← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

بِاللهِ"، وقد علَّقه البخاريُّ، ووصلَه في الباب الّذي بعدَه، وستأتي الإشارة إليه من حديث أبي ذَرٍّ، وأبي هريرة - أيضًا ﵄، وأشار -أيضًا- إلى حديث ابن عُمر ﵄: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ"؛ فإن فيه تسميةَ الإسلام عملًا. (قال أبو هريرة) موصولٌ في (كتاب صلاة اللّيل). (لم أتطَهَّرْ)؛ أي: لم أتوضأ إلا صلّيتُ ركعتين، سبق في (فضائل الصّحابة). (حج مبرور) هو ما لم يخالطه إثمٌ، وقيل: ما كان من الحلال. * * * ٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَم كمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انتصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإنْجيلِ الإنْجيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ الْقُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكثَرُ أَجْرًا؟ قَالَ اللهُ: هَلْ ظَلَمْتكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ".

стр. 8857

(فيمن سلفَ)؛ أي: الأمم السالفة، وأحد طرفي التشبيه محذوفٌ؛ وهو باقي النهار. (قيراطًا)؛ أي: نصيبًا، وكرر؛ ليعلم أن لكلِّ واحدٍ قيراطًا. (صُلِّيت) مبني للمفعول؛ أي: صلاة العصر. (أهل الكتاب) قال (ك): أي: أهل التوراة؛ لأن فيه: وعمل أهل الإنجيل، وليس هو أكثر من عمل الإسلاميين؛ قال: وسبق أول (كتاب التّوحيد) في (باب المشيئة والإرادة): (قال أهل التوراة: رَبَّنَا هؤلاء أقلُّ عملًا). قلت: فيما قاله نظر ظاهر! وسبق مباحثُه في الحديث آخر (مواقيت الصّلاة) في (باب من أدرك ركعة من العصر)، والمقصود من الباب: ذكرُ أنواعٍ من التسليم الّذي هو الغرضُ من الإرسال والإنزال، وهو التلاوةُ، والإيمانُ به، والعملُ به. * * * ٤٨ - باب وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَمَلًا، وَقَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (باب: وسمى النبيُّ ﷺ الصلاةَ عملًا) هو ما ذكر معناه في الباب.

стр. 8858

(وقال: لا صلاةَ) هو موصولٌ في (كتاب الصّلاة) في (باب وجوب القراءة) من حديث عبادةَ بنِ الصامِتِ، وأن معناه: لا صلاةَ صحيحة؛ لأنها أقربُ إلى نفي الحقيقة؛ بخلاف الكمالِ ونحوه. * * * ٧٥٣٤ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ. وَحَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". (لوقتها)؛ أي: في وقتها، ومستقبلًا لوقتها؛ كما قاله الزمخشري في: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: مستقبلاتٍ لعدتهنَّ، سبق الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّم: أن الأفضلَ الإيمانُ، ثمّ الجهادُ، وغير ذلك؛ بأنه بحسب اختلاف المقامات والسامعين، فبالنسبةِ للمتهاونِ في الصّلاةِ الصلاةُ، وللعاقِّ بِرُّ الوالدين، وهكذا. * * *

стр. 8859

٤٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ هَلُوعًا: ضَجُورًا. (باب: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]) قوله: (ضجورًا، تفسيرٌ لـ (هلوعًا). قال بعضهم: فسره الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ﴾ [المعارج: ٢٠] الآية. * * * ٧٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَالٌ، فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا، فَقَالَ: "إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكَلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ"، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَم. (عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ) بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام وبموحدة.

стр. 8860

قال الحاكم أبو عبدِ الله: من شرط البخاريِّ أن لا يرويَ إلا عن صحابيٍّ مشهورٍ له راويان، ولا عن تابعيٍّ إلا وله راويان، وهكذا في كلّ طبقة؛ فردَّه (ن) بإخراجه حديثَ ابنِ تَغْلبَ: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ)، ولم يروه عنه غيرُ الحسن. (وأدع)، أي: أترك. (الجزع) ضِدُّ الصبر. (والهلع) الضَّجَر. (بكلمة) الباءُ فيه للبدليةِ والمقابلة، وذلك لأن الآخرَة خيرٌ وأبقى. (حُمْر النَّعَمِ)؛ لأن ذلك أشرفُ أنواعها، والغرضُ من الباب: إثباتُ أن أخلاق الإنسان من هذه الأشياء بخلق الله تعالى، وفيه: أن الأرزاق ليست على قدر الاستحقاق، والفضائل، وأن المنع قد لا يكون مذمومًا، أو يكون أفضلَ للممنوع. وسبق في (الجمعة). * * * ٥٠ - باب ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ (باب: ذكر النَّبيّ ﷺ ، وروايته عن ربه ) قال (ك): أي: بدون واسطة جبريل ﵇، ويسمَّى بالحديث القدسي، وفيه ونظر! فلا مانعَ أن يكون ذلكَ بواسطة جبريلَ ﵇ أيضًا. * * *

стр. 8861

٧٥٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً". الحديث الأوّل: (هرولة)؛ أي: بسرعة، وسبق مرات: أن هذا كلَّه مجازٌ؛ لقيامِ البراهينِ القاطعةِ على استحالتها على الله تعالى، فعلى طريقه التّأويل في المتشابه المعنى: من تقرَّبَ إليّ بطاعةٍ قليلة، أجازيه بثواب كثير، وكلما زادَ في الطّاعة، أزيد في الثّواب، وإن كان العبد متأنيًا في طاعته، فأنا آتيه بالثواب بسرعة، فالثوابُ دائمًا راجحٌ على العمل، مضاعَفٌ عليه كَمًّا وكَيْفًا، ولفظُ التقرُّبِ والهرولةِ مجازٌ على سبيل المشاكلة، أو استعارة، أو على قصدِ إرادةِ لوازمِها. * * * ٧٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنسٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا -أَوْ-: بُوعًا". وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ أَنسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 8862

يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ . الثّاني: (تقرَّب مني) تعديتُه بـ (من) هو الأصل، وأمّا في الرِّواية الأولى، فإنّما أُتي بـ (إلى) لقصدِ معنى الانتهاء، والصِّلاتُ تختلف بحسب المقصود. (بَاعًا) بموحدة ومهملة: قدرُ مَدِّ اليدين، ومثلُه: البَوْع -بفتح أوله وضمه-. قال (خ): البَوْع مصدرُ باع: إذا مدِّ باعه، ويحتمل رواية الضم أن يكون جمع باعٍ. (وقال مُعْتَمِرٌ) وصله مسلمٌ، وابنُ حِبّان، وزادَ في آخر الحديث: (واللهُ أوسعُ بالمغفرة). * * * ٧٥٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ: "لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحٍ الْمِسْكِ". الثّالث: (لكلِّ عملٍ)؛ أي: من المعاصي.

стр. 8863

(كفارةٌ)؛ أي: ما يوجب سترها وغُفرانَها. (والصومُ لي) العبادات، وإن كانت كلُّها لله تعالى، إلا أن الصَّومَ لم يُعبدْ به غيرُ الله؛ بخلاف نحو السجود والصدقة. (وأنا أَجزي به)؛ أي: لا أفوِّضُ المجازاةَ لأحدٍ غيري، وإن كان جزاءُ الكلِّ من الله تعالى، إلا أنه قد يفوض جزاءَ البعضِ للملائكة. (وَلخُلوف) بضم الخاء: الرائحة المتغيرة، وليس فيه أَرجحيةُ ذلك على الشّهادة الّتي فيها اللونُ لونُ دم، والريحُ ريحُ المسك؛ لأنه، مع كونه أفضل، ينافي الأطيبية من جهة أنه ناشيء عن دم، وهو نجس، وإنما حرمت إزالةُ دمِ الشهيد، وكُرهت إزالةُ خُلوف الصومِ، مع وصفه بالأطيبية؛ إمّا لأن تحصيل مثلِ ذلك محالٌ؛ بخلاف الخلوف، أو أن تحريمه مستلزمٌ للحرج، أو ربما يؤدِّي إلى ضرر؛ كأدائه إلى البخر، أو أن الدِّم لكونه نجسًا واجبُ الإزالة شرعًا تنفرُ عنه الطباع، فلا بد من المبالغة في خلافه. وسبق في (الصوم) بفوائد كثيرة. * * * ٧٥٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونس بْنِ مَتَّى"، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.

стр. 8864

الرابع: (مَتَّى) -بفتح الميم وتشديد المثناة والقصر- أبو يونسَ ﵊، فلذلك عقبه بقوله: (ونسبه إلى أبيه)، وهي جملة حالية، وقيل: إنها أُمه، فمعنى: (ونسبه إلى أبيه): أنه ذكر مع ذلك اسم أبيه، والأولُ أصحُّ عند الجمهور، وإنّما خص من بين الأنبياء بذلك؛ لئلا يتوهم فيه غضاضة بسبب نزول: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وأمّا قولُه أوَّلًا: (أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونس بْنِ مَتَّى)، فلفظةُ (أنا) ساقطةٌ في بعض النسخ، وعلى ثبوتها، فيحتمل أنها كنايةٌ عن النَّبيّ ﷺ ، أو عن كلّ متكلم، وعلى الأوّل، فيحتمل أنه قاله قبل أن يعلم بأنه سيدُ الخلق وخيرُهم، أو قاله تواضعًا، وهضمًا لنفسه ﷺ ، أو غير ذلك، وله أجوبةٌ أخرى سبقت مرارًا، وروايةُ: (هو خير)، تقوّي أَنَّ (أنا) لمطلق المتكلم. * * * ٧٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا شَبابةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمِ الْفَتْح عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ -أَوْ: مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ-، قَالَ: فرَجَّعَ فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ يَجْتَمعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ"، يَحْكِي النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آآآ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

стр. 8865

الخامس: (فَرَجَّعَ) من الترجيع، وهو ترديدُ الصوتِ في الحلق، وتكرارُ الكلام جهرًا بعد خفائه. (يحكي)؛ أي: يأتي به على الوجه الّذي أتى رسول الله ﷺ ، وفسر كيفية الترجيع بقوله: (آآآ ثلاث مرّات)؛ أي: كلّ منها همزة ثمّ ألف، وفي بعضها بهمزة، ثمّ ألفين، فيمدّ، وقد سبق في (سورة الفتح)، ووجهُ دخولِه في التّرجمة: أن ما يرويه عن الربّ تعالى أعمُّ من أن يكون قرآنًا، أو غيرَه، بواسطة، أو بدونها؛ لكن المتبادرَ للذهن، المتداولَ على الألسنة: ما كان بلا واسطة؛ كذا قال (ك)، وسبق انتقاده. قال المهلَّب: معنى هذا الباب: أنه ﷺ روى عنه السُّنَّةَ كما روى عنه القرآنَ، ودخولُ حديث ابنِ مُغَفّلٍ فيه؛ للتنبيه على أن القرآن أيضًا روايةٌ له عن ربه ، وقيل: قولُ النبيِّ ﷺ : قال الله، وروى عن ربه، سواءٌ. * * * ٥١ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللهِ بالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها وكتب الله بالعربيّة وغيرها) هو عطف خاصٍّ على عامٍّ، وفي بعضها سقوط: (وغيرها)،

стр. 8866

فيكون عطفَ عامٍّ على خاصٍّ. *. * * ٧٥٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَأَهُ: "بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ " الآيَةَ. (وقال ابن عبّاس) سبق موصولًا أولَ "الجامع"، وفي غيرِه أيضًا. (ترجمانه)؛ أي: المفسِّرُ لغةً بلغةٍ، وفيه لغاتٌ سبقت، ووجهُ دلالة الحديث على جواز التفسير: أنه ﷺ إنّما أرسلَه ليترجمَ عما أرسلَه به لمن لا يعرفُه؛ ليفهم مضمونه. *. * * ٧٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُنَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ الآيَةَ". الحديث الأوّل: (بالعبرانية) لغة اليهود.

стр. 8867

(لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتاب، ولا تُكَذِّبوهم)؛ لأنه محتمل للصدقِ، والكذبِ. * * * ٧٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لِلْيَهُود: "مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ " قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا، قَالَ: " ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ "، فَجَاؤُا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ! اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انتهَى إلَى مَوْضعٍ مِنْهَا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: "ارْفَعْ يَدَكَ"، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْم تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةِ. الثّاني: (ونُخزيهما)؛ أي: نفضحمها؛ بأن نُركبهما على الحمار مقلوبين، وندوّرهما في الأسواق. (لرَّجل) هو عبدُ الله بنُ صوريا. (قال: ارفع) القاتلُ له عبدُ الله بنُ سلام، صرح به البخاريُّ في (باب الرَّجْم في البلاط). (بينهما)؛ أي: بين الزاني والزانية حكم الرَّجْم، أو بين الآيتين آية الرَّجْم، أو بين الأصبعين، وفي بعضها: (فيهما).

стр. 8868

(يُجَانئ) بالجيم والنون بعد الألف وبهمز، يقال: جَنَأ، وأَجْنَأ، وجَانَأَ: إذا أَكَبَّ. (للحجارة) في أكثر النسخ: (الحجارة)، فاللام أو مِنْ مقدرة، أو يقدر مضاف؛ أي: اتقاء الحجارة، أو فعل؛ أي: يقيها الحجارةَ. وسبق آخر (علامات النبوة). * * * ٥٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْمَاهِرُ بالْقُرْآنِ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ"، وَ"زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأَصْوَاتِكُمْ " (باب: قول النَّبيّ ﷺ : "الماهِرُ بالقرآنِ)؛ أي: الحاذقُ. (سفرة الكرام) من إضافة الموصوف إلى الصِّفَة، والسفرةُ هم: الكَتَبَةُ الذين يكتبون من اللوح المحفوظ، والكرام؛ أي: المكَرَّمون عند الله. (البررة)؛ أي: المطيعون المطَهَّرون من الذنوب، وهذا الحديث موصولٌ في (التفسير) من حديث عائشة ﵂؛ لكن بغيرِ هذا اللّفظ، ووصله مسلمٌ بهذا اللّفظ، وفي التّرمذيّ: "الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ بِهِ مَاهِرٌ، مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ"، وقال: حسن صحيح، وقال بعضُهم: المهارةُ: جَوْدَةُ التلاوة بحسن الحفظ، فلا يتلعثم، ولا يتعثر لسانُه، وتكون قراءتُه سمحةً، يَسَّرَه اللهُ تعالى له كما يسره على

стр. 8869

الملائكة، فهو معها في مثل حالها؛ من الحفظ، وتسهيلِ التلاوة، وفي درجة الأجر، فيكون بالمهارة عندَ الله كريمًا. (وزينوا) الحديثُ وصله البخاريُّ في كتاب "خلق أفعال العباد" خارج "الجامع" من حديث البراء من طرق، وأسنده الدارميُّ، وأبو داودَ، والنَّسائيّ، وابنُ ماجه، وابن حِبّان عن أبي هريرة، وغيرُهم عن ابنِ عبّاس. * * * ٧٥٤٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءً مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". ٧٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا -وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ- قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ يُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾، الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا.

стр. 8870

الحديث الأوّل، والثّاني: (وكلٌّ حَدَّثني)؛ أي: قال الزُّهْرِيُّ: وكلُّ هؤلاء الأئمةِ حدثني قطعةً من حديث الإفك. (يبرئني)؛ أي: برؤيا يراها رسولُ الله ﷺ . (يُتلى)؛ أي: بالأصوات في المحاريب والمحافل، ومنه تستفاد التّرجمة. * * * ٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ، أُرَاهُ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ. الثّالث: (العشاء)؛ أي: صلاة العشاء، وكان ذلك في السَّفر. مرّ في (كتاب الصّلاة). * * * ٧٥٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ لِنَبِيّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

стр. 8871

الرابع: (متواريًا)؛ أي: مختفيًا من الكفار. (يرفع صوته)؛ أي: إمّا إقامةً للسنة، وإما ظنًّا أنهم لا يسمعونه، وإما استغراقًا في مناجاة الله تعالى. سبق قريبًا وبعيدًا. * * * ٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: "إِنِّي أَرَاكَ تُحبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . الخامس: (نداء) في بعضها: (مدى)؛ أي: غاية. سبق في (باب الأذان)، ووجه تعلّقه بالترجمة: أن رفعَ الصوت بالقرآن أحقُّ بالشهادة له، وأولى. * * * ٧٥٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُّمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي، وَأَنَا حَائِضٌ.

стр. 8872

السادس: (حجري) -بفتح الحاء وكسرها-، سبق في (الحيض). قال مُغُلْطاي: كأنّ البخاريَّ أشار بهذه الأحاديث إلى أن الماهرَ بالقرآن هو الحافظُ له مع حسنِ الصوتِ به، وأمّا حديثُ الإفك، فلسماعِها حُسنَ صوته بقراءته. انتهى. وقيل (١): مقصودُه بذلك كلِّه: تحقيقُ ما تقدَّم أن التلاوة فعلُ العبد؛ بدليل وصفِها بالتحسين والجهر، وكذلك مقارنته للأحوال المحدثة اللازمة. * * * ٥٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (باب: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]) قال المهلب: يريد: ما تيسر من حفظه على اللسان من لغةٍ وإعراب. ٧٥٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ الْمِسْوَرَ ابْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ

стр. 8873

هِشَامَ بْنَ حَكِيم يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أقودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ: "أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ، يَا هِشَامُ! " فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْرَأْ، يَا عُمَرُ! " فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ: "كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". (فتصَبَّرْت) في بعضها: (فتربَّصْتُ). (فَلَبَّبْتُه) بموحدتين: هو جمعُ الثِّياب عند النَّحر، والجرُّ عندَ الخصومة، وظنَّ عُمرُ ﵁ جوازَ ذلك اجتهادًا. (سبعة أحرف)؛ أي: لغات، وقيل: الحرفُ: الإعراب، يقال: حرفُ عاصم؛ أي: الوجهُ الّذي اختاره من الإعراب، وقال الأكثرون: هو حصرٌ في السبعة، فقيل: هي في صورة التلاوة؛ من إدغام وإظهار، ونحوها، ليقرأ كلٌّ بما يوافق لغتَه، فلا يكلَّفُ القرشيُّ الهمزَ؛ والأسديُّ فتحَ حرفِ المضارعة، وقيل: بل السبعةُ كلُّها لمضرَ وحدَها.

стр. 8874

وقال (ع): هي سَعَة وتسهيلٌ، لم يقصد به الحصر. وقال الداودي: هذه القراءاتُ السبع ليس كلُّ حرف منها هو أحدَ تلك السبعة؛ بل قد تكون مفرقةً فيها، وقيل: هذه السبعةُ إنّما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث. مر في (كتاب الخصومات). * * * ٥٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ: "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"، يُقَالُ: مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأٌ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ؟. (باب: قول الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) أي: هَوَّنَّاه للحفظ. (وقال النَّبيّ ﷺ ) موصولٌ في (القدر)، و (التفسير) من حديث عليّ ﵁. (كُلٌّ ميسَّر)؛ أي: إن الله تعالى قَدَّرَ لكلِّ أحدٍ سعادتَه أو شقاوَته، فسهّل عليه ما قدّر له، وهيأه له. * * *

стр. 8875

٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ: قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! فِيمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". الحديث الأوّل: (فيمَ) أصلُه: (في) و (ما) الاستفهامية، وقال ذلك حينَ قال النبيُّ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ إلا كُتِبَ مَكَانَهُ في الجَنَّةِ أَوْ في النَّارِ"، فقال كلُّ واحدٍ منهما ذلك، فقال: يسهل عليه ما كتب عليه من عملهما. وفيه: أن التلاوة عملُ العبد، وقد يسره الله تعالى له. * * * ٧٥٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ: سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ فِي جِنَازَةٍ، فَأَخَذ عُودًا، فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ"، قَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيَةَ. الثاني: (ينكت)؛ أي: يضرب في الأرض، فيؤثر فيها. وسبق في (الجنائز). * * *

стр. 8876

٥٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ قَالَ قتادَةُ: مَكْتُوبٌ، ﴿يَسْطُرُونَ﴾ يَخُطُّونَ، ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾: فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَأَصْلِهِ، ﴿مَا يَلْفِظُ﴾: مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إلا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ ": يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كتبِ اللهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، دِرَاسَتُهُمْ: تِلَاوَتُهُمْ، ﴿وَاعِيَةٌ﴾: حَافِظَةٌ: ﴿وَتَعِيَهَا﴾: تَحْفَظُهَا، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ بَلَغَ هَذَا الْقُرْآنُ، فَهْوَ لَهُ نَذِيرٌ. (باب: قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]) قوله: (يسطرون)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]. (في أُمّ الكتاب) (١)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]. (ما يلفظ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ

стр. 8877

عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ أي: ما يتكلَّم من خيرٍ أو شَرٍّ. (يحرِّفون)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. (يُزيلون)؛ أي: يزيلونه من جهة المعنى فقط؛ يتأولونه بغير الحقِّ المرادِ. (وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله) اغترَّ بعضُهم بهذا، فزعم في تحريف التوراة والإنجيل خلافًا في أنه في اللّفظ والمعنى، أو في المعنى فقط، ومال إلى الثّاني، وجَوَّزَ مطالعَتَهما، وهذا قولٌ باطل؛ فلا خلاف أنهم حَرَّفوا وبَدَّلوا، فالاشتغالُ بكتابيهما، ونظرُهما ممتنعٌ إجماعًا، وقد غضب النبيُّ ﷺ حين رأى مع عُمر صحيفةً فيها شيءٌ من التوراة، وقال: "لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا، ما وَسِعَهُ إلا اتِّبَاعِي"، فلولا أنه معصيةٌ، ما غضبَ منه. قلت: قد سبق في (باب: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) بسنده عن ابن عبّاس: أنه قال: كيف تسألون أهلَ الكتابِ عن كتبهم، وعندَكم كتاب الله أقربُ عهدًا بالله، تقرؤونه مَحْضًا لم يُشَبْ، وهو كالصَّريحِ في أن غيرَ هذا الكتاب من كتبهم قد شِيبَ، وأن النظرَ فيه منكَرٌ؛ فلو كان التحريفُ في المعنى فقط، لم ينكر ذلك، ولا قال: إنّه لم يُشب، فيجبُ تأويلُ ما نُقل عن ابن عبّاس هنا بلا سند. * * *

стр. 8878

٧٥٥٣ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ -أَوْ قَال:- سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ". الحديث الأوّل: (قضى)؛ أي: أتمَّ. (كتب) إمّا حقيقة؛ بخلقِ صورةِ المكتوبِ في اللوح المحفوظ، أو الأمر بالكتابة فيه، وإما مجاز عن تعلّق الحكم، والإخبار به. (عنده) من المتشابه؛ لاستحالة العندية المكانية في حقه تعالى، فإما التفويضُ، أو التأويلُ بما يليق، أو هو تمثيلٌ واستعارةٌ. (سبقت)؛ أي: سبق تعلُّق الرّحمة، وإلًّا فصفاته القديمة مستحيلٌ فيها السبقُ، وسبقُ الرّحمة؛ لأنها من مقتضيات صفاته، وأمّا تعلُّقُ العقوبة، فمن عصيان العبد. وقال المهلب: سبقُ رحمتِه ظاهر؛ لأن مَنْ غضبَ عليه من خلقه، لم يُخيبه في الدنيا من رحمته، وقيل: المراد: أن رحمته لا تنقطع عن أهل النّار المخلَّدين من الكفار؛ إذ في قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذابُ النّار يومئذ لأهلِها رحمةً وتخفيفًا، بالإضافة إلى ذلك العذاب. وسبق مرات. * * *

стр. 8879

٧٥٥٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ كتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ". الثّاني: (قبل أن يخلق الخلق) وجهُ الجمع بينه وبين ما في الحديث قبلَه: أنه لما قضى الخلق، كتب أن المرادَ هناك: التعلُّق، وهو حادثٌ بعد خلق الخلق، وهنا المراد: الحكمُ القديمُ، وهو بالضرورة قبل خلق الخلق، أو يقال: إن المراد بـ (قضى): أرادَ القضاءَ. * * * ٥٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: "أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ

стр. 8880

بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بيَنَ اللهُ الْخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإيمَانَ عَمَلًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ". وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإيمَانِ وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا. (باب: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]) (١) نسبةُ العمل إليهم على جهة أنه كسبُهم، واللهُ هو الخالق له، فما يكون مُسْنَدًا للعبد، فمن حيث إن له قدرةً، وهو مسنَدٌ لله تعالى من حيثُ الخلقُ والتأثير، فله جهتان، بإحداهما ينفى الجَبْر، وبالأُخرى ينفى القَدَر، فإسنادُه لله تعالى حقيقة، وإلى العبدِ على وجهِ العادة؛ فإن قيل: القدرةُ صفةٌ تؤثر على وفق الإرادة، فإذا انتفى التأثير، فلا

стр. 8881

قدرة، قيل: التعريفُ بهذا غيرُ جامع؛ لخروج القدرة الحادثة، وإنما القدرةُ صفةٌ يترتب عليها الفعلُ والتركُ عادة، وقد يعبر عن إسناد الفعل لله تعالى أنه باعتبار الفاعلية، وإلى العبد أنه باعتبار المحلّية (١)، وحينئذ فوجهُ المدحِ والذمِّ كما يُمْدَح الجميلُ، ويُذَمُّ المبروصُ، والكلُّ بخلق الله تعالى، والثوابُ والعقابُ باعتبار أنه علامة؛ ولا قُبْحَ لو عَذَّبَ الطائعَ، وأثابَ العاصي؛ لأنه تصرُّفٌ في ملكه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. (أَحْيُوا ما خلَقْتُم) إسناد الخلقِ إليهم على جهة الاستزراء والتعجيز (٢). (بَيَّنَ اللهُ الخلقَ من الأمر)؛ أي: فَرَّق بينهما، حيث عطفَ أحدَهما على الآخر، وكيف لا، والأمرُ قديم، والخلقُ حادث؟ وفيه: أَنْ لا خلقَ لغير الله تعالى، حيث حُصر على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ. (قال أبو ذر) موصولٌ في (العتق). (وأبو هريرة) موصولٌ في (الإيمان)، و (الحج).

стр. 8882

(يعملون)؛ أي: من الإيمان، وسائر الطاعات، فسمى الإيمان عملًا؛ حيث أدخله في جملة الأعمال. (وقال وفدُ عبدِ القيس) هو موصولٌ في الباب، وهم من ربيعةَ. (بِجُمَلٍ)؛ أي: أمور كلية مجمَلَة. (بالإيمان)؛ أي: تصديق الرسول ﷺ بما علم مجيئه ضرورة. (والشهادة) (١)؛ أي: كلمة التّوحيد. (فجعل)؛ أي: النَّبيّ ﷺ . (كله)؛ أي: ومن جملته الإيمانُ. * * * ٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِم التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جُرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ، اللهِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يأكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ: لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ: إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نستَحْمِلُهُ، قَالَ: "وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ،

стр. 8883

وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ"، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: "أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَريُّونَ؟ " فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا، وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: "لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَتَحَلَّلْتُهَا". الحديث الأوّل: (عن زَهْدَمٍ) هو الجَرْميُّ. (الأشعريين)؛ أي: قبيلة من اليمن، وتقول العرب: جاءني الأشعرون -بحذف ياء النسب-. (مِنْ بَنِي تَيْم اللهِ) بفتح المثناة وسكون الياء: قبيلة. (يأكل شيئًا) أي: من النّجاسة. (فَقَذِرْتُهُ) بكسر المعجمة. (فلأحدثك)؛ أي: فواللهِ لأحدثك؛ أي: لأحدِّثنَّكَ. (نستحمله)؛ أي: نسأله أن يحملنا. (بنَهْب)؛ أي: غنيمة. (ذَوْد) بفتح المعجمة: من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر.

стр. 8884

(الذرا) جمع ذروة، وهي أعلى كلّ شيء؛ أي: ذوو الأسنمة البيض؛ أي: من سمنِهِنَّ وكثرةِ شحومهنَّ. (حملكم) نسبة إلى الله تعالى باعتبار الحقيقة؛ لأن الله تعالى خالقُ الأفعال، ويحتمل أنه أرادَ به: إزالةَ المنةِ عنهم، وإضافةَ النعمة إلى الله تعالى، أو أنه لما نسي، وفعله قد يضاف إلى الله تعالى؛ كما جاء في الصائم إذا أكل ناسيًا، فإن الله أطعمه، أو أن الله تعالى لما ساق الغنيمةَ إليهم، فهو أعطاهم. (تَغَفَّلْنا)؛ أي: طلبنا غفلَتَه، وكنا سببَ ذُهوله عمَّا وقع. (وتحللنا)، من التحلل، وهو الخروجُ عن عُهدةِ اليمين بالكفارة، ويحتملُ أن يكون هذا جوابًا آخر غيرَ الأوّل، وهو أن الله تعالى حملهم؛ أي: وأيضًا فإني أتحلَّلُ يميني؛ أي: فلا غفلة في الأمرين. * * * ٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَينَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إلا فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ، فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإيمَانِ بِاللهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإيمَانُ بِاللهِ؟

стр. 8885

شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَم الْخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ، وَالْحَنْتَمَةِ". الثّاني: (قلت لابن عبّاس)؛ أي: حدِّثنا؛ إمّا مطلقًا، وإما عن قصة وفدِ عبدِ القيس. (وتعطوا) إنّما لم يقل: وإعطاء بلفظ المصدر؛ للإشعار بمعنى التجدد؛ لأن فرضيته كانت متجددة؛ نعم، في الرِّواية الّتي في (كتاب الإيمان)، وصوم رمضان، فيحتمل أن إسقاطه هنا باعتبار الواجبات في الحال، ولم يكن ذلك زمن رمضان، ولهذا لم يذكر الحجِّ أيضًا، أو في الحديث اختصار، وقد سبق مبسوطًا في (الإيمان)، ووجهُ دخول هذا الحديث في التّرجمة: أن الله تعالى هو الفاعل؛ وكذا الحديث السابق، وهذا يقتضي نسبةَ الفعلِ للعبد، فهو باعتبار جهة الخلق من الله تعالى، والكسب من العبد، ولعلّ غرضَ البخاريّ من تكثير هذا النوع في هذا الباب وغيرِه: جوازُ ما نُقل عنه أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، إن صحَّ عنه. * * * ٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

стр. 8886

"إِنَّ أَصْحَابَ هَذ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". ٧٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَصْحَابَ هَذهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". الثّالث، والرّابع: معناهما ظاهر. ٧٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ: سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً". الخامس: (ذهب) من الذهاب، الّذي هو القصدُ والإقبال إليه، وهو استهزاء بهم؛ فإنّه لا يقدر أحد على خلق مثل خلقه، أو باعتبار تشبيهه صورةً، أو باعتبار زعمِهم -كما سبق-، وأمّا جعلُه أظلمَ مع كون الكافر أظلمَ قطعًا، فجوابُه ما سبقَ مراتٍ: أنه إذا صور الصنم للعبادة، كان كافرًا، فهو هو. (ذَرَّة) بفتح المعجمة: النملة الصغيرة. (حبة، أو شعيرة) عطف خاصٍّ على عامٍّ، أو هو شكٌّ من الراوي، والغرضُ: تعذيبُهم وتعجيزُهم، تارةً بخلق الحيوان، وأُخرى

стр. 8887

بخلقِ الجماد، وفيه نوعٌ من الترقِّي في الخساسة، ونوع من التنزُّلِ في الإلزام. * * * ٥٧ - باب قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ، وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ (باب: قراءة الفاجر والمنافق) عطف المنافق على الفاجر، مع أن المراد به المنافق؛ بقرينة جعله قسيمًا للمؤمن في الحديث، ومقابلًا له من العطف التفسيري. (لا يجاوز) خبر المبتدأ، وهو: (تلاوتُهم)، وأمّا جمعُ الضمير، فهو حكايةٌ عن لفظ الحديث، وفي بعضها زيادة: (وأصواتهم)، والحنجرةُ: الحلقوم، وهو مجرى النّفَس؛ كما أن المري مجرى الطّعام والشراب. ٧٥٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا".

стр. 8888

الحديث الأوّل: (كَالأُتْرُجَّةِ) قيل: [بنون قبل الجيم] (١)، وتدغَمُ فتشدَّدُ الجيمُ، وتُرُنْجَة لغةٌ ثالثة، قالوا: هي أفضلُ الثمار لخواصَّ فيها: كبرُ جرمِها، وحسنُ منظرِها، وطيبُ طعمِها، ولينُ ملمسِها، ولونُها يَسُرُّ الناظرين، وأكلُها يفيدُ بعد الالتذاذ طيبَ النكهة، ودباغَ المعدة، وقوةَ الهضم، واشتراكَ الحواس الأربعة: البصر، والذوق، والشم، واللمس في الاحتظاء بها، ثمّ إن أجزاءها تنقسم على طبائع، فقشرُها حارٌّ يابس، وجرمُها حارٌّ رطبٌ، وحماضُها باردٌ يابسٌ، وبزرُها حارٌّ مجفّفٌ. (الحنظلة) معروفة. وحاصله: أن المؤمن إمّا مخلص، أو منافق، وعلى التقديرين، إمّا أن يقرأ، أو لا، والطعم هو بالنسبة إلى نفسه، والريح بالنسبة إلى السامع؛ نعم، وقع في آخر (فضائل القرآن): (كالحنظلة، طعمُها مر، وريحُها مر)، وهنا قال: (لا ريحَ لها)، ووجهُ الجمع: أن القصدَ: لا ريحَ لها نافعٌ، ولو كان لها ريحٌ مضرٌّ، وما لا نفعَ له كالعَدَمِ. * * * ٧٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَني يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ:

стр. 8889

قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا الْجنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ". الثّاني: (عن الكُهَّان)؛ أي: عن حالهم. (فيقرها) في أكثر النسخ: (فيقرقرها)، وقَرَّهُ: إذا صبَّ فيه الماء، وقرّ: إذا صوّت، وقرّت الدجاجة: قطعت صوتها، وقرّ الكلام في أُذنه، وأقره: إذا سارّه، وصَبَّه؛ وأورده (ش): (يقرقرها)، وقال: كذا هنا يقرقر بالتكرير، وأصل القر: ترديد الكلام في أُذن المخاطب، حتّى يفهم، فإن رددته قلت: قرقرت، وقيل: القرقرة: الوضع في الأُذنَ بالصوت، والقَرُّ: الوضعُ بلا صوت؛ فالروايتان مشعرتان بأن الوضع في أذن الكُهان تارة بلا صوت، وأُخرى بصوت. (الدجاجة) بتثليث الدال، ورواه الإسماعيلي: الزجاجة -بالزاي-؛ أي: كصوتها إذا صب فيها الماء، وكأنه اعتبره برواية القارورة، وقد سبقت في (بدء الخلق)؛ وكذا صوَّبه (خ)، وقال غيره: يكون إضافتُه إلى الدجاجة إضافةً إلى الفاعل، وإلى الزجاجة إضافة للمفعول؛ نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ لكن قال الدارقطني: صَحَّفَ الإسماعيلي في

стр. 8890

هذا، والصوابُ: الدجاجة. قال (خ): وقصدُه ﷺ : نفيُ ما يتعاطونه من علم الغيب؛ أي: ليس قولهم بشيء صحيح يعتمد عليه؛ كما يعتمد على أخبار الأنبياء -عليهم الصّلاة والسلام-، وإصابة الكُهان في بعض الأحيان إنّما هو لأن الجنيَّ يلقي إليه الكلمة التي يسمعها استِراقًا، فيزيدُها بالأكاذيب يقيسها عليه، والكُهانُ: قومٌ لهم أذهانٌ حادَّة، ونفوسٌ شريرة، وطبائعُ ناريَّة، فالجنُّ تُلقي إليهم؛ لما بينهم من المناسبة، وسبق الحديثُ آخر (كتاب الأدب)، ووجهُ مطابقته للترجمة: مشابهةُ الكاهنِ بالمنافقِ من حيث إنّه لا ينتفع بالكلمة الصادقة؛ لغلبة الكذب عليه، ولفسادِ حاله؛ كما لا ينتفع المنافقُ بقراءته؛ لفساد عقيدته، وانضمامِ خبثه إليها. * * * ٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَؤُنَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقهِ"، قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ، قَالَ: "سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ"، أَوْ قَالَ: "التَّسْبِيدُ". الثّالث: (قِبَل) بكسر القاف؛ أي: جهة.

стр. 8891

(المشرق)؛ أي: مشرق مدينة النبيِّ ﷺ ؛ كنجدٍ وما بعدَه. (فُوقِهِ) بضم الفاء: هو موضعُ الوترِ من السهم، والطريقُ الأوّل: ما عاد على فوقه؛ أي: مضى، ولم يرجع. (سيماهم) بكسر المهملة مقصورًا وممدودًا؛ أي: علامتهم. (التحليق)؛ أي: إزالةُ الشعر، وإنّما كان هذا علامتَهم، وإن كان غيرُهم يحلق رأسَه أيضًا: أن هؤلاء جعلوا الحلقَ علامةً لهم دائمًا، وزمن الصّحابة إنّما كانوا يحلقون في نسك، أو حاجة، ويحتمل أن المراد بالتحليق: حلق الرّأس واللحية، وجميع الشعور، أو أن المراد: الإفراط في القتل، أو في مخالفة الدين. (أو قال: التسبيد) بمهملة وموحدة، وهو استئصالُ الشعر، وقيل: تركُ التدهين، وغسل الرّأس، ويروى: (التسبيت) بالتاء المثناة آخره بدل الدال. قال جعفر الطيالسيُّ: قلت لأحمدَ: ما التسبيتُ؟ قال: الحلقُ الشديد؛ نسبة إلى النعالِ السبتية. واعلم أن هذا لا ينافي ما سبقَ في (باب علامات النبوة): أن علامتهم رجل أسودُ، إحدى عضديه مثلُ ثدي المرأة؛ لإمكان أَنَّ كُلًّا منهم علامة، أو هؤلاء طائفة أُخرى، وتقدم في (باب استتابة المرتدين) في حقهم، ويتمارى: يشكُّ في الفُوقِةِ، هل علّق بها شيءٌ من الدم؟ فإيمانُهم مشكوك، وهنا قال: يمرقون من الدِّين، ثمّ لا يعودون إليه أبدًا؛ لأن السهم لا يعود إلى فُوقِهِ بنفسه قط، فيحتمل أن المراد بهم: الخوارجُ

стр. 8892

على الإمام، وهؤلاء الخوارج من الإيمان، وعلى الأوّل: الدين هو طاعة الإمام، وعلى الثّاني: الدين هو الإسلام. قال المهلب: يمكن أن يكون هذا الحديث في قوم قد عرفهم ﷺ بالوحي أنهم يموتون قبل التوبة، وقد خرجوا ببدعتهم وسوء تأويلهم إلى الكشف، وأمّا الذين قتلهم عليّ ﵁؛ يعني: الخوارج، فربما يؤدِّي تأويلهم إلى الكفر، وربما لا يؤدِّي إليه. * * * ٥٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾، وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُسْطَاسُ: الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَيُقَالُ: الْقِسْطُ: مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ، وَهْوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ: فَهْوَ الْجَائِرُ. (باب: قول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) الموازين: جمع ميزان، ووصفُها بالقسط، وهو العدل؛ لأن المصدر يوصف به المفرد، والمثنى، والجمع بلفظ واحد؛ أي: العادلات، أو ذوات القسط؛ كما قاله الزجَّاج، وهي، وإن كانت ميزانًا واحدة؛ لكن جُمعت باعتبار العباد، وأنواع الموزونات. (ليوم)؛ أي: في يوم؛ قال أهل السُّنَّة: الميزانُ جسمٌ محسوسٌ

стр. 8893

ذو لسانٍ وكِفَّتين، والله تعالى يجعلُ الأعمالَ والأقوالَ كالأعيانِ موزونةً، أو توزن صحفُها، وقيل: هي ميزانٌ كميزان الشِّعْر، وفائدتُها: إظهارُ العدل، والمبالغةُ في الإنصاف؛ قطعًا لأعذار العباد. (مجاهد)؛ أي: ابن جَبْر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- المكيُّ المفسِّرُ. (القِسطاس)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢]. (بالرومية)؛ أي: بلغة الروم، ففيه: وقوعُ المُعرّب في القرآن، وأمّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ، أو أن وضعَ العرب وافقَ وضعَهم، والمسألة مشهورة في الأصول، وقد حررتها في "شرح ألفيتي في الأصول". (ويقال: القسط: مصدر المقسط) انتقد بأن مصدر المقسط الإقساط؛ لأنه رباعي، وأُجيب: بأن ذلك في الجاري على فعله، والمراد هنا: إنّما هو المصدر المحذوف الزوائد؛ كالقدر مصدر قدّرت، فما حذف زوائده من مصدر المزيد، رُدَّ إلى أصله، وذلك كثير في كلامهم، والمقسط هو العادل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، والقاسط: الظالم؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. قال (ك): فإن قلت: المزيدُ لا بدَّ أن يكون من جنس المزيد.

стр. 8894

قلت: إمّا أن يكون المقسِط من القِسْط -بالكسر-، وإما يكون [من] القَسْط -بالفتح- الّذي هو بمعنى الجَور، والهمزةُ للسلبِ والإزالةِ. * * * ٧٥٦٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ". (كلمتان) من إطلاق الكلمةِ على الكلام، وهو مجاز شائُع؛ كقولك: كلمة الشّهادة. (حبيبتان)؛ أي: محبوبتان؛ فَعيل بمعنى مفعول، لا بمعنى فاعل، والمرادُ: محبوبٌ قائلُها، ومحبةُ الله تعالى للعبد: إرادةُ إيصالِ الخيرِ له؛ لكن قياسَ فَعيل بمعنى مفعول: أن لا تدخل فيه تاء التأنيث، وجوابه: إمّا بأن ذلك كثير لازم، أو أن وجوب ذلك حالَ الإفراد، لا حال التثنية، أو التأنيثُ لمناسبة (خفيفتان) و (ثقيلتان)، وهما فَعيل بمعنى فاعل، أو التاء لنقل اللّفظ من الوصفية إلى الاسمية، وقد يقال: هي فيما لم يقع بعد نحو: خذ ذبيحتك للشاةِ

стр. 8895

الّتي لم تُذْبَح؛ فإذا وقع عليها الفعلُ، فهي ذَبيحٌ. (إلى الرّحمن) خصص به دون سائر الأسماء؛ لأن المقصود من الحديث: بيانُ سَعَةِ رحمةِ الله تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير، وفيه: فضيلةٌ عظيمةٌ للكلمتين؛ سبقت آخر (كتاب الدعوات)، وهي أن من قال: "سبحانَ اللهِ وبحمدِه في يومٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاه، وِإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". (خفيفتان) الإشارةُ بالخفة والثقل إلى قلةِ العمل، وكثرةِ الثّواب، وفي الحديثِ من البديع: السجعُ، والمنهيُّ عنه في السجع: ما يُراد به إبطالُ حق، ونحوه؛ كسجع الكهان، والمقابلةُ بين الخفيفة والثقيلة، ويسمى: الطباق، وختم به كما افتتح "الجامع" بالنية، الأوّل للإخلاص، والثّاني أن كتابه الّذي صنَّفه يرجو أنه من العمل الّذي يوزن له يوم القيامة، ويجازى به، وأنه وضعه قسطًا، وميزانًا يرجع إليه، وذلك سهلٌ على من سَهَّلَه الله تعالى عليه. (سبحان الله وبحمده، سبحان اللهِ العظيم) هما المخبر عنهما بأنهما كلمتان خفيفتان، فهما مبتدأ، و (كلمتان) خبر مقدَّم، وما بينهما صفةٌ للخبر، وإنما قدم الخبر؛ لقصد تشويق السامع إلى المبتدأ؛ كما قال: ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالقَمَرُ
следующие страницы →