قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي.
فصلّى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته علي البيداء.
فنظرت إلي مد بصري، من بين يديه، من راكب وماش، وعنه يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك.
ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به ....» (١).
إن جابر بن عبد الله ﵄ يحمل تأويل القرآن علي معناه العملي، وتطبيق أوامر وأحكام القرآن بصورة فعلية مادية.
فالله أمر المسلمين بالحج، وتحدثت آيات القرآن عن مناسك الحج وأركانه، لكن كيف يحجّ المسلمون عمليا؟ وكيف ينفذون أوامر الله بالحج فعلا؟ وبعبارة أخري: كيف يؤول المسلمون آيات الحج تأويلا واقعيا؟
يؤدّون به مناسك الحج فعلا! يخبرنا جابر ﵁ أنهم اقتدوا بالرسول ﷺ وهو يؤدّي مناسك الحج، فهو موجود بين أظهرهم، وهو حيّ معهم، وتنزل عليه آيات القرآن التي تبيّن أركان ومناسك الحج، وهو يعلم تأويل هذه الآيات، وهم يقتدون به في تأويله العملي للآيات.
إنّ تأويل الرسول ﷺ لآيات القرآن الآمرة بالحج هو أداؤه لمناسك الحج فعلا، وتحقيق الصورة المادية الواقعية لها، وهذا هو معنى التأويل الوارد في القرآن.
تأويل الأمر أداؤه وتنفيذه، ولهذا كان الرسول ﷺ في حجة الوداع هو أول مؤوّل لآيات الحج في القرآن.
стр. 142
المبحث الثاني: كيف كان الصّحابة يتأوّلون القرآن ؟
عرفنا من النماذج السابقة التي عرضناها كيف كان تأويل الرسول ﷺ للقرآن، وأنّ تأويله لأوامره هو تنفيذها فعلا وتحقيقها في عالم الواقع.
وإذا أردنا أن نقف علي هذا اللون من تأويل الصحابة للقرآن، فإنه لا يخرج عن تأويل رسول الله ﷺ ، أي أنهم كانوا ينفّذون أوامر النصوص عمليا أو يلاحظون صورتها المادية، ومآلها العملي المستقبلي.
من الأمثلة التي توضح ذلك:
١ - أخرج الإمام أحمد عن سعيد بن جبير أنّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي حيثما توجهت به راحلته. ويقول: قد رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. ويتأوّل عليه قوله تعالى: ولِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١)(٢).
إنّ عبد الله بن عمر ﵄ يري جواز صلاة التطوع علي الراحلة حيثما توجّهت به الراحلة، ولا يشترط فيها استقبال القبلة، فلو صلّى التطوع إلي غير القبلة وهو علي راحلته صحت صلاته.
ويعتمد ابن عمر علي ظاهر الآية، فالآية تبين أنّ المشرق والمغرب لله، وأنّ المصلي نافلة أينما ولّي وجهه فهو يوليه الله، وصلاته مقبولة الله.
стр. 143
كما يعتمد ابن عمر على فعل رسول الله ﷺ ، ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. أي: رأى الرسول ﷺ يصلّي النافلة على الراحلة إلي غير القبلة.
والشاهد في هذا المثال في جملة: ويتأول عليه قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
أي: كان ابن عمر يفهم من الآية هذا الفهم، ويعتبرها دليلا على جواز عدم استقبال القبلة في صلاة النافلة، وبعد ذلك كان يصلي كما فهم.
فتأويل ابن عمر للآية هو فهمها أولا، ثم تطبيقها فعلا، وتحقيقها عمليا، وأداؤه صلاة النافلة وفق ما أذنت به.
٢ - روي الإمام البخاري عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر.
قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟
قال عروة: تأوّلت ما تأوّل عثمان! (١) تروي عائشة ﵂ أنّ الصلاة كانت ركعتين في السفر والحضر، عند ما فرضها الله على المسلمين، وبعد ذلك جعل الله صلاة الحضر أربع ركعات، وأبقي صلاة السفر ركعتين.
وفي كلامها إشارة إلي إنّ الأفضل للمسافر هو أن يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين.
ولكنّ عائشة كانت تسافر فتتمّ الصلاة ولا تقصرها، وهذا الفعل منها
стр. 144
لا يتفق مع روايتها، فلماذا لا تقصر الصلاة؟
وقد لفت هذا نظر راوي الحديث ابن شهاب الزهري، فسأل شيخه عروة بن الزبير عنه: ما بال عائشة تتمّ الصلاة عند ما تسافر؟
فأجابه عروة قائلا: تأوّلت كما تأوّل عثمان! يشير عروة إلي ما فعله عثمان بن عفان ﵁، عند ما كان أمير المؤمنين، حيث ذهب إلي الحج، وفي مكة كان يتمّ الصلاة ولا يقصرها.
لقد سمّي عروة إتمام عثمان للصلاة رغم سفره تأويلا، لقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (١).
كما اعتبر إتمام عائشة للصلاة تأويلا لهذه الآية كما تأوّلها عثمان.
إن الآية تأذن للمسلمين في قصر الصلاة الرباعية عند ما يضربون في الأرض، ويخرجون للسفر.
وجملة إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ليست قيدا للقصر، بمعنى أنّ القصر ليس مقرونا بخوف فتنة الكفار، فإذا أمن المسلمون وزال الخوف والفتنة زال القصر.
إنّ هذه الجملة خرجت مخرج غالب أحوال الصحابة، حيث كانوا في حرب مع الكفار، وكانت أسفارهم فيها خوف الفتنة.
وبعد ما زال خطر الكفار، وانتهت الفتنة، وأمن المسلمون، استمرت رخصة قصر الصلاة.
قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: «وأما قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب، حال نزول هذه
стр. 145
الآية، فإن في مبدأ الاسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلي غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله.
والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة، فلا مفهوم له» (١).
ولهذا استوضح عمر بن الخطاب ﵁ من رسول الله ﷺ قصر الصلاة للمسافر مع الأمن.
أخرج الإمام مسلم عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب:
قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. فكيف نقصر وقد أمن الناس؟
فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال لي: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته).
وجواب الرسول ﷺ على تساؤل عمر دليل على أنّ القصر ليس مقرونا بالخوف، فيجوز أن يكون مع الأمن، وهذا القصر للمسافر رخصة من الله لعباده، وصدقة تصدق بها عليهم.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يقصر الصلاة لما حجّ حجة الوداع، وقد زال خطر المشركين، ودخل الناس في الإسلام.
وأخرج البخاري وغيره عن حارثة بن وهب الخزاعيّ ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمني ركعتين.
وفي رواية أخرى له قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمني، أكثر ما كان الناس، وآمنه، ركعتين.
وأخرج البخاريّ ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:
стр. 146
«صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين
، وأبي بكر وعمر وعثمان، صدرا من إمارته، ثم أتمها» (١).
ورغم هذه الروايات التي تدلّ على قصر الرسول ﷺ والصحابة الصلاة مع الأمن، إلا أنّ عثمان وعائشة ﵄ أتما الصلاة، وكان إتمامهما للصلاة تأويلا كما قال عروة بن الزبير.
قال الإمام ابن حجر في شرح الحديث وبيان تأويلهما: «وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أنّ عثمان وعائشة كانا يريان أن النبيّ ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة.
وهذا رجّحه جماعة، من آخرهم القرطبي» ثم قال ابن حجر: «وأما عائشة فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحا.
وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنها كانت تصلي في السفر أربعا. فقلت لها- القائل ابن أختها عروة بن الزبير- لو صليت ركعتين.
فقالت: يا ابن أختي: إنه لا يشقّ عليّ.
وهو دالّ على أنها تأوّلت أن القصر رخصة، وأنّ الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل!» (٢).
إنّ إتمام عثمان وعائشة ﵄ للصلاة مع السفر، هو تأويل منهما للآية التي ترخّص بالقصر.
وتأويلهما هو فهم للآية أولا، حيث فهما منها أنها تريد أن تيسر على المسلمين عند المشقة في السفر، وأنّ قصر الرسول ﵊ أثناء سفره هو تيسير منه للأمة، لأنه مشرّع، وأفعاله تشريع. أما هما
стр. 147
فإن المشقة منتفية في حقهما، والسفر لا يشقّ عليهما، ولذلك لم يقصرا الصلاة.
وتأويلهما للآية بعد ذلك أنهما أدّيا الصلاة فعلا تامة غير مقصورة، وهذا هو المظهر المادي العمليّ للتأويل، حيث حقّقا الصورة المادية لمعنى الآية، ونفّذا فعلا ما دلّت عليه الآية حسب فهمهما لها.
٣ - أخرج البخاريّ عن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله: أين تنزل؟ في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك عقيل من رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب، هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي ﵄ شيئا، لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يرث المؤمن الكافر.
قال ابن شهاب: وكانوا يتأوّلون قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا، أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (١)(٢).
يخبر أسامة بن زيد ﵄ أنه كان مع الرسول ﷺ لما توجّه إلي فتح مكة، فسأل أسامة الرسول ﵊: أين سينزل في مكة؟ أينزل في داره فيها؟ أم ينزل في دار أخري؟
فأخبره رسول الله ﷺ أن عقيل بن أبي طالب لم يترك له في مكة دارا، وذلك لأنه باع جميع دور هاشم بن عبد مناف، وابنه عبد المطلب، التي آلت إلي أبي طالب وعبد الله والد رسول الله ﷺ .
لقد أسلم جعفر وعلي ابنا أبي طالب ﵄، وبذلك فقدا
стр. 148
حقّهما في ميراث أبي طالب، وطالب شقيق عقيل فقد في معركة بدر، فلم يبق في مكة إلا عقيل بن أبي طالب، وبذلك وضع يده على دور أبي طالب وعبد الله والد الرسول ﵇، ثم باع تلك الدور.
ولم يرث جعفر ولا علي والدهما أبا طالب لأنهما مؤمنان، ولا يرث المؤمن الكافر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، وإنّ اختلاف الدين من موانع الإرث كما هو معلوم.
قال ابن شهاب الزهري راوي الحديث عن أسامة: إن الصحابة كانوا يتأوّلون الآية التي أوردها بولاية الميراث (١).
أي: المؤمنون الصادقون من المهاجرين والأنصار، أولئك بعضهم أولياء بعض، يتولي بعضهم بعضا في الميراث وغيره.
والشاهد في هذا المثال أنّ ابن شهاب اعتبر عدم التوارث بين المؤمنين والكفار، وحصول التوارث بين المؤمنين فقط، هو تأويل من الصحابة لآية سورة الأنفال: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.
وتأويلهم للآية أخذ جانب التأويل العملي، أي أنهم طبقوا حقيقة الآية عمليا، ونفّذوا توجيهها لهم فعلا، وأوجدوا مضمونها فيما بينهم، وهذا هو التأويل الذي نتحدث عنه.
٤ - أخرج الامام البخاريّ عن سعيد بن المسيب عن أبي موسي الاشعري ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ إلي حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره. فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكوننّ اليوم بوّاب النبي ﷺ ، ولم يأمرني.
فذهب النبيّ ﷺ ، وقضي حاجته، وجلس على قفّ البئر، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر.
стр. 149
فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل. فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك.
فوقف، فجئت إلي النبي ﷺ ، فقلت: يا نبيّ الله: أبو بكر يستأذن عليك. قال: ائذن له، وبشّره بالجنة، فدخل، فجاء عن يمين النبي ﷺ ، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر.
فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي ﷺ :
ائذن له، وبشّره بالجنة، فجاء عن يسار النبي ﷺ ، فكشف عن ساقيه، فدلاهما في البئر. فامتلأ القفّ، فلم يكن فيه مجلس.
ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبيّ ﷺ :
ائذن له وبشّره بالجنة، معها بلاء يصيبه، فدخل، فلم يجد معهما مجلسا، فتحوّل، حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلاهما في البئر.
فجعلت أتمني أخا لي، وأدعو الله أن يأتي.
قال ابن المسيب: فتأوّلت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان» (١).
إنّ أبا موسي الأشعري ﵁ يخبر عن اجتماع الرسول ﷺ مع أبي بكر وعمر على جانب في حافة البئر، وعن انفراد عثمان وجلوسه مقابلهم على الجانب الآخر من الحافة لعدم وجود مكان له بجانبهم.
وهذا التقدير الرباني لمواقعهم في هذه الجلسة يشير إلي ما سيكونون عليه في المستقبل، عند وفاتهم جميعا.
وقد فهم سعيد بن المسيب هذه الإشارة، وعبّر عنها قائلا: فأوّلت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان.
стр. 150
لقد كان قبرا أبي بكر وعمر بجانب قبر رسول الله ﷺ ، في المسجد النبوي، بينما كان قبر عثمان بعيدا في البقيع.
وكون قبور الثلاثة ﵃ على هذه الكيفية، هو تأويل تقدير الله لمواقعهم على حافة البئر مع رسول الله ﵊.
وبعبارة أخري: تقدير الله لمواقعهم الثلاثة على حافة البئر وعد بشيء سيتحقق فيما بعد، وكان تأويل هذا الوعد تحقيقه وحصوله ووقوعه فعلا.
وهكذا كان، حيث دفن الصاحبان بجانب رسول الله ﷺ ، بينما دفن عثمان في البقيع.
٥ - أخرج الامام الترمذي عن أسلم أبي عمران التّجيبي قال: كنّا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفّا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلي أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة ابن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم، حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله: يلقي بيديه إلي التهلكة.
فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس: إنكم تتأولون هذه الآية. هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ : إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الاسلام، وكثير ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيه ﷺ يردّ علينا ما قلنا:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَي التَّهْلُكَةِ. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو ...
فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله، حتى دفن بأرض الروم (١).
إنّ الصحابيّ الجليل أبا أيوب الأنصاري ﵁ وقف ليصحح
стр. 151
للمسلمين المجاهدين سوء فهمهم للآية، ويصوّب لهم تأويلهم المردود لها.
الآية هي قول الله: وأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَي التَّهْلُكَةِ، وأَحْسِنُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١).
كان الفهم والتأويل الخاطئ للآية أنّ بعض المجاهدين اعتبر التهلكة، هي اقتحام الأهوال والأخطار، ومواجهة الأعداء، واختراق صفوفهم، وأنّ من فعل ذلك فقد ألقي بنفسه إلي التهلكة، والله قد نهانا عن إلقاء أنفسنا في التهلكة.
ولهذا لما رأوا المجاهد الشجاع يخترق صفوف الروم، ويدخل فيهم، ويقتل رجالهم أنزلوا الآية على فعله، فاعتبروا فعله مخالفا لها، فقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلي التهلكة.
إنّ سبب خطأ فهمهم وتأويلهم للآية أنهم لم يعرفوا سبب نزولها، ولذلك وقف أبو أيوب الأنصاري ﵁ يبين لهم سبب نزولها، وقال لهم: إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.
التهلكة هي في عدم الإنفاق في سبيل الله، وفي القعود عن نصرة دين الله، وترك مواجهة أعداء الله، والتخلي عن الجهاد في سبيل الله، والانصراف إلي الأعمال الشخصية على حساب قضايا الأمة.
أراد الأنصار الانصراف إلي أموالهم وأراضيهم وبساتينهم، التي أهملوها ووجّهوا طاقاتهم لنصرة الإسلام، فبعد ما نصر الله دينه، وكثر جنوده وناصروه، لماذا لا يعودون إلي أموالهم؟
فأنزل الله آية في القرآن تردّ عليهم، وتدعوهم إلي عدم التخلي عن الإنفاق والجهاد، وعدم العودة إلي الأموال، وتعتبر هذا تهلكة خطيرة.
стр. 152
أي أنّ التهلكة هي في القعود عن الجهاد والمواجهة، وليست في المواجهة والتحدي.
لقد رفض أبو أيوب الأنصاري ﵁ تأويلا مردودا للآية، تأويلا يقود إلي القعود وعدم اقتحام الأهوال واختراق الصفوف.
وقدم تأويلا صحيحا للآية، تأويلا يدفع أصحابه إلي الانفاق والجهاد والتحدي والشجاعة والإقدام.
التأويل هنا هو فهم للآية ينتج عنه فعل وتصرف، وأبو أيوب الأنصاري ﵁ يريد تأويلا وفهما صائبا، ينتج عنه فعل إيجابي وتصرف سليم.
أبو أيوب يريد اعتبار الآية داعية إلي الجهاد والإقدام والشجاعة، ويريد من المجاهد تأويل الآية هذا التأويل، أي: يريد منه تحقيق مفهوم هذه الآية في عالم الواقع إقداما وتضحية.
إنّ التأويل في هذا الحديث لا يخرج عن التأويل في الأحاديث السابقة، الذي هو فهم للنص أو الحديث بتطبيقه وتنفيذه وأدائه في عالم الواقع.
دعاء الرسول لابن عباس بتعليم التأويل:
نقف وقفة مناسبة مع الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄، الذي كان من أعلم الصحابة بالقرآن وفقه وفهمه وتأويله، والذي حاز لقب «ترجمان القرآن».
لقد دعا له رسول الله ﷺ بالفقه في الدين وعلم التأويل، وقد ورد هذا الدعاء في روايات عديدة، بينها تفاوت في العبارات.
١ - روي البخاري في كتاب الوضوء عن ابن عباس ﵄ قال: دخل النبيّ ﷺ الخلاء، فوضعت له وضوءا، فقال: من وضع
стр. 153
هذا؟ فأخبر. فقال: اللهمّ فقهه في الدين (١).
٢ - وروي البخاري في. كتاب العلم عن ابن عباس ﵄ قال: ضمني رسول الله ﷺ إلي صدره وقال: (اللهم علمه الكتاب) (٢).
٣ - وروي البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس ﵄ قال ضمّني رسول الله ﷺ إلي صدره، وقال: (اللهمّ علّمه الحكمة) (٣).
٤ - وروي مسلم في كتاب فضائل الصحابة عن ابن عباس ﵄ قال: أتي النبيّ ﷺ الخلاء، فوضعت له وضوءا. فلما خرج قال:
من وضع هذا؟ قالت- والقائلة ميمونة ﵂: ابن عباس.
قال: (اللهمّ فقهه) (٤).
٥ - وروي أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: إنّ رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي- أو منكبي- ثم قال: (اللهمّ فقهه في الدين، وعلمه التأويل) (٥).
٦ - وروي أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة، فوضعت له وضوءا من الليل. فقالت ميمونة:
يا رسول الله: وضع لك هذا عبد الله بن عباس.
стр. 154
فقال ﵊: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) (١).
لقد تعمدت إيراد هذه الروايات الست لحديث ابن عباس، ودعاء الرسول ﷺ له لأبين خطأ شائعا عند بعض من يكتبون عن ابن عباس ﵄، وعلمه بالتأويل.
إن الكثيرين يظنون أنّ دعاء الرسول ﷺ
بقوله: «اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل» رواه البخاري ومسلم. وهذا باطل، فأطراف الحديث عند البخاري ومسلم ليس فيها: «وعلمه التأويل». وإنما هذه الجملة عند أحمد وغيره.
ولهذا قال الإمام ابن حجر: «وعلّمه التأويل هذه اللفظة اشتهرت على الألسنة، حتى نسبها بعضهم للصحيحين! ولم يصب!» (٢)
قصة الحديث أن عبد الله بن عباس ﵄ أراد أن يتعرف على هدي رسول الله ﷺ في صلاة الليل، فذهب إلي بيت ميمونة أم المؤمنين وزوج رسول الله ﷺ ، لهذه الغاية وكان غلاما مميزا، وفي الليل، استيقظ رسول الله ﷺ ، ودخل الخلاء، فأراد أن يخدمه، فوضع له إبريق الماء على باب الخلاء، فلما خرج رسول الله ﷺ من الخلاء ورأي الماء، أعجب بذلك التصرف، الدالّ على فطنة ونباهة صاحبه، فسأل ميمونة ﵂: من فعل هذا؟ فقالت الغلام عبد الله بن عباس.
فضمّ رسول الله ﷺ ابن عباس إلي صدره بحنان ومودة، ووضع يده على كتفه، ودعا الله له قائلا: اللهمّ فقهه في الدين، وعلّمه التأويل.
أي أنّ الرسول ﷺ سأل الله أن يمنحه الفقه في الدين، وفهم أحكامه وأن يفقهه في القرآن، ويعلّمه تأويله، ويوفّقه لحسن فهم معانيه.
стр. 155
ومعلوم أنّ دعاء الرسول ﷺ مجاب، ولذلك منّ الله على ابن عباس بالفقه في الدين، وعلم التأويل، فصار بحقّ ترجمان القرآن.
ألفاظ روايات البخاري ومسلم هي: «اللهمّ فقّهه»، و «اللهم علّمه الكتاب»، و «اللهم فقّهه في الدين» و «اللهم علّمه الحكمة».
أما الجملة المحفوظة: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»، فهي صحيحة، وإن لم تكن في الصحيحين.
قال الشيخ شعيب الأرناءوط في تخريج أحاديث مسند أحمد، عند تخريجه لهذا الحديث في مسند أحمد: «إسناده قوي، على شرط مسلم، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير عبد الله بن عثمان بن خثيم، فمن رجال مسلم.
وأخرجه يعقوب بن سليمان في «المعرفة والتاريخ». وأخرجه الطبراني» (١).
وقال في موضع آخر، في تخريج هذا الحديث بإسناد آخر، عن طريق آخر: «إسناده قوي، على شرط مسلم، وأخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان، والطبراني، والحاكم ...» (٢).
وقال الشيخ شعيب الأرناءوط في تخريج (اللهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل)
في تحقيقه لكتاب «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز:
أخرجه بهذا اللفظ: أحمد، والطبراني في الكبير والصغير، والبخاري ومسلم دون «وعلمه التأويل»، والترمذي، وابن ماجة بزيادة «وتأويل الكتاب»، والبغوي، والبزار بلفظ «اللهم علمه تأويل القرآن») (٣).
стр. 156
والخلاصة الحديثية أنّ
دعاء الرسول ﷺ لابن عباس بقوله: (اللهم فقّه في الدين، وعلّمه التأويل)
ورد في حديث صحيح، إسناده قوي، على شرط مسلم.
وعند ما ننظر في هذا الدعاء، فإننا نري الرسول ﷺ قد جمع بين الفقه في الدين وتعلّم التأويل، وعطف علم تأويل القرآن على الفقه في الدين.
إنّ قوله: وعلمه التأويل» أو «علّمه تأويل القرآن» يدلّ على أنّ التأويل علم مستقل قائم بذاته، وأنّ التأويل يحصّله الانسان بالتعلم والتحصيل والاكتساب، إضافة إلي ما وهبه الله من ملكة وموهبة وفطنة.
والتأويل المذكور هنا هو المعنى الثاني الذي تحدثنا عنه أثناء وقفتنا مع آية المحكم والمتشابه في سورة آل عمران، وهو الفهم والفقه والتفسير والبيان.
لقد علم الله ابن عباس ﵄ تأويل القرآن، ففهم معاني القرآن، وأوّل آياته.
وندعو إلي ملاحظة تحقق معنى التأويل في فقه اللغة - الذي سبق أن قرّرناه - على علم ابن عباس بتأويل القرآن.
فإذا كان أساس اشتقاق ومعنى التأويل هو الردّ والحمل والإرجاع والإحالة، وبيان المرجع والمآل والعاقبة والنهاية، فإنّ تأويل ابن عباس للقرآن بالمعنى العلمي، الذي أتقنه وفقهه، يبدو فيه المعنى الأصلي ظاهرا.
فعند ما كان ابن عباس يؤوّل آية من القرآن، فإنما كان يحملها على المعلومات التفسيرية الصحيحة من أحاديث وأسباب نزول ولغة العرب، ويعيدها إليها، وينظر في الآية التي يؤوّلها على ضوء هذه المعلومات التي بين يديه، فيكون تأويله لهذه الآية صائبا، وفهمه لها صحيحا، واستنباطه منها دقيقا، وهو بهذا التأويل يقدم حقيقة معنى الآية، ويقرر مآلها وعاقبتها العلمية التي تريد تقريرها.
стр. 157
وبهذا نري الجمع بين المعنى العلمي للتأويل والمعنى العملي الواقعي له، ونري تحقق معناه الأصلي اللغوي في هذين النوعين من استعماله:
الاستعمال العلمي الذي استعمله فيه ابن عباس، والاستعمال العملي الذي ورد في نصوص أخري، سبق أن أوردناها.
وعلى ضوء هذا نفهم كلام ابن عباس ﵄، الذي أورده له الامام الطبري في مقدمة تفسيره: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (١).
стр. 158
الفصل الرابع
الفرق بين التفسير والتأويل
стр. 159
الفرق بين التفسير والتأويل:
نذكّر بما سبق أن عرضناه، من معنى التفسير والتأويل.
فالتفسير هو: الكشف والبيان والظهور.
والتأويل هو: الردّ والإرجاع وبيان العاقبة والمآل.
ونذكر بما سبق أن قررناه من أنّ التأويل له معنيان:
التأويل العملي: وهو المذكور في القرآن وغالب الأحاديث النبوية، وهو ردّ النصوص والأشياء إلي غايتها المرادة منها. وتحقيقها فعلا في عالم الواقع، وتحديد وعاقبتها ونهايتها، وبيان ما تؤول إليه.
والتأويل العلمي: وهو حسن فهم النصوص التي فيها غموض أو إبهام، أو شبهة أو إشكال، وذلك بردّها إلي نصوص أخرى واضحة محددة، وحملها عليها، وفهمها على ضوئها، وإزالة غموض أو إشكال تلك النصوص. وإنفاذ النظر المتدبر في تلك النصوص، واستخراج ما فيها من لطائف ودلالات.
وكلامنا هنا ليس عن التأويل العملي، وإنما عن التأويل العلمي، فهو الذي يوضع مقابل التفسير، عند ما يستعمل المصطلحان في فهم القرآن.
تفسير آيات القرآن هو: فهمهما وبيان معانيها وإظهار دلالاتها.
وتأويل آيات القرآن هو: إزالة ما فيها من غموض أو إشكال.
وفهمهما فهما صائبا، وتأويلها تأويلا صحيحا، واستنباط لطائفها ودلالاتها، واستخراج حقائقها وإشاراتها.
стр. 160
أشهر الأقوال في الفرق بين التفسير والتأويل:
اختلف العلماء في بيان الفروق بين التفسير والتأويل، وتعددت أقوالهم في ذلك وتضاربت.
وسنذكر أهمّ هذه الأقوال، ثم نتبعها بما نراه راجحا إن شاء الله.
أورد الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ في مقدمة «التفسير والمفسرون».
سبعة أقوال في الفرق بينهما (١).
١ - التفسير والتأويل: مصطلحان مترادفان بمعنى واحد، فلا فرق بينهما، ومعناهما بيان القرآن وشرح آياته وفهمها.
وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثني ومن معه.
وهذا قول مرجوح لأن التفسير والتأويل مصطلحان قرآنيان، فلا بد من ملاحظة الفروق بينهما، فلا ترادف في كلمات القرآن، ولن نجد فيه كلمتين بمعنى واحد، قد يكون بينهما تقارب شديد في المعني، بحيث تخفي الفروق بينهما على كثير من الناس، لكنّ المتدبرين يقفون على فروق دقيقة خفية بينها.
٢ - التفسير: بيان معاني القرآن من باب الجزم والقطع، وذلك لوجود دليل لدي المفسر، يعتمد عليه في الجزم والقطع.
والتأويل: بيان معاني القرآن من باب الاحتمال وغلبة الظن والترجيح، لعدم وجود دليل لدي المؤول يعتمد عليه في الجزم والقطع.
وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
٣ - التفسير: بيان معاني الألفاظ القرآنية الظاهرة، التي وضعت لها في اللغة. كتفسير الصراط بالطريق، والصيّب بالمطر.
стр. 161
والتأويل: بيان باطن الألفاظ القرآنية، والإخبار عن حقيقة المراد بها.
والمثال على هذا الفرق قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١) فهذه الآية لها تفسير وتأويل.
تفسيرها: أن المرصاد من الرصد والمراقبة. أي: إن الله مطلع على كل ما يعمل الظالمون، يراها ويعلمها ويرصدها، ويسجلها عليهم ليحاسبهم عليها.
وتأويلها: تحذر الآية من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه يوم القيامة.
وهذا قول أبي طالب التغلبي.
٤ - التفسير هو: فهم الآيات على ظاهرها، بدون صرف لها عنه.
والتأويل هو: صرف الآيات عن ظاهرها إلي معنى آخر، تحتمله الآيات، ولا يخالف الكتاب والسنة، وذلك عن طريق الاستنباط.
وهو قول البغوي والكواشي.
٥ - التفسير: هو الاقتصار على الاتباع والسماع والرواية، والاكتفاء بما ورد من مأثور في معاني الآيات.
والتأويل: استنباط المعاني والدلالات من الآيات، عن طريق الدراية والتدبر وإعمال الفكر والنظر.
وهذا قول أبي نصر القشيري، وهو الذي رجّحه الدكتور الذهبي (٢).
٦ - التفسير هو: بيان المعاني القريبة التي تؤخذ من الآيات، من كلماتها وجملها وتراكيبها، عن طريق الوضع واللغة.
والتأويل هو: بيان المعاني البعيدة التي تلحظ من الآيات، وتوحي بها
стр. 162
كلماتها وجملها وتراكيبها عن طريق الإشارة واللطيفة والإيحاء.
ومال إلي هذا القول الآلوسي في تفسيره «روح المعاني».
أما إيراد الذهبي لرأي الراغب الأصفهاني في التفسير والتأويل فسنأخذه من مقدمة تفسيره «جامع التفاسير» بعد قليل إن شاء الله.
ومما عرضه الإمام السيوطي في «الاتقان في علوم القرآن» من الفروق بين التفسير والتأويل- إضافة إلي ما ذكرناه سابقا:
٧ - التفسير: أكثر استعماله في الألفاظ والمفردات.
والتأويل: أكثر استعماله في المعاني والجمل.
٨ - التفسير: بيان ألفاظ القرآن التي لا تحتمل إلا معنى واحدا.
والتأويل: توجيه لألفاظ القرآن التي تحتمل عدة معان، إلي معنى واحد، اعتمادا على الأدلة في ذلك (١).
وهذه الأقوال متقاربة كما سنبين بعد قليل إن شاء الله.
الفرق بينهما عند الراغب وأبي البقاء وفرحات:
يطيب لي أن أسجل آراء ثلاثة علماء: قديم ومتأخر ومعاصر، في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، ثم أورد بعد ذلك رأيي في المسألة.
الأول: هو الإمام الراغب الأصفهاني، حيث يقول في مقدمة تفسيره «جامع التفاسير».
التفسير أعمّ من التأويل.
وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ. والتأويل في المعاني. كتأويل الرؤيا.
стр. 163
والتأويل: يستعمل أكثره في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.
والتفسير: أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ. والتأويل: يستعمل أكثره في الجمل.
فالتفسير:
أ- إما أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو: «البحيرة» و «السائبة» و «الوصيلة».
ب- أو في وجيز يبيّن ويشرح، كقوله تعالى: وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ (١).
ج- وإما في كلام مضمّن بقصة، لا يمكن تصوّره إلا بمعرفتها نحو قوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (٢).
وقوله: ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (٣).
وأما التأويل:
أ: فإنه يستعمل مرة عاما، ومرة خاصا، مثل «الكفر» و «الإيمان».
فالكفر يستعمل تارة في الجحود المطلق، ويستعمل تارة في جحود الباري خاصة. والإيمان يستعمل تارة في التصديق المطلق، ويستعمل في تصديق دين الحق خاصة.
ب: ويستعمل في لفظ مشترك بين معان مختلفة. مثل لفظ «وجد» فإنه يستعمل في الجدة والجديد، ويستعمل في الوجود، ويستعمل في الوجود.
стр. 164
والتأويل نوعان: مستكره ومنقاد.
فالمستكره هو: ما يستبشع إذا سبر بالحجة، ويستقبح بالتدليسات المزخرفة.
وهو على أضرب أربعة:
الأول: أن يكون لفظ عام، فيخصّص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: وإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (١).
حمل بعضهم «صالح المؤمنين» على علي بن أبي طالب ﵁، فقط.
الثاني: أن يلفّق بين اثنين. نحو قول من زعم أنّ الحيوانات كلها مكلفة، محتجا بقوله تعالى: وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢). وقد قال تعالى: وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (٣) فاستدلّ بعضهم بقوله: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ على أن الحيوانات مكلفة كما أننا مكلفون.
الثالث: ما استعين فيه بخبر مزور، أو كالمزوّر. كقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ (٤) قال بعضهم: عنى بالساق: الرجل الجارحة، مستدلا بحديث موضوع، الرابع: ما يستعان به باستعارات واشتقاقات بعيدة.
كما قال بعض الناس: البقر: هو إنسان يبقر عن أسرار العلوم.
والهدهد: هو إنسان موصوف بجودة البحث والتنقير.
стр. 165
فالضرب الأول: أكثر ما يروج على المتفقهة، الذين لم يقووا في معرفة الخاص والعام.
والضرب الثاني: أكثر ما يروج على المتكلم، الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم.
والضرب الثالث: أكثر ما يروج على صاحب الحديث، الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار.
والضرب الربع: أكثر ما يروج على الأديب، الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات.
والمنقاد من التأويل: هو ما لا يعرض فيه البشاعة المتقدمة.
وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم، لإحدي جهات ثلاثة:
الأولي: الاشتراك في اللفظ، نحو قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (١) فهل الْأَبْصارُ من بصر العين، أو بصر القلب؟
الثانية: أمر راجع إلي النظم. نحو قوله تعالى: وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٢) أو مردود إليه وإلي المعطوف عليه معا:
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
الثالثة: لغموض المعني، ووجازة اللفظ، نحو قوله تعالى: وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣).
والوجوه التي يعتبر بها تحقيق أمثالها، وتقود إلي ترجيح المناسب من
стр. 166
الأقوال المختلفة في التأويل، أن ينظر في المختلف فيه:
١ - فإن كان المختلف فيه أمرا، أو نهيا عقليا، فزع في كشفه إلي الأدلة العقلية، وقد حثّ الله على ذلك في قوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ، لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (١).
٢ - وإن كان المختلف فيه أمرا شرعيا، فزع في كشفه إلي آية محكمة، أو سنة مبيّنة.
٣ - وإن كان من الأخبار الاعتقادية، فزع فيه إلي الحجج العقلية.
٤ - وإن كان من الأخبار الاعتبارية، فزع فيه إلي الأخبار الصحيحة، المشروحة في القصص (٢).
الثاني: هو الإمام أبو البقاء الكوفي.
قال في كتابه القيم «الكليات» عن التفسير والتأويل:
«التفسير والتأويل: قيل هما واحد، وهو كشف المراد عن المشكل.
وقيل: التأويل: بيان أحد محتملات اللفظ.
والتفسير: بيان مراد المتكلم.
وقيل: التأويل: ما يتعلق بالدراية.
والتفسير: ما يتعلق بالرواية.
وعند الراغب الأصفهاني: التفسير أعمّ من التأويل. وأكثر استعمال التفسير في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل. وأكثر استعمال التأويل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.
وقال أبو منصور الماتريدي: التفسير: القطع على أنّ المراد من اللفظ
стр. 167
هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قال دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي، وهو المنهيّ عنه. والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.
وكلام الصوفية في القرآن ليس بتفسير.
وفي «عقائد النسفي»: النصوص على ظاهرها: والعدول عنها إلي معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد.
وفي معنى الظهر والبطن وجوه: أشبهها بالصواب ما قاله أبو عبيد، وهو أنّ القصص التي قصّها الله عن الأمم الماضية وما عاقبهم به، ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين، وتحذير لهم، لا يفعلوا فعلهم، كي لا يحلّ به مثل ما حلّ بالأولين.
وفي تفسير أبي حيان: كتاب الله جاء بلسان عربي مبين، لا رمز فيه ولا لغز ولا باطن، ولا إيماء بشيء مما ينتحله الفلاسفة وأهل الطبائع.
وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أنّ النصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلي دقائق تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهذا من كمال الإيمان، ومحض العرفان.
وتفسير القرآن: هو المنقول عن الصحابة. وتأويله: ما يستخرج منه بحسب القواعد العربية.
فلو قلنا في قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، ومُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (١): أريد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، ولو قلنا: أريد به إخراج المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل، كان تأويلا» (٢).
الثالث: هو أستاذنا الدكتور أحمد حسن فرحات.
فبعد أن سجل أهمّ الأقوال في الفرق بين التفسير والتأويل، قال:
стр. 168
«والذي نميل إليه: أن التفسير فيه معنى الكشف والبيان والتفصيل.
وأنّ التأويل فيه معنى الرجوع والردّ والصرف والسياسة.
وبناء على ذلك نري أنه لا تعارض بين الأقوال، وأن كلّا من هذه الأقوال يعبّر عن نوع من الأنواع، التي تنطوي تحت التفسير أو التأويل.
فالذي قال: إنّ التفسير هو القطع على أنّ المراد من اللفظ هذا، إنما نظر إلي نوع من التفسير، وهو الذي يعتمد على دليل قطعي، من قرآن أو سنة أو إجماع، وهذه ولا شك إحدي الحالات التي تواجه المفسر.
ومثله الذي قال: التفسير هو بيان مراد المتكلم، أو هو ما يتعلق بالرواية، أو هو بيان موضوع اللفظ.
يلاحظ بأنّ التفسير في كلّ هذه الأقوال فيه معنى الكشف والبيان.
والذي يقول: إن التأويل: هو ترجيح أحد محتملات اللفظ، بدون القطع والشهادة على الله، أو هو ما يتعلق بالدراية، أو هو صرف الآية إلي معنى تحتمله، أو هو المعنى غير المتبادر ...
ويلاحظ أنّ كلّ ما ذكر من أنواع وأمثلة، تدخل تحت التأويل، وتحتاج إلي تدبر الكلام، وتقليبه على الوجوه المحتملة، وقد تصرفه عن ظاهره لدليل، وقد تقبل ظاهر الكلام المتبادر مع القول بمعنى آخر غير متبادر. إذ لا تعارض بينهما.
وبناء على هذا: يرجع الاختلاف بين العلماء في هذا إلي اختلاف التنوّع، لا اختلاف التضادّ.
حيث عبّر كلّ واحد منهم عن نوع من أنواع التفسير، أو نوع من أنواع التأويل» (١).
стр. 169
الراجح في الفرق بين التفسير والتأويل:
لا ننسي أنّ أساس معنى التفسير هو الكشف والبيان والظهور والوضوح.
وأنّ أساس معنى التأويل هو الردّ والرجوع والعود والحمل، وتحديد العاقبة والمآل والغاية والنهاية.
ولا ننسي كلام الإمام الراغب الأصفهاني عن التأويل: «هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه علما أو عملا».
إننا مع أستاذنا الدكتور أحمد فرحات في أنه يمكن الجمع بين معظم الأقوال السابقة في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، وأنّ الاختلاف في معظمها اختلاف تنوع، لا اختلاف تضادّ.
وننتقل بعد هذا الملاحظة إلي خطوة أخرى في الفرق بين التفسير والتأويل.
إننا نري أنّ فهم القرآن وفقه معانيه واستخراج دلالاته، لا بدّ أن يكون على مرحلتين متدرجتين:
المرحلة الأولي: تفسير القرآن.
المرحلة الثانية: تأويل القرآن.
كلّ ناظر في القرآن، متدبر في آياته، لا بدّ أن يطلع على تفسير القرآن أولا، ويعلم تفسيره من المصادر التفسيرية.
ثم يقوم بعد ذلك بتأويل القرآن، وملاحظة لطائفة، وتسجيل حقائقه، واستخراج دلالاته.
إننا نري أنّ تفسير القرآن لا بدّ أن يسبق تأويله، حتى يكون التأويل صوابا صحيحا. إن أيّ تأويل للقرآن بدون تفسير له، هو تأويل بالرأي غير المعتمد على العلم، وهو مذموم ومنهي عنه.
بناء على هذا التفريق المرحليّ بين التفسير والتأويل، يمكننا أن نجمع بين
стр. 170
أقوال عديدة، سبق أن أوردناها في التفسير والتأويل.
المرحلة الأولي تفسير القرآن:
نري المفسر فيها يفسر ألفاظ وكلمات القرآن، ويعتمد في تفسيره على الرواية والمأثور، ويورد في تفسير الآية ما في معناها من آيات أخري، ومن أحاديث نبوية صحيحة، ومن أقوال صحابة وتابعين، ومن أسباب نزول، وتفسير غريب، وناسخ ومنسوخ، وتوجيه قراءات، وشواهد أشعار. وهو في عمله هذا يفسر ظاهر الآية، ويورد المعنى القريب المتبادر منها، ونظرا لما عنده من نصوص يورد تفسير الآية من باب الجزم والقطع.
هذا كلّه تشمله المرحلة الأولي، التي هي البداية لفهم القرآن، والتي أسميناها «تفسير القرآن».
ونلاحظ توفّر المعنى اللغويّ الاشتقاقي للتفسير في هذه المرحلة، فالمفسر في عمله يبين معنى الآية ويشرحه ويظهره، ويفسره ويكشف عنه.
واعتماد المفسّر في هذه المرحلة على المعلومات التفسيرية العلمية الصحيحة، وعلى آراء من سبقوه من علماء التفسير، وجهده فيها في المعرفة والاطلاع، بهدف تكوين حصيلة علمية، تؤهله للانتقال للمرحلة الثانية، وتعينه على حسن تأويل القرآن.
المرحلة الثانية تأويل القرآن:
ينتقل إليها المفسر ليكون مؤوّلا للقرآن، وينظر في القرآن على ضوء معلوماته التفسيرية التي حصّلها في المرحلة الأولي.
إنّ المؤوّل في هذه المرحلة: يمعن النظر في الجمل والتراكيب والآيات، ويعتمد في نظره على تدبره وإعمال عقله، وتقليب وجوه الرأي والنظر، وتنفذ نظراته إلي باطن الآية، ويلتفت إلي لطائفها وإشاراتها وإيحاءاتها، ويستخرج حقائقها ودلالاتها، ويلحظ المعنى البعيد غير المتبادر للذهن، وغير الظاهر من الآية، ويسجل التوجيه والرمز والومضة التي تشرق بها
стр. 171
الآية، ويقف على غرضها ومقصودها، ويزيل ما عليها من لبس أو اشتباه، ويحلّ ما تثيره من غموض أو إشكال.
عمل المؤوّل في المرحلة الثانية عمل ذاتي، وليس اعتمادا على من سبقه كما فعل في المرحلة الأولي، ونتاجه في هذه المرحلة نتاج شخصي، وتأويلاته التي يقدمها هي ثمرة تدبّره للقرآن، ونظره فيه، وشخصيته في هذه المرحلة بارزة واضحة، وجهده الذاتي فيه ملحوظ، ورأيه مسجّل معتبر.
وكما لاحظنا توفّر معنى التفسير اللغوي الاشتقاقي في المرحلة الأولي، فإننا نري توفّر معنى التأويل اللغوي الاشتقاقي في هذه المرحلة.
إنّ التأويل هو الردّ والرجوع، والمؤوّل هنا يحقّق معناه، فعند ما يقدم تأويلاته لا بدّ أن يردّها إلي معلوماته التفسيرية، ويرجع بها إليها، فإن تعارضت تأويلاته مع النصوص التفسيرية ألغاها وتخلي عنها، لأنّها تأويلات باطلة خاطئة.
إن المؤوّل يصحح لنفسه بعد ما يؤول، ويصوّب تأويله على هدي تفسيره، وينظر في تأويله على ضوء تفسيره، ويعيد تأويله إلي تفسيره، ويرده إليه، ويرجع به عليه.
أي: يحاكم المؤوّل المرحلة الثانية «التأويل» إلي المرحلة الأولي «التفسير»، ويردّ التأويل إلي التفسير، ويفهم التأويل على ضوء التفسير.
وجوب تحقق التفسير والتأويل معا:
يجب على كلّ ناظر في القرآن متدبر له، أن يحقق المرحلتين في تعامله مع القرآن، ومحاولة فهمه.
إذا أعمل رأيه في الآيات، وحاول استخراج معانيها، وتأويل حقائقها دون دراسة تفسيرية في التفاسير المأمونة الموثوقة، فإنه سيخطيء في نظره
стр. 172
ورأيه وتدبره وتأويله، وهذا هو التأويل بالرأي غير المستند إلي العلم، وهو مذموم وباطل.
إنه في هذه الحالة لم يسلك الطريق الصحيح لحسن فهم القرآن، بل تخطي المرحلة الأولي وتجاوزها ولم يتوقف عندها، وقفز قفزة خاطئة إلي المرحلة الثانية، اعتداد بعقله غير الناضج تفسيريا، وإعمالا لرأيه غير المصوغ صياغة تفسيرية علمية.
وما أكثر هؤلاء الذين يهجمون على تأويل القرآن بهذه الصفة، في هذا الزمان، الذين يقفزون للمرحلة الثانية قفزا واسعا في الفراغ! فيفهمون آيات القرآن فهما خاطئا، قائما على المزاجية والهوى، ويقوّلون هذه الآيات ما لم تقله، ويستشهدون بها على ما لا تشهد عليه، ويستخرجون منها ما لا تدلّ عليه، ويؤوّلونها تأويلا باطلا مردودا مستكرها! كذلك لا نري أن يقف الناظر في القرآن عند المرحلة الأولي، وأن يبقي ضمن دائرة تفسير القرآن- على المعنى الذي قررناه- وأن يكتفي بترديد ما وقف عليه في تفسير الآيات من أقوال مأثورة، وأحاديث صحيحة، وروايات في النزول والنسخ والغريب، وأن يكررها وأن ينقلها من تفاسير السابقين إلي تفسيره.
لا نريد للمفسر أن يكون مجرد ناقل لكلام السابقين، ورواية لآرائهم.
وإن كان هناك بعض المفسرين كانوا هكذا، وكتبوا تفاسيرهم هكذا، واكتفوا فيها بتكرار الأقوال السابقة التي أوردها السابقون.
أين جهد المفسر الذاتي؟ وأين شخصيته المستقلة؟ وأين اختياراته.
وترجيحاته؟ وأين تأويلاته واستنتاجاته؟ أين تدبره هو، ونظره هو في القرآن؟
إنّ انتقال الناظر في القرآن من مرحلة المفسر إلي مرحلة المؤوّل ضروري، وإن استخراج الدلالات واللطائف والحقائق من القرآن مطلوب، وإن بناء
стр. 173
التأويل على التفسير واجب.
وإننا نعلم أن بعض الناظرين في القرآن لا يستطيع الانتقال إلي المرحلة الثانية، فيبقي «يراوح» مكانه في المرحلة الأولي. إنه غير مؤهّل ليكون مؤولا، ولا يملك من عمق النظر وإعمال الفكر ما يعينه ليكون مؤوّلا.
إن التأويل «فتوحات» من الله، و «فيوضات» منه، ومواهب يهبها سبحانه لمن يشاء، ونعم ينعم بها علم من يشاء.
ويتفاوت المؤوّلون في تأويلاتهم، في عمقها وجدّتها وأصالتها وفاعليتها وتأثيرها. وكأنّ المؤوّلين صيادون يريدون اصطياد اللطائف، واقتناص الإشارات والومضات والإيحاءات! هناك صياد يصطاد الصيد القريب، وهناك صياد ينجح في اصطياد السريع الخفي البعيد، وهناك من يصطاد صيدا صغيرا، وهناك من يقتنص الصيد الثمين الغني الوفير.
وهكذا المؤولون في تأويلاتهم للقرآن، والمهمّ هو أن يردّوا هذه التأويلات إلي التفاسير السابقة، وأن يرجعوا بها إليها، وأن يصحّحوها على أساسها.
وهذا يقودنا إلي التذكير بحقيقة: إذا كان التفسير والتأويل مرحلتين متعاقبتين، وإذا كان بعض المفسّرين بقي مع المرحلة الأولي، فإن كلّ مؤول مفسّر، وليس كل مفسّر مؤوّلا.
فلا بد للمؤوّل من أن يكون مفسّرا أولا ليصحّ تأويله، ولكن المفسّر قد لا يتمكن من الارتقاء إلي مستوي التأويل!!.
стр. 174
الدليل على هذه المرحلية:
قلنا إنهما مرحلتان في فهم القرآن: تفسيره أوّلا، ثم تأويله بعد ذلك، وأنه لا يجوز التأويل قبل التمكن من التفسير، وأن كلّ مؤول مفسر، وليس كل مفسر مؤولا.
والدليل على هذه المرحلية، هو تفاوت الصحابة في فهم معاني القرآن، فمنهم من كان يكتفي بالوقوف مع ظاهر الآيات، ويقدم معناها القريب المتبادر، ومنهم من كان يعمق التدبر فيها، ويدرك إشاراتها وإيحاءاتها، ويقدم المعنى البعيد اللطيف الرشيق غير المتبادر.
في مقدمة هؤلاء عبد الله بن عباس ﵄، الذي
دعا له الرسول ﷺ قائلا: «اللهمّ فقّهه في الدين، وعلمه التأويل».
وكان ابن عباس ﵄ من أعلم الصحابة بتفسير القرآن وتأويله، ولهذا حاز لقب «ترجمان القرآن».
ما كل اصحابة كانوا مؤوّلين للقرآن، وإن كانوا مفسّرين له، أما ابن عباس فقد كان مفسّرا مؤوّلا، ﵁.
روي الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه من علمتم.
فدعاه ذات يوم، فأدخله معهم.
فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قول الله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ؟
فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا.
стр. 175
وسكت بعضهم، فلم يقل شيئا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟
فقلت: لا.
قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه له، فقال له: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، وذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (١).
لقد أجري عمر بن الخطاب ﵁ امتحانا لابن عباس وبعض الصحابة، في فهمهم لسورة النصر، فالصحابة كانوا مفسّرين لها، لكنّ ابن عباس كان مؤوّلا لها.
أخبر ابن عباس ﵄ أن عمر كان يقدّمه، ويدخله مع أشياخ بدر، مع أنه شاب، وهؤلاء شيوخ، وتقديم عمر له لما لاحظه من فطنته وذكائه وبعد نظره ورجاحة عقله.
ولما لاحظ العباس اهتمام عمر بابنه عبد الله ﵃، أوصاه قائلا: يا بنيّ: إن عمر يدنيك، فلا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يسمع منك كذبا، ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك عنه.
ولما رأي بعض أشياخ بدر إشراك عمر لابن عباس معهم، وجدوا ذلك في نفوسهم، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ لعمر: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟
فأجابه عمر قائلا: إنه من قد علمتم.
стр. 176
وهذه إشارة من عمر إلي فطنة ابن عباس وذكائه وعلمه ومعرفته.
وفي رواية ثانية أنّ بعض المهاجرين قالوا لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟
فقال لهم عمر: ذاك فتي الكهول، وإن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا.
وأراد عمر أن يبين لهؤلاء الصحابة علم ابن عباس وفطنته، فدعاهم ودعاه يوما.
وفهم ابن عباس قصد عمر من الدعوة، ولهذا قال: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
وفي رواية أخري: أن عمر قال لهم: سأريكم اليوم منه، ما تعرفون به فضله! ولما اجتمعوا عند عمر، طلب منهم تفسير سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
لقد نظروا في آيات السورة نظرة ظاهرية، ولاحظوا المعنى القريب المتبادر منها: عند ما يأتي الله بنصره، ويفتح البلدان أمام الاسلام، فعلى الرسول ﵊ أن يسبح الله، وأن يحمده، وأن يستغفره، والله تواب يتوب على عباده.
هل كلامهم هذا خطأ أم صواب؟
لقد كان صوابا، فهذا هو معنى السورة، وهذا ما تأمر به.
لكن هؤلاء الصحابة كانوا مفسّرين للسورة، فسّروا كلماتها تفسيرا ظاهريا قريبا، وكان تفسيرهم لها صحيحا، لكنه مجرد تفسير.
أما ابن عباس فقد كان يعرف من السورة ما قالوه، ويعرف أنّ هذا هو ظاهرها، ولكنه تجاوز هذا الظاهر، وانتقل من تفسيرها القريب إلي
стр. 177
خطوة أخرى أرفع وأسمي وأبعد، وقدّم تأويلا للسورة تأويلا مستنبطا من موضوعها وهدفها وسياقها.
إن الله أعلم رسوله ﷺ بقرب دنوّ أجله، إن النصر والفتح علامة على قرب الأجل، فعليه الإكثار من حمد الله وتسبيحه واستغفاره، استعدادا للارتحال عن هذه الدنيا ومغادرتها.
وقال ابن عباس في رواية أخري: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ نعيت إلي رسول الله ﷺ نفسه، فأخذ بأشدّ ما كان قط، اجتهادا في أمر الآخرة.
ولقد كان ابن عباس موفّقا في هذا التأويل للسورة، وفي الالتفات لهذا المعنى الخفي البعيد الذي توحي به، وقد أشاد عمر بفهمه، ووافقه عليه، وقال له: ما أعلم منها إلا ما تقول.
ثم توجّه عمر للصحابة الجالسين فقال لهم: كيف تلومونني على حبّ ما ترون؟
قال الامام ابن حجر بعد شرحه للحديث: «فيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا، لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام من لا يعرف قدره لينزل منزلته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة، لا للمفاخرة والمباهاة، وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم» (١).
تشير سورة النصر إلي ارتباط حياة الرسول ﷺ علي الأرض بهذا الدين، فهو رسول الله، ومهمته هي تبليغ الاسلام ونصرته وجهاد أعدائه، فإذا ما نصر الله دينه، ومنح المسلمين الفتح، فقد تحققت مهمة الرسول ﷺ بنجاح كبير، وبذلك تنتهي حياته علي الأرض، المرتبطة بمهمته الدعوية الجهادية.
стр. 178
ولذلك توحي هذه السورة للرسول ﷺ بقرب انتهاء أجله، وعليه بعد النصر والفتح الإكثار من التسبيح والتحميد والاستغفار، استعدادا للانتقال إلي الدار الآخرة.
هذا ما فهمه ابن عباس ﵄ من السورة، وهذا ما وافقه عليه عمر بن الخطاب، وبذلك كان ابن عباس مؤولا لها وليس مجرد مفسر، وكان تأويله مرحلة ثانية بعد التفسير الظاهري للسورة.
ألم يفهم الرسول ﷺ من السورة هذه الإشارة؟
روي الامام البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما صلى النبيّ ﷺ صلاة، بعد أن نزلت عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ إلا يقول فيها: سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (١).
ثم كم عاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة؟
لقد نزلت عليه سورة النصر لما حجّ حجة الوداع. قال ابن عمر ﵄: «نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع» (٢).
وكانت وفاته ﷺ بعد ثلاثة أشهر من نزول هذه السورة. حيث كانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة! ولابن عباس ﵄ موقف آخر مع عمر بحضور بعض الصحابة، قدّم فيه تأويلا لآية من القرآن، وليس مجرد تفسير لها.
روي الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن عبيد بن عمير
стр. 179
قال: قال عمر ﵁ يوما لأصحاب النبي ﷺ : «فيم ترون هذه الآية نزلت؟ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وأَصابَهُ الْكِبَرُ، ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (١).
فقالوا: الله أعلم! فغضب عمر وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم!! فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! قال عمر: يا ابن أخي: قل ولا تحقر نفسك! قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل.
قال عمر: أيّ عمل؟
قال ابن عباس: لعمل.
قال عمر: لرجل غني، يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق عمله» (٢).
وفي رواية ثانية أوردها ابن حجر في فتح الباري: «أنّ ابن عباس قال لعمر: ضربت مثلا لعمل.
فقال له عمر: أي عمل؟
قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي. عنى بها العمل: ابن آدم أفقر ما يكون إلي جنته إذا كبر سنة وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلي عمله يوم يبعث!
стр. 180
فقال له عمر: صدقت يا ابن أخي» (١).
أما الإمام ابن جرير الطبري فقد أورد رواية أخرى لهذا الحديث.
فقد روي الطبريّ بإسناده عن عطاء قال: «سأل عمر الناس عن هذه الآية، فما وجد أحدا يشفيه.
حتي قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين: إني أجد في نفسي منها شيئا.
فتلفت عمر إليه، وقال له: تحول هاهنا. لم تحقر نفسك؟
قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله . فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلي أن يختمه الله بخير، حين فني عمره، واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كلّه، فأحرقه وهو أحوج ما يكون إليه» (٢).
إن ابن عباس هنا كان مؤولا لهذه الآية، ملتفتا لمغزاها وهدفها.
ولهذا عقّب الإمام ابن حجر علي الحديث قائلا: «وفي الحديث قوة فهم ابن عباس، وقرب منزلته من عمر، وتقديمه له من صغره، وتحريض العالم تلميذه علي القول بحضرة من هو أسن منه، إذا عرف فيه الأهلية، لما فيه من تنشيطه وبسط نفسه وترغيبه في العلم».
مع فهم الطبري للتأويل:
الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المتوفي سنة ثلاثمائة وعشر للهجرة، هو إمام المفسرين والمؤوّلين جميعا.