← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18128

الوابل الصيب - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (502 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء؛ فإذا تُرِك الذكرُ صَدِئ؛ فإذا ذُكِر جلاه. وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه (١) بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور (٢) الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَه الرَّانُ، فَسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًّا، ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر، أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟؛ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة، وأمره فُرُطٌ = لم يَقْتَدِ به ولم يَتبعه؛

стр. 142

فإنه يقوده إلى الهلاك (١). ومعنى الفُرُط قد فُسِّر بالتضييع (٢)، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائعٌ قد فَرَّطَ فيه. وفُسِّر بالإسراف (٣)، أي: قد أفرط، وفُسِّر بِالهلاك (٤). وفُسِّر بالخلاف للحق (٥). وكلها أقوال متقاربة. والمقصودُ أن الله نهى عن طاعةِ مَنْ جَمَع هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه؛ فإن وجده كذلك فَلْيُبْعِدْ عنه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره = فليتمسّك بِغَرْزِه. ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت. وفي "المسند" مرفوعًا: "أكثِروا ذِكْر اللهِ تعالى حتى يُقَال: مَجْنون" (٦).

стр. 143

فصل وفي الذكر نحوٌ من مائة فائدة: إحداها: أنه يطرد الشيطان ويَقْمَعُه ويَكْسِرُه. الثانية: أنه يُرضِي الرحمن . الثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب. الرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبَسْط. الخامسة: أنه يُقَوِّي القلب والبدن. السادسة: أنه يُنَوِّر الوجه والقلب. السابعة: أنه يَجْلِب الرزق. الثامنة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنَّضْرة. التاسعة: أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام، وقطبُ رَحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، وقد (١) جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر؛ فمن أراد أن ينال محبة الله فَلْيَلْهَجْ بذكره،

стр. 144

فإنّ (١) الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة، وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم (٢). العاشرة: أنه يورثه المراقبة حتى يُدْخِلَه في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذِّكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت. الحادية عشرة: أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله ، فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه (٣) في كل أحواله، فيبقى الله مَفْزَعه وملجاه، ومَلاذه ومَعاذه، وقِبْلة قلبه، وَمَهْرَبَه عند النوازل والبلايا (٤). الثانية عشرة: أنه يُورِثه القُرْبَ منه ؛ فعلى قدر ذكره لله يكون قُرْبُه منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعْده منه. الثالثة عشرة: أنه يفتح له بابًا عظيمًا من أبواب المعرفة، وكلّما أكْثَر من الذكر ازداد من المعرفة (٥). الرابعة عشرة: أنه يُورِثه الهيبة لربه وإجلالِه ؛ لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل؛ فإن حجاب الهيبة رقيقٌ

стр. 145

في قلبه. الخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ولو لم يكن في الذكر إلا (١) هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا. وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "مَنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم" (٢). السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكرُ للقلب مثلُ الماء للسمك (٣)، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! السابعة عشرة: أنه قُوتُ القلب والروح ؛ فإذا فَقَده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قُوتِه. وحضرتُ شيخ الإسلام ابن تيمية مرةً صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتَغَدَّ هذا الغداء لسقطت قوَّتِي، أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعِدَّ بتلك الراحة لذكرٍ آخر، أو كلامًا هذا معناه.

стр. 146

الثامنة عشرة: أنه يورث جَلاء القلب من صَداه (١)، كما تقدم في الحديث. وكلُّ شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجِلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار، وقد تقدم هذا المعنى (٢). التاسعة عشرة: أنه يَحُطُّ الخطايا ويُذْهِبها ؛ فإنه من أعظم الحسنات، والحسناتُ يُذْهِبْن السيئاتِ. العشرون: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎ ؛ فإن الغافل بينه وبين الله وَحْشَةٌ لا تزول إلا بالذكر. الحادية والعشرون: أن ما يَذْكُر به العبدُ ربَّه من جلاله وتسبيحه وتحميده، يُذَكِّرُ بصاحبه عند الشدة ؛ فقد روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "المسند" عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ مِمّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلالِ الله ، مِنَ التَّهْليلِ والتكبير والتحميد، يتَعَاطَفْنَ حول العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بصاحبهنّ، أفلا يحبُّ أحدكم أن يكون له ما يُذَكِّرُ به؟! " (٣). هذا الحديث أو معناه.

стр. 147

الثانية والعشرون: أن العبد إذا تعرَّف إلى الله تعالى، بذكره في الرخاء = عَرَفه في الشدّة، وقد جاء أثرٌ معناه: أن العبد المطيع الذاكر لله تعالى إذا أصابته شدّة، أو سأل الله تعالى حاجة قالت الملائكة: يا ربّ! صوتٌ معروفٌ من عبدٍ معروفٍ. والغافل المعرض عن ذكر الله إذا دعاه أو سأله قالت الملائكة: يا ربّ! صوتٌ منكرٌ من عبدٍ منكر (١). الثالثة والعشرون: أنه منجاةٌ مِنْ عذاب الله تعالى، كما قال معاذٌ ﵁، -ويُرْوَى مرفوعًا-: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى" (٢). الرابعة والعشرون: أنه سبب نُزول (٣) السكينة، وغِشْيان الرحمة، وحُفُوفِ الملائكة بالذاكر، كما أخبر به النبي ﷺ . الخامسة والعشرون: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل؛ فإن العبد لابُدَّ له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذِكْرِ أوامره تكلم بهذه المحرمات أو

стр. 148

ببعضها (١)؛ فلا سبيل إلى السلامة منها ألبتة إلا بذكر الله تعالى. والمشاهدة والتجربةُ شاهدان بذلك؛ فمن عوَّد لسانه ذِكْرَ اللهِ صانَ اللهُ لسانَه عن الباطل واللغو (٢)، ومن يَبِسَ لسانُه عن ذكر الله تعالى تَرَطَّبَ بكل باطلٍ ولَغْوٍ وفُحْشٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. السادسة والعشرون: أنّ مجالسَ الذكر مجالسُ الملائكة، ومجالسَ اللغو والغفلة مجالسُ الشياطين، فَلْيَتَخَيَّرِ العبدُ أعجبهما إليه، وأولاهما به؛ فهو مع أهله في الدنيا والآخرة. السابعة والعشرون: أنه يَسْعَدُ الذاكرُ بذكره، ويَسْعَدُ به جليسُه، وهذا هو المبارك أينما كان، والغافلُ واللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مُجالِسُه. الثامنة والعشرون: أنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة ؛ فإنّ كل مجلس لا يَذْكُرُ العبدُ فيه ربَّه تعالى كان عليه حسرةً وتِرَةً يوم القيامة (٣). التاسعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سببٌ لإظلال الله تعالى العبدَ يوم الحَرِّ الأكبر في ظِلِّ عرشه، والناسُ في حَرِّ الشمس قد صَهَرَتْهُم في الموقف، وهذا الذاكرُ مُسْتَظِلٌّ بظل عرش الرحمن عز

стр. 149

وجل (١). الثلاثون: أن الاشتغال به سببٌ لعطاء الله الذاكرَ أفضلَ ما يُعْطِي السائلين ؛ ففي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعْطِي السائلين (٢) " (٣). الحادية والثلاثون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلِّها وأفضلها؛ فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرك عضو من أعضاء الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة، بل لا يمكنه ذلك.

стр. 150

الثانية والثلاثون: أنه غِراسُ الجنة، فقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد، أقْرئْ أمَّتك مِنِّي السَّلام، وأخبرهم أن الجنة طيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماء، وأنَّها قِيعانٌ، وَأنَّ غِراسَها سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". قال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث ابن مسعود (١). وفي "الترمذي" من حديث أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من قال: سبحان الله وبِحَمْده، غُرِسَتْ له نخلةٌ فى الجنَّة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). الثالثة والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رُتِّب عليه لم يُرَتَّبْ على غيره

стр. 151

من الأعمال. ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، له المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير في يومٍ مائة مرةٍ كانت له عَدْل عَشْرِ رقابٍ، وَكُتِبَتْ له مائةُ حسَنةٍ، ومُحِيَتْ عنهُ مائةُ سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحَدٌ بأفضل مما جاء به إلَّا رجلٌ عمل أكثر منه. ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرَّة حُطَّتْ خَطاياهُ وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البحر" (١). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لأن أقولَ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحَبُّ إليَّ مما طَلَعتْ عليه الشَّمْس" (٢). وفي "الترمذي" من حديث أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يُصْبِح أو يُمْسِي: اللهم إنّي أصبحتُ أُشهِدُكَ، وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرشِكَ، وملائِكَتَك، وجميع خلقك، أنَّك أنت الله لا إله إلَّا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولُك = أعْتَق اللهُ رُبعه من النَّار، ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقهُ الله تعالى من النار" (٣).

стр. 152

وفيه عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يُمسِي وإذا أصْبَح: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّد ﷺ رسولًا = كان حقًّا على الله أنْ يُرْضِيَهُ" (١).

стр. 153

وفي الترمذي: "من دخل السُّوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحْيِي ويميت، وهو حَيٌّ لا يموت، بيده الخَيْرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير = كتب الله له ألْفَ ألْفَ حسنة، ومحا عنه ألْف ألْف سيئة، ورفع له ألْفَ ألْفَ درجة" (١). الرابعة والثلاثون: أن دوامَ ذِكر الرب ﵎ يُوجِب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده ؛ فإن نسيان الرب (٢) يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].

стр. 154

وإذا نسي العبدُ نفسه أعرض عن مصالحها، ونَسِيَها، واشتغل عنها؛ فهلكت وفسدت ولابُدّ، كمن له زرعٌ أو بستانٌ أو ماشيةٌ أو غير ذلك مِمّا صلاحُه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه، فأهمله ونسيه، واشتغل عنه بغيره، وضَيَّع مصالحه؛ فإنه يفسد ولابُدّ. هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه؛ فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها، واشتغل عن مصالحها، وعطَّل مراعاتها، وترك القيام عليها بما يصلحها؟! فما شئت من فسادٍ وهلاكٍ وخيبةٍ وحرمان!. وهذا هو الذي صار أمره كله فُرُطًا، فانفرط (١) عليه أمره، وضاعت مصالحه، وأحاطت به أسباب القُطوع والخيبة والهلاك. ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى، واللَّهَجِ به، وأن لا يزال اللسان رطبًا به، وأن يُنزله منزلة حياته التي لا غنى له عنها، ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمُه وهلك، وبمنزلة الماء عند شدة العطش، وبمنزلة اللباس في الحر والبرد، وبمنزلة الكِنِّ (٢) في شدة الشتاء والسَّموم (٣). فحقيقٌ بالعبد أن يُنزِل ذكر الله منه (٤) بهذه المنزلة، وأعظم؛ فأين

стр. 155

هلاك الروح والقلب وفسادها من هلاك البدن وفساده؟!، وهذا هلاكٌ لابُدَّ منه وقد يعقبه صلاح الأبد، وأما هلاك القلب والروح فهلاكٌ لا يُرجَى معه صلاح ولا فلاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولو لم يكن في فوائد الذكر وإدامته إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها. فمن نسي الله تعالى أنساه نفسه في الدنيا، ونسيه في العذاب يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]، أي تُنْسَى في العذاب كما نسيت آياتنا، فلم تذكرها ولم تعمل بما فيها. وإعراضُه عن ذكره يتناول إعراضَه عن الذكر الذي أنزله، وهو كتابه، وهو المراد، ويتناول إعراضَه عن أن يَذْكُرَ ربه بكتابه، وأسمائه، وصفاته، وأوامره، وآلائه، ونعمه؛ فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى، فإن الذكر (١) في الآية إما مصدرٌ مضافٌ إلى معموله الذي هو المذكور، وإما اسمٌ (٢) مضافٌ إلى الفاعل، أو مضافٌ إضافة الأسماء المحضة، أي: من أعرض عن كتابي ولم يَتْلُه، ولم يتدبره، ولم يعمل به، ولم يفهمه (٣) = فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مُضَيَّقةً (٤)

стр. 156

عليه، مُنكَّدة، مُعذَّبًا فيها. والضَّنْكُ: الضيق والشدة والبلاء، وَوصْفُ المعيشةِ نَفْسِها بالضنك مبالغةٌ، "وفُسِّرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح: أنها تتناول معيشته في الدنيا، وعذابه في البرزخ؛ فإنه يكون في ضَنْكٍ في الحالَيْن (١)، وهو شدة وجَهْدٌ وضِيق، وفي الآخرة يُنْسَى في العذاب. وهذا عكسُ أهل السعادة والفلاح؛ فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، وفي البرزخ، ولهم في الآخرة أفضل الثواب، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْييَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] فهذا في البرزخ والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [النحل: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

стр. 157

فهذه أربعة مواضع ذكر الله تعالى فيها أنه يَجْزِي المحسن بإحسانه جزائين: جزاءً في الدنيا، وجزاءً في الآخرة. فالإحسانُ له جزاءٌ مُعَجَّلٌ ولابُدّ، والإساءة لها جزاءٌ مُعَجَّلٌ ولابُدّ. ولو لم يكن إلا ما يُجَازى به المُحْسِنُ (١): من انشراح صدره، وانفساح قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه ، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه. وما يُجَازى به المسيء: مِنْ ضيق الصدر، وقسوة القلب، وتَشَتُّتِه، وظُلْمَتِه، وحزازاته (٢)، وغمه، وهمه، وحزنه، وخوفه، وهذا أمر لا يكاد من له أدنى حِسٍّ وحياة يرتابُ فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق (٣) عقوباتٌ عاجلة، ونارٌ دنيوية، وجهنَّمُ حاضرةٌ. والإقبالُ على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضى به وعنه (٤)، وامتلاء القلب من محبته، واللَّهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته = ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، وعَيْشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه ألبتة.

стр. 158

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إنّ في الدنيا جَنَّةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة". وقال لي مرة: "ما يصنع أعدائى بي؟!، أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رُحْتُ فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" (١). وكان يقول في محبسه بالقلعة: "لو بذلت لهم (٢) ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة"، أو قال: "ما جزيتهم على ما تسبَّبوا لي فيه من الخير"، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: "اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ما شاء الله. وقال لي مرة: "المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه". ولما أُدخِل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد: ١٣]. وعَلِمَ اللهُ ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضِدِّها، ومع ما كان فيه من الحبس

стр. 159

والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من (١) أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا (٢)، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض = أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينةً. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحِها ونسيمها وطِيبها ما استفرغ قُواهم لطلبها (٣)، والمسابقة إليها. وكان بعض العارفين يقول: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف" (٤). وقال آخر: "مساكينُ أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها! " قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: "محبةُ الله تعالى ومعرفته وذِكره"، أو نحو هذا. وقال آخر: "إنه لتمرُّ بالقلبِ أوقاتٌ يرقُص فيها طربًا".

стр. 160

وقال آخر: "إنه لتمرُّ بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عَيْشٍ طيِّب". فمحبةُ الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته = هو جَنَّةُ الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرة عين المُحِبّين، وحياة العارفين. وإنما تَقَرُّ أعين الناس (١) بهم على حسب قرة أعينهم بالله ؛ فمن قَرَّتْ عينه بالله قَرَّتْ له (٢) كُلُّ عين، ومن لم تَقَرَّ عينه بالله تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يصدِّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحِشُك، ثُمَّ فاسْتأنِسْ (٣) بغيبته ما أمكنك، فإنك لا يوحشك إلا حضوره عندك (٤)، فإذا ابتليت به، فأعطه ظاهرك، وتَرَحَّلْ عنه بقلبك، وفارقه بسرِّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.

стр. 161

واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجْدِي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله ، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وَشَتَاتِ قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرُّقِ همِّك (١). فإذا بُلِيت بهذا -ولابُدَّ لك منه- فعامِل الله تعالى فيه، واحتسب عليه ما أمكنك، وتقرَّب إلى الله بمرضاته فيه، واجعل اجتماعك به مَتْجَرًا لك، لا تجعله خسارة، وكن معه كرجلٍ سائرٍ في طريقه عَرَضَ له رجلٌ وَقَفهُ عن سيره، فاجْتَهِدْ أن تأخذه معك وتسير به، فَتَحْمِله ولا يحملك (٢)؛ فإن أبى ولم تَلْقَ في سيره مطمعًا، فلا تقف معه، بل اركب الدَّرْبَ ودَعْهُ ولا تلتفت إليه؛ فإنه قاطعُ طريقٍ، ولو كان من كان، فانْجُ بقلبك، وضِنَّ بيومك وليلتك، لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فَتُؤْخَذ، أو يطلع عليك الفجر وأنت في المنزلة فَيَسِيرَ الرِّفاقُ فتصبح وحدك، وأنَّى لك بِلَحاقهم!. الخامسة والثلاثون: أن الذكر يُسَيِّر العبدَ وهو قاعد على فراشه، وفي سوقه، وفي حال صحته وسقمه، وفي حال نعيمه ولذته، ومعاشه، وقيامه وقعوده واضطجاعه، وسفره وإقامته، فليس في الأعمال شيءٌ يَعُمُّ الأوقات والأحوال مثله، حتى إنه يُسَيِّر العبدَ وهو نائمٌ على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة، فيصبح هذا وقد قطع الرَّكْبَ وهو مُسْتَلْقٍ على

стр. 162

فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقَةِ الرَّكْبِ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. وحُكِي عن رجل من العُبّاد: أنه نزل برجل من العُبّاد ضيفًا، فقام العابد ليله يصلي، وذلك الرجل مُسْتَلْقٍ على فراشه، فلما أصبحا قال له العابد: سبقك الرَّكْبُ، أو كما قال، فقال: ليس الشأنُ فيمن بات ليله مسافرًا وأصبح مع الرَّكْبِ، الشأنُ فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الرَّكْبَ!. وهذا ونحوه له محملٌ صحيح، ومحملٌ فاسد؛ فمن حمله على أنّ الراقد المضطجع (١) على فراشه يسبق القائم القانت، فهو باطل، وإنما مَحْمَلُه أن هذا المستلقي على فراشه عَلَّقَ قلبه بربه ، وألصق حَبَّة قلبه بالعرش، وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة، قد غاب عن الدنيا وما فيها، وقد عاقه عن قيام الليل عائقٌ من وَجَعٍ أو بَرْدٍ يمنع (٢) القيام، أو خوفٍ على نفسه من رؤية عدوٍّ يطلبه، أو غير ذلك من الأعذار، فهو مُسْتَلْقٍ على فراشه، وفي قلبه ما الله أعلمُ به. وآخرُ قائم يصلي ويتلو، وفي قلبه من الرياء والعُجْبِ، وطلبِ الجاه والمَحْمَدة عند الناس ما الله به عليم، أو قلبه في وادٍ وجسمه في وادٍ، فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة، فالعمل

стр. 163

على القلوب، لا على الأبدان، والمعوَّل على الساكن، لا على الأطلال، والاعتبار بالمحرِّك الأوّل، فالذكر يُثِير العزم الساكن، ويهيِّج الحُبَّ المتواري، ويبعث الطلب الميِّت. السادسة والثلاثون: أن الذِّكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور (١) بمثل ذكر الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فالأول هو المؤمن استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر هو الغافل عن الله تعالى، المعرض عن ذكره ومحبته. والشأنُ كلُّ الشأنِ، والفلاحُ كلُّ الفلاحِ في النور، والشقاءُ كلُّ الشقاءِ في فواته. ولهذا كان النبي ﷺ يبالغ في سؤاله (٢) ربه ﵎ حين يسأله أن يجعله في لحمه، وعظامه، وعصبه، وشعره، وَبَشَره، وسمعه، وبصره، ومن فوقه، ومن تحته، وعن يمينه، وعن شماله، وخلفه، وأمامه، حتى يقول: "واجعلني نورًا" (٣).

стр. 164

فسأل ربه ﵎ أن يجعل النور في ذاته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجُمْلَته نورًا. فدينُ الله نورٌ، وكتابه نورٌ، وداره التي أعدها لأوليائه نورٌ يتلألأ، وهو ﵎ نور السموات والأرض، ومن أسمائه النور، والظلماتُ أشرقت (١) لنور وجهه. وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف: "أعوذ بِنُورِ وَجْهِك الذي أشْرَقَتْ له الظُّلمات، وصَلَح عليه أمْرُ الدنيا والآخرة = أنْ يَحِلَّ عليَّ غَضَبُك، أو يَنْزِلَ بي سَخَطُك، لك العُتْبى حتى تَرْضى، ولا حول ولا قوة إلّا بك" (٢).

стр. 165

وقال ابن مسعود ﵁: "ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهار، نورُ السموات والأرض من نور وجهه" (١). وفي بعض ألفاظ هذا الأثر: "نور السموات والأرض من نور وجهه" (٢). ذكره عثمان الدارمي (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].

стр. 166

فإذا جاء ﵎ يوم القيامة للفصل بين عباده، أشرقت بنوره الأرض، وليس إشراقها يومئذ بشمسٍ ولا قمر؛ فإن الشمس تُكَوَّر، والقمر يخسف، ويَذْهَبُ نورُهما، وحجابُه ﵎ النور. قال أبو موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِضُ القِسْط ويَرْفَعُه، يُرْفَعُ إليه عمل الليلِ قبل عمل النَّهار، وعملُ النهارِ قبل عملِ الليل، حِجابُه النُّور، لو كشفه لأحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه". ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] (١). فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه، ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره (٢). ولهذا لما تجلى ﵎ للجبل، وكشف من الحجاب شيئًا يسيرًا، ساخ الجبل في الأرض، وتدكدك، ولم يقم لربه ﵎. وهذا معنى قول ابن عباس في قوله (٣) : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: "ذلك الله ، إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء" (٤).

стр. 167

وهذا من بديع فَهْمِه رضي الله تعالى عنه، ودقيقِ فِطْنَتِه، وكيف لا وقد دعا له (١) رسول الله ﷺ أن يعلِّمه الله التأويل؟!. فالربُّ ﵎ يُرَى يوم القيامة بالأبصار عيانًا، ولكنْ يستحيل إدراك الأبصار له وإن رأته؛ فالإدراكُ أمرٌ وراء الرؤية، وهذه الشمس -ولله المثل الأعلى- نراها ولا ندركها كما هي عليه، ولا قريبًا من ذلك؛

стр. 168

ولذلك قال ابن عباس لمن سأله عن الرؤية وأورد عليه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فقال: ألستَ ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أفتدركها؟ قال: لا، قال: فالله تعالى أعظم وأجلُّ (١). وقد ضرب الله لنوره في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون، فقال : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. قال أبيُّ بنُ كعب: "مَثَلُ نُورِه في قلب المسلم" (٢). وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه مِنْ معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم، فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين

стр. 169

الناس، وأصلُه في قلوبهم، ثم تَقْوَى مادته، وتتزايد (١) حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودُورهم، يُبْصِرُه مَنْ هو مِنْ جنسهم، وسائر الخلق له منكرون (٢). فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجِسْر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا، فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجم (٣)، وآخر كالسراج، وآخر يُعْطَى نورًا على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأُعْطِيَ على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرًا، لا باطنًا = أُعطِي نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذَّهاب. وضرب الله لهذا النور، ومحلِّه، وحامله، ومادته مثلًا بالمشكاة، وهي الكُوَّة في الحائط، فهي مثل الصَّدْرِ، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شُبِّهت بالكوكب الدُّرِّيُّ في بياضه وصفائه، وهي مثل القلب، وشُبِّه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن، وهي: الصفاء، والرقة، والصلابة، فيرى الحق والهدى

стр. 170

بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة بِرقَّتِه، ويجاهد أعداء الله تعالى، ويغلظ عليهم، ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، فلا تُبْطِل صفةٌ منه صفةً أخرى (١)، ولا تعاديها، بل تساعدها وتُعاضِدُها، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وفي أثرٍ: "القُلوبُ آنيةُ الله تعالى في أرْضه، فَأحَبُّها إليْهِ أرَقُّها، وَأصْلَبُها، وَأصْفَاها" (٢). وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض. أحدهما: قلبٌ حَجَرِيٌّ قاسٍ لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بِرّ، ولا له صفاء يَرى به الحق، بل هو جبارٌ جاهل، لا عالمٌ بالحق، ولا راحمٌ للخلق (٣).

стр. 171

وبإزائه قلبٌ ضعيف مائيّ، لا قوة فيه، ولا استمساك، بل يَقْبَل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصُّور، ولا قوة التأثير في غيره، وكلُّ ما خالطه أثَّر فيه، من قويٍّ وضعيف، وطيِّبٍ وخبيث. وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك (١) النورِ مادّةٌ، وهي زيتٌ قد عُصِر من زيتونةٍ في أعدل الأماكن، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتُها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد (٢) من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن، هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومَيْن في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن. ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار، فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادةُ ضوءِ النار به = كان ذلك نورًا على نور.

стр. 172

وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكنْ لا مادة له من (١) نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشته (٢)، فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نورٌ على نور (٣)، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرًا، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته، فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة. فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فَذَكَر نورَه في السموات والأرض، ونورَه في قلوب عباده المؤمنين، النورَ المعقولَ المشهودَ بالبصائر والقلوب (٤)، الذي استنارت به البصائرُ والقلوبُ، والنورَ المحسوسَ المشهود بالأبصارِ، الذي استنارت به أقطار العالم العُلْوي والسُّفْلِي، فهما نوران عظيمان، وأَحدهما أعظم من الآخر. وكما أنه إذا فُقِد أحدهما من مكان أو موضع، لم يَعِشْ فيه آدميٌّ ولا غيرُه؛ لأن الحيوان إنما يتكوَّن حيثُ النور، ومواضعُ الظلمة التي لا

стр. 173

يشرق عليها نورٌ لا يعيشُ فيها حيوانٌ، ولا يتكوَّنُ ألبتة = فكذلك أمة فُقِد منها نور الوحي والإيمان، وقلبٌ فُقِد منه هذا النور ميّتٌ ولابُدّ، لا حياة له ألبتة، كما لا حياة للحيوان في مكانٍ لا نور فيه. والله يَقْرِنُ بين الحياة والنور، كما في قوله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وقد قيل: إن الضمير في "جعلناه" عائد إلى الأمر، وقيل: إلى الكتاب، وقيل: إلى الإيمان، والصواب: أنه عائد إلى الروح، أي: جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نورًا (١)، فسمّاه رُوحًا لما يحصل به من الحياة، وجعله نورًا لما يحصل به من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان، فحيث وُجِدت هذه الحياة بهذا الروح وُجِدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وُجِدت الاستنارة والإضاءة وُجِدت الحياة، فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميّت مظلم، كما أن من فارق بدنَه روحُ الحياة

стр. 174

فهو هالك مُضْمَحِلّ. فلهذا يضرب المثلين: المائيّ والناريّ معًا (١)؛ لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. وقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيه الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق. وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي حرارة (٢) الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبِهم، وقلوبُهم قد صلِيَتْ بحرِّها وأذاها وسمومها وَوَهَجِها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارًا موقدةً تطَّلع على الأفئدة. فهذا مَثَلُ من لم يَصْحَبْهُ نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عَرَفَ ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلماتٍ أصمُّ أبكمُ أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من

стр. 175

الكفّار: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]. وشَبَّه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحالِ مُسْتَوقِدِ النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله؛ لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين، وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء، ورأوا النور عيانًا؛ ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]؛ لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبَّسوا به، واستناروا به (١) فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾؛ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، بل لم يزالوا (٢) في ظلمات الكفر، صمٌّ بكمٌ عُمْي. فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبديةِ والنعيم المقيم داعيًا، وإلى طريق الرشاد هاديًا.

стр. 176

لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانًا واعية، وَشَفَتْ مواعظُ القرآن لو وافقت قلوبًا من غَيِّها خالية، ولكن عَصَفَتْ على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبُها فلم ينفع فيها الكلام، وسَكِرَتْ بشهوات الغيِّ وشبهات الباطل فلم تُصْغِ بعده إلى الملام، وَوُعِظَتْ بمواعظ أنكى فيها من الأسِنَّة والسِّهام، ولكنْ ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأَسْرِ الهوى والشهوة، و"ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلام" (١).

стр. 177

فصل والمثلُ الثاني المائيُّ قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]. الصَّيِّبُ: المطر الذي يَصُوبُ من السماء، أي: ينزل منها بسرعة، وهو مَثَل القرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا خطر لها، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق، وهو الوعيد والتهديد، والعقوبات والمَثُلات التي حذر الله بها من خالف أمره (١)، وأخبر أنه مُنْزِلُها بمن كذَّب رسوله ﷺ ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء، والصبر على اللأواء، والأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إراداتها (٢)، فهي كالظلمات والرعد والبرق (٣)، ولكن مَنْ عَلِمَ مواقع الغيث وما يحصل به من الحياةِ لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق، بل يستأنس لذلك، ويفرح به لما يرجو من الحياة والخِصْب.

стр. 178

وأما المنافق فإنه لِعَمَى قلبه لم يجاوز بصرُه الظلمةَ، ولم يَرَ إلّا برقًا يكاد يخطف البصر، ورعدًا عظيمًا وظلمة (١)، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع (٢) صوت الرعد، وهالَه مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعِظَمُ نوره، فهو خائف أن يختطف معه بصره؛ لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمةٍ يسمع أصوات الرعد القاصف (٣)، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإنْ أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وإنْ فقد الضوء قام متحيِّرًا لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصَّيِّبِ الذي به حياةُ الأرض والنبات، وحياتُه هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدًا، وبرقًا، وظلمةً، ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشةُ لازمةٌ له، والرعبُ والفزعُ لا يفارقه. وأما من أَنِس بالصَّيِّب وعلم ما يحصل به من الخيرات (٤) والحياة والنفع، وعلم أنه لابُدّ فيه من رعدٍ وبرقٍ وظلمةٍ؛ بسبب الغيم = استأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يَقْطَعْهُ ذلك عن أخذه بنصيبه من الصَّيِّب. فهذا مَثَلٌ مُطابِقٌ للصَّيِّب الذي نزل به جبريل ﵇ من عند

стр. 179

رب العالمين ﵎، على قلب رسول الله ﷺ (١)؛ ليُحْيِيَ به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصَّيِّب المائيَّ (٢)، حكمةً بالغةً، وأسبابًا منتظمةً نظَّمها العزيز الحكيم. فكان حظ المنافق من ذلك الصَّيِّب سحابُه ورُعُودُه وبُروقُه فقط، لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقَّنه المُبْصِرُون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخُفاش في نحر الظهيرة (٣)، وسَمْعُه في المثل المائيّ كسَمْعِ من يموت من صوت الرعد. وقد ذُكِر عن بعض الحيوانات أنها تموت من صوت الرعد (٤). وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهاتٌ شيطانية، وخيالاتٌ فاسدة، وظنونٌ كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكَثُرَ بها قِيلُها وقالُها، فملأت الأسماع

стр. 180

من هذيانها، والأرض من دويانها (١)، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمُكَثِّرين لسوادهم عَددًا، وما أقلهم عند الله وأوليائه قدرًا (٢). ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهَتْك، وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبَيَّن علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل يقول: "ومنهم. . ."، "ومنهم. . ."، "ومنهم. . ." = حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم. وقد ذكر الله في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية؛ لعموم الابتلاء بهم، وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجَلَدة (٣) مظهرون
следующие страницы →