← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربِّها ومنِّي، وَبشِّرْها بِبَيْتٍ في الجَنَّة مِن قَصَبٍ لا صَخَب فيه ولا نَصَب". وهذه لعَمْر الله خاصَّة لم تكن لسواها. وأما عائشة ﵂، فإن جبرائيل سلم عليها على لسان النبي ﷺ . ٢٦٣ - قال البخاري (١): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال أبو سلمة: إن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: "يا عائشُ (٢) هَذا جِبْرائيل يُقْرئُكِ السَّلام"، فقالت: "وعَليْه السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، تَرَى ما لا أرَى". تُريدُ رسولَ الله ﷺ . ومن خواص خديجة ﵂: أنها لم تسُؤْه قط، ولم تغاضبه، ولم ينلها (٣) منه إيلاء (٤) ولا عَتَب قط، ولا هجر (٥)، وكفى به (٦) منقبة وفضيلة. ومن خواصها أنَّها أوَّل امرأة آمنت بالله ورسوله ﷺ من هذه الأُمّة.

стр. 317

فصل * فلما توفاها اللهُ تزوج بعدها سَوْدَة بنت زَمْعَة (١) ﵂، وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدِ وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي. وكبرت عنده، وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة ﵂، فأمسكها. وهذا من خواصها: أنها آثرت بيومها (٢) حِبّ النبي ﷺ ، تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحُبًّا له، وإيثارًا لمقامها معه، فكان يَقْسِم لنسائه، ولا يَقْسِم لها، وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ ، ﵂. * وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر (٣)، ﵂، وعن أبيها، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة ﵁ سنة ثمان وخمسين. ٢٦٤ - ومن خصائصها: أنها كانت أحب أزواج رسول الله

стр. 318

ﷺ إليه، كما ثبت عنه ذلك في البخاري (١) وغيره، وقد سئل: "أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". ومن خصائصها أيضًا: أنه لم يتزوج امرأة بكرًا غيرها. ومن خصائصها: أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لِحَافِها (٢) دون غيرها. ومن خصائصها: أن الله لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال: ٢٦٥ - "ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة" (٣). فاسْتنَّ بها بقيةُ أزواجِه ﷺ ، وقُلْنَ كما قالت. ومن خصائصها: أن الله بَرَّأَها مِمَّا رَمَاهَا به أهْلُ الإفْك، وأنزل في عُذْرِها وبراءتها وحْيًا يُتْلى (٤) في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات،

стр. 319

ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًّا لها، ولا عائبًا لها (١)، ولا خافضًا من شأنها، بل رفعها الله تعالى بذلك، وأعْلى قَدْرها، وعظَّم (٢) شأنها، وصار (٣) لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها. وتأمل هذا التَّشْريف والإكرام النَّاشئ عن فَرْط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت (٤): ٢٦٦ - "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللهُ فيَّ بوحْي يُتْلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يُبرِّئني الله بها". فهذه صِدِّيقة الأُمّة، وأم المؤمنين، وحبُّ رسول الله ﷺ (٥)، تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها (٦) ظالمون لها، مفترون عليها، قد بلغ أذاهم بها إلى أبويها، وإلى رسول الله ﷺ ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها. فما ظنك بمن قد (٧)

стр. 320

صام يومًا أو يومين أو شهرًا وشهرين، وقام ليلة أو ليلتين، وظهر عليه شيء من الأحوال، فلاحظوا (١) أنفسهم بعَيْن استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجَابة الدعوات، وأنهم ممن يُتَبرَّكُ بلقائهم، ويُغتَنم صالح دعائهم، وأنهم يَحبُ على الناس احترامهم، وتعظيمهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم؛ فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقَّصهم في الحال، وأن يؤخذ مِمَّن (٢) أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وأن إساءة (٣) الأدب عليهم ذَنْب لا يكفِّره شيء إلَّا رضاهم (٤)!، ولو كان هذا من وراء كفاية (٥) لهان، ولكن من وراء تخلُّف (٦)؛ وهذه الحَمَاقات والرُّعونات نتائج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصْدرُ من جاهل مُعْجَبٍ بنفسه، غافلٍ عن جُرْمه وذنوبه، مُغْترٍّ بإمهال الله تعالى له عن أخذه بما هو فيه من الكِبْر والإزْرَاء على مَنْ لَعَلَّه عند الله تعالى خيرٌ منه. نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة. وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عند الله حقيرًا.

стр. 321

ومن خصائصها ﵂: أن الأكابر من الصحابة ﵃ كان إذا أشْكَل عليهم الأمر من الدِّيْن اسْتفْتوها، فيجدون علمه عندها (١). ومن خصائصها ﵂: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتها، وفي يومِها، وبين سَحْرِها ونَحْرِها، ودفن في بيتها (٢). ٢٦٧ - ومن خصائصها ﵂: أن الملَك أرَى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سَرقةِ حَريْر، فقال: "إنْ يكن هذا مِن عند الله يُمْضِه" (٣). ومن خصائصها ﵂: أن الناس كانوا يتحرون (٤) بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ ، تقربًا إلى الرسول ﷺ ، فيُتْحِفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه ﵃ أجمعين، وتكنى أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا، ولا يثبت ذلك. * وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب (٥)

стр. 322

﵂ وعن أبيها، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة ﵁، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وممن شهد بدرًا، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين. ٢٦٨ - ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها، فأتاه جبريل فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة" (١).

стр. 323

٢٦٩ - وقال الطبراني في "المعجم الكبير" (١): حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، حدثنا جَدِّي حرملة، حدثنا ابن وهب، حدثني عمرو بن صالح الحضرمي، عن موسى بن عُلَي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر؛ أن النبي ﷺ طلق حفصة، مبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فوضع التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا، فنزل جبرائيل على النبي ﷺ فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمةً لعمر رضي الله تعالى عنه". * وتزوج رسول الله ﷺ أم حَبِيْبة بنت أبي سفيان (٢)، واسمها رَمْلَة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصَّر

стр. 324

بالحبشة (١)، وأتَمَّ اللهُ لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحَبَشة، وأصْدقها عنه النَّجَاشِي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْري فيها إلى أرض الحبشة، وَوَلِيَ نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص. ٢٧٠ - وقد روى مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: وكان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : ثلاث خلال أَعْطِنِيْهنَّ. قال: "نعم". قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: "نعم"، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: "نعم"، قال: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم". قال أبو زميل: "ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئًا إلا قال: نعم". وقد أشْكل هذا الحديث على الناس (٣): فإن أم حبيبة تزوجها

стр. 325

رسول الله ﷺ قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم، زوجها إياه النجاشي، ثم قدمت على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم أبوها، فكيف يقول بعد الفَتْح: أزوِّجك أم حبيبة؟ فقالت طائفة: هذا الحديث كَذب لا أصل له. قال ابن حزم: كَذَبَه عكرمة بن عمار، وحمل عليه (١). واستعظم ذلك آخرون (٢)، وقالوا: أنَّى يكون في صحيح مسلم حديث موضوع، وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يُجدِّد له العقد على ابنته ليبقى له بذلك (٣) وَجْهٌ بين المسلمين. وهذا ضعيف، فإن في الحديث أن النبي ﷺ وعَدَه، وهو الصادق الوعد ﷺ ، ولم ينقل أحد قط أنه جَدَّد العقد على أم حبيبة، ومثل هذا لو كان لنقل، ولو نَقْلُ واحدٍ عن واحدٍ، فحيث لم ينقله أحد قطّ عُلِمَ أنه لم يقع. ولم يزد القاضي عياض على استشكاله، فقال: "والذي وقع في "مسلم" من هذا غريب جدًا عند أهل الخَبَر، وخَبرُها مع أبي سفيان عند ورُودِه المدينة بسبب تَجْدِيد الصلح ودخوله عليها مشهور" (٤). وقالت طائفة (٥): ليس الحديث بباطل، وإنما سأل أبو سفيان

стр. 326

النبي ﷺ أن يزوجه ابنته الأخرى عَزَّة أخت أم حبيبة. قالوا: ولا يبعد (١) أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام، وقد خفي هذا على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله ﷺ أن يتزوجها، فقال: "إنها لا تَحِلُّ لي" (٢)، فأراد أن يتزوج النبي ﷺ ابنته الأخرى، فاشتبه على الراوي، وذهب وهْمُه إلى أنها أم حبيبة، وهذه التَّسْمِية من غَلَط بعض الرُّواة، لا من قول أبي سفيان. لكن يَرُدُّ هذا أن النبي ﷺ قال: "نعم"، وأجابه إلى ما سأل، فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها لقال: إنها لا تحل لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبة، ولولا هذا لكان التأويل في الحديث من أحسن التأويلات. وقالت طائفة: لم يتفق أهل النقل على أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، وهي بأرض الحبشة، بل قد ذكر بعضهم أن النبي ﷺ تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة، حكاه أبو محمد المنذري (٣)، وهذا من أضعف الأجوبة؛ لوجوه: أحدها: أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن، ولا

стр. 327

حكاه أحد ممن يعتمد على نقله. الثاني: أن قصة تزوج (١) أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قد جَرَت مَجْرى التَّواتر، كتزويجه ﷺ خديجة بمكة، وعائشة بمكة، وبنائه بعائشة ﵂ بالمدينة، وتزويجه حفصة ﵂ بالمدينة، وصَفِيَّة ﵂ عام خيبر، وميمونة ﵂ في عمرة القضية، ومثل هذه (٢) الوقائع شهرتها عند أهل العلم مُوْجبة لقطْعِهم بها، فلو جاء سند ظاهرُ الصِّحَّة يخالفها عَدُّوه غَلَطًا، ولم يَلْتفِتُوا إليه، ولا يمكنهم مُكابرة نُفُوسِهم في ذلك. الثالث: أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي ﷺ وأحواله أنه لم يتأخر نكاح أم حبيبة إلى بعد فتح مكة، ولا يقع ذلك في وَهْم أحد منهم أصلًا. الرابع: أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل (٣) على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: ٢٧١ - يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به (٤) عني؟ قالت: والله (٥) بل هو فراش رسول الله ﷺ .

стр. 328

قال: والله (١) لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٢). وهذا مشهور عند أهل المغازي والسِّيَر، وذكره ابن إسحاق (٣) وغيره في قصة قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد الصلح (٤). الخامس: أن أم حبيبة ﵂ كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبيد الله (٥) بن جحش، ثم تنَصَّر زوجها، وهلك بأرض الحبشة، ثم قدمت هي على رسول الله ﷺ من الحبشة، وكانت عنده ولم تكن عند أبيها، وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل. ومن المعلوم أن أباها لم يُسْلِم إلَّا عام الفتح، فكيف يقول: عندي أجملُ العرب أزوجك إياها؟ وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط؟ فإن كان قال له هذا القول قبل إسلامه، فهو مُحَال، فإنها لم تكن عنده، ولم يكن له ولاية (٦) عليها أصلًا، وإن كان قاله بعد إسلامه فمُحَال

стр. 329

أيضًا، لأن نكاحها لم يتأخَّر إلى بعد الفتح. فإن قبل: (بل يتعين أن يكون نكاحها بعد الفتح) (١)، لأن الحديث الذي رواه مسلم صحيح، وإسناده ثقات حفاظ، وحديث نكاحها وهي بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلًا، والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيد ابن إسحاق، فكيف بمراسيله!؟ فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثابتة!؟ وهذه طريقة لبعض المتأخرين في تصحيح حديث ابن عباس هذا. فالجواب من وجوه: أحدها: أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوي النَّقْلَين؛ فيُرجَّح بما ذكره، وأما مع تحقيق بطلان أحد النقلين وتيقّنه فلا يلتفت إليه، فإنه لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسِّيَر والمغازي وأحوال رسول الله ﷺ أن نكاح أم حبيبة لم يتأخر إلى بعد الفتح، ولم يقله أحد منهم قط، ولو قاله قائل لعلموا بطلان قوله، ولم يشكُّوا فيه. الثاني: أن قوله: إن مراسيل ابن إسحاق لا تقاوم الصحيح المسند ولا تعارضه. فجوابه: أن الاعتماد في هذا ليس على رواية ابن إسحاق وحده لا متصلة ولا مرسلة، بل على النقل المتواتر عند أهل المغازي والسِّير (أن أم حبيبة هاجرت مع زوجها، وأنه هلك

стр. 330

نصرانيًّا بأرض الحبشة، وأن النجاشي زوجها النبي ﷺ ، وأمهرها من عنده، وقصتها في كتب المغازي والسير) (١)، وذكرها أئمة (٢) العلم، واحتجوا بها على جواز الوكالة في النكاح. قال الشافعي في رواية الربيع (٣)، في حديت عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: ٢٧٢ - "إذا أنكح الوليان فالأول أحق" (٤). قال: "فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة … ، ٢٧٣ - مع توكيل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري، فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان" (٥). وقال الشافعي في كتابه الكبير أيضًا، رواية الربيع (٦): "ولا يكون الكافر وليًّا لمُسْلمة وإن كانت ابنته (٧)، قد زوج ابن سعيد بن

стр. 331

العاص النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأبو سفيان حَيٌّ، لأنها كانت مُسْلمة وابن سَعِيد مُسْلم، ولا أعلم مسلمًا أقرب بها منه، ولم يكن (١) لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأن الله تعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين، والمواريث والعقل وغير ذلك". وابن سعيد هذا الذي ذكره الشافعي هو خالد بن سعيد بن العاص. ذكره ابن إسحاق، وغيره. وذكر (٢) عروة والزهري أن عثمان بن عفان هو الذي ولي نكاحها، وكلاهما ابن عم أبيها؛ لأن عثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية، وخالد هو ابن سعيد بن العاص بن أمية، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية. والمقصود أن أئمة الفقه والسير (٣) ذكروا أن نكاحها كان بأرض الحبشة، وهذا يبطل وهم من توهم أنه تأخر إلى بعد الفتح، اغترارًا منه بحديث عكرمة بن عمار. الثالث: أن عكرمة بن عمار (٤) راوي حديث ابن عباس هذا قد ضعفه كثير من أئمة الحديث، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ليست أحاديثه بصحاح (٥). وقال الإمام أحمد.

стр. 332

أحاديثه ضعاف. وقال أبو حاتم: "عكرمة هذا صدوق، وربما وهم، وربما دلس". وإذا كان هذا حال عكرمة فلعله دلَّس هذا الحديث عن غير حافظ. أو غير ثقة، فإن مسلمًا في "صحيحه" (١): رواه عن عباس بن عبد العظيم، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، هكذا معنعنًا (٢). ولكن قد رواه الطبراني في "معجمه" (٣)، فقال: حدثنا محمد بن محمد الجذوعي، حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل، قال: حدثني ابن عباس، فذكره. وقال أبو الفرج بن الجوزي في هذا الحديث (٤): "هو وهم من بعض الرواة، لاشك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث، قال: وإنما قلنا: إن هذا وهم؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له وهاجر بها، وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف درهم، وذلك في سنة سبع من الهجرة؛ وجاء أبو

стр. 333

سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت بساط رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا سفيان. آخر كلامه". وقال أبو محمد بن حزم: "هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، ولم يختلف في أن رسول الله ﷺ تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر". فإن قيل: لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث، بل قد توبع عليه، فقال الطبراني في "معجمه" (١): حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا عمر (٢) بن حُلَيف بن إسحاق بن مرسال الخثعمي، قال: حدثني عمي إسماعيل بن مرسال، عن أبي زميل الحنفي، قال: حدثني ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يفاتحونه فقال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. الحديث. فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل، كما رواه عنه عكرمة بن عمار، فبرئ عكرمة من عُهْدة التَّفرد به. قيل: هذه المتابعة لا تفيده قوة، فإن هؤلاء مجاهيل (٣) لا

стр. 334

يُعْرَفون بنقل العلم، ولا هم ممن يُحْتَجُّ بهم، فضلًا عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم، فهذه المتابعة إن لم تزده وهنًا لم تزده قوة، وبالله التوفيق. وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري رحمهما الله تعالى: يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي ﷺ أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر، حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه، فجمعهما الراوي. وهذا أيضًا ضعيف جدًا، فإن أبا سفيان إنما قدم المدينة آمنًا بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح، وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي ﷺ ، ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام الخندق، ولولا الهُدْنَة والصُّلح الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ لم يقدم المدينة، فمتى قدِم وَزوَّجَ النبي ﷺ أم حبيبة؟ فهذا غلط ظاهر. وأيضًا فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره، إذ لا ولاية له عليها، ولا تأخر ذلك إلى بعد إسلامه، لما تقدم، فعلى التقديرين لا يصح قوله: أزوجك أم حبيبة. وأيضًا فإن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت منه في وقت واحد، وأنه قال: ثلاث أعطنيهن .. الحديث، ومعلوم أن سؤاله تأميره، واتخاذ معاوية كاتبًا إنما يُتَصوَّر بعد إسلامه،

стр. 335

فكيف يُقال: بل سأل بعض ذلك في حال كفره، وبعضه هو مسلم؟! وسياق الحديث يَرُدُّه. وقالت طائفة: "بل يمكن حمل الحديث على مَحْمل صحيح يخرج به عن كونه موضوعًا، إذ القول بأن في "صحيح مسلم" حديثًا موضوعًا مِمَّا ليس يَسْهُل. قال: ووجْهُهُ أن يكون معنى "أزوجكها" أرضى بزواجك بها، فإنه كان على رغم مني، وبدون اختياري، وإن كان نكاحك صحيحًا، لكن هذا أجمل وأحسن وأكمل لما فيه تأليف القلوب، قال: وتكون إجابة النبي ﷺ بنعم كانت تأنيسًا له، ثم أخبره بعد بصحة العقد، فإنه لا يشترط رضاك ولا ولاية لك عليها، لاختلاف دينكما حالة العقد. قال: وهذا مما لا يمكن دفع احتماله". ولا يَخْفى شِدَّة بُعْد هذا التأويل من اللفظ، وعدم فهمه منه؛ فإن قوله: "عندي أجمل العرب أزوجكها"، لا يفهم منه أحد أن زَوْجَتَكَ التي هي في عصمة نكاحك أرضى زواجك بها. ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي ﷺ : "نعم"، فإنه إنما (١) سأل من النبي ﷺ أمرًا تكون الإجابة إليه من جهته ﷺ ، فأما رضاه بزواجه بها فأمر قائم بقلبه هو، فكيف يطلبه من النبي ﷺ . ولو قيل: طلب منه أن يقِرّه على نكاحه إياها، وسمى إقراره نكاحًا، لكان مع فساده أقرب إلى اللفظ. وكل هذه تأويلات

стр. 336

مستكرهة (١) في غاية المنافرة لِلَّفْظِ، ولمقصود الكلام. وقالت طائفة: "كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيرًا فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر، أو بعد إسلامه حين كان النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا واعتزلهن، فتوهم أن ذلك الإيلاء طلاق كما توهمه عمر ﵁، فظن وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنبي ﷺ ، متعطفًا له ومتعرضًا، لعله يراجعها، فأجابه النبي ﷺ بنعم، على تقدير: إن امتد الإيلاء، أو وقع طلاق، فلم يقع شيء من ذلك". وهذا أيضًا في الضعف من جنس ما قبله، ولا يخفى أن قوله: "عندي أجمل العرب وأحسنه أزوجك إياها". أنه لا يفهم منه ما ذكر من شأن الإيلاء ووقوع الفُرْقة به، ولا يَصِحُّ أن يُجابَ بنعم، ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقت الإيلاء أصلًا، فإن النبي ﷺ اعتزل في مَشْربة له، حَلَفَ أن لا يدخل على نسائه شهرًا (٢)، وجاء عمر بن الخطاب فاستأذن في الدخول عليه (٣) مرارًا فأذن له في الثالث، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: "لا". فقال عمر: الله أكبر". واشتهر عند الناس أنه لم يطلق نساءه، وأين كان أبو سفيان حينئذ؟.

стр. 337

ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلامًا على هذا الحديث، قال في جملته: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل إسلامه بمدَّة تَتَقدَّم على تاريخ النكاح، كالمشترط ذلك في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطنيهن: أم حبيبة أزوجكها، ومعاوية يسلم فيكون كاتبًا بين يديك، وتؤمرني بعد إسلامي فأقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. وهذا باطل أيضًا من وجوه: أحدها: قوله: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه. فقال: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن. فيا سبحان الله! هذا يكون قد صدر منه وهو بمكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة، وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول الله ﷺ ؟ أو وقت قدومه المدينة وأم حبيبة عند النبي ﷺ لا عنده؟ فما هذا التكلف البارد؟ وكيف يقول وهو كافر: حتى أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين؟ وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم وحربهم وإطفاء نور الله ؟ وهذه قصة إسلام أبي سفيان معروفة، لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا. وبالجملة فهذه الوجوه وأمثالها مما يُعْلم بطلانها واستكراهها (١) وغثاثتها، ولا تفيد الناظر فيها علمًا، بل النظر فيها والتَّعرُّض لإبطالها من مثارات (٢) العلم، والله أعلم.

стр. 338

فالصَّواب أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط، والله أعلم. وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة، وقالت: "إنك مشرك" (١). ومنعته من الجلوس عليه. * وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة (٢)، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (٣) بن مخزوم بن يقظة بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد. توفيت سنة اثنين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا، وقيل: بل (٤) ميمونة. ٢٧٤ - ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي ﷺ وهي عنده، فرأته في صورة دحية الكلبي، ففي "صحيح مسلم" (٥): عن أبي عثمان، قال: "أنبئت أن جبرائيل أتى النبي ﷺ وعنده أم

стр. 339

سلمة، قال: فجعل يتحدث، ثم قام، فقال نبي الله ﷺ لأم سلمة: "من هذا؟ "-أو كما قال- قالت: هذا دحية الكلبي. قالت: أيم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله ﷺ يُخْبرُ خبرنا -أو كما قال-". قال سليمان التيمي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد. وزوجها ابنها عمر من رسول الله ﷺ . وردَّت طائفة ذلك: بأن ابنها لم يكن له من السِّنِّ حينئذ (ما يعقل به التزويج) (١). وردَّ الإمامُ أحمد ذلك وأنكر على مَنْ قاله. ٢٧٥ - ويدل على صحة قوله ما روى مسلم في "صحيحه" (٢): أن عمر بن أبي سلمة ابنها سأل النبي ﷺ عن القُبْلة للصَّائم، فقال: "سَلْ هذه؟ "، يعني أُمَّ سَلَمة، فأخبرته أنَّ رسولَ الله ﷺ يفعله. (فقال: لسْنَا كرسول الله ﷺ يُحلُّ اللهُ لِرَسُولهِ مَا شَاء، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنِّي أتْقَاكُم للهِ وأعْلمكم به") (٣) أو كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغير جِدًّا، وعُمَر وُلِدَ بأرض الحبشة قَبْل

стр. 340

الهجرة. وقال البيهقي: وقول من زعم أنه كان صغيرًا دَعْوى، ولم يثْبُت صِغَره بإسنادٍ صحيح. وقول من زعم أنه زوَّجها (بالبُنُوَّةِ، مقابَلٌ بقول من قال: إنه زوجها) (١) بأنه كان من بني أعمامها، ولم يكن لها ولي هو أقرب منه إليها، لأنه عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقد قيل: إن الذي زوجها هو عمر بن الخطاب، لا ابنها، لأن في غالب الروايات: "قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ ". وعمر بن الخطاب هو كان الخاطب. وَرُدَّ هذا بأن في "النسائي" (٢): فقالت لابنها عمر: "قُم فزوج رسول الله ﷺ ". وأجاب شيخنا أبو الحجاج المِزِّي الحافظ بأن الصحيح في هذا". قم يا عمر، فزوج رسول الله ﷺ ". وأما لفظ: "ابنها" فوقعت من بعض الرواة؛ لأنه لما كان اسم ابنها "عمر" وفي

стр. 341

الحديث: "قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ "، ظنَّ- الرواي أنه ابنها، وأكثر الروايات في المسند (١) وغيره: "قم يا عمر" من غير ذكر (٢) "ابنها" قال: ويدل على ذلك أن ابنها عمر كان صغير السن، لأنه قد صَحَّ عنه أنه قال: كنت غلامًا في حِجْرِ النبي ﷺ ، وكَانتْ يَدِيْ تَطِيْشُ في الصَّحْفَة، فقال النبي ﷺ : ٢٧٦ - "يَا غلام! سَمِّ الله، وكُلْ بيَمِيْنِكَ، وكُل مِمَّا يَلِيْك" (٣). وهذا يدل على صِغر سِنِّه حين كَان رَبِيْبَ النبي ﷺ . والله أعلم. (وذكر ابن إسحاق: أن الذي زوجها ابنها سلمة بن أبي (سلمة) والله أعلم) (٤). * وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش (٥) من بني خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلَّقها، فزوجها

стр. 342

اللهُ إياه من فوق سبع سماوات، وأنزل عليه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام فدخل عليها بلا استئذان. وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ وتقول: ٢٧٧ - "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماواته" (١). وهذا من خصائصها. توفيت بالمدينة سنة عشرين ودفنت بالبقيع. * وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية (٢)، وكانت تحت عبد الله بن جحش، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تُسمَّى أُمّ المَسَاكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلَّا يسيرًا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂. * وتزوج رسول الله ﷺ جُوَيْرِية بنت الحارث (٣)، من بني المصطلق، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة ست وخمسين. ٢٧٨ - وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من

стр. 343

الرقيق، وقالوا: أصْهَار رسول الله ﷺ . وكان ذلك من بَرَكَتِها على قومها (١). * وتزوج رسول الله ﷺ صَفيّة بنت حُيَيّ (٢) من ولد هارون بن عمران أخي موسى ﵉، سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحُقَيْق، فقتله رسول الله ﷺ ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمسين. ٢٧٩ - ومن خصائصها: أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، قال أنس: "أمهرها نفسها" (٣). وصار ذلك سُنَّة للأُمَّة إلى يوم القيامة، يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها، وتصير زوجته، على منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ٢٨٠ - قال الترمذي (٤): حدثنا إسْحاق بن منصور، وعَبْد بن

стр. 344

حُمَيْد، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس، قال: "بَلغَ صفيَّة أنَّ حَفْصَة قالت: صَفيَّة بنت يَهُوديّ، فَبكتْ، فدخل عليها النَّبي ﷺ وهي تَبْكي، فقال: "مَا يُبْكيكِ؟ "، قالتْ: قالتْ لِيْ حَفْصَة: إنِّي ابنةَ يهُودي. فقال النَّبي ﷺ : "إنَّكِ لابْنة نَبِيّ، وإنَّ عمَّكِ لَنَبِيّ، وإنَّكِ لتَحْت نَبِي، فَبمَ تفْخَر عَليْكِ؟ " ثم قال: "اتَّقِ اللهَ يَا حَفصة"، قال الترمذي: "هَذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه". وهذا من خصائصها ﵂. * وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية (١)، تزوجها بِسَرِف وبَنَى بها بسَرِف، وماتت بِسَرِف، وهو على تسعة (٢) أميال من مكة، وهي آخرَ من تزوج من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ فإن أُمَّهُ أم الفَضْل بنت الحارث، وهي خالة خالد بن الوليد أيضًا، وهي التي اختلف في نكاح النبي ﷺ هل نكحها حَلَالًا أو مُحْرِمًا؟ فالصحيح أنه تزوَّجها حلالًا، كما قال أبو رافع السَّفِير في نِكَاحها (٣)، وقد بَيَّنت وَجْه غلط مَن قال: نَكَحَها

стр. 345

مُحْرِمًا، وتقديم حديث من قال: "تزوجها حلالًا" من عشرة أوجه مذكورة في غير هذا الموضع (١). فهؤلاء جُمْلة مَنْ دخل بِهِنَّ من النساء، وهنَّ إحدى عشرة ﵅. قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد ﷺ على سبع ولم يدخل بِهِنَّ (٢). فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهنَّ وتحريمهنَّ على الأُمَّة، وأنَّهن نساؤه ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم يدخل بها، لا يثبت لها أحكام (٣) زوجاته اللاتي دخل بهنَّ، ومات عنهنَّ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليمًا. فصل (٤) وأما الذُّرِّيَّة فالكلام فيها في مسألتين:

стр. 346

المسألة الأولى في لفظها، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من ذرأ الله الخلق، أي: نشرهم وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها استثقالًا، فأصلها: ذُرِّيئة بالهمز، فُعِّيلة (١) من الذرء، وهذا اختيار صاحب الصحاح (٢) وغيره. والثاني: أن أصلها من الذَّرِّ (٣) وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة "ذَرية" بفتح الذال وبالياء، لكنهم ضموا أوله وهمزوا آخره (٤). وهذا من باب تغيير النسب. وهذا القول ضعيف من وجوه: منها: مخالفة باب (٥) النسب، ومنها إبدال الراء ياء، وهو غير مَقِيْس. ومنها: أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء،

стр. 347

وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر. ومنها: أن الذر من المضاعف، والذرية من المعتل أو المهموز، فأحدهما غير الآخر. والقول الثالث: أنها من ذرا يذرو (١): إذا فرَّق، من قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وأصلها على هذا "ذُرِّيوَة" فعلية من الذرو، ثم قلبت الواو ياءً لسبق إحداهما بالسكون. والقول الأول (٢) أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد له. فإن أصل هذه المادة من الذرء، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، وفي الحديث: ٢٨١ - "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ" (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 348

ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣]، فالذُّرِّية فُعِّيْلَة (١) منه، بمعنى مَفْعُولة، أي: مَذْرُوْأَة (٢)، ثم أبدلوا همزها فقالوا: ذُرِّيّة. المسألة الثانية: في معنى هذه اللفظة. ولا خلاف بين أهل اللغة (٣) أن الذرية تقال على الأولاد الصغار، وعلى الكبار أيضًا، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٢ - ٣]. وهل تقال الذرية على الآباء (٤)؟ فيه قولان: أحدهما أنهم يسمون ذرية أيضًا. واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي

стр. 349

الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: ٤١]. وأنكر ذلك جماعةٌ من أهل اللغة، وقالوا لا يجوز هذا في اللغة، والذُّرِّيّة كالنَّسل والعقب لا يكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف. قالوا: وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها، لأن الذُّرِّيَّة فيها لم تُضَفْ (١) إليهم إضافة نَسْلٍ وإيْلَاد، وإنما أضيفت إليهم بوجهٍ ما، والإضافة تكون بأدْنَى ملابسة واخْتِصَاص، وإذا كان الشَّاعر قد أضَافَ الكوكبَ في قوله (٢): إِذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاْحَ بِسَحْرةٍ … سُهَيْل أَذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِب فأضاف إليها الكوكب؛ لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر. والاسم قد يُضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين، وَجهَةُ إضافته إلى أحدهما غيرُ جهَةِ إضافته إلى الآخر، قال أبو طالب (٣) في النبي ﷺ : لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌ … لَدَيْنَا ولا يُعْزَى لِقَوْلِ الأَبَاطِل فأضاف بُنُوّته (٤) إليه بجهةٍ غير جِهَة إضافته إلى أبيه عبد الله،

стр. 350

وهكذا (١) لفظة رسول الله ﷺ ، فإن الله سبحانه يُضيفه إليه تارة، كقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ [المائدة: ١٥]، وتارة إلى المُرْسَل إليهم كقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، فأضافه (٢) سبحانه إليه إضَافَة رسولٍ إلى مُرْسِلهِ، وأضافه (٣) إليهم إضافة رسولٍ إلى مرسَل إليهم. وكذا لفظ "كتابه"، فإنه يضاف إليه تارة، فيقال (٤): كتاب الله. ويضاف إلى العباد تارة، فيقال: كتابنا القرآن، وكتابنا خير الكتب، وهذا كثير. فهكذا لفظ الذُّرِّيَّة، أُضِيْف إليهم بجهة غير الجهة التي أُضِيْف بها إلى آبائهم. وقالت طائفة: بل المراد جنس بني آدم، ولم يقصد الإضافة إلى الموجودين في زمن النبي ﷺ ، وإنما أُرِيْد ذُرِّيَّة الجِنْس. وقالت طائفة: بل المراد بالذرية نفسها، وهذا أبلغ في قدرته وتَعْديد نعمه عليهم، أنْ حَمَلَ دريتهم في الفُلْك في أصْلاب آبائهم، والمعنى: أنَّا حَمَلْنا الذين هم ذُرِّيّة هؤلاء وهم نُطَفٌ في أصلاب الآباء، وقد أشْبَعْنا الكلام على ذلك في كتاب "الروح والنفس" (٥).

стр. 351

إذا ثَبَتَ هذا، فالذُّرِّيَّةُ: الأولادُ وأوْلادُهم، وهل يدخل فيها أوْلاد البَنَات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد (١): أحدهما (٢): يدخلون، وهو (٣) مذهب الشافعي. والثانية: لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة. واحتجَّ مَن قال بدخولهم: بأن المسلمين مُجمعون (٤) على دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذُرِّية النبي ﷺ المطلوب لهم من الله الصَّلاة، لأنَّ أحدًا مِنْ بناته لم يُعقب غيرها، فمَنِ انْتَسَب إليه ﷺ مِن أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة ﵂ خاصَّة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحسن ابن ابنته: ٢٨٢ - "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّد" (٥) فَسمَّاه ابنه. ولمَّا (٦) أنزل الله سبحانه آية المُبَاهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية. ٢٨٣ - دعا النبي ﷺ فاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا، وخَرَجَ للمُبَاهَلَة (٧).

стр. 352

قالوا: وأيضًا فقد قال الله تعالى في حقِّ إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]. ومعلوم أنَّ عيسى ﵊ لم ينْتَسِب إلى إبراهيم إلا من جهة أُمِّه مَرْيَم ﵍. وأما من قال بعدم دخولهم: فَحُجَّتُه أنَّ ولَدَ البَنَاتِ إنَّما ينتسبون إلى آبائهم حقيقة، ولهذا إذا أولد (١) الهُذَليّ أو التَّيْمِيّ أو العَدَوِي هَاشِميّة لم يكن ولدها هاشميًا، فإن الولد في النسب يتبع أباه، وفي الحُرِّيَّة والرِّقّ أُمّه، وفي الدِّيْن خيرهما دِيْنًا، ولهذا قال الشاعر (٢): بَنُوْنَا بَنُو أبْنَائِنَا، وبَنَاتُنا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ ولو وصَّى أو وقَف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد (٣) بناتها من غيرها. قالوا: وأما دخول أولاد (٤) فاطمة ﵂ في ذُرية النبي ﷺ ؛ فَلِشَرَفِ هذا الأصل العظيم والوالد الكريم، الذي لا

стр. 353

يُدانيه أحد من العالمين، سَرَى ونَفَذَ إلى أولاد البنات لقُوَّته وجلالته وعِظَمِ قَدْره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجَنَاب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسْري حُرْمة إيلادهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم، فتلْحظهم العيون بلحْظ أبنائهم، ويكادون يضربون (١) عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظنُّ بهذا الإيلاد، العظيم قدره الجليل خطره؟. قالوا: وأما تَمسُّككم بدخول المسيح في ذُرية إبراهيم ﵊ فلا حُجَّة لكم فيه، فإن المسيح ﵇ لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أُمُّه مقام أبيه (ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى أُمِّه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه) (٢)، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب، إما (٣) بلعان أو غيره، قامت أُمُّه في النَّسب مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه الحال عَصبته في أصح الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵁، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود (٤) ﵁ وغيره، والقياس يشهد له بالصحَّة؛ لأنَّ

стр. 354

النَّسبَ في الأصل للأب، فإذا انقطع مِن جهَته عاد إلى الأُمّ، فلو قُدِّرَ عَوْدُه مِن جهة الأب رجع من الأمّ إليه، وهكذا كما اتفق الناس عليه في الولاء أنه لموالي الأب، فإن تعذَّر رجوعه (١) إليهم صار لِمَوالي الأمّ، فإن أمكن عَوْدُه إليهم رجع من موالي الأمّ إلى مَعْدَنِهِ وَقَرارِه (٢). ومعلوم أنَّ الولاء فرع على النَّسب يُحْتدْى فيه حَذوه، فإذا كان عَصَبَات الأُمّ من جهة (٣) الولاء عصبات لهذا المولى الذي انقطع تَعْصِيْبه من جهة موالي أبيه؛ فلأن تكون عصبات الأُمّ من النَّسب عصبات لهذا الولد الذي انقطع تعصيبه من جهة أبيه بطريق الأولى، وإلَّا فكيف يثبت هذا الحكم في الولاء ولا يثبت في النسب الذي غايته أن يكْون مُشَبَّهًا به ومُفَرَّعًا عليه؟! وهذا مِما يَدلُّ على أنَّ القياس الصحيح لا يفارق النَّص أصلًا، ويَدُلُّك على عُمْق عِلْم الصحابة ﵃، وبلوغهم في العلم إلى غايةٍ يَقْصُر عن نيْلها السُّبَّاق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (٤).

стр. 355

الفصل الخامس (١) في ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﷺ - وهذا الاسم من النَّمَط المتقدم، فإن إبراهيم بالسِّرْيانية معناه "أبٌ رحيم". والله جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم (٢)، فإن أبانا الأول آدم ﵇، والأب الثاني نوح ﵇، وأهل الأرض كلهم من ذُرِّيته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وبهذا يتبين كَذِب المفترين من العَجَمِ الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ﵇ ولا ولده، ولا ينتسبون (٣) إليه، وينسبون (٤) ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحًا ﵇ في أنسابهم، وقد أكذبهم الله في ذلك. فالأب (٥) الثالث أبو (٦) الآباء وعمود العالم، وإمام الحُنَفاء
следующие страницы →