← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 18111

شرح المنظومة البيقونية ليوسف جودة

يوسف بن جودة الداودي

Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة الأزهر كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بالمنوفية شرح المنظومة البيقونية في علم مصطلح الحديث الدكتور يوسف بن جودة يس الداودي عضو هيئة التدريس جامعة طيبة المدينة المنورة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أّن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أَنَّ محمداً عبْدُهُ ورسولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تسآءلون بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١). الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءَ بِعِنَايَتِهِ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الْجَهَالاتِ، وَجَعَلَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا إلَى الْخَلْقِ تِلْكَ الأَمَانَاتِ، فَهُمْ مَصَابِيحُ الأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الأَنْبِيَاءِ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ، فإنَّ مِن أَعْظَم الْمِنَن أَنْ يُوَفَّق العبد لمعرفة حديث خير البَريَّة

стр. 3

- ﷺ ، ويميز الصَّحيح من الضَّعيف، ليعبد الله علي بصيرةٍ؛ وحتى لا يُحَدِّث بحديثٍ إلا وهو ثَابتٌ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا يُحَدِّث بِكُلِّ ما يسمع، فإن ذلك قد يوقعه في الوعيد الذي ورد في صحيح مُسْلِمٍ: عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ قَالَ: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (١). فلا مِرْيَة أنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ هُم الرِّجال الذين نَدَبُوا أنفسهم للقيام بحق حديث رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والدِّفاع عنه، قال سُفْيَانُ الثَّوْريّ: "الْمَلائِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الحَدِيثِ حُرَّاسُ الأَرْض" (٢)، فقاموا بتأصيل علم الحديث، وتفريع فروعه، وكتبوا تلك القواعد والأصول في مُصَنَّفَات، ونَظَمُوا لها الْمَنْظُومَات فكان من أشهر تلك الْمَنْظُومات في علوم الحديث قصيدة غرامي صحيح في ألقاب الحديث لشهاب الدين أحمد بن فرج الأشْبِيليّ (ت: ٦٩٩ هـ)، وألفية العراقي المسماة بـ: التَّبصرة والتَّذكرة في علوم الحديث، لأبي الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين (ت: ٨٠٦ هـ)، وكذا ألفية الحديث، لعبد الرَّحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، وغيرها من الْمَنْظُومات في علم الحديث. وكان من أهم تلك الْمَنْظُومات المَنْظُومَة البَيْقُونِيَّة، لعمر - أو طه - بن محمد بن فتوح البَيْقُونِي الدِّمَشْقِيّ، كان حيًا سنة ١٠٨٠ هـ، وتَبرُز أهميتها في مُنَاسَبَتِها للمبتدئين من طلاب العلم، فهي منظومة من بحر الرجز تقع في (٣٤)

стр. 4

بيتًا كما ذكر المؤلف ذلك في آخرها بقوله: "فَوْقَ الثَّلاثيَن بأرْبَعٍ أتَت ... ْأقْسامُهَا ثمَّ بخيٍر خُتِمتْ". وذكر العلماء أن من سمة العالم الرَّبَّانِيّ أنَّه يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ (١)، فإنَّ النَّاسَ ليسوا على مستوى واحد من التَّيقُّظ والضَّبْط والحفظ، وليسوا كذلك في مستوى واحد من الاهتمام والتَّثَبت والدِّقَّة. فلابد من محقق وضابط وشارح لتلك الأصول بطريقة سهلةٍ مُيسَّرة، ولا يخفى أنَّ لكل عصر مفاهيم واعتبارات خاصة به فينبغي على الشارح أن يسلك أيسر السُّبل، ويختار أدق العبارات التي توصل الطالب لفهم تلك الأصول والمصطلحات الخاصة بأهل الحديث. الدِّرَاسَات السَّابقة: لقد حازت المَنْظُومَةُ البَيْقُونِيَّة عِنْدَ أهل الحديث أهميةً بالغة، إذ أنَّ لَهَا شُرُوحًا كثيرة، واعتنى بها عدد من الأفاضل المختصين بهذا الشأن بالشرح والضبط والتَّعليق، فكان من أشهر تلك الشروح على المَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة: ١ - تلقيح الفكر بشرح منظومة الأثر، لأحمد بن محمد الحموي (ت ١٠٩٨ هـ) (٢). ٢ - شرح منظومة البَيْقُوني، لمحمد بن أحمد البديري الدُّميَاطِي (ت ١١٤٠ هـ) (٣).

стр. 5

٣ - شرح المَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة، لحسن بن غالي الأزهري الجداوي (ت ١٢٠٢ هـ) (١). ٤ - شرح المَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة، لمحمد بن عبد الباقي الزّرقاني (ت ١١٢٢ هـ) (٢). ٥ - الكواكب النُّورانية على البَيْقُونِيَّة، لعبد الله بن علي الدمليجي (ت ١٢٣٤ هـ) (٣). ٦ - لطائف منح المغيث في مصطلح البَيْقُونِي في الحديث، لمحمد بن عثمان الميرغني المكي الحنفي (ت ١٢٦٨ هـ) (٤). ٧ - البهجة الوضية شرح متن البَيْقُونِيَّة، لمحمود بن محمد بن عبد الدائم الشهير بنشابة المتوفي سنة (١٣٠٨ هـ)، طبع سنة (١٣٢٨ هـ). ٨ - الدرة البهية في شرح المنظومة البيقونية، شرح الشيخ محمد بدر الدين بن يوسف المدني الدمشقي المتوفي سنة (١٣٥٤ هـ) منه نسخة في الخزانة العامة في الرباط (٥). ٩ - التَّقْرِيرَات السَّنية شرح المَنْظُومَة البَيْقُونِيَّة في مصطلح الحديث، لحسن بن محمد المشاط المالكي (ت: ١٣٩٩ هـ)، طبع شرحه في جدة عام

стр. 6

١٣٩٢ هـ، وطبع أيضاً في دار الكتاب العربي ببيروت عام ١٤١٧ هـ، وطبع طبعات أخرى غير هاتين الطبعتين. ١٠ - الثمرات الجنية شرح المَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين اعتنى به الشيخ سعد بن عبد الله السعدان، طبعته دار العاصمة للنشر والتوزيع في الرياض الطبعة الأولى سنة (١٤١٧ هـ). ١١ - شرح المَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة، للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: ١٤٢١ هـ)، وطبع شرحه بالقاهرة عام ١٤١٥ هـ. مشكلة الدِّرَاسَة: إنَّ البُحوثَ التي عنيت بشرح المنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّة وأعمل عُلمَاءُ المسلمين قرائحهم فيها على كثرتها وعظيم فائدتها وإثرائها للمكتبة الإسلامية إلا أنَّ بعضها كان كثير الإسهاب والإطناب في ذكر أقوال المحدثين، ومسائل الخلاف في علم المصطلح التي حيرت عقول أفذاذ العلماء، وكل ذلك يُقَدم في قالبٍ علمي قديم لا يعرفه إلا المتمرسين في هذا الفن، فقول لي بربك كيف يصلح هذا الإسهاب والتَّطويل لطالب العلم المبتدئ؟ ؛ ولهذا السبب بدا لنا من الضَّرُوري أن نتناول الموضوع من جديد، وأن نعالجه تبعًا لفهم طلاب العلم في هذا العصر، فإنَّ لكلِّ علمٍ باب يوصل إليه بأقصر سبيل، وأيسر طريق، وأوضح دليل. هذا إلى جانب أنَّ هذه المنْظُومَة لم تستوعب جميع أنواع علوم الحديث، وربما ذَكر النَّاظم فيها أكثر من نوع تحت باب واحد دون استيعاب لبقية الأنواع التي تندرج تحت هذا الباب؛ وتأخير ما حقه التَّقديم وغير ذلك؛ لذا كان لزامًا علينا أن نقدم بعض الأنواع مثل: "الحديث الموقوف" فقد تم تقديم شرحه مع الحديث المرفوع والمقطوع لمناسبته للباب، كما نبهتُ إلى بعض النقص في

стр. 7

المنْظُومَة كما في تعريف حَدِّ "الحديث الضَّعيف"، بالإضافة إلى ذِكر بعض أنواع الحديث التي لم يذكرها النَّاظم ويحتاج إليها المبتدأ كمبحث "الحديث الحسن لغيره"، وما كان على شاكلته، ولم أستوعب جميع ما فات النَّاظم من الأنواع، لِعِلْمِى أنَّ ذلك لا يفيد الْمُبْتَدأ بل يَضُّرّه، فتركتها حتى لا يَمَلّ من ليس له دِرَاية؛ لأنَّ المقام ليس مقام بسط الأنواع، وإنما مقَام إعلام وشرح لينتفع به المبتدِئون، ومما سبق وبعد الوقوف على أشهر شروح المنْظُومَة، يُدْرك القارئ الواعي مدى إضافة هذا الشَّرح لطلبة العلم في هذا العصر إضافة ذات قيمة لا تقدر في هذا الباب، من حيث المنهج والأسلوب والتقسيمات والخرائط الذِّهنية، ولسوف يفيد منها المبتدئ سعةً، وعمقًا، وتَعلمًا - إن شاء الله تعالى-، ولا يستغني عنها المنتهي. خطة البحث: البحث ويشتمل على: - المقدمة وفيها: أهمية الدِّراسة، وأسباب اختيار الموضوع، والدِّرَاسَات السابقة، مشكلة الدِّرَاسَة، وخطة الدِّراسة، ومنهج الدِّراسة. - شرح المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة وقد شمل تعريف أقسام الحديث: - من حيث اعتبار القبول والرد. وفيه الحديث الصحيح، والحسن، والحسن لغيره، والضعيف، والتمثيل لكل نوع. - من حيث اعتبار من أُسْنِدَ إِليهِ. وفيه تعريف المرفوع، والموقوف، والمقطوع، والتمثيل لكل نوع. - من حيث اعتبار عدد طرق الحديث. وفيه تعريف المشهور، والعزيز، والغريب، والتمثيل لكل نوع.

стр. 8

- ثم ذكر أنواع الحديث الضعيف. وقد فُصِّل فيها أنواع الحديث الضعيف مثل المرسل، والمنقطع، والشاذ، والمعلل، والموضوع، وغير ذلك من الأنواع التي ذكرها النَّاظم. - الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتَّوصيات. - ثبت المصادر والمراجع - الفهارس العلمية: فهرس الآيات القُرْآنِية. فهرس الأَحَادِيثِ والآثَارِ المذكورة في الشَّواهد. فهرس الْمُصْطلحات الْحَدِيثِية الوَارِدة في الدِّراسة. فهرس الْمَوْضُوعَات منهج الدِّرَاسَة قد سَلكتُ في شرح هذه المنظومة المباركة سبيل من قال: "لا خَيرَ في حَشوِ الكَلامِ إِذا اهتَدَيتَ إِلى عُيونِه"؛ فجعلتُ الشَّرح بألخص عِبَارة، وأَيْسَر إشارة ليسهل تناوله، وبالإيجاز غير المخل، ولم أُطلْ النفس في التِّعريفات والمصطلحات مما لا طائل وراءه، فقسمت أنواع الحديث من حيث الاعتبارات إلى أقسام ثلاثة، ورسمت لها الخرائط الذهنية، ثم شرحت بالتَّحقيق كُلّ نوع من أنواع الحديث المذكورة في المنظومة، وبيان مراد النَّاظم منها، والتنبيه على ما يُشْكَل من المصطلحات كالمنقطع والمقطوع وغيرهما، وقد أفرغتُ جهدي في اختيار الأمثلة لتقع موقع البيان الشَّافي لمعنى حَد الحديث المذكور، وضربت الأمثلة لفروع تلك الأنواع، وأعقبت ذلك بتنبيهات في نهاية كل نوع، وفي كل هذا لم آل جهدًا في تيسير واختيار العبارات المناسبة في تعريف مصطلحات

стр. 9

الحديث، وبيان علاقات المصطلحات والمفردات بعضها ببعض؛ فإن خصائص كثير من الأشياء لا تظهر إلا بمعرفة العلاقات والفروق بينها. فجاء هذا الجزء اليسير مُلِمًّا بغالب أنواع الحديث وتحريرها بأُسْلُوبٍ سَهْلٍ قَرِيب مِن المبتدأ، وقد جمعتُ فيه أَخْبَارًا نَيرات مع الشَّرح والتعليق مُسْتَندا بما حرَّره العلماء الفُحول، وحبَّره أئمة الحديث، وأَذْعَنَ له جمهُورهم بالتلقي والقبول، ومَقَالات أَهْلِ العلم والبَاحِثِين في هذا الشأن ممَّا وقفتُ عليه، جَامِعًا لأَشْتَاتِ ما تَفَرَّق في الدَّواوين، سَائِلاً الله العظيم بفضلهِ ومَنِّهِ أَنْ يَجْعَله خَالصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيم، وأَنْ يَجْعَله مُفِيدًا دَومًا لطلاب عِلْمِ الحديث فِي مشارق الأرض ومغاربها، فإنَّهُ سُبْحَانه هو وَحْدَهُ القَادُرُ عَلَى ذَلِكَ، وهُو السَّميعُ العَلِيمُ. عملي في تحقيق نص المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة قد أوليتُ المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة عنايةً بالغةً بضبط نصها وتحقيقها على أفضل النسخ الخطية، فقابلتُ المتن على نسختين من نفائس النسخ الخطية عتيقةٍ ومتقنةٍ، وكذلك النسخ المطبوعة للشروح، ثم قمت بضبط أبيات المنْظُومَة ضبطًا جيدًا، وتصحيح التصحيف والسقط، وعلّقتُ على بعض المواطن التي تستوجب التعليق كي يزداد النفع، مما لا يخفى على من يراجع كتابنا هذا، وكانت نسخ متن المنْظُومَة التي اعتمدنها في هذا الشرح هي:

стр. 10

١ - مخطوطة متن المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة المحفوظة في بدار الكتب المصرية تحت رقم: (١٨٠) مصطلح الحديث، تاريخ النسخ: ١٢٣٢ هـ، اسم الناسخ: محمد حسن أبو بكر، عدد الأوراق: (٤ ق)، المقاس: (١٧ X ٢٤)، وهي نسخة قيمة وموثقة، ورمزتُ لها بالرمز (أ)، وهذا هو الوجه الأول منها: (صورة مخطوط)

стр. 11

٢ - مخطوطة متن المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة المحفوظة في بدار الكتب المصرية تحت رقم: (١٧٩) مصطلح الحديث، تاريخ النسخ: لم يعرف، اسم الناسخ: لم يعرف، عدد الأوراق: (٢ ق)، المقاس: (١٥ X ٢٠)، وهي نسخة واضحة الخط، ورمزتُ لها بالرمز (ب)، وهذا هو الوجه الأول منها. (صورة مخطوط)

стр. 12

ترجمة النَّاظم الْمُتأَمِّلُ الْمُنْصِفُ يجد أَنَّ البَيْقُونِي ﵀ على الرغم من أنَّه لم يكن مشهورًا بين النَّاس، ولا يُعْرَف له ترجمة عن حياته وشيوخه وتلاميذه ونحو ذلك - كما أفاد ذلك جمع من الشُّرَاح ممن هو قريب العهد بالنَّاظم (١) - ولا يُعْلَم له مؤلفات إلا هذه المنظومة، نَشَراللهُ عِلْمَهُ بين النَّاس واستفاد منه الكبير والصغير والقاصي والداني؛ فإنَّه بذلك أشبه السلف رضوان الله عليهم قَدَرًا؛ فإنَّ أَئِمَّةَ السَّلفِ رضوان الله عليهم كانوا أكثر علمًا وأقلّ كلامًا، وأكبر نفعًا، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "وانظر إلى أَكَابِر الصَّحابة وعُلَمَائِهِم كأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، ومُعَاذٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيدِ بنِ ثَابِتٍ ﵃ كيف كَانَ كلامهم أَقلّ من كَلامِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ وهُم أَعْلمُ منه، كذلك كلام التَّابعين أكثر من الصَّحابة والصَّحابة أعلم منهم؛ فليس العِلم بكثرة الرِّواية ولا بكثرةِ المقال؛ ولَكِنَّهُ نُور يقْذِفُه اللهُ في قَلْبِ العبد المؤمن فَيَفْهَم بهِ الْحَقَّ، ويُمَيِّز به بَيْنَهُ وبَيْنَ البَاطل، ويُعبر عَنْ ذَلك بِعِبَاراتٍ وَجِيزةٍ مُحَصلة للمقَاصِد" (٢). رَزَقَنَا اللهُ حُبَّهُم، وجَعَلنا من حِزبهم، ومَلأ قُلُوبَنَا من مَعَارِفِهم وعُلُومِهم. اسم النَّاظم: كما في مخطوطات المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة، عمر - أو طه - بن محمد بن فتوح البَيْقُونِي الدِّمَشْقِيّ، وأَنَّه توفي سنة ١٠٨٠ هجرية، أو كان حياً قبل ذلك

стр. 13

العام من غير أن يُعرف تاريخ وفاته على وجه التحديد. وأما النسبة "البَيْقُونِي"، فقد قال الشيخ بدر الدين الحسني (ت: ١٣٥٤ هـ) في آخر صفحة من شرحه المسمى بـ (الدرر البهية) ما نصه: " ... [البيقوني] توقَّف في هذه النسبة غالب من كتب هنا، ورأيت لبعضهم أنها إلى بيقون قرية في إقليم أذربيجان بقرب الأكراد". وأما "الدِّمَشْقِيّ"، فقد يكون أصله من أذربيجان لكنَّه هو أو آباؤه وأجداده ممن سكن دمشق فَنُسِبَ إليها.

стр. 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شَرحُ الْمَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّةِ ١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّيًا عَلَى ... مُحَمَّدٍ خَيْرِ نبيٍّ أُرْسِلا ٢ - وذِي من أقْسَامِ الحَدِيثِ عِدَّهْ ... وَكُلُّ واحدٍ أَتَى وحدَّه قَالَ النَّاظمُ ﵀: ... أَبدأُ مَنْظُومَتِى بِالْحَمْد لله تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالْكتابِ الْعَزِيز، مُصَلِّيًا أَي: أُصَلِّي فَهِيَ حَال للتَعْبِير عَلَى دَوَامِ الصَّلاة عليه ﷺ ، [وَمُسَّلمًا] عَلَى سيدنَا مُحَمَّد خير نَبِي أُرْسِلا أَي: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو خَير من أُرْسِلَ للخَلقِ، واستخدم النَّاظم في أُرْسِلا ألف الإطلاق للدَّلالة على أنَّه أفضل من أُرْسِل، وذِي اسم إشارة إلى الْمَنْظُومَةِ وما تَحويهِ مِنْ أَقْسامِ الحديث، وعبر النَّاظمُ بـ مِنْ للتبعيض لأنَّه لم يَذكُر مِنْ أنواع الحديث إلا اثنتين وثلاثين نَوعًا؛ في حين أن ابن الصَّلاح ذَكَرَ بضعة وستين نَوعًا، قَولُهُ: عِدَّه أي أَنَّ هذه الأنواع كثيرة جدًا، والتَّحقيق أَنَّ كُلَّ هذه الأنواع تدخل تحت ثلاثة أقسام الصَّحيح والحسن والضعيف، وَكُلُّ واحدٍ أَتَى وحدَّه: بِالدَّال الْمُشَدّدَة الْمَفْتُوحَة أي كُلّ نوع مِنْ هذه الأنواع يأتي في هذا النَّظم مع تعريفه الاصطلاحي الجامع المانع الذي يُمَيِّزُهُ عن غيره، وأصل التقسيم في مُصْطَلحِ الحديث يكون من ثلاث جهات: ١ - من حيث اعتبار القبول والرد. ٢ - من حيث اعتبار من أُسْنِدَ إِليهِ. ٣ - من حيث اعتبار عدد طرق الحديث.

стр. 15

وموضوع علم الحديث معرفة الرَّاوي (الإسناد)، والمروي (المتن) من حيث القبول والردّ، وإليك هذه الخريطة الذِّهنية لِغَالب أَقْسَام الحديث؛ حتى يكون عندك تصور إجمالي لها. خريطة ذهنية لأقسام الحديث الحدِيثُ الصَّحِيحُ: ثم بعد أبيات المقدمة فِي الْمَنْظُومَة بَدأَ النَّاظمُ ﵀ بأَوْلِ أَقْسَام عُلُومِ الحديث وهي من حيث اعتبار القبول والرد؛ فبدأ بالحديث الصَّحيح، وما يُمَيِّزُهُ عن غيره فقال: ٣ - أوَّلُها الصَّحِيحُ وَهْوَ مَا اتَّصل ... إسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يُعَلْ ٤ - يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِه ... مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِه أوَّلُها: أي أول أقسام الحديث، الصَّحِيحُ: في اللُّغةِ ضد المريض، وفي الاصطلاح عَرَّفه النَّاظمُ ﵀ بشروطه وأوصافه، وهَذَا نَوْعٌ مِن أَنْواعِ تعريف الحد الاصطلاحي، أَنْ يُذكر التَّعريف بِذِكر الشُّروط، ويكون التَّعريف بالمثال أحيانًا، وكذا قد يكون التَّعريف بالماهية أَحيانًا، قَولُهُ: وَهْوَ أي حَدُّ الحديث الصَّحِيح، مَا اتَّصل إسْنَادُهُ: أي الشرط الأول: الاتصال في السند، وتعريف الإسناد: هُوَ حكاية طَرِيق الْمَتْن، أي سلسلة الرَّواة الذين رَوُوا متن

стр. 16

الحديث، وأما الاتصال في السند يَعنِي: أَنْ يروي كُلُّ رجل في الإسناد عن شيخه الذي فوقه من غير واسطة بينهما من أول السند إلى منتهاه. خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار القبول والرد قَالَ النَّاظمُ: وَلَمْ يَشُذَّ، يَصِحُ أَنْ تقول: "يَشُذّ أو يَشِذّ"، أي الشرط الثاني: سَلامَةُ الحديثِ من الشُّذُوذ وهو عند أَهْلِ اللغة: الإنفراد، وقال بعضهم إنَّ الشُّذُوذ هو الْمُخَالَفة، والشُّذُوذ في الاصطلاح: هو ما رواه الثقة مُخَالفًا لمن هو أَوثَقُ منه، أو مُخَالفًا لجماعةٍ من الثِّقَات، قَوْلُهُ: أَوْ يُعَلْ أي الشرط الثالث: سَلامَةُ الحديثِ مِنَ العِلَّةِ وهي عند أَهْلِ اللغة: المرض، والعِلَّةُ في الاصطلاح: هي سَبَبٌ غَامِضٌ خَفيٌّ يَقْدحُ في صِحَّةِ الحديث، مع أنَّ الظاهر السَّلامة منه، وبين العِلَّةِ والشُّذُوذ عُمُوم وخُصُوص مُطلق، فَكُلّ شُذُوذ عِلَة، وليس كُلُّ عِلّة شُذُوذًا، وكُلٌّ مِنَ الشُّذُوذ والعِلَّة نَاتِج عن خطأ الرَّاوي في حديثه؛ ولكن قد خص بعض أهل الحديث - على المشهور- الشُّذُوذ بالخطأ الذي يُسْتَدل به على تفرد الرَّاوي، والعِلَّة بالخطأ الذي يُسْتَدل به على الاختلاف بين الرواة، ولا يُدْرِك العِلَّة إِلا خَواص الْمُحَدِّثين. قَوْلُه: يَرْوِيهِ عَدْلٌ: أي الشرط الرابع: أَنْ يكونَ رُواته عُدُولاً، والعَدَالةُ: حَدَّها العلماءُ بشروط: الْمُسلم الْمُكَلف السَّالِم من الْفسق وصغائر الخسة، وأكثر أحواله طاعة الله.

стр. 17

ضَابِطٌ: أي الشرط الخامس: أي يجب أَنْ يكون رواة الحديث ضابِطينَ، وهو نوعان: ١ - ضَبطُ صَدْر: وَهُوَ أَن يثبت مَا سَمعه بِحَيْثُ يتَمَكَّن من استحضاره مَتى شَاءَ. ٢ - ضَبطُ كِتَاب: وَهُوَ صيانته عِنْده من يَوْم سمع مَا فِيهِ وَصَححهُ إلى أَن يُؤَدِّي مِنْهُ. قَوْلُهُ: عَنْ مِثْلِه أي يجب أَنْ يكون كُلُّ راوٍ في الإسناد مُتَّصِفًا بالعدالة والضبط عَن مثله من أَول السَّنَد إلى مُنْتَهَاه، مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ: إشارة لضبط الصدر، وَنَقْلِه: إشارة لضبط الكتاب. فخلاصة ذلك أنَّ الحديث الصحيح هو: مَا اتصَل إِسْنَادُه بِرِوَايةِ عَدْلٍ تَام الضَّبط مِن غَير شُذُوذٍ وَلا عِلّةٍ قَادِحة، وهو قسمان عند أهل الحديث: صحيح لذاته وصحيح لغيره، ومثال الصحيح لذاته متوفر بكثرةٍ في الصحيحين، ومثاله: قَالَ البُخَاريُّ فِي أول حَدِيثٍ في جامعه: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ ... ابْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». الحدِيثُ الحسَنُ: ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى النَّوع الثَّاني من حيث اعتبار القبول والرد فقال: ٥ - والْحَسَنُ المعروفُ طُرْقاً وَغَدَتْ ... رِجَالُهُ لاَ كالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ

стр. 18

قَوْلُهُ: والْحَسَنُ أَي تَعْرِيف حَدّ الحديث الحسن هو: المعروفُ طُرْقاً: بِضَم فَسُكُون أي: أَنَّ الحديث الحسن هو الذي عُرِفَ مخرج طُرُقه يَعْنِي اتِّصَال سَنَده؛ لأنَّ مخارج الحديث تَدُور على رِجَالٍ معرفين (١)، مثل الزُّهريّ فِي الشَّامِيِّين، وقَتَادَة، ويَحْيَى بن أَبِي كَثِيرٍ فِي الْبَصرِيين، والأَعْمَش فِي أَهْلِ الكُوفَة، فَخَرج غير المعروف من الأحاديث الضعيفة مثل: الحديث الْمُنْقَطِع وهو الذي فيه سقط في إسناده، وتُومِئ لفظة: "المعروفُ طُرْقاً" كذلك للاحْتِرَازِ مِن الشُّذُوذ؛ لأَنَّ ما عُرِفَ مَخْرَجُه من الحديث لا يكون شاذًّا. وأمَّا قَولُ النَّاظِمِ ﵀: وَغَدَتْ رِجَالُهُ لاَ كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ: أي صَارَت رِجَال الحديث الحسن أَقلّ اشتهارًا عِنْد الْمُحدثين فِي الْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ والضَّبط مِن رُتبة رجال الصَّحِيح، فثبت بذلك التَّعريف للحديث الحسن عند النَّاظِمِ جميع شروط الصِّحة - مع قلة الضَّبط - إلا السَّلامة من العِلَّة، وعند التَّحقيق فِي كَلامِ أَهْل الحديث، والجَمْعِ بَيْنَ أَطْرَافِ كَلامِهِمْ نجد أنَّ الحديث الحسن عندهم قِسْمَان: ١ - الحسن لذاته: وحدُّه الْجَامِع المانع هُوَ مَا اتَّصل سَنَده بِنَقْل عَدْلٍ ضَابِطٍ قَلَّ ضَبطه قلَّة لا تلْحقهُ بِحَال بِمَن يُعد تَفَرُّده مُنْكرًا، وَسلم كذلك من الشُّذُوذ وَمن الْعِلَّةِ. قَالَ ابنُ الصَّلاح فِي المقدمة: "مِثَالُهُ: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلا أَنْ

стр. 19

أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» (١). فَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالصِّيَانَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ، حَتَّى ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ سُوءِ حِفْظِهِ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ لِصِدْقِهِ وَجَلالَتِهِ، فَحَدِيثُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ حَسَنٌ". (٢) ٢ - الحسن لغيره: وهَو مَا عَرَّفه التِّرْمِذِيُّ ﵀: "كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَلا يَكُونُ حَدِيثًا شَاذًّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْو ذَلِكَ فَهُو عِندَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ". (٣) وأَشَار ابنُ الصَّلاحِ إلى كَلام التِّرْمِذِيِّ السابق شَارِحًا له فَقَالَ: "أي الْحَدِيثُ الَّذِي لا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلا كَثِيرَ الْخَطَأِ فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَلا سَبَبٌ آخَرُ مُفَسِّقٌ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ مَعَ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِأَنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى اعْتَضَدَ بِمُتَابَعَةِ مَنْ تَابَعَ رَاوِيَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ بِمَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ، وَهُوَ وُرُودُ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا ". (٤)

стр. 20

ومثاله: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ... أَبُو يَحْيَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَقٌّ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالمَاءُ لَهُ طِيبٌ». وهذا حديثٌ ضَعِيفٌ؛ لِضَعفِ أبِي يَحْيَى التَّيْمِيّ، ولكن تابعه هُشَيْمٌ عند التِّرْمِذِيِّ أيضًا فَقَالَ: "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ ... أَبِي زِيَادٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. حَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ أَحْسَنُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ". (١) الحدِيثُ الضَّعِيفُ: ثم انتقل النَّاظمُ إلى النَّوع الثَّالث من حيث اعتبار القبول والرد فقال: ٦ - وكُلُّ مَا عَنْ رُتْبَةِ الْحُسنِ قَصُرْ ... فَهْوَ الضَّعِيفُ وَهْوَ أَقْسَامًا كُثُرْ قوله: وكُلُّ مَا عَنْ رُتْبَةِ الْحُسنِ قَصُرْ: أي كُلُّ حَدِيثٍ انحط عَن رتبة الحديث الحسن، فهو بذلك قد انحط عن رتبة الصحيح كذلك من باب أَوْلَى، فَهْوَ الضَّعِيفُ: أي فهو حَدُّ الحديث الضَّعيف، وفي اللغة هو: العَلِيل والسَّقِيم ضد الصَّحيح (٢)، وَهْوَ أَقْسَامًا كُثُرْ: أي أَنَّ أنواعه كثيرة حَسْبَ اختلال شروط الصحة في الحديث، فإذا انخرم شرط الاتصال مثلا نتج عَنْ ذلك عدة أنواع

стр. 21

منها: الْمُرْسل والْمُنْقَطِع والْمُعْضَل، والْمُدَلَّس وغَيْرها، وهكذا في بقية الشروط. وقصد النَّاظُم ﵀ عموم الحديث الْمَرُدود بجميع أنواعه. وعند التَّحقيق نجد أنَّ هذا الحد الذي عَرَّفه النَّاظُم ﵀ هُنَا ليس جَامِعًا مَانِعًا فقد يَدْخُل فِي هَذَا التَّعريف الحديث الحسن لغيره، وقد يدخل فيه الحديث الموضوع فإنَّه قد قَصُر عن رتبة الحسن أيضًا، والحديث الْمَوْضُوع مجزوم بأنه ليس من حديث رسول الله ﷺ ، ولكن الضَّعيف فيه احتمال أَنْ يكون من حديث رسول الله ﷺ ، وقد أَفْرَدَ النَّاظِمِ نَفْسَه للحديثِ الْمُوضُوعِ تعريفًا خاصًا فِي آخر الْمَنْظُومَةِ، والأَوْلَى أنَّ يَقُول: "وكُلُّ مَا عَنْ شَرْطِ القَبُولِ انخرم"، أي أنَّ كُلّ حَدِيثٍ لم تتوفر فيه أحد شُرُوط القبول المذكورة فِي حَدَّي الصَّحيح والحسن، كان هو الحديث الضَّعيف، وهذا حَدٌّ يُدْخِلُ جميع الأجناس تحت مُصْطَلحِ الضَّعيف، ويُخْرِج ما ليس منها. وخلاصة ذلك أنَّ تعريف الحديث الضعيف: هو ما لم يتوفر فيه أحد شُرُوط القبول المذكورة فِي حَدَّي الصَّحيح والحسن. ومِثَالُهُ: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ فِي السُّنَن، مِنْ طَريقِ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ». (١)، هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيف انتفى فيه شرط الاتصال؛ فهو منقطعٌ بين مَكْحُولٍ وأَبِى هُرَيْرَةَ ﵁؛ والسبب أَنَّ مَكْحُولا هَذَا وهُو أَبُو عَبْدِ الله الشَّامي لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ إلا ثلاثةٌ ليس منهم

стр. 22

أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وقد نَصَ عَلَى الثَّلاثةِ الإمامُ التِّرْمِذِيُّ فِي السُّنَن فَقَالَ: "وَمَكْحُولٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ، وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلا مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ وَمَكْحُولٌ شَامِيٌّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِاللَّهِ وَكَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ". (١) الحديثُ الْمَرْفُوعُ والْمَوقُوفُ والْمَقْطُوعُ: ثم تكلم النَّاظمُ عن القسم الثاني من أَقْسَام الحدِيثِ وهو باعتبار من أُسْنِدَ إِليهِ، أي إضافة الكلام إلى قائله والفعل إلى فاعله فَقَالَ: ٧ - وَمَا أُضيفَ لَلنَّبِي الْمَرْفُوعُ ... وَمَا لِتَابِعٍ هو الْمَقْطُوع قَوْلُه: وَمَا أُضيفَ لَلنَّبِي الْمَرْفُوعُ أي: كُلُّ ما أُضيفَ لَلنَّبِي ﷺ ، من قَولِهِ أو فعلِهِ أو إقرارِهِ أو صِفَةٍ من صِفَاتِهِ - خَلْقِيَّةً كانت أو خُلُقيَّةً؛ فهو حَدَّ الحديث المَرْفُوع، فهو لا ينسب لمن دون النَّبِي ﷺ ؛ بل ينتهي لرسول الله ﷺ ، وتَعْرِيف النَّاظِم حَدّ الحديث الْمَرْفُوعُ بإِطْلاقٍ يَعْنِي سواء رفعه الصَّحابِيُّ أو غيره فمثلا: إِذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل الصَّحابي، وإِذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: "قَالَ ... رَسُولُ اللهِ ﷺ "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل التَّابعي، وإِذَا قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل أتباع التَّابِعِين؛ وهكذا فالمقصود أَنَّه مجرد إضافة الحديث لرسول الله ﷺ يُعْتَبر مَرْفُوعًا، وعلى هذا التَّعريف غَالِب أَهْل الْحَدِيثِ، وبهذا خَرَجَ الْمَوْقُوف والْمَقْطُوع، وكُلّ هَذِهِ مِن حَيثُ اعتبار من أسنده.

стр. 23

خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار من أُسند إليه مثال الْمَرفُوع القَولِي: حَدِيثُ الاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ: فعَن عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى ﷺ : «لاَ حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». (١) ومثال الْمَرفُوع الفِعْلِيّ: حَدِيثُ صِفة سجود النَّبِيّ ﷺ : فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵃، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ». (٢) مثال الْمَرفُوع إقرارًا: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ». (٣)

стр. 24

وحَدِيثُ إقرار النَّبِيَّ ﷺ للنِّسَاءِ عَلَى صَلاة الفَجْر فِي الْمَسْجدِ، وفيه: أَنَّ عَائِشَةَ ﵃، قَالَتْ: لَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ». (١) مثال الْمَرفُوع فيه صِفَة خَلْقِيَّةٌ لَلنَّبِي ﷺ : عَنِ الجُعَيْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ ﵁ (٢)، يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، «فَمَسَحَ رَاسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ». (٣) مثال الْمَرفُوع فيه صِفَة خُلُقيَّةٌ لَلنَّبِي ﷺ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (٤) ونَحْسَبُ أَنَّهُ من الواجب إضافة أَنَّ الرَّفْعَ قد يَكُون صَرِيحًا وقد يَكُون حُكْمًا ومثال ذلك: المرفوع الصَّرِيح: كَقَوْل الصَّحَابِيّ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كَذَا، أَوكَقَوْلِه أَي الصَّحَابِيّ أَو قَول غَيره قَالَ رَسُول الله ﷺ ، أَو عَن رَسُول

стр. 25

الله ﷺ . وَفِي الْفعْلِيّ كَقَوْل الصَّحَابِيّ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل كَذَا، أَو عَن رَسُول الله ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا. (١) المرفوع الْحُكْمِيّ: كإخبار الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يُحَدِّثْ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَا لا مجَال للاجْتِهَاد فِيهِ عَن الأَحْوَال الْمَاضِيَة كأخبار الأَنْبِيَاء، أَو الآتِيَة كالملاحم والفتن وأهوال يَوْم الْقِيَامَة، أَو عَن تَرَتُّبِ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ، أَو عِقَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى فعلٍ؛ فَإِنَّهُ لا سَبِيل إِلَيْهِ إِلا السَّماع مِنَ النَّبِي ﷺ ، أَو يخبر الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فِي زمَان النَّبِي ﷺ . (٢) وجديرٌ بِنَا فِي هذا الموضع أَنْ نَذْكُر الحديث الْمَوقُوف وإن أخَّرَه النَّاظمُ؛ فإنَّ الأشياء تَشْرُف بما تتعلق به والحديث الْمَوقُوف متعلق بالصَّحابة وهم بلا خِلاف أفضل الأمَّة على الإطلاق، فَحَدُّ الحديث الْمَوقُوف هو: مَا أُضِيف إلى الصَّحابِي من قَولِهِ أو من فِعْلِهِ ولم يكن له حُكم الرَّفع، سَوَاء اتَّصَلَ إسْنَاده إليه أم انْقَطع. والصَّحابِي: هو كُلُّ مَنْ لَقِي النَّبِي ﷺ مؤمنًا وَقْتَ لِقَائهِ به ومَاتَ عَلَى ذَلِكَ. فَمَنْ سَمِعَ من النَّبِيِّ ﷺ حَالَ كُفْرِهِ ثم أَسْلَم بعد وفَاتِهِ ﷺ فليس صَحَابِيًا. (٣) مثال الْمَوقُوف القَوْلِي: كَقَولِ عَوْفِ بْنِ مَالكٍ الأَشْجَعِىّ ﵁: "فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ". (٤)

стр. 26

مثال الْمَوقُوف الفِعْلِيّ: كإِنْكَار كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الأَنْصَارِيّ ﵁ عَلَى مَنْ خَطَبَ قَاعِدًا. وبُكَاءُ عَمْرو بْن الْعَاصِ، فعَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ. (١) وأما قَوْلُ النَّاظمِ: وَمَا لِتَابِعٍ هو الْمَقْطُوع: أي أَنَّ حَدَّ الحديث الْمَقْطُوع هو كُلُّ مَا أُضِيفَ إِلَى التَّابِعِي أو من دونه سواء كان قولاً أو فعلاً فَهُو الْمَقْطُوع (٢)، والتَّابِعِيّ هُوَ مَنْ رَأَى الصَّحَابِي وَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وبهذا الحدّ خَرَجَ الْمَرْفُوع والْمَوقُوف. (٣) مثال الْمَقْطُوع القَوْلِي: أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي قَالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كذا وكذا، وكَقَولِ الزُّهْرِيّ: " ثمَّ كَانَ الأَمر عَلَى ذَلِك فِي خلافَة أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَر". وقَول يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: "لا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجَسَدِ"، المقصود أنَّ السَّنَد انتهى عند التَّابعي، وأضيف الكلام له وليس لغيره. مثال الْمَقْطُوع الفِعْلِيّ: أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي فِي مَسَائلٍ تخص العبادات مثلاً: كان قَتَادَة يفعل كذا وكذا، أوكَانَ الْحَسَنُ البَصْرِيّ يفعل فِي الصَّلاةِ كذا وكذا، كُلّ هذه الأمثلة للحَدِيثِ الْمَقْطُوعِ؛ لأنَّ هؤلاء المذكورين من جملة التَّابعين.

стр. 27

فَائِدةٌ عَزِيزةٌ: إقرار الصَّحابي لا يَدُلُّ على الموافقة إلا بحجة تثبت ذلك، كَدَلالَةِ السِّياقِ عَلَى ذلك وغَيره؛ لأنَّ السُّكُوت قد يكون لخوف أو غير مناسبة المقام وغيرها من الأسبابِ، ويجب أَنْ نلفت الانتباه إلى أنَّ الحديث المقطوع من صفات المتون، على خلاف المنقطع فإنَّه من صفات السَّند في الأحاديث النَّبوية. ومما ينبغي معرفته في هذا المقام أنَّ وصف الحديث بالْمَرْفُوعِ أو بالْمَوْقُوفِ أو بالْمَقْطُوعِ لا يَدُلُّ ذلك عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ أو ضَعِيفٌ، فقد يكونُ مَرفُوعًا صَحِيحًا عند استكمال شروط الصِّحة، ويكونُ مَرفُوعًا ضَعِيفًا عند اختلال الشُّروط وهكذا الْمَوْقُوف والْمَقْطُوع. الحديثُ الْمُسْنَدُ: ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر مِن أَنْواعِ الحديث فقال: ٨ - والْمُسنَدُ الْمُتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاوِيهِ حَتَّى المُصْطَفَى وَلَمْ يَبِنْ قَوْلُ النَّاظمِ: والْمُسْنَدُ: في اللغةِ: اسم مَفْعُول من أسْنَدَ إلى الشيء وهو الْمُعْتَمَد، وفِي الاصطلاح: أنَّ حَدَّ الحديث الْمُسْنَد هو: الْمُتَّصِلُ الإسنادِ: أي يجب أن يكون فيه شرط الاتصال، مِنْ رَاوِيهِ حَتَّى الْمُصْطَفَى: أي ينتهي إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَعْنِي يُشْتَرط أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وَلَمْ يَبِنْ: من بَانَ يَبِينُ أي انقطع، وهو تَاكِيد شرط الاتصال. خلاصة ذلك: أنَّ حَدَّ الحديث الْمُسْنَد هو: "مَا اجْتَمَعَتْ فيه صِفَتا اتصال السَّنَدِ (في الظَّاهِر)، والرَّفع إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَعًا".

стр. 28

ومثاله: ما أَخْرَجَه البُخَاريُّ فِي صحيحه، فقال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ». (١) وكما ترى فِي هَذَا الحدِيثِ يَجْتَمِعُ فيه صِفَتا الاتصال والرَّفع مَعًا حَتَى يُطْلَق عَلَيه حَدِيثًا مُسْنَدًا؛ فإذا اختل أَحَد الشَّرطين مثل: انقطاع السَّند أو كَانَ الحدِيثُ مَوقُوفًا أو مَقْطُوعًا فلا يُسَمَّى مُسْنَدًا، حَتَى يَكُون مُتَّصِلاً مَرفُوعًا، وقد يَكُون صَحِيحًا أَو ضَعِيفًا تبعًا للسَّندِ. الحديثُ الْمُتَّصِلُ: لَمَّا قَيَّدَ النَّاظِمُ ﵀ الْمُسْنَدَ بالْمُتَّصِلِ؛ ناسب أَنْ يُتْبعَ ذَلكَ حَدَّ الْمُتَّصِل فقال: ٩ - وَمَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِل ... إسْنَادُهُ لِلْمُصْطَفَى فَالْمُتَّصِل قَولُهُ: وَمَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ: أي أنَّ الحديث الذي يأتي بسماع كُلِّ رَاوٍ من رُوَاتِه ممن فَوقَه فِي الإسْنَادِ، يَتَّصِل إسْنَادُهُ لِلْمُصْطَفَى: إلى أَنْ ينتهي السَّماع إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَالْمُتَّصِل: أي هو حَدّ الْمُتَّصِل، فَدَخَل الْمَرْفُوع: "كَمَالَك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ "، وَالْمَوْقُوف كَمَالَك عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵁، وَخرج بِقَيْد الاتِّصَال كُلُّ حَدِيثٍ انقطع إسْنَادُه، وخلاصة ذلك: "كُلُّ مُسْنَدٍ مُتَّصِلٌ (وَلَوْ ظَاهِرًا)، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَّصِلٍ مُسْنَدًا فبينهما عُمُومٌ وخُصُوصٌ فَالْمُسْنَدُ يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ؛ لأَنَّ الْمُتَّصِلَ قَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا أو مَقْطُوعًا، والْمُسْنَدُ لابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا مَعَ الإِتِّصَالِ ".

стр. 29

الحديثُ الْمُسَلْسَلُ: ثم تكلم النَّاظمُ عَن مَبْحَثٍ آخَر مِن أَنْواعِ الحديث وَهُوَ مِن مَبَاحِثِ الإِسْنَادِ، فقال: ١٠ - مُسَلْسَلٌ قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى ... مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أنْبأنِي الْفَتَى ١١ - كذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قَائما ... أَوْ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا قَولُهُ: مُسَلْسَلٌ: اسْمُ مَفْعُول مِن سَلْسَلَ يُسَلْسِل (١)، وَهُوَ لُغَة التَّتَابُع والتَّشَابُه، وفِي الاصطلاح قِسْمَانِ: القسم الأول: حَدِيث اتّفقت رِجَاله على وصف الرُّوَاة كَمَا أَشَارَ النَّاظمُ فِي قَولِهِ: قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى: أي إذا أتى الحديث بتكرير كُلّ راوٍ لِصِفَةٍ مُعَينَةٍ في جميع طَبَقَاتِ السَّندِ، والصَّفةُ قَدْ تَكُون قَولِية أَوْ فِعْلِيَّة. فأما القولية: مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أنْبأنِي الْفَتَى: أَمَا بِمَعْنَى أَلا الاسْتِفْتَاحِيَّة، ثم ضرب النَّاظِمُ مثلاً للحديث الْمُسَلْسَل بقوله هذا: "أَمَا وَاللهِ أنْبأنِي الْفَتَى"، بِمَعنَى أنَّ الرَّواي للحديث يَقُولُ عَند التَّحْدِيث بهذه الجملة وهَكَذَا يَقُول الأخر مثل ذَلِك حتى يكون هَذَا التَّكْرَار فِي جميع طَبَقاتِ السَّنَد. ومِثَاله: مَا أَخْرَجَه النَّسائي فِي سننه فقال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَيْوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ»، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَلا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ

стр. 30

وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» ". (١)، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، «إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ»، وَمُعَاذ قَالَهَا للصُّنَابَحي، والصُّنَابَحي قَالَهَا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، وبهذا القَول صَار الحديثُ مُسَلْسَلاً بلفظة: "إِنِّي لأُحِبُّكَ". ثم قَالَ النَّاظِمُ كذَاكَ: أي وأَمَّا الصِّفةُ الفِعْلِيَّة فمثل: قَدْ حَدَّثَنِيهِ قَائما: أي يذكر الرَّاوي أَنَّ شَيْخَهُ فِي هذا الحديث حَدَّثَهُ وهو قائم ثمَّ يفعل الرَّاوي الآخر مثل ذَلِك، ثم ضرب النَّاظم مِثَالاً آخر فقال: أَوْ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا، فَإِنَّ كُلاً مِن الْقِيامِ والتَّبَسُمِ وَصْف فِعْلِي. وَالْقسم الثَّانِي: مَا اتّفقت رِجَاله على وصف للتَّحَمُّلِ كَسَمِعْتُ فُلانًا، أَو عَلَى أمْر مُتَعَلق بِزَمن الرِّوَايَة أَو مَكَانهَا أَو نَحْو ذَلِك. فَائِدةٌ مُهِمَةٌ: الحديثُ الْمُسَلْسَلُ لا يفيد الاتصال إلا إذا كَانَ وَصْف التَّحَمل بالسَّمَاعِ، ومِن فَوَائدِ الْمُسَلْسَلِ اشتماله على مزِيد الضَّبْط من الروَاة، وأفضل مُسَلْسَل مَا دَلّ على اتِّصَال السماع وَعدم التَّدْلِيس، وغالب الأحاديث الْمُسَلْسَلة ضعيفة ولم يثبت منها إلا القَلِيلُ، وقَالَ الْحَافِظ ابن حجر: أصح مُسَلْسَل يُرْوَى فِي الدُّنْيَا الْمُسَلْسَل بِقِرَاءَة سُورَة الصَّفّ، وقد يكون المتن صَحِيحًا والسِّلْسِلَة ضعيفة، فهناك أحاديث مُسَلْسَلة فِي مسلم لَكِنَّ مُسْلِمًا لم يذكر أَنَّه مُسَلْسَل كحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ... ». (٢)، وفي غَير مُسْلِم جَعَلُوه من الأحاديث الْمُسَلْسَلة.

стр. 31

الحديثُ العَزِيزُ والْمَشْهُورُ والغَرِيبُ: ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر مِن حيث اعتبار عدد طُرُق الحديث، ولم يذكر النَّاظم ﵀ الحديث الْمُتَوَاتِر؛ لأنَّه ليس مما يُفَتَّش عليه من جهة القَبُولِ أو الرَّد؛ وإنَّمَا هو مَقْبُولٌ باتفاق أَهْل الحديث؛ ولِكَوْنِهِ ليس مِنْ مَبَاحِثِ صِنَاعَتِهِم، وحَدُّ الحديث الْمُتَوَاتِر هو: مَا بَلَغت رُوَاتُهُ فِي الْكَثْرَة مَبْلَغًا أَحَالت الْعَادة تَواطُؤُهُم عَلَى الْكَذِبِ من أَوّلِ السَّندِ إلى آخره، والمتواتر قسمان: لَفْظِيّ ومَعْنَويّ. قَالَ النَّاظِمُ ﵀: ١٢ - عَزِيزُ مَرْوِي اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَهْ ... مَشْهُورُ مَرْوِي فوْقَ مَا ثَلاثهْ خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار عدد الطرق قَوْلُهُ: عَزِيزُ: أَصْلُها بالتنوين "عَزِيزٌ" مِنْ عَزّ يَعِزُّ، وفي اللغة عَزِيزٌ: فَعِيلٌ، تَقُولُ عَزّ الرَّجل إذا قُوِّي سمي بذلك لكَونه تَقَوَّى بمجيئه من طَرِيقٍ أُخْرَى، أَو بِكَسْر الْعين بِمَعْنَى قَلَّ لِقلَّةِ وجُودِهِ فِي مَرْويَّات الحديث، قَوْلُهُ: مَرْوِي (١) اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَهْ: أي أَنَّ حَدَّ الحديث العَزِيز هُوَ ما يَرْوِيهِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَة وَلَو مِن طَبقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن طَبَقَاتِهِ، وهَذا التَّعريف هُوَ ما ذَهَبَ إليه الحافظُ أَبُو عَمْرو ابن

стр. 32

الصَّلاحِ وَتَبِعَه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِم ﵀ (١)، ومثاله: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٢)، فإنَّك تجد فِي هذا الحديث أَنَّه قد رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَحَابِيَّان هما: أَنَسُ بنُ مَالكٍ ﵁، وأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁. وَرَاهُ تَابِعِيان عَنْ أَنَسِ بنِ مَالكٍ هما: قَتَادَة، وعَبْدِالعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ. كذا فِي صَحِيحِ البُخَاريّ. وكَذَلَك رَوَاهُ فِي طَبَقةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين عَنْ قَتَادَةَ اثنان هما: شُعْبَةُ، وَسَعِيدُ بْن أَبِي عُرُوبَةَ. وأَيضًا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ اثنان هما: إسْمَاعِيلُ بْنُ عُليّةَ، وَعَبْد الوَارِث. ولا يُشْتَرط أن يكون ذلك فِي جميع طَبَقَاتِ السَّند حَتَى يكون عَزِيزًا؛ وإنمَّا إذا رَوَاهُ اثْنَان أَوْ ثَلاثَةٌ وَلَو مِن طَبقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن طَبَقَاتِهِ. وأَمَّا قَولُ النَّاظمِ: مَشْهُورُ: فبإسقاط التَّنْوِين اسْمُ مَفْعُول، واشْتَهَر بِكَذَا: عُرِفَ بِهِ، قَوْلُهُ: مَرْوِيّ فَوقَ مَا ثَلاثَة مَا زَائِدَة، يَعْنِي أنَّ الحدِيثَ الْمَشْهُور هو مَا رَوَاهُ أَكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ فِي الطَبَقَةِ الوَاحِدة، وَلم يَصِلْ إِلِى حَدِّ التَّوَاتُر، وهي الشُّهْرة الاصطلاحيَّة. وقد سماه بعض المحدثين الْمُستَفِض (٣) من كثرة طرقه، وَمِثَاله: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ

стр. 33

عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». (١)، وأما الشُّهْرة غَير الاصطلاحيَّة: وهي أَنْ يُشْتَهَر الحدَيثُ بَيْنَ عُمُومِ النَّاس، أو بين جماعةٍ مُعَينَة منهم لهم اخْتِصَاص بِعِلمٍ مخصوص كالْمُفَسِّرِين والْمُحَدِّثِين والفُقَهَاءِ والأُصُولِيّين وأَهْلِ اللغة وغَيْرِهِم، ومثال ذلك: شُهْرَة حديث: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاك الناَّسُ وَأَفْتَوْكَ" (٢) عند عامة النَّاس، واشْتَهر عند الفقهاء: "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ" (٣)، تنبيه: يجب معرفة أنَّ الحدِيثَ الْمَشْهور الاصْطِلاحِيّ، وغَير الاصْطِلاحِيّ لا يُفِيدُ الصِّحَّة، أَو الْحسن، أَو الضعْف. وأَمَّا الْحَدِيثُ الغَرِيبُ فحدُّه عند النَّاظمِ هو: مَا رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِد فَقْط مُتَفَرِدًا بِهِ لم يُتَابِعُه عَلَيهِ أَحَدٌ، أَي تفرد فِي الْمَتْن أَو الإسناد بِأَمْرٍ لا يذكرهُ غَيره مِنَ الرُّواةِ، ومثاله: حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، حَدِيثٌ غَرِيبٌ فِي طَبَقَتَيْ الصَّحابة والتَّابعين، قال الحافظ في الفتح: "لِكَوْنِهِ فَرْدًا؛ لأَنَّهُ لا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ إِلا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، وَلا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا

стр. 34

اشْتُهِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَتَفَرَّدَ بِهِ مَنْ فَوْقَهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار". (١) تنبيه هام: اعلَمْ رَحِمَكَ الله أنَّ الحديث العَزِيز أو الْمَشْهُور أو الغَرِيب لا يُفِيدُ الصِّحَّة أو الضَّعف؛ ولكن هي أنواع تُدْرَس من بَابِ مَعْرِفَة عَدَد الطُّرق والمتابعات، ولِتَمْييز الحديث الغَرِيب؛ فإنَّ ذلك يُفِيد فِي بَعْضِ مَبَاحث عُلُوم الحديث. وأَمَّا تقسيم الأخبار إلى الْمُتَوَاتِر والْمَشْهُور والآحاد؛ فهي لِتَسْهِيلِ دراسة هذه الأنواع، ولا يَنْبَنِي عَلَيهِ شيء من التَّأصِيل والاستنباط؛ فكُلُّ مَنْ استخدمه للاستنباط عَلَى أنَّ صفات الله تثبت بالْمُتَوَاتِر ولا تثبت بالآحاد فَهَذَا باطلٌ؛ فإنَّ الله قَدْ أقام الْحُجَّة والْمَحَجَّة بما صَحَّ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. الحدِيثُ الْمُعَنْعَنْ: ثم أَشَارَ النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر دقيق من علوم الحديث فَقَالَ: ١٣ - مَعَنْعَنٌ كَعَن سَعِيدٍ عَنْ كَرَمْ ................... مُعَنْعَن بِفَتْح الْعَيْنَيْنِ وهُوَ الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ بِلَفْظ: "عَنْ" مِن غَير بَيَانٍ لطريقةِ التَّحديث كَحَدَّّثَنَا أَو أَخْبَرنَا، وَاكْتفى النَّاظِم فِي تَعْرِيفه بالمثال فَقَالَ: مَعَنْعَنٌ كَعَن سَعِيدٍ عَنْ كَرَمْ وهَذَا نَوعٌ مِن أَنْواعِ الْحُدُودِ وَهُوَ بَيَان الْحَدّ بالمثالِ الذي ذكره النَّاظم، وهُوَ نَوعٌ مَعْرُوفٌ يُكْثِر مِنْهُ أَهْلُ العِلم فِي الْمَنْظُومَاتِ، وحَقِيقَة الإشارة فِي قول النَّاظم إلى الخلاف فِي مَسأَلةِ ثبوت الاتِّصَال لِمَن استخدم لفظة: "عَنْ" مِنَ الرُّواة فِي أَدَاءِ الْحَدِيثِ عَنْ غَيْرِهِ، والاحتراز من

стр. 35

التَّدْلِيس، والْمَشْهُور أنَّ مذهب الإمام البُخَاريّ ومن أَيَّدهُ أنَّ الاتِّصَال لا يثبت إلا بِشَرْطَيْنِ: ١ - السَلامَة من التَّدْلِيس ٢ - ثبوت اللِّقَاء للرَّاوي بشيخه. ومَذْهب الإمام مُسْلم وِمَنْ وَافَقَهُ أنَّ الاتِّصَال يثبت بِشَرْطَيْنِ: ١ - السَلامَة من التَّدْلِيس. ٢ - الْمُعَاصَرة مع إمكان اللُّقِيّ للرَّاوي بشيخه، مع عدم وجود ما يدل عَلَى انتفاء السَّماع منه. ومِثَالُ الحديث الْمُعَنْعَنْ الذي لا يَقْبَله النّقاد: ما يرويه ابْنُ جُرَيجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّ ابْنَ جُرَيجٍ مَشْهُورٌ بالتَّدْلِيس، ولا يَصِحّ مِن رِوَايتِهِ إلا مَا صرّح بالسَّمَاعِ، بِأَنْ يَقُولَ: "حَدَّثَنَا" أو "سَمِعْتُ". عَلَى الرَّغمِ مِنْ أنَّ الزُّهْرِيَّ شَيْخُ ابْن جُرَيجٍ وَعُرِفَ بالسَّماعِ مِنْهُ. الحدِيثُ الْمُبْهَمُ: وبعدها أَشَارَ النَّاظمُ ﵀ إلى نوعٍ آخَر مِن أَنْواعِ الحديثِ الضَّعِيف فَقَالَ: .................... وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمْ قَوْلُ النَّاظم: وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمْ: أي أنَّ حَدَّ الحديث الْمُبْهَمُ هُوَ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَم أَي لَمْ يُذْكَر اسمه صَرَاحةً؛ وإنمَّا أُبهم سَوَاء كَانَ ذلك فِي الإسْنَادِ أو الْمَتْنِ، ومثاله: ١ - في السَّندِ: مَا أخرجه أبو داود في السنن فقال: "حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ» (١)؛ فإنَّك ترى فِي إِسْنَادِ هَذِهِ الرِّواية رَاوٍ لم يُذكر اسمه صَرَاحةً فيُعْتَبر ذلك عيب؛ ويُحْكَم بالضَّعف عَلَى الحدِيثِ بسبب الإبهام.

стр. 36

٢ - في الْمَتْنِ: مَا أخرجه البُخَارِيُّ فقال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ». (١)، وإبهام الاسم في الْمَتْنِ لا يضر ولا تأثير لَه فِي تَصْحِيحِ الحدِيثِ أوَتَضعِيفِهِ. الحدِيثُ العَالِي والنَّازِلُ: ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر لا يفيد الصِّحة أو الضَّعف فَقَالَ: ١٤ - وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ عَلاَ ... وَضِدُّهُ ذاك الذي قد نَزَلا قوله: وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ أي: كل حَدِيثٍ قَلَّتْ فيه عدد الوسائط بين الرَّاوي وبين رَسُول الله ﷺ عَلاَ أي: هو حَدّ الحديث العَالِي، والعُلُوّ إما أَنْ يكون مُطلَق أو نِسْبِي وصورة العُلُوّ الْمُطْلَق هو الْقرب من رَسُول الله ﷺ بِقِلِّةِ عدد الرِّجال، ومثاله: أنَّ البُخَاريّ تقدم عَلَى أَقْرَانه باثنين وعشرين حديثًا كُلّهَا ثُلاثِيَات - يَعْنِي ثَلاثَةَ رِجَالٍ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُول الله ﷺ ، أوصله لهذا العُلُوّ خمَسةُ شُيوخٍ هم: المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وأَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، وعِصَامُ بْنُ خَالِدٍ، وخَلادُ بْنُ يَحْيَى. في حين أنَّ أَقْرانه لم يظفروا إلا بحديثٍ أو حَدِيثين ثُلاثِيَّات بينهم وبين رَسُول الله ﷺ . وأَمَّا العُلُوّ النِّسبِي فله صور عدة منها: ١ - الْقُرب من إِمَامٍ من أَئِمَّة الحَدِيث ذِي صِفةٍ عَاليةٍ كالإمامِ مَالك أوِ الشَّافِعِيّ. ٢ - الْقُرب من مصنف كتاب من كُتب الحَدِيث الْمُعْتَبرَة.

стр. 37

٣ - العُلُوّ بتقدم السَّماع من الشيخ، فمن سمع قديِمًا كان أعلى. وقول النَّاظم: وَضِدُّهُ ذاك الذي قد نَزَلا، ضِدُّهُ أَي: مَا قَلَّ عدد رِجَاله فِي السَّنَد، ذلك الَّذِي قد نزلا، بِأَلف الإطلاق أَي: هُوَ الْمُراد عِنْدهم بالنَّازِلِ لبُعده عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وهُوَ فِي مُقَابِلِ العَالِي فَإِنَّ كُلَّ قِسْمٍ من الْعُلُوّ يُقَابله قِسْمٌ مِنْ أَقسَامِ النَّازِلِ، أي فَمَا مِنْ إسْنَادٍ عَالٍ إلا ويُقَابله إسْنَادٌ نَازِل، والإسناد العالي لا يفيد الصِّحة أو الضَّعف؛ وإنَّمَا العُلُوّ لشرف القرب من رَسُول الله ﷺ ، وقَالَ الإمامُ أَحْمَد: "طَلَبُ السَّنَد العَالِي سُنّةً عَمَّن سَلَف". مثال الحديث العالي مقابل النَّازل: السَّند العالي: أخرجه البُخَارِيُّ فِي صحيحه فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ». (١) السَّند النَّازل: أَخْرجَ مُسْلِمٌ الحديث نَفسه فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ... الحديث (٢)، الْمُتأملُ في الإسنادِ يجد

стр. 38

أنَّ بين البُخَارِيِّ وَبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ ثَلاثَة رجالٍ؛ في حين أنَّ مُسْلِمًا بَيْنَه وَبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ ، خَمْسَة رجالٍ. الحدِيثُ الْمَوقُوفُ: قال النَّاظمُ ﵀: ١٥ - وَمَا أَضَفْتَهُ إِلَى الأَصْحَابِ مِنْ ... قَوْلٍ وفعل فهو مَوْقُوفٌ زُكِنْ الْمَعْنَى: وَمَا أُضِيفَ إلِى الصَّحابِي من قَولِهِ أو من فِعْلِهِ ولم يكن له حُكُم الرَّفع، سَوَاء اتَّصَلَ إسْنَاده إليه أَو انْقَطع، فهو مَوْقُوفٌ زُكِنْ: أي فهو حَدُّ الحديث الْمَوقُوف زُكِنْ: أَي عُلِمَ عِنْدهم، وقد يُسْتَعْمل ما يُضَاف إِلَى تَابِعِيّ مَوْقُوفًا بشرط أَنْ يكون مُقَيّدًا فَيُقَال مَوْقُوفٌ على سعيد بن الْمسيب، أو مَوْقُوفٌ عَلَى الْحَسنِ البَصِريّ، وقد سبق أَنْ تَكَلَّمنَا عن الحديثِ الْمَوقُوفِ فِي مَوضعِ كَلامِ النَّاظم عَلَى الْمَرفُوع والْمَقْطُوع، وقد ضربتُ الأمثلة وبينتُ أقسامه، فلا دَاعِي للإعادةِ هُنَا. الحدِيثُ الْمُرسَلُ: ثم تناول النَّاظمُ ﵀ مَبْحَثًا آخَرًا مِن أَنْواعِ الحديثِ الضَّعِيف فَقَالَ: ١٦ - وَمُرْسلٌ مِنْهُ الصِّحَابِيُّ سَقَطْ ................... قَولُهُ: وَمُرْسلٌ فِي اللغةِ: هو مَاخُوذ من الإرسال وَهُوَ الإطلاق وضِدّه التَّقْيد، مِنْهُ الصِّحَابِيُّ سَقَطْ: أي أنَّ حَدَّ الحدِيث الْمُرسَل هو مَا سَقَطَ مِن إسْنَادِهِ الصِّحَابِيّ، كذا قَالَ النَّاظمُ ﵀، وهذا الحدّ ليس جَامِعًا مَانعًا؛ لأنَّه إذا سَقَط الصَّحَابِيُّ فَلا تَضُّر جَهَالة الصَّحَابِيّ فإنَّ الصَّحَابةَ كُلُّهُم عُدُولٌ، والحديثُ الْمُرْسَلُ ضَعِيف عند أَهْلِ الحدِيثِ؛ وإنِّما المقصود عندهم هو سُقُوط أحد التَّابعين مِن الإسْنادِ وجَهَالة التَّابعيّ تَضُّر الحديث؛ لذا فالحدُّ الصَّحِيحُ للحدِيثِ الْمُرْسَلِ:

стр. 39

كُلُّ مَا رَفَعَهُ التَّابِعيُّ سَوَاء كَانَ التَّابِعِيّ كَبِيرًا، أَو صَغِيرًا (١)، بغض النَّظر عن أعداد السَّاقِطين من السند بين التَّابعيّ والنّبِيِّ ﷺ وأحوالهم. (٢) ومثاله: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ فِي المراسيل فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقُرَشِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا شَرِبْتُمْ فَاشْرَبُوا مَصًّا، وَإِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا». (٣)، ومن أراد التَّوسع فِي مَعْرِفةِ الْمَرَاسِيل فَليَرجِع لِكُتب المراسيل مثل: مراسيل ابن أَبِي حَاتم، وكذلك مراسيل الإمام أَبِي دَاوُدَ، ومِنْ مَظَآن الْمَرَاسِيل أَيضًا الْمَسَانِيدِ والسُّنَن. تَنْبِيهٌ: الفَرْقُ بين الحديثِ الْمُرْسَلِ والحديثِ الْمَقْطُوع: أنَّ الحديث الْمُرْسَل هو مَا رَفَعَهُ التَّابِعيُّ إلى النّبِيِّ ﷺ مما سمعه من غير النّبِيِّ ﷺ ، والْمَقْطُوع هو مَا أُضِيفَ إلِى التَّابعيّ أو من دُونَه من قَولِهِ أو فِعْلِهِ. الحدِيثُ الغَرِيبُ: ثم قال النَّاظمُ ﵀: .............. وَقُلْ غَرِيبٌ مَا رَوَى رَاوٍ فَقَطْ

стр. 40

سبق وأَنْ شَرَحْتُ الحديث الغَرِيب فِي بَابِ الحديث العَزِيزِ والحديث المشهور، لِمشابهة هذا النوع للعزيز والمشهور؛ ولاشتراكهم في حَيْثِيةِ عدد الطُّرق، فلا دَاعِي للتكرار هُنَا. الحدِيثُ الْمُنْقَطِعُ: ثم تكلم النَّاظمُ ﵀ عَنْ مَبْحَثٍ آخَرَ مِن أَنْواعِ الحديثِ الضَّعِيف فَقَالَ: ١٧ - َكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بحال ... إسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأوْصالِ قَولُهُ: َكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بحال: أَي كُلُّ حَدِيثٍ لم يتَّصل بِحَال من الأَحْوَال إسْنَاده سَوَاء سقط مِنْهُ راو وَاحِد أَو أَكثر، أَو كَانَ السَّاقِط صَحَابيا أَو غَيره، أو كان فِي أَوله أَو آخره فهو حَدُّ الحديث الْمُنْقَطع. والأوصال: فِي اللغة مُجْتَمَعُ العِظامِ وأَصْلُه من الوَصْلِ، كَذَا قَالَ النَّاظم ﵀، وهَذَا الحدّ ليس جَامِعًا مَانعًا؛ لأنَّه يُدْخِلُ فيه مَا ليس منه مثل الحديث الْمُعْضَل والْمُرْسَل والْمُعَلق؛ والحدُّ الصَّحِيحُ للحدِيثِ الْمُنْقَطع هو: إسناد الحديث الذي سَقَط منه راوٍ وَاحِد قبل الصَّحَابِيّ فِي أي مَوضِعٍ من الإسناد. ومثاله: ما رَوَاهُ أَبُو دَاودَ في السنن فقال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ». (١)، فَهُو منقطعٌ بين مَكْحُولٍ وأَبِى هُرَيْرَةَ ﵁؛ والسبب أَنَّ مَكْحُولا هَذَا وهُو أَبُو عَبْدِ الله الشَّامي لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ إلا ثلاثةٍ ليس منهم أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁.
следующие страницы →