← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صور المخطوطات

стр. 37

صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمشار لها بـ "الأصل"

стр. 38

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمشار لها بـ "الأصل"

стр. 39

صورة اللوحة الأخيرة النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمشار لها بـ "الأصل"

стр. 40

صورة غلاف الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 41

صورة اللوحة الثاني من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 42

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 43

صورة غلاف الجزء الثالث من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 44

صورة اللوحة الأولى من الجزء الثالث من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 45

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثالث من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا، والمرموز لها بـ "ت"

стр. 46

صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا بتركيا، والمرموز لها بـ "ب"

стр. 47

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا بتركيا، والمرموز لها بـ "ب"

стр. 48

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا بتركيا، والمرموز لها بـ "ب"

стр. 49

صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 50

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 51

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 52

صورة غلاف الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 53

صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 54

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة فيض الله بتركيا، والمرموز لها بـ "ف"

стр. 55

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح تأليف الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي (المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الأول]

стр. 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربِّ يسر وأَعِنْ وتَمِّمْ بخيرٍ الحمد لله المُرشد إلى الجامع الصَّحيح حديثِ المُصطفَى، والمُسعِد مَن هداه للتفقُّه فيه والعمَل به، فكان مِمَّن اصطفَى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، فهو حسبُنا وكفَى، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسلَه للعالمين رحمةً وزادَه شرَفًا، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه نُجوم الهُدى أُولي الفَضْل والوَفا، والتابعين لهم بإحسانٍ ما راقَ مَورِدُ اقتفائِهم وَصَفَا. وبعدُ: فلمَّا كان كتاب "الجامع الصَّحيح من حديث سيدنا رسول الله ﷺ " من تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيلَ البُخاريِّ ﵀ أصحَّ كتابٍ جُمع في الوَحْي بعد القُرآن، وأسنَدَ أسانيدَ باتفاق الحُفَّاظِ أهلِ الإتْقان، هذا مع ما وشَّحه به من استِنباط عُلومٍ وفوائد تَجِلُّ عن الانحصار، ومن مَقالات الصَّحابة فمَن بعدَهم من العُلماء، والإشارة إلى مَدَارِكها الغِزار، فعَمَّ فضْلُه وبركتُه الأَمصارَ والأَقْطارَ على تَوالي الأَزْمان وتَمالي الأَعصار، ووصفَه أعلامُ الإسلام

стр. 57

بأنَّه بَحْرٌ لا يُدرَك قَرارُه. = عُني بشرحه والكلام عليه متنًا وإسنادًا أئمةُ الأمّة، وخدَموه بعُلومهم الجمَّة أحسنَ خدمة، كلٌّ يَرُوم الظَّفَر بجواهر عُلومه، والتِقاطِ دُرَر مَنْطُوقه ومَفْهومه، ما بين مختصِرٍ ومُطوِّل، ومتوسِّطٍ فيما عليه يُعوِّل، كلٌّ منهم يَرى أنَّه سلَك طريق السَّوا، ولكلٍّ منهم أَجْرُ عمَله بقدْر ما نَوَى. وقد لَهِجَ أهل هذا الزَّمان في مِصْرَ ونحوها من البُلدان، بكتابين: أحدهما: شَرح العلَاّمة شَمْس الدِّين الكِرْمَاني نحوُ خَمسة أَسْفارٍ، تتبَّع فيها ألفاظَه، وأوضحَها بالضبط والإعراب بأحسَن اختصارٍ، وشحَنه بفوائدَ كثيرةٍ، ولطائفَ غَزيرةٍ، إلَاّ أنَّه كرَّرَ فيه كثيرًا، لا سيَّما في التَّراجم والأَسماء، فإنَّه زاد تَكريرًا، وربَّما أَغلَق في بعض العِبارة، وأطالَ بما يُمكن أنْ يُشار إليه بأخصرَ إشارةٍ، وربَّما قدَّم ما يحسُن تأخيرُه، وأخَّر ما يحسُن تقديمُه وتوفيرُه، وربَّما غايَرَ بين أقوالٍ راجعةٍ في المعنى إلى واحد، حتى كاد أنْ تَلتبس في ذلك المَقاصِد. والثاني: كتاب "التَّنقيح"، سِفرٌ كبيرٌ جمعه شيخُنا الإمام العلامة بدر الدِّين محمد بن الزَّرْكَشي في ضبْط ألفاظه، وبَيان غَريبها، وإعراب ما أَشكَل، والجواب عمَّا لعلَّه يُستَشكَل. فعمَّ نفْعُ هذين الكتابين ببركةِ قَصْدِهما الجَميل، وفضْلهما الجَزيل، لكنْ ربَّما وقَع فيهما بعضُ إيهامٍ، ولا سيَّما "التنقيح"، فربَّما

стр. 58

وقَع فيه تصحيفٌ من النُّسَّاخ؛ لاستِغلاق خَطِّ مُصنّفه الدَّقيق مع قُصور الأَفهام، وربَّما تعرَّض لبَيان الواضح؛ لقَصْده في الأصل نفْعَ المُبتدئ في قراءة "البخاري" قصدَ ناصحٍ، فقد أخبَرني أنَّهم سأَلوه في ذلك لقلَّة مَحصولِهم في المَسالك، وذكَر لي أنَّه كتَب عليه شَرْحًا مُطوَّلًا، ووعَد بأنَّه سيُبيِّضه؛ ليتضح ما ضمَّه من شُروحه مُفصَّلًا، لكني لم أَقفْ على شيءٍ منه في حياته، ولا ظَفِرتُ به عند أحدٍ بعد مَماته. فأَردتُ أن أجمعَ بين هذين الكتابين باختصارٍ، وأحذِفَ كثيرًا مما وقَع فيهما من التَّكرار، وأُنبِّه على ما قد أَظفَر به مما قد يَظهَر أنَّه وَهْمٌ أو خِلاف الرَّاجح المُختار، وربَّما أزيدُ عليهما -مع استيعابهما- فوائدَ كثيرةً لا يُستغنى عنها، وأمورًا يَظهر أنَّه لا بُدَّ منها، ومع ذلك أَرجُو من فَضْل الله وعَونه أنْ لا يَزيد على نِصْفِ حَجْمهما. فمِمَّا أضمُّه إليهما: وصْلُ ما أَهملا وصلَه من التَّعليقات، وتَسميةُ ما أَغفلاه من تفسير المُبهَمات، والجوابُ عما اعتَرض به الدَّارَقُطني، والإِسْمَاعِيْلي، وغيرُهما في الأسانيد والمُتون مما ليس من الواضِحات، وذلك غالبًا من تصانيف بعض الحُفَّاظ العَصْريين، ومما فتَح الله بفضله المُبين. ومن ذلك فوائد تلقَّيتُها من شيخنا شيخ الإسلام أبي حَفْص عمر البُلْقِيْني ﵀، على أَنَّي لا أُكثِر من ذلك خشيةَ التَّطويل المُخالِف لقَصْدي في التَّأْصيل، وذلك لقُصور الهِمَم في هذه الأَزْمان عن كتابةِ المُطوَّلات، ومُطالَعة الكثير من المَبسوطات.

стр. 59

وقد أخَّرتُ لأجل ذلك تَراجِم الرُّواة إلى ما بعد الفَراغ من المُتون مرتبةً على حُروف المُعجَم؛ لأنَّه أسهَل في الكشْف والإحالة على ذكرِها فيما سبَق من الأَبواب، فإنَّه مع التَّكرار قد يُتعَب في استِخراجه، ويُحوِج على تَكرارٍ وتطويلٍ في إخْراجه، سِوَى ذِكْريَ المُبهماتِ، فإني أذكُرها في مواضعها من الأبواب؛ لأنَّه أسهَل في الإعراب. ولطلَب الاختصار -أيضًا- رمزتُ في ذِكْري: للكَرْمَاني بحرف (ك). وللزَّركَشي (ش). وللقاضي عِيَاض (ع). ولابن بَطَّال (ط). وللخَطَّابي (خ). وللنَّوَوي (ن). فهذه الستة تتكرَّر كثيرًا، وهذا كما تُشير النُّحاة إلى سِيْبَوَيْهِ بحرف (س)، وللكوفيين بحرف (كو)، وللبصريين (بصر)، وغير ذلك. ومُصطَلَحي في الضَّبْط أَنِّي أقول: بمُثنَّاة: لمَا هو مُثنَّاةٌ من فوقُ؛ لمُقابلة المُثلَّثة. وبإطلاق الياء: لمَا هو مَنْقُوطٌ باثنتَين من تحتُ مقابلًا للباء المُوحَّدة، فإني أقول فيها: بمُوحَّدةٍ، وأكتُب اللَّفظ المتكلَّم عليه بالحُمْرة، وغيرَه بالسَّواد؛ لسُرعة الوُصول إلى المَقصود، وكمال التَّمييز في المَدَى من المَوجود.

стр. 60

ولا أُخِلُّ بشيءٍ من تَراجِم البُخاريِّ أصلًا، ولا أَشرحُها إلا فَصْلًا فَصْلًا. وأُعدِّد أحاديثَ الباب إن تعدَّدت فأَقول: الأول، الثاني، الثالث. وأَرمِزُ على كلِّ واحدٍ من الأحاديث مُنْفرِدًا، أو متعدِّدًا في الباب رَمْزَ ما بقيَ من الكتُب الستَّة على قاعدة المُحدِّثين: فلمسلمٍ (م)، ولأبي داوُد (د)، وللتِّرْمِذي (ت)، وللنَّسائي (س)، ولابن ماجَهْ (ق)، وللأَربعة غير مسلم (عو)، ولمَا وافَق فيه الخمسةُ البخاريَّ (ع)، فإنْ لم يكُن إلا البخاري وحدَه رمزتُ (خ)، وذلك لزيادة إفادة مَن شارَكَ البُخاريَّ من الخمسة أَوْ لا، ومُرادي أَصْل الحديث، ولو خرَّج قطعةً لطيفةً منه، لا المُطابقة من كلِّ وَجْهٍ، وأنْ أُؤجَر عليه، وأُثابَ. والله تعالى هو المُعين، والكافي لمَن به يَستعين، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العَزيز الحَكيم، عليه توكَّلتُ، وهو ربُّ العَرْش العظيم. وقد سَمَّيتُه: "اللامع الصَّحيح بِشَرح الجامع الصَّحيح" وقد كنتُ عزمتُ أوَّلًا على ضمِّ فوائدَ كثيرةٍ مما شرَح به الحافظ قُطْب الدِّين الحلَبي، والحافِظ مُغُلْطَاي، وشيخنا الشَّيخ سِراج الدِّين أبي الحسَن الشَّهير بابن المُلَقِّن، وغيرها، ثم أَحجمتُ عن ذلك؛ لمَا

стр. 61

ذكرتُه من قُصور الهِمَم، ومَيْلها إلى الاختِصار، ولسُهولة التَّحصيل على ذَوي الإقْتار، وإنْ فَسَح الله في الأجَل أجعَلُ لهذا الشَّرح من الشُّروح المَذكورة ذَيْلًا لتَتْميم الفائدة لمَنْ طلَب التَّطويلَ، ومَن كان على التَّبْسيط دائمَ التَّعويل. فأَبدأُ الآنَ بذِكْر جوامِع التَّراجِم؛ لسُرعة كَشْفها، وإخراجِ الأحاديث منها، فأَقولُ مستعينًا بالله تعالى: بدأَ البُخاريُّ ﵀ كتابَه بـ (باب بَدْء الوحي)؛ لأنَّه يَنبُوع الشَّريعة، ثم بالإيمان؛ لأنَّه الأساسُ والذَّريعة، ثم بالعِلْم؛ لأنَّه قَبْل العمَل كما سيأْتي في كلامه، ثم بالطَّهارة؛ لأن الطُّهورَ شطْر الإيمان، وهي المقدِّمة للثَّاني من أَركان الإسلام التي بُني عليها، ثم بالصَّلاة؛ لأنَّها الرُّكن الثاني؛ فذُكرتْ بعدَ مقدِّمتِها، ثم بالزَّكاة، ثم بالصَّوم، ثم بالحجِّ، وفي بعض النُّسَخ أو أكثَرها تقديمُ الحَجِّ على الصَّوم؛ لأنَّ رواية الحديث جاءتْ بالأمرَين، ثم بالاعتِكاف؛ لأنَّه من مُتعلَّقات الصَّوم، لا سيَّما عند مَن يَراه شَرْطًا فيه، ثم بالمُعامَلات؛ لأنَّها قِوامٌ للأَبْدان لعِبادة المَلِك الدَّيَّان، ثم البَيع، ثم السَّلَم، ثم الشُّفْعة، ثم الإِجارة، ثم الحَوالَة، ثم الوَكالَة، ثم المُزارَعة، ثم الشُّرب، ثم الاستِقراض، ثم الدَّين، ثم الحَجْر، ثم الفَلَس، ثم اللُّقَطة، ثم المَظالِم، ثم الغَصْب، ثم الشِّرْكة، ثم الرَّهْن، ثم أنواع القُرَب كالعِتْق، ثم التَّدْبير، ثم الكِتابة، ثم الهِبَة، ثم الهديَّة، ثم ما تَحتاج إليه المُعاملات كالشَّهادة، ثم اليَمين، ثم الدَّعوى، ثم الصُّلْح، ثم الشُّروط، ثم الوَصيَّة، ثم الوَقْف، ثم انتقَل إلى

стр. 62

ما قام به الدِّين وهو الجِهاد، ثم ما يَستتبعُه من الغَنيمة، ثم الخُمُس، ثم توابع ذلك كالجِزْية، ثم المُوادَعة، ثم رجَع إلى التَّاريخ، فذكَر بَدْءَ الخَلْق، ثم الأَنْبياء، ثم دَلائل النُّبوَّة، ثم شأْن البَيت، ثم أيَّام رسول الله ﷺ ، ومَناقب الصَّحابة، والغَزَوات، ثم ذَكَر تفسير القُرآن، ثم فَضائل القُرآن، ثم رجَع إلى إكمال ما بقِيَ من فُروع الشَّريعة بعد إتمام الأركان، وما يَتوقَّف إقامتُها عليه وأدلة ذلك، فذكَر الأنكِحَة، ثم الطَّلاق، ثم النَّفَقات، ثم الأَطْعمة، ثم العَقيقة، ثم الصَّيد والذَّبائح، ثم الأَضاحي، ثم الأَشرِبة، ثم ذكَر ما قد يتسبَّب عن ذلك: وهو المَرضى، ثم الطِّبُّ، ثم اللِّباس، ثم الأَدَب، ثم البِرُّ والعَطيَّة، ثم الاستِئْذان، ثم الدَّعَوات، ثم الرِّقاق، ثم القدَر، ثم الأيمان والنُّذور، ثم الفَرائض، ثم الحُدود، ثم المُحارِبين، ثم الدِّيَات، ثم القَسَامة، ثم الإِكْراه، ثم الحِيَل، ثم التَّعبير، ثم الفِتَن، ثم أَخبار القِيامة، ثم الحَشْر، ثم الحِسَاب، ثم الشَّفاعة، ثم صِفَة الجنة والنار، ثم الأَحكام، ثم التَّمنِّي، ثم الاعتِصام بالكتاب والسنَّة، ثم خَتَمَ بالتَّوحيد، وهو رأْس مال العَبْد في دِينه. وظهَر بذلك كثيرٌ من المُناسَبات في هذا التَّرتيب، ومَن تأَمَّل حقَّ التأَمُّل ظهَر له المُناسَبة في الكُلِّ. وقد أفرَد بَيانَ المُناسبة في الكلِّ شيخُنا شيخ الإسلام أبو حَفْص عُمر البُلْقِيْني ﵀ وغيرُه، لا نُطوِّل بذِكْرها؛ لمَا بيَّنا من ظُهورها بالتأَمُّل. * * *

стр. 63

١ - كِتابُ بَدء الوحْي

стр. 64

١ - كِتابُ بَدْء الوحْي باب كيف كان بَدْءُ الوَحْي إلى رسولِ الله ﷺ ، وَقَوْلُ الله جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (باب: كيف كان بدو الوحي إلى رسول الله ﷺ ) (ش): ابتدأَ البخاريُّ بذلك لمَا أَشرتُ إليه من أنَّ الوحي هو مادَّة الشَّريعة؛ فإنَّ قَصْده جَمْعَ حديث النبيِّ ﷺ ، وهو وَحْيٌ. ولفْظ: (باب) ساقطٌ في بعض النُّسَخ اكتفاءً بالتَّرجمة، وفي بعضها مذكورٌ، فهو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا بابٌ، ويُقرأ بلا تنوينٍ على إضافته إلى ما بعدَه، لكنْ على تقديرِ مضافٍ، أي: هذا بابُ جَوابِ كيفَ كان، أو بَيانِ كيفَ كان؛ فإنَّ (باب) لا يُضاف لجُملةٍ، وأيضًا فلاستِقامة المَعنى المُراد، ويُقرأ أيضًا بالتنوين على أنَّ الجملة بعدَه استئنافٌ يُشعِر بما يُراد من التَّرجمة. قيل: وَيجوز فيه التَّسكين على جِهَة التعداد للأَبواب بصُورة الوَقْف. ولا يَخفى بُعدُه. (كَيْفَ) في محلِّ نصب خبر (كان) إنْ جُعلتْ ناقصةً، وحالًا إنْ

стр. 65

جُعلتْ تامةً، وتقديمها واجبٌ، لأنَّ الاستِفهام له الصَّدْر. قلتُ: والضَّابط في (كيف): أنَّها إنْ وقَعت قبْل ما لا يَستغني عنها فمحلُّها بحسَب الافتِقار إليها، ففي نحو: كيف أنت؟ رفْعٌ؛ لأنَّها خبر المُبتدأ، وكيف كُنتَ؟ نصبٌ إنْ قُدِّرت (كان) ناقصةً خبرًا لها، وكيف ظننت زيدًا؟ نصبٌ مفعولًا ثانيًا لـ (ظَنَّ)، وبعضُهم يُطلق في هذا النَّوع أنَّها خبَرٌ (١)، ومرادُه باعتبار الأصل قبْل دُخول النَّاسِخ. وإنْ وقعتْ قبل ما يَستغني عنها نحو: كيف جاءَ زيدٌ؟، وكيف كانَ زيدٌ؟ إنْ قُدرت (كان) تامةً بمعنى وُجِد أو نحو ذلك، فمحلُّها نصبٌ على الحال، وقد يَأْتي مفعولًا مُطلَقًا، نحو: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]؛ لاقتِضاء الكلام ذلك. (بَدْءُ) بالهمْز وسُكون الدَّال مصدرُ (بدَأَ)؛ بمعنى: البُدَاءة، وبضم أوَّله، وتشديد الواو بلا همزٍ: مصدرُ بَدَا يَبدُو، أي: ظَهَرَ، قيل: والأحسن الأوَّل؛ لجَمْعه المعنيَين، وقيل: بالعكس؛ لأنَّه الأظهَر في المَقصود، والظاهر أنَّ أحدهما لا يَستلزِم الآخَر. فإنْ قيل: إنما أَوردَ في الباب نفْس الوحي، وهو حديث النِّيَّة لا كيف بدأَهُ؛ قيل: قد ذكَر بعدَه حديث عائشة: أنَّ ابتداءَه كان رُؤيا منامٍ، وغير ذلك، ولا يَضُرُّ نقْص الترجمة عن المُترجَم؛ إنما يُعاب العكس. (الْوَحْيِ) مصدر وَحَى يَحِي، كَوَعَدَ يَعِدُ، ويقال: أَوحَى يُوحِي

стр. 66

رُباعيًّا بمعناه، وإنْ كان الأكثَر في الاستعمال مصدرُ الثلاثي، وفعل الرُّباعي. ومعنى الوَحْي في اللُّغة: الإِعلام بخَفاءٍ، وقيل: بسُرعةٍ، ومنه: الوَحاءَ الوَحاءَ. وأما في عُرف الشارع فهو: إعلامُ اللهِ -تعالى- أَنبياءَه الشَّيءَ بكتابٍ، أو برسالةِ ملَكٍ، أو منامٍ، أو إلْهامٍ، أو نحو ذلك على ما سيأْتي. وربَّما جاءَ بمعنى: الأَمْر، نحو: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]. وبمعنى التَّسخير، نحو: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أي: سخَّرَها لهذا الفعل، وهو اتخاذُها من الجبَل بُيوتًا ... إلى آخِره، فهو ضربٌ من التَّكوين، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، وربَّما عُبِّر عن ذلك بإلْهامها لكن المُراد به هدايتُها لذلك، وإلا فالإلْهام حقيقةً إنما يكون لعاقلٍ. ويُطلق على الإشارة نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وربَّما أُطلق الوَحْي على المُوحَى كالقرآن والسنَّة من إطلاق المَصدر على المَفعول، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. (وَقَوْلُ اللَّهِ)، جوَّز (ع) رفعَه بالابتداء، وجرَّه عطْفًا على المُضاف

стр. 67

إليه على حَذْف مضافٍ آخَر، أي: وباب معنى قَول الله، أو: وباب ذِكْر قَولِ الله. قيل: ويجوز عَطْفه على اسمِ (كان)، وضُعِّفَ بأنَّ كلام الله لا يُكيَّف. قلتُ: يصحُّ على تقدير مضافٍ، أي: كيف نُزول قَولِ الله؟ أو: كيف فَهْم معنى قَولِ الله تعالى، أو نَحو ذلك، أو أنَّ المُرادَ بكلام الله تعالى المُنزَّل المَتلوُّ لا مَدلُولُه، وهو الصِّفَة القائمة بذاته تعالى. واعلَمْ أنَّ البُخاريَّ من عادته أنْ يَستدلَّ للتَّرجمة بما وقَع له من قرآنٍ، أو سنَّةٍ، أو غير ذلك، فذكَر الآيةَ لبَيان أنَّ الوَحْيَ سنَّةُ الله -تعالى- في أَنْبيائه. قال (ط): معنى الآية: أنَّه أُوحي إليه كما أُوحِي إلى الأَنْبياء وحْيَ إرسالٍ لا وحْيَ إلهامٍ. قلتُ: مُراده: لا وحي إلهام فقطْ، وإلا فلا يسَعُه نفي الإلهام للأنبياء. وقيل: أَفرَد نُوحًا بالذِّكْر مَبدوءًا به قبل تعميم الأَنْبياء؛ لأنَّه أوَّل مشرِّعٍ على قولٍ، وأوَّل رسولٍ عُوقِب قومُه بتكذيبهم إيَّاه. ففيه تهديدٌ لأُمة النبيِّ ﷺ أن يقَعوا في ذلك فيُعاقَبون. * * *

стр. 68

١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". الحديث الأول (ع): حديث النِّيَّة، وصدَّر البخاريُّ به لأمورٍ: أحدها: مناسبتُه للآية المذكورة في التَّرجمة؛ لأنَّه أَوحى للكلِّ الأَمرَ بالنيَّة، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص: النيَّة. ثانيها: إنَّ أوَّل واجباتِ المُكلَّف القَصْد إلى النَّظَر المُوصِل؛ لمَعرفة الله تعالى، فالقَصْد سابقٌ دائمًا. ثالثها: بَيان أنَّ كلَّ أمرٍ ينبغي أن يكون بإخلاصٍ ونيةٍ حتى يكون مَقْبولًا مُنتفَعًا به، فلذلك لمَّا أَخلَص البخاريُّ النية وصفَّى الطَّويَّة نفَع الله بكتابه البَريَّة. رابعها: أنَّه ﷺ لمَّا قَدِم المَدينة خطَب بهذا الحديث؛ لأنَّه مَبدأً لكمال ظُهوره ونَصره، فناسَب الابتداءَ بذِكْره في ابتداء الوَحْي إليه، وافتِتاح نبُوَّته ورسالته.

стр. 69

خامسها: أنَّه أَقامَه مُقام الخُطبة لكتابه؛ لأنَّ فيه إخلاصَ العمل لله تعالى؛ لأنَّه المستحِقُّ للمَحامد، ولهذا كان في الحديث الحثُّ على الإخلاص. قال ابن مَهْدِي: مَن أراد أن يُصنِّف كتابًا فلْيبدأ به. وهذا أحد الأَجوبة عن عدَم افتتاحهِ بالحمْد، وقد قال ﷺ : "كلُّ أَمر ذِي بالٍ لا يُبدَأُ فيه بحمْدِ اللهِ فهُو أَجْذَمُ". وجوابٌ ثانٍ: أنَّ هذا الحديث وإنْ كان صَحيحًا لكنَّه ليس على شَرْط البُخاري. وثالثٌ: أنَّه محمولٌ على ابتداء الخُطَب ونحوها لا مُطلَقًا حتى يكون شاملًا للمُصنَّفات. ورابعٌ: أنَّه منسوخٌ؛ فإنَّه ﷺ لمَّا صالَح في الحُدَيْبِيَة إنما بدأَ في الكتاب بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وخامسٌ: أنَّه اكتفَى بالابتداء بـ (بسم اللهِ) عن الحمْد، فقد جاء في روايةٍ بلفْظ: "لا يُبدَأُ فيه باسمِ اللهِ". وسادسٌ: أنَّه حَمِد الله بقَلْبه ولسانه وإنْ لم يكتُبه. وقيل في الجواب غير ذلك أيضًا. (حدثنا) ذكَره في ثلاثةٍ في الإسناد، وفي الرَّابع: (أخبَرني)، وفي الباقي: (سَمعتُ)، إشارةً إلى الفَرق بينهما، وهو قَول الجمهور، وإنْ سوَّى ابن عُيَيْنة بينها كما نقلَه البخاري في (كتاب العلم) عنه.

стр. 70

وفيه أيضًا: الرَّدُّ على من قال: إنَّ يَحيى لم يَسمع من التَّيْمِي، وعلى مَن قال: إنَّ التَّيْمِي لم يَسمَع من عَلْقَمة كما نقَل هاتين المقالتَين الواهيتَين ابنُ ماكُولا في أول "تَهذيب مُستَمرِّ الأَوهام". ومِن لطائف هذا الإسناد: ثلاثةٌ تابعيُّون يَروي بعضُهم عن بعضٍ: يحيى، ومحمد، وعَلْقَمة. ومنها: أنَّ أوَّله مكيَّان، والباقي مَدَنيُّون. [واعلم: أنَّ في (سمعتُ فلانًا) مُضافًا مَحذوفًا؛ أي: كلامَه، والجملة بعدَه حاليةٌ تُبين المَحذوف] (١). وقيل: (سَمع) يتعدى لمفعولَين ثانيهما الجُملة. واعتُرض بأنَّ ذلك لا يكون إلا في باب: ظَنَّ، وأُجيب: بمنْع الحصْر. وسيأْتي في آخر (الإيمان) في حديث النُّعمان فيه زيادةُ بيانٍ. (يَقُولُ) أتى به مضارعًا بعد سَماع الماضي إما حكايةً لحالِ وقْت السَّماع، أو لإحضار ذلك في ذِهْن السَّامعين. (الْمِنْبَرِ) -بكسر الميم- مِن النَّبْر، وهو الارتفاع؛ لأنَّه آلتُه، وسيأْتي فيه مَزيد بيانٍ، واللام فيه للعَهْد، أي: مِنْبَر مسجدِ النبي ﷺ . (إنما الأعمال بالنيات) في روايةٍ: (بالنيَّة)، وروايةٍ: (العَمَل بالنِّيَّاتِ)، وروايةٍ: (العَمَل بالنِّيَّة).

стр. 71

والتَّركيب في كلِّها يُفيد الحَصْر باتفاق المُحقِّقين، وهو مِن حصْر المُبتدأ في الخبَر، ويُعبِّر عنه البَيانيُّون بقَصْر المَوصوف على الصِّفَة، وربَّما قيل: قَصْر المُسنَد إليه على المُسنَد. ووجه الحَصْر فيما فيه (إنَّما) إمَّا مَفْهومًا، أو مَنْطوقًا على الخلاف في العربية والأُصول. وقيل: الحصْر من عُموم المُبتدأ باللام، وخُصوص خبَره على حدِّ: صَديقي زيدٌ؛ لعُموم المُضاف إلى المَعرفة، وخُصوص خبَره، ففي الرواية الأُخرى كما سبَق الجملة بدون (إنما)، والتقدير: كلُّ الأعمال بالنيَّة؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيةٍ لم تصدُق هذه الكُليَّة، نعَمْ، خرَج من العُموم جُزئياتٌ بدليلٍ كما أوضحتُه في "شرح العُمدة"، وسيَأْتي الإشارةُ لطرَفٍ منه (١). والأعمال: جمع عَمَل، أعمُّ من عمَل اللِّسان والقَلْب، وسائر الجَوارح، لكنَّ المُراد في الحديث هو: الثالث؛ لأنَّ عمَل القَلْب من التوحيد، والإجلال، والخوف، والنية، ونحوِ ذلك لا يدخُل؛ لعدَم احتياجه للنيَّة (٢) لصَراحة القَصْد به؛ ولأن النيَّة لو افتقَرت إلى نيةٍ ونيَّتُها إلى نيةٍ أُخرى لتَسلْسَل، وهو محالٌ، ومن القَلْبي أيضًا الكفُّ عن الأَفعال، فلا تحتاج التُّروك إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها كفٌّ إلا أنْ تقترن بقَصْد تعبُّدٍ

стр. 72

فيَحتاج كقَصْد التارِك الثَّوابَ، أو لتمييزٍ عن عادةٍ ونحوها كالصوم، فيَحتاج إلى النيَّة، وأما عمَل اللِّسان وهو: القَول؛ فلا يحتاج إلى نيةٍ؛ لصَراحته أيضًا كالقراءة، والأذان، والذِّكْر إلا لغرَضِ الإِثابة على ذلك كما سبَق نحوه في التُّروك. قلتُ: وخُروج هذه الأُمور ونحوها عن اعتِبار النيَّة فيها إما لاستحالة دُخولها، وإما لخُروجها بدليلِ من باب تخصيص العُموم، فانحصرت النيَّة في أعمال الجوارح إلا أنْ يرجع إلى التُّروك كغَسل النَّجاسة؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّ الحديث يدخُل فيه ثلُث العِلْم. قال البيهقي: إذْ كَسْب العبد إما بقلْبه، أو بلسانه، أو ببقية الجَوارح، وما بالقَلْب -كالنيَّة وما في معناها- أحد الثَّلاثة بل أَرجَحها؛ لأنَّها تكون عبادةً بانفرادها بخلاف غيرِها، وهذا أَحَد التَّأْويلات فيما رُوي عن النبيِّ ﷺ : "نيَّة المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِه"، ولأنَّ القول والعمَل بالجَوارح يدخلُها الفَساد بالرِّياء بخلاف النيَّة. نعَمْ، حديث: "مَنْ هَمَّ بحسَنةٍ ولم يَعملْها كُتبتْ له واحدةً، ومَن عمِلَها كُتبتْ له عَشْرًا"، فربَّما يُوهم تعارُض الحديثَين من حيث إنَّ الأول يقتضي أنَّ النيَّة أرفَع من العمَل، والثاني يَقتضي أنَّها دُونه، وجوابه: إما أنَّ المُراد: أنَّ مَنْ همَّ بحسَنةٍ إذا لم يعملْها خلاف العامِل، والعامل لم يعمَل حتى همَّ، فوُجِد الأَمران. أما "نيَّة المرء خيرٌ مِن عمَله"؛ فباعتِبار أنَّ مُقتضاها تخليد

стр. 73

المؤمن في الجنَّة، والكافِر في النَّار؛ إذ المؤمن ناوٍ أنْ يُطيع الله لو بقِيَ أَبدًا، والكافر نيَّتُه أنْ يستمرَّ كافرًا لو بقِيَ أبدًا، فقُوبل التأْبيد بالتأْبيد، وإلا فالعمَل متناهٍ، فيُجازى إما بقَدْره أو بالإضْعاف الذي يَشاؤُه الله تعالى. وإما أَنَّ المراد: أنَّ النية خيرٌ من العمَل [بلا نيَّةٍ، وإلا لَزِم أنْ يكون الشيء خيرًا من نفْسه، أي: فأَفْعَل التَّفضيل ليس على بابهِ. وإما أنَّ المراد: أن الجزء من العبادة الذي هو النية خيرٌ من بقيَّة الأَجْزاء سِوى النيَّة؛ لاستِحالة الرِّياء في النيَّة. وإما أنَّ المُراد: خيرٌ من جُملة] الخَيرات، وتكون (مِن) للتَّبعيض؛ لأن النيَّة عمَلُ أشرفِ الأعضاءِ، وهو القَلْب. قلتُ: وهو قريبٌ مما قبلَه. وإما أنَّ القصد من الطاعات تنوير القَلْب، وتنويرُه بها أكثرُ؛ لأنَّها صفَتُه، وإما: أنَّ الضَّمير في (عمَله) لكافرٍ في واقعةٍ: وهي أن مُسلِمًا نوى بناءَ قنْطرةٍ، فسبَقَه الكافرُ فبناها. فإن قيل: هذا في الحسَنة، فما الحُكم في نيَّة السيِّئة؟ قيل: المَشهور أنَّه لا يُعاقَب على نيَّة السيئة بمجرَّدها بدليل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ لأن اللام للخَير، فجِيءَ بالكسْب الذي لا يَحتاج إلى تصرُّفٍ، وعلى للشَّرِّ، فجِيءَ بالاكتِساب الذي فيه تصرُّفٌ ومُعالَجةٌ.

стр. 74

قال (ك): والحقُّ أنَّ النيَّة في السيِّئة (١) يُعاقَب عليها نفْسها لا على الفِعْل المَنْوِيِّ، حتى لو عزَم على تَرْك صلاةٍ بعد عشرين سنةً يأْثم في الحال وإنْ لم يَتحقَّق تَركٌ لذلك المَنْوِيِّ. فالفَرْق بينهما أنَّ ناوي الحسَنة يُثاب على تلك الحسنة بنيَّتها، وناوي السَّيِّئة لا يُعاقب عليها بل على نيَّتها. قلتُ: فيما قالَه نظرٌ. فإنْ قيل: مَن جاء بنيَّته الحسَنة، فقد جاء بالحسَنة؛ فيكون له عشْر أَمثالها، كمن جاءَ بالحسَنة المَنويَّة، فيَلزم أنْ لا فَرْقَ في ذلك بين نية الحسَنة وفعلِها؛ فالجواب: لا نُسلِّم أنَّ نيَّة الحسَنة إتيانُ الحسَنة وإنْ أَتى بحسنةٍ؛ إذ المُراد الإتْيان بالمَنويِّ لا بالنيَّة وحدَها. قلتُ: لأنَّها المُراد بالعمَل غالبًا -كما سبَق في: "الأَعمال بالنيَّات"- أنَّ المُراد أَفْعالُ الجَوارِح، وكما في: "نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عمَلِهِ"، فإنَّه قابلَ بينهما. والباء في النيَّات تحتمل السَّبَبيَّة، والمُصاحَبة. قلتُ: ويتخرَّج عليهما أنَّ النيَّة شرطٌ في العبادة، أو رُكْنٌ، وفيه نظَرٌ، بينَّاه في "شرح العُمدة". والنيَّة -بتشديد الياء- مِن نَوَى إذا قَصَد، وأصلُها: نِوْيَةٌ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، وقد تُخفَّف مِن وَنِيَ: إذا فَتَرَ؛ لأنَّ

стр. 75

مُوجَب النيَّة وتصحيحها يحتاجُ إلى نَطْو، أي: بُعدٍ، والنَّطْو: البُعد، يُقال: أرضٌ نطَيَّةٌ، ومكان نَطِيٌّ، ذكَره الجَوْهَري. وأَما جمْع النِّيَّة في روايةٍ، وإفرادها في أُخرى، فلأَنَّ المَصدَر لا يُجمَع إلا باعتِبار الأنْواع والأَفْراد على الأصل، والجمْع على قَصْد التَّنْويع، أو أَنَّها لمَّا قابلت الأَعمال في روايةِ الجمْع، وكان كلُّ عملٍ له نيَّةٌ جُمعت، وهو قريبٌ مما قبْلَه إنْ أُريد بالتَّنويع باعتبار أَعمال العاملِين، ومُغايرٌ له إنْ قُصد بالتَّنويع باعتبار قَصْد رِضَا اللهِ وقصْد دُخول الجنَّة، ومراتب ذلك كما قرَّره الخوئي، أي: بالخاء المعجمة. قلت: وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ التَّنْويع موجودٌ باعتبار تغايُر العامِلين، أو باعتبار مقاصِد النَّاوِي. واعلم أنَّ وجود العمل صُورةً يُمكن بلا نيَّةٍ، فلا بُدَّ من تقْدير محذوفٍ؛ ليصحَّ المعنى، وتقدير ذلك المَحذوف كونًا مُطلَقًا لا فائدةَ فيه، إنما هو باعتبار اقتضاء اللُّغة، وأيضًا فوُجود العمَل يُمكن بلا نيةٍ، والمقصود إنما هو بَيان الشَّرعي، فقدَّرَه قوم: إنَّما صِحَّة الأعمال؛ لأَنَّ الأَقْرب لنفْي حقيقة الشَّيء نفْي صِحَّته، فرُجِّح على غيره من المُقدَّرات، وإنْ كان الكُلُّ مَجازًا، وهذا قول الشَّافعية، وكَثيْرٌ. وقدَّره قوم: إنَّما كَمالُ، قالوا: لأنَّ نفْي الصِّحة يَستدعي نفْيَ الكمالِ وغيرِه، فيَكثُر المَجاز، بخلاف تقْدير: كمال، فإنَّه تقليلٌ للمَجاز. قلتُ: ضُعِّف؛ بأنَّ نفْي الكمال إنما هو بعد وُجود الصِّحَّة،
следующие страницы →