← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18118

التيسير في أصول واتجاهات التفسير

عماد علي عبد السميع

Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة الدكتور علي أحمد فراج] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بقلم فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي أحمد فراج علي (حفظه الله) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد قرأت الكتاب المعنون بـ[التيسير في أصول واتجاهات التفسير]. للدكتور/ عماد علي عبد السميع، والكتاب من عنوانه "التيسير" فقد صيغ بأسلوب سهل سلس، يسهل فهمه وقراءته لمن يريد أن يتعرف على أصول واتجاهات المفسرين قديمًا وحديثًا. وقد استفاد الباحث في كتاباته من خبرة وآراء السابقين له وخاصة العلماء المعاصرين الذين بذلوا جهودا مضنية في سبيل إبراز هذه الصورة المشرقة لعلماء التفسير قديمًا وحديثًا. فنسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تقديم أ. د/ علي أحمد فراج علي أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن والعميد الأسبق لكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية فرع جامعة الأزهر بأسيوط

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بقلم فضيلة الاستاذ الدكتور/ مجاهد محمد هريدي (حفظه الله) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد راجعت هذا العمل العلمي الذي كتبه، الدكتور/ عماد علي عبد السميع والذي هو بعنوان: [التيسير في أصول واتجاهات التفسير] فوجدته عملا طيبا، ذا فائدة قيمة، حيث تناول تلك المباحث المتعددة بصورة مختصرة يسهل فهمها على طلاب العلم، وبخاصة المبتدئين منهم، وهو بذلك قد بذل هذا الجهد المتواضع في خدمة كتاب الله تعالى. فنسأل الله أن ينفعه بما كتب وأن ينفع قارئيه بما سطّر، وأن يوفق الجميع للعمل بكتاب الله تعالى بسنّة رسوله ﷺ القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وبالله التوفيق. تقديم أ. د/ مجاهد محمد هريدي أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

стр. 3

مقدّمة الحمد لله رب العالمين، أنزل كتابه وأمرنا بتدبره وفهمه فقال: كتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَك لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص: ٢٩]. والصلاة والسلام على من قيل له: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ [النحل: ٤٤]. ثم أما بعد: فإني أكره التعقيد وأمقته مقتًا شديدًا، وأحب التيسير حبًّا شديدًا، واستبشر كلما قرأت كلام الله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: ٧]. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [الشرح: ٥، ٦]. ودائما أرجو ربي وأدعوه: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) ويَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) واجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) [طه: ٢٥ - ٢٩]. ولهذا عندما كلفت بتدريس مادة أصول التفسير بكلية العلوم الإسلامية وجدت معظم الكتب لا يتناسب مع قدرات الطلاب - برغم تفوقهم والحمد لله - لأن أكثر المطروح من كتب أصول التفسير يلاحظ عليه ضخامة الحجم، وهذا لا يساعد الدارس في مرحلة الطلب على تجميع معلومة مرتبة. فاستعنت بالله للكتابة لتيسير تلك المادة على الطلاب لعل الله أن ييسر لنا طريقا إلي الجنة. وأعترف - ليس اعتراف مدعي التواضع بل اعتراف من عرف قدر نفسه - أن كتابتي لا ترقي في مستواها إلي ما كتب العلماء الفحول؛ أمثال شيخنا الدكتور محمد لطفي الصباغ، أو الدكتور/ البلتاجي أو

стр. 4

الشيخ السعدي .. وغير ذلك. ولقد أغراني بالكتابة ما وجدته من كلام طيب للدكتور/ الصباغ - وهو يحث طلاب العلم أمثالي على مزيد من البحث في أصول التفسير - قال: (وعلم أصول التفسير يمكن أن نصنفه في العلوم القابلة للنمو، ذلك لأن العلوم أنواع: فمنها ما بلغ الغاية في النضج حتى قال عنه الباحثون إنه احترق .. ومنها علوم نضجت ولم تحترق، ومنها علوم ما زالت سائرة في طريق النضج ولما تبلغ تلك النهاية التي بلغتها العلوم الأخرى .. ونستطيع أن نلحق علم أصول التفسير بهذه الزمرة من العلوم) (١). وقد ناقش الشيخ في هامش بحوثه في أصول التفسير عبارة: «إن من العلوم ما بلغ الغاية في النضج حتى احترق»، وقال هذه مبالغة، فالعلم مهما بحث فيه الباحثون لا يفسد ولا يحترق بل يزداد نضجا إن كان المنهج المتبع فيه سليما، والفساد يمكن أن يتسرب إلي كل علم عند ما يكون منهج البحث فيه منحرفا معوجا ولو لم يصل إلي مرحلة النضج. كل هذا أزال عني التردد في أن أكتب في هذا الموضوع، الذي هو من أهم الموضوعات لطلاب العلم، إذ هو يتعلق بأشرف كتب الله على الإطلاق - القرآن الكريم - ورجائي من إخواني الطلاب والطالبات بذل الجهد لفهم تلك الأصول التي تضبط فهمنا لكتاب ربنا تعالى، لنفهم صوابا ونعمل صوابا بتوفيق من الله. كما أرجو من كل مطالع لهذه الصفحات أن يعينني على تصويب أخطائي

стр. 5

فيها، فهي ليست متعمدة وأن يسامحني، وأن يسأل الله لنفسه ولي معه أن ييسر لنا بالعلم مع رحمته طريقا إلي الجنة. هذا: وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه عماد علي عبد السّميع حسين رئيس قسم علوم القرآن بكلية العلوم الإسلامية

стр. 6

المبحث الأول معنى أصول التفسير لكي نستطيع الوقوف على معنى أو حقيقة أي مصطلح لا بدّ من مراجعته في اللغة، وكذلك إن كان مركبا إضافيا يستحسن تحليله أولا ثم إضافة أجزاء هذا التحليل إلي بعضها واستنتاج المعنى الإضافي، وعلى هذا فنحن أمام مصطلح مركب إضافي (أصول التفسير) ولبيانه نقول: أولا: معنى أصول التفسير بالمعنى التحليلي: (أصول) في اللغة: جمع أصل، والأصل أسفل كل شيء (١). واصطلاحا: هو ما يبني عليه غيره، أو يفتقر إليه ولا يفتقر إلي غيره (٢). (التفسير) في اللغة: الكشف والإظهار والإبانة (٣). واصطلاحا: هو الكشف عن معاني ألفاظ القرآن الكريم في سياقاتها حسب قواعد وأصول معروفة لفهم مراد الله تعالى من وحيه المنزل (٤). ثانيا: معنى أصول التفسير بالمعنى الإضافي: هو: أصول وقواعد تحكم خطة المفسر، وتحول بينه وبين الخطأ في الفهم والاستنباط، وتعينه على أداء مهمة التفسير على الوجه الأفضل.

стр. 7

المبحث الثاني أهمية ومكانة علم التفسير لعلم التفسير أهمية بالغة، ذلك لأن القرآن أنزله الله ليتدبره الناس ويفهمونه، وبالفهم تستريح الأنفس للعمل به وتطبيق ما فيه. ولقد أشار الله تعالى إلي أهمية التفسير عند ما دعا إلي تدبر القرآن، فمثلا: يقول : كتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَك لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص: ٢٩]. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلي قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤]. وقال تعالى أيضا - آمرا نبيه ﷺ بالقيام بمهمة التفسير: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ [النحل: ٤٤]. وقد قام النبي ﷺ بالمهمة خير قيام فكان أصحابه إذا أشكل عليهم شيء من القرآن سألوه ﷺ فيوضح ويبين لهم. قال الإمام الطبري ﵀ وهو يبين أهمية التفسير: (اعلموا عباد الله - رحمكم الله - أن أحق ما صرفت إلي علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية ما كان لله في العلم به رضي وللعالم إلي سبيل الرشاد هدي، وإن اجمع ذلك لباغيه كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسني الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (١). وصدق الطبري فيما قال، فقد كان العلماء من قبله يرحلون إلي بلاد بعيدة من أجل الوقوف على معنى آية وتفسيرها، قال عبد الله بن مسعود: (ما من

стр. 8

آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم نزلت ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تركب إليه الإبل لركبت) (١). وقد أشار الإمام القرطبي ﵀ أيضا إلي أهمية علم التفسير فعقد لذلك فصلا موجزا في مقدمة تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) أورد فيه ما يدل على أهمية التفسير ومن ذلك: (ورد عن إياس بن معاوية في فضل التفسير قال: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أهمية التفسير: «وحاجة الأمة ماسة إلي فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين والذكر الحكيم، والصراط المستقيم ...» (٣). وما من واحد من المفسرين إلا وكتب في مقدمة تفسيره عن أهمية التفسير لكتاب الله يستشهد على ذلك بالآيات الواردة في الحث على التدبر في كتاب الله تعالى. فليعلم طلاب العلم - خصوصا - والمسلمون عموما أن التفسير مهم جدا فهو الطريق إلي العمل بكتاب الله تعالى وتطبيقه كمنهج للحياة. «.. وإن امتلأت نفس طالب العلم بجلالة علم التفسير وأهميته دفعه ذلك إلي مضاعفة جهده وحثه على مواصلة ليله بنهاره في البحث والدرس والتنقيب، وجعل التعب لديه راحة .. لأن السعي إلي الغايات يكون بحسب

стр. 9

أهميتها وقيمتها» (١). وعلى هذا فعلم التفسير أشرف العلوم لتعلقه بكتاب الله الذي هو أشرف الكتب على الإطلاق، وقد جعل بعض أهل العلم: العلم بالتفسير من فروض الكفاية الذي لا تبرأ ذمة الأمة إلا بوجود ولو طائفة منها على مر الزمان تتعلمه وتتقن أصوله وتدل الناس عليه.

стр. 10

المبحث الثالث أهمية علم أصول التفسير أهمية علم أصول التفسير من أهمية علم التفسير نفسه، لأن أصول التفسير بالنسبة للتفسير بمثابة الوسائل للغايات، فهو له كعلم النحو للغة العربية وكأصول الفقه للفقه، وكأصول الحديث للحديث، ... فأصول التفسير تضبط فهمنا لكتاب الله من الزلل أو الشطط، وبها نعرف عموم الآيات وخصوصها، ومحكمها ومتشابهها .. وغير ذلك. وعلى هذا فأصول التفسير واحد من أجل علوم القرآن، بل هو علم ينتظم علوما في سلكه، فمن الأصول كما سنعرف - إن شاء الله - معرفة المطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وشروط المفسر وآدابه، وطرق التفسير .. إلي غير ذلك. «وعلم أصول التفسير بوصفه هذا يعبر عن منهجية رائعة، فأمة الإسلام عرفت هذه المنهجية في كافة جوانب الثقافة والفكر .. وبسبب هذه المنهجية استطاع المسلمون أن يتخذوا المنهج التجريبي أساسا يصدرون عنه في حياتهم العلمية قبل أن يتوصل إليه الغرب (١)، بل المنصفون من علماء الغرب يعترفون بأن المنهج التجريبي هو هدية المسلمين إلي الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية» (٢).

стр. 11

المبحث الرابع نشأة علم التفسير وأصوله لقد نشأ علم التفسير منذ عصر الرسول ﷺ فقد كان الصحابة ﵃ يسألونه عما يشكل عليهم فهمه من القرآن، مثل: سؤالهم له عند ما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِك لَهُمُ الْأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) [الأنعام: ٨٢]، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟، فقال لهم مفسرا معنى الظلم، وهو الشرك، أما قرأتم قول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] (١). وسؤالهم لما نزل قول الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣]، فبين لهم ما الذي يجزون به، قال لأبي بكر لما جاء مشفقا وهو يقول: كيف النجاة بعد هذه الآية؟ فقال له: ألست تمرض؟ أليس يصيبك النصب؟، قال: بلي، قال: فذلك الذي تجزون به (٢). وفسر لهم معنى البياض والسواد في آية الصيام: وكلُوا واشْرَبُوا حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَكمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] وكان الأمر قد التبس عليهم، حتى إن أحدهم كان قد أخذ خيطين حقيقين فوضعهما تحت وسادته يريد أن يجعلهما علامة على الإمساك للصيام فلم ير سودا ولا بياضا، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال له: إنك لعريض الوساد، البياض بياض الصبح والسواد سواد الليل (٣).

стр. 12

ولم تكن هذه مواقف فردية وإنما حرص الصحابة على فهم القرآن لأنه طريق العمل - كما قلنا - بل ورد عنهم قالوا: «كنا إذا نزلت عشر آيات من كتاب الله تعالى لم نبرحها حتى نحفظها ونفهم معانيها ونعمل بها حتى إذا اكتمل القرآن نزولا كان قد اجتمع لدينا ثلاث: الحفظ والفهم والعمل» (١). وربما لم يثبت أن النبي ﷺ ترك تفسيرا كاملا للقرآن، وذلك لأنه لم تكن هناك أسباب داعية إليه، فأصحابه كانوا يتمتعون بذكاء وسلامة فطرة منقطعة النظير، ومع ذلك وضح لهم ما أشكل عليهم، وهم بدورهم بلغوا ما فسره لهم، ووضحوا أيضا من خلال مشاهداتهم لنزول الوحي والأحوال المقترنة به ما وسعهم توضيحه. ثم جاء عصر التابعين فتكلم الأئمة: منهم الحسن البصري وعكرمة مولي ابن عباس وسعيد بن المسيب، ثم مجاهد وقتادة وأبو إسحاق السبيعي ... وغيرهم. وكانت مرويات التفسير تروي على أنها أبواب من الحديث، ولم يظهر تفسير كامل استوعب القرآن من فاتحته إلي خاتمته إلا في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري على يد شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، ثم توالي التصنيف في التفسير والتفنن في مذاهبه. ولا زال إلي الآن يكتب في التفسير ويتوصل إلي جديد من معاني كلام الله تعالى، وسيظل ما دامت السماوات والأرض زاخرا بالمعاني التي يعد تفسيرها تجديدا لإعجازه. وعن نشأة أصول التفسير: لقد نشأ علم أصول التفسير مقترنا بالتفسير وإن لم يكن تحت هذا المصطلح

стр. 13

- لكن يلاحظ من تورع الصحابة ﵃ عن القول في تفسير القرآن بالهوى وبدون علم: أنهم كانوا يرون أن التفسير لا يتم إلا بضوابط حتى لا يحصل الزلل والخطأ في الفهم. قال أبو بكر ﵁: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن أنا قلت في القرآن برأيي). وفي رواية: (لأن تضرب عنقي ولا أقول في القرآن برأيي) (١). «ويعتبر الإمام الشافعي ﵀ (ت ٢٠٤ هـ) أول واضع لأصول التفسير في كتابه الرسالة، وإن كان قصد بها التقعيد لأصول الفقه لكنه تعرض في مباحث كثيرة للمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ .. وغير ذلك من المباحث المهمة في أصول التفسير فاعتبرها العلماء باكورة ما كتب في هذا الشأن» (٢). ثم توالت الكتابات في أصول التفسير، لكنها كانت بمثابة مقدمات في كتب التفسير يبدأ بها العلماء، ومن أهم تلك المقدمات مقدمة تفسير الإمام الطبري ﵀ وكذلك القرطبي، ثم ظهرت مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير، وكذلك كانت توجد أصول التفسير متناثرة في بطون كتب علوم القرآن، أما في العصر الحاضر فقد كتب غير واحد من العلماء في أصول التفسير جمعا لهذا المتناثر في القرآن تقريبا وتسهيلا على الطلاب. ومع ذلك يبقي علم أصول التفسير كما قال الدكتور: محمد لطفي الصباغ - من العلوم القابلة للنمو - والتي تحتاج إلي جهد وعناية كبيرة (٣).

стр. 14

المبحث الخامس أهم المصنفات في أصول التفسير بعد أن تكلمنا في المبحث السابق عن نشأة علم أصول التفسير، وسبقت الإشارة إلي أسماء بعض المصنفات في هذا العلم، أري من الضروري أن نقف هنا وقفة مع أهم المصنفات في أصول التفسير لنأخذ فكرة موجزة عن كل مصنف منها بقدر الإمكان: [١] كتاب (الرسالة): لمؤلفه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٠٤ هـ وهو تمهيد لكتابه الأم في الفقه، وهذه الرسالة القيمة كانت فتحا في علم الأصول في كافة فروعه، حتى تنازعها العلماء، في أصول الفقه، وفي أصول التفسير وفي أصول الحديث (المصطلح) .. كل يعتبرها قاعدته التي عنها يصدر، وبأحكامها ينضبط (١). [٢] كتاب (مقدمة في أصول التفسير): لمؤلفه الإمام أبي العباس أحمد بن تيمية شيخ الإسلام المتوفي ٧٢٨ هـ، وهي رسالة قيمة ذكر فيها أن سبب تأليفه لها أن بعض الإخوان سأله أن يكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره .. فاستجاب لهذا الطلب وكتب هذه الرسالة (٢). وتعرض شيخ الإسلام لفصول مهمة منها: (تدبر القرآن وكيفية دراسته والعمل به)، وحاجة الأمة الماسة إلي فهم القرآن) (واختلاف السلف في التفسير) وبيّن أنه قليل، وهو اختلاف تنوّع وليس تضاد. وهو في كل

стр. 15

هذا يكثر من الشواهد ويناقش المسائل. [٣] كتاب (الفوز الكبير في أصول التفسير): لمؤلفه الشيخ/ ولي الله أحمد قطب الدين الدهلوي الهندي (ت ١١٧٦ هـ) تحدث فيه عن العلوم التي بينها القرآن وعالج فيه كثيرا من مشكلات التفسير، ووضع لها الضوابط ونبه على خطورة الغلو والاجتراء على التفسير بغير علم .. [٤] كتاب (الإكسير في أصول التفسير): لمؤلفه سليمان بن عبد القوي الطوفي البغدادي (ت ٧١٦ هـ)، ويقال إنه كان شيعيا رافضيا تعرض فيه المؤلف لفصول منها: فرق بين التفسير والتأويل ثم تعرض للعلوم التي يحتاج إليها المفسر من نحو وصرف ولغة وقراءات وفقه وأصول وتاريخ وطب وحساب ونجوم وهندسة وغيره .. ثم أكثر من الكلام على علمي المعاني والبيان حتى استغرق بقية الكتاب (١). [٥] المقدمات في كتب التفسير: ومن أهمها مقدمة تفسير الطبري، ومقدمة تفسير القرطبي، ومقدمة تفسير ابن كثير، حيث فيها ذكر لكثير من أصول التفسير وشروط المفسر وآدابه والعلوم التي تلزمه، والتحذير من الإسرائيليات في التفسير وكذلك من الشطط في الفهم .. وغير ذلك. وتعتبر مقدمة تفسير الطبري من أهم وأجود ما كتب في أصول التفسير. [٦] بحوث في أصول التفسير: لمؤلفه الدكتور محمد لطفي الصباغ. [٧] أصول التفسير وقواعده: لمؤلفه الشيخ خالد عبد الرحمن العك. [٨] القواعد الحسان في تفسير القرآن: للشيخ عبد الرحمن السعدي.

стр. 16

المبحث السادس مصادر علم التفسير إن لكل نهر نبعه وروافده التي يستمد منها ماءه فيجري، ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله الذي تنفد الأقلام ولو كانت كل ما في الأرض من شجر، والمحابر ولو كانت بحارا يمد بعضها بعضا قال تعالى: ولَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ (٢٧) [لقمان: ٢٧]. لهذا كان التفسير بحرا عظيما ولا بد له من مصادر يستمد منها مادته، وقد تكلم العلماء عن مصادره، ويعنون بها العلوم اللازمة للمفسر عند تفسير القرآن الكريم ومن كلامهم نستطيع أن نقول إن مصادر التفسير كالآتي: [١] اللغة والاشتقاق: ونعني بذلك معرفة الألفاظ القرآنية واستعمالاتها في لغة العرب وهذا ما يسمي بعلم أصول اللغة، فها هو ابن عباس ﵄ برغم فصاحته إلا أنه يقرر أنه توقف في تفسير بعض الآيات حتى عرفها من كلام العرب، يقول: (ما كنت أعرف معنى فاطر حتى سمعت رجلين يختصمان في بئر وكل منهما يقول أنا فطرتها أي أنشأتها) (١)، ويقول - أيضا -: ما كنت اعرف معنى قوله تعالى: مَتاعُ الْغُرُورِ حتى سمعت فتاة تقول لأمها غررت يا أماه فقالت لها أمها: تمتعي تمتعي، فعلمت أن الدنيا لا تساوي عند الله تعالى الخرقة التي تنظف المرأة بها فرجها من دم الحيض). ومما يتصل بمعرفة الألفاظ ومد لولاتها في الاستعمال: معرفة المترادف والمشترك وغير ذلك فهذا مهم جدا للوصول إلي الفهم الدقيق.

стр. 17

[٢] النحو والصرف: لأن فهم المعنى يتوقف في كثير من الأحيان على معرفة الإعراب ويقع الذين يجهلون هذين العلمين في أغلاط شنيعة إذا تصدوا للتفسير، كما حدث لبعضهم في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فقد فهم أن (إمام) جمع (أمّ) وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، قال الزمخشري: (وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن (أما) لا تجمع على (إمام) (١). [٣] الأدب وعلوم البلاغة: وهذه العلوم تعين المفسر وتغذي التفسير بأوجه الإعجاز البيانية، والجمال الفني في التعبيرات القرآنية، وذوق هذه الأشياء لا يتأني إلا من الاشتغال بالأدب وعلوم البلاغة (بيانها وبديعها ومعانيها) (٢). قال صاحب الكشاف ﵀: «من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز، أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليما من القادح» (٣). [٤] علم الآثار: ونعني به المأثور من كلام النبي ﷺ ومن كلام الصحابة والتابعين وأئمة التفسير في القرآن وهذا المأثور أحق ما يستمد منه تفسير القرآن بعد تفسير القرآن بالقرآن. [٥] علم القراءات: ونعني تنوع القراءات لأنه يفيد معان متجددة في الغالب، فيستمد التفسير من اختلاف القراءات مادة ثرية كلما قلب المفسر في أوجهها المختلفة، مع مراعاة ثبوتها عن رسول الله ﷺ . [٦] علم أصول الفقه: لأن المفسر لا يخلو من التعرض لتفسير الآيات القرآنية التي ذكر فيها بعض الأحكام الشرعية، فكان لا بدّ من رجوعه إلي أصول

стр. 18

الفقه لإتقان عملية الاستنباط للأحكام الشرعية من الآيات. [٧] علم العقيدة: فالقرآن الكريم قد أصّل بناء العقيدة السليمة ونقاها مما شابها من أدران الشرك، فالمفسر بدوره يتعرض لشرح الأمور العقدية التي تضمنتها الآيات القرآنية من التدليل على ثبوت الألوهية والربوبية والرسالات، والبعث والجزاء، والجنة والنار، ومناقشة عقائد المشركين الفاسدة. [٨] علم التاريخ: لأن القرآن الكريم قد تعرض لقصص الأمم السابقة، ووجه الهدف نحو استخلاص العبرة والعظة منها، وقصص القرآن أحسن القصص كما قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣]، (وذلك لامتيازه بالصدق والواقعية، وللقصة تأثير خطير على القارئ والسامع مهما كان مستواه الثقافي، فالإنسان يجد - أحيانا - نفسه في تلك القصة، ويتذكر مواقف تعرض لها ربما تشبه هذا القصص، فتنغمس روحه في بحور من الراحة والسعادة، وقد يكون في القصة ما يوحي بحل إشكال وقف أمامه زمنا طويلا عاجزا لا يدري ما يصنع. [٩] العلوم الكونية: ونعني بها العلوم التي تعنى بدراسة الكون من طب للإنسان والحيوان أو للظواهر الطبيعية كالسحاب والرعد والبرق والمطر .. أو لطبقات الأرض والجبال ومكوناتها .. أو غير ذلك، يستعين بها المفسر في شرح الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر شيء من تلك الظواهر الكونية وما أكثرها في القرآن الكريم. وبالجملة فكل علم محترم شرعا يعتبر من مصادر علم التفسير التي يستمد منها مادته، ولكن يراعي أنه يجب على المفسر وهو يستمد من تلك العلوم أن لا يكثر من تفريع هذه العلوم داخل التفسير، فهي موجودة في مظانها ومصنفاتها، ويحسن به أن يأخذ منها فقط ما يعينه على توضيح المعنى المراد.

стр. 19

المبحث السابع أنواع التفسير روي ابن جرير الطبري ﵀ عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «التفسير أربعة أنواع: الأول: تفسير يعرف من كلام العرب. الثاني: تفسير لا يعذر أحد بجهالته. الثالث: تفسير لا يعلمه إلا العلماء. الرابع: تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى». فأما الذي يعرف من كلام العرب فهو الذي يحتاج إلي رجوع إلي لغة العرب والنظر إلي مدلول الألفاظ التي يراد تفسيرها في استعمال العرب، مثل قوله تعالى: والْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة ٢٢٨] (فلفظ القرء هنا من الألفاظ المشتركة بين الحيض والطهر، ولا يحسم الأمر فيه إلا الرجوع إلي الاستعمال الأكثر ولا يعرف هذا إلا من لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم). وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فمثاله معظم آيات الأمر والنهي والحلال والحرام وآيات العقيدة .. وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٨٣]، ولا تَقْرَبُوا الزِّني [الإسراء: ٢٢]، ولا تَنْكحُوا ما نَكحَ آباؤُكمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢]، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١]، لا تَأْكلُوا الرِّبَوا [آل عمران: ١٣٠] (.. فهذه الآيات لا يعذر أحد بجهالتها إذ واضح أن الأمر فيها يوجب القيام بمقتضاه، والنهي يوجب الانتهاء. وكذلك قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: ١٩]،

стр. 20

واضح في الدلالة على وحدانية الله والأمر باعتقادها. وأما الذي لا يعلمه إلا العلماء: فهو المتشابه أي الذي يحمل أكثر من معني، مثل قوله تعالى: نِساؤُكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتُوا حَرْثَكمْ أَنَّي شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٢]. والذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) [الذاريات: ١ - ٢]. والْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) [المرسلات: ١]. فلفظ (أني) هنا معناه متشابه، هل هو «كيف» أم «حيث» أم «متي» ... والذاريات، والحاملات، والمرسلات، والعاصفات، أيضا معانيها متشابهة هل هي الرياح أم الملائكة، ولا يستطيع ترجيح معنى هنا إلا العلماء العارفين بالقرائن، وبالسياق وغير ذلك من أصول الترجيح. وأما الذي لا يعلمه إلا الله فهو المتشابه من الآيات التي اشتملت على غيبيات استأثر الله بعلم تفاصيلها لنفسه، كموعد قيام الساعة ونزول المطر وتحديد الآجال. يَسْئَلُونَك عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكراها (٤٣) [النازعات: ٤٢ - ٤٤]. وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكمْ بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكمْ فِيهِ لِيُقْضي أَجَلٌ مُسَمًّي ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكمْ بِما كنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) [الأنعام: ٦٠]. وهذه الأنواع الأربعة للتفسير تدور كل الآيات القرآنية في فلكها وفائدة ذكرها: أن يعلم المتعرض لتفسير القرآن أنه لا يستطيع تفسير جميع الألفاظ القرآنية فمنها ما استأثر الله بتفسيره، ومنها ما لا يعلمه إلا العلماء، ومنها ما يحتاج إلي رجوع لكلام العرب ... فإن أحسن واحدا من تلك الأنواع خاض فيه، وإلا فالكف والتورع يكون له أهدي سبيلا.

стр. 21

المبحث الثامن أحسن طريقة للتفسير إن أفضل طريقة لاقت قبولا عند أهل العلم والمشتغلين بالتفسير، هي تفسير القرآن بالقرآن، فإن لم يوجد في القرآن ففي السّنّة، وإلا ففي أقوال الصحابة ثم التابعين. وقد أورد ابن كثير ﵀ في مقدمة تفسيره سؤالا، يعتبر الجواب عليه من أعظم أصول التفسير، قال: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟. فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع أخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْك الْكتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراك اللَّهُ ولا تَكنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) [النساء: ١٠٥]. وقال تعالى: وما أَنْزَلْنا عَلَيْك الْكتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُديً ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) [النحل: ٦٤] وقال تعالى: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤]. ولهذا قال رسول الله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» يعني السّنّة، والسّنّة تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلي كما يتلي القرآن .. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن فيه، فإن لم تجده ففي السّنّة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلي اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنّة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد

стр. 22

رأيي، قال فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» (١). «وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السّنّة رجعنا إلي أقوال الصحابة فإنهم أدري بذلك: لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين وعبد الله بن مسعود ﵃» (٢). وقد أشار القرطبي ﵀ في مقدمة تفسيره - أيضا - إلي مثل تلك الطريقة في التفسير وأنها لا بدّ أن تكون مضبوطة بالأصول المحكمة قال: «وهذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وإن من استنبط معناه بحمله على الإشارة المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح» (٣). ويرفض القرطبي الاقتصار على السماع فقط في التفسير، ويرد على من قال ذلك مستدلا بقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ [النساء: ٥٩]. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول (بأنه استدلال فاسد. فطريقة القرطبي إذن في التفسير القرآن بالقرآن ثم بالسّنّة ثم بالاجتهاد المحكم بالضوابط والأصول. وهذه طريقة لا يختلف اثنان في حسنها وأفضليتها في تفسير كتاب الله .

стр. 23

المبحث التاسع شروط المفسر وآدابه الحق أن أكثر من كتبوا في شروط المفسّر وآدابه خلطوا بين ما هو شرط في المفسر كآداب وأخلاق ونحوه، وما هو شرط في المفسر كناحية علمية لا بدّ من توفرها. وفي هذا المبحث سوف نذكر أولا الشروط التي هي كآداب للمفسر ثم نذكر الشروط التي تتعلق به من الناحية العلمية. الشروط التي لا بدّ من توفرها في المفسر كآداب: الأول: صحة الاعتقاد: فسلامة العقيدة أمر مهم بالنسبة للمفسر، لأنه لو تطرق إليه فساد في عقيدته لفسر القرآن حسب مذهبه واعتقاده الفاسد فيكون تفسيره ظاهر التكلف والبعد عما يحتمله اللفظ القرآني. قال الإمام السيوطي ﵀: «اعلم أن من شرطه - أي المفسر - صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين فإن من كان مغموصا عليه في دينه - أي مطعونا - لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين؟ ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى؟، ولأنه لا يؤتمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويغرّ الناس بليّه وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة، وإن من كان متهما بهوى لا يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته كدأب القدرية - فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح الساكت ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدي» (١).

стр. 24

وقال ابن القيم ﵀: «لا يدرك معاني القرآن ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه» (١). ثانيا: صحة المقصد: يعني أن يخلص المفسر فلا يطلب بتفسيره عرضا من أعراض الدنيا الزائلة، وإنما يبتغي وجه الله تعالى. قال السيوطي ﵀ أيضا: «ومن شرطه - أي المفسر - صحة المقصد فيما يقول ليلقي التسديد فقد قال تعالى: والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩]، «وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلي غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله» (٢)، وليت المفسر وطالب التفسير يدرك هذا الاستدلال الخطير من الإمام السيوطي ﵀ بالآية السابقة والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا، فكأنه يشير إلي أن تفسير القرآن جهاد إذا صح المقصد، وكيف لا يكون جهادا وقد قال الله لنبيه ﷺ : فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كبِيرًا (٥٢) [الفرقان: ٥٢]. ثالثا: التقوي: يشترط في المفسر أن يكون على أعلى مستوي من التقوي، وليكن دليل تقواه التأثر بما في القرآن في كل شيء في حياته. قال الإمام الشهيد/ سيد قطب ﵀: «... فالتقوي في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب، هي التي

стр. 25

تفتح مغاليق القلب له، فيدخل ويؤدي دوره هناك، هي التي تهيئ لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقي وأن يستجيب، لا بدّ لمن يريد أن يجد الهدي في القرآن أن يجئ إليه بقلب سليم، بقلب خالص. ثم يجئ إليه بقلب يخشي ويتوقي ويحذر أن يكون على ضلالة، وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقيا خائفا حساسا مهيئا للتلقي» (١). رابعا: العمل بما في القرآن: ومن أخص شروط المفسر العمل بما في القرآن، إذ لا يمكن أن يتصور أبدا أن يوفق الإنسان لفهم القرآن وهو لا يعمل بما فيه. وإذا كان قد ثبت في الحديث أنه: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه». فلا أدري كيف يحالف التوفيق من أراد التفسير واللعنات تنزل عليه لعدم عمله بما في كتاب الله، نسأل الله المعافاة. قال الدكتور/ محمد لطفي الصباغ: «إن هذا الكتاب الكريم لا يفتح خزائن كنوزه وجواهره ودرره إلا لمن آمن بمنزله، وعمل به كله وأحل حلاله وحرّم حرامه، وأخلص لله النية في فهمه وطلبه العلم الذي يبلغه تفسيره وتدبره» (٢). خامسا: البعد عن خوارم المروءة: مهم جدا للمفسر - وطالب التفسير - أن يبتعد عن كل ما يزري به، إذ ينبغي أن يكون لحامل القرآن ومفسره فضل على غيره، بمزيد أدب ورجاحة عقل وبعد عما يشين الإنسان.

стр. 26

قال الإمام القرطبي ﵀: «قال عبد الله بن عمرو: لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من يجهل، ولكن يعفو ويصفح، لحق القرآن، لأن في جوفه كلام الله تعالى». ثم قال القرطبي - بعد هذا الأثر -: «وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات، ويقلل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار وينبغي له أن يتواضع للفقراء، ويتجنب التكبر والإعجاب، ويتجافي عن الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة، ويترك الجدال والمراء، ويأخذ نفسه بالرفق والأدب، وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شره، ويرجي خيره ويسلم من ضره، وألا يسمع ممن نم عنده، ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه» (١). سادسا: مداومة ذكر الله تعالى: قال القرطبي ﵀: (وينبغي له - أي حامل القرآن ومفسره - أن يكون لله حامدا، ولنعمه شاكرا، وله ذاكرا، وعليه متوكلا، وبه مستعينا، وإليه راغبا، وبه معتصما، وللموت ذاكرا وله مستعدا، وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه، راجيا عفو ربه) (٢). وبالجملة فيشترط في المفسر كل أدب يؤهله لحمل كتاب الله تعالى وفهمه وتوضيحه للناس، وإن هو أخل بتلك الآداب أزري بنفسه وبعلمه فقلّ أن يفهم الفهم التام، وإن فهم لم يقبل منه، لأن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه.

стр. 27

أما الشروط التي تتعلق به من الناحية العلمية: (١) ربما تفهم للذكي الأريب من خلال مبحث مصادر علم التفسير، ولكن لا بأس أن نعددها هنا على سبيل الإجمال والاختصار: [١] أن يكون المفسر عالما بالحديث، فهو يحتاج إليه في بيان المجمل والمبهم من القرآن. [٢] أن يكون عالما باللغة متبحرا فيها، لأن بها يتمكن من شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها. [٣] أن يكون عالما بالصرف لأن به تعرف أبنية الكلمات، ومن الألفاظ ما لا يعرف إلا بتصريفه ومعرفة أصله. [٤] أن يكون عالما بالنحو لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب فلا بد منه. [٥] أن يكون عالما بالاشتقاق، لأن الإسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافها، كالمسيح مثلا: هل هو من السياحة أو من المسح. [٦] أن يكون عالما بالبلاغة بأقسامها الثلاثة المعاني والبيان والبديع حتى يعرف خواص تركيب الكلام من جهة إفادة المعنى ومن جهة اختلافه بحسب وضوح الدلالة وخفائها، ووجوه تحسين الكلام. [٧] أن يكون عالما بالقراءات، فهي جزء من الوحي لا بدّ من الوقوف على معانيها. [٨] أن يكون عالما بأصول الدين وأمور العقيدة. [٩] أن يكون عالما بأصول الفقه اذ به يعرف كيف يستنبط الأحكام الشرعية.

стр. 28

[١٠] أن يكون عالما بأسباب النزول. [١١] أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ. [١٢] أن يستجمع ولو طرفا من العلوم الكونية كالطب والهندسة وغيره. وهذا يعني أن المفسر لكتاب الله تعالى ينبغي أن يكون موسوعة علمية حاضرة في كافة المجالات الثقافية والمعرفية، وقد كان أسلافنا فعلا موسوعات في كافة الفروع، أما نحن فأجدر كلمة عزاء نقولها لأنفسنا في أنفسنا: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ١٥٦].

стр. 29

المبحث العاشر التأويل عند السلف والمتكلمين والفرق بين التفسير والتأويل لقد ورد ذكر التأويل في القرآن الكريم أكثر من التفسير فما هو التأويل؟ وهل هو مرادف للتفسير أم بينهما فرق؟، وكيف كان فهم علماء السلف والمتكلمين له؟. أولا: التأويل عند علماء السلف: (١) التأويل في اللغة هو: تفعيل من أوّل يؤوّل تأويلا، ومادته من الفعل «آل» بمعنى رجع وصار، ومعناه: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلي ما يحتاج إلي دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقيل هو تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح بغير بيان لفظه (٢). وفي الاصطلاح هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلي احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به اغلب الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر (٣). وهذا المعنى للتأويل عبّر به علماء الأصول، وهو قريب من فهم المفسرين من علماء السلف - أيضا - للتأويل، فشيخ المفسرين الطبري ﵀ يعبر عن

стр. 30

التفسير بالتأويل، فيقول عند كل آية: «القول في تأويل قوله تعالى» ثم يشرع في تفسيرها، ويقول في مقدمة تفسيره التأويل على ثلاثة أوجه: ما لا سبيل إلي الوصول إليه وهو ما استأثر الله بعلمه. وما خص الله تعالى بعلم تأويله نبيه ﷺ . وما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن (١). ومن خلال السياق الموجز السابق لمعنى التأويل عند الأصوليين والمفسرين من علماء السلف، يبدو أنهم كانوا يستعملونه في إطار معناه اللغوي، وهو الكشف عن معنى اللفظ أو حمله على معنى من المعاني إن كان يحتمل أكثر من معني. وللتأويل عند علماء السلف ضوابط مهمة تبعد المؤوّل أو المفسّر عن اتباع الهوى والشطط في التأويل من أهمها: «أن يكون المعنى الذي أوّل إليه النص من المعاني التي يحتملها لفظ النص نفسه .. موافقا لوضع اللغة .. وأن يكون للتأويل دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن الظاهر إلي غيره .. لأن الأصل في عبارات الشرع ونصوصه أنها قوالب لمدلولاتها الظاهرة، ويجب العمل بظاهرها إلا إذا قام دليل للعدول عن الظاهر إلي غيره .. فظاهر الأمر: أنه يدل على الوجوب فيجب العمل بهذا الظاهر ولا يحمل على الندب والإرشاد إلا بدليل، وكذلك ظاهر النهي التحريم فيجب الكف والترك، وأما العدول إلي القول بالكراهة فلا يقبل إلا بدليل) (٢). ومن العلماء من فرّق بين التأويل والتفسير، ومن فرّق وجّه الفرق بينهما بأن التفسير يتعلق ببيان موضوع اللفظ، والتأويل ببيان المعنى المراد (٣).

стр. 31

ومثال ذلك: في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّك لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر: ١٤] تفسيره أي من الرصد، يقال رصدته أي رقبته وتأويله: المعنى المراد التحذير من التهاون بأمر الله تعالى لأنه مطلع على عباده ومراقبهم ... ثانيا: التأويل عند المتكلمين: (١) ليس للتأويل عند المتكلمين ضابط معين إلا العقلانية البعيدة عن كل الأصول المعتمدة سواء في أصول التفسير وأصول الفقه أو أصول اللغة أو أصول الاعتقاد، .... والسبب في ذلك أنهم لما تأثروا بالفلسفة التي جاءت من الكتب المترجمة عن الإغريق واليونان وغير ذلك وقعوا في ضلالات مستكرهة، وكلما رأوا شيئا في القرآن أو السّنّة ما يكشف أمرهم أوّلوه والتمسوا له المخارج البعيدة. قال عنهم ابن قتيبة ﵀: «ولما اطرد لهم القول على ما أصلوا، ورأوه حسن الظاهر، قريبا من النفوس يروق السامعين، ويستميل قلوب الغافلين، نظروا في كتاب الله تعالى فوجدوه ينقض ما قاسوا ويبطل ما أسسوا، فطلبوا له التأويلات المستكرهة والمخارج البعيدة وجعلوه عويصا وألغازا» (٢). وضرب أكثر المتكلمين بأصول التفسير عرض الحائط، وقالوا في القرآن بالهوى، وكان لتأويلهم الفاسد آثار خطيرة، من أخطرها التأويلات العقدية للآيات القرآنية التي تحدثت عن بعض صفات الله تعالى، التي وصف بها نفسه في القرآن أو على لسان نبيه ﷺ مثل: اليد والعين والوجه والنفس والاستواء

стр. 32

على العرش، ونزول الله تعالى ومجيئه و ... وغير ذلك (١). فقد قاموا بتأويلها وصرف ألفاظها إلي غير ظاهرها هروبا من شبهة التجسيم والتمثيل فوقعوا في التعطيل والتحريف والقول على الله بغير علم. فأولوا مثلا قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَي الْعَرْشِ اسْتَوي (١) [طه: ٥] (بمعنى استولى، مع أنه ليس في أي استعمال العرب اسْتَوى بمعنى (استولى) وإنما هو بمعنى (استقر) وإن كان في نظرهم أن تأويل الاستواء بالاستقرار فيه وصف الله تعالى بالمكانية و .. غير ذلك، فلا بد أن يعلموا أن الاستواء في جانب الله يختلف عنه في جانب خلقه. ويلاحظ خطورة القول بمثل ذلك التأويل الذي لا يحدّه حد ولا يضبطه ضابط الذي قاله علماء الكلام، إذ يترتب عليه أن يكون الصحابة والتابعون من المشبهة - والعياذ بالله - فقد كانوا يمرّون مثل تلك الآيات على ظاهرها بدون تأويل، ويردون إلي الله تعالى علم مراده منها. وقد كان موقف علماء السلف من مثل تلك الآيات إمرارها على ظاهرها بدون تعطيل ولا تشبيه، فعند ما يقرءون يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلي [الليل: ٢٠]، فَإِنَّك بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨] (نثبت لله اليد والوجه والعين كما أثبتها لنفسه سبحانه، وتنزهه عن أن تكون هذه الأوصاف جوارح، فلا يعلم كنهها إلا هو سبحانه، (وكذلك مجيئه ونزوله وضحكه) بما يليق بجلاله سبحانه. وقد سئل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَي الْعَرْشِ اسْتَوي (٥) (فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه) (٢).

стр. 33

ورأينا ابن جرير الطبري ﵀ عند ما تحدث عن التأويل جعل القرآن ثلاثة أقسام منه قسم لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار ولا سبيل للوصول إليه. وخلاصة القول: أنه لا بدّ من تقرير أن الذي حمل المتكلمين على تلك التأويلات في الغالب هو حسن النية وطلب التنزيه لله تعالى، ولكن حسن النية من غير اعتماد على الأصول المعتمدة للفهم السليم لا يغني من الحق شيئا.

стр. 34

المبحث الحادي عشر التحذير من الاجتراء على التفسير بغير علم الحق أن الله تعالى - حذرنا من الاجتراء على القول بغير علم على الإطلاق، في التفسير وغيره فقال تعالى: ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وأكثر ما يشتد التحذير عند ما يكون القول متعلقا بكلام الله . روي أن رسول الله ﷺ قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١). والأخبار المحفوظة عن سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - في التورع والتحذير من القول في التفسير بغير علم كثير جدا منها: عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم) (٢). وعن أنس ﵁ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ وفاكهَةً وأَبًّا (٣١) [عبس: ٣١]، فقال ما الأبّ؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه (٣). وعن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]، فقال له ابن عباس فما: يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فقال الرجل سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم) (٤).

стр. 35

وروي نفس الأثر عن ابن أبي مليكة قال سئل ابن عباس عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبي أن يقول فيها (١). وعن مالك ﵁ قال: كان سعيد بن المسيب إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئا. وقال الليث .. كان سعيد بن المسيب لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال ابن شوذب حدثني يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. وروي ابن جرير بسنده عن عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع. وعن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله اعلم) (٣). وشبه شيخ الإسلام - بعد ذلك - المجترئين على القول في التفسير بغير علم بالقاذفين، قال: وهكذا سمي الله تعالى القذفة كاذبين فقال: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِك عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النور: ١٣]، فالقاذف كاذب ولو

стр. 36

كان قد قذف من زني في نفس الأمر، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به وتكلف ما لا علم له به والله أعلم (١). ومن خلال هذه الآثار يتبين لنا خطورة الاجتراء على تفسير القرآن بغير علم، وهذا كله محمول بالطبع على ما لا علم للإنسان فيه من معاني القرآن فأما ما كان يعرفه لوضوح دلالته أو لأنه تعلمه وقرأه فيكون الكلام به من أفضل القرب لأنه تبيين وبلاغ. وأجدر الناس بالتورع عن الاجتراء على القول بغير علم في تفسير القرآن هم طلبة العلم، ولكن للأسف قد يحدث العكس، ففي إطار الجدل بحثا عن إرضاء النفس وإظهار قدراتها قد يثور الجدل في مسألة تفسيرية أو غيرها ويجترئ أكثرنا بدون علم. وصدق من قال: إن أكثر أهل زماننا - الآن - يجترئ الواحد منهم على القول في المسألة، وربما تكون نفس المسألة لو سئل فيها عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر - يعني أكابر الصحابة، ولنحرص يا طلاب العلم على تعليم الناس هذا الورع فقد يأتيك اثنان يختصمان إليك في معنى آية وهذا يقول أنا قلت كذا والآخر يقول وأنا قلت كذا، وقبل أن تجيبهما إن كنت تعلم الجواب، بين لهما خطورة الأمر وأنه لا يحق لهما المجادلة في كتاب الله ، وأن يقول الواحد تفسيرا بغير علم ثم يلتمس له دليلا من العلماء فإن وافق كلام العلماء شعر بتحقيق النصر وإلا فلا. والأمر كما أسلفنا من كلام شيخ الإسلام هو آثم وإن وافق قوله الصواب، طالما قد صدر عنه بغير علم وكانت منه رمية بغير رام. والله المستعان.

стр. 37

المبحث الثاني عشر في المحكم والمتشابه ومن أهم أصول التفسير: معرفة المحكم والمتشابه من القرآن الكريم، ومن أجل أن تعرف أهمية معرفة تلك المباحث كأصل من أصول التفسير نقف من كل منها على حدة نعرف معناها أمثلتها في القرآن. أولا: المحكم من القرآن: المحكم في اللغة هو: الذي لا اختلاف فيه ولا اضطرب، وقيل هو: ما لم يكن متشابها لأنه أحكم بيانه بنفسه، وهو فعيل بمعنى مفعل (١). واصطلاحا هو: اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا (٢)، فالمحكم من النصوص القرآنية لا يحتمل التأويل بإرادة معنى أخر إن كان خاصا، ولا التخصيص بإرادة معنى خاص إن كان عاما، لأنه مفصل مفسر لا يتطرق إليه الاحتمال. قال الجرجاني: المحكم: «ما أحكم المراد به عن التبديل والتغيير، أي التخصيص والتأويل والنسخ مأخوذ من قولهم: بناء محكم أي متقن مأمون الانتقاض ..» (٣). وقال السيوطي موردا لأقوال بعض العلماء في المحكم: «المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل .. المحكم ما وضح معناه .. المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا .. المحكم ما كان معقول المعنى .. المحكم ما استقل بنفسه .. المحكم الفرائض والوعد والوعيد ..» (٤).

стр. 38

ولعل من أفضل ما أشار بوضوح إلي معنى المحكم هو القرآن نفسه، فقد سمي الله المحكمات أمّ الكتاب قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]. ومعني: أُمُّ الْكتابِ: (أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد فإنه يرجع إليها (١). ويجب العمل بالمحكم من القرآن قطعا، اذ هو ظاهر المعنى لا يحتمل النسخ ولا التأويل ودلالته على الحكم والمعنى أقوي من أي دلالة أخرى. وللمحكم أنواع: [١] ما يكون في أصول الدين والاعتقاد: كالآيات الواردة في أسماء الله وألوهيته وربوبيته والإيمان به سبحانه، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والجنة والنار ... [٢] ما يكون في الفضائل والأخلاق والصفات الكريمة: كالصدق والعدل والأمانة والإحساس والوفاء بالعهد وبر الوالدين وصلة الرحم ... [٣] ما يكون في الأحكام، كأن يكون مدلول الحكم جزئيا ولكن جاء التصريح بما يفيد تأبيده، ومثل قوله تعالى: وما كانَ لَكمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَنْ تَنْكحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب: ٥٣]، ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا [النور: ٤]، في قاذفي المحصنات فقد اقترن في نص الآيتين ما أفاد تأبيد الحكم الذي اشتملت عليه كل منهما (٢). وقد اختلف العلماء في قدر المحكم من القرآن: أورد السيوطي ذلك الخلاف قال: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: كتابٌ أُحْكمَتْ آياتُهُ [هود: ١].

стр. 39

الثاني: أن القرآن كله متشابه، لقوله تعالى كتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ [الزمر: ٢٣]. الثالث: وهو الصحيح الراجح أن القرآن ينقسم إلي محكم ومتشابه لقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (وأجيب عن الآيتين السابقتين بأن المراد بإحكامه: إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه: كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز) (١). ثانيا: المتشابه من القرآن: المتشابه في اللغة هو: ما تشابه من الأمور بعضها ببعض، بحيث تلتبس على الناظر فيها يقال: اشتبهت الأمور أي التبست لاشتباه بعضها ببعض (٢). واصطلاحا هو: ما تشابهت ألفاظه الظاهرة، مع اختلاف معانيه، بحيث تخفي دلالة معناه لذاته، ويتعذر معرفته إلا بالرجوع لصاحب الشرع (٣). وعبّر عنه بعض أهل العلم بقوله: (المتشابه: هو في غاية الخفاء كالمحكم في غاية الظهور) (٤). وللمتشابه نوعان: الأول: متشابه في اللفظ: ومثاله فواتح السور المقطعة، (الم - ص - ن - ق - حم - كهيعص ...) فهذه الحروف المقطعة لا يدري المراد منها، وبرغم ما حاول بعض العلماء الاجتهاد، فقالوا: (إن الحكمة في تصدير بعض السور القرآنية بالحروف المقطعة هي إظهار

стр. 40

عجز العرب عن الإتيان بمثل شيء من القرآن الذي هو مركب من حروف من جنس تلك الحروف المقطعة التي يعرفونها، والدليل على ذلك إن أغلب السور التي فيهل حروف مقطعة جاء بعد الحروف إشارة إلي القرآن الكريم الر تِلْك آياتُ الْكتابِ، الر كتابٌ أُحْكمَتْ آياتُهُ «وقال بعضهم: يستخلص من الحروف المقطعة في أوائل السور بعد حذف المكرر منها تركيب عجيب هو (نصّ حكيم له سرّ قاطع) كأنه يريد أن يقول إنها وصف للقرآن الكريم» (١). وبرغم تلك المحاولات لفهم معنى تلك الأصول المتشابه يبقي نوع من الخفاء دليلا على التسليم والإيمان. الثاني: متشابه في المفهوم: وهو ما عرف معناه ظاهرا واستحال معرفة حقيقة المعنى المراد منه، كآيات الصفات، مثل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [محمد: ١٠] ويَبْقي وَجْهُ رَبِّك ذُو الْجَلالِ والْإِكرامِ (٢٧) [الرحمن: ٢٧] وجاءَ رَبُّك والْمَلَك صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر: ٢٢]، وكقوله سبحانه في المسيح ابن مريم: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَي ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكلِمَتُهُ أَلْقاها إِلي مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١] وهذا النوع من المتشابه يفهم معناه، ولكن يستحيل معرفة حقيقة المعنى المراد، فنحن نفهم من كل آية من آيات الصفات معنى ولكن تبقى حقيقة المراد من الخفي الذي لا سبيل لإيضاحه (٢).
следующие страницы →