← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فإن قيل: فلِمَ أمره أن يُعيْدَ تلك الصلاة) (١) ولم يعذره فيها (٢) بالجهل؟ قلنا: لأن الوقتَ باقٍ، وقد عَلِمَ أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها. فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك (٣) الصلاة كما أمر المسيء؟. قلنا: أمره ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَم (٤) ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ بها (٥)، ويحتمل أن تكون الصلاة كانت (٦) نفلًا لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل مُحْكَم لهذا المشتبه (٧) المحتمل. والله أعلم. فحديث فضالة إِمَّا مشترك الدلالة على السَّواء، فلا حُجَّة لكم فيه، وإمَّا راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه

стр. 457

أيضًا، فعلى (١) التقديرين سقط احتجاجكم به. قوله: لم يعلمها النبي ﷺ المسيء في صلاته، ولو كانت فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه: أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا لهم في نفي (٢) كل ما ينفون وجوبه، وحمَّلُوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به (٣). فمن نفى وجوب الفاتحة احتجَّ به، ومن نفى وجوب التشهد احتجَّ به، ومن نفى وجوب التسليم (٤) احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي ﷺ احتج به، ومن نفى وجوب (٥) أذكار الركوع، والسجود، وركني الاعتدال احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال (٦) احتج به. وكل هذا تساهل واسْتِرْسَال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا (٧) يكون معارضًا به. فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدلُّ على أنه ليس

стр. 458

بواجب؛ لأنه في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز اتفاقًا (١). قيل (٢): هذا لا يمكن أحدًا أن يستدل به على (٣) هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لا يَجبُ التشهد، ولا الجلوس له، ولا السَّلام، ولا النِّيَّة، ولا قراءة الفاتحة، ولا كل شيء لم يذكره في الحديث. وطَرْدُ هذا: أنه لا يجبُ عليه استقبال القبلة، ولا الصَّلاة في الوقت، لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقولُهُ أحد. فإن قلتم: إنَّما علمه ما أساء فيه، وهو لم يسيء في ذلك. قيل لكم: فاقنعوا بهذا الجواب من منازعكم (٤) في كل ما نفيتم وجوبه بحديث المسيء هذا. الثاني: أن (٥) ما أُمِر به النبي ﷺ من أجزاء الصلاة دليل ظاهر في الوجوب، وترك أمره للمسيء به يحتمل أمورًا: منها: أنه لم يسئ فيه. ومنها: أنه وجب بعد ذلك. ومنها: أنه علَّمه مُعْظَم الأركان وأهمها، وأحال بقية تعليمه على مشاهدته ﷺ في صلاته (٦)، أو على تعليم بعض الصحابة له،

стр. 459

فإنه ﷺ كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضًا، فكان من المستقر عندهم إذنه (١) لهم في تعليم الجاهل وإرشاد الضال، وأي محذور في أن يكون النبي ﷺ علمه البعض، وعلمه أصحابه البعض الآخر، وإذا احتمل (٢) هذا لم يكن هذا المشتبه المُجْمَل معارضًا لأدلة وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، ولا غيرها من واجبات الصلاة، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليها، فالواجب تقديم الصَّرِيْح المُحْكَم على المشتبه المُجْمَل. والله أعلم. قوله: "الفرائض (٣) إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله أو بإجماع". قلنا: اسمعوا أدلتنا الآن على (٤) الوجوب، فلنا (٥) عليه أدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وأمره المطلق على الوجوب ما لم يَقُمْ دليل على خلافه.

стр. 460

وقد ثبت أن أصحابه ﵃ سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها، فقال: ٣٥٣ - "قولوا: اللهم صل على محمد .. " (١) الحديث. وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّمُوْهُ هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد (٢)، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد. يُوضِّحه: أنه علمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه ﷺ ، فسألوه عن الصلاة عليه (٣) فعلمهم إياها، ثم شَبَّهَهَا بما عُلِّمُوْهُ من التسليم عليه، وهذا يدل على أن (٤) الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة. يوضحه: أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها، لكان (٥) قال مُسْلم منهم إذا سَلَّم عليه يقول له: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". وكان المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيدون (٦) في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل

стр. 461

منهم يقول: "السلام عليكم"، وربما قال: "السلام على رسول الله"، وربما قال: "السلام عليك يا رسول الله" ونحو ذلك، وهم لم يزالوا يُسَلِّمون عليه من أوَّلِ الإسلام بتحيَّة الإسلام، وإنما الذي عُلِّمُوهُ قدرًا زائدًا عليها، هو السَّلام عليه (١) في الصلاة. ٣٥٤ - يوضحه: حديث ابن إسحاق: "كيف نصلي إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا"، وقد صحَّحَ هذه اللفظة جماعة من الحفاظ: منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وقد تقدم في أول الكتاب (٢)، وما أُعِلَّت به، والجواب عن ذلك. وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة، وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن؛ ثبت أنها على الوجوب، وينضاف إلى ذلك أمر النبي ﷺ بها، ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله: "كنت أتهيب ذلك، ثم تبينت فإذا هي واجبة". وقد تقدم حكاية كلامه. وعلى هذا الاستدلال أسئلة (٣): أحدها: أن قوله ﷺ : "والسَّلام كَمَا عَلِمْتُم" يحتمل أمرين:

стр. 462

أحدهما: أن يراد به السلام عليه في الصلاة. والثاني: أن يراد به السلام من الصلاة نفسها. قاله (١) ابن عبد البر (٢). الثاني: أن غاية ما ذكرتم إنما يدلُّ دِلالة اقتران الصلاة بالسلام، والسلامُ واجب في التشهد، فكذا الصلاة، ودِلالة الاقتران ضعيفة. الثالث: أنا لا نُسلِّم وجوبَ السَّلام، ولا الصلاة، وهذا الاستدلال منكم إنما يتمُّ بعد تسليم وجوب السلام عليه ﷺ . والجواب عن هذه الأسئلة (٣): أما الأول: ففاسد جدًا؛ فإنَّ في نفس الحديث ما يبطله، وهو أنهم قالوا: ٣٥٥ - "هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ " لفظ البخاري (٤) في حديث أبي سعيد ﵁. وأيضًا فإنهم إنما سألوا النبي ﷺ عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية، لا عن كيفية السلام من الصلاة.

стр. 463

وأما السؤال الثاني: فسؤال مَنْ لم يفهم وجه تقرير الدلالة، فإنا لم نحتج بدلالة الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بهما (١) في (٢) القرآن، وَبَيَّنَّا أن الصلاة التي سألوا النبي ﷺ أن يعلمهم إياها؛ إنَّما هي الصلاة التي (٣) في الصلاة. وأما السؤال الثالث (٤): ففي غاية الفساد، فإنه لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعكم (٥) فيها مبطلًا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم؛ فإنَّ الأدلة هي التي تُبْطلُ ما خالفها من الأقوال، ويُعْتَرَضُ بها على من خالف موجبها، فَتُقَدَّم على كلِّ قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين تُعَارَض بها الأدلة وتُبْطِلُ مقتضاها (٦) وتُقدَّم عليها. ثم إن الحديث حجة عليكم في المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه ﷺ ، فيجب المصير إليه. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في التشهد،

стр. 464

وأمرنا أن نصلي كصلاته (١)، وهذا يدل على وجوب فعل (٢) ما فعل في الصلاة إلا ما خصَّه الدليل، فهاتان مقدمتان: ٣٥٦ - أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في "مسنده" (٣): عن إبراهيم بن محمد، حدثني سعيد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة: "اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن (٤) أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم الشافعي ﵀، وابن الأصبهاني، وابن عدي، وابن عقدة، وضعفه آخرون (٥). ٣٥٧ - أما المقدمة الثانية: فبيانها ما روى البخاري في "صحيحه" (٦): عن مالك بن الحويرث، قال: أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا،

стр. 465

وسألنا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال: "ارْجعُوا إلى أهْلِيْكُم فعلِّمُوهم، ومُرُوهم، وصَلُّوا كَمَا رَأيتُمُوني أُصَلَّي، وإذا حضرتِ الصَّلاة فلْيؤذِّن لكم (١) أحدكم وليؤمكم أكبركم". وعلى هذا الاستدلال من الأسئلة (٢) والاعتراضات ما هو مذكور في غير هذا الموضع. ٣٥٨ - الدليل الثالث: حديث فضالة بن عبيد (٣)، فإن النبي ﷺ قال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، والصلاة، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بعد بما شاء" وقد تقدم، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأهل السنن. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. واعترض عليه بوجوه: أحدها: أن النبي ﷺ لم يأمر هذا المصلي بالإعادة، وقد تقدم جوابه. الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة، لا فيها، بدليل ٣٥٩ - ما روى الترمذي في "جامعه" (٤): من حديث

стр. 466

رِشْدِين (١) في هذا: بينا رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : "عجلت (٢) أيها المصلي، إذا صَلَّيْتَ فقعدتَ، فاحْمَدِ الله بما هو أهله، وصلِّ عليِّ، ثم ادْعُهْ". وجواب هذا من وجوه: أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حجة مع استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات (٣) الأثبات، لأن كل من روى هذا الحديثما قال فيه: "سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته". الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلُّ لفظه على ذلك، بل قال: "فصلى فقال: اللهم اغفر لي". وهذا لا يدل على أنه قال بعد فراغه من الصلاة. ونفْسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله"، ومعلوم أنه لم يُرِدْ بذلك الفراغ من الصلاة؛ بل الدخول فيها. ولا سيما فإنَّ عامَّة أدعية النبي ﷺ إنما

стр. 467

كانت في الصلاة، لا بعدها، لحديث (١) أبي هريرة، وعلي، وأبي موسى، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وعمار (٢)، وغيرهم (٣)، ولم يَنْقُلْ (٤) أحد منهم أنه ﷺ كان يدعو به في صلاته في حديث صحيح. ولما سأله الصِّدِّيق (٥) دعاءً يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لا سِيَّما (٦) والمصلي مناجٍ ربَّه، مُقْبل عليه، فدعاؤه ربه تعالى في هذه الحال أنْسَب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه من مناجاته. الثالث: أن قوله ﷺ : "فاحمد الله بما هو أهله"، إنما أراد به التشهد في القعود، ولهذا قال: "إذا صليت فقعدت"، يعني في تشهدك، فأمَرَه بحمد الله والثَّناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ . الاعتراض الثالث: أن الموضع (٧) الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد الله غير مُعَيَّن (٨)، فلِمَ قلتم: إنه بعد التشهد. وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على

стр. 468

الله، ثُمَّ الصَّلاة على رسوله ﷺ ، ثُمَّ الدُّعاء، إلا في التشهد آخر الصَّلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا الركوع، ولا السُّجود اتِّفَاقًا، فَعُلِم أنَّه إنَّما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد. الاعتراض الرابع: أنه أَمَرَهُ فيه (١) بالدُّعاء عَقِبَ الصَّلاة عليه، والدعاء ليس بواجب، فكذا الصلاة عليه ﷺ . وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشَيْئَيْن، فيقوم الدليل على عدم وجوب أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب. الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء، فإنه هو التشهد، وقد أُمِرَ النَّبي ﷺ به، وأخبر الصحابة أنه فرض عليهم، ولم يكن (٢) اقتران الأمر بالدعاء به (٣) مسقطًا لوجوبه، فكذا الصلاة على النبي ﷺ . الثالث: أن قولكم: "الدعاء لا يجب"، باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب، والهداية والعفو، وغيرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 469

٣٦٠ - : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١). والغضب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم. الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي ﷺ فرضًا في الصلاة لم يؤخر بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلًا لا يفعلها فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها مستفادًا قبل هذا الحديث. وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها ما (٢) وجبت على الأُمَّة إلا بهذا الحديث، بل هذا المصلي كان (٣) قد تركها، فأمره النبي ﷺ بما هو مُسْتَقِرٌّ معلوم من شرعه. وهذا كحديث المسيء في صلاته، فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأُمَّة لم يكن مستفادًا من حديثه وتأخيرِ بيان النبي ﷺ لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأُمَّتِهِ قبل هذا.

стр. 470

الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث، حديث فضالة: "فقال له، أو لغيره". بحرف "أو"، ولو كان هذا واجبًا على كل مُكَلَّف لم يكن ذلك له أو لغيره. وهذا اعتراض فاسد من وجوه: أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة، وابن حبان "فقال له ولغيره" بالواو، وكذا رواه أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (١). الثاني: أن "أو" هنا ليست للتَّخْيير، بل للتَّقْسِيم، والمعنى أن أي مُصلٍّ صلى فليقل ذلك، هذا أو (٢) غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الدهر: ٢٤]، ليس المراد التخيير، بل المعنى أن أيهما كان فلا تطعه إما هذا وإما هذا. الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله" فذكره. الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: "ثم علمهم رسول الله ﷺ ". فذكره، وهذا عام. الدليل الرابع: ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم الحُجَّة به عند انفراده، وقد يُقَوِّي بَعْضُها بعضًا عند الاجتماع.

стр. 471

٣٦١ - أحدها: ما رواه الدارقطني (١): من حديث عمرو بن شِمْر، عن جابر -هو الجعفي- عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة! إذا (٢) صليت في صلاتك فلا تتركن التشهد والصلاة علي، فإنها زكاة الصلاة، وسلم على جميع أنبياء الله ورسله، وسلم على عباد الله الصالحين". ٣٦٢ - الثاني: ما رواه الدارقطني (٣) أيضًا: من طريق عمرو ابن شِمْر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق (٤) بن الأجدع يقول: قالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، وبالصلاة علي". لكن عمرو بن شمر (٥)، وجابر لا يحتج بحديثهما، وجابر أصلح من عمرو. ٣٦٣ - الثالث: ما رواه الدارقطني (٦): من حديث عبد المهيمن بن عباس (٧) بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ﷺ "، ورواه

стр. 472

الطبراني (١) من حديث أبي بن عباس، عن أبيه، عن جده. وعبد المهيمن ليس بحجة، وأُبيّ أخُوه وإن كان ثقة احتج به البخاري، فالحديث المعروف فيه إنما هو من رواية عبد المهيمن، ورواه الطبراني (٢) بالوجهين، ولا يثبت. الدليل الخامس: أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي مسعود الأنصاري، وقد تقدم ذلك (٣)، ولم يُحْفَظْ عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب، وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره حُجَّة، ولا سيما على أصول أهل المدينة والعراق. الدليل السادس: أن هذا عمل الناس من عهد نبيهم إلى الآن، ولو كانت الصلاة عليه ﷺ غير واجبة لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد وترك الإخلال بها. وقد قال مُقَاتِل بن حَيَّان (٤) في "تفسيره" في قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، قال: "إقامتها المحافظة عليها، وعلى أوقاتها، والقيام فيها، والركوع والسجود، والتشهد، والصلاة على

стр. 473

النبي ﷺ في التشهد الأخير"، وقد قال الإمام أحمد: "الناس في التفسير عِيَال على مقاتل (١) ". قالوا: فالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة من إقامتها المأمور بها، فتكون واجبة، وقد تمسك أصحاب هذا القول بأقْيِسَة (٢) لا حاجة إلى ذكرها. قالوا: ثم نقول لمنازعينا: ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلة، هذا أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول بوجوب الوتر، وأين أدلَّة وجوبه من أدلّة وجوب الصَّلاة على النبي ﷺ ، ويُوجب الوضوء على من قَهْقَهَ في صلاته بحديث مرسل لا يُقاوِمُ أدلتَنا في هذه المسألة، ويوجب الوضوء من القيء، والرّعاف، والحجامة، ونحوها بأدلة لا تقاوم أدلة هذه المسألة. ومالك رحمه الله تعالى يقول: إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحب ليست بفرض، وهي فوق الفضيلة والمستحبة يسميها (٣) أصحابه سننًا؛ كقراءة سورة مع الفاتحة، وتكبيرات الانتقال، والجلسة الأولى، والجهر والمخافتة، ويُوْجِبُون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه.

стр. 474

وأحمد رحمه الله تعالى يُسَمِّي هذه واجبات، ويوجب السجود لتركها سهوًا. فإيجاب الصلاة على النبي ﷺ إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه فليست دونها. فهذا ما احْتَجَّ به الفريقان في هذه المسألة. والمقصود أنَّ تَشْنيع المشنِّع فيها على الشافعي باطل، فإن مسألة فيها من الأدلة والآثار مثل هذا كيف يُشنَّع على الذاهب إليها؟! والله أعلم. فصل الموطن الثاني من مواطن الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول وهذا قد اختلف فيه، فقال الشافعي في "الأم" (١): يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول. هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد (٢)، لكنه يُسْتحَب، وليس بواجب، وقال في القديم: "لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم (٣).

стр. 475

٣٦٤ - واحْتُجَّ لقول الشافعي بما رواه الدارقطني: من حديث موسى بن عبيدة، عن (١) عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم يصلي على النبي ﷺ (٢). ٣٦٥ - وروى الدارقطني (٣) أيضًا: من حديث عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة! إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي (٤) فإنها زكاة الصلاة" وقد تقدم. قالوا: وهذا يَعُمُّ الجلوس الأوَّل والآخر. واحْتُجَّ له أيضًا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ ، فدل على أنه حيث شُرِع التسليم عليه شُرِعت الصلاة عليه، ولهذا سأله الصحابة (٥) عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا: "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ "، فدل

стр. 476

على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ ، ومعلوم أن المصلي يسلم (١) على النبي ﷺ ، فيشرع له أن يصلِّي عليه. قالوا: ولأنَّه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ ؛ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير. قالوا: ولأنَّ التشهد الأول محلٌّ يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ ؛ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره. ٣٦٦ - قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: "كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟ " (٢). وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي (٣) الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صحَّحَهُ كثير من أصحابه؛ لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع. ٣٦٧ - وكان النبي ﷺ (٤) إذا جلس فيه كأنه على

стр. 477

الرُّضْف (١)، ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علَّمه للأُمَّة، ولا يُعْرف أنَّ أحدًا من الصَّحابة استحبَّه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير؛ لِتناوُل الأمر لهما. ولأنه لو كانت الصلاة مستحبَّة في هذا الموضع؛ لَاسْتُحِبَّ فيه الصّلاة على آله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ لم يفْرد نَفْسَه دون آله بالأمر بالصّلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله، في الصلاة وغيرها؛ ولأنه (٢) لو كانت الصلاة عليه في هذا الموضع (٣) مشروعة؛ لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها؛ ولأنها لو شرعت في هذا (٤) الموضع؛ لشرع فيه الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأوَّل والأخير. قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث؛ فمع ضعفها بموسى بن عبيدة، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير، دون الأول، بما ذكرناه من الأدلة، والله أعلم.

стр. 478

فصل الموطن الثالث من مواطن الصلاة عليه ﷺ آخر القنوت ٣٦٨ - استحبه الشافعي (١) ومن وافقه، واحتج لذلك بما رواه النسائي (٢) عن محمد بن سلمة، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي، قال: علمني رسول الله ﷺ هؤلاء (٣) الكلمات في الوتر، قال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، فإنك

стр. 479

تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، وصلى الله على النبي". وهذا إنما هو في قنوت الوتر، وإنما نقل إلى قنوت الفجر قياسًا، كما نقل أصل هذا الدعاء إلى قنوت الفجر. ٣٦٩ - وقد رواه أبو إسحاق، عن بُرَيْد، عن (١) أبي الحَوْرَاء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في الوتر. فذكره (٢)، ولم يذكر فيه الصلاة. ٣٧٠ - وهو مستحب في قنوت رمضان؛ قال ابن وهب (٣): أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ أنّ عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريّ، وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال، قال: "إن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القاريّ فطاف في

стр. 480

المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر ﵁: والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل، ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أُبيَّ بن كعب أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر ﵁: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله، وقال: كانوا يلعنون الكفرة في النِّصف يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يَصدُّون عن سبيلك، ويكذِّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعْدِك وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرُّعْب، وألق عليهم رِجْزك وعذابك إله الحق. ثم يُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: فكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة، وصلاته على النبي ﷺ ، واستغفاره للمؤمنين (١)، ومسألته: اللَّهُمّ إيَّاك نَعْبُد، ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُد، وإليك نَسْعى ونَحْفِد، ونَرْجُو رحْمَتك، ونَخَافُ (٢) عذابَك الجدّ، إنَّ عذابك لمن عاديت مُلْحِق. ثم يكبر ويهوي ساجدًا". ٣٧١ - وقال إسماعيل بن إسحاق (٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد الله

стр. 481

ابن الحارث، أن أبا حليمة -معاذًا- كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت. فصل الموطن الرابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختُلِف في تَوقُّف صِحّة الصلاة عليها، فقال الشافعي، وأحمد في المشهور (١) من مذهبهما (٢): إنها واجبة في الصلاة، لا تصح إلا بها. ورواه البيهقي (٣): عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك (٤)، وأبو حنيفة (٥): تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي في: ٣٧٢ - "مسنده"، أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن

стр. 482

الزهري، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل؛ أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه" (١). ٣٧٣ - وقال إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ " (٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب، قال: "إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه". وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره (٣) الشافعي. ٣٧٤ - وقال صاحب "المغني" (٤) رُوىَ (٥) عن ابن عباس؛ أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ ،

стр. 483

ثم دعا لصاحبه (١) فأحسن، ثم انصرف، وقال: "هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة" (٢). ٣٧٥ - وفي موطأ يحيى بن بكير (٣)، حدثنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه؛ أنه سأل أبا هريرة: كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله تعالى، وصليت على نبيّه (٤) ﷺ ، ثم أقول: "اللَّهُم إنه عبْدُك وابنُ عبدِك، وابنُ أمَتِك (٥)، كان يشْهد أنْ لا إله إلَّا أنْت، وأنَّ محمّدًا عبدُك ورسولُك، وأنْت أعلمُ به، اللهُمّ إنْ كان محْسِنًا فَزِد في إحسانه، وإن كان مُسِيْئًا فتجاوز عن سَيِّئاته، اللَّهُمّ لا تَحْرِمْنا أجْره، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَه".

стр. 484

٣٧٦ - وقال أبو ذر الهروي (١): أخبرنا أبو الحسن بن أبي سهل السرخسي، أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن رزين، حدثنا علي بن خشرم، حدثنا أنس بن عياض، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل، قال: سمعت إبراهيم النخعي يقول: كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا أتي بجنازة استقبل الناس، وقال: يا أيها الناس، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "لكل مائة أمة، ولم يجتمع مائة لميت فيجتهدون له في الدعاء إلا أذهب (٢) الله ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم، فاجتهدوا في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، وإن كان رجلًا قام عند وسطه، وإن كانت (٣) امرأة قام عند منكبها، ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه، وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، جئنا شفعاء له، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، فإنك ذو وفاءٍ وذو رحمة، أعذه من فتنة القبر، وعذاب جهنم، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه سيئاته، اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه. قال: يقول هذا كلما كبر، وإذا كانت

стр. 485

التكبيرة الآخرة، قال مثل ذلك. ثم يقول: اللهم صل على محمد وبارك على محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ثم ينصرف. قال إبراهيم: كان ابن مسعود يعلم هذا في الجنائز وفي المجلس، قال: وقيل له: أكان رسول الله ﷺ يقف على القبر إذا فرغ منه؟ قال: نعم، كان إذا فرغ منه وقف عليه، ثم قال: "اللهم نزل بك صاحبها وخلف الدنيا وراء ظهره، ونعم المنزول به، اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم نور له في قبره، وألحقه بنبيه ﷺ ، كلما ذكره" (١). إذا تقرر هذا فالمستحب أن يُصَلَّى عليه ﷺ في الجنازة كما يُصَلَّى عليه (٢) في التشهد، لأن النبي ﷺ علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي "مسائل عبد الله بن أحمد" (٣) عن أبيه قال: "يصلي على النبي ﷺ ويصلي على الملائكة المقربين". قال القاضي (٤): "فيقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين

стр. 486

وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين، إنك على كل شيءٍ قدير". فصل الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه ﷺ في (١) الخُطَب: كخطبة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، وغيرها وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة، قال الشافعي (٢) وأحمد (٣) في المشهور من مذهبهما: لا تصح الخطبة إلا بالصلاة عليه ﷺ ، وقال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥): تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد (٦). واحتج لوجوبها في الخطبة، بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤]،

стр. 487

٧٧ - قال ابن عباس ﵄ (١): "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه". وفي هذا الدليل نظر؛ لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه ﵎ هو الشهادة له ﷺ بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا، بل هو ركنها الأعظم. ٣٧٨ - وقد روى أبو داود، وأحمد، وغيرهما (٢): من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "كُلُّ خُطبَة لَيْسَ فيها تَشَهُّد فَهِيَ كاليَدِ الجَذْمَاء"، واليدُ الجذماء: المقطوعة. فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة دون التشهد فقوله (٣) في غاية الضعف. ٣٧٩ - وقد روى (٤) يونس، عن شيبان، عن قتادة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ابتدأها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".

стр. 488

٣٨٠ - وقال عبد بن حميد (١): أخبرني عمرو بن عون، عن هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "إذا ذكرت ذكرت معي، ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي (٢) ". ٣٨١ - وقال عبد الرزاق (٣): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، قال: "لا أُذْكَرُ إلا ذُكرتَ معى: الأذان، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله". فهذا (٤) هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها، وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها؟. والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة:

стр. 489

٣٨٢ - ما رواه عبد الله بن أحمد (١): حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد، حدثني عون بن أبي جحيفة، كان أبي من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد المنبر - يعني عليًّا ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ وقال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، والثاني عمر. وقال: يجعل الله الخير حيث شاء" (٢). ٣٨٣ - وقال محمد بن الحسن بن جعفر الأسدي: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد الحميري، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: سمعت أبي يذكر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ أنه كان يقول بعدما يفرغ من خطبة الصلاة، ويصلي على النبي ﷺ : "اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان، أولئك هم الراشدون، اللهم بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا،

стр. 490

وأزواجنا، وقلوبنا، وذرياتنا" (١). ٣٨٤ - وروى الدارقطني (٢): من طريق ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحضرمي، عن بَحِيْر (٣) بن ذاخر المعافري، قال: "ركبت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة. فذكر حديثًا، وفيه: فقام عمرو بن العاص على المنبر فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا، وصلى على النبي ﷺ ، ووعظ الناس فأمرهم ونهاهم". ٣٨٥ - وفي الباب حديث ضَبَّة بن مِحْصن (٤)؛ أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ دعا لعمر، فأنكر عليه ضَبَّة الدعاء لعمر قبل الدعاء لأبي بكر ﵄، فرفع ذلك إلى عمر ﵁ فقال لضبة: "أنت أوفق منه وأرشد (٥) ".

стр. 491

فهذا دليل على أنّ الصَّلاة على النبي ﷺ في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين. وأما وجوبها فلم نرَ فيه (١) دليلًا يجب المصير (إليه و) (٢) إلى مثله. والله أعلم. فصل الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه ﷺ الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة ٣٨٦ - لما روى مسلم في "صحيحه" (٣): من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سَمِعْتُم المؤذِّنَ فقُولوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ، فإنّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ

стр. 492

صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَليْه بهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيْلَة، فإِنَّها مَنْزِلةٌ فِي الجَنَّة لا تنبَغِي إلَّا لعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله تعالى، وأرْجُو أنْ أكُوْنَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سألَ (١) لِيَ الوَسِيْلة حَلَّتْ عَلَيْه الشَّفَاعَة" (٢). ٣٨٧ - وقال الحسن بن عرفة: حدثني محمد بن يزيد الواسطي، عن العوام بن حوشب (٣)، حدثنا منصور بن زاذان، عن الحسن قال: "من قال مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قال: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة والصلاة القائمة، صل على محمدٍ عبدك ورسولك، وأبلغه درجة الوسيلة في الجنة؛ دخل في شفاعة محمد ﷺ (٤) ". ٣٨٨ - وقال يوسف بن أسباط (٥): بلغني أن الرجل إذا أقيمت الصلاة فلم يقل: اللهم رب هذه الدعوة المستمعة المستجاب لها، صل على محمد وعلى آل محمد، وزوجنا من الحور العين. قلن الحور العين: ما أزهدك فينا".

стр. 493

وفي إجابة المؤذن خمس سنن عن رسول الله ﷺ ، قد اشتمل حديث عبد الله بن عمرو على ثلاثة منها، والرابعة: أن يقول ٣٨٩ - ما رواه مسلم (١): عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ المؤذِّن: أشْهَدُ أنْ لا إلَه إلَّا الله وحْدَه لا شَرِيْك لَه، وأنَّ مُحمَّدًا عبْدُهُ ورسوْلُهُ، رَضِيْتُ بالله ربًّا، وبمُحمَّدٍ رَسُولًا، وبالإسْلامِ دِيْنًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبَه". والخامسة: أن يدعو الله بعد إجابة المؤذن، وصلاته على رسوله، وسؤاله له الوسيلة، لما في "سنن أبي داود، والنسائي" (٢)، من حديث عبد الله بن عمرو (٣)؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن (٤) المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : ٣٩٠ - "قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل (٥) تعطه".

стр. 494

٣٩١ - وفي "المسند" (١): من حديث جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صل على محمدٍ وارض عنه رضى لا سخط بعده، استجاب الله له دعوته". ٣٩٢ - وفي "المستدرك" للحاكم (٢): من حديث أبي أمامة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع الأذان قال: "اللهم رب هذه الدعوة الصادقة المستجابة (٣) المستجاب لها، دعوة الحق، وكلمة التقوى، توفني عليها (٤)؛ وأحيني (٥) عليها، واجعلني من صالح أهلها عملًا يوم القيامة". فهذه خمسة وعشرون سُنَّة في اليوم والليلة لا يحافظ عليها

стр. 495

إلا السابقون (١). فصل الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند الدعاء وله ثلاث مراتب: إحداها: أن يصلي عليه قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى. والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره. والثالثة: أن يصلي عليه في أوله (٢) وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما. ٣٩٣ - فأما المرتبة الأولى: فالدليل عليها حديث فضالة بن عبيد (٣)، وقول النبي ﷺ فيه: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بَعْدُ (٤) بما شاء" وقد تقدم.
следующие страницы →