← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18128

الوابل الصيب - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (502 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل عدنا إلى شرح حديث الحارث الذي فيه ذِكْرُ ما يُحْرِزُ العبدَ من عدوّه: قوله ﷺ : "وأمركم بالصيام، فإن مَثَلَ ذلك مَثَلَ رجل في عصابةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسك، فكلُّهم يعجب أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". إنما مثَّل ﷺ ذلك بصاحب الصُّرة التي فيها المسك؛ لأنها مستورة عن العيون، مخبوءة تحت ثيابه، كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومُه مستورٌ عن مشاهدةِ الخلق، لا تدركه حواسُّهم. والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها مَنْ جَالَس حامل المسك، كذلك مَنْ جَالَس الصائم انتفع بمجالسته له، وأَمِن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب. ففي الحديث الصحيح (١): "من لم يَدَعْ قول الزُّور والعمل به

стр. 107

والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (١)، وفي الحديث: "رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش" (٢). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فكذلك الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتُصيِّره بمنزلة من لم يَصُمْ. وقد اخْتُلِفَ في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين. وقد وقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع (٣)، فمال أبو محمد إلى أن تلك في الآخرة خاصة، وصنف فيه مصنفًا (٤)، ومال الشيخ (٥) أبو عمرو إلى أن

стр. 108

ذلك في الدنيا والآخرة، وصنف فيه مصنفًا رد فيه على أبي محمد (١). وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان؛ فإنه في "صحيحه" بَوَّبَ عليه كذلك، فقال: "ذكر البيان بأن خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "كُلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي، وأنا أجزي به، وَلَخُلوف (٢) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٣). ثم قال: "ذكر البيان بأن خُلوف (٤) فم الصائم يكون أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة"، ثم ساق حديثًا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي (٥)، وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح

стр. 109

بفطره، وإذا لقي الله فرح بصومه". قال أبو حاتم: "شعار المؤمنين يوم (١) القيامة التحجيلُ بوضوئهم في الدنيا فَرْقًا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيبُ خُلوف أفواههم (٢) أطيب من ريح المسك؛ ليُعْرَفوا من بين سائر الأمم في (٣) ذلك الجمع بذلك العمل، جعلنا الله تعالى منهم" (٤). ثم قال: "ذكر البيان بأن خُلوف فم الصائم قد يكون أيضًا أطيب من ريح المسك في الدنيا"، ثم ساق من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله: إلا الصوم، فهو لي، وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولَخُلوف فم الصائم حين يَخْلُفُ من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك" (٥). واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطِّيب بيوم

стр. 110

القيامة" (١). قلت: ويشهد لقوله: الحديثُ المتفق عليه "والذي نفسي بيده ما من مكلوم يُكْلَمُ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وَكَلْمُه يَدْمَى، اللون لون دم، والريح ريح مسك" (٢). فأخبر ﷺ عن رائحة كَلْمِ المكلوم في سبيل الله بأنها كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خُلوف فم الصائم؛ فإن الحِسّ يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خُلوف (٣)، ولكنْ يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مِسْكًا يوم القيامة. واحتج الشيخ أبو عمرو بما ذكره أبو حاتم في "صحيحه" من تقييدِهِ ذلك بوقت إخلافه، وذلك يدل على أنه في الدنيا، فلما قَيَّد المبتدأ وهو"خُلوف فم الصائم" بالظرفِ وهو قوله: "حين يخلف" = كان الخبر عنه -وهو قوله: "أطيب عند الله"- خبرًا عنه في حال تقييده؛ فإنّ (٤) المبتدأ إذا تقيد بوصفٍ أو حالٍ أو ظرفٍ كان الخبر عنه حال كونه مقيدًا، فدل على أن طِيبه عند الله تعالى ثابتٌ حال إخلافه. قال: وروى الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر أن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أمتي في شهر رمضان خمسًا. . ." فذكر الحديث، وقال فيه: "وأما الثانية: فإنهم يُمْسُون وريح أفواههم أطيب عند الله من ريح

стр. 111

المسك" (١). ثم ذكر كلام الشُّرّاح في معنى طِيبه، وتأويلَهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله (٢)، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بُورِكَ له فيه (٣)، فهو مُوَكَّلٌ به!. وأيُّ ضرورة تدعو (٤) إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضى بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟! وكثيرٌ من هؤلاء يُنْشِئ للّفظ معنى، ثم يدَّعي إرادة ذلك المعنى بلفظِ النصّ، من غير نظرٍ منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عَيَّنه، أو احتمالِ اللغة له.

стр. 112

ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله ﷺ بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلومًا بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عُرْفِ الشارع ﷺ ، أوْ عادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به = وإلا كانت شهادة (١) باطلة، وأدنى أحوالها أن تكون شهادة بلا علم. ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمَثَّل النبي ﷺ طيب هذا الخُلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم. ونسبةُ استطابة ذلك إليه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنها استطابةٌ لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته (٢) لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو يستطيب الكلمَ الطيب فيصعد إليه، والعملَ الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا (٣). ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذْ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرِّضى؛ فإن قالوا: رضاهُ ليس كرضى المخلوقين،

стр. 113

فقولوا: استطابتهُ ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. ثم قال (١): وأما ذِكْرُ يوم القيامة في الحديث؛ فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخُلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضى الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة (٢)، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فَخَصَّ يوم القيامة بالذكر في بعض الروايات (٣) كما خَصَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١]، وأطلق في باقيها نظرًا إلى أن أصل أفضليَّته (٤) ثابت في الدارين. قلتُ: ومن العجب رَدُّه على أبي محمد بما لا ينكره أبو محمد ولا غيره (٥)؛ فإن الذي فسَّر به الاستطابةَ المذكورة (٦) في الدنيا بثناء الله تعالى على الصائمين ورضاه بفعلهم أمرٌ لا ينكره مسلم؛ فإن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه، وفيما بلَّغه عنه رسول الله ﷺ ، ورضي بفعلهم؛ فإن كانت هذه هي (٧) الاستطابة، أفترى الشيخ أبا محمد ينكرها؟!. والذي ذكره الشيخ أبو محمد: أن هذه الرائحة إنما يظهر طِيبها على

стр. 114

طيب المسك في اليوم الذي يظهر فيه طيب دم الشهيد، ويكون كرائحة المسك، ولا ريب أن ذلك يوم القيامة؛ فإن الصائم في ذلك اليوم يجيءُ ورائحة فمه أطيب من رائحة المسك، كما يجيء المكلوم في سبيل الله ورائحة دمه (١) كذلك، لا سيما والجهاد أفضل من الصيام؛ فإذا كان طِيب رائحته إنما يظهر يوم القيامة فكذلك الصائم (٢). وأما حديث جابر: "فإنهم يُمْسُون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك" فهذه جملة حالية لا خبرية، فإن خبر "أمسى" (٣) لا يقترن بالواو؛ لأنه خبر مبتدأ، فلا يجوز اقترانه بالواو. وإذا كانت الجملة حاليَّةً فلأبي محمد أن يقول: هي حالٌ مقدَّرة، والحالُ المقدرة يجوز تأخيرها عن زمن الفعل العامل فيها، ولهذا لو صَرَّح بيوم القيامة في مثل هذا، فقال: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك يوم القيامة" لم يكن التركيب فاسدًا، كأنه قال: "يمسون وهذا لهم يوم القيامة". وأما قوله: "لَخُلوف فم الصائم حين يخلف" فهذا الظَّرفُ تحقيقٌ لمعنى المبتدأ (٤)، وتأكيد له، وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه، لا مَجازُه ولا استعارته (٥)، وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد، وصلاته حين يصلي يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة، ويرفع بها درجته

стр. 115

يوم القيامة. وهذا قريب من قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (١). وليس المراد تقييد نفى الإيمان المطلق عنه حالة مباشرته تلك الأفعال فقط، بحيث إذا كَمُلَتْ مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة، وإلا فما دام مُصِرًّا وإن لم يباشر الفعل (٢) فالنفي لاحِقٌ به، ولا يزول عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح، والله أعلم. قلتُ (٣): و فصلُ النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطِّيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال ومُوجِباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طِيبُ ذلك الخُلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله (٤) كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية، ويظهر (٥) فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم. وحيثُ أخبر بأن ذلك "حين يَخْلُف" و"حين يُمْسُون"؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طِيبُها زائدًا على ريح المسك عند الله

стр. 116

تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهةً للعباد، فَرُبَّ مكروهٍ عند الناس محبوبٍ عند الله تعالى، وبالعكس؛ فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية، وهكذا سائر آثار (١) الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة. وقد يَقْوَى العملُ ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مُشاهَدٌ بالبصر والبصيرة. قال ابن عباس ﵄: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوّةً في البدن، وسَعَةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سَوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، وَوَهَنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبِغْضَةً في قلوب الخلق" (٢). وقال عثمان بن عفان ﵁: "ما عمل رجل عملًا إلا ألبسه

стр. 117

الله تعالى رداءه، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ" (١). وهذا أمر معلوم يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم، حتى إنَّ الرجل الطّيِّب البَرَّ لتشمُّ منه رائحة طيبة وإن لم يَمَسَّ طِيبًا، فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه، والفاجر بالعكس، والمزكوم الذي أصابه الهواء (٢) لا يشمُّ لا هذا، ولا هذا، بل زكامه يحمله على الإنكار، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله أعلم بالصواب.

стр. 118

فصل وقوله: "وأمركم بالصدقة؛ فإن مَثَل ذلك مَثَل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم". هذا أيضًا من الكلام الذي برهانُه وجودُه، ودليلُه وقوعُه، فإن للصدقة تأثيرًا (١) عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر؛ فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهلُ الأرضِ كلُّهم مُقِرُّون به؛ لأنهم قد (٢) جرَّبوه. وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة تُطفئ غضب الرَّبِّ، وتدفع مِيتة السوء" (٣).

стр. 119

وكما أنها تُطْفِئُ غضب الرب ﵎، فهي تُطْفِئُ الذنوب والخطايا كما يُطْفِئُ الماء النار. وفي "الترمذي" عن معاذ بن جبل قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، (١) ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦] " (٢).

стр. 120

وفي بعض الآثار: "باكِرُوا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة" (١). وفي تمثيل النبي ﷺ ذلك بمن قُدِّم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بِمالِه كفايةٌ؛ فإنّ الصدقة تفدي العبد من عذاب الله ؛ فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب، وتَفَكُّهُ منه. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد: "يا معشر النساء تَصدَّقْن ولو من حُليِّكُن؛ فإني رأيتُكُنَّ أكثر أهل النار" (٢). وكأنه حثَّهن ورغَّبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار.

стр. 121

وفي "الصحيحين" عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا سَيُكَلِّمُه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظرُ أَيْمَنَ منه، فلا يرى إلَّا ما قَدَّم، وينظرُ أَشْأمَ منه، فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تِلْقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة" (١). وفي حديث أبي ذر أنه قال: سألت رسول الله ﷺ : ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: "الإيمان بالله"، قلت: يا نبي الله، مع الإيمان عمل؟ قال: "أن تَرْضَخَ مما خوَّلك الله، أو تَرْضَخ مما رزقك الله"، قلت: يا نبي الله، فإن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ؟ قال: "يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر"، قلت: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: "فَلْيُعِن الأخْرَق"، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: "فَلْيُعِن مظلومًا"، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يُعينَ مظلومًا؟ قال: "ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟! لِيُمْسِكْ أذاهُ عن الناس"، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: "ما من مُؤْمن يصيب خَصْلَةً من هذه الخصال إلا أَخَذَتْ بيده حتى أَدْخَلَتْهُ الجنة" ذكره البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" (٢).

стр. 122

وقال عمر بن الخطاب ﵁: "ذُكِر لي أن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم" (١). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: "ضَرب رسولُ الله ﷺ مَثَل البخيل والمُتَصَدِّق كمَثَلِ رجلين عليهما جُبَّتان من حديد، أو جُنَّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتراقيهما، فجعلَ المتصدقُ كلما تصدَّق بصدقةٍ انبسطت عنه حتى تُغَشِّي أنامِلَهُ، وتَعْفُوَ أثره، وجعل البخيلُ كلما هَمَّ بصدقة، قَلَصت وأخذت كل حلْقة مكانها". قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه هكذا في جَيْبِه، فلو رأيته يُوسعها ولا تتّسع (٢). وروى البخاري هذا الحديث في كتاب الزكاة عن أبي هريرة أيضًا، ولفظه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَثَلُ البخيل والمنفق كمَثَلِ رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثُدِيِّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سَبَغَتْ أو وَفَرَتْ على جلده حتى تُخْفِي بنَانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لَزِقَتْ كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا

стр. 123

تتسع" (١). وروى عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة" قالوا: يا رسول الله، فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "يُعِين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فليعمل بالمعروف، وَلْيُمْسِك عن الشر؛ فإنها له صدقة (٢) " (٣). ولما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البِر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضَيِّقُ الصدر، ممنوعٌ من الانشراح، ضَيِّق العَطَن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم والحزن، لا يكاد تُقْضَى له حاجة، ولا يُعان على مطلوب. فهو كرجل عليه جبة من حديد، قد جُمِعت يداه إلى عنقه بحيث (٤) لا يتمكن مِن (٥) إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها، أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حَلقة من حِلَقها موضعها. وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق مَنَعَهُ البخل، فيبقى قلبه في سجنه كما هو، والمتصدقُ كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجُبّة عليه، فكلما تصدق اتسع

стр. 124

وانفسح وانشرح، وقَوِيَ فرحه، وعَظُمَ سروره. ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقًا بالاستكثار منها والمبادرة إليها. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]، [التغابن: ١٦]. وكان عبد الرحمن بن عوف -أو سعد بن أبي وقاص- يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: "ربِّ قني شُحَّ نفسي، ربِّ قني شُحَّ نفسي". فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: "إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي فقد أفلحتُ" (١). والفرق بين الشُّحِّ والبخل أن الشُّحَّ: هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجَشَعُ النفس عليه. والبخل: منعُ إنفاقه بعد حصوله، وحُبُّه وإمساكُه، فهو شحيحٌ قبل حصوله، بخيلٌ بعد حصوله. فالبخلُ ثمرة الشُّحِّ، والشُّحُّ يدعو إلى البخل، والشُّحُّ كامِنٌ في النفس، فمن بخل فقد أطاع شُحَّه، ومن لم يبخل فقد عصى شُحَّه، وَوُقِي شره، وذلك هو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.

стр. 125

والسخيُّ قريب من الله تعالى، ومن خَلْقِه، ومن أهله، وقريب من الجنة، وبعيد من النار، والبخيلُ بعيد من الله، بعيد من خَلْقِه، بعيد من الجنة، قريب من النار، فجودُ الرجل يُحَبِّبُه إلى أضداده، وبخله يُبَغِّضُه إلى أولاده، كما قيل: ويُظْهِرُ عَيْبَ المَرْءِ فِي الناسِ بُخْلُهُ … ويَسْتُرُه عنهم جمِيعًا سَخاؤُه تَغَطَّ بأثوابِ السَّخاءِ فإنني … أرى كُلَّ عيبٍ فالسّخاء غِطاؤُه وقارِنْ إذا قَارَنْتَ حُرًّا فإنَّما … يَزِينُ ويُزرِي بالفتى قُرنَاؤه وأقْلِلْ إذَا ما اسْطَعْتَ قَوْلًا فإنَّهُ … إِذَا قلَّ قوْلُ المرْءِ قَلَّ خَطَاؤُه إذَا قَلَّ مالُ المرءِ قَلَّ صَدِيقُه … وضَاقَتْ عليه أرضه وسماؤه وأصبح لا يدري وإن كان حازِمًا … أَقُدَّامُه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُه إذا المرءُ لم يختر صديقًا لنفسهِ … فَنَادِ به في الناس هذا جزاؤُه (١) وحدُّ السخاء: بَذْلُ ما يُحْتاج إليه عند الحاجة، وأن يُوصل ذلك إلى

стр. 126

مُسْتَحِقِّه بقدر الطاقة. وليس كما قال بعضُ مَنْ نَقَصَ عِلْمُه: حَدُّ الجودِ بَذْلُ الموجود (١). ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السَّرَفِ والتبذير، وقد ورد الكتاب بذمهما، وجاءت السنة بالنهي عنهما. وإذا كان السخاء محمودًا، فمن وقف على حدِّه سُمِّي كريمًا، وكان للحمد مستوجبًا، ومن قصر عنه كان بخيلًا، وكان للذم مستوجبًا، وقد رُوِي في أثرٍ: "إن الله أقسم بِعزّته ألَّا يجاوره بخيل" (٢). والسخاء نوعان: فأشرفهما: سخاؤك عما بيد غيرك. والثاني: سخاؤك ببذل ما في يدك. فقد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئًا؛ لأنه سخا عما في أيديهم، وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرِّعًا، وعن مال غيرك متورِّعًا. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إنّ الله أوحى إلى إبراهيم ﷺ "أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ " قال: لا، قال:

стр. 127

"لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ" (١). وهذه صفة من صفات الرب ﷻ ؛ فإنه يعطي ولا يأخذ، ويُطعِم ولا يُطْعَم، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحبُّ الخلق إليه من اتصف بصفاته (٢)؛ فإنه كريم يحب الكريم من عباده، وعالم يحب العلماء، وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال. روى الترمذي في "جامعه" قال: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا أبو عامر: أخبرنا خالد بن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أخبيتكم (٣) ولا تَشَبَّهوا باليَهود". قال: فذكرت ذلك للمهاجر بن مسمار فقال: حدَّثنيه عامر بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه

стр. 128

قال: "فَنَظِّفُوا أفنيتكم" هذا حديث غريب، خالد بن إلياس يُضَعَّف (١). وفي الترمذي أيضًا في "كتاب البر" قال: حدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا سعيد بن محمد الوراق، عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "السَّخِيُّ قريبٌ من الله، قريب من الجنةِ، قريب من الناسِ، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ولَجَاهل سَخِيٌّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل (٢) " (٣).

стр. 129

وفي الصحيح: "إنَّ اللهَ تعالى وِتْر يحبُّ الوِتْرَ" (١). وهو رحيم يحب الرحماء، وإنما يرحم من عباده الرُّحماء، وهو سِتِّيرٌ يحب من يستر على عباده، وعفوٌّ يحب من يعفو عنهم، وغفورٌ يحب من يغفر لهم، ولطيفٌ يحب اللطيف من عباده، ويبغض الفَظَّ الغليظ القاسي الجَعْظَرِيَّ الجَوَّاظ، ورفيقٌ يحب الرفق، وحليمٌ يحب الحلم، وبَرٌّ يحب البِرّ وأهله، وعَدْلٌ يحب العدل، وقابلٌ للمعاذير يحب من يقبل معاذير عباده، ويجازي عبده بحسب هذه الصفات فيه وجودًا وعدمًا، فمن عفا عفا عنه، ومن غَفَر غَفَر له، ومن سامح سامحه، ومن حاقَقَ حاقَقَه، ومن رفق بعباده رفق به، ومن رحم خلقه رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن صفح عنهم صفح عنه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن تتبع عوراتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن شاقَّ الله شاقَّ الله تعالى به، ومن مكر مكر به، ومن خادَع خادَعه، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة؛ فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه. ولهذا جاء في الحديث: "منْ سَتَر مسلمًا سَتَرَه الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومن نَفَّس عن مؤمن كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا نَفَّس الله تعالى عنه كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامة، ومَنْ يسَّر على مُعْسِرٍ يسَّر الله تعالى عليه حسابه" (٢).

стр. 130

و"من أقال نادمًا أقالَه الله تعالى عثرته" (١). و"من أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَع عنه، أظلَّه الله تعالى في ظل عرشه" (٢)؛ لأنه لما جعله في ظِلِّ الإنظار والصبر، ونجاه من حَرِّ المطالبة، وحرارة تَكَلُّفِ الأداء مع عسرته وعجزه = نجَّاه الله تعالى من حر الشمس يوم القيامة إلى ظل العرش. وكذلك الحديث الذي في الترمذي وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته يومًا: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يَدْخُل الإيمانُ إلى قلبه (٣)، لا تُؤْذُوا المسلمين، ولا تَتَبَّعوا عوراتهم؛ فإنَّه من تَتَبَّعَ عورة أخيه تتَبَّعَ الله عورتَهُ، ومن تتَبَّعَ الله عورته يَفْضَحْهُ ولو في جوف بيته" (٤). فكما تدين تُدان، وَكُنْ كيف شئت؛ فإن الله تعالى لك كما تكون

стр. 131

أنت له ولعباده. ولما أظهر المنافقون الإسلام، وأسرُّوا الكفر أظهر الله تعالى لهم يوم القيامة نورًا على الصراط، وأظهر لهم أنهم يَجُوزون الصراط، وأَسَرَّ لهم أن يُطْفِئ نورهم، وأن يُحال بينهم وبين قطع الصراط جزاءً من جنس أعمالهم. وكذلك من يُظْهِر للخلق خلاف ما يَعْلَمُه الله فيه؛ فإن الله تعالى يُظْهِرُ له في الدنيا والآخرة أسباب الفلاح والنجاح والفوز، ويُبْطِنُ له خلافها. وفي الحديث: "من راءى راءى الله به، ومن سَمَّعَ سَمَّع الله به" (١). والمقصود أن الكريم المُتصدِّق يعطيه الله ما لا يعطي البخيل المُمْسِك، ويُوسِّع عليه في ذاته، وخُلُقِه، ورزقه، ونفسه، وأسباب معيشته، جزاءً له من جنس عمله.

стр. 132

فصل وقوله ﷺ : "وأمركم أن تذكروا الله تعالى؛ فإن مَثَل ذلك مَثَل رجلٍ خرج العدو في إثره سراعًا، حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله". فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لَهِجًا بذكره؛ فإنّه لا يُحْرِزُ نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يَدْخُل عليه العدو إلا من باب الغفلة (١)، فهو يَرْصُدُه، فإذا غفل وثَبَ عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصْع (٢) وكالذباب، ولهذا سُمِّي الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور؛ فإذا ذُكِر الله تعالى خَنَس، أي: كف وانقبض. وقال ابن عباس: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفلَ وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله تعالى خَنَس" (٣). وفي مسند الإمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، أنه بلغه عن

стр. 133

معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ما عَمِل آدميٌّ عملًا قطُّ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ". وقال معاذ: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بخير أعمالِكم وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعها في درجاتِكم، وخير لكم من إنفاق الذَّهب والفضَّة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذِكْرُ الله " (١). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له "جُمْدَان"، فقال: "سيروا، هذا جُمْدَان، سَبَق المُفَرِّدُونَ" قيل: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: "الذّاكرون الله كثيرًا والذَّاكرات" (٢).

стр. 134

وفي "سنن أبي داود" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مِثْلِ جِيفة حمارٍ، وكان عليهم حسرة" (١). وفي رواية الترمذي: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على نَبيِّهم، إلا كان عليهم تِرَةً (٢)، فإن شاء عَذَّبَهم، وإن شاء غَفَرَ لهم" (٣). وفي "صحيح مسلم"، عن الأغرِّ أبي مسلم قال: أشهدُ على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يَقْعُدُ قومٌ يذكرونَ الله إلا حَفَّتْهُم الملائكة، وغَشِيَتْهم الرّحمةُ، ونزلت عليهم السَّكينةُ، وذَكَرَهم الله فيمن عنده" (٤). وفي "الترمذي" عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بكلِّها، فأخبرني بشيء أتشبَّثُ به، ولا تُكْثِرْ عليَّ فأنسى.

стр. 135

وفي رواية: إن شرائعَ الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، وأنا قد كبرت (١)، فأخبرني بشيء أتشبَّث به، ولا تُكْثِرْ عليَّ فأنسى. قال: "لا يزالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بذكر الله تعالى" (٢). وفي "الترمذي" أيضًا عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ سئل: أي العباد أفضلُ وأرفَعُ درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذَّاكِروُنَ الله كثيرًا" قيل: يا رسول الله، وَمِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضَربَ بسيفِه في الكفار والمشركين (٣) حتى يَنكَسِرَ ويختَضِبَ دمًا كان الذَّاكِرُ لله تعالى أفضل منه درجة" (٤). وفي "صحيح البخاري" عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الذي يذكرُ رَبَّهُ، والذي لا يذكرُ ربَّهُ، مَثَلُ الحيِّ والميِّت" (٥).

стр. 136

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول اللهُ ﵎: أنا عند ظَنِّ عبدي بي (١)، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرتهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شِبْرًا تقرَّبْتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقَربْتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً" (٢). وفي "الترمذي" عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مَرَرْتُم بِرياضِ الجنَّةِ فارْتَعُوا" قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذِّكر" (٣).

стр. 137

وفي "الترمذي" أيضًا عن النبي ﷺ ، عن الله أنه يقول: "إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرْنَهُ" (١). وهذا الحديث هو فصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد، فإن الذاكرَ المجاهد أفضلُ من الذاكر بلا جهادٍ والمجاهدِ الغافلِ، والذاكرُ بلا جهادٍ أفضلُ من المجاهد الغافل عن الله تعالى. فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين

стр. 138

الذاكرون (١). قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]؛ فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معًا، ليكونوا على رجاء من الفلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: كثيرًا. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. فَقَيَّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله كانت عليه لا له، وكان خُسرانه (٢) فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله . وقال بعض العارفين: لو أقبل عبدٌ على الله تعالى كذا وكذا سنةً، ثم أعرض عنه لحظة، لكان ما فاته أعظم مما حَصَّله. وذكر البيهقي عن عائشة ﵂ وعن أبيها عن النبي ﷺ أنه

стр. 139

قال: "ما مِن ساعةٍ تَمُرُّ بابنِ آدم لا يَذْكُر الله تعالى فيها إلا تَحَسَّرَ عليها يوم القيامة" (١). وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضًا: "ليس يَتَحَسّرُ (٢) أهل الجنة إلا على ساعةٍ مرَّت بهم لم يذكروا الله فيها" (٣). وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كلام ابن آدم كلُّه عليه لا له، إلا أمْرًا بمعروف، أوْ نَهْيًا عن منكر، أو ذِكرًا لله " (٤).

стр. 140

وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: "أنْ تَموتَ ولِسَانُكَ رَطْبٌ من ذِكْر الله " (١). وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: "لكل شيء جِلاء، وإنّ جِلاءَ القلوبِ ذِكرُ الله " (٢). وذكر (٣) البيهقيُّ مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "لكل شيء سِقالة (٤)، وإنّ سِقالةَ القلوبِ ذكرُ الله ، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: "ولو أنْ يضرب بسيفه حتى ينقطع" (٥).

стр. 141

ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء؛ فإذا تُرِك الذكرُ صَدِئ؛ فإذا ذُكِر جلاه. وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه (١) بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور (٢) الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَه الرَّانُ، فَسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًّا، ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر، أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟؛ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة، وأمره فُرُطٌ = لم يَقْتَدِ به ولم يَتبعه؛

стр. 142

فإنه يقوده إلى الهلاك (١). ومعنى الفُرُط قد فُسِّر بالتضييع (٢)، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائعٌ قد فَرَّطَ فيه. وفُسِّر بالإسراف (٣)، أي: قد أفرط، وفُسِّر بِالهلاك (٤). وفُسِّر بالخلاف للحق (٥). وكلها أقوال متقاربة. والمقصودُ أن الله نهى عن طاعةِ مَنْ جَمَع هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه؛ فإن وجده كذلك فَلْيُبْعِدْ عنه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره = فليتمسّك بِغَرْزِه. ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت. وفي "المسند" مرفوعًا: "أكثِروا ذِكْر اللهِ تعالى حتى يُقَال: مَجْنون" (٦).

стр. 143

فصل وفي الذكر نحوٌ من مائة فائدة: إحداها: أنه يطرد الشيطان ويَقْمَعُه ويَكْسِرُه. الثانية: أنه يُرضِي الرحمن . الثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب. الرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبَسْط. الخامسة: أنه يُقَوِّي القلب والبدن. السادسة: أنه يُنَوِّر الوجه والقلب. السابعة: أنه يَجْلِب الرزق. الثامنة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنَّضْرة. التاسعة: أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام، وقطبُ رَحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، وقد (١) جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر؛ فمن أراد أن ينال محبة الله فَلْيَلْهَجْ بذكره،

стр. 144

فإنّ (١) الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة، وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم (٢). العاشرة: أنه يورثه المراقبة حتى يُدْخِلَه في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذِّكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت. الحادية عشرة: أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله ، فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه (٣) في كل أحواله، فيبقى الله مَفْزَعه وملجاه، ومَلاذه ومَعاذه، وقِبْلة قلبه، وَمَهْرَبَه عند النوازل والبلايا (٤). الثانية عشرة: أنه يُورِثه القُرْبَ منه ؛ فعلى قدر ذكره لله يكون قُرْبُه منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعْده منه. الثالثة عشرة: أنه يفتح له بابًا عظيمًا من أبواب المعرفة، وكلّما أكْثَر من الذكر ازداد من المعرفة (٥). الرابعة عشرة: أنه يُورِثه الهيبة لربه وإجلالِه ؛ لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل؛ فإن حجاب الهيبة رقيقٌ

стр. 145

في قلبه. الخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ولو لم يكن في الذكر إلا (١) هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا. وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "مَنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم" (٢). السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكرُ للقلب مثلُ الماء للسمك (٣)، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! السابعة عشرة: أنه قُوتُ القلب والروح ؛ فإذا فَقَده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قُوتِه. وحضرتُ شيخ الإسلام ابن تيمية مرةً صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتَغَدَّ هذا الغداء لسقطت قوَّتِي، أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعِدَّ بتلك الراحة لذكرٍ آخر، أو كلامًا هذا معناه.
следующие страницы →