← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18122

التفسير والتأويل في القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (192 стр.). Показаны 176–192 · переход к 181.

стр. 176

وهذه إشارة من عمر إلي فطنة ابن عباس وذكائه وعلمه ومعرفته. وفي رواية ثانية أنّ بعض المهاجرين قالوا لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم عمر: ذاك فتي الكهول، وإن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا. وأراد عمر أن يبين لهؤلاء الصحابة علم ابن عباس وفطنته، فدعاهم ودعاه يوما. وفهم ابن عباس قصد عمر من الدعوة، ولهذا قال: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. وفي رواية أخري: أن عمر قال لهم: سأريكم اليوم منه، ما تعرفون به فضله! ولما اجتمعوا عند عمر، طلب منهم تفسير سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. لقد نظروا في آيات السورة نظرة ظاهرية، ولاحظوا المعنى القريب المتبادر منها: عند ما يأتي الله بنصره، ويفتح البلدان أمام الاسلام، فعلى الرسول ﵊ أن يسبح الله، وأن يحمده، وأن يستغفره، والله تواب يتوب على عباده. هل كلامهم هذا خطأ أم صواب؟ لقد كان صوابا، فهذا هو معنى السورة، وهذا ما تأمر به. لكن هؤلاء الصحابة كانوا مفسّرين للسورة، فسّروا كلماتها تفسيرا ظاهريا قريبا، وكان تفسيرهم لها صحيحا، لكنه مجرد تفسير. أما ابن عباس فقد كان يعرف من السورة ما قالوه، ويعرف أنّ هذا هو ظاهرها، ولكنه تجاوز هذا الظاهر، وانتقل من تفسيرها القريب إلي

стр. 177

خطوة أخرى أرفع وأسمي وأبعد، وقدّم تأويلا للسورة تأويلا مستنبطا من موضوعها وهدفها وسياقها. إن الله أعلم رسوله ﷺ بقرب دنوّ أجله، إن النصر والفتح علامة على قرب الأجل، فعليه الإكثار من حمد الله وتسبيحه واستغفاره، استعدادا للارتحال عن هذه الدنيا ومغادرتها. وقال ابن عباس في رواية أخري: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ نعيت إلي رسول الله ﷺ نفسه، فأخذ بأشدّ ما كان قط، اجتهادا في أمر الآخرة. ولقد كان ابن عباس موفّقا في هذا التأويل للسورة، وفي الالتفات لهذا المعنى الخفي البعيد الذي توحي به، وقد أشاد عمر بفهمه، ووافقه عليه، وقال له: ما أعلم منها إلا ما تقول. ثم توجّه عمر للصحابة الجالسين فقال لهم: كيف تلومونني على حبّ ما ترون؟ قال الامام ابن حجر بعد شرحه للحديث: «فيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا، لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام من لا يعرف قدره لينزل منزلته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة، لا للمفاخرة والمباهاة، وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم» (١). تشير سورة النصر إلي ارتباط حياة الرسول ﷺ علي الأرض بهذا الدين، فهو رسول الله، ومهمته هي تبليغ الاسلام ونصرته وجهاد أعدائه، فإذا ما نصر الله دينه، ومنح المسلمين الفتح، فقد تحققت مهمة الرسول ﷺ بنجاح كبير، وبذلك تنتهي حياته علي الأرض، المرتبطة بمهمته الدعوية الجهادية.

стр. 178

ولذلك توحي هذه السورة للرسول ﷺ بقرب انتهاء أجله، وعليه بعد النصر والفتح الإكثار من التسبيح والتحميد والاستغفار، استعدادا للانتقال إلي الدار الآخرة. هذا ما فهمه ابن عباس ﵄ من السورة، وهذا ما وافقه عليه عمر بن الخطاب، وبذلك كان ابن عباس مؤولا لها وليس مجرد مفسر، وكان تأويله مرحلة ثانية بعد التفسير الظاهري للسورة. ألم يفهم الرسول ﷺ من السورة هذه الإشارة؟ روي الامام البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما صلى النبيّ ﷺ صلاة، بعد أن نزلت عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ إلا يقول فيها: سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (١). ثم كم عاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة؟ لقد نزلت عليه سورة النصر لما حجّ حجة الوداع. قال ابن عمر ﵄: «نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع» (٢). وكانت وفاته ﷺ بعد ثلاثة أشهر من نزول هذه السورة. حيث كانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة! ولابن عباس ﵄ موقف آخر مع عمر بحضور بعض الصحابة، قدّم فيه تأويلا لآية من القرآن، وليس مجرد تفسير لها. روي الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن عبيد بن عمير

стр. 179

قال: قال عمر ﵁ يوما لأصحاب النبي ﷺ : «فيم ترون هذه الآية نزلت؟ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وأَصابَهُ الْكِبَرُ، ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (١). فقالوا: الله أعلم! فغضب عمر وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم!! فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! قال عمر: يا ابن أخي: قل ولا تحقر نفسك! قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني، يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق عمله» (٢). وفي رواية ثانية أوردها ابن حجر في فتح الباري: «أنّ ابن عباس قال لعمر: ضربت مثلا لعمل. فقال له عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي. عنى بها العمل: ابن آدم أفقر ما يكون إلي جنته إذا كبر سنة وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلي عمله يوم يبعث!

стр. 180

فقال له عمر: صدقت يا ابن أخي» (١). أما الإمام ابن جرير الطبري فقد أورد رواية أخرى لهذا الحديث. فقد روي الطبريّ بإسناده عن عطاء قال: «سأل عمر الناس عن هذه الآية، فما وجد أحدا يشفيه. حتي قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين: إني أجد في نفسي منها شيئا. فتلفت عمر إليه، وقال له: تحول هاهنا. لم تحقر نفسك؟ قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله . فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلي أن يختمه الله بخير، حين فني عمره، واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كلّه، فأحرقه وهو أحوج ما يكون إليه» (٢). إن ابن عباس هنا كان مؤولا لهذه الآية، ملتفتا لمغزاها وهدفها. ولهذا عقّب الإمام ابن حجر علي الحديث قائلا: «وفي الحديث قوة فهم ابن عباس، وقرب منزلته من عمر، وتقديمه له من صغره، وتحريض العالم تلميذه علي القول بحضرة من هو أسن منه، إذا عرف فيه الأهلية، لما فيه من تنشيطه وبسط نفسه وترغيبه في العلم». مع فهم الطبري للتأويل: الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المتوفي سنة ثلاثمائة وعشر للهجرة، هو إمام المفسرين والمؤوّلين جميعا.

стр. 181

وتفسيره هو المرجع لكلّ ناظر في القرآن، أو مفسّر له، أو مؤول لآياته. وللإمام الطبريّ فهم واضح للتفسير والتأويل، حيث يعتبرهما مصطلحين بمعنى واحد، فكأنهما مترادفان، يدلان علي شرح آيات القرآن، وبيان معانيها، والكشف عن موضوعاتها وحقائقها. إن الإمام الطبريّ يستعمل التأويل بمعنى التفسير، ولهذا سمّي تفسيره «جامع البيان عن تأويل آي القرآن». وكان عند ما يفسر الآية يقول: «القول في تأويل الآية». وعند ما يذكر أقوال العلماء في تفسير الآية يقول: «اختلف أهل التأويل في تأويل الآية». فالتأويل في كلامه بمعنى التفسير. ولهذا قال في خطبة تفسيره: «ونحن- في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه- منشئون إن شاء الله كتابا مستوعبا، لكلّ ما بالناس الحاجة إليه من علمه، جامعا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا.» (١) وقد عقد الإمام الطبريّ مبحثا في مقدمة تفسيره، جعل عنوانه: «القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلي معرفة تأويل القرآن»، وأراد من هذا المبحث بيان الوجوه التي يستطيع العلماء تأويل القرآن بها، وبيان أقسام القرآن من حيث التأويل. إنّ الطبري يري أنّ القرآن من حيث التأويل ثلاثة أقسام، بدأها بقوله: ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله (٢).

стр. 182

القسم الأول: لا يمكن لعالم تأويله إلا بالاطلاع علي تأويل الرسول ﷺ له. وقد أورد ثلاث آيات، تدلّ علي أنّ الله أوكل لرسوله ﷺ مهمة بيان القرآن وتأويله، ثم قال: «إنّ مما أنزل الله علي نبيه ﷺ ، ما لا يوصل إلي علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ». وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره ونهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ... وما أشبه ذلك من أحكام آياته، التي لا يدرك علمها إلا بالبيان الذي قدّمه الرسول ﷺ لأمته. وهذا الوجه لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله ﷺ وتأويله، وذلك بالاطلاع علي بيان الرسول ﵊. القسم الثاني: تأويله خاصّ بالله الواحد القهار، ولا يعلمه أحد من الناس. وهو ما في القرآن من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسي بن مريم، وما أشبه ذلك. فإنّ تلك الأوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها. لأن الله استأثر بالعلم بها، ولم يطلع عليها أحدا من خلقه. قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١).

стр. 183

وكان نبيّنا محمد ﷺ إذا ذكر شيئا من ذلك القسم، لم يدلّ عليه إلا بأشراطه، دون تحديده بوقته، فلما ذكر ﵊ الدجال، لم يحدّد وقت خروجه، لعدم علمه بذلك الوقت، واكتفي بتحذير أصحابه قائلا: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي علي كل مسلم». فهذا يدلّ علي أنّ الرسول ﷺ لم يكن عنده علم أوقات أشياء تحدث في المستقبل، بمقادير السنين والأيام، لأن هذا خاصّ بالله. القسم الثالث: يعلم تأويله كلّ ذي علم باللسان العربي الذي أنزل الله به القرآن. وذلك مثل: إقامة إعراب القرآن، ومعرفة المسميات المذكورة في القرآن بأسمائها اللازمة لها، والموصوفات بصفتها الخاصة بها، فإنّ ذلك لا يجهله أحد منهم. فلو أنّ سامعا من العرب سمع قول الله تعالى: وإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١). لم يجهل أنّ معنى الإفساد هو كلّ ما فيه مضرة، مما ينبغي تركه، ومعنى الصلاح هو كلّ ما فيه منفعة، مما ينبغي فعله، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا. فالذي يعلمه ذو اللسان العربي من تأويل القرآن هو ما وصفت، من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، والموصوفات بصفاتها الخاصة. ولا يعلم الواجب من أحكام الآيات وصفاتها وهيآتها التي خصّ الله نبيّه بعلمها، فلا يدرك علمها إلا ببيانه ﵊.

стр. 184

كما لا يعلم تأويل ما استأثر الله بعلمه دون خلقه. ولهذا قال ابن عباس ﵄: التفسير علي أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. والوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس، من أنّ أحدا لا يعذر بجهالته، هذا لا حاجة للبيان عن وجوه تأويله، لأنه لا يجوز لأحد الجهل بتأويله (١). وخلاصة كلام ابن جرير الطبري أنه يقسم القرآن من حيث إمكانية تأويله وتفسيره أقساما ثلاثة: القسم الأول: لا يعلم تأويله إلا الله، ومثّل له بتحديد أوقات ومقادير وسنوات وكيفيات أحداث قادمة ستقع عند قيام الساعة، وهذا هو التأويل العملي، الذي يلحظ مآل وعاقبة ونهاية تلك النصوص، ويركز علي حقيقتها المادية، وكيفيتها الفعلية. القسم الثاني: هو الذي أوله وفسّره رسول الله ﷺ ، وهي آيات الأحكام، وما فيها من أوامر أو نواه، أو حدود وأركان وشروط، وذلك كأوقات الصلاة وركعاتها وأركانها وسننها. ويوجب علي علماء التأويل الاطلاع علي ما بينه رسول الله ﷺ والأخذ به، وعدم مخالفته. القسم الثالث: وهو ما ترك تأويله وتفسيره لعلماء التأويل، حيث يقفون أمامه متدبرين ناظرين مفسّرين مؤوّلين، كإعراب القرآن وشرح بيانه وبلاغته، وشرح معانيه. ولئن منع العلماء من الخوض في تأويل القسم الأول الخاصّ بالله،

стр. 185

ولئن ألزموا بالأخذ بتأويل الرسول ﷺ للقسم الثاني وعدم مخالفته، فإنّ المجال أمامهم واسع مفتوح في القسم الثالث، فبإمكانهم أن يقفوا أمامه، وأن يخوضوا فيه، إذا توفرت فيهم الشروط والمؤهلات العلمية لذلك. ثم إنّ القسم الثالث المخصص لعلماء التأويل كثير في القرآن، بل إن غالب ومعظم آيات القرآن من القسم الثالث، بينما آيات القسمين الأول والثاني قليلة بالقياس إلي آيات القسم الثالث. وأيضا فإن العلماء يعلمون معاني آيات القسم الأول والثاني، ويمكنهم بيانها وشرحها وتفسيرها، لكنهم لا يقدرون علي تأويلها، بمعنى تحديد حقيقتها وكيفيتها ووقتها وصورتها، أو مخالفة ما قاله الرسول ﷺ فيها. وبهذا التفصيل من الإمام ابن جرير الطبري في فهمه للتأويل، نختم كلامنا عن الفروق بين التفسير والتأويل. التأويل بمعنى الصرف والتحويل: عرضنا فيما مضي معنيين للتأويل: الأول: بيان ما يؤول وينتهي إليه الشيء، وتحديد حقيقة الخبر وصورته الفعلية، وأداء الأمر وتحقيقه. وهذا هو معناه في القرآن، وغالب أحاديث رسول الله ﷺ ، وغالب فهم الصحابة. الثاني: الفهم والتوضيح والبيان، وهو قريب من معنى التفسير، وهذا هو معناه في بعض أحاديث رسول الله ﷺ ، وبعض كلام الصحابة، وعند معظم المفسرين، وفي مقدمتهم الإمام ابن جرير الطبري. ونتكلم هنا عن معنى ثالث للتأويل، هذا المعنى طارئ متأخّر، لم يستعمله الرسول ﷺ ولا الصحابة والتابعون، وإنما استعمله المتأخّرون. التأويل عند المتأخرين من الأصوليين والفقهاء هو: الصرف والتحويل.

стр. 186

تري هذا التعريف للتأويل في كتب أصول الفقه، وعلم الكلام. قال الإمام ابن تيمية في رسالة «الإكليل في المتشابه والتأويل» عن هذا المعنى للتأويل: «إنّ التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة والمحدّثة هو: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلي المعنى المرجوح، لدليل يقترون به». هذا هو التأويل الذي يتكلّمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فإذا قال أحدهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول، أو محمول علي كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلي دليل. والمؤوّل عليه وظيفتان: الأولي: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادّعاه. والثانية: بيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر. «وهذا هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات، فقد يصنّف بعضهم في إبطال التأويل وذمّه، ويقول بعضهم: آيات الصفات لا تؤوّل. ويقول الآخر: بل يجب تأويلها. ويقول الثالث: بل التأويل جائز، يفعل عند المصلحة، ويترك عند المصلحة، أو التأويل يصلح للعلماء دون غيرهم» (١). فهذا هو الذي يعنونه من معاني التأويل الثلاثة، وهو الذي فيه التنازع والاختلاف، أما المعنيان الأوّلان السابقان للتأويل فلا تنازع ولا خلاف فيهما. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيده يردّ تأويلات فرق المتكلمين لصفات الله، وذلك أثناء حديثه عن نفي المعتزلة لرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: «ولا يصحّ الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم

стр. 187

بوهم، أو تأوّلها بفهم. إذ كان تأويل الرؤية- وتأويل كلّ معنى يضاف إلي الربوبية- ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين.» (١). ومعنى كلامه: أنّ رؤية المؤمنين لربهم في الجنة لا تقبل الوهم أو سوء الفهم، فمن توهّم فيها تشبيها لله بخلقه، فإمّا أن يؤوّلها ويصرفها وينفيها ويعطّلها، وإما أن يجسّم الله بخلقه، وكلا الأمرين باطل. ومعنى قوله: «وتأويل كل معنى يضاف إلي الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم»: فهم آيات الصفات الصحيح لا يتحقق إلا بعدم التأويل والصرف والتحويل، وعدم محاولة إدراك كيفية هذه الصفات، وعدم تصوّر حقيقة ذات الله المتصفة بهذه الصفات. التأويل في المرة الأولي: «تأويل كلّ معني» يراد به التأويل بالمعنى الثاني الذي قررناه، وهو الفهم والتفسير والبيان. والتأويل في المرة الثانية: «ترك التأويل» يراد به التأويل بالمعنى الأول، وهو بيان حقيقة الشيء وصورته الفعلية، والله منزّه عن التجسيم ومشابهة المخلوقين، ولهذا لا يمكن تصوّر كيفية ذات الله، وكيفية اتصافه بصفاته. كما يراد به المعنى الثالث للتأويل، وهو الصرف والتحويل، لأننا لو أوّلنا صفات الله، وصرفناها إلي معان أخري، فسوف نعطّلها وننفيها. ولما شرح الإمام عليّ بن علي بن أبي العز الحنفي كلام الطحاوي السابق قال عن المعاني الثلاثة للتأويل: «فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. فتأويل الخبر: هو عين المخبر به. وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به.

стр. 188

وأمّا ما كان خبرا، كالإخبار عن الله واليوم الآخر، فهذا قد لا يعلم تأويله، الذي هو حقيقته. وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعني، الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه. فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحبّ أن يعلم ما عنى بها، وإن كان تأويلها لا يعلمه إلا الله. هذا هو معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف. والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه، يريدون به تفسير الكلام، وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه. وهذا اصطلاح معروف. وهذا التأويل كالتفسير، يحمد حقّه، ويردّ باطله. والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلي الاحتمال المرجوح، لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي يتنازع الناس فيه في كثير من الأمور الطلبية والخبرية. فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد» (١). التأويل بمعناه الثالث- وهو الصرف والتحويل نوعان: منه تأويل صحيح مقبول، وهو ما يتمّ فيه صرف اللفظ عن معناه الظاهر غير المراد، إلي معنى آخر مراد، بشرط أن يحتمل اللفظ ذلك المعنى الآخر، وبشرط قيام ضرورة تدعو إلي التحول للمعنى الثاني، وبشرط توفر دليل من نصوص

стр. 189

الكتاب والسنة تدلّ علي ذلك. أما التأويل المذموم الفاسد، فهو الذي يتمّ صرف اللفظ عن المعنى الأول، وتحويله إلي المعنى الثاني، الذي لا يحتمله اللفظ، ولا ضرورة إليه، ولا دليل عليه. والتأويل الفاسد مرفوض، وكثيرا ما صدر عن بعض المتأخرين، وبخاصة أصحاب الفرق وعلماء الكلام. وأكثر ما يكون التأويل والصرف المرفوض في فهم علماء الكلام لصفات الله، وبخاصة تلك الصفات التي في فهمها إشكال، ويظن منها مشابهة الله بخلقه. وحول هذا المعنى يقول قائلهم في «جوهرة التوحيد»: وأيّ نص أوهم التّشبيها ... أوله أو فوض، وروم تنزيها ولا نوافق الناظم علي هذا النظم، ويجب أن نفهم نصوص القرآن التي تحدث عن صفات الله، كما فهمها الصحابة والتابعون، حيث أثبتوها لله كما أخبر الله، وكما يليق بجلال الله، بدون تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف. ومن هذا نعلم تطوّر استعمال مصطلح «التأويل» في التاريخ الاسلامي، وكيف ابتعد في استعمال العلماء له عن معناه في القرآن والسنة، إلي معنى اصطلح عليه فيما بعد. ورد التأويل في القرآن والسنة بمعنى الفعل والأداء، والرد والرجوع، وتحديد العاقبة والمآل. ثم تطور فيما بعد، فصار يستعمل في معنى الفهم والتفسير والبيان والكشف، وهذا ما استعمله فيه ابن جرير الطبري وغيره. ثم تطور فيما بعد، وابتعد كثيرا عن معناه في الاستعمال القرآني

стр. 190

والحديثي، ليستعمل بمعنى الصرف والتحويل، وهو ما يتبادر إلي الذهن عند إطلاقه. ونلحظ توفر المعنى الاشتقاقي اللغوي للتأويل في معانيه الثلاثة، وفي هذا نورد ما قاله أستاذنا الدكتور أحمد حسن فرحات: «ومن كلّ ما سبق يتبين لنا أنّ الكلام: - إذا وقف به عند المعنى الظاهر، كانت الغاية منه هذا المعنى الظاهر. ويكون المراد بالتأويل هو التفسير. - وإذا كان المراد به تحققه في عالم الواقع إن كان خبرا، أو تحقيقه إن كان طلبا، كانت هذه هي الغاية المرادة منه، وهذا غير التفسير. - وإذا تجاوزنا المعنى الظاهر إلي المعنى غير الظاهر، كانت الغاية المرادة من الكلام المعنى غير الظاهر، لدلالة القرينة علي ذلك. وكان هذا تأويلا وليس تفسيرا، باصطلاح المتأخرين. ويمكن أن يدخل في التفسير حسب اصطلاح السلف» (١). ونحن تؤثر استعمال التأويل بمعناه الأول، الذي يقصره علي الله، كما نفضّل استعماله بالمعنى الثاني، الذي ينصبّ علي فهم لطائف وخفايا القرآن. ولا نري استعماله بالمعنى الثالث، الذي هو الصرف والتحويل، لأنّ المقبول الصحيح منه يدخل ضمن التأويل بالمعنى الثاني. والله أعلم.

стр. 191

الخاتمة بهذا ينتهي كلامنا عن «التفسير والتأويل في القرآن»، وبهذا تتوقف جولتنا مع مصطلح «التأويل». لقد كانت الرحلة مع «التأويل» شيقة ممتعة، كما كانت نافعة مفيدة، ولله الحمد. لقد عشنا مع التأويل في اللغة والاصطلاح، وتحوّلنا مع أمهات كتب اللغة والمعاجم، باحثين عن معنى التأويل فيها. ثم سعدنا وتمتّعنا بمتابعة «التأويل» في سور القرآن الكريم، وتأنينا في جولتنا وسيرنا مع سور القرآن التي أوردت هذا المصطلح. وحرصنا علي الوقوف مع الآيات متدبرين ناظرين. عشنا مع التأويل في سورة يوسف، وفي سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة الكهف، وفي سورة الإسراء، وفي سورة النساء، وأخيرا في سورة آل عمران. وقد لاحظنا أنّ التأويل في كلّ سورة من هذه السور السبع ورد في سياق خاص. وأنّ التأويل في هذه السور كلّها ورد بمعنى واحد، وهو: بيان العاقبة، وتحديد المآل، وإيجاد المطلوب، وفعل الأمر، وتحقيق الخبر. وكانت وقفتنا طويلة أمام التأويل في سورة آل عمران، لاختلاف العلماء في فهمه، ولتعلّقه بالمحكم والمتشابه، وهل يمكن تأويل المتشابه أو لا يمكن، وما هي ضوابط التأويل الممكن. ثم انتقلنا الي التأويل في حديث رسول الله ﷺ وكلام أصحابه، وبيّنا أنّ الحديث عن التأويل كان يراد به معنيان من معاني التأويل: التأويل الوارد في القرآن بمعنى الردّ والأداء والحقيقة والمآل، والتأويل بمعنى الفهم والتفسير والبيان.

стр. 192

وأوردنا أحاديث عن الرسول ﷺ ، وروايات عن أصحابه الكرام، يتحقق فيها هذا المعني. وتحدثنا أخيرا عن «الفرق بين التفسير والتأويل»، وسجلنا أهم الفروق التي أوردها العلماء بينهما. ثم توقفنا لتقديم ما نراه راجحا في التفريق بينهما، وشرحنا وجهة نظرنا في أن الناظر في القرآن والمتدبّر فيه، لا بدّ أن يمرّ بمرحلتين متعاقبتين: المرحلة الأولي: هي تفسير القرآن، من خلال الاطلاع علي ما ورد في تفسير الآية من آيات، وأحاديث صحيحة، وكلام صحابة وتابعين وعلماء سابقين، وروايات حول أسباب النزول والنسخ والقراءات والغريب وغير ذلك. والمرحلة الثانية: هي تأويل القرآن، بالالتفات الي لطائفة وإشاراته، واستخراج حقائقه ودلالاته. وبعد ذلك عرضنا فهم إمام المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري لتأويل القرآن، وتقسيمه آيات القرآن الي ثلاثة أقسام من حيث تأويلها. وأشرنا الي ورود معنى ثالث للتأويل، في استعمال المتأخرين من الفقهاء والأصوليين وعلماء الكلام، وهو استعمالهم له بمعنى الصرف والتحويل، وبيّنا تحقق معنى التأويل اللغوي والاشتقاقي في هذا المعنى الجديد. وسجّلنا تحفّظنا علي استعمال التأويل بمعناه الثالث الطارئ علي المعنيين السابقين، وأنّ التأويل والصرف المقبول الصحيح يدخل ضمن تفسير النص، أي يدخل في المعنى الثاني، وآثرنا استخدام التأويل بمعنييه: المعنى الوارد في القرآن والسنة، والمعنى الثاني الذي استعمله فيه بعض العلماء من سلف الأمة. وبهذا ينتهي ما قدّره الله لنا من كلام حول «التأويل في القرآن». والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، ونرجو أن يتقبل الله منا هذا العمل. وصلّى الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلّم.