← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18122

التفسير والتأويل في القرآن

صلاح الخالدي

Полный текст (192 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلي آله وصحبه. أما بعد: فقد أوجب الله علي المسلمين تدبر آيات القرآن، فقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (١). وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلي قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢) وتدبّر القرآن عن طريق إمعان النظر في سوره وآياته، وجمله وكلماته، وتراكيبه ومفرداته، والوقوف أمامها طويلا، ونفاذ النظر إلي مضامينها ومراميها وأغراضها، وملاحظة حقائقها ودقائقها، والأنس والسعادة والاستمتاع بالحياة معها، والاسترواح في ظلالها، وقضاء أسعد الأوقات معها. والمؤمن يفعل ذلك ليتعرف علي معالم الحياة التي يريد القرآن إيجادها، ومناهج الإصلاح التي يقررها، يفعل ذلك ليعرف ماذا يريد الله منه أن

стр. 2

يكون، ليكون، ليعرف الأحكام التي يقررها القرآن، والواجبات التي أوجبها الله عليه في القرآن ليلتزمها، والمنهيات التي نهاه الله عنها في القرآن ليتجنبها. المؤمن يفعل ذلك ليتعرف علي أسس الدعوة في القرآن، لينطلق من خلال القرآن داعيا إلي الله، ناصحا للمسلمين، ناشرا لهدي القرآن، بشيرا ونذيرا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متحديا للباطل، مواجها للكافر، مجاهدا للأعداء، جنديا من جنود القرآن. وإذا كان هذا المؤمن صاحب علم وفقه، وطالب فائدة وبحث، فإنه في تدبّره للقرآن، ونظره في سوره وآياته، يحقق ما سبق ذكره، ويؤديه ويلتزمه، ويجعل حياته وقفا علي تحقيقه، ثم يضيف إليه أهدافا أخرى سامية، وأغراضا رفيعة عالية. إنه يتدبر القرآن، ويمعن النظر فيه، ليتعرف علي أسلوبه وبيانه، ويتذوق بلاغته وفصاحته، ويقف علي أسرار ومظاهر إعجازه، وأساليب بيانه، وروعة كلماته وتعبيراته. إنه يعيش مع بيان القرآن، وأسلوب القرآن، وحديث القرآن، ومفردات القرآن، ومصطلحات القرآن، وموضوعات القرآن، ومعاني القرآن، وحقائق القرآن. إنه مع القرآن في أوقاته وساعاته، في ليله ونهاره، في مشاعره وتطلعاته، في نظراته وعباراته. والقرآن الكريم كتاب الله العظيم، وكلامه المعجز، أنفس ما تنفق فيه الأوقات، وتوجّه له النظرات، وتقضي فيه الأعمار، وتدور معه الأفكار. رحم الله الاستاذ سيد قطب حيث يقول في أول جملة من «الظلال»: «الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع

стр. 3

العمر وتباركه وتزكيه، ولقد منّ الله عليّ بالحياة في ظلال القرآن، فذقت منها ما لم أذق قط في حياتي». وأحمد الله وأشكره علي ما أنعم عليّ من نعمة التوجّه إلي القرآن، والإقبال عليه، والتخصص فيه، لقد يسرني لهذا الميدان المبارك، ميدان القرآن وتأويله وتدبره، و «كلّ ميسّر لما خلق له». يا لها من نعمة ربانية مباركة، أن أعيش مع القرآن قارئا وتاليا، ومتدبّرا متفكرا، ومفسّرا مؤولا، ومحاضرا متكلما، ومدرسا موجها، وكاتبا مؤلفا، وكم أشعر بالسعادة والانشراح لهذا الخير الجزيل الجميل، الذي ساقه الله إلي، وجعلني مع كتابه الكريم. ومهما أشكر الله علي هذه النعمة- وعلي غيرها من النعم الغامرة- فلن أو فيه سبحانه حقّه من الشكر، وسأبقي عاجزا مقصرا، وإن من كرم الله العظيم الكريم أنك كلما شكرته أنعم عليك، وكلما ازددت له شكرا- وشكرك قليل عاجز ناقص- تقبّله منك، وزاد عليك إنعاما وعطاء وفضلا- وإنعامه جزيل وفير- هذه هي إرادته الحكيمة، وسنته النافذة المطردة: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (١). عليّ أن أشكر الله- بوسائلي العاجزة المقصرة- بالإكثار من الإقبال علي كتابه، والزيادة من النظر فيه وتدبره، والتمعن في تفسيره وتأويله، والالتفات إلي لطائفة، ودلالاته، وحقائقه، وموضوعاته، ونشر علومه ومناهجه، وإعداد الأبحاث والدراسات حوله، وعرض بعض ما أجده منه في الدروس والمحاضرات، والأبحاث والمقالات، والكتب والمؤلفات، قياما بالحقّ المطلوب مني، وأداء لبعض الواجب الذي أوجبه الله عليّ، وأداء لبعض الشكر الذي تعيّن عليّ.

стр. 4

وهذا كتاب جديد من المؤلفات والكتب المتعلقة بالقرآن، شاء الله أن أبحث في موضوعاته ومباحثه، وأعانني علي السير فيه وعرض أفكاره، ووفقني لكتابته وصياغته، فله الحمد والشكر. أقدم هذا الكتاب «التفسير والتأويل في القرآن» ليكون أساس سلسلة جديدة أنوي إصدارها، وتتعلق بالتفسير الموضوعي للقرآن، وتتوجّه نحو لون خاص من ألوان التفسير الموضوعي، وهو «مصطلحات قرآنية»، أخصص كلّ مصطلح أو مصطلحين في كتاب، وأعرض فيه كلام القرآن عنه، وأقدمه للقراء الكرام، راجيا منهم الدعاء لي بظهر الغيب، والنظرة الفاحصة في الكتاب، وإرشادي إلي ما يرونه من ملاحظات أو استدراكات أو مؤاخذات، لأنتفع بها، شاكرا لهم كريم نصحهم. فصول البحث الأربعة (جاء هذا البحث في أربعة فصول): الأول: التفسير والتأويل في اللغة والاصطلاح: سرنا فيه مع معنى «التفسير في اللغة والاصطلاح»، ثم معنى «التأويل في اللغة والاصطلاح». واستشهدنا علي معناه بكلام علماء اللغة والتفسير. الثاني: التفسير والتأويل في الأسلوب القرآني: وقفنا فيه مع التفسير في سورة الفرقان. ثم انتقلنا إلي بحث مصطلح: «التأويل» في السياق القرآني. وجدنا أن «التأويل» لم يرد في القرآن إلا علي هذه الصيغة المصدرية فقط «تأويل». وأنه ورد في سبع سور. وقفنا مع كل سورة، ننظر في سياق ورود التأويل فيها: مع التأويل في سورة يوسف، ثم في سورة الكهف، ثم في سورة الأعراف، ثم في سورة يونس، ثم في سورة الإسراء، ثم في سورة

стр. 5

النساء، وأخيرا في سورة آل عمران. وأطلنا الوقفة مع آية التأويل في سورة آل عمران، لحديثها عن المحكم والمتشابه والتأويل، وإشارتها إلي المذموم من التأويل. الثالث: التأويل في كلام الرسول ﷺ وأصحابه. عرضنا فيه أمثلة من الأحاديث النبوية، وكلام الصحابة يظهر منها استعمالهم للتأويل، والمعنى الذي استعملوه فيه. ولاحظنا أنهم استعملوه بمعنى فعل نفس الشيء أو ردّه إلي غايته العملية، وبمعنى الفهم والتفسير والبيان. الرابع: الفرق بين التفسير والتأويل: سجّلنا فيه أهمّ ما قاله السابقون من فروق بين التفسير والتأويل، وبالذات ما قاله كلّ من الراغب الأصفهاني، وأبي البقاء الكوفي، والدكتور أحمد حسن فرحات. ثم عرضنا الراجح في الفرق بين التفسير والتأويل عندنا، حيث لاحظنا أنهما مرحلتان في فهم القرآن وتدبره، مرحلة التفسير أولا، ثم مرحلة التأويل التي تليها وتبني عليها. وأوردنا الأدلة علي هذا الفهم والترجيح، من حديث الرسول ﷺ وكلام أصحابه، وبيّنا أنّ الأصل أن يكون كلّ مؤوّل مفسرا، ولا يشترط أن يكون كلّ مفسّر مؤوّلا. ثم لاحظنا ورود معنى ثالث للتأويل، استعمله المتأخرون، وهو الصرف والتحويل، وبيّنا أنّ منه ما هو مقبول، ومنه ما هو مردود، ورأينا رفض المردود، وآثرنا عدم استعماله بهذا المعنى أصلا، لأنّ المقبول منه يدخل ضمن المعنى الثاني. الأول: بيان العاقبة والمآل، وتحديد ما يؤول إليه النص، وملاحظة صورته المادية النهائية، وفعل المأمور به عمليا أو الانتهاء عن المنهيّ عنه فعليا. وهذا هو معناه في القرآن، ومعظم الأحاديث، وكلام الصحابة.

стр. 6

الثاني: الفهم والتفسير، والاستنباط والاستدلال، وبهذا ورد في بعض الحديث وكلام الصحابة. ولا مانع أن نستخدمه بالمعنى الثاني، أن بمعنى الفهم والتفسير والبيان، طالما ورد في السنّة وكلام الصحابة، واستعمله بهذا أئمة التفسير ورواد التأويل، وفي طليعتهم الامام محمد بن جرير الطبري. وأخيرا ها هو البحث بين أيدي القارئين والباحثين، فما فيه من صواب فهو من الله، والحمد لله، وما فيه من خطأ وقصور فهو من النفس ومن الشيطان، ونعوذ بالله ونستغفره ونتوب إليه، ونرجو منه الأجر والثواب والرفعة والجنة. وصلّى الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم. الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي صويلح الخميس ٢٥/ ٥/ ١٤١٥ هـ- ٣/ ١١/ ١٩٩٤ م

стр. 7

تمهيد التفسير الموضوعي ألوانه، وخطوات السّير فيه

стр. 8

التفسير الموضوعي تفاسير القرآن أربعة أنواع: الأول: التفسير الإجمالي: وهو الذي يكتفي المفسّر فيه بعرض المعنى للآية أو الآيات عرضا إجماليا موجزا، دون توسّع أو تفصيل، ويكون التفسير ثلاثة أضعاف القرآن تقريبا. من التفاسير الإجمالية: تفسير الجلالين، وصفوة البيان لمعاني القرآن لحسنين مخلوف. الثاني: التفسير التفصيلي: وهو الذي يسير فيه المفسر مع سور القرآن سورة سورة، ومع آياته آية آية، ويتوسّع في تفسيرها وتأويلها، ويفصّل في كلامه، ويستطرد، ويعرض موضوعات، ومباحث، ومسائل عديدة. ومعظم التفاسير هي من هذا النوع، مثل: تفسير الطبري، وتفسير الزمخشري، وتفسير الرازي، وتفسير الآلوسي. وهذه التفاسير المفصلة منها ما هو وجيز، ومنها ما هو وسيط، ومنها ما هو مطوّل، لكنها تبقي تفاسير تفصيلية تحليلية. الثالث: التفسير المقارن: بحيث يدرس الباحث تفسير السورة أو الموضوع القرآني في أكثر من تفسير، ثم يستخلص منهج وطريقة كلّ مفسّر فيها، وبعد ذلك يعقد مقارنات بين مناهج وطرائق هؤلاء المفسرين، ليري ما في

стр. 9

تفاسيرهم من جدّة وإضافة، وما فيها من تقليد ومتابعة، وما فيها من تكرار أو إبداع، ثم يتعرف علي مالها من إيجابيات، وما عليها من مآخذ وسلبيات، ويفعل ذلك بعد مقارنته بين هذه التفاسير. الرابع: التفسير الموضوعي: وهو تفسير هذا العصر، ولم يشتهر هذا النوع عند المفسرين السابقين في القرون الماضية، وإنما اشتهر بين الباحثين والمفكرين والمتدبرين في عصرنا، ونري أنّ المستقبل إنما هو لهذا النوع من التفسير، وله أهمية خاصة، ورسالة عظيمة يؤدّيها. وليس كلامي هنا عن الدراسة المنهجية للتفسير الموضوعي، فإنّ هذه العجالة لا تكفي له، وأعد بإصدار دراسة منهجية خاصة عن «التفسير الموضوعي: أهميته، ألوانه، مناهجه»، وقد تكون هذه الدراسة قريبة إن شاء الله. ألوان التفسير الموضوعي الثلاثة: أريد في هذه الوقفة السريعة أن أشير إلي «ألوان التفسير الموضوعي». إن ألوان التفسير الموضوعي ثلاثة: اللون الأول: التفسير الموضوعي للمصطلحات القرآنية: بحيث يختار الباحث مصطلحا من مصطلحات القرآن، ويفرد له دراسة خاصة، يتابع فيها هذا المصطلح في القرآن، في اشتقاقاته وتصريفاته وحالاته العديدة، ثم يتدبر الآيات التي ورد فيها هذا المصطلح، ويستخلص منها اللطائف والمعاني، والدلالات والإشارات. من أجود الأمثلة علي هذا اللون من التفسير الموضوعي للمصطلح القرآني: رسالة «الأمة في دلالتها العربية والقرآنية» لأستاذنا الدكتور أحمد حسن فرحات، و «العهد والميثاق في القرآن» لزميلنا- في الدراسة- الأستاذ الدكتور ناصر العمر.

стр. 10

ومنها- بشيء من التساهل- كتاب «الضالون كما يصورهم القرآن» لعبد المتعال الجبري، و «الصبر في القرآن» للدكتور يوسف القرضاوي. وقد صحّ عزمي- بعون الله- علي اصدار سلسلة لهذا اللون من التفسير الموضوعي، وهي «التفسير الموضوعي للمصطلحات القرآنية» وهذه الرسالة: «التفسير والتأويل في القرآن» هي باكورة هذه السلسلة إن شاء الله. اللون الثاني: التفسير الموضوعي للموضوعات القرآنية: بحيث يبقي الباحث مع موضوع من موضوعات القرآن، يجمع الآيات حوله، بمختلف صيغها ومفرداتها، وكلماتها ومصطلحاتها. وهذا الموضوع أشمل من المصطلحات القرآنية، لأنّ القرآن يتحدث عن الموضوع الواحد بمفردات ومصطلحات مختلفة، وعلي الباحث أن يجمعها وأن ينظر فيها، وأن يستخرج دلالاتها وحقائقها. مثل: الصلاة في القرآن. الجهاد في القرآن. العقيدة في القرآن. الرسول في القرآن. المنافقون في القرآن. وقد حاولت في بعض ما كتبت أن أسلك هذا الميدان، وأن تكون تلك الدراسة قريبة من هذا اللون من التفسير الموضوعي بكتاب «مع قصص السابقين في القرآن» بحلقاته الثلاث، الذي خصصته للحديث عن قصص غير الأنبياء في القرآن. كما أمثل له بكتاب «الشخصية اليهودية من خلال القرآن: تاريخ وسمات ومصير»، وبالكتاب الآخر المتفرع منه وهو: «حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية». اللون الثالث: التفسير الموضوعي للسور القرآنية: يفرد الباحث فيه السورة القرآنية بدراسة خاصة، ويمعن النظر فيها، ويبين الوحدة الموضوعية للسورة، ويلحظ أهدافها ومقاصدها، ويقف علي وحداتها ودروسها، ثم

стр. 11

يحللها تحليلا موضوعيا، ويقدمها للقارئين وحدة موضوعية متكاملة. من أجود الدراسات القرآنية التي تمثل هذا اللون من التفسير الموضوعي، كتاب «سورة الحجرات: دراسة تحليلية موضوعية» للأستاذ الدكتور ناصر العمر. ومنها كتاب «تدبّر سورة الفرقان» لعبد الرحمن حبنكة الميداني. ومنها- مع التساهل- دراسات الدكتور علي عبد الحليم محمود التربوية لبعض سور القرآن. مثل: تفسير سورة النور. وتفسير سورة المائدة. ومنها- مع التساهل أيضا- سلسلة الأستاذ عبد الحميد طهماز. «من موضوعات سور القرآن». والتي أصدر منها حوالي عشرين رسالة. وفي النية إصدار بعض الدراسات لهذا اللون من التفسير الموضوعي، أفرد فيه كلّ سورة برسالة خاصة، وأرجو من الله التوفيق والعون. ولا يفوتني التذكير بالبداية الناجحة، التي بدأها سيد قطب- وهي بداية- في تعريفه بالسور القرآنية، في الطبعة المنقحة من الظلال، من سورة الفاتحة حتى سورة الحجر، وكلامه في ذلك التعريف والتقديم يصلح أن يكون «نواة» لمن بعده في هذا اللون من التفسير الموضوعي. خطوات السير في التفسير الموضوعي: كيف نبحث في المصطلح القرآني الواحد؟ وكيف نفسر هذا المصطلح تفسيرا موضوعيا، وما هي الخطوات التي نتبعها في ذلك؟ فيما يلي عجالة سريعة لهذه الخطوات، ونرجئ التفاصيل فيها إلي دراسة منهجية قادمة عن التفسير الموضوعي إن شاء الله. نريد أن نفسّر «الجهاد في القرآن» تفسيرا موضوعيا- علي سبيل المثال- فما هي الخطوات التي نسلكها في ذلك؟

стр. 12

١ - نعيد الكلمة إلي جذرها الثلاثي. فالجذر الثلاثي لمصطلح الجهاد هو «جهد». ٢ - نبحث عن المعنى اللغويّ الاشتقاقيّ لهذا الجذر الثلاثي في أمهات كتب اللغة، ومن أهمّ المعاجم في ذلك «معجم مقاييس اللغة» لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. ونراجع في هذا كتب المعاجم الموسعة، ومن أفضلها «لسان العرب» لابن منظور الأفريقي. ٣ - ننظر في معنى الكلمة- جهد- في الكتب التي تبين معاني ألفاظ وكلمات القرآن. وفي مقدمتها كتاب «مفردات ألفاظ القرآن» للامام الراغب الأصفهاني. ومنها كتاب «التصاريف» ليحيي بن سلام البصري، وكتاب «عمدة الحافظ في تفسير أشرف الألفاظ» للسمين الحلبي. ويجب أن لا يفوتنا الاطلاع علي الكلمة في معجم «الكليات» لأبي البقاء أيوب الحسيني الكفوي. ٤ - ننظر في اشتقاقات وتصريفات الكلمة- جهد- في القرآن الكريم، ونطلع علي هذه التصريفات والحالات في الكتاب القيم النافع: «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» لمحمد فؤاد عبد الباقي ﵀. ونعدّ قائمة بهذه الاشتقاقات والصيغ. ٥ - نتابع كلّ صيغة أو تصريف منها في آيات القرآن، ونسجل هذه الآيات، ونرتبها، وننظر في بعض دلالاتها وإيحاءاتها. ٦ - نربط بين الأصل الاشتقاقي اللغوي للكلمة، الذي أخذناه من مقاييس اللغة ولسان العرب والمفردات والكليات، وبين الاستعمال القرآني، ونري توفّر المعنى اللغوي، والأصل الاشتقاقي في الآيات القرآنية، وننزل ذلك الأصل اللغوي علي التصريفات القرآنية.

стр. 13

٧ - نطلع علي تفسير الآيات التي استخدمت ذلك المصطلح القرآني في أمهات كتب التفسير، لنعرف ماذا قال المفسرون في تفسيرها، وحتى لا نخطئ في نظراتنا وتحليلاتنا. ونري أنّ من أمهات كتب التفسير القديمة والحديثة: جامع البيان للطبري، والكشاف للزمخشري، والتفسير الكبير للرازي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، والمحرر الوجيز لابن عطية، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ونظم الدرر للبقاعي، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور. ٨ - نسجل ما نلحظه في الآيات من دلالات ولطائف، وإشارات وحقائق، وننقل ما نراه مناسبا من أمهات التفاسير، ونركز علي الدلالات التي فيها جدة وإضافة، أو فيها ارتباط واتصال مع واقع وحياة وحاضر الناس، ونحرص علي أن تكون هذه اللطائف منوعة مختلفة. ٩ - نذهب إلي أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين، لنطلع علي ما في هذه المصادر من كلام يتعلق بالمصطلح الذي نبحثه، فإن الأحاديث الصحيحة التي استخدمته، تضفي عليه مزيدا من الإشارات والفوائد والحقائق. ١٠ - نستخلص بعض ما وجدناه في رحلتنا مع هذا المصطلح القرآني، ونختم البحث بخاتمة نسجل فيها خلاصة نافعة في ذلك. هذه عشر خطوات مرحلية متدرجة نراها ضرورية لمتابعة أيّ مصطلح قرآني، ليكون البحث علميا موضوعيا، وليكون النظر سليما صائبا، وليكون الاستنتاج صحيحا مقبولا.

стр. 14

البدء بالتفسير والتأويل في القرآن: وعلي هدي هذا المنهج بحثنا في «التفسير والتأويل في القرآن» في هذا البحث. لقد أردنا أن يكون أول مصطلح نتابعه في القرآن، ونفسره تفسيرا موضوعيا هو «التأويل» لأنّ عملنا وجهدنا ما هو إلا نوع من أنواع تفسير القرآن، ولون من ألوان تأويله. لقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى «التأويل» وفي بيان أنواعه، ونشأت عن ذلك مدارس، ومذاهب، وتيارات فكرية مختلفة. وأدخل بعضهم موضوع التأويل في العقيدة، وفي مباحثها الغيبية، وبالذات في صفات الله. كما اختلف العلماء كثيرا في نظرهم في آية المحكم والمتشابه والتأويل في سورة آل عمران، هل يمكن تأويل المتشابه أو لا يمكن؟ وما هو المتشابه الذي يمكن تأويله، والذي لا يمكن؟ وما هو المراد بالتأويل إن كان ممكنا؟ وما هي ضوابط هذا التأويل الممكن ليكون صوابا؟ وما هو المراد بالتأويل غير الممكن الذي اختصّ الله به؟ كما اختلفوا كثيرا في بيان الفروق بين التفسير والتأويل، وأوردوا في هذا أقوالا عديدة. هذا كله دفعنا إلي أن نبحث في مصطلح «التأويل» في القرآن، لنحاول معرفة إجابات عن هذه التساؤلات، ولنقدم للقارئ خلاصة وصورة عن هذا الموضوع، ولنعالجه معالجة قرآنية حديثية. وبما أنّ «التفسير» ملازم للتأويل، ومقترن به، فقد بحثنا فيه أيضا، لا سيما أنّ «التفسير» لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، في سورة الفرقان.

стр. 15

الفصل الأول التفسير والتأويل في اللغة والاصطلاح

стр. 16

المبحث الأول: التفسير في اللغة والاصطلاح التفسير في اللغة: التفسير مصدر، علي وزن «تفعيل». وفعله الثلاثي «فسر». يقال: فسر الشيء فسرا. والفعل الماضي من التفسير، هو الرباعي «فسّر»، يقال: فسّر الشيء تفسيرا. والجذر الثلاثي للكلمة هو الفسر. قال الإمام أحمد بن فارس عن الفسر: الفسر كلمة تدلّ علي بيان الشيء وإيضاحه. تقول: فسرت الشيء، وفسّرته (١). وقال الإمام الراغب الأصفهاني في المفردات: الفسر: إظهار المعنى المعقول. ومنه قيل لما ينبئ عنه البول: تفسرة. [أي أنّ البول ينبئ ويكشف ويظهر المرض الموجود في الجسم، فالبول تفسرة وإظهار للمرض]. والتفسير في المبالغة كالفسر (٢). أي أنّ الراغب يري اتفاق التفسير والفسر في أصل المعني، فهما يدلان

стр. 17

علي إظهار المعني. لكن في التفسير مبالغة أكثر من الفسر. ويلتقي كلام ابن فارس مع كلام الراغب علي أنّ معنى التفسير يقوم علي: بيان الشيء وإظهاره وإيضاحه. وقال ابن منظور في «لسان العرب» عن الفسر: الفسر: البيان. يقال فسر الشيء وفسّره، أي: أبانه. والفسر: كشف المغطي. والتفسرة: البول الذي يستدلّ به علي المرض، حيث ينظر فيه الأطباء، فيستدلون به علي علة المريض. وكلّ شيء يعرف به تفسير الشيء، ومعناه، فهو تفسرته. والتفسير: البيان. وهو: كشف المراد عن اللفظ المشكل (١). إنّ كلّ اشتقاقات وتصريفات مادة «فسر» تدلّ علي معناها الأصلي، الذي لا يخرج عن: البيان والكشف والتوضيح والإظهار. فتفسير الكلام هو: بيان معناه. وإظهاره وتوضيحه، وإزالة إشكاله، والكشف عن المراد منه. قال الإمام أبو البقاء الكوفي في «الكليات» عن هذا المعنى الجامع للتفسير: «التفسير: الاستبانة والكشف، والعبارة عن الشيء بلفظ أيسر وأسهل من لفظ الأصل. قال أهل البيان: التفسير هو أن يكون في الكلام لبس وخفاء، فيؤتي بما يزيله ويفسّره» (٢).

стр. 18

بين الفسر والسّفر: لاحظنا أن التفسير مشتق من الفسر. والاشتقاق الأصغر من هذه المادة «الفسر» يدلّ علي معناها الأصلي، وهو البيان والتوضيح، والكشف والإظهار. والاشتقاق الأصغر هو: كلّ التصريفات من هذا الجذر الثلاثي «فسر» مثل فسر، يفسر، فسرا، وفسر، يفسّر، تفسيرا. كذلك الاشتقاق الأكبر لهذه المادة يدلّ علي هذا المعني. والاشتقاق الأكبر هنا مشاركة مادة أخرى لمادة «فسر» في الحروف الثلاثية لها، لكن مع تقديم وتأخير. من الاشتقاق الأكبر لهذه المادة كلمة «سفر»، فكلمتا «سفر» و «فسر» متقاربتان في اللفظ والمعني، ومشتقّتان من الحروف الثلاثة: الفاء والسين والراء، اشتقاقا أكبر. إنّ أساس معنى «سفر» قريب من معنى «فسر». قال أحمد بن فارس عن «سفر»: هو يدلّ علي الانكشاف والجلاء. وكلّ المشتقات اشتقاقا أصغر من هذه المادة، تدل علي هذه المعني. فالسّفر سمي بذلك، لأنّ الناس عند ما يسافرون ينكشفون عن أماكنهم، ويظهرون للآخرين. ويقال: سفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته وأظهرته. ويقال: أسفر الصبح: إذا انكشف الظلام وظهر الضياء. ويقال: وجه مسفر: إذا كان مشرقا مسرورا. وسميت الكتابة «سفرا»، وسمي الكتاب «سفرة»: لأن الكتابة

стр. 19

تسفر عن ما يحتاج إليه صاحبها، وتكشف مراده، وتظهره (١). وقال الراغب في المفردات: السّفر كشف الغطاء. ويختصّ ذلك بالأعيان. يقال: سفر العمامة عن الرأس. وسفر الخمار عن الوجه. أي: كشفه. والإسفار يختص باللون. يقال: أسفر الصبح: إذا أشرق لونه. وسافر الرجل: لأنه ينكشف عن المكان. وألف المفاعلة في «سافر» لأنّه هو قد سفر عن المكان، والمكان أيضا سفر عنه (٢). فبين الفسر والسّفر تقارب في اللفظ، لأنهما مشتقّان اشتقاقا أكبر. وبينهما تقارب في المعني- ولا أقول: ترادف-: لأنّ أساس معنى الفسر هو: البيان والتوضيح. وأساس معنى السّفر هو: الانكشاف والظهور. تعريف «تفسير القرآن» بعد أن عرفنا معنى «التفسير» في اللغة، واشتقاقه من «الفسر»، والصلة بين الفسر والسّفر، ننتقل الآن إلي تعريف هذا المصطلح «التفسير»، بعد أن صار علما يطلق علي بيان معاني القرآن. للعلماء المفسّرين عدة أقوال في تعريف «تفسير القرآن»، أوردها الإمام السيوطي في «الاتقان»، نختار منها ما يلي: ١ - قال بعضهم: التفسير في الاصطلاح: هو علم نزول الآيات، وشئونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ومكيها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها،

стр. 20

وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها. ٢ - وقال أبو حيان: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات ذلك. ٣ - وقال الزركشي: التفسير: علم يفهم به كتاب الله، المنزّل علي نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه. واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ (١). ونلاحظ أنّ هذه التعاريف تتحدث عن تفصيلات ومباحث علم التفسير، وعن موارده ومصادره، أكثر مما تتحدث عن تعريفه تعريفا موجزا، يدلّ علي طبيعته. وقد مال أبو البقاء الكفوي في الكليّات إلي تعريف أبي حيان للتفسير، فقال في تعريفه: هو علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، ومعانيها التركيبية (٢). أما الدكتور محمد حسين الذهبي، فقد أورد في «التفسير والمفسرون» التعاريف الثلاثة للتفسير، التي نقلناها من كتاب «الاتقان». ثم أضاف لها تعريفا رابعا، هو تعريف الشيخ محمد أبو سلامة في كتابه «منهج الفرقان»، فقال: ٤ - «وعرّفه بعضهم: بأنه علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد، من حيث دلالته علي مراد الله، بقدر الطاقة البشرية». وعلق الشيخ الذهبي علي هذه التعاريف بقوله: «وهذه التعاريف الأربعة

стр. 21

تتفق كلها علي أنّ علم التفسير: علم يبحث عن مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية. فهو شامل لكلّ ما يتوقف عليه فهم المعني، وبيان المراد» (١). والذي أميل إليه من التعاريف السابقة هو القسم الأول من التعريف الذي ذكره الإمام الزركشي. فأقول: التفسير هو: علم يفهم به كتاب الله، المنزل علي محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه. وكم يعجبني التعريف المختصر المفيد للتفسير، الذي اختاره الإمام محمد الطاهر بن عاشور في مقدمة تفسيره: «التحرير والتنوير»: ٥ - قال: «التفسير: اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها، باختصار أو توسع» (٢). ثم قال ابن عاشور: وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن، من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه (٣).

стр. 22

المبحث الثاني: التأويل في اللغة والاصطلاح التأويل في اللغة: التأويل مصدر علي وزن «تفعيل» وفعله الماضي رباعي، وهو «أول»، تقول: «أوّل يؤوّل، تأويل». وجذر الكلمة الثلاثي هو: أول. قال الإمام ابن فارس عن «أول»: «أول» أصلان، هما: ابتداء الأمر، وانتهاؤه. من استعماله في الابتداء قولك: الأوّل، وهو مبتدأ الشيء. ومؤنثة: أولي. وجمعه: أوائل. ومن استعماله في انتهاء الأمر: الأيل. وهو الذكر من الوعول. وسمي أيّلا لأنه يؤول إلي الجبل، وينتهي إليه، ليتحصّن به. وقولهم: آل بمعني: رجع. ولهذا قالوا: أوّل الحكم إلي أهله. أي أرجعه، وردّه إلي أهله. و: الإيالة هي السياسة. لأنّ الرعية ترجع الأمور وتعيدها وتردّها إلي راعيها. وقولهم: آل الحاكم رعيته: إذا أحسن سياستها. و: آل الرجل: أهل بيته. وسمّوا بذلك لأنّ مرجعهم ومآلهم في الانتهاء إليه، كما أن مرجعه ومآله إليهم لأنهم ابتداؤه!!

стр. 23

ومن هذا الباب- الأول بمعنى الانتهاء والمرجع- قولهم: تأويل الكلام. وهو عاقبته، وما يؤول وينتهي إليه (١). إنّ ابن فارس يري أن «الأول» أصل في الابتداء والانتهاء. وفي الحقيقة نري أنّ هذين الأصلين متقاربان جدا، وكأنهما أصل واحد. لأنّ كلا منهما طرف في الأمر، فالأول بدايته، والأخير نهايته، وهو موصول بين نقطتي البداية والنهاية! إنّ الأول ينتهي إلي الأخير. وإنّ الأخير متصل بالأوّل. فالابتداء والانتهاء يلتقيان علي هذا الأساس، ويدلان علي المرجع والانتهاء. وقال الامام الراغب الأصفهاني في المفردات عن «الأول»: الأول: الرجوع إلي الأصل. ومنه «الموئل»: وهو الموضع الذي يرجع اليه. والتأويل هو: ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا. ومن ردّ الشيء إلي غايته في العلم قوله تعالى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (٢). ومن ردّ الشيء إلي غايته في الفعل قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (٣). وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، فَرُدُّوهُ إِلَي اللَّهِ والرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٤).

стр. 24

قيل إنّ معناه: أحسن معنى وترجمة. وقيل: أحسن ثوابا في الآخرة. والأول: السياسة التي تراعي مآلها. وتلاحظ نهايتها (١). عبارة الراغب في معنى «الأول» أكثر دقة وضبطا. وهو: الرجوع إلي الأصل. وعبارته في معنى التأويل أيضا جامعة ودالة علي المطلوب، فهو: ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا. أما كلام ابن منظور في لسان العرب عن التأويل والأول، فإننا ننتقي منه هذه العبارات الموجزة: الأول: الرّجوع. و: آل الشيء يؤول مآلا: إذا رجع وعاد. وأوّل الكلام وتأوّله: إذا دبّره وقدره وفسّره. ويقال: ألت الشيء: إذا جمعته وأصلحته، فكأنّ التأويل هو: جمع معاني ألفاظ أشكلت، بلفظ واضح لا إشكال فيه. والتأويل: المرجع والمصير. مأخوذ من: آل إلي كذا: أي: صار إليه (٢). بين الأول والوأل: عرفنا أنّ التأويل في اللغة يدلّ علي معني: الرجوع والانتهاء والعاقبة. وكلّ تصريفات واشتقاقات الكلمة، يظهر فيها هذا المعني. وهذا هو الاشتقاق الأصغر لمادة «أول» التي تدلّ علي معنى الرجوع والانتهاء.

стр. 25

أما الاشتقاق الأكبر لهذه الحروف الثلاثة: الهمزة والواو واللام، فهو يقوم علي هذا المعني. وكما سبق أن لاحظنا الصلة الاشتقاقية والمعنوية بين الفسر وبين السفر، نلحظ هنا الصلة الاشتقاقية والمعنوية بين الأول والوأل. الأول: الرجوع والانتهاء. والوأل: المرجع والمنجي والملجأ. قال ابن فارس عن الوأل: هي كلمة تدلّ علي تجمع والتجاء (١). قال تعالى: ورَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٢). أي: عند ما يحين موعد عذاب الله للكفار، فسيقع بهم لا محالة، ولن يجدوا موئلا يئلون إليه، ولا ملجأ يلجئون إليه، ولا مرجعا يرجعون إليه! قال السّميني الحلبي في «عمدة الحفاظ» عن الموئل: «قيل هو: المرجع. وقال الفرّاء: الموئل: المنجي. يقال: وأل زيد من العدوّ. إذا نجا منه. وقيل: هو الملجأ. يقال: وأل فلان إلي فلان. إذا لجأ إليه» (٣). وبين الأصلين: أول و: وأل تقارب في المعني. فالأول هو: الرجوع إلي الأصل والانتهاء إليه. والوأل هو: الرجوع إلي الملجأ والنجاة إليه والاحتماء به!!

стр. 26

التأويل في الاصطلاح: من أدق التعاريف للتأويل في الاصطلاح وأكثرها ضبطا، ما ذكره الامام الراغب الأصفهاني في المفردات. قال: التأويل هو «ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا» (١). فتأويل الكلام هو ردّه إلي الغاية المرادة منه، وإرجاعه إلي أصله، وإعادته إلي حقيقته التي هي عين المقصود منه. أو بعبارة أخري: تأويل الكلام هو: ردّ معانيه وإرجاعها إلي أصلها الذي تحمل عليه، وتنتهي هي إليه. الأصل أن يكون للكلام الصادق حقيقة، مرادة منه، وغاية ينتهي إليها، ومرجع ومآل يرجع إليه، وإلا كان كذبا لا رصيد له من الحقيقة. وهذه الحقيقة التي لا بدّ أن يؤول ويرجع إليها الكلام الصادق، هي عين المقصود به، والغاية المرادة منه- كما قال الإمام الراغب. والكلام إمّا أن يكون طلبا، وإمّا أن يكون خبرا. فإن كان طلبا، فقد يتضمن فعل شيء، وقد يتضمّن تركه. فتأويل الطلب هو تحقيق المقصود منه بالفعل أو الترك، وبهذا يكون قد أعاد الكلام وأرجعه إلي غايته المرادة منه، فنفذ المطلوب منه. وإن كان الكلام خبرا، كانت حقيقته وغايته المرادة منه هي وقوعه وحدوثه فعلا وفق ما ورد في الكلام. ويكون تأويل هذا الخبر: تحقق وقوعه في عالم الواقع، وصدق انطباق هذا الوقوع علي مضمون ذلك الكلام. فعند ما نؤوّل الكلام الطلبي، فإننا ننفذه عمليا، وبهذا نردّه إلي الغاية

стр. 27

المرادة منه، ونحقق حقيقته الفعلية، فنفعل أو نترك. وعند ما نؤوّل الكلام الخبري، فإننا ننتظر وقوعه فعلا، وبهذا نردّه إلي الغاية المرادة منه، وهي حدوثه في عالم الواقع. وهذا معنى كلام الراغب: «التأويل: هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا». معنيان للتأويل عند السلف: للإمام ابن تيمية كلام جيد عن معنى التأويل عند السلف، أورده في رسالته «الإكليل في المتشابه والتأويل» ومما قال فيه: «وأما التأويل في لفظ السلف، فله معنيان: أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه. فيكون التفسير والتأويل عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا» (١). وهذا- والله أعلم- هو الذي عناه مجاهد من أنّ العلماء يعلمون تأويل القرآن. ولهذا كان محمد بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا. واختلف أهل التأويل في هذه الآية. ونحو ذلك. فإنّ الطبريّ كان مراده من التأويل التفسير. والثاني من معاني التأويل عند السلف هو: نفس المراد بالكلام. فإن كان الكلام طلبا كان تأويله: نفس الفعل المطلوب. وإن كان الكلام خبرا، كان تأويله: نفس الشيء المخبر به.

стр. 28

الفرق بين هذين المعنيين: وهناك فرق بين هذين المعنيين: فعلي المعنى الأول يكون التأويل من باب العلم، فتأويل الكلام هو العلم بمعناه، وهو كالتفسير والشرح والإيضاح. ووجود التأويل يكون في القلب، ودور اللسان في التأويل هو في التلفظ والنطق. وعلي المعنى الثاني يكون التأويل هو نفس الأمور الموجودة في الوجود والواقع. سواء كانت ماضية أو مستقبلية. فعند ما تقول: طلعت الشمس، يكون تأويل قولك هو نفس طلوعها. وعلي هذا المعنى يكون تأويل الكلام هو وجود معناه وجودا ماديا عينيا واقعيا (١). وعلي هذين المعنيين للتأويل عند السلف- كما عرضهما الامام ابن تيمية- نري أنّ التأويل عند السلف يقوم علي معنى الرد والرجوع والإعادة والانتهاء. وهذا هو معناه في اللغة والاصطلاح، كما سبق أن أوردناه. تأويل الكلام: ردّه إلي حقيقته المادية وغايته الواقعية، وهذا الردّ نوعان: الأول: ردّ الكلام إلي حقيقته العلمية، وذلك بإعادته إلي أصله ودلالته، وحسن فهمه، وهذا ردّ علمي. الثاني: ردّ الكلام إلي حقيقته العملية، وذلك بأدائه وفعله، وهذا انتهاء به إلي غايته الفعلية. وهذا ردّ عملي. وهذان النوعان داخلان في قول الراغب عن التأويل: «هو رد الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا».

стр. 29

وقد استخلص أستاذنا الدكتور أحمد حسن فرحات خلاصة نافعة موجزة للتأويل: فقال: «من كل ما سبق يتبين لنا: أن الكلام إذا وقف به عند المعنى الظاهر، كانت الغاية منه هذا المعنى الظاهر، ويكون المراد بالتأويل هو التفسير. وإذا كان المراد به تحققه في عالم الواقع إن كان خبرا، أو تحقيقه إن كان طلبا، كانت هذه هي الغاية المرادة منه. وهذا غير التفسير. وإذا تجاوزنا المعنى الظاهر إلي المعنى غير الظاهر، كانت الغاية المرادة من الكلام، المعنى غير الظاهر، لدلالة القرينة علي ذلك. وكان هذا تأويلا وليس تفسيرا- باصطلاح المتأخرين- ويمكن أن يدخل في التفسير حسب اصطلاح السلف. وكما يجري التأويل في العلم والقول، كذلك يجري في العمل، كما ورد في قصة موسي ﵇ مع الرجل الصالح. حيث ردّ الرجل الصالح الأعمال الثلاثة التي قام بها- خرق السفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار- إلي الغاية المرادة منها، وقال لموسي: «ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا» (١).

стр. 30

الفصل الثاني التفسير والتأويل في الأسلوب القرآني

стр. 31

المبحث الأوّل: التفسير في الأسلوب القرآني لم يرد في القرآن من اشتقاقات وتصريفات مادة «فسر» إلا كلمة واحدة، هي «تفسير». و «تفسير» مصدر الفعل الماضي الرباعي «فسر». و «تفسير» لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، في سورة الفرقان. قال تعالى: وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً. وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ، وكَفي بِرَبِّكَ هادِياً ونَصِيراً. وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ، وأَحْسَنَ تَفْسِيراً (١). ومع أنّ الشاهد في الآية الثالثة، إلا أننا أوردنا الآيات الثلاثة لنعرف السياق الذي وردت فيه كلمة «تفسير» هنا. تبين الآيات عداوة الكفار للحق، ومحاربتهم للقرآن، وتكذيبهم للرسول ﵊، وإثارتهم للشبهات ضده. الرسول ﵊ يشكو إلي ربّه كفر قومه وهجرهم للقرآن، فيواسيه الله ، ويخبره أن هذه هي طريق الرسالات، فكما أنه له

стр. 32

أعداء من المجرمين، كذلك كان للرسل السابقين أعداء من المجرمين. ثم تخبر الآيات عن بعض أساليب الكفار في محاربة الرسول والقرآن، وذلك بإثارتهم للشبهات ضده. فلم يعجبهم نزول القرآن منجما حسب الحوادث، وطلبوا إنزاله جملة ودفعة واحدة، كما أنزل الله الكتب السابقة علي رسله. وترد الآية علي هذه الشبهة بالإشارة إلي حكمتين من تفريق إنزال القرآن: تثبيت قلب النبي ﵊، والتدرج في إنزاله للتشريع والتربية. ثم تعقب الآيات علي ذلك بايراد القاعدة العامة في مواجهة الحق للباطل: ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً. لقد تكفل الله بنصرة الحق، ودحض الباطل، ونقض شبهات الكفار ضدّ الرسالة والرسول. ولهذا أخبر الله رسوله ﷺ بأنه معه، فكلما يأتيه الكفار بمثل أو شبهة أو إشكال، فإن الله يتولي نقض ذلك، حيث ينزل عليه آيات من القرآن، فيها الردّ علي اعتراضهم، وحلّ إشكالهم. والمراد بالمثل في قوله ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ: الاعتراض أو الشبهة. فعند ما طلبوا إنزال القرآن جملة واحدة، ضربوا التوراة والإنجيل مثلا، فقالوا: لماذا لم يكن القرآن كالتوراة، فلو كان القرآن كلام الله لأنزله الله دفعة واحدة، كما أنزل التوراة. إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً: ينزل الله آيات من القرآن، فيها دحض اعتراضهم، ونقض مثلهم. وقد وصف الله هذه الآيات النازلة من القرآن بصفتين: فهي الحق، وهي أحسن تفسيرا. والحق هنا في مقابلة الباطل. فالكفار يأتونك «بمثل». ونحن نأتيك «بالحق» لنقضه، وهذا يدلّ علي أنّ المثل الذي يأتون به باطل وداحض.

стр. 33

وهذه الآيات النازلة في نقض مثل الكفار «أحسن تفسيرا». أي: هي أحسن بيانا وتوضيحا وكشفا وعرضا وحجاجا وجدالا. وأفعل التفضيل هنا «أحسن» ليس علي ظاهره. فهو لا يدل علي انّ آيات القرآن النازلة أحسن تفسيرا وبيانا من المثل الذي يأتي به الكفار. لأنه لا تجوز المقارنة أصلا بين شبهة الكفار، وبين نقض القرآن لها، ولا نمدح القرآن عند ما نقول إنه أحسن بيانا من كلام الكفار. وقديما قال الشاعر: ألم تر أنّ السّيف ينقص قدره ... إذا قيل: هذا السّيف أمضي من العصا إنّ أفعل التفضيل هنا «وأحسن تفسيرا» للمبالغة في الثناء علي آيات القرآن، وبيان فضلها في ذاتها، وحسنها في تفسيرها وبيانها. إن كلمة التفسير في الجملة: «وأحسن تفسيرا» بمعني: البيان والتوضيح والكشف والإظهار. وهي تقرر حقيقة قرآنية قاطعة: إنّ الأدلة والبراهين والحجج والحقائق القرآنية هي أحسن تفسيرا وبيانا وعرضا وتوضيحا، وهي الكفيلة بدحض ونقض أباطيل وشبهات الكفار، وعلي المسلمين فهمها واستيعابها. واستخدامها في مواجهة أعدائهم، ليتمكنوا من إفحامهم.

стр. 34

المبحث الثاني: التأويل في الأسلوب القرآني ورد في القرآن عدة اشتقاقات لمادة «أول» - التي سبق أن تحدّثنا عن معناها. ورد فيه من اشتقاقاتها: تأويل. آل. أوّل. أولي. أوّلون. أولات. أولوا. وكل هذه الاشتقاقات يتوفّر فيها أساس معنى الأول الذي ذكرناه. وهو ابتداء الشيء وانتهاؤه، وإرجاعه إلي أصله، وردّه إلي غايته. ونريد في وقفتنا هنا أن نتابع ورود كلمة «تأويل» في الأسلوب القرآني، وأن نستخرج منها بعض اللطائف والدلالات. وردت كلمة تأويل في القرآن سبع عشرة مرة. وكانت لها أربع حالات: ١ - تأويلا: مصدر منصوب علي التمييز: مرتان. ٢ - تأويله: مضاف إلي الضمير الهاء: ثماني مرات. ٣ - تأويل الأحاديث والأحلام والرؤيا: مضاف للاسم الظاهر: خمس مرات ٤ - تأويل: مجرد عن الإضافة: مرفوع أو مجرور: مرتان

стр. 35

أما السور التي وردت فيها فكانت سبع سور، وهي: ١ - سورة يوسف: وردت فيها ثماني مرات. ٢ - سورة آل عمران: وردت فيها مرتين. ٣ - سورة الأعراف: وردت فيها مرتين. ٤ - سورة الكهف: مرتين. ٥ - سورة النساء: وردت فيها مرة واحدة. ٦ - سورة يونس: وردت فيها مرة واحدة. ٧ - سورة الإسراء: وردت فيها مرة واحدة.

стр. 36

المطلب الأول: مع التأويل في سورة يوسف قلنا إنّ التأويل ورد في سورة يوسف ثماني مرات من عدد مرات وروده السبع عشرة مرة في القرآن. أي: نصف مرات ورود التأويل في القرآن تقريبا كان في سورة يوسف. ولعلّ الحكمة اللطيفة في هذا أنّ، سورة يوسف ذكرت قصة يوسف ﵊ من بدايتها إلي نهايتها. حيث بدأت بالحديث عن رؤيا رآها يوسف ﵊ في المنام وهو صغير، ثم تتابعت أحدث قصته عشرات السنين، مرّ فيها يوسف ﵇ بكثير من العقبات والمفاجآت والتطورات، وختمت قصته في آخر آيات السورة، بتحقيق الرؤيا التي رآها وهو صغير، ووجودها في عالم الواقع! ثم إنّ الله خصّ يوسف ﵊ بعلم «تأويل الأحاديث»، وتعبير الرؤيا، وعرضت السورة أمثلة لرؤي وأحاديث أوّلها يوسف ﵇. واللطيف في الأمر أن آيات سورة يوسف ذكرت لنا ثلاث رؤي منامية، وذكرت لنا تأويلها: الرؤيا الأولي: رؤيا يوسف وهو صغير سجود الكواكب له. الرؤيا الثانية: رؤيا كلّ من الشخصين السجينين، اللذين كانا مع يوسف ﵇، وتأويله لرؤيا كلّ منهما. الرؤيا الثالثة: رؤيا الملك للبقرات السمان والعجاف، وتأويل يوسف لها. فالسورة كلها تقوم علي تأويل الأحاديث، وتعبير الرؤي والمنامات، وتظهر علم يوسف الخاصّ بهذا التأويل.

стр. 37

نص الآيات: ١ - لما رأي يوسف رؤياه وهو صغير، وأخبر أباه بها، طلب أبوه منه عدم إخبار أحد بها. قال تعالى: وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (١). ٢ - دخل يوسف ﵊ مرحلة جديدة من أحداث قصته، حيث اشتراه عزيز مصر، وطلب من امرأته إكرام يوسف، وهذا تمهيد لإظهار علمه بتأويل الأحاديث. قال تعالى: وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، ولِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، واللَّهُ غالِبٌ عَلي أَمْرِهِ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢). ٣ - عند ما أدخل يوسف ﵇ السجن ظلما، دخل معه السجن سجينان، ولما كانا في السجن، رأي كلّ منهما رؤيا، فطلبا من يوسف تأويلها: قال تعالى: ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، قالَ أَحَدُهُما: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً، وقالَ الْآخَرُ: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً، تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣). ٤ - أظهر يوسف ﵇ للسجينين علمه بتأويل الاحاديث، واستشراف المستقبل، وأخبرهما أن الله علمه ذلك. قال تعالى: قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ، إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (٤).

стр. 38

٥ - بينما كان يوسف سجينا، رأي ملك مصر رؤيا مزعجة، فطلب من خبرائه ومستشاريه تعبيرها وتأويلها، فأخبروه أنها أضغاث أحلام، ولا علم لهم بتأويلها. قال تعالى: وقالَ الْمَلِكُ: إِنِّي أَري سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ. قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ، وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (١). ٦ - لما رأي الشخص الخارج من السجن- وهو أحد حاشية الملك- عجز الملأ عن تعبير رؤيا الملك، تذكّر علم يوسف بتأويل الرؤيا، وطلب إرساله إلي يوسف، فأخبره بها، وأوّلها يوسف له. قال تعالى: وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما، وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ (٢). ٧ - في المشاهد الأخيرة من قصة يوسف ﵇، تحققت رؤياه التي رآها وهو صغير، وتأوّلت عمليا. فهو الآن عزيز مصر، وقد دخل عليه أبواه وإخوته الأحد عشر، وسجدوا كلهم له. قال تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلي يُوسُفَ آوي إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، وقالَ: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَي الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً، وقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ. قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا (٣). ٨ - ختم يوسف ﵊ قصته التي تقوم علي علمه بتأويل الأحاديث، بشكره لله الذي علمه ذلك، وطلبه منه أن يميته علي الإسلام.

стр. 39

قال تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ، وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ والْأَرْضِ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً، وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١). خلاصة ذكر التأويل في سورة يوسف، أنّ المرات الثمانية التي ذكرت فيها مقسمة علي الرؤي الثلاثة: رؤيا يوسف ﵇ وعلمه بتأويل الأحاديث: أربع مرات. رؤيا السجينين، وتأويل يوسف لها: مرتان. رؤيا الملك، وتأويل يوسف لها: مرتان. وننظر في هذه الرؤي الثلاثة، وتأويل يوسف لها، كلّ واحدة علي حدة، لنعرف المراد بالتأويل في هذه الرؤي. تأويل رؤيا يوسف: أراد الله إكرام يوسف ﵇ وهو صغير، فأراه رؤيا ذات دلالة، رأي في منامه سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له، ولم يفهم يوسف ﵇ عن مغزي رؤياه شيئا لصغر سنه، ولكنّ والده يعقوب ﵇ علم مغزي الرؤيا، وإشارتها إلي مستقبل إيماني زاهر ليوسف، فلفت نظره إلي هذا المستقبل، ودعاه إلي استشرافه. قال تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلي إِخْوَتِكَ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً. إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ، ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وعَلي آلِ يَعْقُوبَ، كَما أَتَمَّها عَلي أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ. إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢).

стр. 40

لقد استشف يعقوب النبيّ ﵇، من الرؤيا التي أراها الله لابنه الصغير، أنها دالة علي تخصيص الله ليوسف بعلم تعبير الرؤي، وتأويل الأحاديث. والمراد بالأحاديث في قوله: ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ الرؤي التي يراها الراءون في منامهم، ولا أقول الأحلام التي يحلم بها النائمون، لأنّ الأحلام قد لا تكون صادقة، فقد تكون أضغاث أحلام، قائمة علي الكوابيس والهلوسات. أما الرؤي فهي إشارات من الله، لها إيحاءات ودلالات، ولها أبعاد واقعية حقيقية. وسميت هذه الرؤي «أحاديث» لأنّ فيها معنى الحدوث. قال الإمام الراغب في المفردات: «الحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضا كان ذلك أو جوهرا ... ويقال لكلّ ما قرب عهده محدث، فعلا كان أو مقالا ... والحديث: كلّ كلام يبلغ الإنسان ويصل إليه، من جهة السمع أو الوحي، في يقظته أو منامه ... ومعنى قوله: وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ: ما يحدّث به الإنسان في نومه ...» (١). وهذه الأحاديث المنامية التي تحدث للنائم أثناء نومه، ويحدّث هو بها تحتاج إلي تعبير وتأويل. وتعبير الرؤيا هو تأويلها، أي: بيان بعدها الواقعي، وصورتها المادية الحسية في عالم الواقع. وسمي تفسير الرؤيا تعبيرا. قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٢). قال الراغب في معنى التعبير هنا: «أصل العبر: تجاوز من حال إلي
следующие страницы →