← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18128

الوابل الصيب - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (502 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كثيرًا؛ فإذا ذكرتني كثيرًا فقد شكرتني كثيرًا، وإذا نسيتني فقد كفرتني" (١). وقد ذكر البيهقي -أيضًا- في كتاب (٢) "شعب الإيمان" عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حالٍ أُجِلُّك أن أذكرك فيها. قال: وما هي؟ قال: أكون جنبًا، أو على الغائط، وإذا بُلْتُ. فقال: وإن كان. قال: يا رب، فما أقول؟ قال: تقول: "سبحانك وبحمدك، وجنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك، فقني الأذى" (٣). قلتُ: قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه" (٤). ولم تستثن حالة من حالة، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته.

стр. 212

وأما في حال التخلِّي، فلم يكن يشاهده أحد يَحْكِي عنه، ولكنْ شَرَع لأمته من الأذكار قبل التخلِّي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يُخَلُّ به عند قضاء الحاجة وبعدها، وكذلك شرع لأمته من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم: "بِسْم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وجَنِّب الشَّيطان ما رَزَقْتنا" (١). وأما الذكر على (٢) نفس قضاء الحاجة، وجِماع الأهل فلا ريب أنه لا يُكْرَه بالقلب؛ لأنه لابُدَّ لقلبه مِنْ ذِكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحبُّ شيءٍ إليه، فلو كُلِّف القلبُ نسيانَه لكان تكليفًا بالمحال، كما قال القائل: يُرَادُ من القَلْب نِسيانُكُم … وتَأبَى الطِّباعُ عَلى النَّاقِل (٣) وأمَّا (٤) الذكر باللسان على هذه الحالة، فليس ممَّا شرَعَ لنا، ولا نَدَبَنا إليه رسولُ الله ﷺ ، ولا نُقِل عن أحد من الصحابة ﵃ (٥).

стр. 213

وقال عبد الله بن أبي الهذيل: "إن الله تعالى ليُحِبُّ أن يُذكَرَ في السُّوقِ، ويحبُّ أن يذكرَ على كُلِّ حالٍ، إلَّا على الخَلاء" (١). ويكفي في هذه الحال استشعارُ الحياء، والمراقبة، والنِّعمةِ عليه في هذه الحالة، وهي من أجلِّ الذكر، فذِكْرُ كلِّ حالٍ بحسب ما يليق بها، واللائقُ بهذه الحال التَّقَنُّعُ بثوب الحياء من الله تعالى، وإجلالُه، وذِكرُ نعمته عليه، وإحسانِه إليه في إخراج هذا العَدُوِّ المؤذي له الذي لو بقي فيه لقتله، فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذِّي به. وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه، وقال: يا لَها نِعْمَة لو يعلمُ النَّاسُ قدرَها! (٢). وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأبقى فِيَّ منفعته، وأذهب عني مَضَرَّتَهُ (٣).

стр. 214

وكذلك ذِكْرُه حال الجماع، ذَكَر هذه النعمة التي مَنَّ بها عليه، وهي من أجلِّ نعم الدنيا، فإذا ذَكَر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر. وقال النبي ﷺ لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأُحِبُّك، فلا تَنْس أن تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (١). فجمع بين الذِّكرِ والشُّكْر، كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]، فالذكر والشكر جِماعُ السعادة والفلاح. الخامسة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين مَنْ لا يزال لسانه رَطْبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجَعَل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب

стр. 215

والأجر. والذِّكرُ يوجب له القرب من الله والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة. وعُمَّال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة (١) والدرجة، فهو ينافس غيره الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى، ويسابق إلى القُرْبِ منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد: ١٨] فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] فهؤلاء أصحاب المنزلة والقُرْبِ، ثم قال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فقيل: هذا عطفٌ على الخبر عن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أخبر عنهم بأنهم هم الصّدِّيقون، وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم بخبرٍ آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾؛ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صِدِّيقون، وشهداء، فهذه هي المرتبة والمنزلة، ثمّ أخبر عنهم

стр. 216

بأنّ لهم أجرهم ونورهم، فهذا هو الثواب والجزاء (١). وقيل: بل تم (٢) الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم ابتدأ ذِكْرَ حال الشهداء فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (٣). فيكون قد ذكر المتصدقين أهلَ البِرِّ والإحسان، ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلؤوا منه، فهم الصِّدِّيقون، وهم أهل العلم والعمل، والأوَّلُون أهلُ البرِّ والإحسان، ولكنَّ هؤلاء أكملُ صِدِّيقيَّةً منهم. ثم ذكر سبحانه الشهداء، وأنه تعالى يُجري عليهم رزقهم ونورهم؛ لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أعاضهم عليها أن جعلهم أحياءً عنده يرزقون، فيجري عليهم رزقهم ونورهم، فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ١٠ و ٨٦]. والمقصود أنه ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وَعَدَ بهما فرعونُ السحرةَ إنْ غَلَبُوا موسى عليه

стр. 217

الصلاة والسلام، فقالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]، أي: أجْمَعُ لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عَمِلوا على الأجور، والعارفون عَمِلوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله، وأعمالُ هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء. وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال موسى ﵇: يا رب، أيُّ خلقك أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطبًا بذكري. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه مثل ما يقضي على الناس. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعظم ذنبًا؟ قال: الذي يتَّهِمُني. قال: يا رب، وهل يَتَّهِمُك أحد؟ قال: الذي يستخيرني ولا يَرْضَى بقضائي (١). وذَكَر أيضًا عن ابن عباس قال: لمّا وفد موسى ﵇ إلى طور سيناء قال: يا رَبِّ، أيُّ عِبادكَ أحَبُّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني (٢).

стр. 218

وقال كعب: قال موسى ﵇: يَا رَبِّ، أقريبٌ أنْتَ فَأنَاجِيكَ، أم بعيدٌ فأناديك؟ فقال تعالى: يا موسى، أنا جليس من ذكرني. قال: إني أكون على حالٍ أُجِلُّك عنها. قال: ما هي يا موسى؟ قال: عند الغائط والجنابة. قال: اذكرني على كل حالٍ (١). وقال عبيد بن عمير: تسبيحةٌ بحمد الله في صحيفةِ مؤمنٍ خير له من جبال الدنيا تجري معه ذهبًا (٢). وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم أهلُ الجمع مَنْ أولى بالكرم، أين الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾؟ [السجدة: ١٦]، قال: فيقومون فيَتَخطَّوْنَ رقابَ الْنَّاسِ. قال: ثم ينادي منادٍ: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، قال: فيقومون، فيتخطَّوْن رقاب الناس.

стр. 219

قال: ثم ينادي منادٍ: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم (١)، أين الحمَّادون للهِ على كل حال؟، قال: فيقومون وهم كثير، ثم تكون التَّبِعَةُ والحسابُ فيمن بقي (٢). وأتى رجلٌ أبا مسلمٍ الخولاني فقال له: أوصني يا أبا مسلم، قال:

стр. 220

اذْكُر الله تعالى تحت كل شجرةٍ ومَدَرَةٍ، فقال: زدني، فقال: اذكر الله تعالى حتى يحسبك الناس من ذِكْر الله تعالى مَجْنُونًا. قال: وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله تعالى، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى، فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون! (١). السادسة والأربعون: أن في القلب قسوةً لا يُذِيبها إلّا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وذَكَر حماد بن زيد، عن المُعَلَّى بن زياد، أن رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أَذِبْهُ بالذِّكر (٢). وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة (٣) اشتدت به القسوة، فإذا ذكر اللهَ تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار، فما أُذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله . السابعة والأربعون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه،

стр. 221

فالقلوب مريضة، وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى. قال مكحول: ذِكْرُ الله تعالى شفاء، وذِكْرُ الناس داء (١). وذكره البيهقي عن مكحول مرفوعًا ومرسلًا (٢). فإذا ذَكَرَتْهُ شفاها وعافاها، فإذا غفلت عنه انتكست، كما قيل: إذَا مَرِضْنَا تَدَاوَيْنَا بذِكرِكُمُ … فَنتْرُك الذِّكْر أحْيَانًا فَنَنْتَكِسُ (٣) الثامنة والأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله ورأسُها، والغفلة أصل معاداته وأُسُّها (٤)، فإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه ويعاديه. قال الأوزاعي: قال حسان بن عطية: ما عادى عبدٌ ربَّه بشيءٍ أشدَّ عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره (٥). فهذه المعاداة سببها الغفلة، ولا تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله ويكره

стр. 222

من يذكره، فحينئذ يتخذُه عدوًّا كما اتخذ الذَّاكر وَليًّا. التاسعة والأربعون: أنه ما استُجْلِبَتْ نعم الله واسْتُدْفِعَتْ نِقَمُه بمثل ذكر الله تعالى، فالذكر جلَّابٌ للنِّعَم، دفّاعٌ للنِّقَم (١)، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ﴾ (٢) [الحج: ٣٨]، فَدَفْعُه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله، ومادَّةُ الإيمان وقُوَّتُه بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا، وأكثر ذكرًا كان دَفْعُ الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نَقَصَ نَقَصَ، ذِكْرًا بِذِكْرٍ، ونسيانًا بنسيانٍ. وقال : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. والذِّكْرُ رأس الشكر، كما تقدم، والشكرُ جَلَّابُ النِّعَم، ومُوجِبٌ للمزيد. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: ما أقبح الغفلة عن ذكر مَنْ لا يَغفُلُ عن بِرِّك! (٣).

стр. 223

الخمسون: أن الذكر يوجب صلاة الله وملائكته على الذاكر. ومن صلى اللهُ تعالى عليه وملائكتُه فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. فهذه الصلاة منه ﵎ ومن ملائكته إنما هي على الذاكرين له كثيرًا، وهذه الصلاة منه ومن ملائكته هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور، وإذا حصلت لهم الصلاة من الله ﵎ وملائكته وأُخْرِجوا (١) من الظلمات إلى النور فأيُّ خيرٍ لم يحصل لهم بذلك؟! وأيُّ شرٍّ لم يندفع (٢) عنهم؟! فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حُرِمُوا من خيره وفضله!، وبالله التوفيق. الحادية والخمسون: أن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فَلْيَسْتَوْطِن مجالس الذكر ؛ فإنها رياضُ الجنة. وقد ذكر ابن أبي الدنيا وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجَ علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيُّها النَّاس ارْتَعُوا في رياض الجَنَّة"، قلنا يا

стр. 224

رسول الله، وما رِياضُ الجنّة؟ قال: "مَجَالسُ الذِّكْر"، ثم قال: "اغْدُوا ورُوحُوا واذْكُروا، فمَنْ كان يُحِبُّ أنْ يعلم منزلَته عندَ الله تعالى فَلينْظُر كيفَ منزلةُ الله تعالى عنده؛ فإن الله تعالى يُنْزِلُ العبد منه حيث أنزلَهُ من نفسه" (١). الثانية والخمسون: أن مجالسَ الذكر مجالسُ الملائكة، فليس مِنْ مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يُذْكَرُ الله تعالى فيه، كما أخرجا في "الصحيحين" من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للهِ مَلَائِكَةً فُضُلًا عن كُتَّاب الناس، يَطُوفُون في الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُون أهْل الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكرون الله تعالى تنادَوْا: هَلمُّوا إلى حاجَتِكُم. قال: فيَحُفُّونَهُم بأجْنِحَتِهم إلى السَّمَاء الدُّنْيَا، قال: فيسألُهم ربُّهم تعالى -وهو أعلم بهم-: ما يَقُولُ عِبَادي؟ قال: يقولون: يسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرونَكَ، ويَحْمَدُونَك، ويُمَجِّدُونَكَ. قال: فيقول: هل رَأوْني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رَأوْك.

стр. 225

قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشدَّ لك تحميدًا وتمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا. قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجَنَّة. قال: فيقول: وهل رَأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رَبِّ، ما رَأوْها. قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة. قال: فيقول: فمِمَّ يَتَعوَّذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشَدَّ لها مَخَافَةً. قال: يقول: فأُشْهِدُكم أني قد غَفَرْتُ لهم. فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لِحَاجة. قال: هم الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بهم جَلِيسُهمْ" (١).

стр. 226

فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فهكذا المؤمن مبارك أين حَلَّ، والفاجر مشؤوم أين حَلّ. فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، وكلٌّ مضافٌ إلى شكله وأشباهه، وكلُّ امرئ يَصْبُو (١) إلى ما يناسبه. الثالثة والخمسون: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكتَه، كما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاويةُ على حَلْقَةٍ في المسجد، فقال: ما أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جلسْنَا نَذْكُر الله تعالى. قال: آللهِ ما أجْلَسكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: والله ما أَجْلَسَنا إلَّا ذاك. قال: أما إنّي لم أسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لكم، وما كان أحَدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلَّ عنه حديثًا مني، وإنَّ رسول الله ﷺ خرج على حَلْقَةٍ من أصحابه، فقال: "ما أجْلَسَكُم"؟ قالوا: جلسنا نَذْكُرُ الله تعالى ونحْمَدُه على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: "آللهِ ما أجْلَسُكُم إلَّا ذاك؟ " قالوا: والله ما أجْلَسَنَا إلَّا ذَاك. قال: "أما إنِّي لم أسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لكم، ولكنّه أتَاني جبريلُ فأخبرني أنَّ الله ﵎ يباهي بِكم الملائكة" (٢).

стр. 227

فهذه المباهاة من الرب ﵎ دليلٌ على شرف الذكر عنده، ومحبته له، وأن له مَزِيَّة على غيره من الأعمال. الرابعة والخمسون: أنّ مُدْمِنَ الذِّكْر يدخل الجنة وهو يضحك ؛ لما ذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه، عن أبي الدرداء قال: "الذين لا تَزالُ ألسنتهم رَطْبَةً مِنْ ذكر الله يدخل أحدهم الجنّة وهو يَضْحَك" (١). الخامسة والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شُرِعَتْ إقامةً لذكر الله تعالى، والمقصودُ بها تحصيلُ ذكر الله تعالى. قال سبحاق وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]. قيل: المصدر مُضَافٌ إلى الفاعل، أي: لأذكرك بها. وقيل مضافٌ إلى المذكور، أي: لِتَذْكُرَنِي بها، واللام على هذا لام التعليل. وقيل: هي اللام الوقتية، أي: أقم الصلاة عند ذكري (٢)، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ

стр. 228

لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وهذا المعنى حقٌّ يراد بالآية (١)، لَكنَّ تفسيرها به وأنه هو معناها فيه نظر؛ لأن هذه اللام الوقتية يليها (٢) أسماء الزمان والظّروف، والذِّكْرُ مصدر، إلا أن يُقَدَّر بزمان محذوف، أي: عند وقتِ ذكرى، وهذا محتمل. والأظهر: أنها لام التعليل، أي: أقمِ الصلاة لأجل ذكري، ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذَكرَ العبدُ ربَّه فذِكْرُ الله تعالى سابقٌ على ذِكره، فإنه لمّا ذَكَره ألهمه ذِكْرَه، فالمعاني الثلاثة حقّ. وقال : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فقيل: المعنى: إنكم في الصلاة تذكرون الله، وهو ذَاكِرٌ مَنْ ذَكَره، ولَذِكْرُ اللهِ تعالى إيَّاكُم أكبرُ من ذِكْركم إياه. وهذا يُروى عن ابن عباس، وسلمان، وأبي الدرداء، وابن مسعود، ﵃ (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل بن مرزوق عن عطية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فذِكْرُ الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إيَّاه (٤).

стр. 229

وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شيء (١). وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟! ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢). ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم: "ألَا أنبئُكم بخَيْرِ أعْمَالِكُمْ، وأزْكاها عِندَ ملِيكِكُم، وخيرٍ لكم من إنْفاق الذَّهَبِ والوَرِق. . ." الحديث (٣). وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول: الصحيح (٤) أن معنى الآية: أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، وَلما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر (٥). وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر (٦).

стр. 230

وفي "السنن" عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبَيْتِ، وبَيْن الصَّفا والمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الجِمَارِ؛ لإقامة ذِكرِ الله تعالى". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). السادسة والخمسون: أن أفضلَ أهلِ كلِّ عملٍ أكثرُهم فيه ذكرًا لله ، فأفضل الصُّوَّام أكثرُهم ذِكرًا لله (٢) في صومهم، وأفضل

стр. 231

المتصدِّقين أكثرهم ذكرًا لله ، وأفضل الحجاج أكثرهم ذِكرًا لله ، وهكذا سائر الأعمال. وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثًا مرسلًا في ذلك: أن النبيَّ ﷺ سُئل: أيُّ أهل المسجد خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ". قيل: فأيُّ أهل الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ". قيل: فأيُّ المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ". قيل: فأيُّ الحُجَّاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ". قيل: وأي العُوَّادِ (١) خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ". قال أبو بكر: ذهب الذَّاكرون بالخير كلِّه (٢). وقال عبيد بن عمير: إِنْ أعظَمَكم هذا الليلُ أن تُكابِدوه، وبَخِلْتُمْ على

стр. 232

المال أن تُنْفِقُوه، وجَبُنْتُم عن العدوِّ أن تقاتلوه = فَأكْثِروا من ذِكْرِ الله (١). السابعة والخمسون: أنّ إدامة الذكر تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنيّة، أو ماليّة، أو بدنية مالية كحج التطوع. وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتَوْا رسولَ الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرجَاتِ العُلى، والنَّعيم المُقيم، يُصلُّونَ كما نُصلِّي ويَصُومُونَ كما نَصُومُ، ولهُمْ فَضْلُ أمْوال يَحُجُّون بها، ويَعْتَمِرُون، ويجاهِدُون. فقال: "ألا أعَلِّمُكُم شَيْئًا تُدْرِكُون به مَنْ سبَقَكُم، وتَسْبِقُون به من بَعْدَكُم، ولا أحَد يكُونَ أَفْضلَ مِنْكُم إلا من صنع مِثْلَ ما صنَعْتُم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "تُسَبِّحُون، وتَحْمَدُون، وتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كلِّ صلاة. . ." الحديث. متفق عليه (٢). فجعل الذِّكر عِوَضًا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يَسْبِقُونَهُم (٣) بهذا الذِّكر، فلما سمع أهل الدُّثُور بذلك عملوا به، فازدادوا -إلى صدقاتهم وعباداتهم بمالهم- التعبُّدَ بهذا الذِّكر، فحازوا

стр. 233

الفضيلتين، فنافسهم الفقراء وأخبروا رسول الله ﷺ بأنهم قد شاركوهم في ذلك، وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال: "ذَلكَ فَضْلُ الله يُؤتِيه من يَشَاء". وفي حديث عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت عليَّ خِلال الإسلام وشرائِعُه، فأخبرني بأمرٍ جامعٍ يكفيني. قال: "عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله تعالى" قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: "نعم، ويَفْضُلُ عنْكَ" (١). فَدَلَّهُ الناصح ﷺ على شيءٍ يَبْعَثُه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ ذكر الله تعالى شعاره أحَبَّه وأحبَّ ما يُحِبّ، فلا شيء أحب إليه من التقرب بشرائع الإسلام، فلذلك دَلَّه (٢) ﷺ على ما يَتَمَكَّن به من شرائع الإسلام، وتسهل به عليه، وهو ذكر الله . يوضِّحُه: الثامنة والخمسون: أن ذكر الله من أكبر العون على طاعته ؛ فإنه يُحَبِّبُها إلى العبد، ويُسَهِّلها عليه، ويُلَذِّذُها له، ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمَه وسرورَه بها، بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثِّقَل ما يجد الغافل، والتجربة شاهدة بذلك. يوضِّحُه: التاسعة والخمسون: أن ذكر الله يُسَهِّل الصَّعْب، ويُيَسِّر العسير،

стр. 234

ويُخفِّفُ المَشَاقَّ، فما ذُكِر الله على صعبٍ إلا هان، ولا على عَسيرٍ إلا تَيَسَّر، ولا مشقَّةٍ إلا خَفَّتْ، ولا شِدَّةٍ إلَّا زَالت، ولا كُرْبَةٍ إلا انفرجت، فَذِكْرُ الله تعالى هو الفرج بعد الشدة، واليُسْرُ بعد العُسْرِ، والفرج بعد الغم والهم. يوضحه: الستون: أن ذكر الله يُذْهِب عن القلب مَخَاوِفَه كلَّها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله ، فإنّه (١) بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوفَ التي يحذرها (٢) أمانٌ له، والغافلُ خائف مع أَمْنِه، حتى كأنَّ ما هو فيه من الأمنِ كلِّه مخاوفٌ، ومَنْ له أدنى حِسٍّ قد جَرَّبَ هذا وهذا. والله المستعان. الحادية والستون: أن الذكر يُعْطِي الذَّاكر قُوَّةً، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يُطِيق فِعْلَه بدونه، وقد شاهدتُ من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في مِشْيته (٣)، وكلامه، وإقدامه، وكتابته، أمرًا عجيبًا؛ فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جُمعة أو أكثر، وقد شاهد العَسْكرُ من قُوَّتِه في الحرب أمرًا عظيمًا. وقد علَّم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعليًّا -رضي الله تعالى عنهما- أن يسبِّحا كل ليلة إذا أخذا مضاجِعَهما ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَدا ثلاثًا

стр. 235

وثلاثين، ويكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ لمَّا سألَتْهُ الخَادِمَ، وشكَتْ إليه ما تقاسيه من الطَّحْنِ والسَّعْي (١) والخِدْمَةِ، فعلَّمها ذلك، وقال: "إنَّه خَيْرٌ لكما من خادم" (٢). فقيل: إنَّ (٣) من داوم على ذلك وجد قوةً في بدنه مُغْنِيةً عن خادم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرًا في هذا الباب، وهو (٤): أنَّ الملائكة لما أُمِروا بِحَمْلِ العرش قالوا: يا ربنا، كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم (٥)، فلما قالوها حملوه (٦)، حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مَشْيَخَتُنا أنه بلغهم: أنَّ أول ما خلق الله -حين كان عرشه على الماء- حَمَلَةَ العرش قالوا: ربنا لِم خلَقْتنَا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي. قالوا: ربَّنا، وَمَنْ يَقْوَى على حملِ عرشِكَ وعليه عظَمَتُك وجلالُك وَوَقارُك؟ قال: لذلك خلقتكم. فأعادوا عليه ذلك مرارًا، فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. فحملوه (٧).

стр. 236

وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ، والدخول على المُلوك، وَمْن يُخاف، وركوب الأهوال. ولها أيضًا تأثير عجيب (١) في دفع الفقر، كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن أسد بن وداعة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله مائة مرَّة في كل يوْم لم يُصِبْه فَقْرٌ أبَدًا" (٢). وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدُوًّا، أو ناهَضَ حصْنًا قَوْلَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلَّا بالله. وإنَّهُ نَاهَضَ يومًا حِصْنًا فانهزم الرُّوم (٣)، فقالها المسلمون وكبَّروا، فانْصَدَعَ الحِصْن (٤).

стр. 237

الثانية والستون: أن عُمَّال الآخرة في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار، ولكن القَتَر والغبار يمنع من رؤية سَبْقِهم، فإذا انجلى الغبار وانكشفَ رآهم الناس وقد حازوا قَصَبَ السَّبْق. قال الوليد بن مسلم: حدثنا محمد بن عجلان: سمعت عمر مولى غفرة يقول: إذا انكَشَف الغِطَاءُ (١) [للنَّاس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يَرَوْا عملًا أفضل ثوابًا من الذِّكْر، فَيَتَحَسَّرُ عند ذلك أقوامٌ، فيقولون: ما كان شئ أيْسر علينا من الذِّكْر. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "سيرُوا، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ (٢) " قالوا: وما المُفَرِّدُونَ؟ قال: "الذين أُهْتِرُوْا في ذِكْرِ الله تعالى، يَضَعُ الذكرُ عنهم أوزارَهم" (٣).

стр. 238

أُهْتِرُوا بالشيء وفيه: أُولِعُوا به ولَزِمُوه وجعلوه دَأْبهم. وفي بعض ألفاظ الحديث: "المُسْتَهْتَرُون بذِكْرِ الله". ومعناه: الذين أُولِعوا به. يقال: استُهْتِرَ فلانٌ بكذا؛ إذا أُولِع بِه. وفيه تفسير آخر: أنّ "أُهْتِرُوا في ذكر الله" أي: كَبُروا وهَلَكَ أقرانُهم وهم في ذكر الله تعالى (١). يقال: أَهْتَرَ الرجلُ (٢)، فهو مُهْتِر: إذا أَسْقَطَ في كلامه من الكِبَر. والهِتْرُ: السَّقَطُ من الكلام؛ كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خَرِفَ وأنكر عقله. والهِتْرُ: الباطل أيضًا. ورجل مُسْتَهْتَر (٣): إذا كان كثير الأباطيل. وفي حديث ابن عمر: "أعوذ بالله أن أكون من المُسْتَهْتَرين" (٤).

стр. 239

وحقيقة لفظ الاستهتار: الإكثار من الشيء، والولوع به، حقًّا كان أو باطلًا، وغلب في عُرفِ الناس (١) استعماله على المُبْطِل، حتى إذا قيل: فلان مُسْتَهْتَر، لا يُفْهَم منه إلا الباطل. وإنما إذا قُيِّد بشيءٍ تقيَّدَ به، نحو: هو مُسْتَهْتَر، أو قد أُهْتِرَ في ذكر الله تعالى؛ أي: أُولِع به وأُغْرِيَ به. ويقال: استُهْتِرَ فيه وَبِه. وتفسير هذا في الأثر الآخر: "أكْثِرُوا ذِكْرَ الله تعالى حتى يُقال: مجْنُونٌ" (٢). الثالثة والستون: أن الذكر سببٌ لتصديق الرب عبدَه، فإنه خَبَرٌ (٣) عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدَّقه ربُّه، ومن صدَّقه الله تعالى لم يُحْشَرْ مع الكاذبين، ورُجِيَ له أن يُحْشَر مع الصادقين. روى أبو إسحاق عن الأغَرِّ أبي مسلم، أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قال العَبْدُ: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صَدَقَ عَبْدِي. لا إله إلا أنا، وأنَا أكْبَرُ. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وَحْدي. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلّا أنا، ولا شريك لي. وإذا قال: لا

стр. 240

إله إلّا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلّا أنا، لي الملك ولي الحمد. وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي". قال أبو إسحاق: ثم قال الأغرُّ شيئًا لم أفهَمْهُ. قلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: "مَنْ رُزِقَهُنَّ عند مَوْته لم تَمَسَّهُ النَّار" (١). الرابعة والستون: أَنَّ دُورَ الجنّة تُبْنَى بالذكر، فإذا أَمْسَكَ الذاكرُ عن الذكر أَمْسَكتِ الملائكةُ عن البناء، فإذا أَخَذَ في الذكر أخذوا في البناء. وذكر ابن أبي الدنيا في كتابه، عن حكيم بن محمد الأخنسي قال: بلغني أن دُورَ الجنة تُبْنَى بالذكر، فإذا أُمْسِكَ عن الذكر أَمْسَكُوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون (٢): حتى تأتينا نفقة (٣).

стр. 241

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال: "مَنْ قالَ: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم -سبع مرات- بُنيَ له بُرْجٌ في الجنّة" (١). وكما أن بناءها بالذكر، فَغِراسُ بساتينها بالذكر، كما تقدم في حديث النبي ﷺ عن إبراهيم الخليل ﵇: "أن الجنة طَيِّبةُ التُّرْبَة، عَذْبَةُ الماء، وأنَّها قِيعَان، وَأنَّ غِراسَها: سُبْحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (٢). فالذكرُ غِراسُها وبناؤها. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا مِنْ غِراس الجنة" قالوا: يا رسول الله، وما غِراسُها؟ قال: "ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله" (٣). الخامسة والستون: أنَّ الذكر سَدٌّ بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت له إلى

стр. 242

جهنم طريقٌ من عملٍ من الأعمال كان الذكر سَدًّا في تلك الطريق، فإذا كان (١) ذِكْرًا دائمًا كاملًا كان سَدًّا مُحْكَمًا لا مَنْفَذَ فيه، وإلا فَبِحَسَبِه. قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجدًا، فجعل في قِبْلته سبعة أحجار، وكان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار! أُشْهِدُكم أن لا إله إلا الله. قال: فمرض الرجل، فَعُرِجَ بروحه. قال. فرأيت في منامي أنه أُمِر بي إلى النار. قال: فرأيت حجرًا من تلك الأحجار أعرفه قد عَظُم، فَسَدَّ عني بابًا من أبواب جهنم. قال: ثم أُتِي بي إلى الباب الآخر، فإذا حجرٌ من تلك الأحجار أعرفه قد عَظُم، فسَدَّ عني بابًا من أبواب جهنم (٢)، حتى سَدَّتْ عني بقيةُ الأحجار أبوابَ جهنم (٣). السادسة والستون: أن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب، كما روى حسين المعلِّم، عن عبد الله بن بريدة، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أَجِدُ في كتاب الله المُنزل: أن العبد إذا قال: "الحمد لله" قالت الملائكة: "رَبِّ العالمين"، وإذا قال: "الحمد لله ربِّ العالمين" قالت الملائكة: "اللَّهُمَّ اغفِرْ لِعَبْدِك"، وإذا قال: "سُبْحَانَ الله" قالت الملائكة: "وَبِحَمْدِه"، وإذا قال: "سبحان الله وبحمده" قالت الملائكة: "اللَّهُمَّ اغفِرْ لِعَبْدِك"، وإذا قال: "لا إله إلا الله" قالت الملائكة: "والله أكبر"، وإذا قال: "لا إله إلا الله والله أكبر"

стр. 243

قالت الملائكة: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ" (١). السابعة والستون: أنَّ الجبال والقفَار تَتَباهى، وتَسْتَبْشِر بمن يذكر الله عليها. قال ابن مسعود ﵁: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: أَمَرَّ بك اليوم أحد يذكر الله ؟ فإذا قال: "نعم" اسْتَبْشَر (٢). وقال عون بن عبد الله: إن البقاع لينادي بعضها بعضًا: يا جارتاه! أَمَرَّ بِكِ اليوم أحد يذكر الله؟ فقائلة: نعم، وقائلة: لا (٣). وقال الأعمش عن مجاهد: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان! هل مَرَّ بك اليوم ذاكرٌ لله ؟ فَمِنْ قائلٍ: لا، ومِنْ قائلٍ: نعم (٤).

стр. 244

الثامنة والستون: أنَّ كثرة ذكر الله أمانٌ من النفاق ؛ فإن المنافقين قليلو الذكر لله (١). قال الله في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال كعب: مَنْ أَكْثَر ذكر الله برئ من النفاق (٢). ولهذا -والله أعلم- ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]؛ فإن في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله ، فوقعوا في النفاق. وسُئِل بعض الصحابة ﵃ عن الخوارج: أمنافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا (٣).

стр. 245

فهذا من علامة النفاق: قِلَّةُ ذِكْرِ الله . وكثرةُ ذكره أمانٌ من النفاق، واللهُ أكرمُ من أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنفاق، وإنما ذلك لقلوبٍ غفلت عن ذكر الله . التاسعة والستون: أن للذكر من بين الأعمال لَذّةً لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذةُ الحاصلة للذاكر، والنعيمُ الذي يحصل لقلبه لكفى به، ولهذا سُمِّيَتْ مجالسُ الذكر رياضَ الجنة. قال مالك بن دينار: ما تَلَذَّذَ المُتَلَذِّذُون بمثل ذكر الله (١). فليس شيء من الأعمال أخفُّ مؤونةً منه، ولا أعظم لذة، ولا أكثر فرحة وابتهاجًا للقلب. السبعون: أنه يكسو الوجه نُضْرةً في الدنيا، ونورًا في الآخرة، فالذاكرون أَنْضَرُ الناسِ وجوهًا في الدنيا، وأَنْوَرُهُم في الآخرة. ومن المراسيل عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال كل يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير؛ أتى الله تعالى (٢) يوم القيامة ووجهه أشدُّ بياضًا من القمر ليلة البدر" (٣).

стр. 246

الحادية والسبعون: أن في دوام الذكر في الطريق، والبيت، والحضر، والسفر، والبقاع = تكثيرَ الشهود للعبد يوم القيامة؛ فإن البقعة، والدار، والجبل، والأرض تشهد (١) للذاكر يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥] فروى الترمذي في "جامعه" من حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾، قال: "أَتَدْرُونَ ما أخْبارُها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنَّ أخْبارها أنْ تشهدَ على كُلِّ عَبْدٍ أوْ أَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهْرِها، تقول: عَمِل يوم كذا، كذا وكذا" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢).

стр. 247

والذاكرُ لله في سائر البقاع يَكْثُرُ شهوده (١)، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوا يوم قيام الأشهاد (٢)، وأداء الشهادات، فيفرح ويغتبط بشهادتهم. الثانية والسبعون: أن في الاشتغال بالذكر اشتغالًا عن الكلام الباطل من الغيبة، والنميمة، واللغو، ومدح الناس، وذَمِّهم، وغير ذلك، فإن اللسان لا يسكت ألبتة؛ فإما لسانٌ ذاكرٌ، وإمَّا لِسَانٌ لاغٍ، ولابد من أحدهما. فهي النفسُ إن لم تَشْغَلْها بالحق وإلا شَغَلَتْكَ بالباطل، وهو القلب إنْ لم تَسْكُنه محبةُ الله ، سَكَنَتْهُ محبة المخلوقين ولابُدّ، وهو اللسان إنْ لم تشغله بالذكر شغلك باللغو، وهو عليك ولابُدّ، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأَنْزِلْها في إحدى المنزلتين. الثالثة والسبعون: وهي التي بدأنا بذكرها، وأشرنا إليها إشارة (٣)، فنذكرها هاهنا مبسوطةً لعظيم الفائدة بها، وحاجة كل أحدٍ، بل ضرورتُه

стр. 248

إليها، وهي أن الشياطين قد احْتَوَشَتْ العبد، وَهُمْ أعداؤه، فما ظنك برجل قد احْتَوَشه أعداؤه المُحْنِقُون عليه غيظًا، وأحاطوا به، وكُلٌّ منهم يناله بما يقدر عليه من الشَّرِّ والأذى؟! ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله . وقد جاء في هذا الحديث العظيم، الشريفِ القدر، الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه، فنذكره بطوله لعموم فائدته، وحاجة الخلق إليه، وهو حديث سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب (١) قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، ونحن في صُفَّةٍ بالمدينة، فقام علينا وقال: "إني رأيْتُ البارِحَة عَجَبًا: رأيتُ رجلًا من أمَّتي أتاه مَلَكُ الموت ليَقْبِض رُوحَهُ فجاءه بِرُّه بوالِدَيْه فردَّ مَلَك الموت عنه، ورأيت رجلًا قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤُه فاستنقذه من ذلك، ورأيتُ رجُلًا من أمَّتي قد احْتَوَشَتْه الشياطين فجاءه ذكْرُ الله فطرد الشيطان عنه،

стр. 249

ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاتُه فاستنقذته من أيديهم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي يلتهب -وفي رواية: يلهث- عَطَشًا، كلَّما دنا من حوضٍ مُنِعَ وطُرِد، فجاءه صيامه شهر رمضانَ فأسْقَاهُ وأرْوَاهُ، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي ورأيت النَّبَيِّين جُلوسًا حِلَقًا حِلَقًا، كلما دنا إلى حَلْقَةٍ طُرِدَ، فجاءه غُسْلُه من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي، ورأيتُ رجلًا من أمتي بين يديه ظُلْمَة، ومن خلفه ظُلْمَة، وعن يمينه ظُلْمَة، وعن يساره ظُلْمَة، ومن فوقه ظُلْمَة، ومن تحته ظُلْمَة، وهو متحيِّر فيها، فجاءه حجُّه وعُمرتُه فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه في النور، ورأيت رجلًا من أمَّتي يتَّقي بيده وَهَجَ النار وشَرَرها (١) فجاءته صدقته فصارت سُتْرةً بينه وبين النار، وظلَّلَتْ على رأسه، ورأيتُ رجلًا من أمتي يُكَلِّم المؤمنين ولا يكلِّمونه، فجاءته صِلَتُه لِرَحِمِه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وَصُولًا لِرَحِمِه فَكلِّمُوه، فَكَلَّمَه المؤمنون وصافَحُوه وصافَحَهُم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي قد احْتَوَشَتْه الزَّبانِيَةُ، فجاءه أمره بالمعروف ونَهْيُه عن المنكر فاسْتَنْقَذَه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على رُكْبَتَيْه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسْنُ خُلُقِه، فأخذه بيده فأدخله على الله ، ورأيتُ رجلًا من أمتي قد ذهبَتْ صحيفته من قِبَل شماله، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلًا من أمتي خَفَّ

стр. 250

ميزانُه، فجاءه أفراطُه فَثَقَّلُوا ميزانه، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السَّعَفَة في ريحٍ عاصف، فجاءه حُسْنُ ظَنِّه بالله فسكَّن رِعْدَتَهُ ومضى، ورأيتُ رجلًا من أمتي يَزْحَفُ على الصراط ويحبو أحيانًا، ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلِّقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة" (١). رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الترغيب
следующие страницы →