← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18118

التيسير في أصول واتجاهات التفسير

عماد علي عبد السميع

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كان قد قذف من زني في نفس الأمر، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به وتكلف ما لا علم له به والله أعلم (١). ومن خلال هذه الآثار يتبين لنا خطورة الاجتراء على تفسير القرآن بغير علم، وهذا كله محمول بالطبع على ما لا علم للإنسان فيه من معاني القرآن فأما ما كان يعرفه لوضوح دلالته أو لأنه تعلمه وقرأه فيكون الكلام به من أفضل القرب لأنه تبيين وبلاغ. وأجدر الناس بالتورع عن الاجتراء على القول بغير علم في تفسير القرآن هم طلبة العلم، ولكن للأسف قد يحدث العكس، ففي إطار الجدل بحثا عن إرضاء النفس وإظهار قدراتها قد يثور الجدل في مسألة تفسيرية أو غيرها ويجترئ أكثرنا بدون علم. وصدق من قال: إن أكثر أهل زماننا - الآن - يجترئ الواحد منهم على القول في المسألة، وربما تكون نفس المسألة لو سئل فيها عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر - يعني أكابر الصحابة، ولنحرص يا طلاب العلم على تعليم الناس هذا الورع فقد يأتيك اثنان يختصمان إليك في معنى آية وهذا يقول أنا قلت كذا والآخر يقول وأنا قلت كذا، وقبل أن تجيبهما إن كنت تعلم الجواب، بين لهما خطورة الأمر وأنه لا يحق لهما المجادلة في كتاب الله ، وأن يقول الواحد تفسيرا بغير علم ثم يلتمس له دليلا من العلماء فإن وافق كلام العلماء شعر بتحقيق النصر وإلا فلا. والأمر كما أسلفنا من كلام شيخ الإسلام هو آثم وإن وافق قوله الصواب، طالما قد صدر عنه بغير علم وكانت منه رمية بغير رام. والله المستعان.

стр. 37

المبحث الثاني عشر في المحكم والمتشابه ومن أهم أصول التفسير: معرفة المحكم والمتشابه من القرآن الكريم، ومن أجل أن تعرف أهمية معرفة تلك المباحث كأصل من أصول التفسير نقف من كل منها على حدة نعرف معناها أمثلتها في القرآن. أولا: المحكم من القرآن: المحكم في اللغة هو: الذي لا اختلاف فيه ولا اضطرب، وقيل هو: ما لم يكن متشابها لأنه أحكم بيانه بنفسه، وهو فعيل بمعنى مفعل (١). واصطلاحا هو: اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا (٢)، فالمحكم من النصوص القرآنية لا يحتمل التأويل بإرادة معنى أخر إن كان خاصا، ولا التخصيص بإرادة معنى خاص إن كان عاما، لأنه مفصل مفسر لا يتطرق إليه الاحتمال. قال الجرجاني: المحكم: «ما أحكم المراد به عن التبديل والتغيير، أي التخصيص والتأويل والنسخ مأخوذ من قولهم: بناء محكم أي متقن مأمون الانتقاض ..» (٣). وقال السيوطي موردا لأقوال بعض العلماء في المحكم: «المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل .. المحكم ما وضح معناه .. المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا .. المحكم ما كان معقول المعنى .. المحكم ما استقل بنفسه .. المحكم الفرائض والوعد والوعيد ..» (٤).

стр. 38

ولعل من أفضل ما أشار بوضوح إلي معنى المحكم هو القرآن نفسه، فقد سمي الله المحكمات أمّ الكتاب قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]. ومعني: أُمُّ الْكتابِ: (أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد فإنه يرجع إليها (١). ويجب العمل بالمحكم من القرآن قطعا، اذ هو ظاهر المعنى لا يحتمل النسخ ولا التأويل ودلالته على الحكم والمعنى أقوي من أي دلالة أخرى. وللمحكم أنواع: [١] ما يكون في أصول الدين والاعتقاد: كالآيات الواردة في أسماء الله وألوهيته وربوبيته والإيمان به سبحانه، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والجنة والنار ... [٢] ما يكون في الفضائل والأخلاق والصفات الكريمة: كالصدق والعدل والأمانة والإحساس والوفاء بالعهد وبر الوالدين وصلة الرحم ... [٣] ما يكون في الأحكام، كأن يكون مدلول الحكم جزئيا ولكن جاء التصريح بما يفيد تأبيده، ومثل قوله تعالى: وما كانَ لَكمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَنْ تَنْكحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب: ٥٣]، ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا [النور: ٤]، في قاذفي المحصنات فقد اقترن في نص الآيتين ما أفاد تأبيد الحكم الذي اشتملت عليه كل منهما (٢). وقد اختلف العلماء في قدر المحكم من القرآن: أورد السيوطي ذلك الخلاف قال: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: كتابٌ أُحْكمَتْ آياتُهُ [هود: ١].

стр. 39

الثاني: أن القرآن كله متشابه، لقوله تعالى كتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ [الزمر: ٢٣]. الثالث: وهو الصحيح الراجح أن القرآن ينقسم إلي محكم ومتشابه لقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (وأجيب عن الآيتين السابقتين بأن المراد بإحكامه: إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه: كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز) (١). ثانيا: المتشابه من القرآن: المتشابه في اللغة هو: ما تشابه من الأمور بعضها ببعض، بحيث تلتبس على الناظر فيها يقال: اشتبهت الأمور أي التبست لاشتباه بعضها ببعض (٢). واصطلاحا هو: ما تشابهت ألفاظه الظاهرة، مع اختلاف معانيه، بحيث تخفي دلالة معناه لذاته، ويتعذر معرفته إلا بالرجوع لصاحب الشرع (٣). وعبّر عنه بعض أهل العلم بقوله: (المتشابه: هو في غاية الخفاء كالمحكم في غاية الظهور) (٤). وللمتشابه نوعان: الأول: متشابه في اللفظ: ومثاله فواتح السور المقطعة، (الم - ص - ن - ق - حم - كهيعص ...) فهذه الحروف المقطعة لا يدري المراد منها، وبرغم ما حاول بعض العلماء الاجتهاد، فقالوا: (إن الحكمة في تصدير بعض السور القرآنية بالحروف المقطعة هي إظهار

стр. 40

عجز العرب عن الإتيان بمثل شيء من القرآن الذي هو مركب من حروف من جنس تلك الحروف المقطعة التي يعرفونها، والدليل على ذلك إن أغلب السور التي فيهل حروف مقطعة جاء بعد الحروف إشارة إلي القرآن الكريم الر تِلْك آياتُ الْكتابِ، الر كتابٌ أُحْكمَتْ آياتُهُ «وقال بعضهم: يستخلص من الحروف المقطعة في أوائل السور بعد حذف المكرر منها تركيب عجيب هو (نصّ حكيم له سرّ قاطع) كأنه يريد أن يقول إنها وصف للقرآن الكريم» (١). وبرغم تلك المحاولات لفهم معنى تلك الأصول المتشابه يبقي نوع من الخفاء دليلا على التسليم والإيمان. الثاني: متشابه في المفهوم: وهو ما عرف معناه ظاهرا واستحال معرفة حقيقة المعنى المراد منه، كآيات الصفات، مثل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [محمد: ١٠] ويَبْقي وَجْهُ رَبِّك ذُو الْجَلالِ والْإِكرامِ (٢٧) [الرحمن: ٢٧] وجاءَ رَبُّك والْمَلَك صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر: ٢٢]، وكقوله سبحانه في المسيح ابن مريم: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَي ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكلِمَتُهُ أَلْقاها إِلي مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١] وهذا النوع من المتشابه يفهم معناه، ولكن يستحيل معرفة حقيقة المعنى المراد، فنحن نفهم من كل آية من آيات الصفات معنى ولكن تبقى حقيقة المراد من الخفي الذي لا سبيل لإيضاحه (٢).

стр. 41

وحكم المتشابه: أنه يجب التوقف عن تأويله إلا في حدود المعنى الظاهر منه، مع وجوب الإيمان به على وفق مراد الله تعالى منه، ويكفي أن يجعل الله تعالى من يحاول تأويل المتشابه من أهل الزيغ فيقول: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]، ويجعل من يقفون عن تأويله ويؤمنون بالمحكم والمتشابه على سواء من الراسخين في العلم، فيقول: والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. طرف من الحكمة من إنزال المتشابه في القرآن: قد يقول قائل: هلّا جعل الله القرآن كله محكما دالا على ما أراده ليكون أكشف للحق وأمنع للشبهة لِيَهْلِك مَنْ هَلَك عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢]. والجواب: أنه ربما تكون الحكمة في ذلك أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردهم إلي المحكم فيطول بذلك فكرهم، ولو أنزله كله محكما لاستوي فيه العالم والجاهل، كما أن لو كان كله محكما ما كان يحتاج إلي طول بحث ونظر وقد يترتب على هذا أن ينصرفوا عنه عند ما ييأسوا من أن يكون فيه معان متجددة، وقيل إن من حكمة إنزال المتشابه أن الله أراد أن يختبر الراسخين في العلم هل سيقفون عند حدود ما علّمهم أم أنهم سيحاولون البحث فيما استأثر هو بعلمه، فإن وقفوا وسلموا كان هو المطلوب وهو النجاح، فأمنية العلماء البحث ومعرفة الأسرار فابتلاهم الله بما هو خلاف هواهم وعكس متمناهم .. كما ابتلي الله جنود طالوت بالنهر: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكمْ بِنَهَرٍ [البقرة: ٢٤٩] (١). موقف السلف من المتشابه: لعل من المهم هنا ونحن نتحدث عن المتشابه من القرآن ووجوب معرفته

стр. 42

كأصل من أصول التفسير أن نبين موقف السلف من المتشابه، وإن كانت قد سبقت إشارة إلي ذلك في مبحث التأويل عندهم، لكن لتمام الفائدة نقول: لقد حذر النبي ﷺ أصحابه من اتباع المتشابه كما علم من القرآن، فقال: (يا عائشة إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمي الله فاحذريهم) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إنهم كانوا - أي الصحابة - إذا رأوا من يسأل عن المتشابه بالغوا في كفّه، تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب، وتارة بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته، ولذلك لما بلغ عمر ﵁ أن (صبيغا) يسأل عن المتشابه أعد له عراجين النخل، فبينما عمر يخطب قام فسأل عن والذَّارِياتِ ذَرْوًا ١ فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) [الذاريات: ١ - ٢]، وما بعدها فنزل عمر فقال: لو وجدتك محلوقا - كناية عن رقة الدين أو صفة للمنافقين - لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، ثم أمر به فضربه ضربا شديدا وبعث به إلي البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسا إلا قالوا عزمة أمير المؤمنين فتفرقوا عنه، حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد في نفسه شيئا مما كان، فأذن عمر في مجالسته) (٢). وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس - أي المتشابه - يقول له: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ) (٣). وكان الشافعي ﵀ يقول: آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ (٤).

стр. 43

وهذا الموقف محمول على موقفهم من التكلف في فهم المتشابه، الفهم الذي يؤدي إلي الفتنة لا الاسترشاد قال ابن تيمية ﵀ معقبا على قصة صبيغ: وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبي ﷺ إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه وكما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: ٧] فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد، كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهي النبي ﷺ عن ذلك فقال: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض) (١). وأما محاولة فهم معنى المتشابه والتدبر فيه بغير تكلف فهذا أمر جائز وما كان السلف يمتنعون منه فها هو مجاهد ﵀ يقول: (عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلي أخره مرات أقفه عند كل آية وأسأله عنها. فهذا ابن عباس حبر الأمة وهو أحد من كان يقول: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن) (وقال الحسن البصري ﵀ ما نزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت وماذا عني بها وما استثني من ذلك لا متشابها ولا غيره) (٢). ولم يمتنع أحد الصحابة والتابعين عن تفسير آية من كتاب الله ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم، ولا قال أحد قط من سلف الأمة ولا الأئمة المتبوعين إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله ﷺ ولا أهل العلم والإيمان جميعهم (٣). (لأن الله تعالى لم يقل في المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، وإنما قال:

стр. 44

وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو ... ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره بل قال: كتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَك لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: ٢٩] كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته (وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات وما لا يعقل له معنى لا يتدبر وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: ٨٢ - محمد: ٢٤] .. (ولم يستثن شيئا منه نهي عن تدبره، والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه) (١). فمثلا: (الذّاريات - فالحاملات - فالجاريات - فالمقسّمات) من المتشابه لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها ومتي تهب وأعيان السحاب وما تحمله من المطر ومتي ينزل ... وهكذا فهذا لا يعلمه إلا الله) (٢). وعلى نقيض السلف وجد من توقف قطعا عن التفسير المتشابه فعطل الآيات ووجد من تكلف علم ما لا علم له به. فاللهم اجعلنا على طريق السلف وألحقنا بهم.

стр. 45

المبحث الثالث عشر الناسخ والمنسوخ ومن أهم أصول التفسير الناسخ والمنسوخ. والنسخ في اللغة: الإزالة والنقل يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته ونسخت الكتاب أي نقلته. ومنه قال تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] (١) إِنَّا كنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩]. واصطلاحا هو: عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق، ويطلق الناسخ على الله سبحانه ويطلق على الرسول ﷺ إذا كان النسخ بحديثه ويطلق على الآية والحديث فيقال هذه الآية ناسخة وهذا الحديث أيضا (٢). طريق معرفة النسخ: النسخ من الأمور التي لا تعرف بالاجتهاد العقلي أو القياس، وإنما طريقه النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ إذ أن زمان النسخ هو عهد النبوة ونزول الوحي، وبعد انقضاء هذا العهد لا مجال لادعاء النسخ وفي الغالب يذكر الراوي لخبر النسخ تاريخ سماعه فيقول: سمعت هذا عام الفتح، ويكون المنسوخ معلوما بقدمه، أي على هذا التاريخ، أو أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ معا فيقول رخّص لنا في كذا فمكثنا كذا ثم نهينا عنه وذلك لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق لأن ثبوتها محقق أولا

стр. 46

ورفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق (١). وسيلة النسخ: لا وسيلة للنسخ إلا الوحي فقط سواء كان قرانا أو سنة، قال تعالى أمرا نبيه ﷺ أن يرد على من طلبوا منه تبديل القرآن والإتيان بغيره: قُلْ ما يَكونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحي إِلَيَّ [يونس: ١٥] فهذا واضح في بيان الوسيلة أو الأداة في النسخ وأنه لا دخل للنبي ﷺ فيه إلا التبليغ (٢). الحكمة من النسخ: للنسخ عدة حكم واضحة جليلة لعل من أهمها: [١] التيسير ورفع الحرج والمشقة عن العباد إذا كان الناسخ أيسر من المنسوخ، فمثلا كان المسلمون في أول فرض الصيام إذا أفطروا بعد المغرب ونام أحدهم لا يجوز له أن يأكل حتى غروب اليوم التالي فنسخ ذلك بقوله تعالى: وَكلُوا واشْرَبُوا حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَكمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]، ولما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]، شق ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى ما نسخها: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، ولما نزل وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤]، شق أيضا عليهم ذلك لأنه نص في أن الإنسان محاسب حتى على حديث نفسه، فأنزل الله تعالى: لا يُكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] ... وغير ذلك كثير يتضح منه أن أجلّ الحكم من وراء النسخ هي التيسر ورفع الحرج والمشقة عن العباد. [٢] إظهار عظمة الرب سبحانه ببيان أنه المتصرف في كل الأمور سابقا ولا حقا، وأنه يفعل ما يشاء وهذا واضح من تذييل آية النسخ بقوله تعالى:

стр. 47

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلي كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْك السَّماواتِ والْأَرْضِ [البقرة: ١٠٧ - ١٠٨]. [٣] إظهار كمال عبودية المؤمنين فالمؤمن الذي يقبل النسخ كأنه منتظر لإشارة ربه سبحانه كيفما وردت وبأي وجه صدرت فتظهر طاعة العبد بكمال الخضوع والانقياد. أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ كأصل من أصول التفسير: روي ابن عبد البر عن يحيي بن أكثم قال: (ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء وعلى المتعلمين وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب والعمل به واجب لازم ديانة والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهي إليه، فالواجب على كل عالم علم ذلك، لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرا لم يوجبه الله أو يضع عنهم فرضا أوجبه الله) (١). حكم النسخ من ناحية إثباته وعدمه: قال الآمدي في الإحكام: (وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا وعلى وقوعه شرعا ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوي أبي مسلم الأصفهاني فإنه منع ذلك شرعا وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوي اليهود فإنهم انقسموا ثلاث فرق: فذهبت الشمعنية إلي امتناعه عقلا وذهبت العنانية إلي امتناعه سمعا لا عقلا، وذهبت العيسوية إلي جوازه عقلا ووقوعه سمعا واعترفوا بنبوة محمد ﷺ لكن إلي العرب) (٢). وأطال الآمدي في الإحكام مناقشة منكري النسخ وأقام لذلك البراهين العقلية والنقلية الواضحة فمن ذلك: (قال: الدليل العقلي على جواز النسخ هو أن المنكر له إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما

стр. 48

يشاء من غير نظر إلي حكمة أو غرض، وإما أن يكون ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى، فإن كان الأول فلا يمتنع عليه تعالى أن يأمر بالفعل في وقت وينهي عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان ونهي عنه في يوم العيد، وإن كان الثاني: فمع بطلانه في كتب الكلام فلا يمتنع أن يأمر بالفعل في وقت وينهي عنه في وقت للمصلحة، فإن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، حتى إن مصلحة الشخص الواحد قد تختلف باختلاف الأزمان فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه وينهاه عنه في زمان آخر لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته .. ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا) (١). أنواع النسخ: قال الشوكاني ﵀ في إرشاد الفحول: (نسخ التلاوة دون الحكم، والعكس، ونسخهما معا ..) (٢). وهذا يعني أنها ثلاثة أنواع: الأول: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه. مثل: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله) فقد ثبت أن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه أي تلاوته وبقي حكمه. الثاني: ما نسخ حكمه مع بقاء تلاوته مثل قوله تعالى: واللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّي يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) [النساء: ١٥]، (فقد نسخ

стр. 49

هذا الحكم بقول النبي ﷺ : (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الرجم)، فصارت هذه السّنّة ناسخة لحكم تلك الأنواع مع بقاء تلاوتها (١). الثالث: ما نسخ حكمه وتلاوته معا: مثل ما ورد عن عائشة أنها قالت كان فيما انزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس في المصحف عشر رضعات محرمات ولا حكمها فهما منسوخان (٢). وهناك من ذكر للناسخ والمنسوخ أنواعا أخرى باعتبار آخر وهي: [١] النسخ إلي الأيسر مثل: نسخ عدة المتوفي عنها زوجها من حول كامل إلي أربعة أشهر وعشرا [٢] النسخ إلي الأشق مثل: نسخ صوم عاشوراء إلي صوم رمضان. [٣] النسخ إلي المثل مثل: نسخ الصلاة إلي بيت المقدس بالصلاة إلي المسجد الحرام. الفرق بين النسخ والبداء: قال الآمدي ﵀: «اعلم أن البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء ومنه يقال بدا لنا سور المدنية بعد خفائه وبدا لنا الأمر الفلاني أي ظهر بعد خفائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧]، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ٢٨]، والبداء مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء، وذلك بالطبع مستحيل في حق الله تعالى فله العلم الأزلي المطلق، والنسخ ليس ظهورا بعد خفاء ولا علم بعد جهل، وإنما علم الله أزلا أنه يأمر

стр. 50

بفعل من الأفعال للمصلحة في وقت معين، وعلم استلزام نسخه فيه لا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا عنه (١). ولما خفي الفرق بين النسخ والبداء على اليهود والرافضة: منعت اليهود من النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء .. فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع، ولزم الروافض على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل، مع النصوص القطعية والأدلة العقلية الدالة على استحالة ذلك في حقه سبحانه، وأنه لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء (٢). ويكفي أن يقرر الحق ما يدلل على أزلية علمه قبل خلق الموجودات فيقول تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكمْ إِلَّا فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِك عَلَي اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) [الحديد: ٢٢].

стр. 51

المبحث الرابع عشر الخفي والمشكل والمجمل هذه ثلاثة أسماء لبعض أنواع الدلالات في الألفاظ القرآنية، وهي تشير إلي عدم الوضوح (فالخفاء والإشكال والإجمال) لا توحي إلا بالإبهام، وهذا الإبهام قد يزول بالاجتهاد في معرفة المعنى المراد، وقد لا يزول إلا ببيان من الشارع نفسه، ومعرفة هذه الأنواع من أنواع الدلالات للمفسر مهمة جدا في أصول التفسير وسنقف مع كل منها وقفة بإيجاز. أولا: الخفي: [١] تعريف الخفي: هو ما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب (١). [٢] سبب الإبهام في الخفي: أن اللفظ الموضوع لفرد من الأفراد لإعطائه حكما قد يعكر صفو ظهوره أن يكون لهذا الفرد اسم خاص أو صفة يزيدها أو ينقصها عن سائر الأفراد، فتكون هذه التسمية الخاصة أو الصفة الزائدة أو الناقصة سببا في الخفاء والاشتباه. مثال ذلك: قول الله تعالى: والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨]. فلفظ والسَّارِقُ هنا هو الذي يأخذ المال خفية من حرزه هل ينطبق على (النشال) الذي يأخذ أموال الناس في يقظتهم على حين غفلة منهم؟ وكذلك النباش الذي ينبش قبور الموتي ليأخذ أكفانهم؟ ويحد حد السرقة؟. ففي الأمر خفاء سببه أن كل واحد من هؤلاء اختص باسم هو سبب سرقته

стр. 52

التي عرف بها، ولإزالة هذا الخفاء لا بدّ من النظر، وبعد النظر وجد أن السارق إذا كان يسرق والعيون نائمة فإن النشال يسرق والأعين يقظة مما يدل على مكره ودهائه في تنفيذ جريمته وهي السرقة وكذلك النباش، فهؤلاء كلهم سراق يحدون حد السرقة وما كان هذا الأمر ليتضح إلا بعد النظر (١). ثانيا: المشكل: [١] تعريف المشكل: لغة هو الداخل في أشكاله أي من أمثاله وأشباهه (٢). واصطلاحا: ما اشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله وأشباهه على وجه لا يعرف إلا بدليل يتميز به من سائر الأشكال (٣). وقال السيوطي ﵀ في المشكل هو: ما يوهم التعارض بين الآيات وكلامه سبحانه منزه عن ذلك (٤). [٢] سبب الإشكال: أن تكون الكلمة في موضع دالة على معنى ولا تدل عليه في المواضع الأخرى التي وردت فيها أو قد تتعدد المعاني في لفظ واحد ويشكل على السامع المعنى المراد بها في هذا الموضع وعلى هذا فالمشكل أشد إبهاما من الخفي (٥). أهمية معرفة المشكل: أن معرفة المشكل للمفسر أمر مهم جدا، ذلك لأن بعض قصّار النظر والجهلة والمغرضين من أعداء القرآن، بمجرد ما يعرض لهم شيء من المشكل يظنون في القرآن تعارضا وتضاربا، وربما يتتبعونه، وقد تنبه لخطورة هذا الأمر العلماء قديما وحديثا حتى أصبح تأويل المشكل علما كاملا، كتب

стр. 53

فيه ابن قتيبة كتابة (تأويل مشكل القرآن) والسيوطي تناوله في الإتقان في النوع الثامن والأربعين: (في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض (وكتب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كتابة دفع الإيهام والاضطراب عن آيات الكتاب (١). وتأمل هذا الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه لتعرف أهمية معرفة المشكل بالنسبة للمفسر وطالب التفسير والداعية وعموم المسلمين: «جاء رجل إلي ابن عباس فقال: رأيت أشياء تختلف عليّ من القرآن، فقال ابن عباس: ما هو؟ أشك؟ قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف قال هات ما اختلف عليك من ذلك قال: أسمع الله يقول: ثُمَّ لَمْ تَكنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كنَّا مُشْرِكينَ (٢٣) [الأنعام: ٢٣]، وقال: ولا يَكتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، وأسمعه يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ (١٠١) [المؤمنون: ١٠١] ثم قال: وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلي بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) [الصافات: ٢٧]، وقال: أَإِنَّكمْ لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِك رَبُّ الْعالمين (٩) وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وبارَك فِيها وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوي إِلَي السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) [فصلت: ٩ - ١١]، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكها فَسَوَّاها (٢٨) وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) والْأَرْضَ بَعْدَ ذلِك دَحاها (٣٠) [النازعات: ٢٧ - ٣٠] وأسمعه يقول: وكان الله .. ما شأنه يقول: وكان الله .. ؟. فقال ابن عباس: أما قوله ثُمَّ لَمْ تَكنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كنَّا مُشْرِكينَ (٢٣) [الأنعام: ٢٣] (فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل

стр. 54

الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كنَّا مُشْرِكينَ فختم على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعندئذ يَوَدُّ الَّذِينَ كفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّي بِهِمُ الْأَرْضُ ولا يَكتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) [النساء: ٤٢]، وأما قوله: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فإنه إذا نفخ في الصور فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨]، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْري فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) [الزمر: ٦٨]، وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلي بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) [الطور: ٢٥]. وأما قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض وأما قوله والْأَرْضَ بَعْدَ ذلِك دَحاها، يقول: جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا. وأما قوله: وكانَ اللَّهُ ... (فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك عزيز، حكيم، عليم، قدير، لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك، وأن الله لم ينزل شيئا إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١). وذكر الزركشي في البرهان أن رجلا سأل بعض العلماء عن قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] فأخبر أنه لا يقسم بهذا البلد ثم أقسم به في قوله تعالى: وهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) [التين: ٣]، فقال له العالم: أي الأمرين أحب إليك؟، أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟.

стр. 55

فقال السائل: بل اقطعني ثم أجبني فقال له: (اعلم أن القرآن نزل على رسول الله ﷺ بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمرا وعليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه ولكن القوم علموا وجهلت فلم ينكروا فيه ما أنكرت ثم قال له: إن العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغي معناها (١). ونظائر هذا في القرآن كثيرة منها - أيضا -: قال تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكما تُكذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ ولا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن: ٣٧ - ٣٩]، فأخبر هنا أنه: لا يسأل الإنس ولا الجن يوم القيامة عن أعمالهم، بينما في آيات أخرى أثبت أنه يسألهم من ذلك قوله تعالى: وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ [الشعراء: ٩٠ - ٩٣]، ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) [القصص: ٦٢]، ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) [القصص: ٦٥]، وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصافات: ٢٤]. وحل الإشكال: أن السؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستفهام عن الأمور المجهولة، فإنه لا حاجة إلي سؤالهم مع كمال علم الله تعالى وإحاطته بأعمالهم والسؤال المثبت هو سؤال تقريرهم بأعمالهم لتوبيخهم وإظهار أن الله حكم فيهم بعدله وحكمته (٢). ومن هذا يتبين لنا أهمية قضية المشكل وكيف يتصيد هذه المواضع أعداء القرآن ليحرجوا الدعاة المساكين أمثالنا ممن لا يعرفون كيف يزال إشكال المشكل.

стр. 56

مثال آخر لتوضيح المشكل: قال تعالى: نِساؤُكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتُوا حَرْثَكمْ أَنَّي شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]. فلفظ (أني) فيه إشكال: حيث يستعمل في لغة العرب بمعني: (كيف - ومتي - وأين - وحيث). فإذا تأولنا معناها (أين وحيث) فإنه لا يلتئم مع سياق الآية لأن قوله تعالى نِساؤُكمْ حَرْثٌ لَكمْ هو في حقيقته تفسير لما قبله، وهو قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكمْ أَنَّي شِئْتُمْ أي إن المأتي الذي أمركم الله به هو مكان الحرث الذي منه الإنجاب، وإذا أولنا (أني بمعنى (متى) فإنه لا يصح لأنها تتضمن مطلق الزمان والله تعالى يقول: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّي يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٢٢]. وبعد التأمل والنظر في المعاني والسياق اتضح أن معنى أَنَّي يرجع إلي معنى (كيف) وبذلك زال الإشكال (١). ثالثا: المجمل: [١] تعريفه: لغة هو المجموع، يقال أجملت الشيء إجمالا إذا جمعته عن تفرقة، وأكثر ما يستعمل في الكلام الموجز (٢). واصطلاحا: المجمل ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر (٣). وقيل هو ما ازدحمت فيها المعاني واشتبه المراد منه اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل الرجوع إلي الاستفسار والتأمل (٤).

стр. 57

مثال المجمل: قوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما فاقطعوا أيديهما، فلفظ فَاقْطَعُوا، أَيْدِيَهُما. فيهما إجمال، فالقطع يصدق على قطع العضو وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح من غير بتر، واليد يصدق على جملتها إلي المنكب وإلي المرفق وإلي الكوع .. وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، ووضح هذه الإجمال فعل النبي ﷺ في السّنّة. ومن المجمل في القرآن: الآيات الواردة في فرض الصلاة والزكاة وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ (فالصلاة والزكاة لهما تفاصيل أخرى كثيرة وضحت في سنّة النبي ﷺ ومثلهما: الصوم والحج وكثير من العبادات والمعاملات). هذا ولا بد من الوضع في الاعتبار أنه كثيرا ما يحدث اختلاف بين علماء الأصول وكذلك المفسرين في فهم بعض الآيات القرآنية أهي من المشكل أم الخفي أم المجمل أو من المحكم أو من المتشابه .. ونحو ذلك وفي مثل تلك الحالات يكون الرجوع إلي أهل التحقيق الذين عرفوا بالاستيعاب والاستقصاء لأطراف المسائل أفضل طريق لحسم مادة النزاع والله أعلم. الفرق بين الخفي والمشكل والمجمل: الخفي/ المشكل/ المجمل خفاؤه ناشئ من عارض خارج اللفظ وهو الصفة الزائدة أو الناقصة التي تحيط هذا الاسم أو الفرد بالإبهام والاشتباه./ خفاؤه نابع من ذات اللفظ لذلك هو أشد إبهاما من الخفي، والمشكل في الغالب الألفاظ فيه توهم التعارض لتداخلها في أشكالها./ هو شيء غير مفصل، وخفاؤه ناشئ من عدم وضوح حدوده وأبعاده.

стр. 58

المبحث الخامس عشر العام والخاص والمشترك لقد اشتمل القرآن الكريم في ألفاظه على ألفاظ متنوعة لكل منها دلالة معينة، فمن الألفاظ ما هو عام يفيد الشمول والاستغراق ويسمي العام، وقد يطرأ على هذا العموم ما يخرج بعض الأفراد التي شملها العام، وهذا يسمي الخاص، ومن الألفاظ ما يكون له في أصل اللغة أكثر من الاستعمال وهذا يسمي المشترك. ومن الاصول المهمة للتفسير معرفة تلك الدلالات حتى لا يقع المفسر في الخطأ وهو يفسر، فربما يخرج أفرادا من حكم لا وجه لإخراجهم، أو يعمم حكما هو لحالات أو أفراد مخصوصين بأعيانهم، أو يفسر لفظا يجزم بأن معناه كذا، مع أنه مشترك له عدة معان، وسنقف مع كل أصل من هذه الأصول وقفة يسيره بإذن الله لمعرفة تلك الدلالات. أولا: العام: [١] تعريف العام: هو ما وضع وضعا واحدا لكثير غير محصور (١): مثل: قوله تعالى: والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] وفَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣]. فلفظ السَّارِقُ والسَّارِقَةُ عام في كل من سرق، والبيع والربا عام في البيوع والربويات، ورقبة عام تشمل كل رقبة مؤمنة وغير مؤمنة ذكر أو أنثي. [٢] صيغ العموم (٢): للعموم صيغ مستعملة تدل عليه نذكر منها: لفظ (كل) مثاله كلُّ امْرِئٍ بِما كسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١].

стр. 59

لفظ (جميع) مثاله وسَخَّرَ لَكمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]. اسم الشرط مثاله: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها [النساء: ٨٥]. الأسماء الموصولة: الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا [البقرة: ٢٧٥]. وَأُحِلَّ لَكمْ ما وَراءَ ذلِكمْ [النساء: ٢٤]. وَما آتاكمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. النكرة الواقعة بعد النفي: وَلا تُصَلِّ عَلي أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤]. النكرة الموصوفة بوصف عام: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك [البقرة: ٢٢١]. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذيً [البقرة: ٢٦٣]. الجمع المعرّف باللام الاستغراقية: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة: ٢٢٨]. الجمع المعرف بالإضافة: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣]. حُرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهاتُكمْ [النساء: ٢٣]. المفرد المعرف بأل الاستغراقية الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]. أسماء الاستفهام: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة: ٢٤٥].

стр. 60

هذه أهم صيغ الألفاظ التي تفيد العموم، فإذا رأى المفسر شيئا منها في سياق حمله على مقتضى دلالة اللفظ أي العموم ما لا يرد مخصص. [٣] أنواع العام: (١) لقد تحدث الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة - وغيرها - عن أنواع العام من الألفاظ وهي ثلاثة: العام الباقي على عمومه ومثاله: قول الله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كلِّ شَيْءٍ وهُوَ عَلي كلِّ شَيْءٍ وَكيلٌ (٦٢) [الزمر: ٦٢]. حُرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهاتُكمْ [النساء: ٢٣]. العام الذي يراد به الخصوص أصلا مثل: وَلِلَّهِ عَلَي النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]. فلفظ النَّاسِ عام يطلق على المؤمن وغير المؤمن ولكن المراد به خاص وهو المؤمن ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ١٢٠] .. (فهذا عام أريد به الخصوص وهم القادرون على الجهاد، أما العجزة ومن لا يقدرون على الخروج فهم غير مقصودين .. العام الذي يجمع العموم والخصوص مثاله: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَي الْمُؤْمِنِينَ كتابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣] (فلفظ الْمُؤْمِنِينَ جمع معرف بأل الاستغراقية فأفاد العموم لكن فيه خصوص دلت عليه السّنّة في قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ ...) الحديث (٢). وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكمْ مِنْ ذَكرٍ وأُنْثي وجَعَلْناكمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ

стр. 61

لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكمْ [الحجرات: ١٣]. وفيها عموم هو أن كل نفس خوطبت بهذا في زمان الرسول ﷺ وبعده - ذكرا أو أنثي - والخصوص في قوله تعالى إِنَّ أَكرَمَكمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكمْ لأن التقوي لا تكون إلا ممن عقلها وكان من أهلها من البالغين من بني آدم. الفرق بين العام والمطلق: قد يبدو من الأسماء أنه لا فرق بين العام والمطلق ولكن الأمر غير ذلك: فقد فرق بينهما بعض أهل العلم فقالوا: «العام يدل على شمول اللفظ لجميع أفراده من غير حصر، أما المطلق يدل على فرد شائع أو أفراد شائعة من جنسه لا على سبيل العموم الذي يتناول جميع الأفراد» (١). ثانيا: الخاص: [١] تعريف الخاص: لغة: التفرد والانقطاع عن المشاركة، يقال خصه بالشيء أفرده به دون غيره. واصطلاحا: كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد وقطع المشاركة (٢). مثاله: ارْكعُوا واسْجُدُوا [الحج: ٧٧] .. فَاجْلِدُوا كلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] (فالركوع والسجود والمائة والثمانين لا تحمل معنى آخر غير الذي وضعت له وهي خاصة به لا يشاركه فيه غيره من المعاني). [٢] أنواع الخاص: ينقسم الخاص إلي أربعة أنواع: المطلق: وهو اللفظ الذي لم يقيد بقيد لفظي يقلل من شيوعه، مثل:

стр. 62

حُرِّمَتْ عَلَيْكمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ [المائدة: ٣] .. ووَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة: ٣]. فلفظ الدَّمُ ولفظ رَقَبَةٍ كل منهما مطلق شائع في جنسه لأنه لم يقيد بقيد لفظي يقلل من شيوعه، فالدم يشمل المسفوح وغير المسفوح والرقبة تشمل المؤمن وغير المؤمن كما تشمل الذكر والأنثي. مثالين آخرين للمطلق: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكمْ ويَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، فَمَنْ كانَ مِنْكمْ مَرِيضًا أَوْ عَلي سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤]، فلفظ أَزْواجًا ولفظ أَيَّامٍ كل منهما مطلق شائع في جنسه لأنه لم يقيّد بقيد يقلل من شيوعه، فالأزواج مطلق يشمل المدخول بهن وغير المدخول، والأيام مطلق عن التقيد بزمن أو شرط كالتتابع .. ومن خلال تلك الأمثلة السابقة نعلم أن دلالة المطلق أن يعمل به على إطلاقه إلا إذا وجد دليل التقييد، فليس من حق المفسر أن يقلل من شيوع ذلك اللفظ إلا إذا وجد ما يقيده (١). المقيد: وهو اللفظ الخاص الذي قيّد بقيد لفظي قلل من شيوعه (٢). مثل: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلي طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: ١٤٥]، ومَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ [النساء: ٩٢]، فلفظ (الدم) ولفظ رَقَبَةٍ ولفظ شَهْرَيْنِ خاص قيد كل منها بقيد لفظي قلّل من شيوعه، فقيّد الدم ب (المسفوح)، وقيد الرقبة بالإيمان، وقيّد الشهرين بالتتابع. ودلالة المقيد أنه يعمل به حسب القيد ولا يصح إطلاقه.

стр. 63

قاعدة حمل المطلق على المقيد: إذا جاء مطلق ومقيد فإن كانا في نصين لحكم واحد فإنه يحمل المطلق على المقيد أي يعمل بالقيد لا الإطلاق دفعا للتعارض مثل: لفظ الدم المطلق في سورة المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ، ولفظ الدم المسفوح في سورة الأنعام إِلَّا أَنْ يَكونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا فهو مقيد هنا بالمسفوح - أي المهراق - فلا يكون الدم المتبقي في اللحم بعد تزكية الحيوان من الدم المحرم، وإن كانا في نصين لحكمين مختلفين فإنهما لا يحمل أحدهما على الآخر كما في لفظ رَقَبَةٍ المطلق في كفارة الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، ولفظ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ المقيد في كفارة القتل الخطأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (١). الأمر: وهو اللفظ الدّال على طلب فعل المأمور به على جهة الاستعلاء وهو نوع من الخاص (٢). مثاله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ [المجادلة: ١٣]، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠]، قُلْ هاتُوا بُرْهانَكمْ [الأنبياء: ٢٤]، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [طه: ٧٢]، واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَي الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) [البقرة: ٢٨٦]. والأمر كدلالة خاصة قد يكون للوجوب، وقد يكون للإباحة، وقد يكون للوعيد، وقد يكون للدعاء، وقد يكون للإخبار .. وغير ذلك. النهي: وهو اللفظ الدال على طلب الامتناع عن الفعل على جهة الاستعلاء وهو نوع من الخاص (٣).

стр. 64

مثاله: ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١]، ولا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢]، ولا تَقْرَبُوا الزِّني [الإسراء: ٣٢] حُرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهاتُكمْ وبَناتُكمْ [النساء: ٢٣]، ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم: ٧]، ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة: ٢٨٦]. والنهي كدلالة خاصة للتحريم، وقد يكون للكراهة، وقد يكون للدعاء، وقد يكون للإرشاد، وقد يكون للتحقير .. وغير ذلك، وموجب دلالة النهي شرعا الانتهاء والكف عن فعل المنهي عنه (١). ثالثا: المشترك: [١] تعريفه: لغة: قال ابن منظور (المشترك: تشترك فيه معاني كثيرة كالعين ونحوها فإنه يجمع معاني كثيرة (٢). واصطلاحا: هو كل لفظ يحتمل أكثر من معنى من المعاني المختلفة، على وجه لا يثبت إلا واحدا من جملة تلك المعاني (٣). مثل: لفظ (العين) فإنها بمعنى (البئر للماء) وبمعنى (الجارحة الباصرة) وبمعنى (الجاسوس) وبمعنى (الذهب) (٤). ولفظ (مولي) فإنها بمعنى (السيد) وبمعنى (العبد) وبمعنى (النصير) وبمعنى (الحليف) وبمعنى (العصبة) وبمعنى (المعتق) معنى (الوراث) (٥).

стр. 65

[٢] سبب الاشتراك: في الغالب يرجع الاشتراك إلي اختلاف لهجات القبائل في إطلاق الألفاظ على المعاني، فيكون اللفظ واحدا وتطلقه قبيلة على معنى وتطلقه أخرى على معنى آخر وثالثة على معنى ثالث .. وهكذا. ودلالة المشترك: مبهمة وذلك لوجود كثير من معنى في اللفظ الواحد، ومن أجل أن يرجح المفسر معنى على معنى من المعاني التي اشتركت في هذا اللفظ لا بدّ أن يتأمل: هل اللفظ المشترك الوارد في النص مشترك بين المعنى لغوي ومعنى شرعي أم لا؟. فإن كان اللفظ مشتركا بين معنى لغوي وآخر شرعي، هنا يتعين أن المراد بالمشترك المعنى الاصطلاحي الشرعي، مثل (الصلاة - الحج - الزكاة - الطلاق - الحدود). فالصلاة معناها اللغوي الدعاء، والصيام الإمساك، والحج الزيارة، والطلاق الفراق، الحدود الفاصلة بين شيئين ... ولكن الشرع أراد منها معان أخرى بهيئات مخصوصة معلومة، إلا إذا وجدت قرينة تصرف اللفظ المشترك من معناه اللغوي فإنه يصرف، مثل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ ومَلائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَي النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) [الأحزاب: ٦]، فهنا: القرينة موجودة تصرف اللفظ المشترك من المعنى الشرعي وهي الصلاة المعروفة بما فيها من ركوع وسجود إلي المعنى اللغوي وهو الدعاء. وإن لم يكن اللفظ المشترك الوارد في النص القرآني للشارع فيه معنى خاص ففي هذا مجال للاجتهاد في ترجيح معنى من المعاني (١).

стр. 66

جدول لتلخيص ما سبق تفصيله من أصول التفسير المحكم/ لغة: الذي لا خلل فيه ولا اضطراب، وهو اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا نسخا ولا تخصيصا، وله أنواع: ما يكون في أصول الدين والاعتقاد، ما يكون في الفضائل والأخلاق، وما يكون في الأحكام، وفي قدر المحكم من القرآن خلاف، الراجح أنه شمل المحكم والمتشابه، ودلالة المحكم قطعية إذ هي من أظهر الدلالات. المتشابه/ لغة: هو ما التبس بعضه ببعض، وهو ما تشابهت ألفاظه الظاهرة مع اختلاف معانيه، بحيث تخفي دلالته ويتعذر معرفة معناه إلا بالرجوع إلي صاحب الشرع. وهو نوعان: لفظي ومعنوي، ولوجوده في القرآن حكم منها: لو نزل القرآن كله محكما واضحا في دلالاته ما كان يحتاج إلي طول بحث ونظر وقد يترتب على ذلك أن ينصرفوا عنه عند ما ييأسوا من أن يكون فيه معان متجددة، وحكمه أنه يجب الإيمان به مع التوقف عن التكلف في تأويله، وهذا هو موقف السلف منه، فقد كانوا يؤمنون به ولا يتكلفون في فهمه تكلفا يؤدي إلي الفتنة وإنما يحاولون فهمه ظاهرا، ومن تتبعه للفتنة زجروه وردعوه.

стр. 67

الناسخ والمنسوخ/ لغة: الإزالة وهو عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار حكم شرعي سابق، وطريق معرفته النقل الصحيح عن الرسول الله ﷺ ، ووسيلته الوحي سواء كان قرآنا أو سنّة، ولا مجال فيه للاجتهاد العقلي، ولوجوده في القرآن الكريم حكم من أهمها: التيسير والتخفيف، وتعظيم الرب وإظهار كمال عبودية المؤمن، وله ثلاثة أنواع: نسخ التلاوة دون الحكم، والعكس ونسخها معا) وقد اختلف في إثباته والجمهور على إثباته ووقوعه شرعا وعقلا، ويختلف عن البداء الذي هو ظهور الشيء بعد خفاء والنسخ ليس كذلك، ومعرفته لازمة للمسلم حتى لا يوجب على الناس شيئا قد رفع عنهم أو يرفع عنهم واجبا بغير علم. الخفيّ/ الخفي: وهو ما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد إلا بالطلب، وسببه أنه يوصف بصفة زائدة أو ناقصة عنه، مثل والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ [المائدة: ٣٨] وسبب الخفاء أن الطرار والنباش يفعلان فعل السارق فهل يأخذان حكمه، فخفاؤه ليس نابعا من ذات اللفظ، وإنما من الوصف الذي عرض له من خارج.

стр. 68

المشكل/ لغة: الداخل في أشكاله وأشباهه، وهو ما اشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله وأشباهه على درجه لا يعرف إلا بدليل يميز شكلا من سائر الأشكال، أو هو ما يوهم ظاهره التعارض بين الآيات، وسببه أن تكون الكلمة في مكان دالة على معنى ولا تدل عليه في المواضع الأخرى أو تتعدد المعاني في لفظ واحد ويشكل على السامع المراد بها في هذا الموضوع مثل فَأْتُوا حَرْثَكمْ أَنَّي شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]، وقد يكون سببه إثبات الشيء في مكان ونفيه في مكان آخر ليس مطلقا وإنما من وجه ومعنى آخر فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ [الرحمن: ٣٩] وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصافات: ٢٤]. ومعرفة المشكل أمر ضروري للمفسر وخصوصا أن أعداء الإسلام يصنعون منه حفرا لتعجيز المؤمنين عن الرد، ويتلمسون فيه المطاعن للقول بالتناقض في القرآن الكريم وخفاؤه نابع من ذاته لذلك هو أشد إبهاما من الخفي. المجمل/ لغة: هو المجموع، وهو ما دل دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الأخر، أو ما تزاحمت فيه المعاني واشتبه المراد منه اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلي الاستفسار والتأمل مثل فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣]، وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ٩٦]، وخفاؤه ناشئ من عدم وضوح حدوده وأبعاده.

стр. 69

العام/ العام: وهو ما وضع وضعا واحدا لكثير غير محصور، وأنواعه ثلاثة: العام الباقي على عمومه، والعام الذي يراد به الخصوص، والعام الذي يجمع العموم والخصوص، وله صيغ تدل عليه منها (كل، وجميع، والأسماء الموصولة، وأسماء الشرط، والنكرة الواقعة بعد النفي، الجمع والمفرد المعرف كل منهما بأل الاستغراقية، والنكرة الموصوفة بوصف عام، والجمع المعرف بالإضافة، وأسماء الاستفهام، ويعمل بدلالته على عمومها ما لم يوجد مخصص. الخاص/ الخاص لغة: التفرد والانقطاع عن المشاركة، وهو كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد وقطع المشاركة، وله أربعة أنواع: المطلق، والمقيد، والأمر، والنهي. ويعمل بدلالته على الخصوص. المطلق/ المطلق هو: اللفظ الذي لم يقيد بقيد لفظي يقلل من شيوعه، مثل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: ٩٢] (فلفظ رقبة مطلق يشمل كل رقبة، والفرق بينه وبين العام - عند من فرق - أنه بمثابة درجه ثانية بعد العام، وإنما جعل المطلق في الخاص لنزوله درجة عن العام في شموله - ويعمل بدلالة المطلق على إطلاقها ما لم يقيد.

стр. 70

المقيد/ المقيد هو: اللفظ الخاص الذي قيد بقيد لفظي قلل من شيوعه، مثل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ [النساء: ٩٢]، فلفظ رَقَبَةٍ ولفظ شَهْرَيْنِ قيد كل منها بقيد لفظي قلل من شيوعهما، ودلالة المقيد يعمل بها حسب القيد ولا يصح إطلاقها، وإذا ورد مطلق ومقيد فإن كانا في نصين لحكم واحد حمل المطلق على المقيد، وإن كانا في نصين لحكمين مختلفين لا يحمل أحدهما على الآخر. الأمر/ الأمر: وهو اللفظ الدال على طلب الفعل المأمور به على جهة الاستعلاء، وهو نوع من الخاص مثل: اتَّقُوا اللَّهَ، ارْكعُوا واسْجُدُوا [الحج: ٧٧]، ووجه كونه من الخاص أن اللفظ في الأمر لا يحتمل إلا المعنى الخاص الذي حواه الأمر، ودلالته قد تكون للوجوب، وقد تكون للإباحة، والإرشاد والدعاء، وقد تكون للوعيد، ويعرف ذلك بالقرائن. النهي/ النهي: هو اللفظ الدال على طلب الامتناع عن الفعل على جهة الاستعلاء، وهو نوع من الخاص. مثل ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [الأنعام: ١٥١]، لا تُؤاخِذْنا [البقرة: ٢٨٦]، لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم: ٧]، وقد تكون دلالته للتحريم، أو للكراهة، أو للدعاء، أو للتحقير، ويعرف ذلك بالقرائن.

стр. 71

المشترك/ لغة: ما تشترك فيه معان كثيرة، وهو كل لفظ احتمل أكثر من معنى من المعاني المختلفة على وجه لا يثبت إلا واحدا من جملة تلك المعاني، مثل (لفظ العين)، (المولي)، ويرجع سبب الاشتراك في الغالب إلي اختلاف لهجات القبائل في إطلاق الألفاظ على المعاني، ودلالة المشترك مبهمة، ولإزالة إبهامها ينظر: فإن كان اللفظ تشترك فيه معان لغوية وشرعية رجّح معنى الشارع (كالصلاة، والصيام)، وإن كان اللفظ الذي تشترك فيه المعاني ليس للشارع فيه معنى خاص فهذا محل اجتهاد لترجيح معنى على معنى.

стр. 72

المبحث السادس عشر الحقيقة والمجاز من الدلالات اللفظية التي لا بد من إحاطة المفسر بها كأصول للتفسير الحقيقية والمجاز. أولا: الحقيقة: (١) تعريفها: في اللغة: هي الشيء الثابت، من حق الشيء بمعنى ثبت. واصطلاحا: هو كل لفظ بقي على وضعه الذي وضع له، سواء كان هذا الوضع لغويا أو شرعيا أو عرفيا (٢). قال الزركشي في البرهان (٣): لا خلاف أن كتاب الله يشتمل على الحقائق ...). وقال السيوطي في الإتقان (٤): (لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن .. وهكذا أكثر الكلام). أمثله للحقيقة: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ [النمل: ٦٠] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ [الحشر: ٢٢]، أَمَّنْ يَهْدِيكمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ [النمل: ٦٣]، أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النمل: ٦٤]، مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) [يس: ٧٨]، أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) [الواقعة: ٥٨]،

стр. 73

أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) [الواقعة: ٦٣]، أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) [الواقعة: ٦٨]، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة: ٧١]. شرح التعريف: (كل لفظ بقي على وضعه الذي وضع له) أي لم يحصل فيه تجاوز ولا تقديم ولا تأخير، (سواء كان الوضع لغويا) أي واضعه صاحب اللغة «كالإنسان» اللفظ المستعمل للحيوان الناطق (أو شرعيا) أي واضعه الشارع «كالصلاة» اللفظ المستعمل في العبادة المخصوصة في سائر الشرائع (أو عرفيا) أي لم يتعين الواضع وتعارف الناس على استعماله. ثانيا المجاز: تعريفه في اللغة: مأخوذ من الجواز والتعدي، يقال: جزت هذا الموضع أي: جاوزته وتعديته (١). اصطلاحا: المجاز فرع عن الحقيقة؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع دال عليه أولا والمجاز استعمال اللفظ فيما وضع دال عليه ثانيا، لعلاقة بين مدلولي الحقيقة والمجاز (٢). حكم وقوعه في القرآن: قال الزركشي ﵀ في البرهان: وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن الكريم، والجمهور على الوقوع، وأنكره جماعة منهم ابن القاص من الشافعية، وابن خويزمنداذ من المالكية وحكي عن داود الظاهري وابنه وأبي مسلم الأصفهاني، وشبهتهم أن المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلي المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهذا مستحيل على الله سبحانه، وهذا باطل، ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من

стр. 74

التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن (١). أقسام المجاز: ينقسم المجاز إلي قسمين: [١] مجاز مركب. [٢] مجاز مفرد. الأول: المجاز المركب: ويسمي مجاز الإسناد والمجاز العقلي، وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلي غير ما هو له لملابسته له، كقوله تعالى وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا [الأنفال: ٢]، فنسبت الزيادة إلي الآيات مع أنها فعل الله سبحانه لكونها سببا لها على سبيل المجاز. وقوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ [القصص: ٤] .. فنسب التذبيح إلي فرعون مع أن الفاعلين حقيقة هم الجنود والأتباع لكونه الآمر به، وقوله تعالى: وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر: ٣٦] فنسب البناء إلي هامان مع أن الذي سيقوم به هم البناءون لكون هامان المشرف على البناء، وقوله تعالى: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]، فنسب الفعل وهو التشييب إلي الظرف وهو يوما لوقوعه فيه، مع أنه حقيقة فعل الله تعالى. وقوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، نسب الربح إلي التجارة، والمعنى الحقيقي فما ربحوا في تجارتهم، وقوله تعالى: كلَّا إِنَّها لَظي (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوي (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلَّي (١٧) [المعارج: ١٥ - ١٧]، فدعاء

стр. 75

النار لمن أدبر مجاز وليس حقيقة، وقوله تعالى: حَتَّي تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤]، والحرب لا تضع أوزارها وإنما يضعها المحاربون ... الثاني: المجاز المفرد: ويسمي المجاز اللغوي، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا. وله أنواع كثيرة، اختلفت طريقة العلماء وفي إيرادها: فمنهم من يورد كل نوع على حدة كما فعل سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه (الإشارات إلي الإيجاز في بعض أنواع المجاز) (١)، وبلغت عنده ثمانية وسبعين نوعا، ومنهم من يري بعض الأنواع قد يدخل تحت بعض، فيورد النوع وتحته أنواعا، كما فعل الإمام الزركشي حيث بلغت في البرهان ستة وعشرين نوعا (٢)، والسيوطي في الإتقان حيث بلغت عشرين نوعا، وتحت كل نوع ربما يذكر أنواعا كثيرة (٣). أمثلة للمجاز المفرد: وسأورد لك بعض أمثلة لتعرف الفرق بين المجاز المفرد المركب.
следующие страницы →