المشترك/ لغة: ما تشترك فيه معان كثيرة، وهو كل لفظ احتمل أكثر من معنى من المعاني المختلفة على وجه لا يثبت إلا واحدا من جملة تلك المعاني، مثل (لفظ العين)، (المولي)، ويرجع سبب الاشتراك في الغالب إلي اختلاف لهجات القبائل في إطلاق الألفاظ على المعاني، ودلالة المشترك مبهمة، ولإزالة إبهامها ينظر: فإن كان اللفظ تشترك فيه معان لغوية وشرعية رجّح معنى الشارع (كالصلاة، والصيام)، وإن كان اللفظ الذي تشترك فيه المعاني ليس للشارع فيه معنى خاص فهذا محل اجتهاد لترجيح معنى على معنى.
стр. 72
المبحث السادس عشر الحقيقة والمجاز
من الدلالات اللفظية التي لا بد من إحاطة المفسر بها كأصول للتفسير الحقيقية والمجاز.
أولا: الحقيقة: (١)
تعريفها: في اللغة: هي الشيء الثابت، من حق الشيء بمعنى ثبت.
واصطلاحا: هو كل لفظ بقي على وضعه الذي وضع له، سواء كان هذا الوضع لغويا أو شرعيا أو عرفيا (٢).
قال الزركشي في البرهان (٣): لا خلاف أن كتاب الله يشتمل على الحقائق ...).
وقال السيوطي في الإتقان (٤): (لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن .. وهكذا أكثر الكلام).
أمثله للحقيقة:
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ [النمل: ٦٠] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ [الحشر: ٢٢]، أَمَّنْ يَهْدِيكمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ [النمل: ٦٣]، أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النمل: ٦٤]، مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) [يس: ٧٨]، أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) [الواقعة: ٥٨]،
стр. 73
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) [الواقعة: ٦٣]، أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) [الواقعة: ٦٨]، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة: ٧١].
شرح التعريف: (كل لفظ بقي على وضعه الذي وضع له) أي لم يحصل فيه تجاوز ولا تقديم ولا تأخير، (سواء كان الوضع لغويا) أي واضعه صاحب اللغة «كالإنسان» اللفظ المستعمل للحيوان الناطق (أو شرعيا) أي واضعه الشارع «كالصلاة» اللفظ المستعمل في العبادة المخصوصة في سائر الشرائع (أو عرفيا) أي لم يتعين الواضع وتعارف الناس على استعماله.
ثانيا المجاز:
تعريفه في اللغة: مأخوذ من الجواز والتعدي، يقال: جزت هذا الموضع أي: جاوزته وتعديته (١).
اصطلاحا: المجاز فرع عن الحقيقة؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع دال عليه أولا والمجاز استعمال اللفظ فيما وضع دال عليه ثانيا، لعلاقة بين مدلولي الحقيقة والمجاز (٢).
حكم وقوعه في القرآن:
قال الزركشي ﵀ في البرهان: وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن الكريم، والجمهور على الوقوع، وأنكره جماعة منهم ابن القاص من الشافعية، وابن خويزمنداذ من المالكية وحكي عن داود الظاهري وابنه وأبي مسلم الأصفهاني، وشبهتهم أن المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلي المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهذا مستحيل على الله سبحانه، وهذا باطل، ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من
стр. 74
التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن (١).
أقسام المجاز: ينقسم المجاز إلي قسمين:
[١] مجاز مركب.
[٢] مجاز مفرد.
الأول: المجاز المركب:
ويسمي مجاز الإسناد والمجاز العقلي، وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلي غير ما هو له لملابسته له، كقوله تعالى وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا [الأنفال: ٢]، فنسبت الزيادة إلي الآيات مع أنها فعل الله سبحانه لكونها سببا لها على سبيل المجاز.
وقوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ [القصص: ٤] .. فنسب التذبيح إلي فرعون مع أن الفاعلين حقيقة هم الجنود والأتباع لكونه الآمر به، وقوله تعالى: وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر: ٣٦] فنسب البناء إلي هامان مع أن الذي سيقوم به هم البناءون لكون هامان المشرف على البناء، وقوله تعالى: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]، فنسب الفعل وهو التشييب إلي الظرف وهو يوما لوقوعه فيه، مع أنه حقيقة فعل الله تعالى.
وقوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، نسب الربح إلي التجارة، والمعنى الحقيقي فما ربحوا في تجارتهم، وقوله تعالى: كلَّا إِنَّها لَظي (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوي (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلَّي (١٧) [المعارج: ١٥ - ١٧]، فدعاء
стр. 75
النار لمن أدبر مجاز وليس حقيقة، وقوله تعالى: حَتَّي تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤]، والحرب لا تضع أوزارها وإنما يضعها المحاربون ...
الثاني: المجاز المفرد:
ويسمي المجاز اللغوي، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا.
وله أنواع كثيرة، اختلفت طريقة العلماء وفي إيرادها: فمنهم من يورد كل نوع على حدة كما فعل سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه (الإشارات إلي الإيجاز في بعض أنواع المجاز) (١)، وبلغت عنده ثمانية وسبعين نوعا، ومنهم من يري بعض الأنواع قد يدخل تحت بعض، فيورد النوع وتحته أنواعا، كما فعل الإمام الزركشي حيث بلغت في البرهان ستة وعشرين نوعا (٢)، والسيوطي في الإتقان حيث بلغت عشرين نوعا، وتحت كل نوع ربما يذكر أنواعا كثيرة (٣).
أمثلة للمجاز المفرد:
وسأورد لك بعض أمثلة لتعرف الفرق بين المجاز المفرد المركب.
стр. 76
م/ النوع/ المثال ١/ إطلاق اسم الكل على الجزء/ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [البقرة: ١٩] أي أناملهم لاستحالة إدخال كل الأصابع في الأذن، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] أي أول الشهر، لاستحالة فهمه على الحقيقة وإلا ترتب عليه الأمر بالصيام بعد مضي الشهر.
٢/ إطلاق اسم الجزء على الكل/ ويَبْقي وَجْهُ رَبِّك [الرحمن ٢٧] أي ذاته، فَوَلُّوا وُجُوهَكمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠] أي ذواتكم، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) [الغاشية: ٢] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) [الغاشية: ٨] عبّر بالوجوه وهي جزء عن الكل مع أن النعيم أو النصب يلحق كل البدن وقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء: ٧٨] قُمِ اللَّيْلَ [المزمل ٢] ارْكعُوا واسْجُدُوا [الحج: ٧٧] ومِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ [الليل: ٢٦] فالقراءة والقيام والركوع والسجود أجزاء من الصلاة وأطلقت عليها من قبيل المجاز.
٣/ إطلاق المسبب على السبب/ ويُنَزِّلُ لَكمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا [غافر: ١٣]، قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكمْ لِباسًا [الأعراف: ٢٦]، أي مطرا يتسبب عنه الرزق واللباس، لا يَجِدُونَ نِكاحًا [النور: ٣٣]، أي مؤنة من مهر ونفقة وما لا بد للمتزوج منه.
стр. 77
م/ النوع/ المثال ٤/ تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه/ وآتُوا الْيَتامي أَمْوالَهُمْ [النساء: ٢]، أي الذين كانوا يتامي، إذ لا يتم بعد البلوغ) فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكحْنَ أَزْواجَهُنَّ [البقرة: ٢٣٢]، أي الذين كانوا أزواجهن.
٥/ تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه/ إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦] أي عنبا، فالخمر لا تعصر وإنما يؤول العنب إليها. حَتَّي تَنْكحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] سماه زوجا لأن العقد يؤول إلي زوجية.
٦/ تسمية الشيء باسم آلته/ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء: ٨٤]، أي ثناء حسنا لأن اللسان آلته، وما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] أي بلغة قومه.
٧/ تسمية الشيء باسم ضدّه/ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] والبشارة حقيقة في الخبر السار، مجاز في ضده ومَكرُوا ومَكرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] والمكر حقيقة فعل غير حميد، وفي جانب الله يكون مجازا لأنه يتعالى عن الفعل غير المحمود.
стр. 78
م/ النوع/ المثال ٨/ إضافة الفعل إلي ما لا يصح منه/ جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الكهف: ٧٧] وصفه بالإرادة وهي من صفات الحي وليس الجماد مجازا فليس للجدار إرادة في الحقيقة.
٩/ إطلاق الفعل والمراد مقاربته/ فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكوهُنَّ [الطلاق: ٢]، أي قاربن بلوغ الأجل، إذ لا يكون الإمساك بعد انقضاء العدة، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤] أي قرب مجيئه، إِذا قُمْتُمْ إِلَي الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة: ٦] أي أردتم القيام فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] أي أردت القراءة، وكمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكناها فَجاءَها بَأْسُنا [الأعراف: ٤] أي أردنا إهلاكها.
١٠/ إطلاق اسم الحالّ على المحل/ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧] أي في الجنة لأنها محل الرحمة، بَلْ مَكرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ [سبأ: ٣٣]، أي في الليل والنهار، إِذْ يُرِيكهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِك قَلِيلًا [الأنفال: ٤٣] أي في عينيك بدليل ويُقَلِّلُكمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤].
стр. 79
م/ النوع/ المثال ١١/ إطلاق اسم المحل على الحال/ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [الأعراف: ١٧٩] أي عقول، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] أي بألسنتهم، وسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي ساكنيها .. فالقلوب والأفواه والقرية كل منها اسم محل لشيء يحل فيه، وأطلقت على الحال مجازا.
١٢/ القلب/ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦] والمفاتيح لا تنوء بالعصبة وإنما تنوء العصبة بها، وإِنْ يُرِدْك بِخَيْرٍ [يونس: ١٠٧]، أي يرد بك الخير، لِكلِّ أَجَلٍ كتابٌ [الرعد: ٣٨] أي لكل كتاب أجل، وحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [القصص: ١٢]، أي وحرمناه على المراضع ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كفَرُوا عَلَي النَّارِ [الأحقاف: ٢٠]، أي تعرض النار عليهم.
١٣/ إطلاق اسم المطلق على المقيد/ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [الأعراف: ٧٧] وليس العاقر لها حقيقة كل القوم وإنما واحد فقط، لكنهم لما رضوا الفعل نزلوا منزلة الفاعل.
١٤/ إطلاق اسم العام وإرادة الخاص/ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشوري ٥]، فالملائكة لا تستغفر لكل من في الأرض حقيقة، وإنما للمؤمنين كما قال تعالى: ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧].
стр. 80
م/ النوع/ المثال ١٥/ إطلاق اسم الخاص وإرادة العام/ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤]، أي كل نفس، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤] أي الأعداء، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١]، الخطاب له ﷺ خاصة والمراد جميع الناس.
١٦/ حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه/ رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلي رُسُلِك [آل عمران: ١٩٤]، أي على لسان رسلك، نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢]، أي أنصار دين الله، وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] أي حبّه واخْتارَ مُوسي قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥]، أي من قومه.
١٧/ إقامة صيغة مقام أخرى/ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود: ٤٣]، أي لا معصوم، مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق، عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: ٧] أي مرضية، إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: ٦١] أي آتيا، أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا [العنكبوت: ٦٧] أي مأمونا، حِجابًا مَسْتُورًا [الإسراء: ٤٥] أي ساترا، فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨] أي مؤلم، صُنْعَ اللَّهِ [النمل: ٨٨] أي مصنوعه، والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [البقرة: ٢٣٣] أي ليرضعن، ولذلك أجيب بالجزم في قوله يَغْفِرْ لَكمْ [الأحقاف: ٣١] فدل على أنه أقام صيغة الخبر مقام الأمر.
стр. 81
أسباب العدول إلي المجاز عند من قال به:
لا يجوز العدول عن الحقيقة إلي المجاز إلا إذا كان هناك ما يدعو إلي ذلك، قال السيوطي في المزهر: (نلجأ إلي المجاز من أجل دواع تخص اللفظ وتخص المعني، فالذي لأجل اللفظ إما لأجل جوهره بأن تكون الحقيقة ثقيلة على اللسان، لثقل الوزن أو تنافر التركيب أو ثقل الحروف، ... والذي لأجل المعنى إما لعظمة في المجاز أو حقارة أو لبيان في المجاز، أو اللطف فيه: أما العظمة فكالمجلس، وأما الحقارة فكقضاء الحاجة بدلا عن التغوط، وأما زيادة البيان: فإما لتقوية حال المذكور كالأسد الشجاع، أو للذّكر وهو المجاز في التأكيد) (١).
وقال ابن جني في الخصائص: (إنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لثلاثة معان: وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه) (٢). (وضرب لذلك مثالا بقوله تعالى: وأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا [الأنبياء: ٧٥].
وفيه المبررات الثلاثة: أما الاتساع: فكأنه زاد في أسماء الجهات ..
وأما التشبيه: فلأنه شبه الرحمة بما يجوز دخوله من المحال فلذلك وضعها في موضعه ....
وأما التوكيد: فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عنه الجوهر ...) (٣).
وعلى هذا تكون أسباب العدول إلي المجاز هي:
[١] الاتساع.
[٢] التشبيه.
[٣] التوكيد.
стр. 82
[٤] التخلص مما في الحقيقة من ثقل سواء في التركيب أو على اللسان.
[٥] التخلص مما قد يكون في الحقيقة من مرارة أو جرح أو إيذاء.
الفرق بين الحقيقة والمجاز:
الفرق بين الحقيقة والمجاز: هو أن الحقيقة أصل، فهي استعمال اللفظ فيما وضع ليدل عليه، والمجاز فرع يعدل إليه عن الحقيقة طلبا للاتساع أو التوكيد أو التشبيه أو نحو ذلك.
دلالة الحقيقة والمجاز:
تستوي دلالة الحقيقة والمجاز في إفادة الأحكام في القرآن الكريم، فيثبت بالحقيقة المعنى الذي وضع له اللفظ: عاما كان أو خاصا، أمرا أو نهيا، ويثبت بالمجاز المعنى الذي استعير له اللفظ (١).
أهمية معرفة المفسر بالحقيقة والمجاز:
إن الذي يتعرض لتفسير كتاب الله تعالى لا بدّ أن يعرف السياقات القرآنية، وما هو منها على سبيل الحقيقة، وما هو على سبيل المجاز، وإذا لم يعرف هذا ربما وهو يفسر آيات من التي سيقت مجازا يجملها على الحقيقة، فيختلف عليه الأمر، فمثلا قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] لو حملها على الحقيقة للزم أن يصوم الناس بعد تمام الشهر أي في شوال، وهذا باطل، وقوله تعالى: رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلي رُسُلِك [آل عمران: ١٩٤] كيف يكون الوعد على الرسل حقيقة؟، فلزم أن يحمل على المجاز: أي ما وعدتنا على لسان رسلك ... وهكذا.
стр. 83
المبحث السابع عشر الغريب والمعرّب في القرآن الكريم
من الأصول التي يلزم المفسر استجماعها - أيضا - عند التفسير: معرفة غريب الألفاظ والمعرّب المستعمل في لغات أخرى غير العربية ثم صار به الاستخدام إلي لغة العرب، وكذلك الألفاظ المترادفة.
أولا: الغريب:
الغريب: قال ابن منظور: (الغريب من الكلام: هو الغامض ...) (١).
واصطلاحا: غريب القرآن هو: الألفاظ التي يخفي معناها ويدقّ على العامة دون الخاصة، وذلك في بيئة معينة بسبب وفودها من بيئة مكانية غريبة، أو بسبب استعمالها في غير المعنى الذي وضعت له (٢).
وعلى هذا يفهم أن الغريب ليس لفظا مستوحشا، وإنما قد يستغرب معناه عند ما يستعمل في غير ما وضع له.
مثلا: (قال ابن عباس ما كنت أعرف معنى قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري تقول لزوجها: تعال أفاتحك، يعني أقاضيك) وقال أيضا: (ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى جاء أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يعني ابتدأتها) (٣).
стр. 84
بعض الألفاظ الغريبة في القرآن:
(جنفا: إثما، لأعنتكم: أحرجكم، يئوده: أي لا يثقله، حوبا: أي إثما، نحلة: أي مهرا، كلالة: أي لم يترك والدا ولا ولدا، ولا تعضلوهن: تمنعوهن، أركسهم: أوقعهم، مسفوحا: مهراقا، صدف: أي أعرض، شغفها: أي غلبها، وفار التنور: أي نبع، صنوان: مجتمع، حدب: صوب، ينسلون: يقبلون، همسا: الصوت الخفي، بهيج: حسن، هضيم: معشبة، فارهين: حاذقين، خمط: الأراك، العرجون: الجذع القديم) (١).
أهمية معرفة غريب القرآن:
قال الإمام السيوطي ﵀: (ومعرفة هذا الفن للمفسر ضرورية .. ويحتاج الكاشف عن ذلك إلي معرفة علم اللغة: أسماء وأفعالا وحروفا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة) (٢).
وقال الإمام الزركشي: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذ لم يكن عالما بلغات العرب) (٣).
(وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلي كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن، فهؤلاء الصحابة - وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحي، ومن نزل القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها فلم يقولوا فيها شيئا .. ورد عن ابن عباس أنه قال كل القرآن أعلمه إلا أربعا: غسلين - وحنانا - وأواه - والرقيم) (٤).
стр. 85
ولأهمية هذا العلم فقد تناوله كثير من العلماء بالتصنيف، فقيل إن أول من صنف فيه هو أبان بن تغلب بن رباح البكري ت ١٤١ هـ، وقيل إن أول من جمع في هذا الفن هو أبو عبيدة معمر بن المثني التميمي ت ٢١٠ هـ، ثم توالي التصنيف فيه حتى قال السيوطي: (أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون) (١).
ثانيا: المعرّب من الألفاظ في القرآن:
ونعني بالمعرّب الألفاظ التي وقعت في القرآن الكريم بغير لغة العرب، والحق أن في هذه المسألة خلافا بين العلماء على ثلاثة أقوال (٢):
الأول: أنه ليس في القرآن ألفاظ بغير لغة العرب، واستدلوا بقوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢] بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٥] ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ [فصلت: ٤٤].
وممن قال بهذا القول: الإمام الشافعي، وأبو عبيدة معمر بن المثني، وابن فارس، قال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن (كذابا) بالنبطية فقد أكبر القول.
وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير لغة العرب شيء لتوهم متوهّم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتي بلغات لا يعرفونها.
الثاني: ذهب آخرون إلي القول بوقوع ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم، وأجابوا عن قوله تعالى قُرْآنًا عَرَبِيًّا بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا، وعن قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ بأن المعنى من السياق أكلام أعجمي ومخاطب عربي، واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف (إبراهيم) للعلمية والعجمة.
стр. 86
الثالث: توسط فريق آخر فقال: إن الألفاظ التي من غير العربية في القرآن ليست أعجمية خالصة وإنما هي مما اتفق فيه توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة والروم .. بلفظ واحد. أو أنها وإن كانت أعجمية الأصل لكنها لما وقعت في لغة العرب واستعملوها صارت عربية، ثم نزل القرآن بها، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فهو صادق، وقد قال بهذا الرأي السيوطي، وأبو عبيد القاسم، والجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون.
والراجح هو القول الأخير لتوسطه. والله أعلم.
نماذج لبعض الألفاظ المعربة في القرآن: (١)
اللفظ/ اللغة طفقا/ بالرومية - أي قصدا أخلد/ بالعبرية - أي ركن الأرائك/ بالحبشية - أي السرر أسفار/ بالسريانية - أي الكتب إصري/ بالنبطية - أي عهدي أكواب/ بالنبطية - أي الأكواز أليم/ بالزنجية - أي الموجع إناه/ بالبربرية - أي حار أواه - بالحبشية - أي موقن أواب/ بالحبشية - أني مسبح الرقيم/ بالرومية - أي اللوح
стр. 87
اللفظ/ اللغة حوبا/ بالحبشية - أي إثما درّي/ بالحبشية - أي المضيء سندس/ بالفارسية - رقيق الديباج مزجاة/ بالقبطية - أي قليلة كاسدة يصهر/ بلسان أهل المغرب أي ينضج اليمّ/ بالسريانية - أي البحر كوّرت/ بالفارسية - أي غوّرت غيض/ بالحبشية - أي نقض وقد ألف الإمام السيوطي في قضية المعرب من الألفاظ في القرآن كتابا سماه (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) لخصه في الاتقان، وذكر فيه نحوا من مائة وعشرين لفظا.
стр. 88
المبحث الثامن عشر أسباب النزول كأصل من أصول التفسير
سبب النزول: هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال.
ومثال ما كان سببه حادثة: لما نزل قول الله تعالى: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله ﷺ بني هاشم، وقال: ألو أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم من وراء هذا الوادي أكنتم مصدقي؟، قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني رسول الله إليكم بين يدي عذاب شديد، فقال عمه أبو لهب، تبا لك ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ [المسد: ١].
ومثال ما كان سبب وقوعه سؤالا: ما جاء أنه ﷺ مرّ بنفر من يهود فقالوا: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن الروح؟، فوقف ساعة ورفع رأسه، فنزل عليه:
وَيَسْئَلُونَك عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)(١) [الإسراء: ٨٥].
ويحترز في أسباب النزول بأن تكون الأسباب وقت نزول القرآن لا قبله ولا بعده، فالآيات التي جاءت مخبرة بأخبار ماضية كحادثة الفيل، أو مستقبلة كغلبة الروم للفرس لا يصح أن يقال إن هذه الحوادث كانت سببا لنزول الآيات، ولهذا عاب السيوطي على الواحدي جعله قصة قدوم الحبشة لهدم البيت الحرام سببا في نزول سورة الفيل (٢).
طريق معرفة أسباب النزول:
اتفق العلماء على أن طريق معرفة أسباب النزول هي التوقيف أي النقل
стр. 89
الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة الكرام الذين عاصروا نزول الوحي، فهم إذا أخبروا بشيء من هذا كان له حكم المرفوع، وإذا ورد شيء منه عن التابعين فإنه لا يقبل إلا إذا اعتضد بحديث مرسل آخر وكان عن كبار التابعين كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب والحسن البصري .. وغيرهم (١).
أهمية معرفة أسباب النزول كأصل من أصول التفسير:
لقد ورد عن الأئمة أن سبب النزول مهمّ جدا في تفسير الآية، قال ابن تيمية (معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب) (٢)، وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن) (٣)، وقال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها (٤).
فمعرفة سبب النزول تفيد المفسر في بيان الحكمة التي دعت إلي تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث، وكما أنها تفيد في دفع الإشكال عن الآيات، فمثلا عند ما يقرأ القارئ إِنَّ الصَّفا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨]، (فقد يفهم منها أنها تسقط فرضية السعي بين الصفا والمروة، كما فهم ذلك عروة بن الزبير، فلما سأل خالته عائشة ﵂ قالت له: لو كان الأمر كما فهمت لقيل: لا جناح عليه ألا يطوف بهما، ثم بينت له سبب النزول، وأنها نزلت في الأنصار، حيث أنهم كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، فلما أسلموا تحرجوا من السعي خشية أن يكون مشابها لفعلهم في الجاهلية،
стр. 90
فسألوا رسول الله ﷺ فنزلت الآية، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (١).
فلو لم يعرف المفسر أسباب النزول سوف تختلط عليه مثل هذه الآيات، فلا بد إذن من استجماع هذا الأصل قبل التفسير.
كما يلزم المفسر أن يعلم أن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب على الراجح من كلام أهل العلم، لاحتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت في أسباب خاصة: وهذا هو المناسب لاستمرارية أحكام القرآن (٢).
بعد: فهذه أهم الأصول التي لا بدّ للمفسر أن يعتمد عليها في تفسير كتاب الله حتى يأمن العثار والشطط، ومن مكملات أصول التفسير معرفة مناهج المفسرين، وقد أشار إلي هذا الأصل الشيخ الدكتور/ لطفي الصباغ - أكرمه الله - قال: «فإذا اطّلع من يتصدي للتفسير على هذه الاتجاهات المختلفة، وعرف الجوانب الإيجابية فيها، استطاع أن يفيد منها في عمله» (٣)، أي في التفسير.
وفي المباحث التالية سنعرض - بإذن الله - لمناهج المفسرين على سبيل الإيجاز والاختصار لتكمل الأصول وتقترب الصورة من التمام عند من يريد التصدي للتفسير.
стр. 91
المبحث التاسع عشر التفسير بالمأثور
يعتبر التفسير بالمأثور (أو النقلي كما يسميه بعض العلماء) أول اتجاهات التفسير وجودا، وأسلمها في التعامل مع كتاب الله تعالى ونتناول هذا الاتجاه في عدة نقاط:
الأولي: ما هو التفسير بالمأثور؟:
التفسير بالمأثور: هو تفسير القرآن بالقرآن، حيث ما أجمل منه في موضع قد يفسر في موضع أخر، وكذلك الأقوال الواردة عن النبي ﷺ في السّنّة، وأقوال الصحابة الذين عاصروا نزول الوحي، وشاهدوا أسباب النزول، فكانوا أعلم المسلمين بتفسيره، وأقوال التابعين باعتبارهم عايشوا أصحاب النبي ﷺ واستقوا من علومهم - على الراجح من أقوال أهل العلم (١).
الثانية: مصادر التفسير بالمأثور: ثلاثة مصادر:
[١] القرآن الكريم وقراءاته المتواترة: وحيث أن ما أجمل في موضع قد فصل في موضع آخر، وما جاء في آيات القرآن مطلقا قيد في أخرى ولهذا كان لا بدّ لمن يتعرض لتفسير القرآن أن ينظر في آيات القرآن كما ذكرنا في أحسن طريقة للتفسير، وهذا ما نجده في كتب التفسير بالمأثور كابن كثير، يورد الآية ثم يقول ومن هذا المعنى قوله تعالى كذا ... وكذلك النظر في القراءات القرآنية فهي من القرآن، فيجوز أن يفسّر القرآن بها.
[١] السنّة النبوية: فقد كان الصحابة يرجعون إلي النبي ﷺ في فهم
стр. 92
القرآن، ومن خلال هذا الرجوع تكون رصيد عظيم في تفسير القرآن من كلام من قيل له: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤].
[٣] تفسير الصحابة: فهم الجيل الذي لم يشهد التاريخ له مثيلا في علمهم وإيمانهم وإدراكهم لأمور الحياة بنظرة واسعة، مع ما كانوا يتمتعون به من الفصاحة والمعرفة بأساليب القرآن .. ويلحق بهذا المصدر تفسير التابعين، فمن التابعين من تلقي التفسير كله عن الصحابة، كما قال مجاهد: (عرضت القرآن على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا كان يعتمد على تفسيره كثير من أهل العلم كالشافعي والبخاري وغيرهم) (١).
الثالثة: قيمة التفسير بالمأثور:
يمثّل التفسير بالمأثور قيمة علمية هامة تعتبر الأساس في فهم الوحي المبارك، فبرغم مرور الأيام تجد أشياء في فهم القرآن ليس للتفسير المأثور فيها قول واضح إلا أنه دائما يستأنس بالأقوال المأثورة فيما يتوصل إليه حسب ضوابط الاجتهاد في فهم القرآن.
وربما وجد من التفسير العلمي لبعض آيات القرآن الكريم ما يعضّد من التفسير المأثور تعضيدا واضحا، ومثال ذلك عند ما قرر الأطباء أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر رجعوا إلي التفسير المأثور فوجدوا الصحابة قد درسوا المسألة، ربما ليس من زاوية طبية فأثر عن ابن عباس ﵄ القول بهذا (٢).
فالتفسير بالمأثور بمثابة ركيزة أساسية ورصيد ذاخر لكل من يريد التعرض لتفسير كتاب الله .
стр. 93
ويكفي في بيان قيمة التفسير بالمأثور إطباق أهل العلم ذوي البصر الثاقب، على أنه يبدأ به في التفسير، ونقل هذا عند أعلام الأمة مثل شيخ المفسرين الطبري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام القرطبي وابن كثير .. وغيرهم.
الرابعة: قضية الإسرائيليات في التفسير بالمأثور:
الإسرائيليات: هي تلك الأخبار التي تروي عن بني إسرائيل يهودا أو نصاري وقد دخلت الإسرائيليات في روايات التفسير المأثورة منذ عهد الصحابة ﵃ وذلك نظرا لما بين القرآن من اتفاق مع التوراة والإنجيل في بعض المسائل، فكان بعض الصحابة إذ مر بآية من قصص القرآن ربما وجد في نفسه ميلا إلي أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن ولم يتعرض له من القصة، فلا يجد من يجيبه على سؤاله سوي هؤلاء النفر الذين دخلوا في الإسلام من أهل الكتاب وحملوا ما معهم من ثقافة دينية.
غير أن الصحابة لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء، ولم يقبلوا منهم كل شيء، بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحا لقصة أو بيانا لبعض ما أجمل في القرآن، مع توقّفهم فيما يلقي إليهم، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين، امتثالا لأمر النبي ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: أمنا بالله وما أنزل إلينا» (١).
كما أنهم لم يسألوهم عن شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، إلا أن يكون على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن، كما أنهم لم يكونوا يسألون عن الأشياء التي يشبه السؤال عنها أن يكون من اللهو والعبث، كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، أو مقدار سفينة نوح، واسم الغلام الذي قتلة الخضر ... ونحو ذلك، بل كانوا يعدون ذلك قبيحا من قبيل تضييع الأوقات (٢).
стр. 94
كذلك كان الصحابة لا يصدقون أهل الكتاب فيما يخالف الشريعة الإسلامية أو يتنافي مع العقيدة، وإذا سألوا أهل الكتاب عن شيء فأجابوا عنه خطأ ردّوا عليهم خطأهم، فقد ذكر القسطلاني عند تعليقه على حديث: (إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه) أن أبا هريرة سأل كعب الأحبار عن ذلك، فقال كعب هي في جمعة واحدة من السنة فردّ عليه أبو هريرة وبيّن له أنها في كل جمعة فرجع كعب إلي التوراة فوجد الصواب مع أبي هريرة (١).
ومهما يكن من أمر فإن الصحابة لم يخرجوا عن حدّ الجواز الذي حدّه لهم رسول الله ﷺ في التحديث عن بني إسرائيل لما قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (٢).
ومحال أن يجيز لهم النّبيّ ﷺ التحديث بالكذب، فيكون المعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه.
وما ورد عن - الإمام أحمد من حديث جابر - والذي فيه أن النبي ﷺ غضب لما جاء عمر بن الخطاب بصحيفة أصابها من أهل الكتاب وقال له: «أمتهوك فيها، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به .. والذي نفسي بيده لو أن موسي حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» فهو محمول على أن النهي عن التحديث عن بني إسرائيل كان قبل استقرار الأحكام والقواعد الدينية في الإسلام خشية الفتنة فلما زال المحذور وقع الإذن في ذلك (٣).
стр. 95
هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلي أهل الكتاب وأخذهم عنهم، أما التابعون فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت في عهد هم الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك إلي كثرة من دخل في الإسلام من أهل الكتاب، ووجد في ذلك العهد من المفسرين من أرادوا أن يشبعوا ميل النفوس إلي سماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن، فأخذوا مرويات أحبار اليهود والنصاري وأدخلوها في تفاسيرهم، ومن أشهر من فعل ذلك مقاتل بن سليمان المتوفي سنة مائة وخمسين للهجرة والذي قال عنه أبو حاتم، إنه استقي علومه بالقرآن من اليهود والنصاري، ثم بعد عصر التابعين وجد من عظم شغفه بالإسرائيليات وأفرط في الأخذ منها إلي درجة جعلتهم لا يردون قولا، واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات إلي أن جاء دور التدوين للتفسير فوجدت مرويات ضخمة من الإسرائيليات قد شحنت بها كتب المفسرين (١).
خطورة الإسرائيليات على الفكر الإسلامي:
وقد كان لهذه الإسرائيليات أثر سيّئ في التفسير، حيث إن الناظر في كتب التفسير التي شأنها الإكثار من الإسرائيليات يري القصص الخيالي والمبالغات العجيبة كالتي تقول: بأن عوج ابن أخت نوح ﵇ كان مفرط الطول حتى إن مياه البحر تبلغه إلي ركبتيه وكان يصطاد الأسماك ويشويها على حر الشمس ... وغير ذلك - فلا يكاد يقبل شيئا، وفضلا عن هذا فإن رواية الإسرائيليات المرفوعة بهذه الكثرة كانت على حساب الأخبار الصحيحة الواردة في التفسير، والفكر الإسلامي عموما، ذلك أن الناس بطبعهم عندهم نهم إلي المعرفة فإذا أشبع هذا النّهم بالخرافات والمرويات الباطلة قلّت درجة نهمهم إلي المرويات الصحيحة الثابتة، وللأسف فإن الأخبار الإسرائيلية كثيرا ما تستهوي جهلة الوعاظ وتستريح إليها أنفس العوام، وربما كان فيها ما يتعارض مع الدين،
стр. 96
فمثلا الأخبار الإسرائيلية الواردة في تفسير قصة مرض نبي الله أيوب وما يدعي من أن الدود ملأ جسده فكان إذا تساقط عنه أخذه بيده وأعاده إلي جسده وهذا يتنافي مع ما هو مقرر من أن الأنبياء لا يجوز في حقهم الأمراض المنفرة، ومثل ذلك الأخبار الواردة في تفسير قصة الخصومة التي فصل فيها داود بين الخلطاء، وقصة فتن سليمان ... وغير ذلك.
موقف العلماء من الإسرائيليات:
وقد تصدي جهابذة أهل العلم للإسرائيليات، وكشفوا زيفها وتلخص موقفهم في تقسيمها إلي ثلاثة أنواع (١):
[١] إسرائيليات تعارض القرآن أو السنة أو كليهما معا، أو تعارض أصلا إسلاميا مقررا، وهذه ترد ولا يجوز قبول شيء منها.
[٢] إسرائيليات توافق القرآن، وهذا النوع لا حاجة لنا به، لأن عندنا ما يغنينا عنه، وإن أخذ المفسر منها شيئا فينبغي ألا يتوسع، وأن يكون على حذر وأن ينبه عليها.
[٣] إسرائيليات تخالف العقل، ويحكم العقل ببطلانها، مثل تفسير (ق) على أنها جبل محيط بجميع الأرض، أورده ابن كثير ثم قال: (وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأوا جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم) (٢).
والمتصفح في كتب التفسير بالمأثور يلاحظ أن أغلب ما يروي فيها من إسرائيليات مداره على أربعة أشخاص هم:
[١] عبد الله بن سلام.
стр. 97
[٢] كعب الأحبار.
[٣] وهب بن منبه.
[٤] عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
وقد ذكرهم الشيخ الذهبي ﵀ وأطال في تراجمهم وأقوال العلماء فيهم ودافع ورد بعض الطعون عنهم، فيما يستحق الرد، وبين أنه ليس كل ما ينسب إليهم صح عنهم، بل منه ما افتري عليهم، من قبل استغلال بعض الوضاعين لشخصياتهم وأسمائهم اللامعة ... وأيا كان الأمر فإن على المفسر الحذر كل الحذر من قضية الإسرائيليات وخطرها السيئ على التفسير والفكر الإسلامي عموما (١).
الخامسة: نماذج لأشهر كتب التفسير بالمأثور:
[١] جامع البيان في تأويل القرآن للإمام: محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة ٣١٠ هـ صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة من أهل طبرستان، كان أحد الأئمة الأعلام يحكم بقوله ويرجع إلي رأيه، لقّب بشيخ المفسرين، ويعتبر تفسيره من أقوم التفاسير وأعدلها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، قال عنه النووي: (أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري) وقال ابن تيمية: (وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي ..).
وابن جرير لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض ... كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية مع توجيه الأدلة وذكر الراجح (٢).
стр. 98
وقد التزم ابن جرير في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها - إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، لأنه كان يري كما هو مقرر في أصول الحديث أن من أسند إليك فقد حمّلك البحث عن رجال السند ... فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة.
كذلك ينكر الطبري على أصحاب الرأي، ولا يزال يشدد على ضرورة الرجوع إلي العلم المنقول عن الصحابة والتابعين، ويري أن ذلك وحده هو علاقة التفسير الصحيح.
كما يلاحظ أن الطبري يكثر من رواية الإسرائيليات، ولكن كثيرا ما يتعقب هذه الروايات بالنقد والتمحيص.
كما أنه كان يعرض عن ذكر ما لا فائدة في تعيينه، فمثلا: عند الكلام على قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً [المائدة: ١١٢] (يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به المائدة ثم يعقب على هذا بقوله: (والصواب من القول فيما كان على المائدة أن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجاز أن يكون ثمرا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقرت إلي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل).
كما اهتم ابن جرير في تفسيره بذكر القراءات المختلفة، ويردّ الشاذ منها، ولقد كان في عصره يعتبر من أبرز أئمة القراءات.
كما أنه كثيرا ما يحتكم في تفسيره إلي كلام العرب وأشعارهم، لأنه يعلم أن كلام العرب ودواوينها هي وعاء العربية الفياض فلا بد من الرجوع إليه في التفسير.
كما ظهر من خلال التفسير طول باع ابن جرير في علم العقيدة، ومعرفته
стр. 99
بآراء الفرق الكلامية المخالفة لأهل السنة، واشتد عليهم في كثير من المواطن، وقد أنكر على المؤولين لآيات الصفات إنكارا شديدا.
وبالجملة فتفسير الطبري يعتبر حصاد مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود، ومدرسة علي بن أبي طالب، ومدرسة أبي بن كعب، وغيرهم مما جعله حافلا جامعا، وإليه يرجع كل باحث في التفسير (١).
[٢] بحر العلوم: لأبي الليث السمرقندي الفقيه الحنفي صاحب التصانيف المعروفة، المتوفي سنة ٣٧٣ هـ.
بدأه بفصل تكلم فيه عن أهمية التفسير وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السلف، رواها بأسانيد إليهم، ثم ركز على أنه لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن برأيه، واستدل على حرمة التفسير بالرأي بأقوال رواها عن السلف بإسناده إليهم.
ويلاحظ أن السمرقندي كانت صنعته في الأسانيد غير متينة، كما أنه إذا ذكر الأقوال لا يرجح كما فعل ابن جرير الطبري، وفيه كثير من الإسرائيليات التي تحتاج إلي نظر وتحقيق (٢).
[٣] الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، كان حافظا واعظا رأسا في التفسير، توفي في ٤٢٧ هـ.
بدأ بمقدمة بيّن فيها مقدار الجهد الذي بذله منذ الصغر في الحرص على التفسير، وبيّن كذلك طوائف المفسرين وحذّر من المبتدعة منهم .. وعاب على الذين يقتصرون على الرواية دون الدراية والنقد.
كما أنه ذكر أسانيد من يروي عنهم في أول الكتاب، ولهذا لا يذكر الأسانيد في داخل الكتاب اكتفاء بذكرها في أوله، كما توسع في ذكر
стр. 100
الإسرائيليات بدون تعقيب عليها أو تنبيه .. ويبدو أنه كان مولعا بالقصص حتى إنه يورد قصصا غاية في الغرابة، وله كتاب اسمه العرائس في قصص الأنبياء غاية في الغرابة أيضا.
وقد جرّ الثعلبي على نفسه بإكثاره من إيراد الإسرائيليات اللوم والنقد اللاذع من بعض العلماء، قال عنه ابن تيمية: (والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع ..).
وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة عند (الكلام عن الواحدي تلميذ الثعلبي ولم يكن له ولا لشيخه كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما أحاديث موضوعة وقصص باطلة) والعجب أن السمرقندي عاب كل التفاسير حتى تفسير الطبري.
[٤] الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلس الغرناطي المتوفي ٥٤٦ هـ:
ولقد أبدع ابن عطية وأحسن في هذا التفسير، حتى طار صيته، وصار أصدق شاهد لمؤلفه بإمامته في العربية وغيرها من النواحي، يذكر الآية ثم يفسرها بعبارة عذبة سهلة، ويورد من التفسير المأثور ويختار منه في غير إكثار، وينقل عن ابن جرير، ويناقش المنقول عنه أحيانا، كما يناقش ما ينقله عن غير ابن جرير ويرد عليه، وهو كثير الاستشهاد بالشعر العربي، معنيّ بالشواهد الأدبية، قال عنه ابن تيمية: (وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن البدع، وإن اشتمل عليه بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير ..) (١).
стр. 101
[٥] تفسير القرآن العظيم: لابن كثير الدمشقي المتوفي ٧٧٤ هـ:
ويعتبر تفسير ابن كثير في الدرجة الثانية بعد تفسير الطبري، اعتني فيه مؤلفه بكلام السلف في التفسير، قدم له بمقدمة مهمة في التفسير وأصوله، وطريقته فيه: أنه يورد الآية ثم يفسرها بآية إن وجد لها مفسرا ثم يتبع ذلك بإيراد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية، ويبيّن ما يحتج به وما لا يحتج به منها، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف، كما نجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض، ويضعف بعض الروايات ويصحح بعضها، ويعدل بعض الرواة ويجرح بعضا أخر، وهذا يرجع إلي ما كان عليه من التمكن من فنون الحديث وأحوال الرجال.
ومما يمتاز به ابن كثير أنه ينبه إلي ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذّر منها على وجه الإجمال تارة والبيان تارة. كما امتاز بدخوله في المناقشات الفقهية ويذكر أقوال العلماء ويرجح في المسائل مما جعل كتابه حافلا. وبالجملة فقد قال عنه السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: (إنه لم يؤلف على نمطه مثله) (١).
[٦] الدّر المنثور في التفسير المأثور/ للإمام جلال الدين السيوطي ت ٩١١ هـ:
وكتاب الدر المنثور جامع لكثير من أقوال السلف في التفسير، حتى قال السيوطي إن فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف ... ويلاحظ أن السيوطي لم يتعرض لأي شيء لا لأحكام فقهية ولا قضايا حديثية ولا لغوية ولا بيانية، فقط هو يورد الآية ويسوق فيها الأحاديث تباعا بدون أي تعليق أو تدخل، ولا يضعّف ولا يصحّح ولا يجرّح ولا يعدّل .. أكثر من النقل عن
стр. 102
البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وغيرهم ممن تقدمه، وهو رجل مغرم بالجمع وكثرة الرواية، ومع جلالة قدره ومعرفته بالحديث وعلله لم يتحر الصحة فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل ... ولكن مع ذلك يعتبر كتاب الدر المنثور هو الوحيد الذي اقتصر على التفسير بالمأثور فلم يخلط بالروايات شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره (١).
[٧] الجواهر الحسان في تفسير القرآن: لعبد الرحمن بن محمد الثعالبي ٨٧٦ هـ:
وهو عبارة عن تلخيص للمحرر الوجيز - تفسير ابن عطية - مع بعض الفوائد والزيادات، ومما يدل على ذلك قوله في أول الكتاب: (... فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية وزدته فوائد جمة من كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته أو رويته ..). وقال في أخره: (أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر، وقد استوعبت بحمد الله مهمّات ابن عطية، وأسقطت كثيرا من التكرار .. وزدت من غيره جواهر ونفائس ...).
والثعالبي يذكر الآثار والروايات بدون أن يذكر سنده إلي من يروي عنه ويعقّب على المرويات الإسرائيلية بما يفيد عدم صحتها، وجملة القول: فإنه كتاب مفيد جامع لخلاصات كتب مفيدة وليس فيه ما في غيره من الحشو المخل والاستطراد المملّ (٢).
стр. 103
المبحث العشرون التفسير العقلي (بالرأي)
لا شك أن العقل من أهم مميزات الإنسان على غيره من المخلوقات، وقد دعا القرآن الكريم إلي التدبر وإعمال العقل كثيرا، وأفضل ما تعمل العقول في تدبره كتاب الله تعالى، الذي قال في الحكمة من إنزاله: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤].
لهذا توجهت عقول أهل الحرص على فهم كتاب الله تعالى نحوه، حتى شكلت اتجاها من اتجاهات التفسير عرف بالتفسير العقلي، أو التفسير بالرأي، وسوف نتناوله في النقاط التالية:
الأولي: معنى التفسير بالرأي:
هو عبارة عن النتاج الفكري الذي ينتج عن الاجتهاد في تفسير كتاب الله . فإن كان مضبوطا بأصول التفسير وقواعده فهو الرأي المحمود، وإلا فهو المذموم.
الثانية: موقف العلماء من التفسير بالرأي (١):
لقد انقسم العلماء في موقفهم من التفسير بالرأي إلي فريقين، فريق تشدّد فمنع تماما تفسير القرآن بالرأي مهما كان علم المفسر ومعرفته بأصول التفسير، وفريق على عكس ذلك، يرون أن من كان ذا أدب وعلم يجوز له أن يفسر كتاب الله تعالى برأيه واجتهاده، ولكل فريق أدلة.
أدلة المانعين: قالوا:
[١] إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم
стр. 104
منهي عنه فيكون التفسير بالرأي منهي عنه لقوله تعالى وأَنْ تَقُولُوا عَلَي اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وهو معطوف على محرمات قبله قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ [الأعراف: ٣٣].
[٢] كما استدل المانعون بقوله تعالى: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤] فقد أضاف البيان إليه ﷺ فعلم أنه له وليس لغيره بيان شيء من معاني القرآن.
[٣] واستدلوا أيضا بما ورد في السّنّة من تحريم القول في القرآن بالرأي مثل:
ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١) (وما رواه الترمذي - أيضا - وأبو داود عن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٢).
[٤] كما استند المانعون إلي الآثار الواردة عن السلف من الصحابة والتابعين تفيد مدي تحرّجهم من القول في القرآن بآرائهم، كالذي ورد من أبي بكر ﵁:
(لأن تضرب عنقي ولا أقول في القرآن برأيي) وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام أجاب، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، .. وغير ذلك من الآثار التي تفيد تحرجهم من التفسير بالرأي.
أدلة القائلين بالجواز:
[١] استدلوا بالآيات الكثيرة الداعية إلي التدبر والتفكر وإعمال العقل في فهم القرآن من ذلك قوله تعالى: كتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَك لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: ٢٩] ... أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلي قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤]،
стр. 105
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَي الرَّسُولِ وإِلي أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] (... ووجه الدلالة في الآيات أن الله تعالى حث على تدبر القرآن والاعتبار بآياته، وبين أن في القرآن ما يستنبطه أولوا الألباب باجتهادهم، ويصلون إليه بإعمال عقولهم، فكيف يمنع ويحظر الطريق الموصّل إلي شيء تعبدنا الله به.
[٢] قالوا لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا، ولتعطّل كثير من الأحكام، وهذا باطل واضح البطلان.
[٣] استدلوا بما ثبت من أن الصحابة قرءوا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، ولو كان التفسير بالرأي محظورا، لكان هذا مخالفا من الصحابة ومعاذ الله أن يكونوا قد خالفوا.
[٤] قالوا - أيضا - إن النبي ﷺ قد دعا لابن عباس قائلا: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل فقط لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء.
ولم يكتف القائلون بالجواز بإيراد أدلتهم، بل قاموا بتفنيد أدلة المانعين وأجابوا عنها، وخلاصة جوابهم عنها:
أن النبي ﷺ وإن أضيف إليه البيان في الآية إلا أنه لم يثبت عنه تفسير القرآن لفظا لفظ اعتمادا على فهم الناس يومئذ وسلامة سليقتهم، كما أن ما ورد من النهي محمول على من قال برأيه في المشكل من القرآن ونحوه مما لا يعلم إلا عن طريق النقل، وهو محمول أيضا على الرأي الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يستند إليه، أما الرأي الذي يشهد له الدليل ويشدّه البرهان فجائز، وما ورد عن السلف من آثار تفيد تحرّجهم فهي محمولة على ورع واحتياط منهم، ويحمل إحجامهم على أنه كان مقيدا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه، أما إذا عرفوا وجه الصواب فيه فلم يكونوا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم ولو
стр. 106
بطريقة الظن، فهذا أبو بكر ﵁ يقول - وقد سئل عن الكلالة -: «أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان: الكلالة كذا وكذا»، وهناك أجوبة أخرى عن أدلة المانعين تدل على أن من أحجم من السلف عن التفسير بالرأي لم يكن عن اعتقاد منه بعدم الجواز.
الرأي الراجح: هو القول بجواز التفسير بالرأي ولكن بشروط وضوابط.
الثالثة: ضوابط التفسير العقلي: تتلخص فيما يلي:
[١] الالتزام بمدلول الألفاظ واستعمالها في اللغة العربية في ظل السياق.
[٢] عدم التكلف أو الشطط في الفهم.
[٣] الحذر من السير مع الهوى والاستحسان.
[٤] الحذر من جعل المذهب الفاسد أصلا، والتفسير تابع له، فيحتال في التأويل لتأييد مذهبه وإن كان غاية في البعد والغرابة.
وما توفرت فيه تلك الضوابط فهو التفسير بالرأي الجائز، وإلا فهو المذموم.
وسأسوق لك نماذج الأسماء ومناهج تفاسير في كلا النوعين من التفسير بالرأي.
نماذج لكتب التفسير بالرأي الجائز:
سوف أختار هنا في تلك النماذج كتبا من كتب التفسير بالرأي الجائز وسأحاول أن أجمع بين كتب التراث والمعاصرة، وربما كانت الكتب التي سأختارها هنا لها اتجاهات مختلفة لغوية أو فلسفية كلامية أو غير ذلك، لكن الذي يجمع بينها أنها جميعا من كتب التفسير بالرأي الجائز.
أولا: النماذج التي تمثل التراث في كتب التفسير بالرأي الجائز:
[١] مفاتيح الغيب: لمحمد بن عمر بن الحسين الملقب بفخر الدين الرازي ت ٦٠٦ هـ.
ومنهجه فيه يتلخص في أنه كثير الاستطراد، مولع بالاستنباط حتى أنه
стр. 107
قال في مقدمة تفسيره إن سورة الفاتحة وحدها يمكن أن يستنبط منها عشرة آلاف مسألة .. ويكثر من الاستطراد إلي العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية، وربما يعرض أقوال بعض الفلاسفة ويقوم بردها، ويكثر أيضا من إيراد شبه المخالفين، وربما يقصر في تفنيدها، حتى قال ابن حجر عنه إنه يعاب بإيراد الشبهة الشديدة ويقصر في حلها حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقدا ويحلها نسيئة، ثم إن الفخر الرازي لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترجيحه للمذهب الشافعي، كذلك يستطرد في المسائل الأصولية والكلامية والنحوية والبلاغية وإن كان لا يتوسع في هذا توسعه في علوم الكون كالفلك والنجوم وغيرها.
وبالجملة: فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، إذ أن هذه الناحية هي التي غلبت عليه حتى كادت تقلّل من أهميته ككتاب تفسير للقرآن الكريم، حتى قال بعض أهل العلم عنه: (فيه كل شيء إلا التفسير) (١).
ولكن برغم هذا تبقي قيمة الكتاب عالية يتعلم المطالع منه كيف يربط بين كافة العلوم وبين القرآن الكريم.
[٢] أنوار التنزيل وأسرار التأويل: لعبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي من بلاد فارس توفي بمدينة تبريز سنة ٦٨٥ هـ.
لقد اختصر البيضاوي تفسيره من تفسيري الزمخشري والرازي، غير أنه ترك اعتزاليات الزمخشري، وإن كان أحيانا يوافقه في مذهبه كالذي حصل عند موافقته له في إنكار تلبس الجن بالإنس عند تفسير آية البقرة.
وكذلك عند ما أخذ من الرازي لا يتابعه في الاستطراد في العلوم الكونية
стр. 108
والكلامية ونحوها ... والبيضاوي لم يكتف فقط بالنقل من تفاسير السابقين، وإنما أعمل عقله، فضمّن تفسيره نكتا بارعة ولطائف رائقة واستنباطات دقيقة بأسلوب موجز، وعبارة دقيقة، وهو يهتمّ بذكر القراءات أحيانا، ويعرض للصناعة النحوية، ولكن بدون توسع كما أنه يتعرض للأحكام الفقهية بدون توسع أيضا .. والبيضاوي مقلّ جدا من إيراد الإسرائيليات وإن أورد شيئا منها صدّره بما يشير إلي ضعفها ووهنها.
قال صاحب كشف الظنون عنه: (وتفسيره - أي البيضاوي - عظيم الشأن غنيّ عن البيان لخّص فيه من الكشاف ما يتعلق بوجوه الإعراب والمعاني والبيان، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات، وضم إليه ما وري زناد فكره ..
فأظهر مهارته في العلوم حسب ما يليق بالمقام) (١).
[٣] مدارك التنزيل وحقائق التأويل: لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي ت ٧٠١ هـ:
لخصه من تفسير البيضاوي ومن الكشاف، وجري فيه على مذهب أهل السنة، وقد كتبه بأسلوب سهل وعبارة موجزة، يتعرض للمسائل النحوية والفقهية وينتصر لمذهبه الحنفي ويرد على من خالفه في كثير من الأحيان، وهو مقل جدا من إيراد الإسرائيليات ويظهر النسفي ورعا كبيرا حتى إنه قال في مقدمته: (وكنت أقدّم فيه رجلا وأؤخر أخرى استقصارا لقوة البشر عن درك هذا الوطر، وأخذ السبيل الحذر عن ركوب متن الخطر ..) (٢) وفي الجملة الكتاب قيّم سهل التناول وقد اعتمد تدريس بعض أجزاء منه على طلاب المرحلة الثانوية بالمعاهد الأزهرية لفترة طويلة.
стр. 109
[٤] لباب التأويل في معاني التنزيل: لعلي بن محمد بن إبراهيم بن عمر المعروف بالخازن، اشتهر به لأنه كان خازن كتب خانقاه السيماطية بدمشق. ت ٧٤١ هـ.
اشتهر في منهج الخازن أنه اعتمد كثيرا على كتاب معالم التنزيل للبغوي، وحرص على إيراد كثير من روايات التفسير المأثور، ولكن أكثرها في الإسرائيليات والقصص الغريبة والمواعظ الرقيقة .. ولكن بدون نقد ولا تمحيض، مما قلل من قيمة الكتاب العلمية ... ولعل نزعته الصوفية هي التي أثرت فيه فجعلته يعنى بتلك النواحي ويستطرد فيها حتى تغلب على تفسيره، ومع ذلك هو يذكر الأحكام الفقهية كثيرا وكادت سمعته الإسرائيلية وشهرته القصيصية تصد الناس عن الرجوع إليه (١).
[٥] البحر المحيط: لأبي حيان الأندلسي الغرناطي. ت ٧٤٥ هـ:
يعتبر البحر المحيط المرجع الأول والأهم لمن يريد أن يقف على وجوه الإعراب لألفاظ القرآن الكريم، إذ أن الناحية النحوية هي أبرز سمة في منهج أبي حيان في التفسير، فقد أكثر من مسائل النحو وتوسع في مسائل الخلاف بين النحويين حتى أصبح الكتاب أقرب إلي كتب النحو منه إلي كتب التفسير، وهو مع ذلك لم يهمل النواحي الأخرى التي لها اتصال بالتفسير كالبيان والبديع وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات .. وغيرها، وقد استفاد أبو حيان كثيرا من تفسيري الزمخشري وابن عطية خصوصا في المسائل النحوية، وإن كان يتعقبها كثيرا بالرد والتصويب وكثيرا ما يحمل حملات ساخرة على الزمخشري من أجل آرائه الاعتزالية، ومع ذلك يمدحه في مهارته في تجلية بلاغة القرآن ..
كما استفاد أبو حيان وأكثر من النقل عن كتاب: (التحرير والتحبير لأقوال
стр. 110
أئمة التفسير) لشيخه ابن النقيب، ومع ذلك كان يخالفه في نقوله التي ينقلها عن غلاة الصوفية ولا يرضاها (١).
[٦] إرشاد العقل السليم إلي مزايا الكتاب الكريم: لأبي السعود المتوفي ٩٨٢ هـ.
تعتبر أهم ميزة في كتاب أبي السعود هي: عنايته بالناحية البلاغية للقرآن، فهو يهتم بأن يكشف عن نواحي القرآن البلاغية، وسر إعجازه في نظمه وأسلوبه وبخاصة في باب الوصل والفصل، والإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير، والاعتراض والتذييل .. كما يهتمّ بإبداء المعاني الدقيقة التي تحملها التراكيب القرآنية بين طياتها مما لا يكاد يظهر إلا لمن أوتي حظا وافرا من المعرفة بدقائق اللغة العربية.
كما اهتم أبو السعود بإبراز وجوه المناسبات بين الآيات، وألمّ ببعض القراءات من غير توسع، ويلاحظ إقلاله من ذكر المسائل الفقهية، وكذلك من الإسرائيليات والنواحي الكونية .. وربما يتعرض لذكر الوجوه النحوية أحيانا إذا كانت الآية تحتمل أوجها للإعراب، ويرجّح واحدا منها ويدلل على رجحانه.
وبالجملة فالكتاب دقيق غاية الدقة، بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل بالتفسير (٢).
[٧] غرائب القرآن ورغائب الفرقان: لنظام الدين ابن الحسن بن محمد النيسابوري المشهور بالنظام الأعرج.
لقد سلك النيسابوري في تفسيره مسلكا جعله فريدا بين المفسرين، وذلك أنه يذكر الآية ثم يذكر القراءات الواردة فيها، مع التزامه إضافة كل قراءة