← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 596–625 · переход к 601.

стр. 596

النبيين مشروعة، منهم الشيخ محيي الدين النووي (١) ﵀ وغيره. وقد حكي عن مالك رواية أنه لا يصلى على غير نبينا ﷺ ، ولكن قال أصحابه: هي مُؤوَّلة بمعنى أنَّا (٢) لم نتعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء؛ كما تعبَّدنا الله بالصلاة عليه ﷺ . فصل وأما من سوى الأنبياء، فإن آل النبي ﷺ يصلى عليهم بغير خلاف بين الأمة. واختلف موجبوا الصلاة على النبي ﷺ في وجوبها على آله على قولين مشهورين لهم، وهي طريقتان للشافعية (٣): إحداهما: أن الصلاة واجبة على النبي ﷺ ، وفي وجوبها على (٤) الآل قولان للشافعي، هذه طريقة إمام الحرمين والغزالي. والطريقة الثانية: أن في وجوبها على الآل وجهين، وهي الطريقة المشهورة عندهم، والذي صحَّحُوه: أنها (٥) غير واجبة عليهم.

стр. 597

واختلف أصحاب أحمد (١) في وجوب الصلاة على آله ﷺ ، وفي ذلك وجهان لهم، وحيث أوجبوها فلو أبدل لفظ الآل بالأهل فقال: "اللهم صل على محمدٍ وأهل محمد" ففي الإجزاء وجهان. وحكى بعض أصحاب الشافعي الإجماع على أن الصلاة على الآل مُسْتحبَّة لا واجبة، ولا يثبت في ذلك إجماع. فصل وهل يصلي على آله ﷺ منفردين عنه؟ فهذه المسألة على نوعين: أحدهما: أن يُقَال: "اللهم صل على آل محمد" فهذا يجوز، ويكون ﷺ داخلًا في آله، فالإفراد عنه وقع في اللفظ، لا في المعنى. الثاني: أن يُفْرَد واحد منهم بالذِّكر، فيقال: اللهم صل على عليٍّ، أو على حسنٍ، أو حسينٍ، أو فاطمة ﵃، ونحو ذلك. فاخْتُلِف في ذلك، وفي الصلاة على غير آله ﷺ من الصحابة ومن بعدهم، فكره ذلك مالك ﵀، وقال: لم يكن ذلك من عمل من مضى، وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثووي، وبه قال طاووس (٢).

стр. 598

٤٩٠ - وقال ابن عباس: "لا يَنْبغِي الصَّلاة إلَّا على النَّبِي ﷺ " (١). ٤٩١ - قال إسماعيل بن إسحاق (٢): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عباد (٣) بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: "لا تصلح الصلاة على أحد (٤) إلا على النبي ﷺ ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار". وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز. ٤٩٢ - قال أبو بكر بن أبي شيبة (٥): حدثنا حسين (٦) بن علي، عن جعفر بن برقان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: (أما بعد، فإن ناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن

стр. 599

من (١) القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ ، فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين (٢) عامة) (٣). وهذا مذهب أصحاب الشافعي، ولهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَنْع تَحْرِيم. والثاني: وهو قول الأكثرين؛ أنه مَنْع كراهة تنزيه. والثالث: أنه من باب ترك الأوْلى وليس بمكروه. حكاها (٤) النواوي (٥) في "الأذكار" (٦) قال: "والصحيح الذي عليه الأكثر أنه مكروه كراهة تنزيه". ثم اختلفوا في السَّلام هل هو في معنى الصلاة؟ - فيكره أن يُقال: السلام على فلان. أو يُقالُ (٧): فلان عليه¬ السلام -. فكرهه طائفة، منهم أَبو محمد الجويني، ومنع أن يقال: عن علي - عليه¬ السلام - وفرق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا (٨): السلام يشرع

стр. 600

في حق كل مؤمن حي وميت وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلغ فلانًا مني السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول ﷺ وآله، ولهذا يقول المصلي: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، ولا يقول: "الصلاة علينا وعلى عباد الله الصالحين" فعلم الفرق. واحتج هؤلاء بوجوه: أحدها: قول ابن عباس، وقد تقدم. الثاني: أن الصلاة على غير النبي ﷺ وآله قد صارت شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، ذكره النووي (١). قلت: ومعنى ذلك، أن الرافضة إذا ذَكَرُوا أئمَّتهم يُصلُّون عليهم بأسمائهم، ولا يُصلُّون على غيرهم ممَّن هو خير منهم، وأحبّ إلى الرسول ﷺ ، فينبغي أن يخالفوا في هذا الشِّعَار. الثالث: ما احتج به مالك ﵀؛ أن هذا لم يكن من (٢) عمل من مضى من الأُمَّة، ولو كان خيرًا لسبقونا (٣) إليه. الرابع: أن الصلاة قد (٤) صارت مخصوصة في لسان الأمة

стр. 601

بالنَّبي ﷺ ، تُذْكَرُ مع ذكر اسمه، كما صار " " و" " مخصوصًا بالله ، يُذْكَرُ مع ذكر اسمه، ولا يَسُوغْ أن يستعمل ذلك لغيره، فلا يقال: محمد ، ولا ، فلا يُعْطَى المخلوق مرتبة الخالق، فهكذا لا ينبغي أن يعطى غير النبي ﷺ مرتبته، فيقال: قال فلان ﷺ . الخامس: أن الله سبحانه قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدْعَى باسمه كما يُدْعَى غيره باسمه، فكيف يَسُوغ أن تُجْعَل الصَّلاة عليه كما تُجْعل على غيره في دعائِه، والإخْبارِ عنه؟ هذا مما لا يَسُوغ أصْلًا. السادس: أن النبي ﷺ شَرَع لأُمَّته في التشهد أن يُسلِّموا على عباده الصالحين، ثم يُصَلُّوا على النبي ﷺ فعلم أن الصلاة عليه حَقَّه الذي (١) لا يُشْرِكه فيه أحد. السابع: أن الله سبحانه ذَكَرَ الأمر بالصَّلاة عليه في معرض حقوقه وخواصه التي خَصَّه بها من تحريم نكاح أزواجه، وجواز نكاحه لمن وَهَبَتْ نفسها له، وإيجاب اللَّعْنة لمن آذاه، وغير ذلك من حقوقه، وأكدها بالأمر بالصلاة عليه والتسليم، فدلَّ على أن ذلك حق له خاصة، فآله تَبَعٌ له فيه. الثامن: أن الله سبحانه شرع للمسلمين أن يدعو بعضهم

стр. 602

لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض، ويترحَّم عليه في حياته وبعد موته، وشرع لنا أن نصلي على النبي ﷺ في حياته وبعد موته، فالدعاء حقٌ للمسلمين، والصلاة حق لرسول الله ﷺ ، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر، ولهذا في صلاة الجنازة إنما يُدْعَى للميت، ويُتَرحَّم عليه ويُسْتَغْفَر له، ولا يُصَلَّى عليه بَدَلَ ذلك، فيقال: اللَّهُمَّ صَلِّ عليه وسَلِّم. وفي الصلوات يُصَلَّى على النبي ﷺ ، ولا يقال بَدَله (١): اللهم اغفر له وارحمه، ونحو ذلك، بل يُعْطَى كل ذي حقٍّ حقَّه. التاسع: أن المؤمن أحْوج الناس (٢) إلى أن يُدْعى له بالمغفرة والرَّحْمة، والنَّجَاة من العذاب، وأما (٣) النبي ﷺ فغير محتاج إلى أن (٤) يدعى له بذلك، فالصلاة (٥) عليه زيادة في تشريف الله له وتكريمه ورفع درجاته، وهذا حاصل له ﷺ ، وإن غفل عن ذكره الغافلون، فالأمر بالصلاة عليه إحسان من الله للأمة ورحمة بهم لِيُنيْلهم كرامته بصلاتهم على رسوله ﷺ ، بخلاف غيره من الأُمَّة؛ فإنه محتاج إلى من (٦) يدعو له ويستغفر ويترحَّم عليه، ولهذا جاء

стр. 603

الشرع بهذا في مَحَلِّه، وهذا في (١) مَحَلِّه. العاشر: أنه لو كانت الصلاة على غيره ﷺ سائغة، فإمَّا أن يُقال باختصاصها ببعض الأُمَّة، أو يُقال: تجوز على كلِّ مسلم. فإن قيل باختصاصها فلا وجه له، وهو تخصيص من غير مُخَصِّص، وإن قيل بعدم الاختصاص وأنها تسوغ لكل من يسوغ الدعاء له؛ فحينئذ تسوغ الصَّلاة على المُسْلِم وإن كان من أهل الكبائر، فكما يقال: اللهم تُبْ عليه، اللهم اغفرْ له، يقال: اللهم صلِّ عليه. وهذا باطل. وإن قيل: تجوز على الصَّالحين دون غيرهم، فهذا مع أنه لا دليل عليه، ليس له ضابط، فإن كون الرجل صالحًا، أو غير صالح، وصفٌ يَقْبَلُ الزِّيادة والنُّقْصان، وكذلك كونه وَلِيًّا لله، وكونه مُتَّقِيًا، وكونه مؤْمِنًا، وكل ذلك يقبل الزيادة والنقصان، فما ضابط مَنْ يُصلَّى عليه من الأُمَّة ومَنْ لا يُصَلَّى عليه؟. قالوا: فَعُلِمَ بهذه الوجوه العشرة اختصاص الصلاة بالنبي ﷺ وآله. وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: تجوز الصلاة على غير النبي ﷺ وآله. قال القاضي أبو الحسين بن الفراء في "رؤوس مسائله":

стр. 604

"وبذلك قال الحسن المصري، وخُصَيْف، ومجاهد، ومُقَاتِل بن سليمان، ومقاتل بن حيَّان، وكثير من أهل التفسير. قال: وهو قول الإمام أحمد ﵀، نص عليه في رواية أبي داود (١)؛ وقد سئل: أينبغي أن يصلى على أحد إلَّا على النبي ﷺ ؟ قال: أليس قال علي لعمر ﵄: ٤٩٣ - "صلَّى اللهُ عليك" (٢). قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وأَبو ثور، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم، وحكى أَبو بكر بن أبي داود، عن أبيه ذلك. قال أَبو الحسين: وعلى هذا العمل". واحتج هؤلاء بوجوه: أحدها: قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأمره سبحانه أن يأخذ الصَّدقة مِن الأُمَّة، وأن يُصَلِّي عليهم. ومعلوم أن الأئمة بعده يأخذون الصدقة كما كان يأخذها، فيشرع لهم أن يُصَلُّوا على المتصدِّق كما كان يصلي عليه النبي ﷺ . الثاني: أن في الصحيحين (٣): من حديث شعبة، عن عمرو،

стр. 605

عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ٤٩٤ - كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ فلان"، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفى". والأصل عدم الاختصاص، وهذا ظاهر في أنه هو المراد من الآية. ٤٩٥ - الثالث: ما رواه حجاج، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيْح العَنَزِيّ (١)، عن جابر بن عبد الله، أن امرأة قالت: يا رسول الله! صل عليَّ وعلى زوْجِي، فقال: "صَلَّى اللهُ عليكِ وعلى زَوْجِك"، رواه أحمد، وأَبو داود في "السنن" (٢). ٤٩٦ - الرابع: ما رواه ابن سعد في كتاب "الطبقات" (٣): من حديث ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله؛ أن عليًّا دخل على عمر وهو مسجَّى؛ فلما انتهى إليه قال:

стр. 606

"صلى الله عليك، ما أحد ألقى الله بصحيفته أحبّ إليَّ من هذا المسجَّى بينكم". ٤٩٧ - الخامس: ما رواه إسماعيل بن إسحاق (١): حدثنا عبد الله بن مسلم، حدثنا نافع بن عبد الرحمن بن (٢) أبي نعيم القارئ، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يكبر على الجنازة، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يقول: "اللهُمّ بَارِكْ فِيْه، وصَلِّ عَلَيْه، واغفرْ له، وأورِدْه حوضَ نَبِيِّك ﷺ ". السادس: أن الصلاة هي الدعاء، وقد أُمِرْنا بالدعاء بَعْضُنا لبعض. احتجَّ بهذه الحجة أَبو الحسين. ٤٩٨ - السابع: ما رواه مسلم في "صحيحه" (٣): من حديث حماد بن زيد، عن بُدَيْل، عن عبد الله بن شَقِيْق، عن أبي هريرة، قال: "إِذَا خَرَجَتْ رُوْحُ المُؤمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكانِ يُصْعِدَانِها -

стр. 607

قال حمَّاد: فَذَكَر مِن طِيْب رِيْحِها، وَذَكَر المِسْك - قال: ويقولُ أهلُ السَّماءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ الأرْضِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، وعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِيْنَه .. وذكر الحديث. هكذا قال مسلم عن أبي هريرة موقوفًا، وسياقه يدل على أنه مرفوع، فإنه قال بعده: وإنَّ الكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوْحُه - قال حماد: (وذكر من نتنها وذكر لعنًا) - ويقولُ أهلُ السَّماءِ: رُوْحٌ خَبيْثَةٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ الأرْض. قال: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا به إلى آخِرِ الأجَلَ. قال أَبو هريرة: فَرَدَّ رسولُ اللهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْه (١) عَلَى أنْفِهِ، هكذا". وهذا يدلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَدَّثهم بالحديث. وقد رواه جماعة عن أبي هريرة مرفوعًا، منهم أَبو سلمة، وعمر بن الحكم، وإسماعيل السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، وسعيد بن يسار، وغيرهم. وقد استوفيت الكلام على هذا الحديث وأمثاله في كتاب "الروح" (٢). قالوا: فإذا كانت الملائكة تقول للمؤمن: "صلى الله عليك" جاز ذلك أيضًا للمؤمنين، بعضهم لبعض. ٤٩٩ - الثامن: قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير" (٣)، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾

стр. 608

[الأحزاب: ٤٣]. ٥٠٠ - التاسع: ما رواه أَبو داود (١): عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". ٥٠١ - وفي حديث آخر عنها؛ أن رسول الله ﷺ قال (٢): "إن

стр. 609

الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف". وقد تقدم في أول الكتاب صلاة الملائكة على من صلى على النبي ﷺ . ٥٠٢ - العاشر: ما احْتجَّ به القاضي أَبو يعلى (١)، ورواه بإسناده من حديث مالك بن يَخَامِر، عن النبي ﷺ مرسلًا؛ أنه قال: "اللهم صل على أبي بكر، فإنه يحب الله ورسوله، اللهم صل على عمر، فإنه يحب الله ورسوله، اللهم صل على عثمان، فإنه يحب الله ورسوله، اللهم صل على عليّ، فإنه يحب الله ورسوله، اللهم صل على أبي عبيدة، فإنه يحب الله ورسوله، اللهم صل على عمرو بن العاص، فإنه يحب الله ورسوله". ٥٠٣ - الحادي عشر: ما رواه يحيى بن يحيى في "موطئه" (٢) عن مالك، عن عبد الله بن دينار، قال: "رأيت عبد الله بن عمر ﵄ يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر، وعمر ﵄ (٣) ". هذا لفظ يحيى بن يحيى. الثاني عشر: أنه قد صحَّ أن النبي ﷺ نصَّ على أزواجه في

стр. 610

الصلاة، وقد تقدم (١). قالوا: وهذا على أصولكم ألزم، فإنكم لمْ تُدخلوهنَّ في آله الذين تحْرُم عليهم الصَّدقة؛ فإذا جازت الصلاة عليهِنَّ، جازت على غيرهنَّ من الصحابة ﵃. الثالث عشر: أنكم قد قلتم بجواز الصَّلاة على غير النبي ﷺ تبعًا له، فقلتم بجواز أن يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وعلى أصحابه (٢) وأزواجه وذريته وأتباعه. قال أَبو زكريا النووي (٣): "واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعًا لهم في الصلاة - ثم ذكر هذه الكيفية وقال - للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد أُمِرْنا به في التشهد، ولم يزل السَّلَف عليه (٤) خارج الصلاة أيضًا". قلت: ومنه الأثر المعروف عن بعض السلف: ٥٠٤ - (اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين) (٥).

стр. 611

٥٠٥ - الرابع عشر: ما رواه أَبو يعلى الموصلي (١): عن ابن (٢) زنجويه، حدثنا أَبو المغيرة، حدثنا أَبو بكر بن أبي مريم، حدثنا ضمرة بن حبيب بن صهيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت؛ أن رسول الله ﷺ دعاه وعلمه دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال: "قل حين تصبح: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك ومنك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذرٍ، أو (٣) حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه، ما شئت منه كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، أنت على كل شيء قدير، اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين". ووجه الاستدلال: أنه لو لم تشرع الصَّلاة على غير النَّبي ﷺ ؛ ما صحَّ الاستثناء فيها، فإن العبد لما كان يصلي على من ليس

стр. 612

بأهل للصلاة (١) ولا يدري = استثنى من (٢) ذلك كما استثنى في حَلِفِه ونَذْرِه. قال الأولون: الجواب عما ذكرتم من الأدلة، أنها نوعان: نوع منها صحيح، وهو غير متناول لمحل النِّزاع، فلا يحتجُّ به. ونوع غير معلوم الصِّحَّة. فلا يحتجُّ به أيضًا، وهذا إنما يظهر بالكلام على كلِّ دليلٍ دليل. أما الدليل الأول: وهو قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ فهذا في غير محل النزاع، لأن كلامنا هل يسوغ (٣) لأحدنا أن يصلي على غير النبي ﷺ وآله أم لا؟. وأما صلاة النبي ﷺ على من صلى عليه؛ فتلك مسألة أخرى، فأين هذه من صلاتنا عليه التي أمرنا بها قضاء لحقه، هل يجوز أن يشرك معه غيره فيها (٤) أم لا (٥)؟. يُؤكِّده الوجه الثاني: أن الصلاة عليه حق له ﷺ ، يتعيَّن على الأُمَّة أداؤه والقيام به، وأما هو ﷺ فيخُصُّ مَن أراد ببعض ذلك الحقّ، وهذا كما تقول في شاتمه ومؤذيه: إنَّ قتله حق لرسول الله

стр. 613

ﷺ يجب على الأُمَّة القيام به واستيفاؤه، وإن كان ﷺ يعفو عنه، حتى (١) كان يبلغه ويقول: ٥٠٦ - "رَحِمَ اللهُ مُوسَى لَقَدْ أوْذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَر" (٢). وبهذا حصل الجواب عن الدليل الثاني أيضًا، وهو قوله (٣): ٥٠٧ - "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى"، وعن الدليل الثالث أيضا وهو صلاته على تلك المرأة وزوجها (٤). ٥٠٨ - وأما دليلكم الرابع: وهو قولُ عليٍّ لعمر ﵄: "صلى الله عليك". فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قد اخْتُلِف على جعفر بن محمد في هذا الحديث. ٥٠٩ - فقال أَنس بن عياض (٥): عن جعْفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا - لمَّا غَسَّل عمر وكفن وحمل على سريره - وقف

стр. 614

عليه، فأثنى عليه، وقال: "والله ما على الأرض رجل أحب إليَّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بالثوب". وكذلك رواه محمد ويعلى ابنا عبيد (١)، عن حجاج الواسطي (٢)، عن أبي (٣) جعفر، ولم يذكرا هذه اللفظة. ورواه ورقاء بن عمر (٤)، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن علي، ولم يذكر لفظة الصلاة، وكذلك رواه سليمان بن بلال عن جعفر عن أبيه. وكذلك رواه يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق (٥) عن جعفر عن أبيه. وكذلك رواه عون بن أبي جُحَيْفة عن أبيه، قال: كنت عند عمر وقد (٦) سُجِّي؛ فذكره دون لفظ الصلاة (٧)، بل قال: "رحمك الله"، وكذلك رواه عارم بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، وعمرو بن دينار، وأبي جهضم، قالوا: لما مات عمر فذكروا الحديث دون لفظ الصلاة، وكذلك رواه قيس بن الربيع،

стр. 615

عن قيس بن مسلم، عن ابن الحنفِيَّة. الثاني: أن الحديث الذي فيه الصلاة لم يسنده ابن سعد (١) قال في الطبقات: ٥١٠ - أخبرنا بعض أصحابنا: عن سفيان بن عيينة؛ أنه سمع

стр. 616

منه هذا الحديث عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره، وقال: لما انتهى إليه، فقال له: "صلى الله عليك". وهذا المبهم لعله لم يحفظه، فلا يحتجُّ به. ٥١١ - الثالث: أنه معارض بقول ابن عباس ﵄: "لا ينبغي الصَّلاة عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى النَّبيِّ ﷺ ". وقد تقدم (١). ٥١٢ - قالوا: وأما دليلكم الخامس وهو قول ابن عمر في صلاة الجنازة: "اللهم صل عليه" (٢)، فجوابه من وجوه: أحدها: أن نافع بن أبي نُعَيْم ضعيف عندهم في الحديث، وإن كان في القراءة إمامًا، قال الإمام أحمد: "يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشيء" (٣). والذي يدلُّ على أن هذا ليس بمحفوظ عن ابن عمر، أن مالكًا في "موطئه" لم يروه عن ابن عمر، وإنما روى أثرًا عن أبي هريرة، فلو كان هذا عند نافع مولاه، لكان مالك أعلم به من نافع بن أبي نُعَيْم (٤).

стр. 617

الثاني: أن قول ابن عباس يعارِضُ ما نُقِلَ عن ابن عمر. وأما دليلكم السادس أن الصلاة دعاء، وهو مشروع لكل مسلم، فجوابه من وجوه: أحدها: أنه دعاء مخْصوص، مأمور به في حق الرسول ﷺ ، وهذا لا يدلُّ على جَوَازِ (١) أن يُدْعى به لغيره، لما ذكرنا من الفروق بين الدعاء وغيره، مع الفرق العظيم بين الرسول ﷺ وغيره، فلا يصحُّ الإلْحَاق، لا في الدعاء، ولا في المدعو له ﷺ . الثاني: أنه كما (٢) لا يصحُّ أنْ يُقاس عليه دعاء غيره، لا يصح أن يقاس على الرسول ﷺ غيره فيه. الثالث: أنه ما شُرِع في حقِّ الرسولِ ﷺ لكونه دعاء، بل لأخصّ من مُطْلَق الدعاء، وهو كونه صلاةً متضمنةً لتعظيمِهِ وتمجيدِهِ والثَّنَاءِ عليه كما تقدَّم تقريره، وهذا أخصُّ من مطلق الدعاء. وأما دليلكم السابع: وهو قول الملائكة لروح المؤمن: "صَلّى اللهُ عَلَيْكِ وعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِيْنَه" (٣). فليس بمتناول لمحل النزاع، فإن النزاع إنما هو هل (٤) يسوغ لأحدنا أن يصلي

стр. 618

على غير الرسول وآله ﷺ ؟ وأما الملائكة فليسوا بداخلين تحت أحكام تكاليف البَشَر حتى يصحَّ قياسهم عليه فيما يقولونه أو يفعلونه، فأين أحكام المَلَك من أحكام البشر؟ فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره، يتصرفون بأمره، لا بأمر البشر، وبهذا خرج (١) الجواب عن كل دليل فيه صلاة الملائكة. ٥١٤ - وأما (٢) قولكم: "إن الله يصلي على المؤمنين وعلى معلم الناس الخير" (٣). فجوابه (٤): أنه في غير محل النزاع، وكيف يصح قياس فعل العبد على فعل الرب ؟ وصلاة العبد دعاء وطلب، وصلاة الله على عبده ليست دعاء، وإنما هي إكرام وتعظيم ومحبة وثناء، وأين هذا من صلاة العبد؟. وأما دليلكم العاشر: وهو حديث مالك بن يخامر (٥)، وفيه صلاة النبي ﷺ على أبي بكر وعمر ومن (٦) معهما. فجوابه من وجوه:

стр. 619

أحدها: أنه لا علم لنا بصحة هذا الحديث، ولم تذكروا إسناده لننظر فيه. الثاني: أنه مرسل. الثالث: أنه في غير محل النزاع، كما تقدم. ٥١٥ - وأما دليلكم الحادي عشر: "أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، وعلى أبي بكر وعمر ﵄". فجوابه من وجوه: أحدها: أن ابن عبد البر قال (١): "أنكر العلماء على يحيى بن يحيى (٢) ومن تابعه في الرواية عن مالك، عن عبد الله بن دينار: ٥١٦ - "رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر"، وقالوا: إنما الرواية لمالك

стр. 620

٥١٧ - وغيره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ ويدعو لأبي بكر وعمر). كذلك رواه ابن القاسم (١) والقعنبي (٢)، وابن بُكَيْر (٣) وغيرهم (٤) عن مالك، ففَرَّقُوا بما وصفت لك بين: "ويدعو لأبي بكر، وعمر" وبين "يصلي على النبي ﷺ "، وإن (٥) كانت الصلاة قد تكون دعاء، لما خص به ﷺ من لفظ الصلاة". قلت: وكذلك هو في "موطأ ابن وهب" لفظ الصلاة مختص بالنبي ﷺ ، والدعاء لصاحبيه. الثاني: أن هذا من باب الاستغناء عن أحد الفعلين بالأول منهما، وإن كان غير واقع على (٦) الثاني، كقول الشاعر (٧): عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاءً بَارِدًا … حتَّى غَدَتْ هَمَّالة عَيْنَاهَا

стр. 621

وقول الآخر (١): وَرَأَيْتُ (٢) زَوْجَكِ قَدْ غَدَا … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وقول الآخر (٣): وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا فلما كان الفعل الأول موافقًا للفعل الثاني في الجنس العام اكتفى به منه، لأن العلف موافق للسقي في التغذية (٤)، وتقلد السيف موافق لحمل الرمح في معنى الحمل، وتزجيج الحواجب موافق لكحل العيون في الزينة، وهكذا الصلاة على النبي ﷺ موافقة للدعاء لأبي (٥) بكر وعمر في معنى الدعاء والطلب. الثالث: أن ابن عباس ﵄ قد خالفه كما تقدم. وأما دليلكم الثاني عشر: بالصلاة على أزواجه ﷺ ، ففاسد، لأنه إنما صلى عليهن لإضافتهنَّ إليه، ودخولهنَّ في آله وأهل بيته، فهذه خاصَّة له، وأهل بيته وزوجاته تبع له فيها ﷺ .

стр. 622

وأما قولكم: إنه ألزم على أصولنا، فإنا لا نقول بتحريم الصدقة عليهنَّ. فجوابه: أن هذا وإن سُلِّم دل على أنهن لسن من الآل اللذين تحرم عليهم الصدقة، لعدم القرابة التي يثبت بها التحريم، لكنهن من أهل بيته الذين يستحقون الصلاة عليهم، ولا منافاة بين الأمرين. وأما دليلكم الثالث عشر: وهو جواز الصلاة على غيره ﷺ تبعًا، وحكايتكم (١) الاتفاق على ذلك، فجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا الاتفاق غير معلوم الصحة، والذين منعوا الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منعوها مفردة وتابعة، وهذا التفصيل وإن كان معروفًا عن بعضهم فليس كلهم يقوله. الثاني: أنه لا يلزم من جواز الصلاة على أتباعه تبعًا للصلاة عليه جواز إفراد المعين أو غيره بالصلاة عليه استقلالًا. وقوله: للأحاديث الصحيحة في ذلك. فليس في الأحاديث الصحيحة الصلاة على غير النبي ﷺ وآله وأزواجه وذريته، ليس فيها ذكر أصحابه ولا أتباعه في الصلاة. وقوله: أمرنا بها في التشهد. فالمأمور به في التشهد الصلاة على آله وأزواجه، لا غيرهما.

стр. 623

٥١٨ - وأما دليلكم الرابع عشر: وهو حديث زيد بن ثابت الذي فيه: "اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت". ففيه أَبو بكر بن أبي مريم ضعفه أحمد، وابن معين، وأَبو حاتم، والنسائي، والسعدي (١)، وقال ابن حبان: "كان من خيار أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء فَيَهِم (٢)، وكثر ذلك حتى استحق الترك". وفصل الخطاب في هذه المسألة:. أن الصلاة على غير النبي ﷺ : إما أن يكون على (٣) آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﷺ وجائزة مفردة. وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم، جاز ذلك أيضًا، فيقال (٤): اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين.

стр. 624

وإن كان شخصًا معينًا أو طائفة معينة كُرِهَ أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعلها شعارًا له (١)، ومنع منها (٢) نظيره، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعليّ ﵁، فإنهم حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع منه (٣)، ولاسيما إذا اتخذ شعارًا، لا يُخِلُّ به، فَتَرْكُهُ حينئذ متعيِّن. وأما إن صلى عليه أحيانًا، بحيث لا يجعل ذلك شعارًا، كما يُصلَّى على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: "صلى الله عليك". وكما صلى النبي ﷺ (٤) على المرأة وزوجها، وكما روي عن علي من صلاته على عمر، فهذا لا بأس به. وبهذا (٥) التفصيل تتفق الأدلة، وينكشف وجه الصواب. والله الموفق (٦)،

стр. 625

وإليه المرجع والمآب (١).