← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18124

جلاء الأفهام - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (625 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

مجاهد، فجاء الشبلي، فقام إليه أبو بكر بن مجاهد فعانقه، وقبل بين عينيه، فقلت له: يا سيدي، تفعل هذا بالشبلي، وأنت وجميع (١) مَنْ ببغداد يتصورون (٢) أنه مجنون؟ فقال لي: فعلت به كما رأيت رسول الله ﷺ فعل به، وذلك أني رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وقد أقبل الشبلي، فقام إليه، وقبل بين عينيه. فقلت: يا رسول الله! أتفعل هذا بالشبلي؟ فقال: "هذا يقرأ بعد صلاته: (﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، إلى آخرها ويتبعها بالصلاة عليَّ"، وفي رواية: "أنه لم يصل صلاة فريضة إلا ويقرأ خلفها) (٣) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة، ويقول ثلاث مرات: صلى الله عليك يا محمد" قال: فلما دخل الشبلي سألته (٤) عما يَذْكُرُ بعد الصلاة، فذكر مثله). فصل الموطن السادس والثلاثون من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند الذَّبِيْحَة. وقد اختلف في هذه المسألة، فاستحبها الشافعي رحمه

стр. 562

الله، قال (١): "والتسمية على الذبيحة بسم الله، فإن زاد (٢) بعد ذلك شيئًا من ذكر الله تعالى فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول: صلى الله على رسول الله، بل أحبّه له، وأحبّ له (٣) أن يكثر الصلاة عليه على كل الحالات؛ لأن ذكر الله بالصلاة (٤) عليه إيمان بالله وعبادة له، يؤجر عليها إن شاء الله تعالى من قالها. وقد ذكر عبد الرحمن بن عوف؛ أنه كان مع النبي ﷺ فتقدمه النبي ﷺ ، فتبعه، فوجده عبد الرحمن ساجدًا، فوقف ينتظره فأطال، ثم رفع، فقال عبد الرحمن: لقد خشيت أن يكون الله قبض روحك في سجودك، فقال: ٤٧٠ - "يا عبد الرحمن، إني لما كنت حيث رأيت لقيني جبريل فأخبرني عن الله؛ أنه قال: من صلى عليك صليت عليه، فسجدت لله شكرًا". وقال رسول الله ﷺ : ٤٧١ - "من نسي الصلاة علي خطئ به طريق الجنة"" (٥). وبسط ﵀ الكلام في هذا. ونازعه في ذلك آخرون، منهم أصحاب الإمام أبي حنيفة (٦)

стр. 563

رحمه الله تعالى، فإنهم كرهوا الصلاة في هذا الموطن، ذكره صاحب "المحيط" وعَلَّله بأن قال: لأنَّ فيه إيهام (١) الإهلال لغير الله تعالى. واختلف أصحاب الإمام أحمد ﵀ (٢) تعالى فكرهها القاضي وأصحابه، وذكر الكراهة أبو الخطاب في "رؤوس المسائل". وقال ابن شاقِلَّا: تستحب. كقول الشافعي. واحْتَجَّ مَن كرهها بأن قالوا: روى أبو محمد الخلال بإسناده (٣)، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: ٤٧٢ - "موطنان لا حظ لي فيهما: عند العطاس والذبح". واحتجوا بحديث سليمان بن عيسى السجزي، عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وأنه غير ثابت (٤).

стр. 564

فصل الموطن السابع والثلاثون من مواطن الصلاة عليه ﷺ في الصلاة في غير التشهد. بل في حال القراءة إذا مَرَّ بذكره، أو بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، ذكره أصحابنا، وغيرهم، قالوا: متى مَرَّ بذكره في القراءة وَقَفَ وصلَّى عليه. ٤٧٣ - وقال إسماعيل بن إسحاق (١): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا بشر بن منصور، عن هشام، عن الحسن، قال: "إذا مرّ بالصلاة على النبي ﷺ فليقف، وليصل عليه في التطوع". ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ذلك فقال: "إذا مر المصلي بآية فيها ذكر النبي ﷺ فإن كان في نفل صلى عليه ﷺ ".

стр. 565

فصل الموطن الثامن والثلاثون من مواطن الصلاة عليه ﷺ بَدَل الصَّدقة لمن لم يكن له مال فتجزئ الصلاة عليه عن الصدقة للمعْسر. ٤٧٤ - قال ابن وهب (١): عن عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمدٍ عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، فإنها له زكاة". رواه عنه ابن أخيه، وهارون بن معروف.

стр. 566

فصل الموطن التاسع والثلاثون من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند النوم. ٤٧٥ - قال أبو الشيخ في كتابه (١): أخبرنا إسحاق بن إسماعيل الرَّملِي (٢)، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا محمد بن نَشْر، حدثنا محمد بن عامر، قال: قال أبو قرصافة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أوى إلى فراشه ثم قرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ثم قال: اللهم رب الحل والحرم، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام، بحق كل آيةٍ أنزلتها في شهر رمضان، بلغ روح محمد ﷺ مني تحية وسلامًا، أربع مرات، وكل الله تعالى بها الملكين حتى يأتيا محمدًا ﷺ فيقولان له: يا محمد إن فلان ابن فلان يقرأ عليك السلام ورحمة الله. فيقول: وعلى فلان مني السلام ورحمة الله وبركاته". قال الحافظ أبو موسى: "نَشْر" والد "محمد" بفتح النون. قلت: وأبو قرصافة، ذكره ابن عبد البر في كتاب

стр. 567

الصحابة (١)، وقال اسمه: "جندرة" من بني كنانة، له صحبة، سكن فلسطين، وقيل: كان يسكن تهامة. ولكن محمد بن نشر هذا هو المدني، قال فيه الأزدي (٢): "متروك الحديث مجهول". قلت: وعلَّة الحديث أنه معروف من قول أبي جعفر الباقر، وهذا أشبه. والله أعلم. فصل الموطن الأربعون من مواطن الصلاة عليه ﷺ عند كلِّ كلامِ خيرٍ (٣) ذي بال فإنه يبتدئ بحمد الله والثناء عليه، ثم بالصلاة على رسول الله ﷺ ، ثم يذكر كلامه بعد ذلك. أما ابتداؤه بالحمد فلما في "مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٤)، و"سنن أبي داود" (٥): من حديث أبي هريرة رضي الله

стр. 568

عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: ٤٧٦ - "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم". وأما الصلاة على النبي ﷺ ، فروى أبو موسى المديني من حديث إسماعيل بن أبي زياد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: ٤٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "كل كلام لا يذكر الله فيه، فيبدأ به وبالصلاة عليَّ، فهو أقطع ممحوق من كل بركة" (١).

стр. 569

فصل الموطن الحادي والأربعون من مواطن الصلاة عليه ﷺ في أثناء تكبيرات (١) صلاة العيد فإنه يستحب أن يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ . ٤٧٨ - قال إسماعيل بن إسحاق (٢): حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة؛ أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يومًا (٣)، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم وتقرأ وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ محمد، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة، وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. وفي هذا الحديث الموالاة بين القراءتين، وهي مذهب أبي

стр. 570

حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد (١)، وفيه تكبيرات العيد الزوائد ثلاثًا ثلاثًا، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، وفيه حمد الله والصلاة على رسوله بين التكبيرات، وهو مذهب الشافعي وأحمد (٣)، فأخذ أبو حنيفة به في عدد التكبيرات والموالاة بين القراءتين، وأخذ به أحمد والشافعي في استحباب الذكر بين التكبيرات. وأبو حنيفة ومالك (٤) يَسْتحبَّان سرد التكبيرات من غير ذكر بينهما، ومالك لم يأخذ به في هذا ولا في هذا، والله أعلم.

стр. 571

الباب الرابع (١) في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه ﷺ - الأولى: امتثالُ أمْر الله . الثانية: موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ ، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم. الثالثة: موافقة ملائكته فيها. الرابعة: حصول عشر صلوات من الله عَلَى المُصَلِّي عليه (٢) مرّة. الخامسة: أنه يُرْفَعُ له عشر درجات. السادسة: أنه يُكْتَبُ له عشر حسنات. السابعة: أنه يُمْحَى عنه عشر سيئات. الثامنة: أنه يُرْجَى إجابة دعائه إذا قدَّمها أمامه، فهي تصاعد

стр. 572

الدعاء إلى عند ربِّ العالمين، وكان موقوفًا بين السماء والأرض قبلها (١). التاسعة: أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال (٢) الوسيلة له (٣) أو أفردها، كما تقدم حديث رُوَيْفِع بذلك (٤). العاشرة: أنها سبب لغفران الذنوب، كما تقدم. الحادية عشرة: أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمَّه. الثانية عشرة: أنها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة، وقد تقدم حديث ابن مسعود بذلك (٥). الثالثة عشرة: أنها تقوم مقام الصَّدقة لذي العُسْرَة. الرابعة عشرة: أنها سبب لقضاء الحوائج. الخامسة عشرة: أنها سبب لصلاة الله على المصلِّي وصلاة ملائكته عليه. السادسة عشرة: أنها زكاة للمصلي وطهارة له. السابعة عشرة: أنها سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته، ذكره

стр. 573

الحافظ أبو موسى في كتابه، وذكر فيه حديثًا (١). الثامنة عشرة: أنها سبب للنَّجاة من أهوال يوم القيامة، ذكره أبو موسى وذكر فيه أيضًا حديثًا (٢). التاسعة عشرة: أنها سبب لِردِّ النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة والسلام على المصلي والمسلم عليه. العشرون: أنها لسب لتذكر العبد ما نَسِيَه، كما تقدم (٣). الحادية والعشرون: أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حَسْرة على أهله يوم القيامة. الثانية والعشرون: أنها سبب لنفي الفقر، كما تقدم (٤). الثالثة والعشرون: أنها تنفي عن العبد اسم البُخْل إذا صلى عليه عند ذكره ﷺ . الرابعة والعشرون: نجاته من الدُّعاء عليه بِرُغْمِ الأنْف إذا تَرَكَها عند ذكره ﷺ (٥).

стр. 574

الخامسة والعشرون: أنها ترمي صاحبها على طريق الجنة، وتخطئ بتاركها عن طريقها (١). السادسة والعشرون: أنها تنجي من نَتَنِ المجلس الذي لا يُذكرُ فيه الله ورسوله، ويُحْمد الله تعالى ويُثْنى عليه فيه، ويُصلَّى على رسوله ﷺ . السابعة والعشرون: أنها سبب لتمام الكلام الذي ابتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله ﷺ . الثامنة والعشرون: أنها سبب لوفور نور العبد على الصِّراط، وفيه حديث ذكره أبو موسى وغيره (٢). التاسعة والعشرون: أنه يخرج بها العبد عن الجفاء. الثلاثون: أنها سبب لإلقاء (٣) الله سبحانه الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض: لأن المصلي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلابُدَّ أن يحصل للمصلي نوع من ذلك. الحادية والثلاثون: أنها سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره، وأسباب مصالحه، لأن المصلي داعٍ ربه أن يبارك عليه

стр. 575

وعلى آله، وهذا (١) الدعاء مستجاب، والجزاء من جنسه. الثانية والثلاثون: أنها سبب لنيل رحمة الله له، لأن الرحمة: إما بمعنى الصلاة كما قاله طائفة، وإما من لوازمها وموجباتها على القول الصحيح، فلابد للمصلي عليه من رحمة تناله. الثالثة والثلاثون: أنها سبب لدوام محبَّته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يَتِمُّ إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضارِهِ في قلبه، واستحضارِ محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه = تضاعف حُبُّهُ له (٢) وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه. وإذا أعْرَض عن ذكره وإخْطارِهِ وإِخْطارِ (٣) محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه. ولا شيء أَقرَّ لعين المُحِبِّ من رؤية محبوبه، ولا أَقرَّ لقلبه من ذكره وإخطاره وإخطار (٤) محاسنه. إذا قوي هذا في قلبه، جرى لسانه بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه يحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك، حتى قال بعض (٥) الشعراء في ذلك:

стр. 576

عَجِبْتُ لِمَنْ يَقُولُ: ذَكَرْتُ حِبِّي … وَهلْ أنْسَى فأذْكُرُ ما نَسِيْتُ؟! (١) فتعجب هذا المحب ممن يقول: ذكرت محبوبي، لأن الذكر يكون بعد النسيان، ولو كمل حب هذا لما نسي محبوبه. (وقال آخر: أُرِيْدُ لأنْسَى ذِكْرَهَا فكأنَّمَا … تَمَثَّلُ لِيْ لَيْلَى بكلِّ سَبِيْلِ فهذا أخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها) (٢). وقال آخر (٣): يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانكُم … وتَأْبَى الطِّبَاعُ على النَّاقِل فأخبر أن حبهم وذكرهم قد صار طبعًا له، فمن أراد منه خلاف ذلك أبت عليه طباعه أن تنتقل عنه، والمثل المشهور: "من أحب شيئًا أكثر من ذكره" (٤)، وفي هذا الجناب الأشرف أحق ما أُنشد: لَوْ شُقَّ عَنْ قَلْبِي فِرَى وسطه (٥) … ذِكْرُك والتَّوحِيْد فِيْ سَطْرِ

стр. 577

فهذا قلب المؤمن: توحيدُ الله وذكرُ رسوله ﷺ مكتوبان فيه لا يتطرَّق إليهما (١) مَحْو ولا إزالة، ولمَّا كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبَّته، ونسيانه سببًا لزوال محبته أو ضعفها، وكان الله سبحانه هو المستحقُّ من عباده نهاية الحبِّ مع نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يُشْرك به في الحُبِّ والتَّعظيم، فيحِب غيره ويعظم من المخلوقات غيره (٢)، كما يحب الله تعالى ويعظمه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أن المشرك يُحِبُّ النِّدَّ كما يُحِبُّ اللهَ تعالى، وأن المؤمن أشدُّ حُبًّا لله من كل شيء، وقال أهل النار في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ومن المعلوم أنَّهم إنَّما سَوُّوهم به سبحانه في الحبّ والتألّه والعبادة (٣)، وإلا فلمْ يقل أحد قطُّ إنَّ الصَّنَم أو غيره من الأنداد مساوٍ لرب العالمين في صفاته، وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده (٤) أيضًا، وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة. وأضلُّ من هؤلاء وأسوأ حالًا مَنْ سوَّى كل شيء بالله سبحانه

стр. 578

في الوجود، وجعله وجود كل موجود كامل أو ناقص، فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوى بينه وبين الأصنام في الحب، مع اعتقاد تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذَّات والصفات والأفعال، فكيف بمن سوَّى الله بالموجودات في جميع ذلك، وزعم أنه ما عَبَدَ غيرَ الله في كل معبود. والمقصود: أن دوام الذكر لما كان سببًا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال= كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد، وكان عدوه حقًا هو الصاد له عن ذكر ربه وعبوديته؛ ولهذا أَمَرَ سبحانه بكثرة ذكره في القرآن، وجعله سببًا للفلاح، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٤٧٩ - وقال النبي ﷺ : "سَبَقَ المُفرِّدُون"، قالوا: يا رسول الله وما المُفَرِّدُون؟ قال: "الذَّاكِرُون اللهَ كثيرًا والذَّاكِرات" (١).

стр. 579

٤٨٠ - وفي الترمذي (١): عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ألا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذكر الله"، وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء. ٤٨١ - قال معاذ بن جبل: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" (٢). وذكر رسوله ﷺ تبع لذكره. والمقصود: أنَّ دوامَ الذِّكْر سببٌ لدوام المحبَّة، فالذِّكْر

стр. 580

للقلب كالماء للزَّرع، بل كالماء للسَّمك، لا حياةَ له إلا به. وهو (١) أنواع: - ذكْرُه بأسمائه، وصفاته، والثناء عليه بها (٢). - الثاني: تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وتمجيده، وهو (٣) الغالب من استعمال لفظ الذِّكر عند المتأخرين (٤). - الثالث: ذِكْرُه بأحكامه وأوامره ونواهيه، وهو ذِكْرُ أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذِكْرُهم لربِّهم. - ومن أفضل ذِكْرِهِ ذِكْرُهُ بكلامه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤]، فذِكْرُهُ هنا: كلامُه الذي أنْزله على رسوله، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. - ومن ذِكْره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتَضرُّع إليه. فهذه خمسة أنواع من الذِّكْر. الفائدة الرابعة والثلاثون: أن الصَّلاة عليه ﷺ (سَبَبٌ لِمَحبَّته للعبد، فإنها إذا كانت) (٥) سببًا لزيادة محبَّة المصلّى عليه له،

стр. 581

فكذلك هي سبب لمحبته هو للمصلي عليه ﷺ . الخامسة والثلاثون: أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كُلَّما أكثر الصَّلاة عليه وذكره، اسْتَوْلت محبته على قلبه، فلا (١) يبقى في قلبه معارضة (٢) لشيء من أوامره، ولا شك في شيء ممَّا جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبًا مسطورًا في قلبه، لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويَقْتَبِس الهُدَى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلَّما ازداد في ذلك بصيرة وقُوَّة ومعرفة، ازدادت صَلاته عليه ﷺ . ولهذا صلاة أهل العلم - العارفين بسُنَّته وهدْيه المتَّبِعين له - عليه، خلافُ صلاة العوام عليه (٣)، الذين حَظُّهم منهَا إزعاج أعضائهم بها ورفع أصواتهم، وأما أتباعه (٤) العارفون بسنته العالِمُون بما جاء به، فصلاتهم عليه نوع آخر، فكُلَّما ازْدَادوا فيما جاء به معرفة، ازدادوا له محبَّةً ومعرفةً بحقيقة الصَّلاة المطلوبة له من الله تعالى. وهكذا ذِكْرُ الله سبحانه، كلَّما كان العبدُ به أعْرف، وله أطْوع، وإليه أحبّ، كان ذِكْرُهُ غير ذِكْرِ الغافلين اللَّاهِيْن، وهذا أمْر إنَّما يُعْلَم بالخُبْرِ لا بالخَبَرِ، وفرق بين مَنْ يذكر صفات محبوبه

стр. 582

الذي قد ملك حُبُّه جميع قلبه، ويثني عليه بها ويمجِّده بها، وبيْن مَن يَذْكرها إمَّا إثارة وإما لفظًا، ولا يدري ما معناه، لا يطابق فيه قلبه لسانه، كما أنه فرْق بَيْن بكاء النَّائِحة وبكاء الثَّكْلَى، فذِكْره ﷺ وذِكْر ما جاء به، وحمد الله تعالى على إنعامه علينا ومنِّه (١) بإرساله، هو حياة الوجود وروحه، كما قيل: روْحُ المَجَالِسِ ذِكْرُه وحَدِيْثُه … وهدى لِكُلِّ مُلَدَّدٍ حَيْرَانِ وَإِذَا أُخِلَّ بِذِكْرِه في مَجْلِسٍ … فأُولئكَ الأمْوَاتُ فِي الجُبَّانِ (٢) السادسة والثلاثون: أنها سبب لِعَرْض اسْم المُصلِّي عليه ﷺ وذكره عنده، كما تقدم قوله ﷺ : ٤٨٢ - "إن صلاتكم معروضة علي" (٣). ٤٨٣ - وقوله: "إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام" (٤)، وكفى بالعبد نُبْلًا أن يذكر اسمه بالخير (٥) بين يَدَي رسول الله ﷺ ، وقد قيل في هذا المعنى: ومَنْ خَطَرَتْ منْه بِبَالِك خَطْرَة … حَقِيْقٌ بأنْ يَسْمُو وأنْ يتَقَدَّمَا (٦)

стр. 583

وقال الآخر (١): أَهْلًا بمَا لَمْ أكُنْ أهْلًا لِمَوْقِعِه … قَوْلَ المُبَشَّر بعْد اليَأسِ بالفَرَجِ لَكَ البِشَارةُ فاخْلَع مَا عَليْكَ فَقْد … ذُكرْتَ ثَمّ عَلَى مَا فِيْكَ مِن عِوَجِ السابعة والثلاثون: أنها سبب لتثبيت (٢) القدم على الصراط، والجواز عليه، لحديث عبد الرحمن بن سمرة (٣) الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي ﷺ وفيه (٤): ٤٨٤ - "ورأيت رجلًا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته". رواه أبو موسى المديني، وبنى عليه كتابه في "الترغيب والترهيب"، وقال: "هذا حديث حسن جدًا" (٥).

стр. 584

الثامنة والثلاثون: أن الصلاة عليه ﷺ أداءٌ لأقل القليل من حَقِّه، وشكر له على نعمته التي أنعم الله بها علينا، مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علمًا، ولا قدرة، ولا إرادة، ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه. التاسعة والثلاثون: أنها متضمِّنة لذِكْر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله، فالمصلي عليه ﷺ قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا وأسمائه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه، فهي متضَمِّنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود (١) الربِّ المَدْعو، وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﷺ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له، فكانت من أفضل الأعمال. الأربعون: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاءُ العبد وسؤاله من ربه نوعان: أحدهما: سؤاله حوائجه ومهمَّاته، وما ينوبه في الليل والنَّهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه. الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه

стр. 585

وتكريمه وإيثاره ذِكْره، ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحبُّ ذلك، ورسوله يحبه ﷺ ، فالمصَلِّي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محابّ الله تعالى ورسولة، وآثر ذلك على طلبه حوائِجَهُ ومحابَّهُ هو، بل كان (١) هذا المطلوب من أحبِّ الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبّه الله ورسوله على ما يحبّه هو، فقد آثر الله ومحابَّه على ما سواه (٢)، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره، واعْتَبِرْ هذا بما تَجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب إليهم (٣) والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحبَّ رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه، علت منزلتهم عنده، وازداد قربهم منه، وحظوتهم (٤)، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوده، فأحبُّهم إليه أشدُّهم له سؤالًا وَرغبة أن يُتِمَّ عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحسِّ، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من يسأل (٥) المطاع حوائجه هو، وهو (٦) فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدةً، فكيف بأعظم مُحَبّ وأجلّه لأكرم محبوب وأحقّه بمحبة ربه له؟ ولو لم

стр. 586

يكن من فوائد الصلاة عليه ﷺ إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شَرَفًا. وههنا نكتة حسنة لمن عَلَّم أمته دِيْنَه وما جاءهم (١) به، ودعاهم إليه وحضَّهم عليه، وصبر على ذلك، وهي أن النبي ﷺ له من الأجر الزائد على أجر عمله مثل أجور من اتبعه، فالداعي إلى سنته ودينه، والمعلِّم الخير للأُمَّة إذا قصد توفير هذا الحظ على رسول الله ﷺ وصرفه إليه، وكان مقصوده بدعاء الخلق إلى الله التقرب إليه بإرشاد عباده، وتوفير أجور المطيعين له على رسول الله ﷺ مع توفيتهم أجورهم كاملة، كان له من الأجر في دعوته وتعليمه بحسب هذه النِّيَّة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢). * * *

стр. 587

الباب الخامس (١) في الصلاة على غير النبي وآله ﷺ تسليمًا أما سائر الأنبياء والمرسلين فيُصَلَّى عليهم (٢) ويُسَلَّم. قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٨٠]، وقال عن إبراهيم خليله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) (٣) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]، وقال تعالى في موسى وهارون: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠]، فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السلام عليهم المذكور. وقد قال جماعة من المفسرين، منهم مجاهد وغيره (٤):

стр. 588

وتركنا عليهم في الآخرين: الثَّناء الحسن، ولسان الصدق للأنبياء كلّهم، وهذا قول قتادة أيضًا. ولا ينبغي أن يُحْكى هذا قولان للمفسرين، كما يفعله من له عناية بحكاية الأقوال (١). بل هما قول واحد، فمن قال: إنَّ المتروك هو السَّلام عليهم في الآخرين (٢) نفسه، فلا ريب أن قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوْحٍ﴾ هو جملة في موضع نصب (٣) بتَرَكْنَا، والمعنى: أن العالمين يُسَلِّمون على نوحٍ ومن بعده من الأنبياءَ، ومَن فسَّره بلسان الصِّدق والثناء الحسن، نَظرَ إلى لازم السَّلام وموجبه، وهو الثناء عليهم، وما جعل لهم من لسان الصدق الذي لأجْله إذا ذُكِرُوا سُلِّمَ عليهم. وقد زعمت طائفة، منهم ابن عطية (٤) وغيره: أن من قال: تركنا عليه ثناء حسنًا ولسان صدق، كان ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب، وهو سلام من الله سلم به عليه. قالوا: فهذا السلام من الله أَمَنَة لنوح في العالمين أن يَذْكُره أحد بشرٍ. قاله الطبري (٥)؛ وقد يُقوِّي هذا القول أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الآخرين، وأن السلام عليه في العالمين، وبأن ابن عباس ﵄ قال (٦):

стр. 589

٤٨٥ - "أبقى الله عليه ثناءً حسنًا". وهذا القول ضعيف لوجوه: أحدها: أنه يلزم منه حَذْف المفعول لـ "تركنا"، ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير، فإن المعنى يؤول إلى أنا تركنا عليه في الآخرين أمرًا لا ذكر له في اللفظ، لأن السلام عند هذا القائل منقطع قبله، لا تعلق له بالفعل. الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفًا كما ذكروه، لذكره (١) في موضع واحد، ليدل على المراد منه عند حذفه، ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن، وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح أن يذكر الشيء في موضع، ثم يحذفه في موضع آخر، لدلالة المذكور على المحذوف، وأكثر ما تجده (٢) مذكورًا، وحذفه قليل، وأما أن يحذف حذفًا مطردًا، ولم يذكره في موضع واحد، ولا في اللفظ ما يدل عليه، فهذا لا يقع في القرآن.

стр. 590

الثالث: أن في قراءة ابن مسعود: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامًا﴾ بالنصب (١)، وهذا يدلُّ على أن المتروك هو السلام نفسه. الرابع: أنه لو كان السلام منقطعًا (٢) مما قبله؛ لأخلَّ ذلك بفصاحة الكلام وجزالته، ولَمَا حَسُنَ الوقوف على ما قبله، وتأمَّل هذا بحال السامع إذا سمع قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ كيف يجد قلبه متشوقًا (٣) متطلعًا إلى تمام الكلام، واجْتِنَاء الفائدة منه، ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتَمَّت ليطمئن عندها، بل يبقى طالبًا لتمامها، وهو المتروك، فالوقف على ﴿الْآخِرِينَ﴾ ليس بوقفٍ تامّ (٤). فإن قيل: فيجوز حذف المفعول من هذا الباب، لأن "ترك" هنا (٥) في معنى (٦) أعطى، لأنه أعطاه ثناء حسنًا أبقاه عليه في الآخرين، ويجوز في باب "أعطى" ذكر المفعولين، وحذفهما، والاقتصار على أحدهما، وقد وقع ذلك في القرآن، كقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] فذكرهما، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥]، فحذفهما، وقال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، فحذف الثاني، واقتصر على الأول.

стр. 591

وقال تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، فحذف الأول واقتصر على الثاني. قيل: فِعْل الإعطاء فِعْل مَدْح، فلفظه (١) دليل على أن المفعول المُعْطَى قد ناله عطاءُ المُعْطِي، والإعطاء إحسان ونفع وبرّ، فجاز ذكر المفعولين، وحذفهما، والاقتصار على أحدهما، بحسب الغرض المطلوب من الفعل، فإن كان المقصود إيجاد ماهية الإعطاء المُخْرِجَةِ للعبد من البُخْل والشُّحِّ والمنع المنافي للإحسان = ذَكَرَ الفعل مجرَّدًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]، ولم يذكر ما أعطى ولا مَنْ أعطى، وتقول: فلان يُعطِي ويَتَصدَّقُ ويَهَبُ ويُحْسن، وقال النبي ﷺ : ٤٨٦ - "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" (٢)، لما كان المقصود بهذا تفرُّد الرب سبحانه بالعطاء والمنع لم يكن لذِكْرِ المُعْطَى ولا لِلحَظِّ (٣) المعْطَى معنىً، بل المقصود أن حقيقة العطاء والمنع إليك، لا إلى غيرك، بل أنت المتفرد بها، لا يشركك فيها أحد، فذِكْر المفعولين هنا يُخِلُّ بتمام المعنى وبلاغته، وإذا كان المقصود ذكرهما ذُكِرَا معًا، كقوله تعالى. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ

стр. 592

الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]، فإن المقصود إخباره لرسوله ﷺ بما خصَّه به، وأعطاه إيَّاه من الكوثر، ولا يتمُّ هذا إلا بذكر المفعولين، وكذا قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه، كقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، المقصود به أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم ولا يهملونه، فَذَكَرَه لأنه هو المقصود، وقوله عن أهل النار: ﴿لمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤]؛ لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للإطعام أنهم بَخِلُوا عنه، ومنعوه حقَّه من الإطعام، وقَسَتْ قلوبهم عنه، كان ذِكْرُه هو المقصود دون المطعوم. وتدبَّر هذه الطريقة في القرآن وذكره للأهمِّ المقصود، وحذفه لغيره، يُطْلِعَك على باب من أَبواب إعجازه، وكمال فصاحته. وأما فعل التَّرك فلا يُشْعِر بشيء من هذا ولا يُمْدَحُ به، فلو قلت: فلان يترك؛ لم يكن مفيدًا فائدة أصلًا، بخلاف قولك: يُطْعم ويُعْطي ويَهَبَ ونحوه، بل لابدَّ أن تذكر ما يَتْرك، ولهذا لا يقال: فلان تارك. ويقال. مُعْط ومُطْعِم، ومن أسمائه سبحانه: "المعطي"، فقياس "ترك" على "أعطى" من أفسد القياس. و ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ جملة محكية. قال الزمخشري: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [الصافات: ٧٨] من الأمم، وهذه الكلمة وهي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ يعني يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١].

стр. 593

الخامس: أنه قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾، فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين، ومعلوم أن هذا السلام فيهم؛ هو سلامُ العالمين عليه، كلهم يسلم عليه، ويثني عليه (١)، ويدعو له، فذكره بالسلام عليه فيهم، وأما سلام الله سبحانه عليه فليس مقيدًا بهم، ولهذا لا يشرع أن يسأل الله تعالى مثل ذلك، فلا يقال: السلام على رسول الله في العالمين، ولا اللهم سلم على رسولك في العالمين، ولو كان هذا هو سلام الله؛ لشرع أن يطلب من الله على الوجه الذي سلم به (٢). وأما قولهم: إن الله سَلَّم عليه في العالمين، وترك عليه في الآخرين. فالله أبقى على أنبيائه ورسله سلامًا وثناءً حسنًا فيمن تأخَّر بعدهم جزاءً على صبرهم، وتبليغهم رسالات ربهم، واحتمالهم للأذى من أُمَمِهم في الله، وأخبر أن هذا المتروك على نوح هو عامٌّ في العالمين، وأن هذه التَّحِيَّة ثابتة فيهم جميعًا، لا يخلون منها، فأدامها عليه في الملائكة والثَّقَلين، طَبَقًا بعد طَبَق، وعالَمًا بعد عالَم، مجازاة لنوح ﵇ بصبره، وقيامه بحق ربه، وبأنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وكل المرسلين بعده بعثوا بدينه، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]. وقولهم: إن هذا قول ابن عباس. فقد تقدم أن ابن

стр. 594

عباس (١) وغيره إنما (٢) أرادوا بذلك أن السلام عليه من الثناء الحسن، ولسان الصدق، فذكروا معنى السلام عليه وفائدته، والله سبحانه (٣) أعلم. ٤٨٧ - وأما الصلاة عليهم (٤)، فقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه (٥): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني" صلى الله عليهم وسلم تسليمًا. ورواه الطبراني: عن الدَّبَرِي (٦)، عن عبد الرزاق (٧)، عن الثوري، عن موسى. ٤٨٨ - وقال الطبراني (٨): حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن

стр. 595

عمرو بن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني". وفي الباب عن أَنس (١)، وقيل: عن أَنس، عن أبي طلحة ﵄ (٢). ٤٨٩ - قال الحافظ أَبو موسى المديني (٣): وبلغني بإسناد عن بعض السلف: (أنه رأى آدم في المنام كأنَّه يشكو قِلَّة صلاة بنيه عليه (٤) ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين). وموسى وإن كان ضعيفًا فحديثه يستأنس به. وقد حكى غير واحدٍ الإجماع على أن الصلاة على جميع

стр. 596

النبيين مشروعة، منهم الشيخ محيي الدين النووي (١) ﵀ وغيره. وقد حكي عن مالك رواية أنه لا يصلى على غير نبينا ﷺ ، ولكن قال أصحابه: هي مُؤوَّلة بمعنى أنَّا (٢) لم نتعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء؛ كما تعبَّدنا الله بالصلاة عليه ﷺ . فصل وأما من سوى الأنبياء، فإن آل النبي ﷺ يصلى عليهم بغير خلاف بين الأمة. واختلف موجبوا الصلاة على النبي ﷺ في وجوبها على آله على قولين مشهورين لهم، وهي طريقتان للشافعية (٣): إحداهما: أن الصلاة واجبة على النبي ﷺ ، وفي وجوبها على (٤) الآل قولان للشافعي، هذه طريقة إمام الحرمين والغزالي. والطريقة الثانية: أن في وجوبها على الآل وجهين، وهي الطريقة المشهورة عندهم، والذي صحَّحُوه: أنها (٥) غير واجبة عليهم.

стр. 597

واختلف أصحاب أحمد (١) في وجوب الصلاة على آله ﷺ ، وفي ذلك وجهان لهم، وحيث أوجبوها فلو أبدل لفظ الآل بالأهل فقال: "اللهم صل على محمدٍ وأهل محمد" ففي الإجزاء وجهان. وحكى بعض أصحاب الشافعي الإجماع على أن الصلاة على الآل مُسْتحبَّة لا واجبة، ولا يثبت في ذلك إجماع. فصل وهل يصلي على آله ﷺ منفردين عنه؟ فهذه المسألة على نوعين: أحدهما: أن يُقَال: "اللهم صل على آل محمد" فهذا يجوز، ويكون ﷺ داخلًا في آله، فالإفراد عنه وقع في اللفظ، لا في المعنى. الثاني: أن يُفْرَد واحد منهم بالذِّكر، فيقال: اللهم صل على عليٍّ، أو على حسنٍ، أو حسينٍ، أو فاطمة ﵃، ونحو ذلك. فاخْتُلِف في ذلك، وفي الصلاة على غير آله ﷺ من الصحابة ومن بعدهم، فكره ذلك مالك ﵀، وقال: لم يكن ذلك من عمل من مضى، وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثووي، وبه قال طاووس (٢).

стр. 598

٤٩٠ - وقال ابن عباس: "لا يَنْبغِي الصَّلاة إلَّا على النَّبِي ﷺ " (١). ٤٩١ - قال إسماعيل بن إسحاق (٢): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عباد (٣) بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: "لا تصلح الصلاة على أحد (٤) إلا على النبي ﷺ ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار". وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز. ٤٩٢ - قال أبو بكر بن أبي شيبة (٥): حدثنا حسين (٦) بن علي، عن جعفر بن برقان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: (أما بعد، فإن ناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن

стр. 599

من (١) القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ ، فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين (٢) عامة) (٣). وهذا مذهب أصحاب الشافعي، ولهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَنْع تَحْرِيم. والثاني: وهو قول الأكثرين؛ أنه مَنْع كراهة تنزيه. والثالث: أنه من باب ترك الأوْلى وليس بمكروه. حكاها (٤) النواوي (٥) في "الأذكار" (٦) قال: "والصحيح الذي عليه الأكثر أنه مكروه كراهة تنزيه". ثم اختلفوا في السَّلام هل هو في معنى الصلاة؟ - فيكره أن يُقال: السلام على فلان. أو يُقالُ (٧): فلان عليه¬ السلام -. فكرهه طائفة، منهم أَبو محمد الجويني، ومنع أن يقال: عن علي - عليه¬ السلام - وفرق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا (٨): السلام يشرع

стр. 600

في حق كل مؤمن حي وميت وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلغ فلانًا مني السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول ﷺ وآله، ولهذا يقول المصلي: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، ولا يقول: "الصلاة علينا وعلى عباد الله الصالحين" فعلم الفرق. واحتج هؤلاء بوجوه: أحدها: قول ابن عباس، وقد تقدم. الثاني: أن الصلاة على غير النبي ﷺ وآله قد صارت شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، ذكره النووي (١). قلت: ومعنى ذلك، أن الرافضة إذا ذَكَرُوا أئمَّتهم يُصلُّون عليهم بأسمائهم، ولا يُصلُّون على غيرهم ممَّن هو خير منهم، وأحبّ إلى الرسول ﷺ ، فينبغي أن يخالفوا في هذا الشِّعَار. الثالث: ما احتج به مالك ﵀؛ أن هذا لم يكن من (٢) عمل من مضى من الأُمَّة، ولو كان خيرًا لسبقونا (٣) إليه. الرابع: أن الصلاة قد (٤) صارت مخصوصة في لسان الأمة
следующие страницы →