم، ينزل الوحي على من يشاء من عباده ليَحْيَوا هم ويُحْيُوا غيرهم، وليخؤفوا الناس من يوم القيامة الذي يتلاقى فيه الأولون والآخرون. ١٦ - يوم هم ظاهرون قد اجتمعوا في صعيد واحد، لا يخفى على الله منهم شيء، لا من ذواتهم ولا أعمالهم ولا جزائهم، يسأل: لمن الملك اليوم؟! ليس الآن إلَّا جواب واحد؛ الملك لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، القهار الذي قهر كل شيء، وخضع له كل شيء. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • مَحَلُّ قبول التوبة الحياة الدنيا. • نفع الموعظة خاص بالمنيبين إلى ربهم. • استقامة المؤمن لا تؤثر فيها مواقف الكفار الرافضة لدينه. • خضوع الجبابرة والظلمة من الملوك لله يوم القيامة.

стр. 476

١٧ - اليوم تُجْزَى كل نفس بما كسبته من عمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر ظلم في هذا اليوم؛ لأن الحاكم هو الله العدل، إن الله سريع الحساب لعباده؛ لإحاطة علمه بهم. ١٨ - وخوِّفهم -أيها الرسول- يوم القيامة، هذهِ القيامة التي اقتربت، فهي آتية، وكل ما من شدة هولها مرتفعة وحتى تصل إلى حناحر أصحابها، الذين يكونون صامتين لا يتكلم أحد منهم إلا من أذن له الرحمن، وليس للظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصى من صديق ولا قريب، ولا شفيع يطاع إذا قُدِّرَ له أن يشفع. ١٩ - الله يعلم ما تختلسه أعين الناظرين خفية، ويعلم ما تكتمه الصدور يخفى عليه شيء من ذلك. ٢٠ - والله يحكم بالعدل، فلا يظلم أحدًا بنقص من حسناته، ولا بزيادة في سيئاته، والذين يعبدهم المشركون من دون الله لا يحكمون بشيء؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، إن الله هو السميع لأقوال عباده، البصير بنياتهم وأعمالهم، وسيجازيهم عليها. ٢١ - أَوَلم يسر هؤلاء المشركون في الأرض؛ فيتأمَّلوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم، فقد كانت نهاية سيئة، كانت تلك الأمم أشد من هؤلاء قوة، وأثَّروا في الأرض بالبناء ما لم يؤثِّر فيها هؤلاء، فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وما كان لهم مانع يمنعهم من عقاب الله. ٢٢ - ذلك العذاب الذي أصابهم إنما أصابهم لأنهم كانت تأتيهم رسلهم من الله بالأدلة الواضحة، والحجج الباهرة، فكفروا بالله وكذبوا رسله، ومع ما هم عليه من القوة فقد أخذهم الله فأهلكهم، إنه سبحانه قوي شديد العقاب لمن كفر به، وكذب رسله. ولما واجه ﷺ تكذيب قومه له ذكر الله قصة موسى مع فرعون؛ تبشيرًا له بأن عاقبة أمره النصر، فقال: ٢٣ - ولقد بعثنا موسى بآياتنا الواضحات، وببرهان قاطع. ٢٤ - إلى فرعون ووزيره هامان وإلى قارون، فقالوا: موسى ساحر كذاب فيما يدَّعيه من أنه رسول. ٢٥ - فلما جاءهم موسى بالبرهان الدال على صدقه قال فرعون: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، واستبقوا نساءهم إهانة لهم، وما مكْر الكافرين بالأمر بتقليل عدد المؤمنين إلا هالك ذاهب، لا أثر له. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التذكير بيوم القيامة من أعظم الرواح عن المعاصي. • إحاطة علم الله بأعمال عباده؛ خَفِيَّة كانت أم ظاهرة. • الأمر بالسير في الأرض للاتعاظ بحال المشركين الذين أهلكوا.

стр. 477

٢٦ - وقال فرعون: اتركوني أقتل موسى عقابًا له، وليدع ربه أن يمنعه مني، فأنا لا أبالي أن يدعو ربه، إني أخاف أن يغيِّر دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في الأرض الفساد بالقتل والتخريب. ٢٧ - وقال موسى ﵇ لمَّا علم بتهديد فرعون له: إني التجأت واعتصمت بربي وربكم من كل متكبر عن الحق والإيمان به، لا يؤمن بيوم القيامة، وما فيه من حساب وعقاب. ٢٨ - وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون يكتم إيمانه عن قومه منكرًا عليهم عزمهم على قتل موسى: أتقتلون رجلًا دون جرم غير أنه قال: ربي الله، وقد جاءكم بالحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه أنه مرسل من ربه؟! وإن قدر أنه كاذب فضرر كذبه عائد عليه، وإن يكن صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم به من العذاب عاجلًا، إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز لحدوده، مفتر عليه وعلى رسله. ٢٩ - يا قوم، لكم الملك اليوم غالبين في أرض مصر، فمن ينصرنا من عذاب الله إن جاءنا بسبب قتل موسى؟! قال فرعون: الرأي رأيي والحكم حكمي، وقد رأيت أن أقتل موسى؛ دفعًا للشر والفساد، وما أرشدكم إلا الصواب والسداد. ٣٠ - وقال الذي آمن ناصحًا قومه: إني أخاف عليكم -إن قتلتم موسى ظلمًا وعدوانًا- عذابًا مثل عذاب الأحزاب الذين تحزَّبوا على رسلهم من السابقين فأهلكهم الله. ٣١ - كعادة من كفر وكذَّب الرسل مثل قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم، فقد أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم لرسله، وما الله يريد ظلمًا للعباد، وإنما يعذبهم بذنوبهم؛ جزاءً وفاقًا. ٣٢ - ويا قوم، إني أخاف عليكم يوم القيامة، ذلك اليوم الذي ينادي فيه الناس بعضهم بعضًا بسبب قرابة أو جاه ظنًّا منهم أن هذا المسلك ينفعهم في هذا الموقف الرهيب. ٣٣ - يوم تولون هاربين خوفًا من النار، ما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله، ومن يخذله الله ولا يوفقه للإيمان فما له من هادٍ يهديه؛ لأن هداية التوفيق بيد الله وحده. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لجوء المؤمن إلى ربه ليحميه من كيد أعدائه. • جواز كتم الإيمان للمصلحة الراجحة أو لدرء المفسدة. • تقديم النصح للناس من صفات أهل الإيمان.

стр. 478

٣٤ - ولقد جاءكم يوسف من قبل موسى بالبراهين الواضحة على توحيد الله، فما زلتم في شك وتكذيب لما جاءكم به، حتى إذا نوفّي ازددتم شكًّا وارتيابًا، وقلتم: لن يبعث الله من بعده رسولًا. مثل ضلالكم هذا عن الحق يضل الله كل من هو متجاوز لحدود الله، شاكٌّ في وحدانيته. ٣٥ - الذين يخاصمون في آيات الله ليبطلوها بغير حجة ولا برهان أتاهم، كَبُر جدالُهم مَقْتًا عند الله وعند الذين آمنوا به وبرسله. كما ختم الله على قلوب هؤلاء المخاصمين في آياتنا لإبطالها يختم الله على كل قلب مستكبر عن الحق مُتَجَبِّر، فلا يهتدي إلى صواب، ولا يرشد إلى خير. ٣٦ - قال فرعون لوزيره هامان: يا هامان، ابْن لي بناءً عاليًا؛ رجاء أن أبلغ الطرق. ٣٧ - رجاء أن أبلغ طرق السماوات الموصلة إليها، فأنظر إلى معبود موسى الذي يزعم أنه المعبود بحق، وإني لأظنُّ أن موسى كاذب فيما يدَّعيه. وهكذا حُسِّن لفرعون قبْح عمله حين طلب ما طلب من هامان، وصُرِف عن طريق الحق إلى طرق الضلال، وما مكر فرعون -لإظهار باطله الذي هو عليه، وإبطال الحق الذي جاء به موسى- إلا في خسار؛ لأن مآله الخيبة والإخفاق في سعيه، والشقاء الذي لا ينقطع أبدًا. ٣٨ - وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون ناصحًا قومه ومرشدًا إياهم إلى طريق الحق: يا قوم، اتبعوني أدلُّكم وأرشدكم إلى طريق الصواب، والهداية إلى الحق. ٣٩ - يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا تمتع بملذات منقطعة، فلا تغرَّنَّكم بما فيها من متاع زائل، وإن الدار الآخرة بما فيها من نعيم دائم لا ينقطع هي دار الاستقرار والإقامة، فاعملوا لها بطاعة الله، واحذروا من الانشغال بحياتكم الدنيا عن العمل للآخرة. ٤٠ - من عمل عملًا سيئًا فلن يُعَاقَب إلا بمثل ما عمل، لا يزاد عليه عقاب. ومن عمل عملًا صالحًا يبتغي به وجه الله، ذكرًا كان العامل أو أنثى، وهو مؤمن بالله ورسله -فأولئك الموصوفون بتلك الصفات الحميدة يدخلون الجنة يوم القيامة، يرزقهم الله مما أودعه فيها من الثمرات والنعيم المقيم الذي لا ينقطع أبدًا بغير حساب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الجدال لإبطال الحق وإحقاق الباطل خصلة ذميمة، وهي من صفات أهل الضلال. • التكبر مانع من الهداية إلى الحق. • إخفاق حيل الكفار ومكرهم لإبطال الحق. • وجوب الاستعداد للآخرة، وعدم الانشغال عنها بالدنيا.

стр. 479

٤١ - ويا قوم، ما لي أدعوكم إلى النجاة من الخسران في الحياة الدنيا والآخرة بالإيمان بالله والعمل الصالح، وتدعونني إلى دخول النار بما تدعونني إليه من الكفر بالله وعصيانه؟! ٤٢ - تدعونني إلى باطلكم رجاء أن أكفر بالله، وأعبد معه غيره مما لا علم لي بصحة عبادته مع الله، وأنا أدعوكم إلى الإيمان بالله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الغفار عظيم المغفرة لعباده. ٤٣ - حقًّا إن ما تدعونني إلى الإيمان به وإلى طاعته؛ ليس له دعوة يُدْعَى بها بحق في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يستجيب لمن دعاه، وأن مرجعنا جميعًا إلى الله وحده، وأن المسرفين في الكفر والمعاصي هم أصحاب النار الذين يلازمون دخولها يوم القيامة. ٤٤ - فرفضوا نصحه، فقال: ستذكرون ما قدمت لكم من نصح، وتتحسَّرون على عدم قبوله، وأفوِّض أموري كلها إلى الله وحده، إن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء. ٤٥ - فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله، وأحاط بآل فرعون عذاب الغرق، فقد أغرقه الله هو وجنوده كلهم في الدنيا. ٤٦ - وبعد موتهم يعرضون على النار في قبورهم أول النهار وآخره، ويوم القيامة يقال: أدخلوا أتباع فرعون أشدَّ العذاب وأعظمه؟؛ لما كانوا عليه من الكفر والتكذيب والصد عن سبيل الله. ٤٧ - واذكر -أيها الرسول- حين يتخاصم الأتباع والمتبوعون من أصحاب النار، فيقول الأتباع المستضعفون للمتبوعين المتكبرين: إنا كنا لكم أتباعًا في الضلال في الدنيا، فهل أنتم مغنون عنا جزءًا من عذاب الله بتحمُّله عنا؟! ٤٨ - قال المتبوعون المستكبرون: إنا -سواء كنَّا أتباعًا أو متبوعين- في النار، ولا يتحمل أحد منا جزءًا من عذاب الآخر، إن الله قد حكم بين العباد، فأعطى كلًّا ما يستحقه من العذاب. ٤٩ - وقال المعذبون في النار من الأتباع والمتبوعين للملائكة الموكلين بالنار لما يئسوا من الخروج من النار والعودة إلى الحياة الدنيا ليتوبوا: ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا واحدًا من هذا العذاب الدائم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • أهمية التوكل على الله. • نجاة الداعي إلى الحق من مكر أعدائه. • ثبوت عذاب البرزخ. • تعلُّق الكافرين بأي سبب يريحهم من النار ولو لمدة محدودة، وهذا لن يحصل أبدًا.

стр. 480

٥٠ - قال خزنة جهنم ردًّا على الكفار: أَوَلم تكن تأتيكم رسلكم بالبراهين والأدلة الواضحة؟! قال الكفار: بلى، كانوا يأتوننا بالبراهين والأدلة الواضحة، قال الخزنة تَهَكُّمًا بهم: فادعوا أنتم، فنحن لا نشفع للكفار، وما دعاء الكافرين إلا فى بطلان وضياع؛ لعدم قَبوله منهم بسبب كفرهم. ولما ذكر الله قصة فرعون وما آل إليه أمره وأمْر أتباعه في الدنيا والآخرة، ذكر أمْر الرسل والمؤمنين، وما يصيرون إليه من نصر في الدنيا والآخرة فقال: ٥١ - إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا بالله وبرسله في الدنيا بإظهار حجتهم وتأييدهم على أعدائهم، وننصرهم يوم القيامة بإدخالهم الجنة، وبعقاب خصومهم في الدنيا بإدخالهم النار بعد أن يشهد الأنبياء والملائكة والمؤمنون على حصول التبليغ وتكذيب الأمم. ٥٢ - يوم لا ينفع الظالمين أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي اعتذارُهم عن ظلمهم، ولهم في ذلك اليوم الطرد من رحمة الله، ولهم سوء الدار فى الآخرة بما يلاقونه من العذاب الأليم. ٥٣ - ولقد أعطينا موسى العلم الذي يهتدي به بنو إسرائيل إلى الحق، وجعلنا التوراة كتابًا متوارثًا في بني إسرائيل يرثونه جيلًا بعد جيل. ٥٤ - هدايةً إلى طريق الحق، وتذكيرًا لأصحاب العقول السليمة. ٥٥ - فاصبر -أيها الرسول- على ما تلاقيه من تكذيب قومك وإيذائهم، إن وعد الله لك بالنصر والتأييد حق لا مرية فيه، واطلب المغفرة لذنبك، وسبح بحمد ربك أول النهار وآخره. ٥٦ - إن الذين يخاصمون في آيات الله سعيًا لإبطالها بغير حجة ولا برهان، لا يحملهم على ذلك إلا إرادة الاستعلاء والتكبر على الحق، ولن يصلوا إلى ما يريدونه من الاستعلاء عليه، فاعتصم -أيها الرسول- بالله، إنه هو السميع لأقوال عباده، البصير بأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم عليها. ٥٧ - لخلق السماوات والأرض لضخامتهما واتساعهما أعظم من خلق الناس، فالذي خلقهما مع عظمهما قادر على بعث الموتى من قبورهم أحياء ليحاسبهم ويجازيهم، ولكن معظم الناس لا يعلمون، فلا يعتبرون به، ولا يجعلونه دليلًا على البعث مع وضوحه. ٥٨ - ولا يستوي الذي لا يبصر والذي يبصر، ولا يستوي الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسله وأحسنوا أعمالهم، لا يستوون مع من يسيء عمله بالاعتقاد الفاسد والمعاصي، لا تتذكرون إلا قليلًا؛ إذ لو تذكرتم لعلمتم الفرق بين الفريقين لتسعوا إلى أن تكونوا من الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات رغبة في مرضاة الله. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • نصر الله لرسله وللمؤمنين سُنَّة إلهية ثابتة. • اعتذار الظالم يوم القيامة لا ينفعه. • أهمية الصبر في مواجهة الباطل. • دلالة خلق السماوات والأرض على البعث؛ لأن من خلق ما هو عظيم قادر على إعادة الحياة إلى ما دونه.

стр. 481

٥٩ - إن الساعة التي يبعث الله فيها الموتى للحساب والجزاء لآ تية لا محالة، لا شك فيها، ولكن معظم الناس لا يؤمنون بمجيئها، ولذلك لا يستعدُّون لها. ٦٠ - وقال ربكم -أيها الناس-: وحِّدوني في العبادة والمسألة، أجب دعاءكم وأعفُ عنكم وأرحمكم، إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة سيدخلون يوم القيامة جهنم صاغرين ذليلين. ٦١ - الله هو الذي صيَّر لكم الليل مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا، وصيَّر النهار مضيئًا منيرًا لتعملوا فيه، إن الله لذو فضل عظيم على الناس حين أسبغ عليهم من ظاهر نعمه وباطنها، ولكنَّ معظم الناس لا يشكرونه سبحانه على ما أنعم به عليهم منها. ٦٢ - ذلكم الله الذي تفضل عليكم بنعمه هو خالق كل شيء، فلا خالق غيره، لا معبود بحق إلا هو، فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا. ٦٣ - كما صرف هؤلاء عن الإيمان بالله وعبادته وحده يصرف عنه من يجحد بآيات الله الدالة على توحيده في كل زمان ومكان، فلا يهتدي إلى حق، ولا يُوَفَّق لرشد. ٦٤ - الله الذي صيَّر لكم -أيها الناس- الأرض قارة مهيأة لاستقراركم عليها، وصيَّر السماء محكمة البناء فوقكم ممنوعة من السقوط، وصوَّركم في أرحام أمهاتكم فأحسن صوركم، ورزقكم من حلال الأطعمة ومستطابها، ذلكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم هو الله ربكم، فتبارك الله رب المخلوقات كلها، فلا رب لها غيره سبحانه. ٦٥ - هو الحي الذي لا يموت، لا معبود بحق غيره، فادعوه دعاء عبادة ومسالة؛ قاصدين وجهه وحده، ولا تشركوا معه غيره من مخلوقاته، الحمد لله رب المخلوقات. ٦٦ - قل -أيها الرسول-: إني نهاني الله أن أعبد الذين تعبدونهم من دون الله من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر حين جاءتني البراهين والأدلة الواضحة على بطلان عبادتها، وأمرني الله أن أنقاد له وحده بالعبادة، فهو رب الخلائق كلها، لا رب لها غيره. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • دخول الدعاء في مفهوم العبادة التي لا تصرف إلا إلى الله؛ لأن الدعاء هو عين العبادة. • نعم الله تقتضي من العباد الشكر. • ثبوت صفة الحياة لله. • أهمية الإخلاص في العمل.

стр. 482

٦٧ - هو الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم جعل خلقكم من بعده من نطفة، ثم بعد النطفة من دم متجمد، ثم بعد ذلك يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا صغارًا، ثم لتصلوا سن اشتداد البدن، ثم لِتَكْبَرُوا حتى تصيروا شيوخا، ومنكم من يموت قبل ذلك، ولتبلغوا أمدًا محددًا في علم الله، لا تنقصون عنه، ولا تزيدون عليه، ولعلكم تنتفعون بهذه الحجج والبراهين على قدرته ووحدانيته. ٦٨ - هو وحده سبحانه الذي بيده الإحياء، وهو وحده الذي بيده الإماتة، فإذا قضى أمرًا فإنما يقول لذلك الأمر: (كن)، فيكون. ٦٩ - ألم تر -أيها الرسول- الذين يخاصمون في آيات الله مكذبين بها مع وضوحها؛ لتعجب من حالهم وهم يعرضون عن الحق مع وضوحه. ٧٠ - الذين كذَّبوا بالقرآن، وبما بعثنا به رسلنا من الحق، سوف يعلم هؤلاء المكذبون عاقبة تكذيبهم، ويرون سوء الخاتمة. ٧١ - يعلمون عاقبته حين تكون الأصفاد في أعناقهم، والسلاسل في أرجلهم، تجرَّهم زبانية العذاب. ٧٢ - يسحبونهم في الماء الحار الذي اشتدَّ غليانه، ثم في النار يوقدون. ٧٣ - ثم قيل لهم تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: أين الآلهة المزعومة التي أشركتم بعبادتها؟! ٧٤ - من دون الله من أصنامكم التي لا تنفع ولا تضرُّ؟! قال الكفار: غابوا عنَّا فلسنا نراهم، بل ما كنَّا نعبد في الدنيا شيئًا يستحق العبادة. مثل إضلال هؤلاء يضل الله الكافرين عن الحق في كل زمان ومكان. ٧٥ - ويقال لهم: ذلك العذاب الذي تقاسونه بسبب فرحكم بما كنتم عليه من الشرك، وبتوسعكم في الفرح. ٧٦ - ادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها أبدًا، فقبح مستقرُّ المتكبرين عن الحق. ولما عانى رسول الله ﷺ من قومه ما عانى، أمره الله بالصبر، وسلَّاه بما وعده به من النصر، فقال: ٧٧ - فاصبر -أيها الرسول- على أذى قومك وتكذيبهم، إن وعد الله بنصرك حق لا مِرْية فيه، فإما نرينَّك في حياتك بعض الذي نعدهم به من العذاب كما حصل يوم بدر، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فإلينا وحدنا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم على أعمالهم، فندخلهم النار خالدين فيها أبدًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • التدرج في الخلق سُنَّة إلهية يتعلم منها الناس التدرج في حياتهم. • قبح الفرح بالباطل. • أهمية الصبر في حياة الناس، وبخاصة الدعاة منهم.

стр. 483

٧٨ - ولقد بعثنا رسلًا كثيرين من قبلك -أيها الرسول- إلى أممهم، فكذبوهم وآذوهم فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم، مِن هؤلاء الرسل مَن قصصنا عليك خبرهم، ومنهم من لم نقصص عليك خبرهم، وما يصح لرسول أن يأتي قومه بآية من ربه إلا بمشيئته سبحانه، اقتراح الكفار على أممهم الإتيان بالآيات ظلم، فإذا جاء أمر الله بالفتح أو الفصل بين الرسل وأقوامهم فصَل بينهم بالعدل، فأهلك الكفار ونجَّي الرسل، وخسر -في ذلك الموقف الذي يفصل فيه بين العباد- أصحابُ الباطل أنفسَهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم. ٧٩ - الله هو الذي جعل لكم الإبل والبقر والغنم؛ لتركبوا بعضها، وتأكلوا لحوم بعضها. ٨٠ - لكم في هذه المخلوقات منافع متعددة تتجدد في كل عصر، ويحصل لكم من خلالها ما ترغبون به مما في أنفسكم من حاجات، وأبرزها التنقل في البر والبحر. ٨١ - ويريكم سبحانه من آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فأي آيات الله لا تعترفون بها بعد أن تقرر لديكم أنها آياته؟! ٨٢ - أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم فيعتبروا بها؟! فقد كانت تلك الأمم أكثر منهم أموالًا، وأعظم قوة، وأشدَّ آثارًا في الأرض، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من القوة لما جاءهم عذاب الله المهلك. ٨٣ - فلما جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحة كذبوا بها، ورضوا بالتمسك بما عندهم من العلم المنافي لما جاءتهم به رسلهم، ونزل بهم ما كانوا يسخرون منه من العذاب الذي كانت تخوِّفهم رسلهم منه. ٨٤ - فلما رأوا عذابنا قالوا مقرِّين حين لا ينفعهم إقرار: آمنا بالله وحده، وكفرنا بما كنا نعبد من دونه من شركاء وأصنام. ٨٥ - فلم يكن إيمانهم حين عاينوا عذابنا ينزل بهم نافعًا لهم، سُنَّة الله التي مضت في عباده أنه لا ينفعهم إيمانهم عندما يعاينون العذاب، وخسر الكافرون حين نزول العذاب أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم بالله، وعدم التوبة منها قبل معاينة العذاب. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • لله رسل غير الذين ذكرهم الله في القرآن الكريم نؤمن بهم إجمالًا. • من نعم الله تبيينه الآيات الدالة على توحيده. • خطر الفرح بالباطل وسوء عاقبته على صاحبه. • بطلان الإيمان عند معاينة العذاب المهلك.

стр. 484

سورة فصلت مَكيّة [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان كيفية معالجة المعرضين عن القرآن برفق، ببيان أن القرآن هو الحق، وعاقبة الإعراض. [التَّفْسِيرُ] ١ - ﴿حم﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٢ - هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم. ٣ - كتاب بُيِّنت آياته أتمَّ تبيين وأكمله، وجُعِل قرآنا عربيًّا لقوم يعلمون؛ لأنهم الذين ينتفعون بمعانيه، وبما فيه من الهداية إلى الحق. ٤ - مبشرًا المؤمنين بما أعدَّ الله لهم من الجزاء الجزيل، ومخوِّفًا الكافرين من عذاب الله الأليم، فأعرضَ معظمهم عنه، فهم لا يسمعون ما فيه من الهدى سماع قَبُول. ٥ - وقالوا: قلوبنا مغطاة بأغلفة فلا تعقل ما تَدْعُونا إليه، وفي آذاننا صَمَم فلا تسمعه، ومن بيننا وبينك ستر فلا يصل إلينا شيء مما تقول، فاعمل أنت على طريقتك، إنا عاملون على طريقتنا، ولن نتبعك. ٦ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المعاندين: إنما أنا بشر مئلكم يوحي إلي الله أنما معبودكم بحق معبود واحد هو الله، فاسلكوا الطريق الموصل إليه، واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، وهلاك وعذاب للمشركين الذين يعبدون غير الله أو يشركون معه أحدًا. ٧ - الذين لا يعطون زكاة أموالهم، وهم بالآخرة -وما فيها من نعيم مقيم وعذاب أليم- كافرون. ٨ - إن الذين آمنوا بالله وبرسله، وعملوا الأعمال الصالحات لهم ثواب خالد فير مقطوع وهو الجنة. ٩ - قل -أيها الرسول- موبِّخًا المشركين: لماذا أنتم تكفرون بالله الذي خلق الأرض في يومين: يوم الأحد والاثنين، وتجعلون له نظراء تعبدونهم من دونه؟! ذلك رب المخلوقات كلهم. ١٠ - وجعل فيها جبالًا ثوابت من فوقها تثبتها لئلا تضطرب، وقدَّر فيها أقوات الناس والبهائم في أربعة أيام متمَّة لليومين السابقين هما: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سواء لمن أراد أن يسأل عنها. ١١ - ثم قصد سبحانه إلى خلق السماء، وهي يومئذ دخان فقال لها وللأرض: انقادا لأمري مختارتين، أو مكرهتين، لا مَحِيد لكما عن ذلك، قالتا: أتينا طائعتين، فلا إرادة لنا دون إرادتك يا ربنا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • تعطيل الكافرين لوسائل الهداية عندهم يعني بقاءهم على الكفر. • بيان منزلة الزكاة، وأنها ركن من أركان الإسلام. • استسلام الكون لله وانقياده لأمره سبحانه بكل ما فيه.

стр. 485

١٢ - فأتمَّ الله خلق السماوات في يومين: يوم الخميس ويوم الجمعة، وبهما تم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأوحى الله في كل سماء ما يقدره فيها، وما يأمر به من طاعة وعبادة، وزيَّنَّا السماء الدنيا بالنجوم، وحفظنا بها السماء من استراق الشياطين السمع، ذلك المذكور كله تقدير العزيز الذي لا يغلبه أحد، العليم بخلقه. ١٣ - فإن أعرض هؤلاء عن الإيمان بما جئت به فقل لهم -أيها الرسول-: خوّفتكم عذابًا يقع عليكم مثل العذاب الذي وقع على عاد قوم هود، وثمود قوم صالح لما كذبوهما. ١٤ - حين جاءتهم رسلهم يتبع بعضهم بعضًا بدعوة واحدة يأمرونهم ألا يعبدوا إلا الله وحده، قال الكفار منهم: لو شاء ربنا إنزال ملائكة إلينا رسلًا لأنزلهم، فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لأنكم بشر مثلنا. ١٥ - فأما عاد قوم هود فمع كفرهم بالله تكبَّروا في الأرض بغير الحق، وظلموا من حولهم، وقالوا وهم مخدوعون بقوتهم: من أشدَّ منا قوة؟! لا أحد أشد منهم قوة بزعمهم، فردّ الله عليهم: أفلا يعلم هؤلاء ويشاهدون أن الله الذي خلفهم وأودع فيهم القوة التي أطغتهم هو أشدَّ منهم قوة؟! وكانوا يكفرون بآيات الله التي جاء بها هود ﵇. ١٦ - فبعثنا عليهم ريحًا ذات صوت مزعج في أيام مشؤومات عليهم لما فيها من العذاب؛ لنذيقهم عذاب الذل والمهانة لهم في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة الذي ينتظرهم أشدَّ إذلالًا لهم، وهم لا يجدون من ينصرهم بإنقاذهم من العذاب. ١٧ - وأما ثمود قوم صالح فقد هديناهم بتبيين طريق الحق لهم، ففضلوا الضلال على الهداية إلى الحق، فأخذهم العذاب المذل بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي. ١٨ - وأنجينا الذين آمنوا بالله ورسله، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أنجيناهم من العذاب الذي حلَّ بقومهم. ١٩ - ويوم يحشر الله أعداءه إلى النار، ترد الزبانية أولهم إلى آخرهم، لا يستطيعون الهرب من النار. ٢٠ - حتى إذا ما جاؤوا النار التي سيقوا إليها، وتنكَّروا لما كانوا يعملون في الدنيا، شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الإعراض عن الحق سبب المهالك في الدنيا والآخرة. • التكبر والاغترار بالقوة مانعان من الإذعان للحق. • الكفار يُجْمَع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. • شهادة الجوارح يوم القيامة على أصحابها.

стр. 486

٢١ - وقال الكفار لجلودهم: لِمَ شهدتم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟! قالت الجلود جوابًا لأصحابها: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة عندما كنتم في الدنيا، وإليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء. ٢٢ - وما كنتم تَسْتَخْفُون حين ترتكبون المعاصي حتى لا تشهد عليكم أسماعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ لأنكم لا تؤمنون بحساب ولا عقاب ولا ثواب بعد الموت، ولكن ظننتم أن الله سبحانه لا يعلم كثيرًا مما تعملونه، بل يخفى عليه، فاغتررتم. ٢٣ - وذلكم الظن السيئ الذي ظننتم بربكم أهلككم، فأصبحتم بسبب ذلك من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة. ٢٤ - فإن يصبر هؤلاء , الذين شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، فالنار مستقر لهم، ومأوى يأوون إليه، وإن يطلبوا رفع العذاب ورضا الله عنهم، فما هم بنائلين رضاه ولا داخلين الجنة أبدًا. ٢٥ - وهيأنا لهؤلاء الكفار قرناء من الشياطين يلازمونهم، فحسَّنوا لهم سوء أعمالهم في الدنيا، وحسَّنوا لهم ما خلفهم من أمر الآخرة فأنسوهم تذكرها والعمل لها، ووجب عليهم العذاب في جملة أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين حيث خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بدخولهم النار. ٢٦ - وقال الكفار متواصين فيما بينهم لما عجزوا عن مواجهة الحجة بالحجة: لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرؤه عليكم محمد، ولا تنقادوا لما فيه، وصيحوا وارفعوا أصواتكم عند قراءته له؛ لعلكم بذلك تنتصرون عليه، فيترك تلاوته والدعوة إليه، فنستريح منه. ٢٧ - فلنذيقنَّ الذين كفروا بالله وكذَّبوا رسله عذابًا شديدًا يوم القيامة، ولنجزينَّهم أسوأ الذي كانوا يعملون من الشرك والمعاصي عقابًا لهم عليها. ٢٨ - ذلك الجزاء المذكور جزاء أعداء الله الذين كفروا به وكذَّبوا رسله: النار، لهم فيها خلود لا ينقطع أبدًا؛ جزاءً على جحدهم لآيات الله، وعدم إيمانهم بها مع وضوحها وقوة حجتها. ٢٩ - وقال الذين كفروا بالله وكذبوا رسله: ربنا، أرنا اللذَينِ أضَلَّانا من الجن والإنس: إبليس الذي سنَّ الكفر والدعوة إليه، وابن آدم الذي سنَّ سفك الدماء، نجعلهما في النار تحت أقدامنا؛ ليكونا من الأسفلين الذين هم أشد أهل النار عذابًا. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • سوء الظن بالله صفة من صفات الكفر. • الكفر والمعاصي سبب تسليط الشياطين على الإنسان. • تمنّي الأتباع أن ينال متبوعوهم أشدَّ العذاب يوم القيامة.

стр. 487

ولمَّا ذكر الله جزاء أعدائه ذكر جزاء أوليائه، فقال: ٣٠ - إن الذين قالوا: ربنا الله، لا رب لنا غير، واستقاموا على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، تتنزل عليهم الملائكة عند احتضارهم قائلين لهم: لا تخافوا من الموت ولا مما بعده، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم في الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون بها في الدنيا على إيمانكم بالله وعملكم الصالح. ٣١ - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا، فقد كنا نسدد ونحفظكم، ونحن أولياؤكم في الآخرة، فولايتنا لكم مستمرة، ولكم في الجنة ما تشتهيه أنفسكم من الملذات والشهوات، ولكم فيها كل ما تطلبونه مما تشتهونه. ٣٢ - رزقًا مُهيَّأً لضيافتكم من ربٍّ غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، رحيم بهم. ٣٣ - ولا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى توحيد الله والعمل بشرعه، وعمل عملًا صالحًا يرضي ربه، وقال: إنني من المستسلمين المنقادين لله، فمن فعل ذلك كله فهو أحسن الناس قولًا. ٣٤ - ولا يستوى فعل الحسنات والطاعات التي ترضي الله، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه، ادفع بالخصلة التي هي أحسنُ إساءةَ من أساء إليك من الناس، فإذا الذي بينك وبينه عداوة سابقة -إذا دفعتَ إساءته بالإحسان إليه- قريب شفيق. ٣٥ - ولا يُوفَّق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا على الإيذاء، وما يلاقونه من الناس من السوء، ولا يُوفَّق لها إلا ذو نصيب عظيم؛ لما فيها من الخير الكثير، والنفع الوفير. ٣٦ - وإن وسوس لك الشيطان في أي وقت بشرٍّ فاعتصم بالله والجأ إليه، إنه هو السميع لما تقوله، العليم بحالك. ٣٧ - ومن آيات الله الدالة على عظمته وتوحيده الليل والنهار في تعاقبهما، والشمس والقمر، لا تسجدوا -أيها الناس- للشمس، ولا تسجدوا للقمر، واسجدوا لله وحده الذي خلقهنَّ إن كنتم تعبدونه حقًّا. ٣٨ - فإن استكبروا وأعرضوا، ولم يسجدوا لله الخالق، فالملائكة الذين هم عند الله يسبِّحونه ويحمدونه سبحانه في الليل والنهار معًا، وهم لا يملُّون من عبادته. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • منزلة الاستقامة عند الله عظيمة. • كرامة الله لعباده المؤمنين وتولِّيه شؤونهم وشؤون مَن خلفهم. • مكانة الدعوة إلى الله، وأنها أفضل الأعمال. • الصبر على الإيذاء والدفع بالتي هي أحسن خُلُقان لا غنى للداعي إلى الله عنهما.

стр. 488

٣٩ - ومن آياته الدالة على عظمته وتوحيده وعلى قدرته على البعث أنك تعاين الأرض لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر تحركت بسبب نمو المخبوء فيها من بذور، وارتفعت، إن الذي أحيا هذه الأرض الميتة بالنبات، لمحيي الموتى وباعثهم للحساب والجزاء، إنه على كل شيء قدير، لا يعجزه إحياء أرض بعد موتها، ولا إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم. ٤٠ - إن الذين يميلون في آيات الله عن الصواب بإنكارها والتكذيب بها وتحريفها لا يخفى حالهم علينا، فنحن نعلمهم، أفمن يُلْقَى في النار أفضل أم من يأتي يوم القيامة آمنًا من العذاب؟ اعملوا -أيها الناس- ما شئتم من خير وشرٍّ، فقد بيَّنا لكم الخير والشر، إن الله بما تعملون منهما بصير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ٤١ - إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم من عند الله لمعذبون يوم القيامة، وإنه لكتاب عزيز منيع، لا يستطيع مُحَرِّف أن يحرِّفه، ولا مُبَدِّل أن يبدله. ٤٢ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بنقص أو زيادة أو تبديل أو تحريف، تنزيل من حكيم في خلقه وتقديره وتشريعه، محمود على كل حال. ولما ذكر الله حال المكذبين بالكتاب صبَّر رسوله وسلَّاه بما كان يلقاه من قبله إخوانه من الرسل من التكذيب والسخرية والافتراء، فقال: ٤٣ - ما يقال لك -أيها الرسول- من التكذيب إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فاصبر، فإن ربك لذو مغفرة لمن تاب إليه من عباده، وذو عقاب موجع لمن أصرَّ على ذنوبه ولم يتب. ٤٤ - ولو أنزلنا هذا القرآن بغير لغة العرب لقال الكفار منهم: لولا بُيِّنت آياته حتى نفهمها، أيكون القرآن أعجميًّا، والذي جاء به عربي؟ قل -أيها الرسول- لهؤلاء: القرآن -للذين آمنوا بالله وصدقوا رسله- هداية من الضلال وشفاء لما في الصدور من الجهل وما يتبعه، والذين لا يؤمنون بالله في آذانهم صمم، وهو عليهم عمى لا يفهمونه، أولئك الموصوفون بتلك الصفات كمن ينادون من مكان بعيد، فكيف لهم أن يسمعوا صوت المنادي! ٤٥ - ولقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها؛ فمنهم من آمن بها، ومنهم من كفر بها، ولولا وعد من الله أن يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه لحكم بين المختلفين في التوراة، فبيّن المحق والمبطل، فأكرم المحق وأهان المبطل، وإن الكفار لفي شك من أمر القرآن مريب. ٤٦ - من عمل عملًا صالحًا فنفْعُ عمله الصالح عائد إليه، فالله لا ينفعه العمل الصالح من أحد، ومن عمل عملًا سيئًا فضرر ذلك راجع إليه، فالله لا تضرَّه معصية أحد من خلقه، وسيجازي كلًّا بما يستحقه، وما ربك -أيها الرسول- بظلَّام لعبيده، فلن ينقصهم حسنة، ولن يزيدهم سيئة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • حَفِظ الله القرآن من التبديل والتحريف، وتكَفَّل سبحانه بهذا الحفظ، بخلاف الكتب السابقة له. • قطع الحجة على مشركي العرب بنزول القرآن بلغتهم. • نفي الظلم عن الله، وإثبات العدل له.

стр. 489

٤٧ - إلى الله وحده يُردُّ علم الساعة؛ فهو وحده يعلم متى تقع، فلا يعلم ذلك غيره، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها التي تحفظها، وما تحمل من أنثى ولا تلد إلا بعلمه، لا يفوته من ذلك شيء، ويوم ينادي الله المشركين الذين كانوا يعبدون معه الأصنام؛ مُوبِّخًا إياهم على عبادتهم لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء؟ قال المشركون: اعترفنا أمامك، لا أحد منا يشهد الآن أن لك شريكًا. ٤٨ - وغاب عنهم ما كانوا يدعونه من الأصنام، وأيقنوا أنهم لا مهرب لهم من عذاب الله ولا مَحِيد. ٤٩ - لا يملُّ الإنسان من طلب الصحة والمال والولد وغير ذلك من النعم، وإن أصابه فقر أو مرض ونحو ذلك فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله. ٥٠ - ولئن أذقناه منا صحة وغنى وعافية بعد بلاء ومرض أصابه ليقولنَّ: هذا لي؛ لأني أهل له ومستحق، وما أظن الساعة قائمة، ولئن فُرِض أن الساعة قائمة فإن لي عند الله الغنى والمال، فكما أنعم عليَّ في الدنيا لاستحقاقي ذلك ينعم عليَّ في الآخرة، فلنخبرنَّ الذين كفروا بالله بما عملوا من الكفر والمعاصي، ولنذيقنَّهم من عذاب بالغ في الشدة. ٥١ - وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمة الصحة والعافية ونحوها غفل عن ذكر الله وطاعته، وأعرض بجانبه تكبرًا، وإذا مسَّه مرض وفقر ونحوه فهو ذو دعاء لله كثير، يشكو إليه ما مسَّه منه ليكشفه عنه، فهو لا يشكر ربه إذا أنعم عليه، ولا يصبر على بلائه إذا ابتلاه. ٥٢ - قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله، ثم كفرتم به وكذبتموه، فكيف سيكون حالكم؟! ومن أضلُّ ممن هو في عناد للحق مع ظهوره ووضوح حجته وقوتها؟! ٥٣ - سنري كفار قريش آياتنا في آفاق الأرض مما يفتحه الله للمسلمين، ونريهم آياتنا في أنفسهم بفتح مكة؛ حتى يتضح لهم بما يرفع الشك أن هذا القرآن هو الحق الذي لا مِرْية فيه، أَوَلم يكف هؤلاء المشركين أن القرآن حق بشهادة الله من عنده؟! ومَنْ أعظمُ شهادة من الله؟! فلو كانوا يريدون الحق لاكتفوا بشهادة ربهم. ٥٤ - ألا إن المشركين في شك من لقاء ربهم يوم القيامة لإنكارهم البعث، فهم لا يؤمنون بالآخرة؛ لذلك لا يستعدُّون لها بالعمل الصالح، ألا إن الله بكل شيء محيط علمًا وقدرة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • علم الساعة عند الله وحده. • تعامل الكافر مع نعم الله ونقمه فيه تخبط واضطراب. • إحاطة الله بكل شيء علمًا وقدرة.

стр. 490

سورة الشورى مَكيّة [مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان حقيقة الوحي والرسالة المحمدية، وأنها امتداد للوحي إلى الأنبياء. [التَّفْسِيرُ] ١ - ٢ - ﴿حم عسق﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. ٣ - مثل هذا الوحي يوحي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبياء اللهِ، اللهُ العزيزُ في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره وخلقه. ٤ - لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وهو العلي بذاته وقدره وقهره، العظيم في ذاته. ٥ - ومن عظمته سبحانه تكاد السماوات مع عظمها وارتفاعها يتشققن من فوق الأرضين، والملائكة ينزهون ربهم ويعظمونه حامدين له خضوعًا وإجلالًا، ويطلبون المغفرة من الله لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور لذنوب من تاب من عباد، الرحيم بهم. ٦ - والذين اتخذوا من دون الله أصنامًا يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، الله لهم بالمرصاد يسجل عليهم أعمالهم ويجازيهم بها، وما أنت -أيها الرسول- موكل بحفظ أعمالهم، فلن تُسْأل عن أعمالهم، إنما أنت مبلغ. ٧ - ومثلما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها الرسول- أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا لتنذر مكة ومن حولها من قرى العرب، ثم الناس جميعًا، وتخوِّف الناس من يوم القيامة يوم يجمع الله الأولين والأخرين في صعيد واحد للحساب والجزاء، لا شك في وقوع ذلك اليوم، والناس منقسمون فيه إلى فريقين: فريق في الجنة وهم المؤمنون، وفريق في النار وهم الكفار. ٨ - ولو شاء الله جَعْلَهم أمةً واحدة على دين الإسلام لجعلهم أمة واحدة عليه، وأدخلهم جميعًا الجنة، ولكن اقتضت حكمته أن يدخل من يشاء في الإسلام، ويدخله الجنة، والظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي ما لهم من ولي يتولاهم، ولا نصير ينقذهم من عذاب الله. ٩ - بل اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله أولياء يتولَّونهم، والله هو الولي الحق، فغيره لا ينفع ولا يضر، وهو يحيي الموتى ببعثهم للحساب والجزاء، ولا يعجزه شيء سبحانه. ١٠ - وما اختلفتم -أيها الناس- فيه من شيء من أصول دينكم أو فروعه فحكمه إلى الله، فيرجع فيه إلى كتابه أو سُنَّة رسوله ﷺ ، هذا الذي يتصف بهذه الصفات هو ربي، عليه اعتمدت في أموري كلها، وإليه أرجع بالتوبة. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • عظمة الله ظاهرة في كل شيء. • دعاء الملائكة لأهل الإيمان بالخير. • القرآن والسُّنَّة مرجعان للمؤمنين في شؤونهم كلها، وبخاصة عند الاختلاف. • الاقتصار على إنذار أهل مكة ومن حولها؛ لأنهم مقصودون بالرد عليهم لإنكارهم رسالته ﷺ وهو رسول للناس كافة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ...﴾.

стр. 491

١١ - الله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من الإبل والبقر والغنم أزواجًا، حتى تتكاثر من أجلكم، يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم بالتزاوج، ويعيشكم فيما جعل لكم من أنعامكم من لحومها وألبانها، لا يماثله شيء من مخلوقاته، هو السميع لأقوال عباده، البصير بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. ١٢ - له وحده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده؛ اختبارًا له أيشكر أم يكفر؟ ويضيِّقه على من يشاء؛ ابتلاءً له أيصبر أم يتسخط على قدر الله؟ إنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء مما فيه مصالح عباده. ١٣ - شرع لكم من الدين مثل ما أمرنا نوحًا بتبليغه والعمل به، والذي أوحيناه إليك -أيها الرسول- وشرع لكم مثل الذي أمرنا إبراهيم وموسى وعيسى بتبليغه والعمل به، وخلاصته: أن أقيموا الدين، واتركوا التفرق فيه، عَظُم على المشركين ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وترك عبادة غيره، الله يصطفي من شاء من عباده، فيوفقه لعبادته وطاعته، ويهدي إليه من يرجع إليه منهم بالتوبة من ذنوبه. ١٤ - وما تفرق الكفار والمشركون إلا من بعد ما قامت عليهم الحجة ببعثة محمد ﷺ إليهم، وما كان تفرُّقهم إلا بسبب البغي والظلم، ولولا ما سبق في علم الله من أنه يؤخر عنهم العذاب إلى أَمَدٍ محدد في علمه هو يوم القيامة لحكم الله بينهم، فعجل لهم العذاب بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، وإن الذين أورثوا التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى من بعد أسلافهم، ومن بعد هؤلاء المشركين، لفي شك من هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ومكذبون به. ١٥ - ادعُ لهذا الدين المستقيم، واثبت عليه وفق ما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم الباطلة، وقل عند مجادلتهم: آمنت بالله وبالكتب التي أنزلها الله على رسله، وأمرني الله أن أحكم بينكم بالعدل، الله الذي أعبده ربنا وربكم جميعًا، لنا أعمالنا خيرًا كانت أو شرًّا، ولكم أعمالكم خيرًا كانت أو شرًّا، لا جدال بيننا وبينكم بعد أن تبينت الحجة، واتضحت المحجة، الله يجمع بيننا جميعًا، وإليه المرجع يوم القيامة، فيجازي كلًّا منا بما يستحقه، فيتبيَّن عندئذ الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • دين الأنبياء في أصوله دين واحد. • أهمية وحدة الكلمة، وخطر الاختلاف فيها. • من مقومات نجاح الدعوة إلى الله: صحة المبدأ، والاستقامة عليه، والبعد عن اتباع الأهواء، والعدل والتركيز على المشترك، وترك الجدال العقيم، والتذكير بالمصير المشترك.

стр. 492

١٦ - والذين يجادلون بالحجج الباطلة في هذا الدين المنزل على محمد ﷺ بعدما استجاب الناس له، هؤلاء المجادلون حجتهم ذاهبة وساقطة عند ربهم وعند المؤمنين، لا أثر لها، وعليهم غضب من الله لكفرهم ورفضهم الحق، ولهم عذاب شديد ينتظرهم يوم القيامة. ولما بيَّن بطلان حجج الكافرين بيَّن أصل الحجج الصحيحة التي يحتج بها المسلم وهي القرآن، فقال: ١٧ - الله الذي أنزل القرآن بالحق الذي لا مرية فيه، وأنزل العدل ليحكم بين الناس بالإنصات، وقد تكون الساعة التي يكذِّب بها هؤلاء قريبة، ومعلوم أن كل آتٍ قريب. ١٨ - يطلب الذين لا يؤمنون بها تعجيلها؛ لأنهم لا يؤمنون بحساب ولا ثواب ولا عقاب , والذين آمنوا بالله خائفون منها لخوفهم من مصيرهم فيها، ويعلمون علم اليقين أنها الحق الذي لا مِرْية فيه، ألا إن الذين يجادلون في الساعة ويخاصمون فيها، ويشككون في وقوعها، لفي ضلال بعيد عن الحق. ١٩ - الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء، فيوسع له الرزق، ويضيِّق على من يشاء رحمة به، وإن بدا غير ذلك، وهو القوي الذي لا يغلبه أحد، العزيز الذي ينتقم من أعدائه. ٢٠ - من كان يريد ثواب الآخرة عاملًا لها عملها، نضاعف له ثوابه، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن كان يريد الدنيا وحدها أعطيناه نصيبه المقدر له فيها، وليس له في الآخرة من حظ لإيثاره الدنيا عليها. ٢١ - أم لهؤلاء المشركين آلهة من دون الله، وقد شرعوا لهم من الدين ما لم ياذن لهم الله بشرعه من الشرك به وتحريم ما أحل، وتحليل ما حرم؟ ولولا ما ضربه الله من أجَلٍ محدد للفصل بين المختلفين، وأنه يؤخرهم إليه لفصَل بينهم، وإن الظالمين لأنفسهم بالشرك بالله والمعاصي لهم عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة. ٢٢ - ترى -أيها الرسول- الظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي خائفين من العقاب بما كسبوا من الإثم، والعقاب واقع بهم لا محالة، فلا ينفعهم الخوف المجرد عن توبة، والذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الأعمال الصالحات على النقيض منهم؛ فهم في بساتين الجنات يتنعمون، لهم ما يشاؤون عند ربهم من أنواع النعيم الذي لا ينقطع أبدًا، ذلك هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • خوف المؤمن من أهوال يوم القيامة يعين على الاستعداد لها. • لطف الله بعباده حيث يوسع الرزق على من يكون خيرًا له، ويضيِّق على من يكون التضييق خيرًا له. • خطر إيثار الدنيا على الآخرة.

стр. 493

٢٣ - ذلك التبشير العظيم الذي يبشر الله به على يد رسوله الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحات، قل -أيها الرسول-: لا أطلب منكم على تبليغ الحق ثوابًا إلا ثوابًا واحدًا عائدًا نفعه إليكم، وهو أن تحبوني لقرابتي فيكم، ومن يكسب حسنة نضاعف له أجره؛ الحسنة بعشر أمثالها، إن الله غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، شكور لأعمالهم الصالحة التي يعملونها ابتغاء وجهه. ٢٤ - مِنْ زعم المشركين أن محمدًا ﷺ قد اختلق هذا القرآن ونسبه لربه، ويقول الله ردًّا عليهم: لو حدَّثتَ نفسك أن تفتري كذبًا لطَبَعْتُ على قلبك، ومحوت الباطل المفترى، وأبقيت الحق، ولما لم يكن الأمر كذلك دلَّ على صدف النبي ﷺ أنه موحى له من ربه، إنه عليم بما في قلوب عباده لا يخفى عليه شيء منه. ٢٥ - وهو سبحانه الذي يقبل توبة عباده من الكفر والمعاصي إذا تابوا إليه، ويتجاوز عن سيئاتهم التي ارتكبوها، ويعلم ما تفعلون من شيء، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها. ٢٦ - ويجيب دعاء الذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله على ما لم يسألوه، والكافرون بالله وبرسله لهم عذاب قوي ينتظرهم يوم القيامة. ٢٧ - ولو وسَّع الله الرزق لجميع عباده لطغوا في الأرض بالظلم، ولكنه سبحانه ينزل من الرزق بقدر ما يشاء من توسيع وتضييق، إنه خبير بأحوال عباده بصير بها، فيعطي لحكمة، ويمنع لحكمة أيضًا. ٢٨ - وهو الذي ينزل المطر على عباده من بعد ما يئسوا من نزوله، وينشر هذا المطر فتنبت الأرض، وهو المتولِّي شؤون عباده، المحمود على كل حال. ٢٩ - ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته خلق السماوات وخلق الأرض، وما نشر فيهما من مخلوقات عجيبة، وهو على جمعهم للحشر والجزاء متى شاء قدير، لا يعجزه ذلك كما لم يعجزه خلقهم أول مرة. ٣٠ - وما أصابكم -أيها الناس- من مصيبة في أنفسكم أو أموالكم فبما كسبته أيديكم من المعاصي، ويتجاوز الله لكم عن كثير منها، فلا يؤاخذكم به. ٣١ - ولستم بقادرين على النجاة من ربكم هربًا إذا أراد عقابكم، وليس لكم من دونه ولي يتولى أموركم، ولا نصير يرفع عنكم العذاب إن أراده بكم. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس. • التوسيع في الرزق والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية قد تخفى على كثير من الناس. • الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب.

стр. 494

٣٢ - ومن آيات لة على قدرته ووحدانيته السفن التي تجري في البحر مثل الجبال في ارتفاعها وعلوها. ٣٣ - إن يشأ الله إسكان الريح التي تسيِّرهنَّ أسكنها، فَيَظْللن ثوابت في البحر لا يتحرَّكن، إنَّ في ذلك المذكور من خلق السفن وتسخير الرياح لدلالات واضحة على قدرة الله لكل صَبَّار على البلاء والمحن، شكور لنعم الله عليه. ٣٤ - أو إن يشأ سبحانه إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة عليها أهلكها بسبب ما كسب الناس من الإثم، ويتجاوز عن كثير من ذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها. ٣٥ - ويعلم عند إهلاك تلك السفن بإرسال الريح العاصفة الذين يجادلون في آيات الله لإبطالها ما لهم من مهرب عن الهلاك، فلا يدعون إلا الله، ويتركون من عداه. ٣٦ - فما أُعطيتم -أيها الناس- من مال أو جاه أو ولد، فمتاع الحياة الدنيا وهو زائل منقطع، والنعيم الدائم هو نعيم الجنة الذي أعده الله للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم. ٣٧ - والذين يبتعدون عن كبائر الذنوب وقبائحها، وإذا غضبوا ممن أساء إليهم بالقول أو الفعل يغفرون له زلته، ولا يعاقبونه عليها، وهذا العفو تفضل منهم إذا كان فيه خير ومصلحة. ٣٨ - والذين استجابوا لربهم؛ بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وأتمُّوا الصلاة على أكمل وجه، والذين يتشاورون في الأمور التي تهمهم، ومما رزقناهم ينفقون ابتغاء وجه الله. ٣٩ - والذين إذا أصابهم الظلم ينتصرون إكرامًا لأنفسهم وإعزازًا لها، إذا كان الظالم غير أهل للعفو، وهذا الانتصار حق، بخاصة إذا لم يكن في العفو مصلحة. ٤٠ - ومن أراد أن يأخذ حقه فله ذلك، لكن بالمثل دون زيادة أو تجاوز، ومن عفا عمن أساء إليه ولم يؤاخذه على إساءته، وأصلح ما بينه وبين أخيه فثوابه عند الله، إنه لا يحب الظالمين الذين يظلمون الناس في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، بل يبغضهم. ٤١ - ومن انتصر لنفسه فأولئك ما عليهم من مؤاخذة لأخذهم بحقهم. ٤٢ - إنما المؤاخذة والعقاب للذين يظلمون الناس، ويعملون في الأرض بالمعاصي، أولئك لهم عذاب موجع في الآخرة. ٤٣ - وأما من صبر على إيذاء غيره وتجاوز عنه، فإن ذلك الصبر مما يعود بالخير عليه وعلى المجتمع؛ وذاك أمر محمود، ولا يوفَّق له إلا ذو حظ عظيم. ٤٤ - ومن خذله الله عن الهداية فأضلَّه عن الحق فليس له ولي من بعده يتولى أمره، وترى الظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي لما عاينوا العذاب يوم القيامة يقولون متمنِّين: هل للعودة إلى الدنيا طريق فنتوب إلى الله؟ [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • الصبر والشكر سببان للتوفيق للاعتبار بآيات الله. • مكانة الشورى في الإسلام عظيمة. • جواز مؤاخذة الظالم بمثل ظلمه، والعفو خير من ذلك.

стр. 495

٤٥ - وترى -أيها الرسول- هؤلاء الظالمين حين يُعْرَضون على النار وهم أذلاء وخزايا ينظرون إلى الناس خِلْسة من شدة خوفهم منها، وقال الذين آمنوا بالله وبرسله: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بسبب ما لاقوه من عذاب الله، ألا إن الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي في عذاب دائم لا ينقطع أبدًا. ٤٦ - وما كان لهم من أولياء ينصرونهم بإنقاذهم من عذاب الله يوم القيامة، ومن يخذله الله عن الحق فيضلُّه فليس له أبدًا من طريق تؤديه إلى الهداية إلى الحق. ٤٧ - استجيبوا -أيها الناس- لربكم بالمسارعة إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وترك التسويف، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا دافع له، ما لكم من ملجأ تلجؤون إليه، وما لكم من إنكار تنكرون به ذنوبكم التي اكتسبتموها في الدنيا. ٤٨ - فإن أعرضوا عما أمرتهم به فما بعثناك -أيها الرسول- عليهم حفيظًا تحفظ أعمالهم، ليس عليك إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه، وحسابهم على الله، وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة من غنى وصحة ونحوهما فرح بها، وإن يصب البشر بلاء بمكروه بسبب ذنوبهم؛ فإن طبيعتهم كفر نعم الله، وعدم شكرها، والتسخط مما قدره الله بحكمته. ٤٩ - ٥٠ - لله ملك السماوات وملك الأرض، يخلق ما يشاء من ذكر أو أنثى أو غير ذلك، يعطي لمن يشاء إناثًا ويحرمه الذكور، ويعطي لمن يشاء الذكور ويحرمه الإناث، ويجعل لمن يشاء الذكور والإناث معًا، ويجعل من يشاء عقيمًا لا يولد له، إنه عليم بما هو كائن وبما سيكون في المستقبل، وهذا من تمام علمه وكمال حكمته، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء. ٥١ - ما يصحُّ لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا بالإلهام أو غيره، أو يكلمه، بحيث يسمع كلامه ولا يراه، أو يرسل إليه ملكًا رسولًا مثل جبريل، فيوحي إلى الرسول البشري بإذن الله ما يشاء الله أن يوحيه، إنه سبحانه عليٌّ في ذاته وصفاته، حكيم في خلقه وقدره وشرعه. [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ] • وجوب المسارعة إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. • مهمة الرسول البلاغ، والنتائج بيد الله. • هبة الذكور أو الإناث أو جمعهما معًا هو على مقتضى علم الله بما يصلح لعباده، ليس فيها مزية للذكور دون الإناث. • يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى؛ لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه.
следующие страницы →