← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إذا ثَبَتَ هذا، فالذُّرِّيَّةُ: الأولادُ وأوْلادُهم، وهل يدخل فيها أوْلاد البَنَات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد (١): أحدهما (٢): يدخلون، وهو (٣) مذهب الشافعي. والثانية: لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة. واحتجَّ مَن قال بدخولهم: بأن المسلمين مُجمعون (٤) على دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذُرِّية النبي ﷺ المطلوب لهم من الله الصَّلاة، لأنَّ أحدًا مِنْ بناته لم يُعقب غيرها، فمَنِ انْتَسَب إليه ﷺ مِن أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة ﵂ خاصَّة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحسن ابن ابنته: ٢٨٢ - "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّد" (٥) فَسمَّاه ابنه. ولمَّا (٦) أنزل الله سبحانه آية المُبَاهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية. ٢٨٣ - دعا النبي ﷺ فاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا، وخَرَجَ للمُبَاهَلَة (٧).

стр. 352

قالوا: وأيضًا فقد قال الله تعالى في حقِّ إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]. ومعلوم أنَّ عيسى ﵊ لم ينْتَسِب إلى إبراهيم إلا من جهة أُمِّه مَرْيَم ﵍. وأما من قال بعدم دخولهم: فَحُجَّتُه أنَّ ولَدَ البَنَاتِ إنَّما ينتسبون إلى آبائهم حقيقة، ولهذا إذا أولد (١) الهُذَليّ أو التَّيْمِيّ أو العَدَوِي هَاشِميّة لم يكن ولدها هاشميًا، فإن الولد في النسب يتبع أباه، وفي الحُرِّيَّة والرِّقّ أُمّه، وفي الدِّيْن خيرهما دِيْنًا، ولهذا قال الشاعر (٢): بَنُوْنَا بَنُو أبْنَائِنَا، وبَنَاتُنا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ ولو وصَّى أو وقَف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد (٣) بناتها من غيرها. قالوا: وأما دخول أولاد (٤) فاطمة ﵂ في ذُرية النبي ﷺ ؛ فَلِشَرَفِ هذا الأصل العظيم والوالد الكريم، الذي لا

стр. 353

يُدانيه أحد من العالمين، سَرَى ونَفَذَ إلى أولاد البنات لقُوَّته وجلالته وعِظَمِ قَدْره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجَنَاب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسْري حُرْمة إيلادهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم، فتلْحظهم العيون بلحْظ أبنائهم، ويكادون يضربون (١) عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظنُّ بهذا الإيلاد، العظيم قدره الجليل خطره؟. قالوا: وأما تَمسُّككم بدخول المسيح في ذُرية إبراهيم ﵊ فلا حُجَّة لكم فيه، فإن المسيح ﵇ لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أُمُّه مقام أبيه (ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى أُمِّه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه) (٢)، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب، إما (٣) بلعان أو غيره، قامت أُمُّه في النَّسب مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه الحال عَصبته في أصح الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵁، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود (٤) ﵁ وغيره، والقياس يشهد له بالصحَّة؛ لأنَّ

стр. 354

النَّسبَ في الأصل للأب، فإذا انقطع مِن جهَته عاد إلى الأُمّ، فلو قُدِّرَ عَوْدُه مِن جهة الأب رجع من الأمّ إليه، وهكذا كما اتفق الناس عليه في الولاء أنه لموالي الأب، فإن تعذَّر رجوعه (١) إليهم صار لِمَوالي الأمّ، فإن أمكن عَوْدُه إليهم رجع من موالي الأمّ إلى مَعْدَنِهِ وَقَرارِه (٢). ومعلوم أنَّ الولاء فرع على النَّسب يُحْتدْى فيه حَذوه، فإذا كان عَصَبَات الأُمّ من جهة (٣) الولاء عصبات لهذا المولى الذي انقطع تَعْصِيْبه من جهة موالي أبيه؛ فلأن تكون عصبات الأُمّ من النَّسب عصبات لهذا الولد الذي انقطع تعصيبه من جهة أبيه بطريق الأولى، وإلَّا فكيف يثبت هذا الحكم في الولاء ولا يثبت في النسب الذي غايته أن يكْون مُشَبَّهًا به ومُفَرَّعًا عليه؟! وهذا مِما يَدلُّ على أنَّ القياس الصحيح لا يفارق النَّص أصلًا، ويَدُلُّك على عُمْق عِلْم الصحابة ﵃، وبلوغهم في العلم إلى غايةٍ يَقْصُر عن نيْلها السُّبَّاق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (٤).

стр. 355

الفصل الخامس (١) في ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﷺ - وهذا الاسم من النَّمَط المتقدم، فإن إبراهيم بالسِّرْيانية معناه "أبٌ رحيم". والله جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم (٢)، فإن أبانا الأول آدم ﵇، والأب الثاني نوح ﵇، وأهل الأرض كلهم من ذُرِّيته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وبهذا يتبين كَذِب المفترين من العَجَمِ الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ﵇ ولا ولده، ولا ينتسبون (٣) إليه، وينسبون (٤) ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحًا ﵇ في أنسابهم، وقد أكذبهم الله في ذلك. فالأب (٥) الثالث أبو (٦) الآباء وعمود العالم، وإمام الحُنَفاء

стр. 356

الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل النُّبُوة والكتاب في ذُرِّيته، ذاك خليل الرحمن، وشيخ الأنبياء كما سمَّاه النبي ﷺ بذلك، فإنه لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته، وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: ٢٨٤ - "قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام" (١) ولم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتبعِ مِلَّة أحد من الأنبياء غيره، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وأمر أُمَّته بذلك فقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، "ومِلّةَ" منصوب على إضمار فعل، أي: اتبعوا والزموا ملة إبراهيم، ودل على المحذوف ما تقدم من قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا هو الذي يقال له: الإغراء. وقيل: منصوب انتصاب المصادر، والعامل فيه مضمون ما تقدم قبله؛ وكان رسول الله ﷺ يوصي أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا (٢):

стр. 357

٢٨٥ - "أصْبَحْنَا على فِطْرةِ الإسْلام وكَلِمَة الإخْلاص، ودِيْنِ نَبِيِّنا مُحمَّدٍ، ومِلّة أبِيْنا إبْراهِيْم حَنِيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكين". وتأمَّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي: شهادة أن لا إله إلا الله، والمِلَّة لإبراهيم ﵊ فإنه صاحب الملة، وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة. والدين للنبي ﷺ ، وهو دينه الكامل وشرعه التَّام الجامع لذلك كله. وسَمَّاه الله سبحانه: إمَامًا، وأُمَّة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأنَّ الظَّالم من ذُرِّيته لا ينال رُتْبة الإِمَامَة، والظَّالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أنَّ عَهْدَه بالإمَامة لا ينالُ من أشرك به، قالى تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢]. فالأُمَّة هو: القدوةُ المعلِّم للخير، والقانتُ: المطيعُ لله تعالى الملازمُ لطاعته، والحنيفُ: المقبلُ على الله تعالى، المعْرض عَمَّا

стр. 358

سواه، ومَنْ فَسَّره بالمائل فلم يُفسِّره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسَّره بلازم المعنى، فإنّ الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره، والحنف في الرِّجْلَين هو إقبال إحداهما (١) على الأخرى، ويلزمه ميلها عن جهتها. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فحنيفًا هو حال مفردة (٢) لمضمون قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ولهذا فُسِّرت "مخلصًا"، فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص، فإن إقامة الوجه للدين هو: إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره، والحنيف: المُفْرِدُ لمعبوده لا يريد غيره. فالصدق أن لا ينقسم طلبك، والإخلاص (٣) أن لا ينقسم مطلوبك، الأول: توحيد الطلب، والثاني: توحيد المطلوب. والمقصود: أن إبراهيم ﵊ هو أبونا الثالث، وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل مُتَّفِقَة على تعظيمه وتولِّيْه ومَحَبَّته. وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمدًا ﷺ يُجلّة ويُعظّمه ويُبجّله ويحترمه.

стр. 359

٢٨٦ - ففي "الصحيحين" (١): من حديث المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: جَاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خَيْرَ البَرِيَّة، فقال رسول الله ﷺ : "ذَاْكَ إبْراهِيْم". وسماه شيخه، كما تقدم. ٢٨٧ - وثبت في "صحيح البخاري" (٢) من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إنَّكم مَحْشُورُون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأوَّل مَنْ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبْرَاهِيْم". ٢٨٨ - وكان رسول الله ﷺ أشبه الخلق به، كما في "الصحيحين" (٣)، عنه قال: "رأيتُ إبراهيْمَ فإذا أقْرب النَّاس شَبَهًا به صَاحِبكم" يعني نَفْسَهُ ﷺ ، وفي لفظ آخر: "فَانْظُروا إلى صاحِبِكم" (٤).

стр. 360

وكان ﷺ يعوذ أولاد ابنته حسنًا وحسينًا ﵄ بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم وسلم. ٢٨٩ - ففي "صحيح البخاري" (١): عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إنَّ أبَاكُمَا كانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيْل وإسْحَاق: أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَان وَهَامَّة، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة". وكان ﷺ أول من قرى الضيف، وأول من اختتن، وأول من رأى الشيب. فقال: ما هذا يا رب؟ قال: وقار. قال: رب زدني وقارًا (٢).

стр. 361

وتأمَّل ثناء الله سبحانه عليه في إكرام ضيفه من (١) الملائكة حيث يقول سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧]، ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة: أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. وهذا على أحد القولين أنه إكرام إبراهيم لهم (٢)، والثاني: أنهم المكرمون عند الله سبحانه، ولا تنافي بين القولين، فالآية تدل على المعنيين. الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عُرِف بإكرام الضّيْفان، واعتياد قِراهُم، فبقي منزل فضيفه مطروقًا لمن ووده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم. الثالث: قوله لهم (٣): ﴿سَلَامٌ﴾ الرفع، وهم سَلَّمُوا عليه بالنَّصب. والسلام بالرفع أكمل فإنه يَدُلُّ على الجُمْلة الإسْمِية الدَّالة

стр. 362

على الثُّبوت والتَّجَدُّد (١)، والمنصوب يدُلّ على الفِعْليّة الدَّالة على الحُدُوث والتَّجدُّد (٢)، فإبراهيم ﵊ حَيَّاهم بتحيَّة أحْسَن من تحيَّتهم، فإنَّ قولهم: ﴿سَلَامًا﴾ يدل على سَلَّمْنَا سَلَامًا، وقوله: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: سَلامٌ عليكم. الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ فإنه لمَّا أنكرهم ولم يعرفهم احْتَشَم من مواجهتهم بلفظ ينفِّر الضيف لو قال: أنتم قوم منكرون، فَحَذْفُ المبتدأ هنا مِن ألْطف الكلام. الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال: ﴿مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ ولم يقل إني أنكركم، وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التَّنفِيْر والمواجهة بالخشونة. السادس: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بِنُزُلهِم، والرَّوَغَان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف، وهذا من كرم ربِّ المنزل المضيف؛ أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف (٣)، فيشقّ عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يُسْمِعُ ضيفه ويقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.

стр. 363

السابع: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضِّيافة، فدلَّ على أنَّ ذلك كان مُعدًّا عندهم مهيَّأ للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه. الثامن: قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ دلَّ على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم (١) يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف. التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة (٢) منه، وهذا من تمام كرمه ﷺ . العاشر: أنه سَمِيْن لا هزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يُتَّخَذ للاقتناء والتَّربية، فآثر به ضيفانه. الحادي عشر: أنه قربه إليهم (٣) بنفسه، ولم (٤) يأمر خادمه بذلك. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة، أن يجلس (٥) الضيف، ثم يقرب الطعام إليه، ويحمله (٦) إلى

стр. 364

حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية، ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه. الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ وهذا عرض وتلطُّف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مُدُّوا أيديكم، ونحوها، وهذا مِمَّا يعلم الناس بعقولهم حُسْنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدَّق، أو ألا تجبر، ونحو ذلك. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ألا تأكلون، ولهذا أوْجَسَ منهم خِيْفَة، أي: أحسَّها وأضْمَرها في نفسه، ولم يُبْدِها لهم، وهو الوجه. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف من أن يظهر لهم ذلك، فلمَّا علمت الملائكة منه ذلك، قالوا: لا تخف، وبَشَّرُوه بالغلام. فقد جمعت هذه الآية آداب الضِّيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلُّفات التي هي تخلُّف (١) وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا، فصلى الله على نبينا، وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين. وقد شهد الله سبحانه بأنه وفَّى ما أُمِرَ به فقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ

стр. 365

يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧]. ٢٩٠ - قال ابن عباس ﵁: "وفَّى جميع شرائع الإسلام، ووفَّى ما أمر به من تبليغ الرسالة" (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلمَّا أتمَّ ما أُمِر به من الكلمات جعله الله إمامًا للخلائق يأتمُّون به. وكان ﷺ كما قيل: قَلْبُهُ للرحمن، وولده للقُرْبان، وبَدَنه للنِّيْران، وماله للضِّيفان. ولمَّا اتخذه ربه خليلًا -والخُلَّة هي كمال المحبة، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة، وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل (٢) على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه؛ ليظهر سرُّ الخُلَّة في تقديمه محبَّة خليله على محبَّة ولده، فلمَّا اسْتَسْلم لأَمر ربه وعزم على فعله وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارًا لمحبة خليله على محبته، نسخ (٣) الله تعالى ذلك عنه وفداه بالذِّبْحِ العظيم، لأنَّ المَصْلحة في الذَّبْح كانت

стр. 366

ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أُمِرَ به، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح في نفسه (١) مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في أتْبَاعه إلى يوم القيامة. وهو الذي فتح للأُمَّة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل، وكَسْر حُجَجِهم، وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع إمام المعطلِيْن، ومناظرته مع قومه المشركين، وكَسْرَ حُجَج الطائفتين بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال زيد بن أسلم وغيره: ٢٩١ - "بالحجة والعلم" (٢). ولما غُلِبَ أعداءُ الله معه بالحُجَّة، وظهرت حُجَّته عليهم، وكَسَرَ أصنامهم، فكَسَرَ حُجَجَهم ومعبودهم، همُّوا بعقوبته وإلقائه في النار، وهذا شأن المبطلين إذا غُلِبُوا وقامت عليهم الحجة هموا بالعقوبة، كما قال فرعون لموسى ﵊ وقد أقام عليه الحجة: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، فأضرموا له النار وألقوه

стр. 367

في المنجنيق، فكانت تلك السَّفْرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عليه، فإنه ما سافر سفرةً أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقرّ لعينه منها، وفي تلك السفرة عرض له جبريل بين السماء والأرض فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا (١). ٢٩٢ - قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، "قالها نبيكم، وقالها إبراهيم حين ألقي في النار" (٢)، فجعل الله سبحانه عليه النار بردًا وسلامًا. ٢٩٣ - وقد ثبت في "صحيح البخاري" (٣): من حديث أم شَرِيْك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْل الوَزغَ وقال: "كانت تنفُخُ عَلَى (٤) إبْراهِيْم". وهو الذي بنى بيت الله وأذَّنَ في الناس بحجِّه؛ فكل مَنْ حَجَّه واعْتَمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله تعالى وإكرامه بعدد الحُجَّاج والمعتمرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 368

٢٩٤ - قال ابن عباس (١) ﵁: يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرا" (٢)، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فأمر نبيه ﷺ وأُمَّته أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى تحقيقًا للاقتداء به وإحْياءِ آثارِه صلى الله على نبينا وعليه وسلم. ومناقب هذا الإمام الأعظم (٣) والنَّبيّ الأكرم ﷺ أجلُّ من أن يُحيط بها كتاب، وإنْ مَدَّ الله في العمر أَفردنا كتابًا في ذلك يكون قطرة في بحر فضائله أو أقلّ، جعلنا الله تعالى مِمَّن ائتمَّ به، ولا جعلنا مِمَّن عَدَلَ عن مِلَّته بمنِّه وكرمه. وقد روى لنا عنه النبي ﷺ حديثًا وقع لنا متصل الرواية إليه. ٢٩٥ - رُوِّيْنَاهُ في كتاب الترمذي وغيره (٤) وغيره: من حديث

стр. 369

القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، قال الترمذي: هذا حديث حسن.

стр. 370

الفصل السادس في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها (١) وهي أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له ﷺ من الصلاة ما لإبراهيم ﷺ ، مع أن المشبَّه به أصله أن يكون فوق المشبَّه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين (٢)؟. ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح وفاسد. * فقالت طائفة: هذه الصلاة علَّمها النَّبي ﷺ أُمَّته قبل أن يعرف أنَّه سَيِّد ولد آدم. ولو سكت قائل هذا لكان أولى به وخيرًا له، فإنَّ هذه هي الصلاة التي علَّمهم النبي ﷺ إياها لما سألوه عن تفسير ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فعلمهم هذه الصلاة وجعلها مشروعة في صلوات الأُمَّة إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ لم يَزَلْ أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده. وبعد أن عَلِمَ بذلك (٣)، لم يُغيِّر نظم

стр. 371

الصلاة التي عَلَّمَها أمته، ولا أبدلها بغيرها، ولا روى عنه أحد خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون. * وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شُرِع لِيتَّخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد أجابه الله تعالى (١) إلى ذلك. ٢٩٦ - كما ثبت عنه (٢) في "الصحيح" (٣): "أَلَا وَإنَّ صَاحِبَكم خَلِيلُ الرَّحْمَنِ" يعني نفسه. وهذا الجواب من جنس ما قبله؛ فإن مضمونه: أنه بعد أن اتخذه الله خليلًا، لا تُشرَع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من أبطل الباطل. * وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التَّشبيه راجع إلى المُصَلِّي فيما يحصل له من ثواب الصَّلاة عليه، فطلب من ربه تعالى ثوابًا، وهو أن يصلي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي ﷺ ، فإن المطلوب لرسول الله ﷺ مِن الصَّلاة أجل وأعْظَمُ ممّا هو حاصل لغيره من العالمين. وهذا من جنس ما قبله، أو أفسد، فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلِّي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي ﷺ

стр. 372

وآله، فمن قال: إن المعنى اللهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم، فقد حَرَّف الكلم، وأبطل في كلامه. ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشُّرَّاح وسَوَّدُوا بها الطُّروس (١)، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإنَّ العالم يستحيي من التَّكلم على هذا والاشتغال بردِّه. * وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتَمَّ الكلام عند قوله: "اللهم صل على محمد"، ثم قال: ""وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم"، فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبَّهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العِمْراني (٢) عن الشافعي. وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعي أجلُّ من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الرَّكاكة والضَّعف (٣).

стр. 373

وقد تقدم في كثير من أحاديث الباب: "اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم"، وقد تقدمت الأحاديث بذلك (١). وأيضًا فإنه لا يَصحُّ من جهة العربيّة، فإن العامل إذا ذُكِر معموله وعطف عليه غيره، ثم قُيِّد بظرف، أو جار ومجرور، أو مصدر أو صفة مصدر، كان ذلك راجعًا إلى المعمول وما عطف، عليه، هذا الذي لا تحتمل (٢) العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، كان الظرف مقيدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا وعَمْرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سَلَّم عليَّ زيد وعمرو يوم الجمعة ونحوه. فإن قلت: هذا متوجِّه إذا لم يَعد العامل، فأما إذا أُعِيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّم على زيد وعلى عمرو إذا لقيته، لم يمتنع أن يختصَّ ذلك بعمرو، وهنا قد أُعِيْد العامل في قوله: "وعلى آل محمد". قيل" هذا المثال ليس بمطابق (٣) لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن نقول: سلِّم على زيد وعلى عمرو، كما تُسلِّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادِّعَاء أن التَّشبيه لِسَلامِه على عمرو وحْده دون زيد دعوى باطلة.

стр. 374

* وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبَّه به أعلى من المشبَّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبَّه (١) أعلى من المشبه به. قال هؤلاء: والنبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة. قالوا: والدليل على أن المشبَّه قد يكون أفضل من المشبَّه به قول الشاعر (٢): بَنُونَا بَنُو أبْنَائِنا، وبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ وهذا القول أيضًا ضعيف من وجوه: أحدها: أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبه الشيء إلا بما (٣) هو فوقه. الثاني: أن الصلاة من الله تعالى من أجلِّ المراتب وأعلاها، ومحمد ﷺ أفضل الخلق (٤)، فلا بدَّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كل صلاة تحصل لكلِّ (٥) مخلوق، فلا يكون غيره مساويًا له فيها. الثالث: أن الله سبحانه أمر بها بعد أنْ أخبر أنه وملائكته

стр. 375

يُصلُّون عليه (١)، فأمر (٢) بالصَّلاة والسلام عليه، وأكَّدَه بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين. ٢٩٧ - الرابع: أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلِّم الناس الخير" (٣)، وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شرِّ الدنيا والآخرة، وتسبَّبُوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله وملائكته. فلما تسبَّب مُعلِّموا الخير إلى صلاة الله وملائكته على مَنْ يُعلِّم منهم، صلى الله عليهم وملائكته، ومن المعلوم أنه لا أحد من معلمي الخير أفضل ولا أكثر تعليمًا من النبي ﷺ ، ولا أنصح لأُمَّته، ولا أصبر على تعليمه منه، ولهذا نال أُمَّته من تعليمه لهم مالم تنله أُمَّة من الأُمَمِ سِواهم، وحصل للأُمَّة من تعليمه ﷺ (٤) من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير أمة أخرجت للعالمين (٥)، فكيف تكون (٦) الصلاة على هذا الرسول المُعَلِّم للخير ﷺ مساوية للصلاة على مَنْ لم يماثله في هذا التعليم؟.

стр. 376

وأما استشهادهم بقول الشاعر على جواز كون المشبّه أفضل من المشبه به (١) فلا يَدلُّ على ذلك، لأن قوله: "بنونا بنو أبنائنا" إما أن يكون المبتدأ فيه مؤخَّرًا والخبر مُقدَّمًا، ويكون قد شَبَّه بني أبنائه ببنيه، وجاز (٢) تقديم الخبر هنا (٣) لظهور المعنى، وعدم وقوع اللَّبْس؛ وعلى هذا فهو جار على أصل التشبيه. وإما أن يكون من باب عكس التشبيه، كما يُشَبَّه القمر بالوجه الكامل في حسنه، ويُشَبَّه الأسد بالكامل في شجاعته، والبحر بالكامل في جُوْده، تنزيلًا لهذا الرجل منزلة الأصل المشبه به، وتنزيلًا للقمر، والأسد، والبحر، منزلة (٤) الفرع المشبه. وهذا يجوز إذا تضمَّن عكس التشبيه مثل هذا المعنى. وعلى هذا فيكون هذا الشاعر قد نَزَّلَ بنى أبنائه منزلة بنيه، وأنهم فوقهم عنده ثُمَّ شَبَّه بنيه بهم، وهذا قول طائفة من أهل المعاني. والذي عندي فيه: أنَّ الشَّاعر لم يرد ذلك، وإنما أراد التَّفْريق بين بني (٥) بنيه وبني (٦) بناته، فأخبر أن بني بناته تبع لآبائهم، ليسوا بأبناء لنا، وإنما أبناؤنا بنو أبنائنا، لا بنو بناتنا، فلم يرد تشبيه بني بنيه ببنيه، ولا عكسه، وإنما أراد ما ذكرنا من المعنى، وهذا

стр. 377

ظاهر. * وقالت طائفة أخرى: إنَّ (١) النبي ﷺ له من الصَّلاة الخاصة به التي لا يساويها صلاة ما لم يشركه فيها أحد، والمسؤول له إنما هو صلاة زائدة على ما أُعْطِيْه مضافًا إليه، ويكون ذلك الزائد مُشَبّهًا بالصلاة على إبراهيم، وليس بمستنكر أن يسأل للفاضل فضيلة أعطيها المفضول مُنْضَمًّا إلى ما اختصَّ به هو من الفضل الذي لم يحصل لغيره. قالوا: ومثال ذلك: أن يعطي السلطان رجلًا مالًا عظيمًا، ويعطي غيره دون ذلك المال، فيسأل السلطان أن يُعْطِيَ صاحب المال الكثير مثل ما أعطى من هو دونه؛ لينضم ذلك إلى ما أُعطيه، فيحصل له من مجموع العطاءين أكثر مما يحصل من الكثير وحده. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الله تعالى أخبر أنه وملائكته يُصلُّون عليه، ثم أمر بالصَّلاة عليه، ولا ريب أن المطلوب من الله هو نظير (٢) الصلاة المخبر بها، لا ما هو دونها، وهو أكمل الصلاة عليه وأرجحها، لا الصلاة المرجوحة (المفضولة. وعلى قول هؤلاء: إنما يكون الطَّلب لصلاة مرجوحة) (٣) لا راجحة، وإنما تصير راجحة بانضمامها إلى صلاة لم تطلب، ولا

стр. 378

ريب في فساد ذلك، فإن الصلاة التي تطلبها الأمة له ﷺ من ربه هي أجلُّ صلاةٍ وأفضلها. * وقالت طائفة أخرى: التشبيه المذكور إنما هو في أصْل الصَّلاة، لا في قَدْرِها، ولا في كَيْفِيَّتها، فالمسؤول إنما هو (١) راجع إلى الهيئة، لا إلى قدر (٢) الموهوب. وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به (٣) أصل الإحسان. وقد يُحْتَجُّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله تعالى إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان، لا قدره، ومنها قولة تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وهذا التشبيه في أصل الوحي، لا فى قدره وفضل (٤) الموحى به، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]، إنما مرادهم جنس الآية لا نظيرها. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، ومعلوم أنَّ كَيْفِيَّة الاستخلاف مختلفة، وأن ما لهذه الأُمَّة أكمل مِمَّا لغيرهم.

стр. 379

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عَيْنِهِ وقَدْرِه وكيْفِيَّتِهِ. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ومعلوم تفاوت ما بين (١) النشأة الأولى وهي المبدأ، والثانية وهي المعاد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل: ١٥]، ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين. ٢٩٨ - وقال النبي ﷺ : "لو أنكم تَتَوكَّلُون عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرزَقكُم كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصًا وتَرُوحُ بطَانًا" (٢) فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره ولا كيفيته، ونظائر ذلك. وهذا الجواب ضعيف أيضًا لوجوه: منها أن ما (٣) ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي. فلو قلت: أحسن إلى ابنك (٤) وأهلك كما أحسنت إلى

стр. 380

مركوبك وخادمك ونحوه، جاز ذلك. ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة، لحسن أن نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين ونحوه، أو كما صليت على آدم، ونوح، وهود، ولوط، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة، لا في قَدْرها ولا صِفَتِها، ولا فَرْق في ذلك بين كلِّ من صلى عليه، وأيُّ مِزيَّة (١) وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله، وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله؟ وكان الكافي في ذلك أن يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقط. الثاني: أن (٢) ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي ﷺ ، فإن هذه الأمثلة نوعان: خبر، وطلب؛ فما كان منها خبرًا فالمقصود بالتشبيه به: الاستدلال والتقريب إلى الفَهْم وتقرير ذلك الخبر، وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره كنظير المشبَّه به، فكيف تنكرون الإعادة وقد وقع الاعتراف بالبداءة وهي نظيرها، وحكم النظير حكم نظيره، ولهذا يَحْتَجُّ سبحانه بالمبدأ على المعاد كثيرًا، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]،

стр. 381

وهذا كثير في القرآن، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل: ١٥]، أي: كيف يقع الإنكار منكم وقد تقدم قبلكم رسل مِنِّي مبشِّرين ومنْذِرين، وقد علمتم حال من عَصَى رُسُلي كيف أخذتهم أخذا وبِيْلًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية. أي: لستَ أوَّل رسول طرق العالم، بل قد تقدمت قبلك رسل أوحيت إليهم كما أوحيت إليك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، فهذا ردٌّ وإنكار على من أنكر رسالة النبي ﷺ مع مجيئه بمثل ما جاءت به الرسل قبله (١) من الآيات، بل أعظم منها، فكيف تنكر رسالته؟ وليست من (٢) الأمور التي لم تطرق العالم، بل لم تَخْلُ الأرض من الرسل وآثارهم، فرسولكم جاء على منهاج مَنْ تقدمه مِنَ الرسل في الرسالة لم يكن بدعًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، إخبار (٣) من عادته سبحانه في خلقه وحكمته التي لا تبديل لها، أن من آمن (٤) وعمل صالحا مُكِّنَ له في الأرض، واستخلفه فيها، ولم

стр. 382

يهلكه ويقطع دابره، كما أهلك من كذَّب رسله وخالفهم، وقطع دابره. فأخبرهم سبحانه عن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وصدقهم، وأنه يفعل بهم كما فعل بمن قبلهم من أتباع الرسل. وهكذا قول النبي ﷺ (١): "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير" إخبارٌ (٢) بأنه سبحانه يرزق المتوكلين عليه من حيث لا يحتسبون، وأنه لا يخليهم من رزق قط، كما ترون ذلك في الطير، فإنَّها تغدو من أوكارها خِمَاصًا، فيرزقها الله سبحانه، حتى ترجع بطَانًا من رزقه، وأنتم أكرم على الله من الطير ومن سائر الحيوانات، فلوَ توكَّلْتم عليه لرزقكم من حيث لا تَحْتَسِبُون، ولم يمنع أحدًا منكم رزقه، هذا فيما (٣) كان من قبيل الإخبار. وأما في قسم الطلب والأمر: فالمقصود منه التنبيه على العِلَّة، وأن الجزاء (٤) من جنس العمل. فإذا قلت: عَلِّم كما عَلَّمَكَ الله، وأحسن كما أحسن (٥) اللهُ إليك، واعف كما عفا الله عنك، ونحوه، كان (٦) في ذلك تنبيه للمأمور على شكر النِّعْمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وأنه حَقِيْق أن يقابلها بمثلها، ويقيِّدها بشكرها، فإن جزاء تلك النعمة من جنسها، ومعلوم أنه يمتنع خطاب الرَّبِّ

стр. 383

سبحانه بشيء من ذلك، ولا يَحْسُنُ في حقه، فيصير ذكر التشبيه لغوًا لا فائدة فيه، وهذا غير جائز. الثالث: أن قوله: "كما صليت على آل إبراهيم" صِفَة لِمَصْدر محذوف، وتقديره: صلاة مثل صلاتك على آل إبراهيم، وهذا الكلام حقيقته أن تكون الصلاة مماثلة للصلاة المشبهة بها، فلا يُعْدَلُ عن حقيقة الكلام ووجهه. * وقالت طائفة أخرى: إن هذا التشبيه حاصل بالنسبة إلى كُلِّ صلاةٍ صلاةٍ (١) - من صلوات المصلِّين، فكلُّ مصلِّ صلى على النبي ﷺ بهذه الصلاة فقد طلب من الله تعالى أن يصلي على رسوله ﷺ صلاة مثل الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ولا ريب أنه إذا حصل من كل مصلٍ طلب من الله تعالى له صلاة (٢) مثل صلاته على آل إبراهيم حصل له ﷺ من ذلك أضعاف مضاعفة من الصلاة، لا تعد ولا تحصى، ولم يقاربه فيها أحد، فضلًا عن أن يساويه أو يفضله ﷺ . ونظير هذا أن يعطي ملك لرجل ألف درهم، فيسأله كل واحد من رعيته أن يعطي لرجل آخر أفضل منه نظير تلك الألف، فكل واحد قد سأله أن يعطيه ألفًا، فيحصل له من الألوف بعدد كل

стр. 384

سائل. وأورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالًا: وهو أن التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة المطلوبة، وكل فرد من أفرادها، فالإشكال وارد كما هو. وتَقْريرُه أنَّ العطِيَّة التي يُعْطاها الفاضل لا بدَّ أن تكون أفضل من العطية التي يعطاها المفضول، فإذا سئل له عطية دون ما يستحقه لم يكن ذلك لائقًا بمنصبه. وأجابوا عنه بأن هذا الإشكال إنما يَرِدُ (١) إذا لم يكن الأمر للتكرار، فأما إذا كان الأمر للتكرار، فالمطلوب من الأمَّة أن يسألوا الله سبحانه له صلاة بعد صلاة، كل منها نظير ما حصل لإبراهيم ﷺ ، فيحصل له من الصلوات ما لا يحصى مقداره بالنسبة إلى الصلاة الحاصلة لإبراهيم ﵇. وهذا أيضًا ضعيف، فإن التشبيه هنا إنما هو واقع في صلاة الله تعالى عليه، لا في معنى (٢) صلاة- المصلي، ومعنى هذا الدعاء: اللهم أعطه نظير ما أعطيت إبراهيم، فالمسؤول له صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، وكلما تكرر هذا السؤال كان هذا معناه، فيكون كل مصل قد سأل الله تعالى أن يصلي عليه صلاة دون التي يستحقها، وهذا السؤال والأمر به متكرر، فهل هذا إلا تقوية لجانب الإشكال؟.

стр. 385

ثم إن التشبيه واقع في أصل الصلاة وأفرادها، ولا يغني جوابكم عنه بقضيَّة (١) التكرار شيئًا، فإن التكرار لا يجعل جانب المشبه به أقوى من جانب المشبه، كما هو مقتضى التشبيه، فلو كان التكرار يجعله كذلك، لكان الاعتذار به نافعًا، بل التكرار يقتضي زيادة تفضيل المشبه وقوته، فكيف يشبه حينئذ بما هو دونه؟ فظهر ضعف هذا الجواب. * وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله- وفيهم الأنبياء- حصل لآل النبي ﷺ من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ ، فيحصل له بذلك من المزِيَّة ما لم يحصل لغيره. وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي ﷺ والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصَّة به ﷺ ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه.

стр. 386

وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، قال ابن عباس: ٢٩٩ - "محمد من آل إبراهيم ﷺ " (١). وهذا نصٌّ، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله- ﷺ أولى، فيكون قولنا: "كما صليت على آل إبراهيم" متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم. ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ . وتقرير هذا أنه يكون قد صلى عليه خُصُوصًا، وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي

стр. 387

هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وجَرْيه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك ما (١) له من المشبه به من الحصَّة التي لم تحصل لغيره. فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كُلٍّ مِنْ آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به (٢). وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عَنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أُمَّته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

стр. 388

الفصل السابع في ذكر نكتة حسنة في هذا الحديث المطلوب فيه الصلاة عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم وعلى آله وهي أنّ أكثر الأحاديث الصِّحاح والحِسَان -بلْ كلُّها- مُصرِّحة بذِكْر النَبيّ ﷺ وبذكر آله، وأما في حق المشبَّه به، وهو إبراهيم وآله، فإنما جاءت بذكر آل إبراهيم فقط دون ذكر إبراهيم، أو بذكره فقط حديث صحيح (دون ذكر آله (١)، ولم يجيء¬٢) فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم، كما تظاهرت على لفظ: "محمد وآل محمد".

стр. 389

ونحن نسوق الأحاديث الواردة في ذلك، ثم نذكر ما يسَّره الله تعالى في سِرِّ ذلك. فنقول: هذا الحديث في الصحيح من أربعة أوجه: ٣٠٠ - أشهرها: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة فقال: ألا أُهْدي لك هدية؟ خَرَجَ عَلَيْنا رسولُ اللهِ ﷺ فَقُلنا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّم عَلَيْكَ، فكيف نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّد وعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم، إنَّكَ حَمِيْد مَجيْد، اللَّهُمَّ بَاركْ -وفي لفظ: وَبَارِكْ- عَلىَ مُحمَّد كَمَا بَاركْتَ عَلَىَ آلِ إبْراهِيْم إنَّكَ حَمِيْد مَجِيْد". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ابن حنبل في المسند (١)، وهذا لفظهم إلا الترمذي فإنه قال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّد وعَلَى آلِ مُحمَّد كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْراهِيْم" فقط، وكذا في ذكر البركة، ولم يذكر الآل، وهو (٢) رواية لأبي داود. وفي رواية: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم" بذكر الآل فقط، و"كما باركت على إبراهيم" بذكره فقط. ٣٠١ - وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي حميد الساعدي،

стр. 390

قالوا: يَا رَسُوْل اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّد وَعَلَى أزْوَاجِه وذُرِّيته، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وأزْوَاجه وذُريته كَمَا بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم إنَّكَ حَمِيْد مَجِيْد" هذا هوَ اللفظ المشهور. وقد روي فيه: "كما صليت على إبراهيم"، و"كما باركت على إبراهيم" بدون لفظ الآل في الموضعين. ٣٠٢ - وفي "البخاري" (١): عن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا السَّلامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّد عَبْدِكَ وَرَسَولكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْراهِيْم، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم". ٣٠٣ - وفي "صحيح مسلم" (٢): عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ قُولُوا: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيْم في العالمِيْن إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْد،
следующие страницы →