المطلب الأول: مع التأويل في سورة يوسف
قلنا إنّ التأويل ورد في سورة يوسف ثماني مرات من عدد مرات وروده السبع عشرة مرة في القرآن. أي: نصف مرات ورود التأويل في القرآن تقريبا كان في سورة يوسف.
ولعلّ الحكمة اللطيفة في هذا أنّ، سورة يوسف ذكرت قصة يوسف ﵊ من بدايتها إلي نهايتها. حيث بدأت بالحديث عن رؤيا رآها يوسف ﵊ في المنام وهو صغير، ثم تتابعت أحدث قصته عشرات السنين، مرّ فيها يوسف ﵇ بكثير من العقبات والمفاجآت والتطورات، وختمت قصته في آخر آيات السورة، بتحقيق الرؤيا التي رآها وهو صغير، ووجودها في عالم الواقع! ثم إنّ الله خصّ يوسف ﵊ بعلم «تأويل الأحاديث»، وتعبير الرؤيا، وعرضت السورة أمثلة لرؤي وأحاديث أوّلها يوسف ﵇.
واللطيف في الأمر أن آيات سورة يوسف ذكرت لنا ثلاث رؤي منامية، وذكرت لنا تأويلها:
الرؤيا الأولي: رؤيا يوسف وهو صغير سجود الكواكب له.
الرؤيا الثانية: رؤيا كلّ من الشخصين السجينين، اللذين كانا مع يوسف ﵇، وتأويله لرؤيا كلّ منهما.
الرؤيا الثالثة: رؤيا الملك للبقرات السمان والعجاف، وتأويل يوسف لها.
فالسورة كلها تقوم علي تأويل الأحاديث، وتعبير الرؤي والمنامات، وتظهر علم يوسف الخاصّ بهذا التأويل.
стр. 37
نص الآيات:
١ - لما رأي يوسف رؤياه وهو صغير، وأخبر أباه بها، طلب أبوه منه عدم إخبار أحد بها.
قال تعالى: وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (١).
٢ - دخل يوسف ﵊ مرحلة جديدة من أحداث قصته، حيث اشتراه عزيز مصر، وطلب من امرأته إكرام يوسف، وهذا تمهيد لإظهار علمه بتأويل الأحاديث.
قال تعالى: وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، ولِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، واللَّهُ غالِبٌ عَلي أَمْرِهِ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢).
٣ - عند ما أدخل يوسف ﵇ السجن ظلما، دخل معه السجن سجينان، ولما كانا في السجن، رأي كلّ منهما رؤيا، فطلبا من يوسف تأويلها:
قال تعالى: ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، قالَ أَحَدُهُما: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً، وقالَ الْآخَرُ: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً، تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣).
٤ - أظهر يوسف ﵇ للسجينين علمه بتأويل الاحاديث، واستشراف المستقبل، وأخبرهما أن الله علمه ذلك.
قال تعالى: قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ، إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (٤).
стр. 38
٥ - بينما كان يوسف سجينا، رأي ملك مصر رؤيا مزعجة، فطلب من خبرائه ومستشاريه تعبيرها وتأويلها، فأخبروه أنها أضغاث أحلام، ولا علم لهم بتأويلها.
قال تعالى: وقالَ الْمَلِكُ: إِنِّي أَري سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ. قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ، وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (١).
٦ - لما رأي الشخص الخارج من السجن- وهو أحد حاشية الملك- عجز الملأ عن تعبير رؤيا الملك، تذكّر علم يوسف بتأويل الرؤيا، وطلب إرساله إلي يوسف، فأخبره بها، وأوّلها يوسف له.
قال تعالى: وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما، وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ (٢).
٧ - في المشاهد الأخيرة من قصة يوسف ﵇، تحققت رؤياه التي رآها وهو صغير، وتأوّلت عمليا. فهو الآن عزيز مصر، وقد دخل عليه أبواه وإخوته الأحد عشر، وسجدوا كلهم له.
قال تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلي يُوسُفَ آوي إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، وقالَ: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَي الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً، وقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ. قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا (٣).
٨ - ختم يوسف ﵊ قصته التي تقوم علي علمه بتأويل الأحاديث، بشكره لله الذي علمه ذلك، وطلبه منه أن يميته علي الإسلام.
стр. 39
قال تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ، وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ والْأَرْضِ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً، وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١).
خلاصة ذكر التأويل في سورة يوسف، أنّ المرات الثمانية التي ذكرت فيها مقسمة علي الرؤي الثلاثة:
رؤيا يوسف ﵇ وعلمه بتأويل الأحاديث: أربع مرات.
رؤيا السجينين، وتأويل يوسف لها: مرتان.
رؤيا الملك، وتأويل يوسف لها: مرتان.
وننظر في هذه الرؤي الثلاثة، وتأويل يوسف لها، كلّ واحدة علي حدة، لنعرف المراد بالتأويل في هذه الرؤي.
تأويل رؤيا يوسف:
أراد الله إكرام يوسف ﵇ وهو صغير، فأراه رؤيا ذات دلالة، رأي في منامه سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له، ولم يفهم يوسف ﵇ عن مغزي رؤياه شيئا لصغر سنه، ولكنّ والده يعقوب ﵇ علم مغزي الرؤيا، وإشارتها إلي مستقبل إيماني زاهر ليوسف، فلفت نظره إلي هذا المستقبل، ودعاه إلي استشرافه.
قال تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلي إِخْوَتِكَ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً. إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ، ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وعَلي آلِ يَعْقُوبَ، كَما أَتَمَّها عَلي أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ. إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢).
стр. 40
لقد استشف يعقوب النبيّ ﵇، من الرؤيا التي أراها الله لابنه الصغير، أنها دالة علي تخصيص الله ليوسف بعلم تعبير الرؤي، وتأويل الأحاديث.
والمراد بالأحاديث في قوله: ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ الرؤي التي يراها الراءون في منامهم، ولا أقول الأحلام التي يحلم بها النائمون، لأنّ الأحلام قد لا تكون صادقة، فقد تكون أضغاث أحلام، قائمة علي الكوابيس والهلوسات. أما الرؤي فهي إشارات من الله، لها إيحاءات ودلالات، ولها أبعاد واقعية حقيقية.
وسميت هذه الرؤي «أحاديث» لأنّ فيها معنى الحدوث.
قال الإمام الراغب في المفردات: «الحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضا كان ذلك أو جوهرا ... ويقال لكلّ ما قرب عهده محدث، فعلا كان أو مقالا ... والحديث: كلّ كلام يبلغ الإنسان ويصل إليه، من جهة السمع أو الوحي، في يقظته أو منامه ... ومعنى قوله: وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ: ما يحدّث به الإنسان في نومه ...» (١).
وهذه الأحاديث المنامية التي تحدث للنائم أثناء نومه، ويحدّث هو بها تحتاج إلي تعبير وتأويل.
وتعبير الرؤيا هو تأويلها، أي: بيان بعدها الواقعي، وصورتها المادية الحسية في عالم الواقع.
وسمي تفسير الرؤيا تعبيرا. قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٢).
قال الراغب في معنى التعبير هنا: «أصل العبر: تجاوز من حال إلي
стр. 41
حال. فأما العبور فيختص بتجاوز الماء.
والتعبير مختصّ بتعبير الرؤيا، وهو العابر من ظاهرها إلي باطنها: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ.
والتعبير أخصّ من التأويل. لأنّ التعبير لا يطلق إلا علي تعبير الرؤيا.
أما التأويل فيستعمل في تعبير الرؤيا وتأويلها، ويستعمل في غيرها» (١).
إنّ الذي يؤوّل الرؤيا ويعبرها، كأنه يعبر من ظاهرها الذي يراه النائم أثناء نومه، إلي باطنها، وهو صورتها الفعلية الواقعية، التي ستتحقّق لها في ما بعده في الواقع.
وهذا عبور وتجاوز منه، من ظاهرها المنامي، إلي باطنها الحقيقي الواقعي.
تعبير الرؤيا: عبور بها من الظاهر المنامي إلي الباطن الواقعي.
وتأويل الرؤيا: ردّ صورتها الظاهرية المنامية، إلي حقيقتها المادية الواقعية، ورجوع بها الي حقيقتها، وانتهاء بها إلي نهايتها الحسية، وبيان انطباقها علي الواقع، وذكر مآلها ومصيرها.
النائم في منامه يري رؤيا، وهذه الرؤيا وعد أو وعيد من الله، أو إشارة وتنبيه وإرشاد منه.
وهذا الوعد أو الوعيد نظري، ولا بد أن يكون له غاية مرادة منه، وواقع يتحقّق فيه، ونهاية فعلية ينتهي إليها.
فالمؤوّل عند ما يؤوّل الرؤيا يفهم إشارتها، ويعلم المراد منها، وعند ذلك يردّها إلي هذه الغاية الفعلية، ويذكر لصاحبها ما سيحدث له في المستقبل.
وتأويله النظري لها، وذكره لما ستكون عليه في المستقبل، وعد عد أو وعيد بما سيقع لصاحبها من أحداث.
стр. 42
وبعد ذلك: تقع الأحداث حسب ما رأي الرائي في منامه، وحسب ما عبرها له المعبّر، وأوّلها له المأوّل. ويكون وقوع الأحداث فعلا هو تأويل لها، أو هو ردّ عمليّ للرؤيا من صورتها النظرية المنامية إلي غايتها المادية العملية.
كيف أوّلت رؤيا يوسف؟
فهم يعقوب ﵇ إيحاء وإشارة رؤيا ابنه، وعبّرها له بأنّ الله سيجتبيه، ويعلمه تأويل الأحاديث وتعبير الرؤي، وردّ هذه الرؤي المنامية إلي غايتها المادية الواقعية الحقيقية.
لكن كيف سيكون ذلك؟ ومتي سيكون ذلك؟ وأين سيتمّ تأويل رؤيا يوسف؟ وما حقيقة سجود الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر له؟
لم يقل يعقوب ﵇ لابنه عن ذلك شيئا، ولعله لم يكن هو يعلم من تفاصيل ذلك شيئا، كما يبدو من تتابع مشاهد ولقطات قصة يوسف!! الله وحده هو الذي يعلم ذلك، وهو الذي يقدر الأشياء، ويرتب الأحداث، ويسوق الحوادث، لتصبّ في هذا الميدان، ويتحقّق بذلك مراده سبحانه.
سيسجد ليوسف ﵇ أبواه وإخوته الأحد عشر! لذلك قدّر الله أن يتآمر عليه إخوته، وأن يلقوه في البئر، وأن تأتي القافلة إليه، وأن تحمله معها إلي مصر، وأن يشتريه عزيز مصر، وأن يعتبره فتي ورقيقا عنده، وأن يوصي به امرأته. وأن تراوده تلك المرأة عن نفسه، وأن يستعصم يوسف ﵇. وأن يتآمر عليه رجال الدولة. وأن يسجنوه مظلوما بضع سنين.
قدر الله أن يكون معه سجينان في السجن، وأراهما الله رؤيا، وعلم
стр. 43
يوسف تأويلها. وقدّر الله أن ينجو أحدهما، وأن يعود إلي حاشية الملك.
وقدّر الله أن يعجز رجال الملك عن تعبير وتأويل رؤياه، وعلم يوسف تعبيرها، وقذف الله في قلب الملك الإعجاب بيوسف، ومكّن له عند الملك، وسلمه الملك خزائن الأرض بقدر الله، وحكم يوسف مصر السنوات الخصبة والسنوات العجاف! وقدّر الله أن يأتي إخوته إليه- وهم لا يعلمون أنه يوسف- طالبين منه الطعام، وكاد الله ليوسف، ورتب مع إخوته ترتيبات خاصة، أدّت بهم إلي معرفته في النهاية، وأنّ عزيز مصر الذي يقفون أمامه الآن بذلة ومسكنة، هو أخوهم الصغير الذي وضعوه في البئر قبل عشرات السنين!!.
رتّب الله هذه الأحداث، وساق هذه الحوادث، بحكمته وقدره سبحانه، وأدّت في النهاية إلي تأويل رؤيا يوسف، التي رآها قبل عشرات السنين.
وجاء الله بإخوته وأبويه من بدو فلسطين إلي مقره في عاصمة مصر، ودخلوا عليه.
سجد ليوسف إخوته الأحد عشر، وسجد له أبوه وأمه.
وبذلك تمّ تأويل رؤيا يوسف: فالأحد عشر كوكبا الذين سجدوا له في المنام هم إخوته الأحد عشر، والشمس والقمر اللذان سجدا له في المنام هما أبوه وأمّه.
لقد كان سجود أبويه وإخوته له، بعد عشرات السنين من رؤياه تأويلا لتلك الرؤيا.
أي: كان تحقيقا عمليا للوعد الذي ساقه الله عن طريق تلك الرؤيا، وكان السجود الفعلي الواقعي بيانا لنهاية ومرجع ومآل تلك الرؤيا، وإظهارا لصورتها الفعلية الواقعية التي انتهت إليها، واستقرت عليها.
أليس هذا هو معنى التأويل الذي ذكرناه؟ ألم ينطبق علي هذا قول الراغب الأصفهاني في تعريفه للتأويل: «هو ردّ الشيء إلي غايته المرادة
стр. 44
منه، علما كان أو فعلا؟».
لذلك أعلن يوسف لأبيه ﵉، عند ما سجدوا له فعلا، أنّ هذا هو تأويل رؤياه: وقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا، وقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ، وجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ، مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إِخْوَتِي. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. (١).
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ: هذا وقت بيان العاقبة والمآل والنهاية لرؤياي التي رأيتها قبل عشرات السنين. الآن تمّ تأويلها، عند ما تحققت صورتها العملية المادية! قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا: قد حقق لي ربي ما وعدني به في تلك الرؤيا، فقد وعدني فيها بإسجاد أبوي وإخوتي لي، ووعد الله نافذ، وخبر الله واقع محقق، فالآن حققه الله لي، ورأيت الصورة الفعلية النهائية لذلك الخبر النظري!!
يوسف يؤول رؤيا السجينين:
لما سجن يوسف ﵇ ظلما، دخل معه السجن رجلان من حاشية الملك، غضب عليهما الملك فسجنهما، وهناك في السجن أنسا بيوسف وأعجبا به، ورأي كلّ منهما رؤيا، وطلبا من يوسف تأويلهما، فقدّم لهما عقيدته، وعرّفهما علي دينه وإيمانه، ثم قام بتأويل لكل واحد منهما رؤياه، وتحققت رؤياهما في عالم الواقع، كما أولهما لهما.
قال تعالى: ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، قالَ أَحَدُهُما: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. وقالَ الْآخَرُ: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قالَ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
стр. 45
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١).
وقال تعالى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً، وأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ، فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ، قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ. وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ. فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. (٢).
كانت رؤيا أحد السجينين: أنه رأي نفسه وهو يعصر خمرا.
وكانت رؤيا الآخر: أنه رأي نفسه يحمل خبزا فوق رأسه، وأن الطير تأتي تأكل منه، وهو علي رأسه.
وكان تأويل رؤيا السجين الأول: أنّ الملك سيفرج عنه، وسيخرجه من السجن، وسيعيده إلي خدمته، وسيعصر خمرا فعلا. ثم يسقيه الملك:
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً.
وكان تأويل رؤيا السجين الآخر: أن الملك سيغضب عليه، ولن يعفو عنه، بل سيأمر بقتله وإعدامه، وسيقتل فعلا، ويصلب، وتأتي الطير فتأكل من لحم رأسه: وأَمَّا الْآخَرُ: فَيُصْلَبُ، فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.
وقد وردت كلمة «تأويل» مرتين في هذه الآيات:
فبعد أن أخبره السجينان برؤياهما قالا له: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
وردّ عليهما بالإشارة إلي علمه بالتأويل، فقال: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي.
وفي قولهما له: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ورد التعبير بالضمير المذكّر «الهاء»
стр. 46
فقالا: «بتأويله» وليس: بتأويلها. مع أنّ الكلام عن الرؤيا، ويكون الضمير العائد علي الرؤيا مؤنثا.
والمراد: نبئنا بتأويل المنام، أو: نبئنا بتأويل الكلام الذي ذكرناه لك.
وتأويل الرؤيا هنا: هو ردّ الرؤيا المنامية إلي حقيقتها الواقعية، وبيان مصيرها ومآلها المادي، وذكر ما تنتهي إليه هذه الرؤيا، وتستقر عليه، في مستقبل حياة السجينين، وتحديد مدلولها العملي.
ولما ردّ عليهما يوسف ﵇ أخبرهما بعلمه بتأويل الرؤيا، وطمأنهما إلي قيامه بذلك في أسرع وقت، ولكنه أراد أن يقدّم لهما دعوته، وأن يعرّفهما علي دينه، وأن يذكر لهما كفر قومهما، وأن يجعل هذا كله تمهيدا لتأويل الرؤيا.
فقال لهما: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي.
ليس الكلام عن تأويل أصناف الطعام- كما فهم كثير من المفسرين- فأن يتوقع أصنافا معينة للطعام، ثم تأتي الأصناف كما توقعه وحدّده، ليس تأويلا للطعام، لأنّ المؤول، هو الذي يأتي بالطعام فعلا، وليس الذي توقعه، إنّ الذي يقدّمه ويأتي به هو الذي يحقق صورته المادية الحقيقية.
إنما أراد يوسف ﵇ أن يطمئنهما علي تأويله لرؤياهما، وأن يؤكد لهما ذلك، فأخبرهما أنه سيقوم به بأقرب وقت، لكنه يريد أن يحدثهما قبل تأويل الرؤيا عن الإيمان والتوحيد والشرك.
قال لهما: لا يأتيكما طعام ترزقانه، ولا تصلكما وجبة الطعام القادمة المحددة، إلا أكون قد نبأتكما بتأويل المنام والكلام والخبر، قبل وصول ذلك الطعام إليكما.
стр. 47
والضمير في «بتأويله» يعود علي ما عاد عليه الضمير نفسه في قولهما له: «نبئنا بتأويله». أي: نبأتكما بتأويل المنام والخبر والكلام، قبل أن يأتيكما ذلك الطعام.
هذا هو المعني، والله أعلم.
يوسف يؤول رؤيا الملك:
الرؤيا الثالثة في سورة يوسف، التي قام يوسف بتأويلها هي رؤيا الملك. فقد رأي الملك رؤيا، ثم طلب من الذين حوله تعبيرها، ولكنهم عجزوا عن ذلك، فتذكّر أحد رجال حاشية الملك، الذي كان سجينا مع يوسف، علم يوسف بتأويل الرؤيا، لأنه أوّل له رؤياه، فتحققت كما أوّلها، فطلب منهم إرساله إلي يوسف لتأويلها، ولما أخبره بها، قام يوسف بتأويلها.
قال تعالى: وقالَ الْمَلِكُ: إِنِّي أَري سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ. قالُوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ، وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ. وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما، وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابِساتٍ، لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَي النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً، فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ، فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ، وفِيهِ يَعْصِرُونَ (١).
أراد الملك تأويل رؤياه. فقد رأي في منامه رؤيا، وهذه الرؤيا تشير
стр. 48
إلي أحداث عملية فعلية ستحدث له ولقومه في المستقبل، فما هي هذه الأحداث؟، ومن سيقدر علي بيان انطباق المناظر المنامية التي رآها الملك علي الواقع؟ ومن سيقدر علي ردّ هذه المناظر إلي صورتها المادية الفعلية النهائية؟.
وهذا هو معنى التأويل، الذي يتحقق في ردّ الأمور النظرية إلي نهاياتها الواقعية، وتحديد مآلها ومصيرها الفعلي.
عجز رجال الملك وكهنته وسحرته عن تأويل رؤياه. وقالوا له:
أضغاث أحلام. وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
والأضغاث: جمع «ضغث». وهي الأمور المختلطة المتشابكة المتداخلة.
ومعنى قولهم للملك: أضغاث أحلام: أنّ ما رأيته من تلك المناظر المنامية، إنما هي صور مختلطة، ولقطات متداخلة، وهي متشابكة في خيوطها وخطوطها وألوانها، بحيث يستحيل تحليلها وفصلها و «فرزها» وتفريغها، وتحديد كلّ صورة منها وتمييزها عن أخواتها.
ونظرا لما بين هذه الأحلام من تشابك واختلاط، فنحن لا نقدر علي فصلها، ولا علم لنا بتأويلها.
ومعنى قولهم: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ: أننا عاجزون عن بيان حقيقة هذه الأحلام، وعن تحديد مدلولها العملي، وعن ردّ مدلولها النظري إلي نهايته العملية، ومآله الواقعي.
إننا عالمون بتعبير الأحلام، ونقدر علي تحديد بعدها الفعلي، عند ما تكون أحلاما بسيطة، صورها ومناظرها منفصلة. أما عند ما تكون أضغاث أحلام متداخلة مختلطة متشابكة، فعلمنا عاجز عن تفريقها وفرزها وتفكيكها!!
стр. 49
ولما أقرّ الكهنة بعجزهم عن تأويل رؤيا الملك، تذكّر ذلك الرجل يوسف، وتذكّر علمه بتأويل الرؤيا، ذلك العلم الذي علمه إياه ربّه ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، وهذا معناه أنه لن يعجز عن تأويل رؤيا الملك، وأنّ علمه الرباني سيقدر علي إزالة تداخلها، والقضاء علي اختلاطها، وفرزها وتفكيكها، وإدراك حقيقتها الفعلية، وردّها إلي نهايتها العملية، وتحديد بعدها المادي الحسي! لهذا خاطب قومه قائلا: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.
وذهب إلي يوسف في سجنه، وقصّ عليه رؤيا الملك، وقدر يوسف علي إدراك حقيقة الرؤيا، وأزال ما فيها من ضغث وتداخل وتشابك واختلاط. وتمكّن من فرزها وتفكيكها.
عند ذلك تمكّن يوسف من ردّ هذه المناظر إلي حقيقتها المادية، وتحديد نهايتها الفعلية: إنها سبع سنوات غيث ورخاء وزرع وإنتاج، تعقبها سبع سنوات من القحط والمحل وانحباس الأمطار وهلاك الزروع. وبعد ذلك تأتي سنة خصب وغيث، وهي السنة الخامسة عشر من هذا الزمن!.
يوسف عالم بتأويل الأحاديث:
بعد ما عرفنا تأويل يوسف للرؤي الثلاثة: رؤياه، ورؤيا السجينين، ورؤيا الملك، نقف علي الحكمة من تكرار تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ثلاث مرات في سورة يوسف.
قال له أبوه يعقوب عن رؤياه: وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ، ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (١).
وبعد ما استقر يوسف في بيت العزيز في مصر، قال الله:
стр. 50
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، ولِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، واللَّهُ غالِبٌ عَلي أَمْرِهِ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١).
ولما تحققت رؤيا يوسف بعد عشرات السنين، وصار عزيز مصر، واجتمع شمله مع اخوته، جاءت خاتمة قصته بتوجهه إلي ربه بالشكر:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ، وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ والْأَرْضِ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٢).
لماذا كررت تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ثلاث مرات في السورة؟
لقد عاش يوسف في منطقتين: في البدو من أرض فلسطين. ثم في مصر.
وسيكون انتقاله القسري إلي مصر تمهيدا لتدرّجه في مكانته في مصر، وسيبقي يرتقي بالتدريج، حتى يصل إلي أعلي مركز، وهو «العزيز».
وبهذا تختم حياته ﵊.
قول يعقوب له: ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وعد نظري من الله- عن طريق أبيه ﵇ وعد بتحقيق شيء في المستقبل، كأنه قال له: وسوف يعلمك ربّك من تأويل الأحاديث.
وكانت الخطوة الأولي من تحقيق هذا الوعد الرباني، أنّ الله قدّر أن يجري له ما جري، حتى يصير عبدا مملوكا في بيت عزيز مصر، وهناك يوصي به العزيز امرأته، ويقول لها أَكْرِمِي مَثْواهُ، عَسي أَنْ يَنْفَعَنا، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
إن الله هو الذي ألهم عزيز مصر الاهتمام الخاصّ، بهذا العبد الفتي
стр. 51
الرقيق الخاص! لماذا ألهم الله العزيز بذلك؟ ولماذا مكّن الله ليوسف في بيت العزيز؟
لتتحقق المرحلة الأولي، في الطريق التي سيقطعها يوسف، من خلال تأويل الأحاديث، وليتحقق وعد الله له بذلك في النهاية: وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، ولِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ.
واللام في «لنعلمه» للتعليل، أي: لبيان حكمة الله في تقدير ما جري ليوسف، حتى استقر في بيت العزيز! وكلمة «لنعلمه» وعد من الله بتعليم يوسف تأويل الأحاديث، هذا التأويل الذي سيصل به يوسف إلي أعلي مركز، وهو «عزيز مصر».
وفعلا علم الله يوسف الرؤيا، وقام بتأويل رؤيا السجينين، الذي أوصله إلي تأويل رؤيا الملك، الذي قاده إلي مركز العزيز، حيث أدّي ذلك- بعد أحداث متتالية ومفاجآت مثيرة- إلي قدوم أهله إليه، وسجودهم بين يديه، وبذلك تحقق وعد الله، وتمّ تأويل رؤياه: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا.
وفي آخر الأمر، أعلن يوسف ﵇ فضل الله عليه، واعترف بتعليم الله له، وصرّح بعلمه بتأويل الأحاديث: وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ. ولهذا كانت معجزة يوسف ﵊ تقوم علي علمه بتأويل الأحاديث، وتعبير الرؤي.
يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ: وعد سيتحقق في المستقبل.
وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ: خطوة أولي علي طريق تحقيق الوعد.
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ: اعتراف صريح بتحقيق ذلك الوعد.
وحقق الله ليوسف ما وعد به، لأن الله لا يختلف الميعاد: واللَّهُ غالِبٌ عَلي أَمْرِهِ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
стр. 52
المطلب الثاني: مع التأويل في سورة الكهف
ورد التأويل مرتين في سورة الكهف، في قصة موسي مع الخضر ﵉.
فلما قابل موسي الخضر ﵉، طلب منه أن يصحبه ليتعلم منه، فأخبره الخضر أنه لن يصبر علي الرحلة معه، ولن يسكت علي ما سيشاهد من أعمال يعملها الخضر، لأن ظاهرها يدعو إلي رفضها وإنكارها، وموسي لا يعلم حقيقتها ولا خبرها، فوعد موسي أن يصبر ويطيع الخضر، فاشترط الخضر عليه أن لا يسأله عن شيء، وأن لا يعترض علي ما سيري، وأن ينتظر ما سيبينه الخضر له.
فاتفقا علي ذلك، وانطلقا في الرحلة! سارا علي شاطئ البحر، وأرادا ركوبه، فمرت بهما سفينة، فعرف أصحاب السفينة الخضر، فأكرموهما، وأركبوهما دون أجرة. فلما ركبا السفينة، أخذ الخضر لوحا خشبيا منها فقلعه، وخرق السفينة. فاعترض عليه موسي، وقال له: إنهم أكرمونا وأركبونا بغير أجرة، أهكذا تكافؤهم وتجازيهم؟! إنك بخرقها ستغرق أهلها، وإنّ ما فعلته شيء كبير فظيع! أمام اعتراض موسي علي فعل الخضر، ذكّره بشرطه عليه، وإخباره أنه لن يستطيع الصبر معه، ولا السكوت علي أعماله، فاعتذر موسي عن اعتراضه، واعتبره من باب النسيان! وسارا في الطريق، ولقيا غلمانا يلعبون، فتوجه الخضر إلي أحدهم، فاقتلع رأسه بيده وقتله! فاستغرب موسي، وتساءل: ما ذنب هذا الغلام الصغير؟ واعترض علي الخضر قائلا: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد
стр. 53
فعلت أمرا يدعو إلي الإنكار. فذكّره الخضر بعهده معه، عند ذلك أخبره موسي أنه إن اعترض علي فعله بعدها فلا يصاحبه.
وسارا معا، حتى أتيا قرية، أهلها بخلاء، فطلبا منهم الطعام، فأبوا أن يطعموهما أو يضيفوهما. ورأي الخضر في القرية جدارا علي وشك السقوط، فأصلحه وأقامه وثبّته.
فاعترض عليه موسي بأنّ القوم لا يستحقون التكريم والخدمة لبخلهم، والأولي أن يأخذ منهم أجرة مقابل إصلاحه الجدار.
وبعد هذه الاعتراضات من موسي علي أعماله الثلاثة، أنهي الخضر الرحلة، وقال له: هذا فراق بيني وبينك.
ولم يشأ الخضر أن يبقي موسي في حيرته ودهشته من الأعمال الثلاثة، التي لم يصبر موسي عليها، فاعترض علي الخضر في فعلها.
فأوّل الخضر لموسي أعماله الثلاثة، وأراه حقيقتها والحكمة منها، وردّ له صورتها الظاهرية التي اعترض عليها موسي إلي باطنها الحقيقي الخفي، الذي لا يدعو إلي الاعتراض والإنكار.
فخرق السفينة في ظاهره مرفوض يدعو للإنكار، لكنّ حقيقته تدعوني إلي فعله، فأنا ما خرقتها لأغرق أهلها، إنما خرقتها لأحميها من المصادرة والغصب، إنّ أصحابها مساكين محتاجون لا يملكون غيرها، وكان أمامهم ملك ظالم مغتصب، يصادر ويستولي علي كل سفينة سالمة، فأردت بهذا الخرق نجاة السفينة من المصادرة، لأنه سيراها معيبة مخروقة! هذه حقيقة فعلي، وهذا هو تأويله!!.
وقتل الغلام في ظاهره مرفوض يدعو للإنكار، لكن حقيقته تدعوني إلي فعله، إنه صغير نعم، ولكنه عند ما يكبر سيكون كافرا، وسيتعب ويرهق أبويه المؤمنين، فقتلته لأريح أبويه، وإنّ الله سوف يعوضهما عنه، ويرزقهما بغلام أفضل وأبر منه! هذه حقيقة فعلي! وهذا هو تأويله!!.
стр. 54
وبناء الجدار مجانا للقوم البخلاء، في ظاهره مرفوض، يدعو للإنكار، لكنّ حقيقته تدعوني إلي فعله. إن الجدار لغلامين يتيمين في المدينة، وكان أبوهما صالحا، وقد أخفي لهما كنزا تحت الجدار قبل موته، فلو تركت الجدار يسقط وينهار، لظهر كنز الغلامين، ولاستولي عليه أهل المدينة، فبنيته إلي أن يكبر الغلامان، ويبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما. هذه حقيقة فعلي! هذا هو تأويله!! إنّ الله هو الذي أعلمني بحقيقة الأعمال الثلاثة، تلك الحقيقة التي خفيت عليك، فبقيت أنت عند ظاهر هذه الأعمال، أما أنا فلاحظت حقيقتها، وحملتها عليها.
وبهذا التأويل من الخضر لأعماله الثلاثة، وكشفه عن حقيقتها، عرف موسي- وعرفنا معه- أنّ الخضر كان علي صواب فيما فعل، وأنّ أفعاله الثلاثة لا تدعو إلي الاعتراض أو الإنكار!!
نصّ الآيات:
نتدبّر الآيات التي عرضت قصة موسي مع الخضر ﵉، لنعرف موقع التأويل فيها:
قال تعالى: وإِذْ قالَ مُوسي لِفَتاهُ: لا أَبْرَحُ حَتَّي أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً. فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً. فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً. قالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَي الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قالَ: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلي آثارِهِما قَصَصاً. فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا، آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، وعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً.
لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، وكانَ أَبُوهُما صالِحاً. فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ! وما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (١).
معنى تأويل أعمال الخضر:
لما عرض موسي علي الخضر ﵉ أن يصحبه ليتعلّم منه، قال له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.
وعلل الخضر كلامه بقوله وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلي ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ أي: ستري أمامك أعمالا أقوم بها، ظاهرها يدعو للإنكار، وسوف تنكرها أنت عليّ، لأنك لا تعرف حقيقتها، ولا الحكمة منها، ولم تحط بها خبرا.
وفعلا لم يصبر موسي ﵇ علي أعمال الخضر، فأنكرها عليه.
وقبل أن يفارقه الخضر أراد أن يكشف له عن حقيقة الأعمال الثلاثة، وقال له: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
وبعد أن كشف له تلك الحقيقة، وأوقفه علي الحكمة منها، قال له:
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
إنّ أعمال الخضر الثلاثة: خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، لها صورتان: صورة ظاهرية تبدو من الخارج، فتكون فيها غير مقبولة، فيقوم المشاهد بإنكارها، كما فعل موسي ﵊! وصورة باطنية حقيقية، تبدو فيها علي حقيقتها، والذي يقف علي هذه الصورة الباطنية يعرف الحكمة الخفية منها، ويعلم أنه علي حقّ في فعل ما يخالف الظاهر، لأنه يتفق مع هذا الباطن، وهذا ما أدركه الخضر، وفعله.
стр. 57
والربط بين ظاهر هذه الأعمال وباطنها مطلوب، وحمل الظاهر علي الباطن مطلوب، وهذا ما قام به الخضر، وقدّمه لموسي.
واعتبر الخضر هذا العمل تأويلا سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
والتأويل هنا: هو ردّ الشيء إلي غايته العملية المرادة منه- كما قال الراغب في تعريف التأويل- فقد ردّ الخضر أعماله الثلاثة إلي غايتها المقصودة، وكشف حقيقة هذه الأعمال، والحكمة الخفية فيها، وأرجع صورتها الظاهرية إلي حقيقتها الباطنية الخفية، وأري موسي مآل ومصير أعماله، وانتهي بها إلي تلك المحطة الأخيرة، التي عرف منها موسي صواب الخضر فيما فعل.
لقد أوّل الخضر أعماله تأويلا عمليا، وأري موسي الحقيقة العملية منها، وبهذا عرف موسي وجه الحق والصواب فيها:
تأويل خرق الخضر للسفينة: أنه أري موسي الملك، يصادر السفن الصالحة، فالهدف من خرقه لها نجاتها من الملك.
فنجاة السفينة هي تأويل خرقها، الذي يحمل عليها، ويردّ إليها.
وتأويل قتل الغلام، أنّ الخضر أري موسي مستقبل الغلام الكفريّ عند ما يكبر، وإزعاجه لأبويه، فالهدف من قتله إراحة أبويه من كفره، والله يعوضهما عنه، إنّ إراحة أبويه منه هي تأويل قتله، الذي يحمل، ويردّ إليها.
وتأويل بناء الجدار، أنّ الخضر أري موسي كنز اليتيمين تحته، فالهدف من بنائه هو المحافظة علي الكنز إلي أن يكبر الغلامان اليتيمان. إنّ المحافظة علي الكنز هي تأويل بناء الجدار، الذي يجب أن يحمل عليها، ويردّ إليها.
стр. 58
ونلاحظ أنّ الخضر ﵇ لا ينسب معرفة حقيقة أعماله الثلاثة إلي نفسه، فما كان الخضر بنفسه ليري الملك يصادر السفن، وما كان الخضر بنفسه ليري مستقبل الغلام، وما سيكون عليه بعد عشرين سنة. وما كان الخضر بنفسه ليري كنزا وضع تحت الجدار قبل سنين! إنما أراه الله ذلك، وعرّفه الله تلك الحقائق، وكشف له عن تلك البواطن الخفية، وأمره الله أن يفعل ما فعل، ليحقق تلك الحكم الخفية، أمره الله بخرق السفينة لتنجو من الملك، وأمره الله بقتل الغلام ليستريح أبواه من كفره، وأمره الله ببناء الجدار ليأخذ الغلامان الكنز عند ما يكبران.
ولهذا قال لموسي ﵇: وما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي. أي: لم أفعل هذه الأفعال الثلاثة باجتهاد مني، إنما فعلتها بأمر من الله.
شمول أعماله للماضي والحاضر والمستقبل:
وإذا نظرنا في أفعال الخضر الثلاثة، وتأويله لها، فإننا نراها قد استوعبت أطراف الزمان كلها! الزمان إمّا ماض، وإما واقع حاضر، وإمّا مستقبل.
ولقد أري الله الخضر الحقيقة في أطراف الزمان الثلاثة، فقام بتأويل الظاهر إليها، وحمله عليها!! وقوف الملك في موقع متقدم لمصادرة السفن الصالحة، يمثّل فترة الزمان الحاضر، فهو موجود واقف في نقطته وموقعه، وإن لم يشاهده أصحاب السفينة، لأنهم في طريقهم إليه، إنهم لم يروه بعد، ولكنّ الله أري الخضر إياه مع عصابته! وكون الغلام سيكون كافرا عند ما يكبر، يمثّل المستقبل، أو فترة الزمان القادمة، وهذا غيب لا يعلمه بشر، وعلمه خاصّ بالله، ولا يعرف الناس كيف سيكون مستقبل هذا الغلام، وقد أطلع الله الخضر علي هذا المستقبل!
стр. 59
ووضع الكنز تحت الجدار يمثّل فترة الزمان الماضية، فالرجل الصالح أخفي الكنز لابنيه الصغيرين تحت الجدار، قبل أن يموت، ولا يعلم أحد بوجود الكنز تحت الجدار، فأعلم الله الخضر بهذا الكنز الموضوع من قبل!! واختيار أمثلة ثلاثة لأفعال عجيبة مدهشة، تتمثّل فيها فترات الزمان الثلاثة: الماضية والحاضرة والقادمة- مقصود، لادراك معنى التأويل للأحداث، التي مرّت، أو تمر الآن، أو ستمر فيها بعد.
وإنه ليس شرطا أن تكون هذه الأحداث علي صورتها الظاهرية الخارجية التي وقعت من خلالها، فقد تكون لها صورة باطنية خفية، هي المرادة منها، وهي التي ستنتهي وتؤوّل إليها!! لكن من يؤول هذه الأحداث؟ ومن يردّ ظاهرها إلي باطنها؟ ومن يحمل وجودها الواقعي علي حقيقتها الخفية، وغايتها المرادة؟
стр. 60
المطلب الثالث: مع التأويل في سورة الأعراف
ورد التأويل مرتين في سورة الأعراف، والمرتان في آية واحدة، تتحدث عن يوم القيامة، الذي أخبر القرآن عن وقوعه وقدومه، ولكن الكفار أنكروا ذلك، ولم يصدّقوا بالآيات التي تخبر عنه.
قال تعالى: ولَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلي عِلْمٍ، هُديً ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ، فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (١).
المعنى الإجمالي للآيتين:
تتحدث الآيتان عن القرآن، وعن تفصيله، وعن معانيه وأخباره ووعوده.
لقد بعث الله محمدا ﷺ رسولا، وأنزل عليه القرآن كتابا، ودعا الناس إلي الإيمان بهذا القرآن، وتصديق أخباره.
وأخبرت الآية الأولي أنّ الله جاء الناس بهذا القرآن، وجعله كتابا مفصّلا، تفصيلا لفظيا، وتفصيلا موضوعيا.
تفصيله اللفظي تمثل في تقسيمه إلي سور، وتقسيم السورة منه إلي آيات، وتقسيم الآية إلي جمل وكلمات.
стр. 61
أما تفصيله الموضوعي فقد تمثّل في الموضوعات التي عرضها والمعاني التي قدّمها، والأخبار التي أخبر عنها، والحقائق التي قررها.
تفصيله الموضوعي في حديثه عن الدنيا والآخرة، عن الحياة والموت والبعث، وفي تقريره لحقائق العقيدة والشريعة والأخلاق ومناهج الحياة، وفي عرضه لمسيرة التاريخ من خلال قصصه، وفي ربطه لكل ما يجري في الكون والحياة والانسان بقدر الله وأمره ومشيئته سبحانه.
لقد فصّل الله القرآن بعلمه فَصَّلْناهُ عَلي عِلْمٍ، وجعله هدي يهتدي به المؤمنون، ورحمة يرحم به المؤمنين، عند ما يؤمنون به، ويتدبّرونه، ويلتزمون بتوجيهاته، وينفّذون أحكامه: هُديً ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
هذا أثر القرآن في المؤمنين الذين صدّقوا بأخباره، وآمنوا بوعوده، فسعدوا في الدنيا، وفازوا وربحوا يوم القيامة.
أما الكفار فإنهم لم يؤمنوا به، ولم يصدقوا بأخباره، التي تخبر عن البعث بعد الموت، وعن قدوم الساعة، ومجيء يوم القيامة، ولما سمعوا الآيات التي تتحدث عن ذلك كذبوا بها.
لقد أخبرت آيات القرآن عن مشاهد القيامة، وتحدثت عن نفخة البعث، وخروج الناس أحياء من قبورهم، وسوقهم الي أرض الموقف للحساب والجزاء، وعن الميزان والصحف والصراط، وعن النار وألوان عذابها، وأحوال الكفار فيها، وعن الجنة وأصناف نعيمها وسعادة المؤمنين فيها.
وهذه المشاهد لم تقع الآن، لأننا ما زلنا في الدنيا، لكنها ستقع حتما، لأن الله أخبر عن وقوعها، ولذلك آمن المؤمنون بذلك.
أما الكفار فقد استبعدوا وقوعها واستهجنوه واستغربوه، ولذلك كفروا بها وأنكروها.
стр. 62
وهنا تهدّدهم الآية الثانية، وتبين لهم حالهم يوم القيامة، عند ما يتم تأويل أخبار القرآن ووعوده التي تتحدث عن يوم القيامة.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ:
«هل»: حرف للاستفهام. والاستفهام هنا إنكاري، إذ ينكر القرآن علي الكفار عدم إيمانهم بالقرآن، وعدم تصديقهم بوعوده.
و «ينظرون»: بمعني: ينتظرون: فهو من الانتظار وليس النظر.
والهاء في «تأويله» تعود علي القرآن- وهو الكتاب المذكور في الآية السابقة.
فمعنى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ: لماذا لم يؤمن الكفار بالقرآن؟
ولماذا لم يصدّقوا بالآيات التي تتحدث عن يوم القيامة؟ ماذا ينتظرون؟
إنهم ينتظرون تأويل آيات القرآن، وينتظرون وقوع الأحداث يوم القيامة، التي تتحدث عنها الآيات، وينتظرون رؤية هذه الأحداث بعيونهم عند ما يبعثون من قبورهم.
هذا هو تأويل الآيات المخبرة عن يوم القيامة، وهو وقوعها فعلا وحقيقة، ومشاهدتهم لها.
والدليل علي أن هذا هو معنى التأويل المذكور في الجملة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ مجيء التفصيل بعد ذلك في الآية، مبينا لهذا الإجمال.
يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ: يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ، فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ.
والمعني: يوم القيامة يأتي تأويل آيات القرآن، التي تخبر عن مشاهد القيامة، وتأويلها هو وقوع هذه الأحداث والمشاهد فعلا، كما أخبرت آيات القرآن من قبل.
стр. 63
عند ذلك، وبعد ما يشاهد الكفار تأويل الآيات عمليا، ويرون الأحداث يوم القيامة عيانا، يقولون: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ!!.
أي: كان الرسل صادقين معنا في الدنيا، عند ما أخبرونا عن أحداث الساعة، وكانت آيات القرآن صادقة عند ما تحدثت عنها، لقد جاءت الرسل بالحق، وتحدثت الآيات بالحق، بدليل أننا نري الآن حقيقة ما قالوه لنا، نراه عمليا أمامنا، فها هي الآيات قد تمّ تأويلها الآن. ونحن كنا مخطئين. عند ما كذّبنا بها في الدنيا.
فهل لنا من شفعاء، فيشفعوا لنا عند الله؟ ويدفعوا عنا عذاب الله؟
وينقذونا من النار؟ أو هل يمكن أن يردّنا الله إلي الدنيا، ويعيدنا إليها، ويعطينا فرصة أخري، لنؤمن بهذا الحق، ونعمل غير الذي كنا نعمل؟.
إنهم يتمنون هذه الأماني التي لن تتحقق، فلا شفاعة لهم، ولا رجوع إلي الدنيا. إنهم خاسرون هالكون معذبون: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
التأويل مجيء يوم القيامة فعلا:
نستحضر تعريف الإمام الراغب للتأويل: «هو ردّ الشيء إلي الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا» لنري انطباق هذا التعريف علي التأويل المذكور في الآية.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.
تتكلم الآية عن تأويل القرآن- لأن الهاء في «تأويله» تعود علي الكتاب المذكور في الآية السابقة- وتدعو الكفار إلي انتظار تأويله، وتهددهم بما سيكون لهم يوم تأويله، وتريهم صورة عن العذاب الواقع بهم يوم تأويله.
стр. 64
فما المراد بتأويله؟ هل المراد بيان معاني آيات القرآن، وشرحها وتفسيرها؟ لا، لأنه لا دخل لبيان معاني الآيات بالعذاب الواقع بالكفار.
أي أنّ التأويل في الآية ليس بمعنى العلم، بل بمعنى الوقوع والحدوث، وبيان العاقبة والمآل.
أو: هو ردّ معاني الآيات إلي غايتها النهائية، وحقيقتها الفعلية المادية.
تأويل القرآن المذكور في الآية، هو تحقق وقوع آياته التي تخبر وتتحدث عن مشاهد القيامة، وأحداث اليوم الآخر.
إن السياق الذي وردت فيه الآية يتحدث عن يوم القيامة. يبدأ الحديث عن يوم القيامة من الآية رقم (٣٤) من السورة، وينتهي بالآية رقم (٥٣).
تتحدث الآيات عن مشهد الحسرة والندامة، والتلاوم والتلاعن، بين الفريقين الاتباع والمتبوعين في جهنم، وعن العذاب الواقع بالفريقين، وعن خلودهم معذبين في النار. ثم تعرض مشهدا مقابلا للمؤمنين، وهم منعمون متحابّون في نعيم الجنة.
وتعرض الآيات لقطات حية متحركة مصورة، عن نداءات وحوارات بين أهل الجنة وأهل النار، وأصحاب الأعراف.
وينادي أصحاب الأعراف أصحاب الجنة مهنّئين لهم دخولهم الجنة، وعند ما تصرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار، يتعوذون بالله منهم ومن تعذيبهم، ويسألون أشخاصا بأعيانهم من أهل النار سؤال تبكيت وتقريع.
ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، ويسألونهم سؤال استهزاء وتقريع وتبكيت، فيجيبهم أهل النار بذلة ومهانة.
وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، مستغيثين بهم، طالبين منهم شيئا من الماء أو الطعام، فيردّ عليهم أصحاب الجنة بأن الله حرم الجنة ونعيمها
стр. 65
علي الكافرين، ويبقي الكافرون في العذاب مع حسرتهم وخزيهم.
فالآيات كلّها في السياق تتحدث عن يوم القيامة، ومشاهد نعيم المؤمنين في الجنة، وعذاب الكفار في النار.
ما موقف المؤمنين والكافرين في الدنيا من هذه الآيات، وما تقدمه من أخبار ووعود عن يوم القيامة وما فيه؟
أما المؤمنين فقد آمنوا بها، وصدّقوا بمضمونها، واعتقدوا وأيقنوا بوقوعها يوم القيامة. أي: أنهم آمنوا بحدوث مشاهد القيامة كما أخبرت هذه الآيات.
وأما الكافرون فقد كذّبوا بهذه الآيات، واستغربوا مضمونها، وأنكروا وقوع شيء مما تحدث عنه الآيات من مشاهد القيامة، ونفوا أن يكون بعث وحشر وحساب ونار ونعيم وعذاب! أي أن الكفار نفوا وقوع الصورة العملية لمضمون الآيات النظري، وتحقق المدلول الواقعي للوعد والوعيد النظري.
فتأتي الآية الأخيرة في هذا السياق لتهدد الكفار المنكرين ليوم القيامة.
وتقول لهم: أنتم الآن في الدنيا تنكرون وقوع مشاهد القيامة عمليا، التي تتحدث الآيات التي تسمعونها عنها، وتجزم بوقوعها.
انتظروا تأويلها: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ. أي: انتظروا لحين قيام الساعة، وبدء مشاهد يوم القيامة، عند ذلك سيتم تأويل هذه الآيات التي تسمعونها الآن في الدنيا، وسيتحقق وقوع ما أخبرت عنه الآيات في صورة عملية. وستشاهدون صورة مادية واقعية لمضمون هذه الآيات النظري.
عندها، عند ما يتحقق تأويل هذه الآيات عمليا، ووقوع حقيقتها وغايتها المادية، ماذا سيكون وضعكم هناك؟ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ،
стр. 66
فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟.
إذن التأويل المذكور مرتين في هذه الآية من سورة الأعراف، هو ردّ معاني الآيات النظرية المخبرة عن مشاهد القيامة، إلي غايتها المادية، وحقيقتها الواقعية، وبيان بعدها الواقعي، وذلك عند بدء عرض مشاهد القيامة فعلا، ومعايشة الناس لها واقعا.
فتأويل هذه الآيات هو بيان مصيرها ومآلها ونهايتها، وتحويل وعدها النظري إلي صورته العملية، ورؤية حقيقتها المادية الواقعية، وذلك عند ما يعيشون فعلا مشاهد القيامة هناك!!.
стр. 67
المطلب الرابع: مع التأويل في سورة يونس
ورد التأويل مرة واحدة في سورة يونس، وذلك في آية ضمن مجموعة من آيات، تتحدث عن القرآن، وتثبت أنه كلام الله، وتتحدي الكفار بمعارضته، وتخبر عن تكذيبهم بمضمونه، وتهددهم بالدمار يوم يأتي تأويله، وتقرر سنة ربانية مطردة في ذلك.
قال تعالى: وما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ. وما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَري مِنْ دُونِ اللَّهِ، ولكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ. ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ، ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ، وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ، وأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (١).
المعنى الإجمالي للآيات:
تبدأ الآيات بتقرير حقيقة ما عليه الكفار، فهم ليسوا علي علم ولا يقين، في موضوعات الدين والاعتقاد. لقد كفروا بالرسول ﵊، وأنكروا أن يكون القرآن كلام الله، وكانوا مع الباطل والشرك بالله، إنهم في كلّ ذلك كانوا متبعين للظن والتخمين، ومحمد ﷺ كان
стр. 68
علي الحقّ واليقين، وماذا يساوي الظنّ بالنسبة إلي الحق؟ إنه لا يغني عن الحق، ولا يسدّ مسدّه.
وهذا القرآن الذي يسمعونه من رسول الله ﷺ هو الحق، وهو كلام الله، وما كان لمحمد ﵊ أن يفتريه من دون الله، ثم ينسبه إلي الله! إن القرآن مصدق للكتب الربانية السابقة، كالتوراة والإنجيل، ومؤكد لما فيها من حقائق حول الدين والإيمان- هذا قبل أن يحرفها أصحابها من اليهود والنصاري- وهذا القرآن مفصّل في معانيه وموضوعاته، وهو كلام الله رب العالمين، لا ريب ولا شكّ في ذلك: «وما كان هذا القرآن أن يفتري من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، لا ريب فيه من رب العالمين».
ولكن ما موقف الكفار من هذه الحقائق؟ إنهم ينكرونها، لأنهم يتّبعون الظن. القرآن غير مفتري، وهو كلام الله، ولكنهم يقولون: القرآن مفتري، وليس كلام الله! وطالما لم يسلّموا أنه كلام الله، وقالوا هو كلام البشر، فلا بد من التحدي، إنه إن كان كلام بشر، كان بمقدور البشر الإتيان بمثله، إذن فعلي هؤلاء الكفار تأليف وتقديم سورة، مثل سور القرآن، بيانها وبلاغتها وفصاحتها مثل سور القرآن، ويمكن أن يستعينوا بمن شاءوا من الأعوان، وأن يستشهدوا بمن أرادوا من الشهداء ... فإن عجزوا عن المطلوب، ولم يقدروا علي الإتيان بسورة مثل القرآن، ثبت أنّ القرآن ليس كلام بشر، ولا في مقدور أحد من المخلوقين، فهو كلام الله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ. قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
لكن هل آمن الكفار واتّبعوا الحق، واعتبروا أنّ القرآن كلام الله؟
стр. 69
كلا. إنهم ما زالوا مصرّين علي التكذيب والكفر، رغم وجود عدة آيات وأدلة وبراهين، تثبت أن القرآن كلام الله، وهي عند أصحاب التفكير السويّ السليم تنتج الايمان واليقين والتسليم.
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ: كذّب الكفار بالقرآن، قبل أن يحيطوا علما بآياته وبراهينه وأدلته، وقبل أن يختبروا صدق ما فيه، وقبل أن يتأكدوا منه، ويتمكّنوا من البحث، والتحري، والدراسة، والاستقصاء، لأنّ التكذيب منهم قرار مسبق، لن يتراجعوا عنه، مهما اتضح لهم من الحقائق الهادية، إنهم رفضوا الحقّ عنادا، وكذبوا به عنادا.
ولو فكروا في الموضوع بمنهجية وعلمية وإنصاف، لآمنوا وصدّقوا بالحق.
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ: كذّب الكفار بالقرآن، قبل أن يحيطوا به علما، وقبل أن يأتيهم تأويل آياته، لقد كانوا متسرّعين متعجلين في التكذيب، وماذا عليهم لو تأنوا وتريثوا؟ ماذا عليهم لو انتظروا قليلا إلي أن يأتيهم تأويل القرآن؟ إنهم لو تريثوا لعرفوا أنه الحق، ولو انتظروا لحين تأويل آياته، وتحقّقها أمامهم في عالم الواقع، في صورة مادية فعلية، لعرفوا أنّ القرآن حق، وأنّ وعوده تتحقّق وتتأوّل فعلا.
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: كفار قريش مثل الكفار الذين من قبلهم في اتباع الظن، وفي التكذيب بالحق، وفي التسرّع والتعجّل بالتكذيب، وفي عدم التريث والتأني، وانتظار تأويل وعود وتهديدات الله، في الكتب التي أنزلها إليهم.
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ كان تكذيب الكفار السابقين، علي تلك الصورة المتعجلة المتسرعة، سببا في وقوع العذاب بهم، فلما أتاهم تأويل التهديدات، وشاهدوا تحقّقها في عالم الواقع، في صورة عذاب ودمار، أهلكهم الله وقضي عليهم، فزالوا عن الوجود. انظر كيف كانت عاقبتهم وكيف كانت نهايتهم؟
стр. 70
وهؤلاء الكفار المكذّبون لك يا محمد، كذّبوا كما كذّب الكفار من قبلهم، وتعجلوا كما تعجل الذين من قبلهم، ولهذا سيقع بهم كما وقع بالذين من قبلهم، وسيدمرهم الله كما دمر الذين من قبلهم، وانتظر هذه العاقبة المؤلمة لهم، إن لم يتراجعوا عن كفرهم.
إنّ هذه الآية تهديد ووعيد للكفار المكذبين، وإمهال لهم لحين تأويل آيات القرآن، التي تقرر هزيمتهم وهلاكهم، وانتصار الحق، وتحقّق هذه الآيات في صورتها المادية الواقعية.
فما موقف الكفار من هذا التهديد؟
سينقسمون إلي قسمين: قسم يتأثر به، ويكفر في موقفه، ويغير مساره، ويؤمن بالقرآن، ويتبع الرسول ﵊.
وقسم لن يتأثر به، ولن يستفيد منه، وسيبقي مصرا علي عناده وكفره وتكذيبه، إلي أن يتحقق التأويل، ويقع العذاب.
وقد أشار إلي القسمين قوله تعالى: ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ، ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ.
أما الذين آمنوا بالقرآن، واستفادوا من التهديد، قبل وقوع وتحقّق التأويل، فهم مسلمون صالحون.
وأما الذين أصرّوا علي التكذيب والكفر والعناد، فعلي الرسول ﵊ أن يفاصلهم، وأن يتبرأ منهم، وأن يتركهم ينتظرون تحقق التأويل، ووقع العذاب: وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي، ولَكُمْ عَمَلُكُمْ. أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ، وأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ.
стр. 71
المراد بالتأويل في هذه السورة:
تخبر الآيات- التي من ضمنها آية التأويل- عن كفر الكفار بالقرآن، وتكذيبهم به، وزعمهم أنه ليس كلام الله، وأن محمدا ﵊ قد افتراه، وتتحدّاهم الآيات وتطلب منهم معارضة القرآن، والإتيان بسورة مثله.
وتقرر أن الكفار كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله، وكانوا في هذا كأسلافهم السابقين، حيث أوقع الله بهم عذابه وأهلكهم، وهؤلاء يسيرون علي طريق السابقين، والعذاب قادم إليهم، إن لم يؤمنوا.
فما المراد بالتأويل هنا؟
إنه تأويل آيات القرآن التي كذبوا بها، ومعنى تأويلها بيان نهايتها ومآلها، أو وقوع صورتها المادية العملية! والسياق الذي وردت فيه الآية سياق وعيد وتهديد للكفار، وبيان أن العذاب قادم إليهم، وأن تأويل الآيات التي كذبوا بها سائر إليهم، وعما قريب سيشاهدون هذا التأويل ويعيشونه في عالم الواقع! لقد واجهت آيات القرآن الكفار، وكانت تخبرهم بانتصار رسول الله ﷺ ، وإظهار دينه، وتقرر عجز هؤلاء الكفار عن الوقوف أمام الاسلام، أو إطفاء نوره، وتدعوهم إلي الدخول فيه، فلا فائدة من المواجهة والمحاربة.
وكانت آيات القرآن تقدم لهم الوعيد والتهديد، وتخبرهم أنّ العقاب واقع بهم، وأنهم في ذلك مثل الكفار السابقين.
ولما كانوا يسمعون التهديد والوعيد في هذه الآيات، كانوا يزدادون تكذيبا بها، وسخرية واستهزاء بالرسول ﵊ وأتباعه. فهل من الممكن أو المعقول أن يهزمهم محمد ﷺ ، ومن معه مسلمون
стр. 72
مستضعفون فقراء؟ أمّا هم فهم أقوياء أغنياء أصحاب السلطة والمنزلة؟
في هذا الجو تنزلت آيات سورة يونس، وواجهت الكفار في تكذيبهم واستهزائهم.
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
كذّبوا بأخبار القرآن وحقائقه، كذّبوا بوعوده للمؤمنين، وتهديداته للكافرين، وأنكروا أن يكون المستقبل هو للإسلام والمسلمين، ولم يصدّقوا أنهم يمكن أن ينهزموا أمام المسلمين.
فتقول لهم الآية: إنكم تكذّبون الآن بهذه الآيات، وأنتم لم تحيطوا علما بها، تكذّبون بها لأنه لما يأتكم تأويلها، ولما تشاهدوا صورتها العملية والواقعية، لكنّ تأويلها آت عن قريب، وستعيشون هذا التأويل عمليا عند ما تبدأ المعارك الفعلية بينكم وبين محمد ﷺ ، وهذه المعارك ستنشب عن قريب! إنّ «لما» في قوله: ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ تدلّ علي التوقّع، وتستعمل في قرب وقوع ما بعدها.
وذلك كما في قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا. قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا. ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، ولَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (١) إنّ «لما» هنا حرف «توقّع وإطماع». فالأعراب أسلموا، وجاءوا إلي رسول الله ﷺ ، وامتنّوا عليه، وزعموا تحقق الايمان بعد الإسلام فيهم، ولكنّ الآية تصحح لهم ذلك، وتقول لهم أنتم أسلمتم، نعم، ولكنكم لم تؤمنوا حتى الآن، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبكم إلي الآن.
لكن هذا الإيمان ليس بعيدا عنكم، وأنتم لستم بعيدين عنه، إنكم سائرون في طريقكم إليه، وسيدخل في قلوبكم عن قريب!
стр. 73
وفي الجملة التي أمامنا ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ التوقّع واضح.
لم يقع تأويل الآيات التي كذّب بها الكفار حتى الآن، ولم تقع الصورة العملية للتهديدات النظرية لهم، التي حوتها آيات القرآن.
إنهم مهزومون، لكن متي؟ لما يأتهم تأويل ذلك أي: لم تقع هزيمتهم فعلا الآن، لكنها ستحقق عن قريب، فتأويل الآيات التي تقرر ذلك علي وشك الوقوع! وإنّ الرسول منصور، والاسلام ظاهر، لكن؟ لما يتم تأويل ذلك، لأنّ المعركة لم تنشب مع الكفار فعلا حتى الآن، ولكنها ستنشب عن قريب، وعندها سيتمّ تأويل الآيات التي تقرر ذلك.
وهذا ما حصل فيما، بعد، في حركة الدعوة الاسلامية، وحربها مع الكفار، فلم تمض إلا سنوات قليلة علي نزول هذه الآية من سورة يونس- والتي تقرر قرب وقوع وتأويل تهديدات القرآن- حتى تحققت تلك الوعود والتهديدات في عالم الواقع، وذلك في غزوة بدر، وما تلاها من الغزوات التي هزم الله فيها الكفار. وعندها أتي الكفار تأويل تلك الآيات، أي: تمّ تنفيذ وعود وتهديد الآيات القرآنية، وبذلك حوّلت من وعد نظري إلي صورة عملية واقعية، وبذلك تمّ ردّ وإرجاع معنى الآيات النظري إلي غايته الفعلية، ونهايته المادية.
عمر بن الخطاب يروي عن وقوع التأويل:
حملنا معنى التأويل في سورة يونس علي وقوع وعود القرآن للمؤمنين بالنصر، وتحقق تهديداته للكفار بالهزيمة. واعتبرنا غزوات الرسول ﷺ ، وهزيمته للكفار من اليهود والمشركين والأحزاب، تأويلا عمليا للنصوص القرآنية، وهذه الغزوات هي المرادة بقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
стр. 74
ونقدم فيما يلي مثالا واحدا من السيرة النبوية وحركة الصحابة، تبيّن أنّ هذا هو المقصود بالتأويل، وأنّ الصحابة كانوا يفهمونه.
إنّ آيات سورة القمر تقرر هزيمة كفار قريش، كما هزم الله الكفار السابقين، وبعد أن تقدم آيات السورة لقطات سريعة عن مصارع أشهر الكفار السابقين: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون، تخاطب كفار قريش قائلة: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، والسَّاعَةُ أَدْهي وأَمَرُّ (١).
تسأل هذه الآيات كفار قريش: أأنتم خير من الكفار السابقين المعذّبين؟
أتظنون أن العذاب لن يقع بكم في الدنيا قبل الآخرة؟ هل معكم براءة من الله أنزلها عليكم في الزبر والكتب؟ أم تعتمدون علي قوتكم وجنودكم وأتباعكم؟ أتظنون أنكم ستنتصرون علي المسلمين في حربكم القادمة القريبة؟ وتقولون: نحن جميع منتصرون، والمسلمون مهزمون؟
لا تظنّوا هذا، ولا تتوقّعوه، إنّ المعارك قادمة بينكم وبين المسلمين، وستنهزمون أمامهم، وسيتفرق جمعكم، وستولون أدباركم للمسلمين، وسينزل الله نصره عليهم: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
إنّ قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ وعيد من الله وتهديد للكفار، وتقرير أنهم سينهزمون لا محالة! وهذه الآيات نزلت في مكة، بينما كان المسلمون قلة مستضعفين، والكافرون أقوياء غالبين، وقد أيقن المسلمون بتحقق وعدها في المستقبل، لكنّ الكافرين لم يصدّقوا ذلك.
متي تمّ تأويل هذه الآيات؟ أي: متي تحقق بعدها العملي المادي الواقعي؟ ومتي ردّ الكلام النظري فيها الي غايته الفعلية المرادة منه؟
стр. 75
لقد حصل ذلك، وتمّ تأويلها بعد بضع سنوات من نزولها، وكان ذلك في غزوة بدر الكبري، في السنة الثانية من الهجرة!! وقد روي لنا عمر بن الخطاب ﵁ تحقق التأويل لهذه الآيات في غزوة بدر.
قال عكرمة: «لما نزل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر: أي جمع سيهزم؟ وأي جمع سيغلب؟
فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله ﷺ يثبت في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ، فعرفت تأويلها يومئذ (١)!!
وتأمّل معنا قول عمر «فعرفت تأويلها يومئذ» لتعرف معنى التأويل.
إن نزول هذه الآية في مكة وعيد وتهديد نظري، وخبر عما سيحدث لهم في المستقبل علي أيدي المسلمين. هذا الوعيد النظريّ يحتاج إلي تأويل، أي: ردّ إلي غايته العملية المرادة منه، ورجوع به إلي صورته المادية، وبيان عاقبته وماله.
ولقد تحقق ذلك الردّ والرجوع والتأويل في معركة بدر، وتحقق عمليا علي أرضها ذلك الخبر القرآني، وعندها فقط عرف عمر ﵁ تأويل الآية! هذا مثال من السيرة النبوية، وفهم الصحابة، يظهر فيه التأويل العملي لقوله تعالى: ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
وبهذا نعرف أنّ التأويل في سورة الأعراف تهديد ووعيد للكفار بتحقق العذاب بهم يوم القيامة- كما سبق أن بينا- وأما التأويل في سورة يونس، فهو وعيد وتهديد للكفار بتحقق الهزيمة بهم في الدنيا!!