← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣٥]، وقال الخليل وابنه إسماعيل في دعائهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، ٣٢١ - وكان النبي ﷺ يقول: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" (١)، مائة مرة في مجلسه. وقال لعائشة ﵂ وقد سألته: إن وافقت ليلة القدر ما أدعو به؟ قال: ٣٢٢ - "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (٢). وقال للصِّدِّيق ﵁، وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته: "قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثيْرًا ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فاغْفِرْ لِيْ مَغْفِرَة مِن عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ

стр. 422

الرَّحِيْمُ" (١). وهذا كثير قد ذكرناه في كتاب "الرُّوْح والنَّفْس"، وما قاله الناس في قول المسيح ﵊: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل الغفور الرحيم، وقول الخليل: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]. فلما كان المطلوب للرسول ﷺ حمدًا ومجدًا (٢) بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي "الحميد المجيد". وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلًا له (٣)، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذَيْنك الوصْفين للرب بطريق الأوْلى، وكلُّ كَمَال في العبد غير مسْتلزم للنَّقصْ، فالرَّبُّ أحَقُّ به، وأيضًا فإنه لما طُلِبَ للرسول حمدٌ ومجدٌ بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه، ختم هذا المطلوب بالثناء على مُرْسِله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء مُتَضَمِّنًا لطلب الحمد والمجد للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، والإخبار عن ثبوته للرب (٤) .

стр. 423

الفصل العاشر في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بألفاظ مختلفة؛ كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظها، وأنواع الأذكار بعد الاعتدال من الركوع والسجود، ومنه هذه الألفاظ التي رويت في الصلاة على النبي ﷺ - قد سَلَكَ بَعْضُ المتأخِّرين (١) في ذلك طريقة في بعضها، وهو أنَّ الدَّاعيَ يُسْتَحَبُّ له أنْ يجمعَ بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك (٢) أفضل ما يُقَالُ فيها، فرأى أنه يستحب للداعي بدعاء الصدِّيق ﵁ أن يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيْرًا كَبيْرًا"، ويقول المصلي على النبي ﷺ : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته وارحم محمدًا وآل محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وكذلك في البركة والرحمة.

стр. 424

ويقول في دعاء الاستخارة: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيرٌ ليْ في دِيْني وَمَعَاشِي وعَاقِبَة أمْرِي وعَاجل أمْرِي وآجِله" (١) ونحو ذلك. قال: لِيُصيبَ ألفاظ النبي ﷺ يقينًا فيما شَكَّ فيه الرَّاوي، ولتجتمعَ له ألفاظ (٢) الأدعية الأُخَر فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا (٣): هذا ضعيف من وجوه: أحدها: أنَّ هذه طريقة مُحْدَثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين. الثاني: أنَّ صاحبها إنْ طَرَدَها لَزِمَه أن يَسْتحِب للمصلي أنْ يَسْتفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد لجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعًا، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبَّه أحد من أهل العلم، وهو بِدْعَة، وإن لم يطْردها تناقض وفَرَّقَ بين متماثلين. الثالث: أنَّ صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتَّالي أن يجمع بين القراءات المتنوِّعة في التِّلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين مُتَّفقُون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عِبَادة وتَدَبُّر، وإنما

стр. 425

يفعل ذلك القراء أحيانًا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع (١) القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إياها، والتَّمكُّن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبُّد يُستحَبُّ لكل تَالٍ وقارئ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأيِّ حرف شاء، وإن (٢) شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك، وكذا (٣) الداعي إذا قال: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" مرة، ومرة قال: "كبيرًا" جاز ذلك، وكذلك الداعي إذا صلى على النبي ﷺ مرة بلفظ هذا الحديث، ومرة باللفظ (٤) الآخر، وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهَّد بتشهُّد ابن مسعود (٥)، وإن شاء بتشهد ابن عباس (٦)، وإن شاء بتشهد ابن عمر (٧)، وإن شاء بتشهد عائشة (٨)؛ ﵃ أجمعين.

стр. 426

وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث عَلِيّ (١)، وإن شاء بحديث أبي هريرة (٢) وإن شاء باستفتاح عمر (٣)، وإن شاء فعل هذا مرة، وهذا مرة وهذا مرة. وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء قال: "اللهم ربنا لك الحمد" (٤)، وإن شاء قال: "ربنا لك الحمد" (٥)، وإن شاء قال: "ربنا ولك الحمد" (٦)، ولا يستحب له أحد (٧) أن يجمع بين ذلك كله. وقد احتج غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها، بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم: عن النبي ﷺ أنه قال: ٣٢٣ - "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (٨).

стр. 427

فجوَّز النبي ﷺ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شافٍ كافٍ" (١)، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلون. الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي ﷺ ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول، ففعل ما لم يفعله قطعًا. ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة (٢)، فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ : ٣٢٤ - "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني

стр. 428

ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال: "وعاجل أمري وآجله"، بدل: "وعاقبة أمري"، والصحيح اللفظ الأول، وهو قوله: "وعاقبة أمري" لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله: "ديني ومعاشي، وعاقبة أمري" فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارًا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه؛ فإن المعاش هو عاجل الأمر، والعاقبة آجله. ٣٢٥ - ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قَرَأَ عَشْر آياتٍ مِنْ أوَّلِ سُوْرَة الكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتنة الدَّجَّال"، رواه مسلم (١). واختلف فيه، فقال بعض الرواة (٢): "من أول سورة الكهف" (٣)، وقال بعضهم (٤): "من آخرها"؛ وكلاهما في

стр. 429

"الصحيح" (١)، لكن الترجيح لمن قال: "من أول سورة الكهف" لأن في "صحيح مسلم" (٢) من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان في قصة الدجال: ٣٢٦ - "فَإذَا رأيْتُمُوه فَاقْرَأوا عَلَيْه فَوَاتِحَ سُوْرَة الكَهْفِ" ولم يُخْتلف في ذلك، وهذا يدل على أنَ مَنْ روى العشر من أوِّل السورة حفظ الحديث، ومن روى من آخرها لم يحفظه. الخامس: أنَّ المقصود إنما هو المَعْنَى، والتَّعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبَّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة. السادس: أن أحد اللفظين بَدَلٌ عن الآخر، فلا يُستحَب الجمع بين البَدَلِ والمُبْدَلِ معًا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال، والله أعلم.

стр. 430

الباب الثالث (١) في مواطن الصلاة على النبي ﷺ التي يتأكَّدُ طلبها إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا مُؤَكَّدًا الموطن الأول: وهو أهمها وآكدها في الصلاة في آخر التشهد وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها. فقالت طائفة: ليس بواجب فيها، ونسبوا من أوجبه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، منهم الطحاوي (٢)، والقاضي عياض (٣)، والخطابي (٤)، فإنه قال: "ليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له قُدْوة"، وكذلك ابن المنذر (٥) ذكر أن الشافعي تَفَرَّدَ بذلك، واختار (٦) عدم الوجوب. واحتج أرباب هذا القول بأنْ قالوا -واللفظ لعياض-: "والدليل على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست من فروض الصلاة

стр. 431

عمل السلف الصالح قبل الشافعي، وإجماعهم عليه، وقد شَنَّع الناس عليه المسألة جدًا، وهذا تشهد ابن مسعود ﵁ الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إياه، ليس فيه الصلاة على النبي ﷺ ، وكذلك كل من روى التشهد عن النبي ﷺ ؛ كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃؛ لم يذكروا فيه الصلاة على النبي ﷺ . وقد قال ابن عباس (١)؛ وجابر (٢): ٣٢٧ - كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. ونحوه عن أبي سعيد (٣). ٣٢٨ - وقال ابن عمر: "كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر، كما تعلِّمُون الصبيان في الكُتَّاب" (٤).

стр. 432

٣٢٩ - وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه أيضًا على المنبر (١) ". يعني وليس في شيء من ذلك أمرهم فيه بالصلاة على النبي ﷺ . قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢). "ومن حجة من قال بأن الصلاة على النبي ﷺ ليست فرضًا (٣) في الصلاة: ٣٣٠ - حديث الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، أخذ علقمة بيدي فقال: إن عبد الله أخذ بيدي (وقال إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي) (٤) كما أخذت بيدك، فعلمني التشهد، فذكر الحديث إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، قال: "فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد (٥) ".

стр. 433

قالوا: ففي هذا الحديث ما يشهد لمن لم يَرَ الصلاة على النبي ﷺ في التشهد واجبة، ولا سُنَّة مسنونة، وأن من تشهد فقد تمت صلاته، إن شاء قام وإن شاء قعد. قالوا: لأن ذلك لو كان واجبًا، أو سنة في التشهد، لَبيَّن النبي ﷺ ذلك وذكره". ٣٣١ - قالوا: وأيضًا فقد روى أبو داود، والترمذي، والطحاوي من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو أحدث" (١)، واللفظ لحديث الطحاوي، وعندكم لا تمضي صلاته حتى يصلي على النبي ﷺ . قالوا: وقد روى عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁: "إذا جلس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته" (٢).

стр. 434

(ومن حجتهم أيضًا: حديث الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود في التشهد قال: "ثُمَّ لِيتخَيَّر مَا أحَبَّ مِنَ الكَلَام" (١) يعني ولم يذكر الصلاة عليه ﷺ ) (٢). ٣٣٢ - ومن حجتهم أيضًا: حديث فَضَالَة بن عُبَيْد (٣): أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "عجل هذا"، ثم دعاه، فقال له أو (٤) لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على محمد وآل (٥) محمد، ثم يدعو بما شاء". قالوا: ففي حديث (٦) فضالة هذا أن النبي ﵌ لم يأمر هذا المصلي - الذي ترك الصلاة عليه ﷺ بالإعادة، لأنها لو كانت فرضًا لأمره بإعادة الصلاة، كما أمر الذي لم يتم ركوعه ولا سجوده بالإعادة.

стр. 435

واحتج هؤلاء أيضًا بأن النبي ﷺ لم يعلمها المسيء في صلاته (١)، ولو كانت من فروض الصلاة التي لا تصحُّ الصلاة إلا بها لعلَّمه إيَّاها كما علَّمه القراءة والركوع والسجود والطمأنينة في الصلاة. واحتجوا أيضًا بأن الفرائض إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله، أو بإجماع (٢) مِمَّن تقوم الحُجَّة بإجماعهم. فهذا أجَلُّ (٣) ما احتجَّ به النفاة وعمدتهم. ونازعهم آخرون في ذلك نقلًا واستدلالًا، وقالوا: أما نسبتكم الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة إلى الشُّذوذ ومخالفة الإجماع، فليس بصحيح، فقد قال بقوله جماعة من الصحابة ومن بعدهم. ٣٣٣ - فمنهم عبد الله بن مسعود (٤)، فإنه كان يراها واجبة في الصلاة، ويقول: "لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي ﷺ ".

стр. 436

ذكره ابن عبد البر (١) عنه في "التمهيد" وحكاه غيره أيضًا (٢). ٣٣٤ - ومنهم أبو مسعود البدري (٣)، روى عثمان بن أبي شيبة وغيره: عن شريك، عن جابر الجعفي، عن أبى جعفر محمد بن علي، عن أبي مسعود قال: ما أرى أن (٤) صلاة لي تمت حتى أصلي على محمدٍ وعلى آل محمد". ٣٣٥ - ومنهم عبد الله بن عمر، ذكره الحسن بن شبيب المعمري: حدثنا علي بن ميمون، حدثنا خالد بن حيان (٥)، عن جعفر بن برقان (٦)، عن عقبة بن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: "لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي ﷺ ، فإن

стр. 437

نسيت شيئًا من ذلك، فاسجد سجدتين بعد السلام" (١). ٣٣٦ - وقال (٢): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي جعفر، قال: قال أبو مسعود البدري: ما أرى أن صلاة لي تمت لا أصلي فيها على محمد ﷺ . ومن التابعين: أبو جعفر محمد بن علي (٣)، والشعبي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥). ومن أرباب المذاهب المتبوعين إسحاق بن راهويه، قال: "إن تركها عمدًا لم تصح صلاته، وإن تركها سهوًّا رجوت أن تجزئه". قلت: عن إسحاق في ذلك روايتان، ذكرهما عنه حرب في "مسائله" قال: "باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد". قال: "سألت إسحاق قلت: الرجل إذا تشهد فلم يصل على النبي ﷺ ؟

стр. 438

قال: أما أنا فأقول: إن صلاته جائزة. وقال الشافعي: لا تجوز صلاته، ثم قال: أنا أذهب إلى حديث الحسن بن الحرّ، عن القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث ابن مسعود (١) ﵁، قال حرب: سمعت (٢) أبا يعقوب -يعني إسحاق- يقول: "إذا فرغ من التشهد- إمامًا كان أو مأمومًا - صلى على النبي ﷺ لا يجزئه غير ذلك، لقول أصحاب النبي ﷺ : ٣٣٧ - قد عرفنا السلام عليك -يعني في التشهد والسلام فيها- فكيف الصلاة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفَسَّر النبي ﷺ كيف هي؟ فأدنى ما ذكر عن النبي ﷺ في الصلاة عليه يكفيه، فليقله بعد التشهد، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ في الجلسة الأخيرة عملان هما عدلان، لا يجوز لأحد أن يترك واحدًا منهما عَمْدًا، وإن كان ناسيًا رجونا أن تجزئه، مع أن بعض علماء الحجاز قال: لا يجزئه ترك الصلاة على النبي ﷺ وإن تركه أعاد الصلاة". تَمَّ كلامه. وأما الإمام أحمد (٣)، فاختلفت الرواية عنه، ففي "مسائل المَرُّوْذِي (٤) ". قيل لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: "لو أن رجلًا ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد بطلت صلاته؟. قال: "ما

стр. 439

اجترئ أن أقول هذا". وقال مرة: "هذا شذوذ". وفي مسائل أبي زرعة الدمشقي (١)، قال أحمد: "كُنْتُ أتهيَّب ذلك، ثم تَبيَّنْتُ، فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة". وظاهر هذا أنه رجع عن قوله بعدم الوجوب. وأما قولكم: الدليل (٢) على عدم وجوبها عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه. فجوابه: أن استدلالكم إما أن يكون بعمل الناس في صلاتهم، وإما بقول أهل الإجماع: إنها ليست بواجبة. فإن كان الاستدلال بالعمل فهو من أقوى حججنا عليكم، فإنه لم يزل عمل الناس مستمرًا قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وعصرًا بعد عصر على الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد، وإمامهم ومأمومهم ومنفردهم، ومفترضهم ومتنفلهم، حتى لو سئل كل مصل هل صليت على النبي ﷺ في الصلاة؟ لقال: نعم. وحتى لو سَلَّم من غير صلاةٍ على النبي ﷺ وعلم المأمومون (٣) منه ذلك، لأنكروا ذلك (٤) عليه، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. فالعمل أقوى حجة عليكم، فكيف يسوغ لكم أن تقولوا: عمل السلف الصالح قبل الشافعي ينفي الوجوب؟ أفترى السلف الصالح كلهم ما كان أحد منهم قط

стр. 440

يصلي على النبي ﷺ في صلاته؟! وهذا من أبطل الباطل. وأما إن كان احتجاجكم بقول أهل الإجماع (١): إنها ليست بفرض. فهذا مع أنه لا يسمى عملًا لم يعلمه (٢) أهل الإجماع، وإنما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، وغايته أنه قول كثير من أهل العلم، وقد نازعهم في ذلك آخرون من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب كما تقدم، فهذا ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وجعفر بن محمد، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في آخر قوليه، يوجبون الصلاة عليه ﷺ في التشهد، فأين إجماع المسلمين مع خلاف هؤلاء؟ وأين عمل السلف الصالح، وهؤلاء من أفاضلهم ﵃؟ ولكن هذا شأن من لم يتتبع مذاهب العلماء، ويعلم مواقع الإجماع والنزاع. وأما قوله: "قد شَنَّع الناس المسألة على الشافعي جدًا"، فَيَا سُبْحان الله! أيُّ شناعة عليه في هذه المسألة؟ وهل هي إلا من محاسن مذهبه؟ ثم (٣) لا يستحي المشنِّع عليه مثلَ هذه المسألة من المسائل التي شُنْعَتُها ظاهرة جدًا، يعرفها من عرفها من المسائل التي تخالف النصوص، أو تخالف الإجماع السابق؛ أو القياس، أو المصلحة الراجحة؟ ولو تُتُبِّعَتْ لبلغت مِئِين، وليس تَتَبُّع المسائل

стр. 441

المستبشعة (١) من عادة أهل العلم فَيُقتدى بهم في ذِكرِها وعَدِّها، والمُنْصِفُ خَصْمُ نفسه. فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة؟ أم أي سنة؟ أم أي إجماع؟ ولأجل أن قال قولًا اقتضته الأدلة وقامت على صِحَّتِه، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف؛ إِمَّا تَمَام واجباتها، أو تمام مستحباتها، فهو ﵁ رأى أنه من تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها بعد ذلك، فلا إجماعًا خَرَقَه، ولا نصًّا خالفه، فمن أيّ (٢) وجه يشنع عليه؟ وهل الشناعة إلا بمن شنَّع عليه أليَق، وبه ألْحَق؟. وأما قوله: "وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إيَّاه (٣) .. " إلى آخره. فهكذا رأيته في النسخة "الذي اختاره الشافعي"، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس، أما تشهد ابن مسعود ﵁، فأبو حنيفة وأحمد اختاراه، ومالك اختار تشهد عمر. وبالجملة فجواب ذلك من وجوه: أحدها: أنا نقول بموجب هذا الدليل، فإن مقتضاه وجوب التشهد، ولا ينفي وجوب غيره، فإنه لم يقل أحد (٤): إن

стр. 442

هذا التشهد هو جميع الواجب من الذِّكْر في هذه القَعْدة، فإيجاب الصَّلاة على النبي ﷺ بدليل آخر لا يكون معارضًا بترك تعليمه في أحاديث التشهد. الثاني: أنكم تُوجبون السَّلام من الصَّلاة، ولم يعلِّمهم النبي ﷺ إيَّاه في أحاديث التشهد. ٣٣٨ - فإن قلتم: إنما وجب السلام بقوله ﷺ (١): "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قيل لكم: ونحن أوجبنا الصلاة على النبي ﷺ بالأدلة المقتضية لها، فإن كان تعليم التشهد وحده مانعًا من إيجاب الصلاة على النبي ﷺ كان مانعًا من إيجاب السلام؛ وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة. الثالث: أن النبي ﷺ كما علمهم التشهد علمهم الصلاة عليه، فكيف يكون تعليم التشهد دالًا على وجوبه، وتعليمه الصلاة لا يدل على وجوبها؟ فإن قلتم: التشهد الذي علمهم إياه هو تشهد الصلاة، ولهذا قال فيه: ٣٣٩ - "فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله" (٢)، وأما

стр. 443

تعليم الصلاة عليه ﷺ فمطلق. قلنا: والصلاة التي علمهم إياها عليه ﷺ هي في الصلاة أيضًا لوجهين: أحدهما: حديث محمد بن إبراهيم التيمي (١)، وقوله: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟. وقد تقدم في الباب الأول. الثاني: أن الصَّلاة التي سألوا النَّبي ﷺ أنْ يُعلمهم إياها نظير السَّلام الذي علموه، لأنهم (٢) قالوا: ٣٤٠ - "هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ " (٣)، ومن المعلوم أن السلام الذي علموه هو قولهم في الصلاة: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فوجب أن تكون الصلاة المقرونة به (٤) هي في الصلاة. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام تقرير ذلك. الرابع: أنَّه لو قُدِّرَ أنَّ أحاديث التَّشهد تنفي وجوب الصلاة على النبي ﷺ ؛ لكانت أدلة وجوبها مُقَدَّمة على تلك، لأنَّ نفيها

стр. 444

مُبْق (١) على استصحاب (٢) البراءة الأصلية، ووجوبها ناقل عنها، والناقل مقدم على المُبْقِي، فكيف (٣) ولا تعارض، فإنَّ غاية ما ذكرتم من تعليم التشهد أدلة ساكتة عن وجوب غيره، وما سكت عن وجوب شيء لا يكون معارضًا لما نطق بوجوبه، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليه. الخامس: أنَّ تعليمهم التشهد كان مُتَقَدِّمًا، بل لعَلَّه من (٤) حين فرضت الصلاة. وأما تعليمهم الصلاة عليه فإنه كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، ومعلوم أن هذه الآية نزلت في الأحزاب بعد نكاحه زينب بنت جحش، وبعد تخييره أزواجه، فهي بعد فرض التشهد، فلو قدر أن فرض التشهد كان نافيًا لوجوب الصلاة عليه ﷺ لكان منسوخًا بأدلة الوجوب، فإنها متأخرة. والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن (٥) هذا يقتضي تقديم أدلة الوجوب لتأخرها، والذي قبله يقتضي تقديمها لرفعها البراءة الأصلية، من غير نظر إلى تقدم (٦) ولا تأخر، والذي يدل على تأخر

стр. 445

الأمر بالصلاة عن التشهد قولهم: ٣٤١ - "هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ " ومعلوم أن السلام عليه مقرون بذكر التشهد. لم يشرع في الصلاة وحده بدون ذكر التشهد، والله أعلم. وأما قوله: "ومن حُجَّة من لم يرها فرضًا في الصلاة حديث (١) الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث ابن مسعود، وفيه: ٣٤٢ - "فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ . فجوابه من وجوه: أحدها: - أن هذه الزِّيادة مُدْرَجة في الحديث، ليست من كلام النبي ﷺ ، بَيَّن ذلك الأئمة الحفاظ. قال الدارقطني في كتاب "العلل" (٢): "رواه الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبد الله؟ حدث به عنه محمد بن عجلان، وحسين الجعفي، وزهير بن معاوية، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. فأما ابن عجلان، وحسين الجعفي فاتفقا على لفظه، وأما زهير فزاد عليهما في آخره كلامًا أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث النبي ﷺ ، وهو قوله: (إذا قضيت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت

стр. 446

صلاتك إن شئت أن تقوم فقم). ورواه شبابة بن سوار، عن زهير، ففصل بين لفظ النبي ﷺ ، وقال فيه عن زهير: قال ابن مسعود هذا الكلام. وكذلك رواه ابن (١) ثوبان، عن الحسن بن الحر وبَيَّنه، وفَصَل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وهو الصواب". وقال في كتاب "السنن" (٢) وقد ذكر حديث زهير، عن الحسن بن الحر هذا، وذكر الزيادة، ثم قال: "أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي ﷺ ، وفَصَلَه شَبَابَة عن زهير، وجعله من كلام عبد الله ﵁، وقوله أشْبه (٣) بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي ﷺ ؛ لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره (٤) في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك" - ثم ذكر رواية شبابة وفصله كلام عبد الله من حديث النبي ﷺ ثم قال: "شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، جعله من قول عبد الله بن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج

стр. 447

آخره (١) في كلام النبي ﷺ . وقد تابعه غسَّان بن الربيع وغيره، فرواه عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي ﷺ ". وذكر أبو بكر الخطيب هذا الحديث في كتاب "الفصل للوصل" (٢) له. وقال: "قول من فصل كلام النبي ﷺ من كلام ابن مسعود، وبَيَّن أن الصواب أن هذه الزيادة مدرجة". فإن قيل: فأنتم قد رويتم عن ابن مسعود ﵁؛ أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الصلاة، وهذا الذي ساعدناكم على أنه من قول ابن مسعود ﵁ يبطل ما رويتم عنه. فإن كان الحديث من كلام النبي ﷺ فهو نص في عدم وجوبها، وإن كان من كلام ابن مسعود ﵁ فهو مبطل لما رويتموه عنه. فهذا سؤال قوي، وقد أجيب عنه بأجوبة: أحدها: قال القاضي أبو الطيب: قوله: "فإذا قلت هذا فقد

стр. 448

قضيت صلاتك"، معناه أنها قاربت التمام، والدليل على ذلك أنا أجمعنا على أن الصلاة لم تتم (١). وهذا جواب ضعيف، لأنه قال: "فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وعند من يُوجبُ الصلاة (٢) على النبي ﷺ لا يُخَيِّرُ بين القيام والقعود حتى يأتي بِهَا. الجواب الثاني: أن هذا حديث خرج على معنى في التشهد، وذلك أنهم كانوا يقولون في الصلاة: السلام على الله، فقيل لهم: إن الله هو السلام، ولكن قولوا كذا، فعلمهم التشهد، ومعنى قوله: "إذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك"، يعني إذا ضُمَّ إليها ما يجبُ فيها من ركوع وسجود وقراءة وتسليم وسائر أحكامها، ألا ترى أنه لم يذكر التسليم من الصلاة، وهو من فرائضها، لأنه قد وقفهم على ذلك، فاستغنى عن إعادة ذلك عليهم. ٣٤٣ - قالوا: ومثل حديث ابن مسعود هذا قوله ﷺ في الصدقة (٣): "إنَّها تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُردُّ (٤) عَلَى فُقَرَائِهِم" (٥). أي

стр. 449

ومن ضُمَّ إليهم، وسُمِّي معهم في القرآن، وهم الثمانية الأصناف. ٣٤٤ - قالوا: ومثل ذلك قوله في حديث المسيء في صلاته (١): "ارْجع فَصَلِّ فإنِّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثم أمره بفعل ما رآه لم يأت به، أو لمَ يُقمْه من صلاته فقال: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاة" فذكر الحديث، وسكت له (٢) عن التشهد والتسليم. وقد قام الدليل من غير هذا الحديث على وجوب التشهد، ووجوب التسليم عليه ﷺ بما علمهم من ذلك، كما يعلمهم السورة من القرآن، وأعلمهم أن ذلك في صلاتهم، وقام الدليل أيضًا في التسليم بأنه إنما يُتَحَلَّلُ من الصلاة به، لا بغيره من غير هذا الحديث (٣)، فكذلك (٤) الصلاة على النبي ﷺ مأخوذة (٥) من غير ذلك الحديث. قالوا: وكما جاز لمن جعل التشهد فرضًا، لحديث ابن مسعود ﵁ هذا، وردَّ على من خالفه، وقال: إذا قعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد، وعلى من قال: إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة (٦) فقد تمت صلاته، بأن ابن

стр. 450

مسعود ﵁ إنَّما علَّق التَّمام في حديثه بالتشهد = جاز لمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ أن يحتج بالأحاديث الموجبة لها، وتكون حجته منها على من نفى وجوبها كالحجة من حديث ابن مسعود ﵁ على من نفى وجوب التشهد، أو وجوب (١) القعدة معه. قالوا: واستدلالنا أقوى من استدلالكم، فإنه استدلال بكتاب الله وسُنَّة رسوله، وعمل الأُمَّة قَرْنًا بعد قرن، فإن لم يكن ذلك أقوى من الاستدلال على وجوب التشهد، لم يكن دونه، وإن كان من الفقهاء من ينازعنا في هذه المسألة، فهو كمن ينازعكم من الفقهاء في وجوب التشهد، والحجة في الدليل أين كان، ومع من كان. الجواب الثالث: أنه لا يمكن أحدًا ممن ينازعنا (٢) أن يحتج علينا بهذا الأثر، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فإنه (٣) يقال لمن احتج به: لا يخلو إما أن يكون قوله: "إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك" مقتصرًا عليه، أو مضافًا إلى سائر واجباتها، والأول محال وباطل، والثاني حق، ولكنه لا ينفي وجوب شيء مما (٤) تنازع فيه الفقهاء من واجبات الصلاة، فضلًا عن نفيه (٥) وجوب الصلاة على النبي

стр. 451

ﷺ ، ولهذا كان التسليم من تمام الصلاة وواجباتها عند مالك، وكذا الجلوس للتشهد، ولم (١) يذكره، وكذا إن كان عليه سهو واجب فإنه لا تتم الصلاة إلا به، ولم يذكره. يُوَضِّحُه (٢) الجواب الرابع: أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن التشهد ليس بفرض، بل إذا جلس مقدار التشهد فقد تمت صلاته، تشهد أو لم يتشهد، والحديث دليل على أن الصلاة لا تتم إلا بالتشهد. فإن كان استدلالكم بأنه علق التمام بالتشهد فلا تجب الصلاة بعده صحيحًا، فهو حجة عليكم في قولكم بعدم وجوب التشهد؛ لأنه علق به التمام، وبطل قولكم بنفي فرضية (٣) التشهد، وإن لم (٤) يكن الاستدلال به صحيحًا بطل معارضة (٥) أدلة الوجوب به، وبطل قولكم بنفي الصلاة على النبي ﷺ ، فبطل قولكم على التقديرين. فإن قلتم (٦): نحن نجيب عن هذا بأن قوله: "فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك"، المراد به تمام الاستحباب، وتمام الواجب قد انقضى بالجلوس.

стр. 452

قيل لكم: هذا فاسد على قول من نفى وجوب (١) الصلاة، وعلى قول من أوجبها، لأن من نفى وجوبها لا ينازع في أن تمام الاستحباب موقوف عليها، وأن الصلاة لا تَتِمُّ التمام المستحب إلا بها، ومن أوجبها يقول: لا تَتِمُّ التمام الواجب إلا بها، فعلى التقديرين لا يمكنكم الاستدلال بالحديث أصلًا. قوله: روى أبو داود، والترمذي حديث عبد الله بن عمرو (٢)، وفيه. ٣٤٥ - "إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته" جوابه من وجوه: أحدها: أن الحديث معلول. وبيان تعليله من وجوه:. أحدها: أن الترمذي قال: "ليس (٣) إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده". الثاني: أنه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. الثالث: أنه من رواية بكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو،

стр. 453

ولم يلقه (١)، فهو منقطع. الرابع: أنه مضطرب الإسناد، كما ذكره الترمذي. ٣٤٦ - الخامس (٢): أنه مضطرب المتن، فمرة يقول: "إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته"، ولفظ أبي داود، والترمذي غير هذا، وهو: ٣٤٧ - "إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته"، وهذا غير لفظ الطحاوي. ٣٤٨ - ورواه الطحاوي أيضًا بلفظ آخر فقال: "إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو، أو أحد ممن ائتمَّ (٣) بالصلاة معه قبل أن يسلم الإمام فقد تَمَّت صلاته، فلا يعود فيها"، فهذا معناه غير معنى الأول. قال الطحاوي: وقد روي بلفظ آخر: ٣٤٩ - "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته". وكلها مدارها على الإفريقي، ويوشك أن يكون هذا من سوء حفظه، والله أعلم.

стр. 454

٣٥٠ - قوله: وقال علي ﵁: "إذا جلس مقدار التشهد فقد (١) تمت صلاته". جوابه: أن علي بن سعيد قال في "مسائله": "سألت أحمد بن حنبل عمن ترك التشهد فقال: يعيد. قلت: فحديث عليِّ ﵁: "من قعد مقدار التشهد" (٢). فقال: لا يصح. وقد روي عن النبي ﷺ بخلاف حديث علي، وعبد الله بن عمرو". ٣٥١ - قوله (٣): "وروى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قصة التشهد، وقال: "ثم ليختر من الكلام ما أحب" (٤). ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ". فجوابه: أن غاية هذا أن يكون ساكتًا عن وجوب الصلاة، فلا يكون معارضًا لأحاديث الوجوب، كما تقدم تقريره. ٣٥٢ - قوله (٥): "وحديث فضالة بن عبيد (٦) يدل على نفي الوجوب"، جوابه: أن حديث فضالة حجة لنا في المسألة، لأن

стр. 455

النبي ﷺ أمره بالصلاة عليه في التشهد، وأمره للوجوب، فهو نظير أمره بالتشهد، وإذا كان الأمر متناولًا لهما، فالتفريق بين المأمورين تَحَكُّم. فإن قلتم: فالتشهد عندنا ليس بواجب؟ قلنا: الحديث حجة لنا عليكم (١) في المسألتين، والواجب اتباع الدليل. قوله: "النبي ﷺ لم يأمر هذا المصلي بإعادة الصلاة، ولو كانت الصلاة على النبي ﷺ فرضًا لأمره بإعادتها، كما أمر المسيء في صلاته". جوابه من وجوه: أحدها: أنَّ هذا كان غير عالم بوجوبها، فتركها (٢) معتقدًا أنها غير واجبة، فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأمره في المستقبل أن يقولها، فأَمْرُهُ بقولها في المستقبل دليل على وجوبها، وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يُعْذَرُ الجاهل بعدم الوجوب. وهذا كما لم يأمر النبي ﷺ المسيء في صلاته (٣) بإعادة ما مضى من الصلوات، وقد أخبره أنه لا يحسن غير تلك الصلاة (عذرًا له بالجهل.

стр. 456

فإن قيل: فلِمَ أمره أن يُعيْدَ تلك الصلاة) (١) ولم يعذره فيها (٢) بالجهل؟ قلنا: لأن الوقتَ باقٍ، وقد عَلِمَ أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها. فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك (٣) الصلاة كما أمر المسيء؟. قلنا: أمره ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَم (٤) ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ بها (٥)، ويحتمل أن تكون الصلاة كانت (٦) نفلًا لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل مُحْكَم لهذا المشتبه (٧) المحتمل. والله أعلم. فحديث فضالة إِمَّا مشترك الدلالة على السَّواء، فلا حُجَّة لكم فيه، وإمَّا راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه

стр. 457

أيضًا، فعلى (١) التقديرين سقط احتجاجكم به. قوله: لم يعلمها النبي ﷺ المسيء في صلاته، ولو كانت فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه: أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا لهم في نفي (٢) كل ما ينفون وجوبه، وحمَّلُوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به (٣). فمن نفى وجوب الفاتحة احتجَّ به، ومن نفى وجوب التشهد احتجَّ به، ومن نفى وجوب التسليم (٤) احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي ﷺ احتج به، ومن نفى وجوب (٥) أذكار الركوع، والسجود، وركني الاعتدال احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال (٦) احتج به. وكل هذا تساهل واسْتِرْسَال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا (٧) يكون معارضًا به. فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدلُّ على أنه ليس

стр. 458

بواجب؛ لأنه في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز اتفاقًا (١). قيل (٢): هذا لا يمكن أحدًا أن يستدل به على (٣) هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لا يَجبُ التشهد، ولا الجلوس له، ولا السَّلام، ولا النِّيَّة، ولا قراءة الفاتحة، ولا كل شيء لم يذكره في الحديث. وطَرْدُ هذا: أنه لا يجبُ عليه استقبال القبلة، ولا الصَّلاة في الوقت، لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقولُهُ أحد. فإن قلتم: إنَّما علمه ما أساء فيه، وهو لم يسيء في ذلك. قيل لكم: فاقنعوا بهذا الجواب من منازعكم (٤) في كل ما نفيتم وجوبه بحديث المسيء هذا. الثاني: أن (٥) ما أُمِر به النبي ﷺ من أجزاء الصلاة دليل ظاهر في الوجوب، وترك أمره للمسيء به يحتمل أمورًا: منها: أنه لم يسئ فيه. ومنها: أنه وجب بعد ذلك. ومنها: أنه علَّمه مُعْظَم الأركان وأهمها، وأحال بقية تعليمه على مشاهدته ﷺ في صلاته (٦)، أو على تعليم بعض الصحابة له،

стр. 459

فإنه ﷺ كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضًا، فكان من المستقر عندهم إذنه (١) لهم في تعليم الجاهل وإرشاد الضال، وأي محذور في أن يكون النبي ﷺ علمه البعض، وعلمه أصحابه البعض الآخر، وإذا احتمل (٢) هذا لم يكن هذا المشتبه المُجْمَل معارضًا لأدلة وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، ولا غيرها من واجبات الصلاة، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليها، فالواجب تقديم الصَّرِيْح المُحْكَم على المشتبه المُجْمَل. والله أعلم. قوله: "الفرائض (٣) إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله أو بإجماع". قلنا: اسمعوا أدلتنا الآن على (٤) الوجوب، فلنا (٥) عليه أدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وأمره المطلق على الوجوب ما لم يَقُمْ دليل على خلافه.

стр. 460

وقد ثبت أن أصحابه ﵃ سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها، فقال: ٣٥٣ - "قولوا: اللهم صل على محمد .. " (١) الحديث. وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّمُوْهُ هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد (٢)، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد. يُوضِّحه: أنه علمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه ﷺ ، فسألوه عن الصلاة عليه (٣) فعلمهم إياها، ثم شَبَّهَهَا بما عُلِّمُوْهُ من التسليم عليه، وهذا يدل على أن (٤) الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة. يوضحه: أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها، لكان (٥) قال مُسْلم منهم إذا سَلَّم عليه يقول له: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". وكان المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيدون (٦) في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل
следующие страницы →