← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والتَّركيب في كلِّها يُفيد الحَصْر باتفاق المُحقِّقين، وهو مِن حصْر المُبتدأ في الخبَر، ويُعبِّر عنه البَيانيُّون بقَصْر المَوصوف على الصِّفَة، وربَّما قيل: قَصْر المُسنَد إليه على المُسنَد. ووجه الحَصْر فيما فيه (إنَّما) إمَّا مَفْهومًا، أو مَنْطوقًا على الخلاف في العربية والأُصول. وقيل: الحصْر من عُموم المُبتدأ باللام، وخُصوص خبَره على حدِّ: صَديقي زيدٌ؛ لعُموم المُضاف إلى المَعرفة، وخُصوص خبَره، ففي الرواية الأُخرى كما سبَق الجملة بدون (إنما)، والتقدير: كلُّ الأعمال بالنيَّة؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيةٍ لم تصدُق هذه الكُليَّة، نعَمْ، خرَج من العُموم جُزئياتٌ بدليلٍ كما أوضحتُه في "شرح العُمدة"، وسيَأْتي الإشارةُ لطرَفٍ منه (١). والأعمال: جمع عَمَل، أعمُّ من عمَل اللِّسان والقَلْب، وسائر الجَوارح، لكنَّ المُراد في الحديث هو: الثالث؛ لأنَّ عمَل القَلْب من التوحيد، والإجلال، والخوف، والنية، ونحوِ ذلك لا يدخُل؛ لعدَم احتياجه للنيَّة (٢) لصَراحة القَصْد به؛ ولأن النيَّة لو افتقَرت إلى نيةٍ ونيَّتُها إلى نيةٍ أُخرى لتَسلْسَل، وهو محالٌ، ومن القَلْبي أيضًا الكفُّ عن الأَفعال، فلا تحتاج التُّروك إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها كفٌّ إلا أنْ تقترن بقَصْد تعبُّدٍ

стр. 72

فيَحتاج كقَصْد التارِك الثَّوابَ، أو لتمييزٍ عن عادةٍ ونحوها كالصوم، فيَحتاج إلى النيَّة، وأما عمَل اللِّسان وهو: القَول؛ فلا يحتاج إلى نيةٍ؛ لصَراحته أيضًا كالقراءة، والأذان، والذِّكْر إلا لغرَضِ الإِثابة على ذلك كما سبَق نحوه في التُّروك. قلتُ: وخُروج هذه الأُمور ونحوها عن اعتِبار النيَّة فيها إما لاستحالة دُخولها، وإما لخُروجها بدليلِ من باب تخصيص العُموم، فانحصرت النيَّة في أعمال الجوارح إلا أنْ يرجع إلى التُّروك كغَسل النَّجاسة؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّ الحديث يدخُل فيه ثلُث العِلْم. قال البيهقي: إذْ كَسْب العبد إما بقلْبه، أو بلسانه، أو ببقية الجَوارح، وما بالقَلْب -كالنيَّة وما في معناها- أحد الثَّلاثة بل أَرجَحها؛ لأنَّها تكون عبادةً بانفرادها بخلاف غيرِها، وهذا أَحَد التَّأْويلات فيما رُوي عن النبيِّ ﷺ : "نيَّة المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِه"، ولأنَّ القول والعمَل بالجَوارح يدخلُها الفَساد بالرِّياء بخلاف النيَّة. نعَمْ، حديث: "مَنْ هَمَّ بحسَنةٍ ولم يَعملْها كُتبتْ له واحدةً، ومَن عمِلَها كُتبتْ له عَشْرًا"، فربَّما يُوهم تعارُض الحديثَين من حيث إنَّ الأول يقتضي أنَّ النيَّة أرفَع من العمَل، والثاني يَقتضي أنَّها دُونه، وجوابه: إما أنَّ المُراد: أنَّ مَنْ همَّ بحسَنةٍ إذا لم يعملْها خلاف العامِل، والعامل لم يعمَل حتى همَّ، فوُجِد الأَمران. أما "نيَّة المرء خيرٌ مِن عمَله"؛ فباعتِبار أنَّ مُقتضاها تخليد

стр. 73

المؤمن في الجنَّة، والكافِر في النَّار؛ إذ المؤمن ناوٍ أنْ يُطيع الله لو بقِيَ أَبدًا، والكافر نيَّتُه أنْ يستمرَّ كافرًا لو بقِيَ أبدًا، فقُوبل التأْبيد بالتأْبيد، وإلا فالعمَل متناهٍ، فيُجازى إما بقَدْره أو بالإضْعاف الذي يَشاؤُه الله تعالى. وإما أَنَّ المراد: أنَّ النية خيرٌ من العمَل [بلا نيَّةٍ، وإلا لَزِم أنْ يكون الشيء خيرًا من نفْسه، أي: فأَفْعَل التَّفضيل ليس على بابهِ. وإما أنَّ المراد: أن الجزء من العبادة الذي هو النية خيرٌ من بقيَّة الأَجْزاء سِوى النيَّة؛ لاستِحالة الرِّياء في النيَّة. وإما أنَّ المُراد: خيرٌ من جُملة] الخَيرات، وتكون (مِن) للتَّبعيض؛ لأن النيَّة عمَلُ أشرفِ الأعضاءِ، وهو القَلْب. قلتُ: وهو قريبٌ مما قبلَه. وإما أنَّ القصد من الطاعات تنوير القَلْب، وتنويرُه بها أكثرُ؛ لأنَّها صفَتُه، وإما: أنَّ الضَّمير في (عمَله) لكافرٍ في واقعةٍ: وهي أن مُسلِمًا نوى بناءَ قنْطرةٍ، فسبَقَه الكافرُ فبناها. فإن قيل: هذا في الحسَنة، فما الحُكم في نيَّة السيِّئة؟ قيل: المَشهور أنَّه لا يُعاقَب على نيَّة السيئة بمجرَّدها بدليل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ لأن اللام للخَير، فجِيءَ بالكسْب الذي لا يَحتاج إلى تصرُّفٍ، وعلى للشَّرِّ، فجِيءَ بالاكتِساب الذي فيه تصرُّفٌ ومُعالَجةٌ.

стр. 74

قال (ك): والحقُّ أنَّ النيَّة في السيِّئة (١) يُعاقَب عليها نفْسها لا على الفِعْل المَنْوِيِّ، حتى لو عزَم على تَرْك صلاةٍ بعد عشرين سنةً يأْثم في الحال وإنْ لم يَتحقَّق تَركٌ لذلك المَنْوِيِّ. فالفَرْق بينهما أنَّ ناوي الحسَنة يُثاب على تلك الحسنة بنيَّتها، وناوي السَّيِّئة لا يُعاقب عليها بل على نيَّتها. قلتُ: فيما قالَه نظرٌ. فإنْ قيل: مَن جاء بنيَّته الحسَنة، فقد جاء بالحسَنة؛ فيكون له عشْر أَمثالها، كمن جاءَ بالحسَنة المَنويَّة، فيَلزم أنْ لا فَرْقَ في ذلك بين نية الحسَنة وفعلِها؛ فالجواب: لا نُسلِّم أنَّ نيَّة الحسَنة إتيانُ الحسَنة وإنْ أَتى بحسنةٍ؛ إذ المُراد الإتْيان بالمَنويِّ لا بالنيَّة وحدَها. قلتُ: لأنَّها المُراد بالعمَل غالبًا -كما سبَق في: "الأَعمال بالنيَّات"- أنَّ المُراد أَفْعالُ الجَوارِح، وكما في: "نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عمَلِهِ"، فإنَّه قابلَ بينهما. والباء في النيَّات تحتمل السَّبَبيَّة، والمُصاحَبة. قلتُ: ويتخرَّج عليهما أنَّ النيَّة شرطٌ في العبادة، أو رُكْنٌ، وفيه نظَرٌ، بينَّاه في "شرح العُمدة". والنيَّة -بتشديد الياء- مِن نَوَى إذا قَصَد، وأصلُها: نِوْيَةٌ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، وقد تُخفَّف مِن وَنِيَ: إذا فَتَرَ؛ لأنَّ

стр. 75

مُوجَب النيَّة وتصحيحها يحتاجُ إلى نَطْو، أي: بُعدٍ، والنَّطْو: البُعد، يُقال: أرضٌ نطَيَّةٌ، ومكان نَطِيٌّ، ذكَره الجَوْهَري. وأَما جمْع النِّيَّة في روايةٍ، وإفرادها في أُخرى، فلأَنَّ المَصدَر لا يُجمَع إلا باعتِبار الأنْواع والأَفْراد على الأصل، والجمْع على قَصْد التَّنْويع، أو أَنَّها لمَّا قابلت الأَعمال في روايةِ الجمْع، وكان كلُّ عملٍ له نيَّةٌ جُمعت، وهو قريبٌ مما قبْلَه إنْ أُريد بالتَّنويع باعتبار أَعمال العاملِين، ومُغايرٌ له إنْ قُصد بالتَّنويع باعتبار قَصْد رِضَا اللهِ وقصْد دُخول الجنَّة، ومراتب ذلك كما قرَّره الخوئي، أي: بالخاء المعجمة. قلت: وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ التَّنْويع موجودٌ باعتبار تغايُر العامِلين، أو باعتبار مقاصِد النَّاوِي. واعلم أنَّ وجود العمل صُورةً يُمكن بلا نيَّةٍ، فلا بُدَّ من تقْدير محذوفٍ؛ ليصحَّ المعنى، وتقدير ذلك المَحذوف كونًا مُطلَقًا لا فائدةَ فيه، إنما هو باعتبار اقتضاء اللُّغة، وأيضًا فوُجود العمَل يُمكن بلا نيةٍ، والمقصود إنما هو بَيان الشَّرعي، فقدَّرَه قوم: إنَّما صِحَّة الأعمال؛ لأَنَّ الأَقْرب لنفْي حقيقة الشَّيء نفْي صِحَّته، فرُجِّح على غيره من المُقدَّرات، وإنْ كان الكُلُّ مَجازًا، وهذا قول الشَّافعية، وكَثيْرٌ. وقدَّره قوم: إنَّما كَمالُ، قالوا: لأنَّ نفْي الصِّحة يَستدعي نفْيَ الكمالِ وغيرِه، فيَكثُر المَجاز، بخلاف تقْدير: كمال، فإنَّه تقليلٌ للمَجاز. قلتُ: ضُعِّف؛ بأنَّ نفْي الكمال إنما هو بعد وُجود الصِّحَّة،

стр. 76

فليس في تقدير نفْي الصِّحة إلا مجازٌ واحدٌ. وقدَّره قومٌ: إنما اعتِبارُ، وهو يحتمل اعتِبارَه من حيث الصِّحة، ومن حيث الكَمال، فيُطلَب التَّرجيح من خارجٍ، ونحوه تقدير: إنما اجتلاب، وشِبْهه. وقال قومٌ -وهو الحقُّ-: لا حاجةَ للتَّقدير؛ لأنَّ المُراد نفْي الحقيقة الشَّرعية، وإذا فُقد شرطها أو رُكنها انتفتْ حقيقةً، والواقع صُورةً مختلًا ليس شرعيًّا. ويجري مثل ذلك في نحو: "لا صَلاةَ إلا بطُهُورٍ"، أو "إلَاّ بفاتِحَةِ الكِتَاب"، وحينئذٍ فيَخرُج ذلك عن دلالة الاقتِضاء بالكُلِّية. وسيأتي في أواخر (كتاب الإيمان)، في (باب ما جاءَ أنَّ الأَعمال بالنيَّة) مَباحثُ تتعلَّق بالحديث. (وإنما لكل امرئٍ ما نوى) الامْرِئ والمَرْء بمعنًى، و (ما) في قوله: (ما نَوَى) إما موصولٌ اسميٌّ، والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي نَواهُ، أو حَرْفيٌّ، أي: نيَّتُه، فهو مُستغنٍ عن العائد؛ لأن الضَّمير لا يعُود على الحَرْف. والحَصْر في هذه الجُملة عكس ما قبلَها؛ لأنَّه حصرُ الخبَر في المبتدأ، أو يُقال: قَصْر الصِّفَة على الموصوف؛ لأنَّ المَقصُور عليه في (إنما) دائمًا المُؤخَّرُ، فإنْ قُلنا: إنَّ تقديم الخبر يُفيد الحَصْر؛ فالحصْر في التَّركيب من وجهين.

стр. 77

ثم المراد في هذه الجُملة غيرُ المراد في التي قبلَها، فإما: باعتبار أنَّ الأُولى نبَّهت على أنَّ الأَعمال لا تَصير حاملةً لثوابٍ أو عقابٍ إلا بالنيَّة، والثانية: على أنَّ العامِل يكون له من العمَل على قَدْر نيَّته، ولهذا أُخِّرت عن الأُولى لترتُّبها عليها، وإما لأنَّ الأُولى للصِّحة، والثانية لترتيب الثَّواب؛ إذْ لا يَلزم من الصِّحة الثَّواب على رأْي الأكثَر. قال (خ): أَفادت الثانية تعيين العمَل بالنيَّة؛ لأنَّه لو نَوى صلاةً إنْ كانت فائتةً، وإلا فهي تطوُّعٌ لم يُجزئْه عن فرْضه؛ لأنَّه لم يمحض النيَّة، ولم يُعيِّن بها شيئًا. (فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) سقَط من رواية البخاري هنا ما في بقيَّة الروايات من قوله ﷺ قبلَه: (فمَنْ كانتْ هِجْرتُه إلى اللهِ ورسوله؛ فهِجْرتُه إلى اللهِ ورسولهِ)، [ففيه الخَرم، وهو سُقوط بعض الحديث. فإنْ قيل: كان المُناسِب ذِكر الشِّقِّ الآخَر؛ لأنَّه الذي يتعلَّق بمَقْصُوده، وجوابه: يَنبغي أنْ تكون النيَّة لله ولرسوله. قيل: لعلَّ النَّظَر فيما ذُكر لكَونه الغالِبَ على النَّاس]. قال (خ): ولستُ أَدري كيف وقع هذا الإغفال؟ وقد ذكَره البخاري في غير موضعٍ لكنْ من غير طَريق الحُمَيدي عن سُفْيان، لكنَّها وقعتْ لنا برواية الأثْبات، انتهى. وممن أخرَجَها من هذه الطَّريق الإِسْمَاعِيْلي في "مُستخرَجه"، فلنَشْرح هذه الزيادة هنا تعجيلًا للفائدة: فالهجرة فِعْلَةً من الهَجْر (١)،

стр. 78

وهو التَّرْك، والمُراد هنا تَرك الوطَن إلى غيره؛ لأنَّ المَقصود هِجْرة مَن هاجَر من مكة إلى المدينة، وقد وقَع قبْل هجرة النبيِّ ﷺ كذلك هجرةُ بعض الصَّحابة للحبَشة مرَّتين، وبالجُملة فحُكم الهِجْرة من دار الكُفر إلى دار الإسلام مُستمِرٌّ على التَّفْصيل المذكور في الفقه. وقد تُطلق الهجرة كما في بعض الأحاديث على هجْر ما نهى الله ورسوله، وعلى هجْر المُسلم أَخاه، وهجْر المرأَة في المَضْجَع، وغير ذلك. ومُناسبة ذِكْر الهجرة هنا: أنَّها من قاعدة الأَعمال بالنيَّة، والحديث واردٌ على سبَبٍ، وهو هجرةٌ وقعتْ على غير ذلك. والفاء في: (فهجرته) داخلةٌ في جواب الشَّرط إنْ كانت (مَنْ) شرطيَّةٌ؛ لعدَم صلاحية الجواب للشرطية؛ لكونه جملةً اسميةً، فإن قُدِّرت مَن موصولة، وهي مبتدأ، فالفاء في خبره لتضمُّن المُبتدأ معنى الشَّرطِ، لكنْ المبتدأُ والخبر، والشَّرط والجزاء لا بُدَّ من تغايُرهما، وظاهرهما هنا الاتحاد، فلا بُدَّ مِن تأْويل التغايُر، فقيل تقديره: فمَن كانت هجْرتُه إلى اللهِ ورسولهِ نيَّةً وقَصْدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حُكمًا وشَرعًا، وعلى هذا فنصب المقدَّر على التَّمييز على حدِّ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، أي: رجلًا أو نحوَه، وإنْ كان التَّمييز في الحديث تمييز نِسبةٍ، وفي الآية تمييزُ مُفردٍ لا على الحال؛ لأَنَّ الحال المبيِّنة لا تُحذَف، ولذلك منعَ الرَّنْدي في "شرح الجُمَل" تعلُّق الجارِّ في: (بسم الله) بحالٍ محذوفةٍ، أي: أَبتَدئُ

стр. 79

مُتبرِّكًا، وقيل: الخبر في الثاني محذوفٌ، والتقدير: فهجرته إلى الله ورسوله مقبولةٌ أو صحيحةٌ، وقيل المُراد: فله ثَوابُ مَن هاجَر إلى الله ورسوله، فاُقيم السبب مُقام المُسبَّب، وقيل: المراد في الثاني (١) ما عُهد في الذِّهن، وفي الأول المُشخَّص في الخارج مثل: أَنَا أَبُو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري أي: شِعْري الذي سَمعتُموه هو شِعْري المستقِرُّ المَعهود في الأَذْهان، فلا حاجةَ لتقدير محذوفٍ، وإنما قال: إلى (الله ورسوله) ولم يقُل: (إليهما) وإنْ كان الأَصل الرَّبط بالضَّمير؛ لكَونه أخصَر؛ إما لأنَّ في الظاهِر استِلْذاذًا بذِكْره صريحًا، ولذلك لم يأْتِ مثله في الجُملة التي بعدَه إِعراضًا عن تكرار لفْظ الدُّنيا، وإما لئلا يُجمع بين اسم الله ورسوله في ضميرٍ بل يُفرَدان كما في حديث: "بِئْسَ الخَطِيْبُ أَنتَ، قلُ: ومَنْ يَعصِ اللهَ ورَسولَهُ"، على ما فيه من البَحْث المَشهور. و (إلى) في: (إلى دُنْيا) مُتعلِّقةٌ بـ (هجرة) إنْ قُدِّرت (كان) تامةً، وبمحذوفٍ إنْ قُدِّرت ناقصةً، ويكون هو خبرَها. (ودنيا) بضمِّ الدال: فُعْلَى مِن الدُّنُوِّ، وحكى ابن مالِك وغيرُه كسْرَها، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنَّها سابقةٌ على الدار الآخِرة، وجمْعها: دُنَى، نحو: كُبْرى وكُبَر، ويُنسب إليها دُنيويٌّ ودينيٌّ ودُنياويٌّ، وأَلِفها مقْصورةٌ للتأْنيث، فلذلك منعت صَرْفه، فلا تنونَ، وقال التَّميمي:

стр. 80

منعت مع الوَصْف، وهو سَهوٌ؛ لأنَّ ألِف التأْنيث تمنعَ وحدَها. نعَمْ، حكى ابن جِنِّي في لُغةٍ نادرةٍ تَنوينها، وقد أَورد ابن مالك أنَّها إذا كانت أَفعل تفضيلٍ، فكيف أنث مع كونه نَكِرةً، والقياس (أَدْنىَ) مُفردًا مُذكَّرًا، كما لم يُقل: قُصْوَى في أَقْصَى، ثم أجاب بأنَّ ذلك لإجرائه (١) هنا مُجرى الأَسماء، فلمَّا خُلع الوَصْف عن الوصفيَّة صار كرُجْحَى، ومنه قوله: وإِنْ دَعوتِ إلى جُلَّى وَمَكْرُمةٍ ... يَومًا سَراةَ كِرَامِ النَّاسِ فادْعِيْنَا فإنَّ (جُلَّى) وإنْ كانت تأْنيث (أَجَلَّ) لكنَّه خُلع عن الوصفيَّة، وجُعل اسمًا للحادِثة العَظيمة. قال (ك): ويدلُّ له قلْبُ الواو ياءً، والقَلْب إنما هو لفُعْلَى وصفًا. قلتُ: هذا على طريقة البَصريِّين ومُختارِ ابن الحاجِب، أما على طريقة ابن مالك المَقصودة عنده، فتُبدل في الصِّفة لا في الاسم كما هو مقُرَّرٌ بشواهده في محلِّه. فإن قيل: إنْ أُريد بـ (كانتْ) ما وقَع من الهجْرة في الماضي؛ فلا يُعرف منه حُكم المستقبَل، أو في ما يأْتي في المُستقبَل؛ لأنَّ الشَّرط يخلص للاستِقبال، فلا يعلم حُكم الماضي. قيل: المُراد أَصل الكَون مُطلَقًا من غير تقييدٍ بزمانٍ، أو أنَّ أَحد الزَّمانيَن يُقاس على الآخَر، أو على أنَّ الإجماع قائمٌ على استِواء

стр. 81

الماضي والمُستقبَل؛ لاستِواء المُكلَّفين في ذلك ما لم يَعرِض عارِضٌ. (يُصِيبهَا) المراد: الحُصول، شُبِّه بإصابة السَّهم الغَرَضَ بجامعِ حُصول المقصود. (أَوْ امْرَأةً) خُصَّتْ بالذِّكر مع دُخولها في: (دنْيا) إما لأنَّ دُنيا نكرةٌ في إثباتٍ فلا تَعُمُّ. قلتُ: لكنَّ النَّكِرة في سِياق الشَّرط -كما هنا- تَعمُّ. وإما لأَنَّ المرأَة سببٌ ورَدَ عليه الحديث، وهو الرجل الذي هاجَر إلى امرأَةٍ هاجرتْ ليَنكِحَها، يُقال لها: أُمُّ قَيْس، وسماها ابن مَنْدَهْ: قَيْلَة، والرجل لا يُعرف اسمه، ولعلَّ إخفاء ذلك لقَصْد السَّتْر. وإما لأَنَّ المرأَة فِتْنةٌ عظيمةٌ، فنبَّه على التَّحذير منها، ففي الحديث: "ما تَركْتُ بَعْدِي فِتْنةً أَضَرَّ على الرِّجال مِن النِّسَاءِ"، فهو من عطْف الخاصِّ على العامِّ نحو: والملائكة وجبريل وميكائيل، و ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، نعَمْ، كون العطْف بـ: (أو) قد يستبعد. فإن قيل: ما وَجْه الذَّمِّ في طلَب الدُّنيا، أو تَزوُّج المرأَة مع إباحة ذلك؟ قيل: الذَّمُّ من حيث إنَّه خرَج في صُورة الطَّالب لفضْل الهجرة وباطنُه خلافُ ظاهره. (فهجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فيه ما سبَق من اتحاد الجَواب مع الشَّرط، أو الخبَر مع المُبتدأ في الظَّاهر، وأجوبته السابقة.

стр. 82

واعلم أنَّ هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي علَيها مَدار الإِسلام. قال أبو داوُد: يَكفي الإنسانَ لدِينه أربعةُ أحاديث: "الأعمال بالنيَّات". و"مِنْ حُسْن إسلامِ المَرء تَرْكُه ما لا يَعنيه". و"لا يَكُون المُؤمِن مُؤْمِنًا حتَّى يَرضَى لأَخيه ما يَرضَى لنفْسه". و"الحَلالُ بيِّنٌ، والحَرام بيِّنٌ". وعن غير أبي داوُد غيرُ ذلك. وقد ادعى تواتُر حديث النيَّة، وليس كذلك بل هو فَردٌ من عُمر إلى يَحيى، ثم تَواتَر من بعد يَحيى. وفيه من الفِقْه ما لا يَنحصر، وسبَق بعضُ ذلك في أثناء شَرْحه، وغالب الأَحكام مفصَّلةٌ في مواضعِها من الفقه. * * * ٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ الْحَارِثَ ابْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْيَانًا يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ما قَالَ، وَأَحْيَانًا يتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي

стр. 83

الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيتَفَصَّدُ عَرَقًا. الحديث الثاني (م، ت، س). إسناده كلُّهم مَدَنيُّون خلا عبدَ الله بن يُوسُف؛ أي: التِّنِّيسي، وليس في الكتُب بهذا الاسم غيرُه. (حدثنا) كذا في أوَّل السنَد، وفي الذي بعدَه: (أخبرنا)، وفي الثاني بلفظ: (عن)، وقد قال بعض العلماء في المُعنْعَن: إنه مُرسَلٌ، والصَّحيح عند الجُمهور: أنَّه متصِلٌ إذا أمكَن لِقاء الرَّاوي، ونقَل مسلمٌ عن بعض أَهل عصْره أنَّه لا بُدَّ من ثُبوت اللِّقاء، وضعَّفَه. ولكنْ قال (ن): إنَّ هذا هو الصَّحيح المُختار الذي عليه البُخاريُّ وغيرُه. وشرط القاضي: زيادةَ كونِه أدركَه إدراكًا بيِّنًا، وأبو المُظفَّر: زيادة طُول الصُّحبة بينهما، لكنْ حُجَّة الصَّحيح المُختار: أنَّ الظَّاهر ممن ليس بمُدلِّسٍ أنْ لا يُطلِق ذلك إلا على السَّماع، [والاستِقراءُ يدلُّ عليه؛ لأنَّ عادتَهم أنهم لا يُطلقون ذلك إلا فيما سَمعوه، فغلَب على الظنِّ مُستند السَّماع]، بخلاف ما إذا أَمكَن التَّلاقي ولم يَثبُت، فإنه لا يَغلِب على الظنِّ الاتصال، فلذلك كان هذا من مُرجِّحات "كتاب البخاري" على "كتاب مسلم". (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَام) هو أخو أَبي جَهْل، والحارِث قد يُكتب بدون ألفٍ، مات في طاعُون عَمواس سنة ثمانَ عشرةَ من الهجرة.

стр. 84

(كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ) إسنادُ الإتْيان للوَحْي مَجازٌ، والأصل: كيف يأْتِيك حاملُ الوَحْي، فهو من المَجاز العقْلي؛ لتَحويل الإسناد عمَّن هو له إلى مَن ليس له، كذا قرَّره (ك)، وفيه نظَرٌ من وجهَين: إحداهما: إذا قُدِّر مضافٌ، وهو (حاملُ) كانَ مِنْ مجاز الحذْف. وثانيهما: يصير السُّؤال عن كيفيَّة إتْيان حامل الوحي لا عن كيفيَّة وُصول الوحي، ويحتمل أنَّ ذلك من باب الاستعارة بالكناية، شُبِّه الوحي برجلٍ مثلًا، وأُضيف إلى المشبَّه الإتْيان الذي هو من خواصِّ المشبَّه به، نعم، لعلَّ السُّؤال إنما هو عن كيفيَّة ابتداء الوحي، أو كيفيَّة ظُهوره؛ ليُوافِق ترجمة الباب. (أَحْيَانًا) جمع: حينٍ، وهو الزَّمان وإنْ قلَّ، ونصْبه على الظَّرفيَّة (١)، وعامله يأْتي المذكور بعدَه. (مِثْلَ صلصلة) منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إتْيانًا مثْلَ، أو حالًا، أي: مُشابِهًا، ويُروى: (في مثْل)، ورجِّح بأنَّ الصَّلصلة حينئذٍ الوحْي بمنزلة القِراءة للقُرآن في فهم الخِطاب بخلاف رواية إسقاط (في)، فإنَّ معناها يَرجع للمذكور بعدَه، وهو تمثُّل الملَك له رجلًا فيكلِّمُه، فتكون القراءة تفسير القرآن. (صَلْصَلَةِ) (٢) بفتح الصَّادَين (٣) المهملتَين، وهو الصَّوت المُتدارِك

стр. 85

الذي يُسمَع ولا يَستبين عند أوَّل ما يَقرع السَّمع بل حتى يتفهَّمه السامع، ويَستبينَه، فيتلقَّنه. (الْجَرَسِ) بفتح الجيم والراء: معروفٌ، والعامة تقوله بالصَّاد، ولا يُعرف في اللُّغة اجتماعها مع جيمٍ في كلمةٍ إلا في: الصَّمْج، وهو القِنْديل، وأما الجِصُّ فمعرَّب. والمُراد: أنَّ الوحي يأْتي صَوتًا يَقرع سَمعه، ثم يَفهمُه من بعدُ، قيل: وفائدة صَوت الملَك أنَّه يشغَلُه بالوحي عن سائر إِحساسه. ثم قيل: إنما كان يَنزل بذلك فيما هو وعيدٌ وتهديدٌ. (فَيُفْصَمُ عَنِّي)؛ أي: يَنفصِل من الفَصْم، وهو القَطْع، قال تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لها﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ويُروى بضم أوَّله، وفتح ثالثه، على البناء للمَفعول. قال (ك): ومفعولُ ما لم يُسمَّ فاعله: (عني)، فيكون من تتمَّة الشِّدة في قوله: (وهو أَشدُّه عليَّ)، أي: بحيث (١) يَنقطِع من بدَني شيءٌ. وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ النائب ضميرٌ يَعود لمَا سبَق، بل وعلى تقديره يكون النائب شيءٌ، أو جزء، لا الجارُّ والمَجرور. وقيل: الفَصْم: الصَّدْع أو الشَّقُّ من غير إبانةٍ، بخلاف القَصْم

стр. 86

بالقاف؛ فإنَّه بإبانةٍ، وتكون الإشارةُ بما هو بالفاء والقاف (١) [إلى أنَّ الوَحْي يَعود فكأنَّه لا انفِصالَ له. قال (ك): والفَرْق بين الفَصْم-بالفاء]، والقاف- بما سبَق جارٍ على مَن يَعتبر مُناسبة اللَّفْظ للمَعنى، وهو بعض الاشتِقاقيِّين؛ لأنَّ القاف من الحُروف الشَّديدة، ومن المُقَلْقَلة بخلاف الفاء، فإنَّها من الرِّخوة، وفيه نظَرٌ. وفي (يفصم) روايةٌ ثالثةٌ: (يُفصِم) بضم أوله، وكسر ثالثهِ، مِن أَفصَم المطَر، أي: أقلَع، وهو قريبٌ من المعنى السابق. والمراد على كلِّ حالٍ: إما قطْع الوحْي بمفارقةِ الملَك، أو قطْع الشِّدَّة، أي: يتجلَّى عني ما يَغشَاني من الكَرْب والشِّدَّة. (وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فَهِمتُ، أو حَفِظتُ، وأصله مِن الوِعاء، ومنه: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]، شُبِّه بجمْع الشيء في الوِعاء، ويقال في المالِ والمتَاع: أَوعَيتُ، فأنا مُوعٍ. (يَتَمَثَّلُ لِيَ)؛ أي: يَتصوَّر من المِثال، فالتَّفعُّل فيه لتكلُّفه أنْ يكون مِثال ذلك. (الْمَلَكُ) اللام فيه للعَهْد، أي: جبريل ﵇. (رَجُلًا)؛ إما منصوبٌ على المَصْدريَّة، أي: تمثُّلَ رجلٍ، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه، أو على المفعولية إنْ قدِّر تضمين

стр. 87

تمثَّلَ معنى: اتَّخَذَ، أي: اتخذَ (١) الملَك رجُلًا مِثالًا، وإما على الحاليَّة بتأْويل الجامد بمشتقٍّ، أي: مُشبِهًا رجلًا، وقال ابن السِّيْد: حالٌ موطِّئةٌ، أي: رجلًا مَرئيًّا أو مَحسُوسًا. وإنما صحَّ أنْ يكون حالًا وهو عند صُدور الفعل ليسَ كذلك؛ لأنَّه من الحال المقدَّرةِ. وإما على التَّمييز، وهذا التَّمثيل من جبريل ﵇ على صُورة دِحْيَة أو غيره ليس معناه انقِلاب ذاتِ الملَك بل أنَّه ظهَر في تلك الصُّورة؛ لمَا جعَل الله فيه من قُوَّة يتطوَّر بها. قال المُتكلِّمون: الملائكة أجسامٌ عُلْويَّةٌ لطيفةٌ تتشكَّل بأيِّ شكلٍ شاءَتْ. ثم حِكْمة تمثُّله رجلًا تأْنيسُه ﷺ بما يَعهَد من البشَر. (فَيُكَلِّمُنِي) رواه البَيْهقي عن القَعْنَبي، عن مالك: (فيُعلِّمُني) بالعين. (فَأَعِي) أتَى به مُضارِعًا، وفيما سبَق ماضيًا؛ لأنَّ الوَحْي في الأول حصَل قبْل الفَصْم، ولا يُتصوَّر بعدَه، وفي الثاني حالَ المُكالَمَة، ولا يُتصوَّر قبلَها، أو أنه في الأول عند غلَبة التلبُّس بالصِّفات الملَكيَّة، فلمَّا عاد للحال المعهودة أخبَر عن الماضي، وأما في الثاني فهو على حاله، أو أنْ أَعي للحال، وقد وعيتُ قرَّب الماضي باقترانه بـ (قد) للحال فتَساويا، وهذا لأن الثاني صريحٌ يُحفظ في الحال، والأول قريبٌ من أن يُحفظ؛ لاحتياجه إلى الاستِثبات.

стр. 88

وحاصل جوابه ﷺ كيفيَّتان: إحداهما: هي أشدُّ عليه؛ لاشتمالها على ما يُخالف طبْع البشرية، فيحصل له من الشدَّة، والمشقَّة، وغشيان الكَرْب لثِقَل ما يُلقى إليه أمرٌ عظيمٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. قال (خ): إنَّ ذلك لجمْعه في قلْبه، وحُسن حفْظه، أو أنه شِدَّة امتحانٍ له ليَبلُوَ صبْره، ويحسن تأْديبه، فيرتاضَ لاحتمال ما كُلِّف من أَعباء النُّبوة، أو أن ذلك لمَا يَستشعره من الخوف من وُقوع تقصيرٍ فيما أُمر به من حُسن ضبْطه، أو اعتراض ذلك دُونه، فلقد أُنذر بما تَرتاع (١) له النُّفوس، ويعظُم له (٢) وجَلُ القُلوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ الآية [الحاقة: ٤٤]. وقيل في الحِكْمة في ذلك أيضًا: أنْ يُفرَّغ سمعه لصوت الملَك حتى لا يكون فيه موضعٌ لغير صوته، ولا في قلْبه. والثانية: وهي أيسَر من الأُولى: أَنْ يأْتيه الملَك في صُورة بشَرٍ يأْنسَ به، ويُكلِّمه على المُعتاد. ووجه الاقتصار على الحالتَين: أنَّ سُنة الله -تعالى- لمَّا جرتْ أنه لا بُدَّ من مُناسبةٍ بين القائل والسَّامع حتى يقَع التَّعليم والتَّعلُّم؛ فتلك المُناسبة: إما باتصاف السامِع بوصْف القائل بغلَبة الرُّوحانيَّة

стр. 89

عليه، وهو النوع الأول، أو باتصاف القائلِ بوصْف السامع، وهو النَّوع الثاني، وقيل في الحصر أيضًا: إما يَتمثَّل القائلُ بشَرًا أوْ لا، وقيل أيضًا: إما أن يكون كلامُه ظاهرًا مفهومًا بلا مشقةٍ أوْ لا. فإنْ قيل: بقِيَ قسْمٌ ثالثٌ، وهو الرُّؤْيا، قيل: المُراد ما يختصُّ به، ويخفَى (١) ولا يُعرَف، والرُّؤيا معروفةٌ، ولا اختصاصَ فيها إلا أنَّها من الأنبياء وحيٌ، أو أنَّ الأمرَين كما يجريان في اليقَظة يكونان في المَنام، فلم يخرُج الحالُ عنها، أو أنَّ السُّؤال إنما وقَع عما يكون من الوحْي في اليقَظة، أو أنَّ رُؤيا المَنام إنما تكون (٢) في ابتداء الأَمْر كما في الحديث الآخر: (أَوَّل ما بُدِئَ بهِ مِن الوَحْي الرُّؤْيا الصَّالِحَةِ في النَّومِ)، أو قال: (الصَّادِقَة). وقيل في مُدَّة ذلك: أنَّها كانت ستَّةَ أشهُرٍ، فالسُّؤال عن الوَحْي إنما كان بعد ذلك، أو أنَّ الأُمور الموجودة بعد إرسال الملَك مُنْغمِرة في الوحي، فلم تُحسَب. فإن قيل: ما وجه مُطابقَة الجَواب بالثَّاني عن كيفيَّة إتْيان الوَحْي المَسؤول عنها مع ظُهوره في كيفيَّة الحامِل للوَحْي؟ قيل: إنَّ في بَيان كيفيَّة الحامِل والغاية بَيانٌ لكيفيَّة نفْس الوحي بقوله: (فيُكلِّمُني)، قال التُّوْرِبِشْتِي في "شرح المَصابيح": كان ﷺ

стр. 90

مُعتنيًا بالبَلاغَة كاشفًا بالعُلوم الغَيبيَّة، وكان يُوفِّر على الأُمَّة حصَّتَهم بقدْر الاستِعداد، فإذا أَراد أن يُنبئهم بما لا عَهْدَ لهم من تلك العُلوم؛ صاغَ لها أمثلةً من عالم الشَّهادة؛ ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يُشاهدوه، فلمَّا سألَه الصَّحابة عن كيفيَّة الوَحْي، وهو من المَسائل الغامِضة ضرَبَ لها مثلًا مِن الشَّاهد بالصَّوت المُتدارِك الذي يُسمع ولا يُفهم منه شيءٌ تَنْبيهًا على أنَّ ذلك يَرِد على القَلْب في لِبْسة الجَلال، فتأْخذُه هيبةُ الخِطاب حين وُرودها مَجامع القَلْب، ويُلاقي من ثِقَل القول مما لا عِلْم له بالقَول مع وجود ذلك، فإذا كُشف عنه وجَدَ القول المنزَّل بيِّنًا، فيُلقى في الرُّوع واقِعًا مَوقِع المَسموع، وهذا معنى قوله: (فيَفصِمُ عَنِّي)، وهذا الصَّوت من الوَحْي شبيهٌ بما يُوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قَضَى اللهُ في السَّماءِ أَمْرًا ضَربَتِ الملائِكَةُ بأجْنحتِها خُضْعانًا لقَوله كأنَّها سِلْسِلةٌ على حَجَرٍ، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ". وقال (ع): ما جاء من مثل ذلك يُجرى على ظاهره وكيفيَّته مما لا يَعلَمه إلا الله. (قالت عائشة) جَوَّز فيه (ك) أن يكون تعليقًا غير داخلٍ في الإسناد المَذكور، ورُدَّ بأنَّه متصِلٌ في "مسلم"، وغيره. قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ فكم من تعليقٍ للبُخاريِّ يكون كذلك. (يَنْزِل) بفتح أوله والزاي، ويُروى بضم أوله وتشديد الزاي مفتوحةً.

стр. 91

(لَيَتَفَصَّدُ)؛ أي: يَسيل كما يَسيل دَمُ الفَصْد، وهو قَطْع العِرْق لإِسالته، وهو مبالغةٌ في كثْرة العَرَق، ولهذا أتَى فيه بالتَّفعُّل. وصحَّفه ابن طاهِر بالقاف، وحكاه العَسْكَري في "كتاب التَّصحيف" عن بعض شُيوخه، وقال: إنْ صحَّ فهو من قولهم: تقَصَّد الشَّيءُ: تكَسَّرَ وتقَطَّع. (عَرَقًا) تمييزٌ، وهو الرُّطوبة التي تَرشَحُ مِن مَسامِّ البدَن، فُسِّر به الإبهام في نسبة يتفصَّد، والمراد شِدَّة الكَرْب مِن ثقَله كما سبق، ولهذا أَكَّدتْ ذلك بقولها: (في اليوم الشديد البرد). ثم قال الإِسْمَاعِيْلي في "المُستَخرَج": إنَّ هذا الحديث الذي صدَّر به البُخاري لا يَصلُح لترجمة: بَدْء الوَحْي، إنما يصلُح أن لو قال: باب: كيف يأْتي الوَحْي؟ نعَمْ، الحديث الذي بعدَه يُناسبُها. قلتُ: والأوَّل أيضًا مناسبٌ إذا كان ضبطُه: بُدُوِّ بالتشديد؛ إذ المراد حينئذٍ: أنَّه في ظُهوره لذلك، على أَنَّه قد سبَق أنَّ بعض (١) التَّرجمة إذا نقَصتْ عمَّا في الباب لا تضرُّ بخلاف العَكْس. * * * ٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:

стр. 92

أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَناَ بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَناَ بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ "، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُويلِدٍ ﵂ فَقَالَ: "زَمِّلُوني زَمِّلُوني"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لتصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ -وَكَانَ امْرَأً تنصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنَ ابْنِ

стр. 93

أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّي وَفترَ الوَحْيُ. الحديث الثالث (م، ت). قال (ن): هو من مَراسِيْل الصَّحابة؛ لعدَم إدراك عائشة ذلك، ولكنَّه حُجَّةٌ عند العُلماء سِوى ما انفَرد به أَبو إسْحاق الإسفراييني مِن كونه لا يُحتجُّ به. نعَمْ، قال الطِّيْبِي: الظَّاهر أنَّها سمعتِ النبيَّ ﷺ يُحدِّث به؛ فإنَّ فيه: (قال: فأَخذَنِي فغَطَّنِي)، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيةَ، قُرئ بالتاء، وبالياء. (من) هنا للتَّبعيض، أو لبَيان الجِنْس. (الرُّؤْيَا) مصدرٌ كرُجْعَى، وتختصُّ بالمَنام كاختصاص الرَّأْي بالقَلْب، والرُّؤيةِ بالعَين. وفيه: أنَّ رُؤْيا النبيِّ ﷺ وحيٌ، وهو باتفاقٍ. (الصَّالِحَةُ) رواه البخاري في (التفسير): (الصَّادِقة)، وهاهنا بمعنًى، والوَصْف بذلك للإيضاح؛ لأنَّ غيره يُسمَّى حُلُمًا كما ورد:

стр. 94

"الرُّؤْيا مِن اللهِ، والحُلُم من الشَّيْطَانِ"، وإنْ قيل: الرُّؤيا أَعمُّ، فيَكون الوصْف للتَّخْصيص، أي: لا السيَّئة، أو لا الكاذِبة المُسماة (١) بأَضْغاث أحلامٍ. وصلاحتها إما باعتبار صُورتها، أو تَعبيرها كما أَشار إليه (ع) وغيرُه، وذلك بأَنْ يُلقي الله تعالى في قلْب النائم الأَشياء كما يَخلُقُها في قلْب اليَقْظان، فتكونَ في اليقَظة كما رأَى في المَنام، أو تكون علامةً على أُمور أُخرى كالغَيم علامةٌ على المطَر. وسيأْتي فيه في (كتاب الرُّؤْيا) زيادةُ إيضاحٍ. (رُؤْيَا) بلا تنوينٍ كحُبْلَى. (مِثْلَ) نصب على الحال، أي: شِبْهَه. (فَلَقِ الصُّبْحِ) وكذا: (فَرَقه) بفتح أولهما وثانيهما بمعنى: ضِيَاؤه، وحكَى الزَّمَخْشَري في "المُستقصَى" تَسكين اللَّام. وإنَّما يقال ذلك لما كان واضحًا بيِّنًا، قيل: هو مصدرٌ كالانْفِلاق، والصَّحيح أنَّه بمعنى مَفْلُوق، وهو اسمٌ للصُّبْح، فأُضيفَ أحدُهما للآخَر؛ لاختِلاف اللَّفظَين. وقد جاء الفَلَق منفرِدًا عن الصُّبح كما في: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وقيل: لمَّا كان الفَلَق اسمًا للصُّبح ويُستعمَل في غيره أُضيفَ للصُّبْح للتخصيص، مِن إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، كما

стр. 95

يُقال: عَيْن الشَّيء ونفْسُه. قال العُلماء: إنما ابتُدِئَ ﷺ بالرُّؤيا لئلَّا يَفجأَه الملَك ويأْتيَه بصَريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتملُها القِوَى (١) البَشَرية، فبُدئ بأَوَّل خصائص النُّبوَّة، وتباشير الكَرامة من صِدْق الرُّؤيا، وحبِّ العُزلة، والعِبادة، والصَّبر عليها. (الْخَلَاءُ) بفتح أوله، والمدِّ: الخَلْوة، وإنما حُبِّبت إليه؛ لأنَّ معها فَراغ القَلْب المُعين على الفِكْر، فالإنسان لا يَنتقل عن سَجيَّته إلا بالرِّياضة، فلَطَف الله تعالى به في بَدْء أَمره ﷺ بذلك، وقطَعه عن مُخالطة البشَر ليَجِد الوحيُ منه مُتمكَّنًا كما قيل: أَتَانِي هَواهَا قَبْل أَنْ أَعرِفَ الهوَى ... فَصادَفَ قَلْبًا خَاليًا فتَمَكَّنا (بِغَارِ) هو النَّقْب في الجبَل، وجمعه: غِيْران، وهو قَريبٌ من معنى الكَهْف. (حِرَاء) بمهملتَين، والتَّخفيف: جبَلٌ على ثلاثةِ أميالٍ من مكة على يَسار السَّائر من مكَّة إلى مِنَى، مصروفٌ إنْ أُريد به المَكان، وممنوعُ الصَّرف إنْ أُريد به البُقعة كما في نظائره من أَعلام الأَمكنة. قال (خ) والتَّيْمِي: العَوامُّ تَلْحَن فيه في ثلاثة مَواضع: فتح الحاء، وقصر الأَلف، وهي ممدودةٌ، قال (خ): وكسر الراء، وهى

стр. 96

مفتوحةٌ، والتَّيْمِيُّ: تَرْك صَرْفه، وهو مصروفٌ. فيَجتمع من كلامِهما أربعةٌ في كلِّ حرفٍ من الكلمة لَحْنةٌ، وفي الأَخير اثنتان، وذلك اتفاقٌ غريبٌ لكن ليس شيءٌ مما قالاه لَحنًا، فقد حُكِي في الحاء الفتْح، وحُكِي القَصْر، وكذا الصَّرف وتركه باعتِبار المكان والبُقعة كما سبق، وأما كسر الراء فعلى الإِمالة إذا قُصِر، كذا قاله (ك). وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ سبْق الراء الألفَ مانعٌ منها كما لا يُمال: راشِد، ورافِع. (يَتَحَنَّثُ) بمُثلَّثة آخره، أي: يتعبَّد، ومعناه: إِلقاؤُه الحِنْث، وهو إِلقاء (١) الإثْم عن نفْسه بالتعبُّد؛ كتَحوَّبَ: أَلقَى الحُوبَ، وتأَثَّم: ألقَى الإثْم. قال (خ): وليس في الكلام بهذا المعنى غيرُ الثلاثة، وتَفعَّلَ فيما سواها إنما هو بمعنى تَكسَّبَ الشَّيءَ، وتَلبَّسَ به. لكن زاد غيره: تَحرَّجَ وتَنَجَّسَ: أَلقَى الحرَجَ والنَّجَسَ، وتَخَوَّن: أَلقَى الخِيَانة، وتَهجَّدَ: أَلقَى الهُجود، أي: النَّوم، وتَجزَّعَ: أَلقَى الجزَعَ، وغير ذلك، فلا يحسُن نفْيُ غيرِ الثَّلاثة. وقال التَّيْمِي: إنَّ (يتحنَّث) بهذا المعنى من المُشكِلات لا يَهتدي له إلا الحُذَّاق، وسُئل عنه ابن الأَعْرابي، فقال: لا أَعرفُه، [وسألتُ أبا

стр. 97

عَمْرو الشَّيباني] فقال: لا أَعرفُه، إنما هو (يتحنَّف) مِن الحَنِيْفيَّة. قال (ش): ورُوي كذلك، أي: يَتبَع دِين الحَنِيْفيَّة، أي: دِين إبراهيم ﵇، وذلك على القِياس. قلتُ: قال ابن هشام في "السِّيرة": إنَّ يتحنَّف بالفاء أصلُه بالثَّاء، فأُبدلتْ كالجَدَث في جَدَف، وهو القَبْر، ونازعَه السُّهَيْلي، وقال: الفاء هي الأَصل، والثاء مُبدلةٌ منْها، وإنَّ القَبْر إنما أصلُه جَدَفٌ من الجَدْف، وهو القَطْع، فأُبدلت الفاء بمُثلَّثةٍ. (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) الضَّمير راجعٌ للمَصدر الذي تضمَّنه (يتحنَّث) على حدِّ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. (اللَّيَالِيَ) ظرفٌ ليَتحنَّث لا للتَّعبُّد؛ لفَساد المعنى؛ لأنَّه لا يَتعبَّد بذلك، فهذا التَّفسير اعتراضٌ بين الظَّرف وعاملِه. قال الطِّيْبِي: يحتمل أنَّ هذا التفسير من قَول الزُّهري أَدرجَه على عادته. قال: واللَّيالي أُريد بها مَعَ الأَيَّام تغليبًا لليالي؛ لأنَّ اللَّيل أنسَب للخَلْوة. (ذَوَاتِ الْعَدَدِ) صِفَةٌ لليَالي منصوبٌ بالكسرة، قيل المراد: القِلَّة نحو: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. قال (ك): ويحتمل أنْ يُراد الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج للعدَد، وهو المُناسِب للمَقام. قلتُ: وفي "سيرة ابن هشام"، عن ابن إسحاق: أنَّ ذلك كان في

стр. 98

كلِّ سنةٍ شَهْرًا، وأنَّ الشَّهر الذي جاءَه جبريل فيه كان رمَضان. وهذا التعبُّد يحتمل أن يكون بشَرْع الأَنْبياء قبلَه على القول بأنَّه قبل النُّبوَّة كان مُتعبَّدًا بشرع (١) إما إبراهيم، أو نوح، أو مُوسَى، أو عِيْسى، أو ما ثبَت أنَّه شرعٌ، على الخلاف المشهور فيه. ويحتمِل أنَّه بمقتضى العقْل عند مَن يقول بقاعدة الحُسْن العَقْلي. ويحتمل أنَّه بما شُرِع له بوَحْي الرُّؤيا بدليلِ قولها: (ثُمَّ حُبِّب إِليهِ الخَلاءُ)؛ فإنَّ (ثُمَّ) للتَّراخي. قال (ط): ولو حُمل على اجتِنابه ما كان تَرتكبُه الجاهليَّة لكان أَظهَر. وفيما قالَه نظَرٌ؛ لأنَّه دائمًا تاركٌ لذلك، فإنْ قصَد حُدوث نيَّة التَّرْك تعبُّدًا، فالتعبُّد لا بُدَّ له مِن استنادٍ لشَرْعٍ. (يَنْزِعَ) بكسْر الزَّاي، أي: يَرجع إلى أهله، يَحِنُّ إليهم وَيشتاقُهم، وفي رواية "مسلم" في تفسير ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] بلفْظ: (يَرجِع). (وَيَتَزَوَّدُ) بالرَّفعْ عطْفًا على: (يَتحنَّث)، والزَّاد هو الطَّعام الذي يَستصحبُه المُسافِر، يُقال: زوَّدتُه فتَزوَّدَ. (لِذَلِكَ)؛ أي: للخَلاء، أو للتعبُّد. (خَدِيجَةَ)؛ أي: أُم المُؤمنين، وسيأْتي بَيان ترجمتها في (فَضائل أَزواجه ﷺ ).

стр. 99

(لِمِثْلِهَا)؛ أي: لمثْل اللَّيالي. (جَاءَهُ الْحَقُّ)؛ أي: الأَمْر الحقُّ، وللبخاري في (كتاب تَعبير الرُّؤيا) ولمسلم: (فَجِئه) -بكسر الجيم- من الفُجاءة، والمراد: أنَّه جاءَه بَغْتةً؛ لأنَّه لم يكُن متوقِّعًا مَجيءُ الوَحْي. وقد فسَّره (ش)، وقال: فَجِئَه بالكسرة، يَفجَؤُه بالفتح، وبالفتح فيها، فأَوهَم أنَّ ذلك في رواية البخاري هنا، وليس كذلك. (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ)؛ أي: جِبْريل، وإنما عطف بالفاء -وهي للتَّعقيب- مع مجيء الملَك والوَحْي معًا؛ لأنَّ الجُملة الثانية تفسيرٌ للأُولى، نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على بعض التَّفاسير، وتُسمَّى فاء التَّفسير، وفاء التَّفْصِيل؛ لمَا في مَصحُوبها من بَيان الإجمال فيها قبلها لا سيَّما على تفسير الطِّيْبِي (جاءَه الحَقُّ) بـ: جاءَهُ الوَحْي، أو رسول الحقِّ. (مَا أَناَ بِقَارِئ) الباء تأكيدٌ؛ لأنَّها في خبر (ما) النافية، ولو كانت استفهاميةً -كما زعم بعضهم- لمَا دخلت الفاءُ. قال (ن): ولا دلالةَ في قوله في رواية: (ما أَقرأُ) لجَواز أنْ تكون الأُخرى نافيةً. (فَغَطَّنِي) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ مشدَّدةٍ، أي: ضَغَطَني، وعَصَرني، وتُروى بتاءٍ موضعَ الطَّاء بمعناه، ويُروى: (سَأَبَنِي)، والسَّأب: الخَنْق. (الْجَهْدَ) -بفتح الجيم-: المَشَقَّة، مرفوعٌ على أنَّه فاعِل (بلَغَ)،

стр. 100

والمفعول محذوفٌ، أي: مَبْلَغًا عَظيمًا، وجوَّزوا الضمَّ على أنَّه لُغةٌ فيما سبق، أو منصوبٌ مفعول (بَلَغ)، والفاعل ضميرُ الملَك؛ لأنَّه بالضمِّ بمعنى: الطَّاقة، والمعنى: أنَّه بلَغ في غَطِّي جُهدَه. نعَمْ، استبعَده شِهَاب الدِّين التُّورِبِشْتِي بأنَ البِنْية البشَرية لا تَستدعي استِنفاذ القُوَّة الملَكية في الضَّغْط. وأجاب الطِّيْبِي بأنَّه لم يكُن على صُورته الحقيقيَّة التي تَجلَّى بها عند سِدْرة المُنْتَهى، وعندما رآه مُستويًا على الكُرسيِّ، فاستِفراغ الجُهد إنما هو بحسَب صُورته التي تجلَّى له فيها حينئذٍ، وإذا صحَّت الرِّواية اضْمحلَّ الاستِبعاد. (أَرْسَلَنِي)؛ أي: أَطلقَني. (فَغَطَّنِي الثَّالثة) الحِكْمة في الغَطِّ المبالغة في إحضار قلْبه، وتَكريرُه ثلاثًا زيادةٌ في ذلك. ففيه: أنَّ المعلِّم ينبغي له أن يَحتاط للمُتعلِّم في تنْبيهه، وإحضار مَجامع قَلْبه. (فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) ليس في تَرْك البَسملة هنا دلالةٌ على أنَّها ليستْ من أَوائل السُّوَر؛ لأنَّها وإنْ لم تنزِل حينئذٍ فقد نزلتْ بعد ذلك كما نزَل بقيَّةُ القرآن. وقيل: باسمِ ربِّك: حالٌ، أي: اقْرأ مُفتتِحًا باسم ربِّك، أي: قُل: بِسْم اللهِ الرَّحمن الرَّحيم، ثم اقرأْ، ففيه دليلٌ على قراءتها في هذه السُّورة، وفي كلِّ قراءةٍ.

стр. 101

(﴿الَّذِي خَلَقَ) صِفةٌ تُناسِب ما حصَل من الغَطِّ، وجعلَه توطئةً لقوله بعدُ: (﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾) = إِيذانًا بأنَّ الإنسان أشرف المَخلُوقات، والعَلَق: جمع عَلَقة، وهي الدَّم المُنْعقِد. (﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾) ذكَر نعمةَ الله على الإنْسان من بعدِ خَلْقه بأَجلِّ النِّعَم، وهي العِلْم. (﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾) تنبيهٌ على أنَّه كما يحصُل التَّعلُّم بالقَلَم حصَل بتعليم الله تعالى بلا واسطةٍ؛ لأنَّه ﷺ لم يكُن يكتُب حتى يعلَّم بالقَلَم. وقولُه ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ إشارةٌ إلى العِلْم اللَّدنِّي، وقد عُلم بهذا أنَّ قوله ﷺ : (مَا أنَاَ بقَارئٍ) معناه: لا أُحسِنُ أنْ أَقرأَ بواسطة التَّعليم بالقَلَم. (رَجَعَ بِهَا)؛ أي: الآياتِ. (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ)؛ أي: يَضطَرِبُ من تلْك الغَطَّة، وفُؤاده، أي: قَلْبه، وقيل: الفُؤاد غير القَلْب، وقيل: باطِن القَلْب، وسُمي القَلْب قَلْبًا لتقلُّبه. وأما عِلْم خَديجة برجَفان القَلْب، فالظاهر أنَّها رأَتْه حقيقةً، ويجوز أنَّها علِمتْه بالقَرائن. (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)، كذا الرِّواية مرَّتين، والتَّزْميل: التَّلْفيف، وهو: التَّدثير أَيضًا، وقد روى البخاريُّ في (سُورة المدَّثِّر): (دَثِّرُوني، وصَبُّوا عليَّ ماءً باردًا، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾).

стр. 102

(الرَّوْعُ) -بفتح الراء-: الفَزَع. (الْخَبَرَ)؛ أي: ما جرَى مِن مَجيء الملَك، والغَطُّ غير ذلك. (لَقَدْ خَشِيتُ) جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لَقَدْ، والمَجمُوع مَحكيٌّ بـ (قالَ)، ومعنَى خَشْيته على نفْسه -كما قال (ع) - مِن أَنْ لا يَقْوَى على مُقاومة هذا الأَمر، وأنْ لا يُطيق حَمْل أَعباء الوَحْي، فيُزهقَ نفْسه لشِدَّة ما لَقيَه أوَّلّا عند لِقاء الملَك، لا أنَّه خَشِي أن لا يكُون الّذي أَتاه من الله، فإنَّه لم يكُن عنده شكٌّ أنَّه مِن اللهِ. قال (ع): أو يكُون خبَرًا عن أوَّل ما رأَى من التَّباشير في النَّوم واليقَظة، وسَمع الصَّوت قبل لِقاء الملَك، وتحقُّقه رسالةَ ربِّه، فخافَ أن يكون ذلك من الشَّيطان، أمَّا بعدَه فلم يَخشَ من تَسليط الشَّيطان عليه. وضعَّف (ن) الثَّاني بأَنَّ صَريح الحديث أنَّ ذلك كان بعد غَطِّ الملَك وإتْيانه بـ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، إلا أن يكون أخبرها بما كان أوَّلًا، لا أنَّه خائفٌ في حال الإِخْبار. وجوابٌ ثالثٌ للطِّيْبِي: أنَّه لمَّا حصَل له من الغَطِّ انْفعالٌ خَشي أن يحصُل له أمرٌ توهم منه كما يحصُل للبشَر إذا دهَمَ الواحدَ أمرٌ لم يَعهدْه، ولذلك قال: (زَمِّلُونِي). قال (ك): ويحتمل وجهٌ رابعٌ: فإنَّه خاف شِبْهَ الجُنون على نفْسه، فقد روى صاحب "الغَريبَين" في (باب العين والدال والميم):

стр. 103

أنَّه ﷺ قال لخَدِيجة: "أَظُنُّ أنَّه عَرَضَ لي منهُ جُنونٌ"، انتهى. قلتُ: وفيما قالَه سُوءُ تعبيرٍ مع إمكان رُجوعه إلى ما سبَق، وإنّما عَلم ﷺ أنَّ الجائي له جبريل لا الشَّيطان؛ لأن الله -تعالى- قد نصَب له دَليلًا على ما يُميِّز بينهما كما نصَب لنا دَليلًا على أنَّ الرَّسول صادقٌ لا كاذبٌ، وهو المُعجِزة. قلتُ: قال الإِسْمَاعِيْلي: وخبَره لخديجة ومجيئُهما لوَرَقَة على صُورةِ الاستِثبات ليس للارتياب فيما حصَل له، بل لأنَّ الأُمور العظيمة الّتي يُراد انتِشار عِلْمِها يسبقُها مُقدِّماتٌ؛ لتَتمكَّن مِن قُلوب السَّامعين، فأَبدتْ خَديجة ما يعلمه الله تعالى من أَحواله الجَميلة الدَّالَّة على أنَّه لا يُصاب بضَيمٍ، وعرَّفت بذلك مَنْ له عِلْم بالشَّرائع وأَعلام النُّبوات، وقِراءة الكتُب مع وُفور عقْله وبَصيرته في الدِّين، وقَبول النَّاس ما يقُوله، وأيضًا فلحُصول التَّأْنيس له حيث ورَدَ عليه ما يُخالف عادتَه قبل النُّبوَّة، وما بلَغَ من نظْم القُرآن وتأْليفه وإعجازه وخُروجه عن حالِ كلام البشَر، انتهى مُلخَّصًا بالمعنى. (كلا) معناها هنا النَّفْي والرَّدع عن هذه الخَشْية، وأنَّه مُنزَّهٌ عن ذلك. (مَا يُخْزِيكَ)، الرِّواية: (ما يُخْزِيْكَ)، وفي نُسَخ الكِرْمَاني: (لا)، وهو وهمٌ، و (يُخزيك) بضم الياء، والخاء (١) المعجَمة، مِن

стр. 104

الخِزْي، وهو الفَضيحة والهَوان، ورواه مسلمٌ بالمهملة مِن الحُزْن، فيجوز فتح أوَّله وضم ثالثه، وضمُّ أوَّله وكسر ثالثه؛ لأنَّه يُقال: حَزَنَه وأَحزنَه لُغتان فَصيحتان بمعنًى، وقُرئ بهما في السَّبْع. (أَبَدًا) نصب على الظَّرف. (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لأنَّ الجملة ابتدائيةٌ، وهي استئنافيةٌ تُفيد التعليل. (لَتَصِلُ الرَّحِمَ)؛ أي: تُحسِن للأَقارِب، والإِحسان إمّا بالمال، أو بالزِّيارة، أو بالخِدْمة، أو بغير ذلك. (الْكَلَّ) بفتح الكاف، وتشديد اللَّام: الثِّقَل، وهو كلُّ ما يُتكلَّف، ومنه الكَلال، وهو الإِعْياء، ونحوُه: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]، أي: لا يَستقِلُّ بأَمْره، والمراد: أنَّه يُعين الضَّعيفَ، وَيرفع ما عليه من الثِّقَل. (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح أوَّله تَكْسِب على المشهورِ والأكثَرِ في الرِّواية، والأَفْصح كما قالَه (ع). ورُوي بضمِّ أوله بمعنى: تُكسِبُ غيرَك المالَ المَعدومَ، أي: تُعطيه إيَّاه، فحذف أوَّل مَفعولَيه، وقيل معناه: تُعطي النَّاسَ ما لا يَجدونَه عند غيرك من مَكارمِ الأَخلاق، والعُلومِ، وغير ذلك. وأمّا بالفتح ففيه خمسة أقوالٍ: فقيل: بمعنى المَضْموم؛ لأنَّه يُقال: كسَبْتُ الرَّجلَ مالًا وأَكسبتُه مالًا، وهو أَفْصح، بل أنكَر الفَرَّاء

стр. 105

تعديةَ (كَسَبَ) لاثنين، وفي "النِّهاية": يُقال: كَسَبْتُ مالًا، وكسَبْتُ زيدًا مالًا، وأكَسبتُه مالًا: أَعنتُه على كَسْبه، وجعلتُه يكسبُه. وقيل: إنَّ معنى المفتوح: تَكسِبُ المالَ المعدومَ، وتُصيب منه ما يَعجَزُ غيرُك عن تحصيله، والعرَب تَتمادحُ بمثْل ذلك لا سيَّما قُرَيش، يُقال: فُلانٌ يكسِبُ المعدومَ إذا كان مَجْدُودًا يَنالُ ما يُحرَم غيره، وقد كان ﷺ محظُوظًا في تجارته. وضعَّفه (ن) بأنَّه لا معنى لذلك هنا إلا أن يُضمَّ إليه زيادةُ أنَّه يَجُود به، ويُنفقه في المَكرُمات. وقيل: المَعدوم هو الرَّجُل المُحتَاج العاجِز عن الكَسْب؛ لأنَّه بذلك صارَ كالمَعدُوم الميِّت، والمعنى: أنَّ غيرَك يَستفيد المالَ، وأنت تَستفيدُ هذا الّذي كالمَعدُوم لعَجْزه، فتُعينُه؛ فإنَّ الكسْب هو الاستِفادة. وقال (خ): صوابه: (المُعدِم) بلا واوٍ؛ لأنَّ المَعدُوم لا يدخُل تحت الأفْعال، والمراد: أنَّكَ تُعطي الفقيرَ المعدومَ مالًا يُعينه على افتِقاره، ورَدَّ عليه التَّيْمِي في تَخطئَتِه ما صحَّ في الرِّواية واشتُهِرَ، فيكون هو الصَّواب. قال (ش): إنَّه بَناه على اختيار الأَفْصح، وهو فتح التاء، أنها على الضمِّ فالمراد به مَعدُومات الفَوائد، ومَكارم الأَخلاق، انتهى. ويظهر أنَّ البِناء بالعكْس، فتأَمَّلْه. وفي "تهذيب الأزهري" عن ابن الأَعرابي: رجُلٌ عَديمٌ لا عَقْلَ

стр. 106

له، ومُعدِمٌ لا مالَ له. (وتقرئ) بفتح أوَّله، يُقال: قَرَيتُ الضَّيفَ أَقْرِيْهِ قِرًى بكسر القاف، والقصر، وقَراءً بفتحها والمدِّ. (نَوَائِبِ الْحَقِّ) النَّائبَة: الحادِثَة من خيرٍ وشرٍّ، فبالإضافة إلى الحقِّ تخرُج نَوائبُ الباطِل، قال لَبِيْد: نَوائِبُ مِنْ خيرٍ وشَرٍّ كِلاهُما ... فَلا الخَيْرُ مَمدُودٌ ولا الشَّرُّ لازبُ وبالجُملة فمعنى قول خَديجة: إنَّك لا يُصيبُك مَكروهٌ؛ لمَا جعَلَ اللهُ فيكَ مِن مَكارِم الأَخْلاق، وجَميل الصِّفَات، وذَكرتْ شيئًا من ذلك، وهذه الأُمور سَبيلٌ للسَّلامة مِن السُّوء والمَكارِه. ففيه مَدْح الإنْسانِ في وَجْهه لمصلحةٍ، وأمَّا حديث: "احثُوا في وُجُوهِ المدَّاحِيْنَ"، فذاكَ في المَدْح في الباطِل. أو المؤدِّي إلى باطلٍ. وفيه التَّأْنيس لمَنْ حصَل له مَخافةُ شيءٍ، وذِكْر أَسباب السَّلامة له، وذلك أَبلَغ دليلٍ على كَمال خَديجة، وجَزَالةِ رأْيها، وقُوَّة نفْسها، وعَظيْم فِقْهها؛ إذْ جَمعتْ أَنواعَ أُصول المَكارِم؛ لأنَّ الإحسان إمّا للأَقارب، وإما للأَجانب، وإما بالبَدَن، وإما بالمالِ، وإما على ما يستقلُّ بأَمره، وإما على غيره. (فَانْطَلَقَتْ بِهِ) عَدَّاه بالباء؛ لأنَّها انطلقتْ معه، بخلاف ما لو عُدِّي اللَّازم بالهمز نحو: أَذهبْتُه، فإنَّه لا يَلزم مِن ذلك.

стр. 107

(وَرَقَةَ) بفتْح أَحرُفه. (نوفَلِ) بفتح النون والفاء. (الْعُزَّى) بضم العين: تأْنيث أَعَزَّ، والعُزَّى صنَمٌ. (ابْنَ عَمِّ) بنصْب (ابن) بدَلًا من (وَرَقَة)، فيُكتب بالأَلف، فخَديجة بنت خُوَيلِد بْن أَسَد بْن عبد العُزَّى، فجدُّهما واحدٌ. قال (ن): ولا يُجرُّ (ابن)، ولا يُكتَب بغير أَلفٍ؛ لأنَّه يَصير صِفةً لعبد العُزَّى، فيكون عبد العُزَّى هو ابن عَمِّ خَديجة، وهو باطلٌ. قال (ك): ليستْ عِلَّة كتْبه بالألف ما ذكَره، بل لأنَّه ليس بينَ علَمَين؛ لأن الّذي بعدَه (عمِّ) وليس بعَلَمٍ، وأيضًا فلا يتعيَّن البدَليَّة بل يجوز أن يكون صِفةً، أو بَيانًا، انتهى. (تَنَصَّرَ)؛ أي: صار نَصرانيًّا، وترَك عِبادة الأَوثان. (الْجَاهِلِيَّةِ) هي ما قَبْل نبُوَّة محمدٍ ﷺ ؛ لِمَا كانُوا عليه من الجَهْل، وقيل: هي زمَن الفَتْرة مُطلَقًا. قلتُ: ويَظهَر أنَّه بمعنى ما قبلَه. وقيل: إنّما هو (تبَصَّر) -بالمُوحَّدة- مِن البَصيرة؛ لكَونه في زمَن الجاهليَّة كان مُتبَصِّرًا. (الْعِبْرَانِيَّ) رواية مسلم، وهي في "البخاريّ" في (التفسير): (العَرَبِيَّ)، فرجحَتْ لاتفاقهما عليها. (بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هي على الرِّواية الأُولى، وأمّا على الثّانية فـ: (بالعَرَبيَّة).

стр. 108

قال (ن): حاصلُه أنَّه تمكَّن مِن دِين النَّصارى وكتابهم، وتصرَّف حتّى صار يكتُب الإِنْجيل إنْ شاء بالعرَبيَّة، وإنْ شاء بالعِبْرانيَّة على الرِّوايتين. قال (ك): ويُفهم منه أنَّ الإنْجيل ليس عِبْرانيًّا، لكنْ قال التَّيْمِي: إن العِبْرانيَّ أُنزل به جميعُ الكتُب مِن التَّوراة، والإِنْجيل، ونحوهما، فيكون الإنْجيل على هذا عِبرانيًّا. قلتُ: لا تَنافيَ بينهما، بل معنى كلام (ن): أنَّه عرَف العِبْرانيَّ حتّى صار يكتُب به الإنْجيلَ كما يكتُبه النَّصارى، نعَمْ، في "الصحاح": العِبْرانيُّ لُغة اليَهود. (الإنجيل) قلتُ: هو إِفْعِيْلٌ مِن النَّجْل؛ لأن الأَحكام مَنْجُولةٌ، أي: مُستخرَجةٌ، ومنه: أَنجَلَ فُلانٌ ذكَرًا، فسُمِّي بذلك لأنَّ الله أظهَره للنَّاس، وقيل: مِن التَّناجُل، وهو التَّنازُع؛ لأنَّهم اختلَفُوا فيه، وقرأَه الحسَن بفتح الهمزة، فيكون أَعجميًّا؛ إذْ ليس في العرَبية: أَفْعِيْل بالفتح، قالَه ابن الأَنْبارِي في "الزاهر". (يَا ابْنَ عَمِّ) يجوز فيه الأَوجُه المَشهورة في (ابنٍ) المُضافِ لأُمٍّ أو عَمٍّ المضافَين لياء المتكلِّم، وذلك حقيقةٌ، ورواه مسلمٌ: (أَيْ عَمِّ)، وهو مجازٌ، جعَلَتْه عَمًّا تَعظيمًا وتَوقيرًا كعادة العرَب في خِطَاب الصَّغير للكبير. (ابْنِ أَخِيكَ) هو أَيضًا مَجازٌ مِن تعظيمِ وَرَقَة واستِعطافه، أو

стр. 109

التَّقدير: ابنِ أَخِي جَدِّكَ؛ لأن جدَّ وَرَقَة الثّالث أَخو جَدِّ النبيِّ ﷺ الرَّابع، ويكون تعبيرًا عن ابن الابن بالابن. (النَّامُوس) هو جِبْريل؛ لأنَّ الله -تعالى- خَصَّه بالغَيب، وأَصل النَّامُوس صاحِب سِرِّ الخَيْر، ضِدُّ الجَاسُوس، فإنَّه في الشَّرِّ، يُقال: نَمَسْتُ -بفتح الميم- أَنمِسُ -بكسرها- نَمْسًا: كتَمتُ، ونَامَستُه: سَارَرتُه. (عَلَى مُوسَى) إنّما لم يقُل: (على عِيْسى) مع أنَّ وَرَقَة تَنصَّر وكتَب الإنْجيل؛ لأن مُوسَى متفَقٌ عليه بين اليَهود والنَّصارى، وبعضُ اليَهود يُنكرون نبوَّة عِيْسَى، أو لأنَّ النَّصارى تَتْبع أَحكامَ التَّوراة وتَرجع إليها، على أنَّه قد رَواه الزُّبَير بْن بَكَّار: (نَامُوسُ عِيْسَى)، فيَزول الإشكال. (يَا لَيْتَنِي) إدخالُ (يا) على (ليت) إمّا على حذْف المُنادَى، أو على أنَّ (يا) حَرفُ تنْبيبهٍ كـ (أَلا) في نحو: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيْتنَّ لَيلةً ورجَّح ابن مالك الثَّاني، قال: لأنَّه قد لا يكُون ثَمَّ مُخاطَبٌ نحو: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]، ولأنَّه إنّما يُحذَف في موضعٍ يُعتاد ذِكْره كما خُرِّج عليه قِراءة الكِسَائيِّ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]؛ لوُرود: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، فجاءَ بعدَه الأَمر، قال الشاعر: أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ علَى البِلَى

стр. 110

لوُرود ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فوقَع قبْل الدُّعاء. قلتُ: لم يقَع هنا أيضًا إلا قبْل الأَمر كالذي قبلَه، فلا يُمثَّل به للدُّعاء. (فِيهَا) أي: في الدولة، أو النُّبوَّة، أي: في زمَن النُّبوَّة. (جَذَعًا) بفتح الذال المعجمة، أي: قَويًّا للشَّباب، فاستَعمل فيه الجَذَع وإنْ كان أَصله في البَهائم استعارةً، أو أنَّ المُراد: فكَونَ أوَّل مَنْ يُجيبُكَ ويُؤمِنُ بكَ، كما أنَّ الجَذَعَ أوَّل الأَسنان. ونصب (جَذَعًا) إما بـ (لَيْتَ) على نصْبها الجُزْأَين نحو: يا لَيتْ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا وهو قَول الكِسائيِّ، وإما على أنَّه حالٌ، وفيها خبر (لَيْتَ)، قاله (ع)، وكذا قالَه السُّهَيْلي، وإنَّ العامِل في الحال ما يتعلَّق به الحال مِن معنى الاستِقرار. وقيل: الخبَر محذوفٌ، أي: يا لَيتَني فيها حَيٌّ أو موجودٌ في حال نُبوَّته، وهو كالذي قبلَه في أنَّ العامِل متعلَّق الحالِ (١)، إلا أنَّ هذا فُسِّر بكونِ خاصٍّ أو مُطلَقِ، وذاك اقتَصر على التَّفسير بكونٍ مُطلَقٍ. وقال الفَرَّاء: (ليتَ) بمعنى: أَتمنَّى، فنَصب الجُزْأَين، وهو راجعٌ للأول.
следующие страницы →