← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18128

الوابل الصيب - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (502 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحادية والسبعون: أن في دوام الذكر في الطريق، والبيت، والحضر، والسفر، والبقاع = تكثيرَ الشهود للعبد يوم القيامة؛ فإن البقعة، والدار، والجبل، والأرض تشهد (١) للذاكر يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥] فروى الترمذي في "جامعه" من حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾، قال: "أَتَدْرُونَ ما أخْبارُها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنَّ أخْبارها أنْ تشهدَ على كُلِّ عَبْدٍ أوْ أَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهْرِها، تقول: عَمِل يوم كذا، كذا وكذا" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢).

стр. 247

والذاكرُ لله في سائر البقاع يَكْثُرُ شهوده (١)، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوا يوم قيام الأشهاد (٢)، وأداء الشهادات، فيفرح ويغتبط بشهادتهم. الثانية والسبعون: أن في الاشتغال بالذكر اشتغالًا عن الكلام الباطل من الغيبة، والنميمة، واللغو، ومدح الناس، وذَمِّهم، وغير ذلك، فإن اللسان لا يسكت ألبتة؛ فإما لسانٌ ذاكرٌ، وإمَّا لِسَانٌ لاغٍ، ولابد من أحدهما. فهي النفسُ إن لم تَشْغَلْها بالحق وإلا شَغَلَتْكَ بالباطل، وهو القلب إنْ لم تَسْكُنه محبةُ الله ، سَكَنَتْهُ محبة المخلوقين ولابُدّ، وهو اللسان إنْ لم تشغله بالذكر شغلك باللغو، وهو عليك ولابُدّ، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأَنْزِلْها في إحدى المنزلتين. الثالثة والسبعون: وهي التي بدأنا بذكرها، وأشرنا إليها إشارة (٣)، فنذكرها هاهنا مبسوطةً لعظيم الفائدة بها، وحاجة كل أحدٍ، بل ضرورتُه

стр. 248

إليها، وهي أن الشياطين قد احْتَوَشَتْ العبد، وَهُمْ أعداؤه، فما ظنك برجل قد احْتَوَشه أعداؤه المُحْنِقُون عليه غيظًا، وأحاطوا به، وكُلٌّ منهم يناله بما يقدر عليه من الشَّرِّ والأذى؟! ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله . وقد جاء في هذا الحديث العظيم، الشريفِ القدر، الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه، فنذكره بطوله لعموم فائدته، وحاجة الخلق إليه، وهو حديث سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب (١) قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، ونحن في صُفَّةٍ بالمدينة، فقام علينا وقال: "إني رأيْتُ البارِحَة عَجَبًا: رأيتُ رجلًا من أمَّتي أتاه مَلَكُ الموت ليَقْبِض رُوحَهُ فجاءه بِرُّه بوالِدَيْه فردَّ مَلَك الموت عنه، ورأيت رجلًا قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤُه فاستنقذه من ذلك، ورأيتُ رجُلًا من أمَّتي قد احْتَوَشَتْه الشياطين فجاءه ذكْرُ الله فطرد الشيطان عنه،

стр. 249

ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاتُه فاستنقذته من أيديهم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي يلتهب -وفي رواية: يلهث- عَطَشًا، كلَّما دنا من حوضٍ مُنِعَ وطُرِد، فجاءه صيامه شهر رمضانَ فأسْقَاهُ وأرْوَاهُ، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي ورأيت النَّبَيِّين جُلوسًا حِلَقًا حِلَقًا، كلما دنا إلى حَلْقَةٍ طُرِدَ، فجاءه غُسْلُه من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي، ورأيتُ رجلًا من أمتي بين يديه ظُلْمَة، ومن خلفه ظُلْمَة، وعن يمينه ظُلْمَة، وعن يساره ظُلْمَة، ومن فوقه ظُلْمَة، ومن تحته ظُلْمَة، وهو متحيِّر فيها، فجاءه حجُّه وعُمرتُه فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه في النور، ورأيت رجلًا من أمَّتي يتَّقي بيده وَهَجَ النار وشَرَرها (١) فجاءته صدقته فصارت سُتْرةً بينه وبين النار، وظلَّلَتْ على رأسه، ورأيتُ رجلًا من أمتي يُكَلِّم المؤمنين ولا يكلِّمونه، فجاءته صِلَتُه لِرَحِمِه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وَصُولًا لِرَحِمِه فَكلِّمُوه، فَكَلَّمَه المؤمنون وصافَحُوه وصافَحَهُم، ورأيتُ رجلًا من أمَّتي قد احْتَوَشَتْه الزَّبانِيَةُ، فجاءه أمره بالمعروف ونَهْيُه عن المنكر فاسْتَنْقَذَه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على رُكْبَتَيْه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسْنُ خُلُقِه، فأخذه بيده فأدخله على الله ، ورأيتُ رجلًا من أمتي قد ذهبَتْ صحيفته من قِبَل شماله، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلًا من أمتي خَفَّ

стр. 250

ميزانُه، فجاءه أفراطُه فَثَقَّلُوا ميزانه، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك، ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السَّعَفَة في ريحٍ عاصف، فجاءه حُسْنُ ظَنِّه بالله فسكَّن رِعْدَتَهُ ومضى، ورأيتُ رجلًا من أمتي يَزْحَفُ على الصراط ويحبو أحيانًا، ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلِّقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة" (١). رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الترغيب

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 254

في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية"، وبنى كتابه عليه وجعله شرحًا له، وقال: هذا حديث حسن جدًّا، رواه عن سعيد بن المسيب: عمر بن ذر، وعلي بن زيد بن جدعان، وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظِّم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه (١). والمقصودُ منه قوله ﷺ : "ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ، فطرد الشياطين عنه"، فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة. وقوله فيه: "وأمَرَكُم بذكر الله ، وإن مَثَلَ ذلك كمَثَل رجل طلبه العدو، فانطلقوا في طلبه سِراعًا، وانطلق حتى أتى حصنًا حَصِينًا، فأحرز نفسه فيه".

стр. 255

فكذلك الشيطان لا يُحْرِزُ العبادُ أنفسَهم منه إلا بذكر الله . وفي الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال -يعني إذا خرج من بيته-: بسم الله، توكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله؛ يقال له: كُفِيتَ وهُدِيتَ ووُقِيتَ، وتَنَحَّى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدِيَ وكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ". ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن (١). وقد تقدم قوله ﷺ : "مَنْ قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير = كانت له حِرْزًا من الشيطان حتى يُمسِي" (٢). وذكر سفيان عن أبي الزبير، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال: "بِسْمِ اللهِ" قال المَلَكُ: هُدِيتَ، وإذا قال: "توكَّلْتُ على الله" قال المَلَكُ: كُفِيت، وإذا قال: "لا حَوْلَ ولا قوّة إلا بالله" قال المَلَكُ: حُفِظْت. فيقول الشياطين بعضهم لبعض: ارجعوا، ليس لكم عليه سبيل، كيف لكم بمن كُفِيَ وهُدِيَ وحُفِظ؟ " (٣). وقال أبو خلاد البصري (٤): من دخل في الإسلام دخل في حِصْن،

стр. 256

ومن دخل المسجد فقد دخل في حِصْنَيْن (١)، ومن جلس في حلقة يذكر الله فيها فقد دخل في ثلاثة حصون. وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه من حديث أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا وضع العبد جَنْبَه على فراشه، فقال: بسم الله، وقرأ فاتحة الكتاب؛ أمِنَ من شرِّ الجنِّ والإنسِ، ومن شرِّ كلِّ شيء" (٢). وفي "صحيح البخاري" عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: وَلأنِّي رسول الله ﷺ زكاةَ رمضانَ أن أحتفظ بها، فأتاني آتٍ، فجعل يَحْثُو من الطَّعام، فأخذته، فقال: دَعْنِي فإني لا أعود. . . فذكر الحديث، وقال: فقال له في الثالثة: أُعَلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بهن، إذا أوَيْتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخَلَّى سبيله، فأصبح، فأخبر النبي ﷺ بقوله، فقال: "صَدَقَكَ، وهو

стр. 257

كذوب" (١). وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال: رسول الله ﷺ : "إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابْتَدَرَهُ مَلَكٌ وشَيْطَانٌ، فيقول المَلَكُ: اختم بخير، ويقولُ الشيطان، اختم بِشَرٍّ. فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه -يعني النوم- طرد المَلَكُ الشيطانَ، وبات يكلؤه (٢)، فإذا استيقظ ابتدره مَلَكٌ وشيطانٌ، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بِشَرٍّ، فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها ولم يُمِتْها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى (٣)، الحمد لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إنْ أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه = طَرَدَ المَلَكُ الشيطانَ، وظل يَكْلَؤُه" (٤).

стр. 258

وفي "الصحيحين" من حديث سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَا لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهْلَه قال: بسم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشيطانَ، وجَنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فيولد بينهما ولد، لا يَضُرُّهُ شيطانٌ أبدًا" (١). وذكر الحافظ أبو موسى، عن الحسن بن علي قال: أنا ضامنٌ لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يَعْصِمَهُ الله تعالى مِنْ كلِّ سلطانٍ ظالمٍ، ومن كلِّ شيطانٍ مَريدٍ، ومن كلِّ سَبُعٍ ضارٍ، ومن كلِّ لصٍّ عادٍ: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٧]، وعشرًا من الصافات، وثلاث آياتٍ من الرحمن: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٥]، وخاتمة سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ. . .﴾ [الحشر: ٢١ - ٢٤] (٢).

стр. 259

وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد، إذا هو بشيء إلى جنبه، فَهِيل منه (١)، فقال: ليس عليك مني بأس، إنما جئتك في الله تعالى، ائت عروة فَسَلْهُ: ما الذي يَتَعَّوذُ به -يعني من إبليس الأباليس-؟ قال: قُلتُ (٢): آمنتُ بالله العظيم وحده، وكفرتُ بالجِبْتِ والطاغوت، واعتصمتُ بالعروة الوُثْقى لا انفصام لها، والله سميع عليم، حسبي الله وكفى، سَمِع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى (٣). قال بشر بن منصور، عن وهيب بن الورد قال: خرج رجل إلى الجَبَّانَةِ بعد ساعة من الليل، قال: فسمعتُ حِسًّا -أو أصواتًا شديدة- وجِيءَ بسريرٍ حتى وُضِع، وجاء شيء حتى جلس عليه، قال: واجتمعت إليه جنوده، ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فلم يُجِبْهُ أحد، حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات، فقال واحد: أنا أكفيكه. قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظرٌ، ثم أوشك الرجعة، فقال: لا سبيل الى عُرْوَة، قال: ويلك، لم؟ قال: وجدتُه يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى، فلا نَخْلُصُ إليه معهن.

стр. 260

قال الرجل: فلما أصبحتُ قلت لأهلي: جهِّزوني، فأتيتُ المدينة، فسألت عنه حتى دُلِلْتُ عليه، فإذا شيخٌ كبير، فقلت: ما شيءٌ تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فأبى أن يخبرني، فأخبرته بما رأيت وبما سمعت، فقال: ما أدري، غير أني أقول إذا أصبحت: آمنتُ بالله العظيم، وكفرتُ بالجِبْت والطَّاغوت، واسْتَمْسَكْتُ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميعٌ عليم. إذا أصبحتُ قلتُ ثلاثَ مرَّات، وإذا أمسيْتُ قلتُ ثلاث مرات (١). وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي ﷺ : إنَّ عفريتًا من الجن يَكِيدُك، فإذا أَوَيْتَ إلى فراشك فقل: أعُوذ بكلمات الله التَّامَّات التي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، من شَرِّ ما ينزل من السّماء وما يَعْرُجُ فيها، ومن شرّ ما ذَرأ في الأرْضِ، وما يخرجُ منها، ومن شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ والنَّهار، ومن شَرِّ طوارقِ الليل والنهار، إلَّا طارِقا يَطْرُقُ بخيرٍ يا رحمن (٢).

стр. 261

وقد ثبت في "الصحيحين" (١) أن الشيطان يهرب من الأذان. قال سهيل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة، ومعي غلامٌ -أو صاحب- لنا، فنادى مُنادٍ من حائط باسمه، فأشْرَفَ الذي معي على الحائط، فلم يَرَ شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شَعَرْتُ أنك تلقى هذا لم أُرْسِلْك، ولكنْ إذا سمعتَ صوتًا فنَادِ بالصّلاة، فإني سمعت أبا هريرة يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا نُودِي بالصلاة وَلَّى وله حُصَاصٌ" (٢). وفي رواية: "إذا سمع النِّدَاءَ وَلَّى وله ضُرَاطٌ، حتى لا يسمع التَّأذينَ. . ." الحديث (٣). وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَكْثِروا من قول لا إله إلا الله،

стр. 262

والاستغفار؛ فإنَّ الشَّيطانَ قال: قد أهْلَكْتُهم بالذُّنوب، وأهْلَكوني بقول: لا إله إلا الله، والاسْتِغفَار، فلما رأيتُ ذلك منهم أهْلَكْتُهُم بالأهْواء حتى يَحْسَبُونَ أنهم مُهْتَدُون، فلا يَسْتَغْفِرُون" (١). وذكر أيضًا عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: بينما رجل مسافر إذْ مرَّ برَجُلٍ نائم، ورأى عنده شيطانَيْن، فسمع المسافر أحد الشيطانَيْنِ يقول لصاحبه: اذهب فأفسِدْ على هذا النائم قَلْبَه، فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آيةٍ ما لنا إليه سبيل، فذهب إلى النائم، فلما دنا منه رجع قال: صدقت، فذهبا، ثم إنّ المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشيطانَيْنِ، فقال: أخبرني على أي آية نِمْتَ؟ قال: على هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال أبو النضر هاشم بن القاسم (٢): كنت أَرَى في

стр. 263

داري (١)، فقيل لي: يا أبا النضر! تَحَوَّلْ عن جوارنا. قال: فاشْتَدَّ ذلك عليَّ، فكتبتُ إلى الكوفة، إلى ابن إدريس، والمُحارِبي، وأبي أسامة، فكتب إليَّ المُحارِبي: إن بئرًا بالمدينة كان يُقْطَعُ رِشاؤها (٢)، فنزل بهم رَكْبٌ، فشكَوْا ذلك إليهم، فدعوا بدلْوٍ من ماءٍ، ثم تكلموا عليه بهذا الكلام، فصبُّوه في البئر، فَخَرَجَتْ نارٌ من البئر، فَطَفِئَتْ على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت تَوْرًا من ماء، ثم تكلَّمتُ فيه بهذا الكلام، ثم تتبَّعْتُ به زوايا الدار، فرَشَشْتُه، فصاحوا بى: يا أبا النضر! أحْرَقْتنا، نحن نتحولُ عنك. وهو: بسم الله، أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع، وبِعزَّةِ الله التي لا ترام ولا تُضام، وبسلطان الله المنيع نحتجب (٣)، وبأسمائه الحسنى كلِّها، عائذًا من الأبالسة، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن شر كل مُعْلِن أو مُسِرٍّ، ومن شر ما يخرج بالليل ويَكْمُنُ بالنهار، ويَكْمُنُ بالليل ويخرج بالنهار، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شرِّ إبليس

стр. 264

وجنوده، ومن شر كل دابة أنت آخذٌ بناصيتها، إنَّ ربي على صراط مستقيم، أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى، وإبراهيم الذي وفَّى، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر ما يُتَّقى (١). أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١ - ١٠]. فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ : "كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى". ولنذكر فصولًا نافعة تتعلق بالذكر؛ تكميلًا للفائدة:

стр. 265

الفصل الأول الذكرُ نوعان (١):

стр. 266

أحدهما: ذِكْرُ أسماء الرب ﵎ وصفاته، والثناء عليه بها، وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به ﵎. وهذا أيضًا نوعان: أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، و"سبحان الله وبحمده"، و" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، ونحو ذلك، فأفضل هذا النوع أجْمَعُه للثناء، وأَعَمُّهُ، نحو "سبحان الله عدد خلقه" فهذا أفضل من مجرد "سبحان الله"، وقولُك: "الحمد لله عدد ما خلق في السماء، وعدد ما خلق في الأرض، وعدد ما بينهما، وعدد ما هو خالق" أفضل من مجرد قولك: "الحمد لله". وهذا في حديث جويرية ﵂، أن النبيّ ﷺ قال لها: "لقد قلتُ بَعْدَك أرْبَع كلمات، ثلاث مرَّات، لو وُزِنَتْ بما قُلتِ منذ اليوم لوَزَنَتْهُنَّ: سبحان الله عدد خَلْقِه، سبحان الله رِضى نَفْسِه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله مِدادَ كَلِماته". رواه مسلم (١). وفي الترمذي وسنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأةٍ بين يَدَيْها نوى أو حصى تسبِّحُ به فقال: "ألا أُخْبِرُكِ بما هو أيْسَرُ عليك من هذا أو أفضل؟ " فقال: "سبحان الله عدد ما

стр. 267

خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك" (١). النوع الثاني (٢): الخبرُ عن الرب ﵎ بأحكام أسمائه

стр. 268

وصفاته، نحو قولك: الله يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقِد راحلتَه الواجدِ (١)، ونحو ذلك. وأفضل هذا النوع: الثناءُ عليه بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى به عليه رسول الله ﷺ ، مِنْ غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حَمْدٌ، وثنَاءٌ، ومَجْدٌ. فالحمد: الإخبار عنه بصفات كماله ، مع محبته والرضى عنه؛ فلا يكون المُحِبُّ الساكت حامدًا، ولا المُثنِي بلا محبَّةٍ حامدًا؛ حتى تجتمع له المحبة والثناء، فإن كرَّر المَحَامِدَ شيئًا بعد شيء كانت ثناءً، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والمُلْكِ كان مَجْدًا. وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول سورة فاتحة الكتاب، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجَّدني عبدي" (٢).

стр. 269

والنوع الثاني من الذِّكر: ذِكْرُ أمرِه ونهيه وأحكامِه. وهو أيضًا نوعان: أحدهما: ذِكْرُه بذلك إخبارًا عنه بأنه أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأحب كذا، وسخط كذا، ورضي كذا (١). والثاني: ذِكْرُه عند أمره فَيُبادِرُ إليه، وعند نهيه فَيَهْرُبُ منه. فذِكْرُ أمره ونهيه شيءٌ، وذِكْرُه عند أمره ونهيه شيءٌ آخر، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فَذِكْره أفضلُ الذِّكْر، وأجلُّه، وأعظمُه فائدة. فهذا (٢) ذِكرُه هو الفقه الأكبر، وما دونه (٣) من أفضل الذكر إذا صَحَّتْ فيه النيّة (٤). ومِنْ ذِكْرِه : ذكرُ آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه،

стр. 270

ومواقع فضلِه على عبيده، وهذا أيضًا من أجلِّ أنواع الذِّكر. فهذه خمسة أنواع (١). وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر. وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية. وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة. فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان (٢). وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛ لأن ذكر القلب يُثْمِرُ المعرفة، ويهيِّج المحبة، ويُثِيرُ الحياء، ويَبْعَثُ على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويَرْدَع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذِكْرُ اللسان وحده لا يوجب شيئًا من ذلك الإثمار (٣)، وإن أثمر شيئًا منها فثمرتُه ضعيفة (٤).

стр. 271

الفصل الثاني الذكر أفضل من الدعاء ؛ لأن الذكر ثناءٌ على الله بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاءُ سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟! (١). ولهذا جاء فى الحديث: "مَنْ شَغَلَه ذِكْرِي عَنْ مَسْألتي أعْطَيْتُه أفضلَ مَا أُعْطِي السَّائلِينَ" (٢). ولهذا كان المُسْتَحَبُّ في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى، والثناء عليه (٣) بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته. كما في حديث فضالة بن عبيد، أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لقد عجل هذا"، ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدُكُم فلْيَبْدَأْ بتحميد ربّه والثّناء عليه، ثم يصلّي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بَعْدُ بما شاء" (٤).

стр. 272

رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في "صحيحه" (١). وهكذا دعاء ذي النون ﵇ الذي قال فيه النبي ﷺ : "دَعْوَةُ أخي ذي النون ما دعا بها مَكْرُوبٌ إلَّا فَرَّج اللهُ كُرْبَتَهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ " (٢) وفي "الترمذي": "دَعْوَةُ أخي ذي النون إذْ دعا (٣) وهو في بطن الحوت

стр. 273

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ فإنه لم يَدْعُ بها مسلم في شيء قطُّ إلا استجاب الله له" (١). وهكذا عامة الأدعية النبوية على قائلها أفضل الصلاة والسلام (٢). ومنه قوله ﷺ في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رَبُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ العرش الكريم" (٣). ومنه حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أهل السنن، وابن حبان في "صحيحه": أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو وهو يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: "والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى" (٤).

стр. 274

وروى أبو داود، والنسائي من حديث أنسٍ أنه كان مع النبي ﷺ جالسًا ورجلٌ يصلي، ثم دعا: "اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّومُ"؛ فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى" (١). فأخبر النبي ﷺ أن الدعاء يستجاب إذا تَقَدَّمه هذا الثناء والذكر، وأنه اسم الله الأعظم، فكان ذكر الله والثناء عليه أنجحَ ما طلب به العبدُ حوائجَه. وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجابًا. فالدعاء الذي يَتَقدَّمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من

стр. 275

الدعاء المجرد، فإِن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته، وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل؛ فإنه يكون قد تَوَسَّل إلى المَدْعُوِّ بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرَّض بل صَرَّح بشدة حاجته (١) وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المُقْتَضِي منه، وأوصافُ المسؤول مُقْتَضِي من الله، فاجتمع المُقْتَضِي من السائل، والمُقْتَضِي من المسؤول في الدعاء، فكان أبلغ وألطف موقعًا، وأَتَمَّ معرفةً وعبودية. وأنت ترى في الشاهد -ولله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسَّل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده وبِرِّه، وَذَكَرَ حاجته هو، وفقره ومسكنته؛ كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته. فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا ينكر (٢)، ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صَبْرَ معه، ونحو ذلك = كان ذلك أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداءً: أعطني كذا وكذا. فإذا عرفت هذا، فتأمل قول موسى ﵇ في دعائه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿القصص: ٢٤﴾، وقول ذي النون ﵇ في دعائه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾

стр. 276

[الأنبياء: ٨٧]، وقول أبينا آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وفي "الصحيحين": أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا (١)، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 278

عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (١). فجمع في هذا الدعاء الشريفِ العظيمِ القدْرِ بين الاعتراف بحاله، والتَّوسُّلِ إلى ربه بفضله وجوده، وأنه المنفرد بغفران الذنوب،

стр. 279

ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معًا، فهكذا أدب (١) الدعاء وآداب العبودية (٢).

стр. 280

الفصل الثالث قراءةُ القرآن أفضلُ من الذِّكْر، والذِّكْرُ أفضلُ من الدعاء، هذا مِنْ حيث النظر إلى كُلٍّ منهما مُجَرَّدًا. وقد يَعْرِضُ للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يُعَيِّنُه، فلا يجوز أَنْ يُعْدَلَ عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود؛ فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءةُ فيهما مَنْهِيٌّ عنها نَهْيَ تحريم أو كراهة، وكذلك التسميع والتحميد في مَحَلِّهما أفضل من القراءة (١)، وكذلك التشهد، وكذلك "رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني" بين السَّجدتين أفضل من القراءة، وكذلك الذكر عَقِيب السلام من الصلاة -ذكرُ التهليل، والتسبيح، والتكبير، والتحميد- أفضلُ من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذلك إجابةُ المؤذن والقولُ كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضل القرآن على كلِّ كلامٍ كفضل الله تعالى على خلقه، لكنْ لكلِّ مقامٍ مقالٌ، متى فات مقالُه فيه وعُدِلَ عنه إلى غيره اخْتَلَّتْ الحكمة، وفاتت (٢) المصلحة المطلوبة منه. وهكذا الأذكار المُقَيَّدَةُ بِمَحَالَّ مخصوصةٍ أفضلُ من القراءة المطلقة، والقراءةُ المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللَّهُمَّ إلا أن

стр. 281

يَعْرِضَ للعبدِ ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثالُه: أن يتفكر في ذنوبه، فَيُحْدِثُ ذلك له توبة واستغفارًا، أو يَعْرِضَ له (١) ما يَخافُ أذاه من شياطين الإنس والجن، فيَعْدِلَ إلى الأذكار والدَّعواتِ التي تُحَصِّنُه وَتَحُوطُه. وكذلك أيضًا قد يَعْرِضُ للعبد حاجةٌ ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءةٍ أو ذِكْرٍ لم يَحْضُرْ قلبُه فيها، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء لها اجتمع قلبه كله على الله تعالى، وأحدث له تضرُّعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء -والحالة هذه- أنفعُ، وإن كان كلٌّ من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا (٢). وهذا بابٌ نافعٌ يحتاج إلى فِقْه نَفْسٍ، وفُرْقانٍ بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة، فَيُعْطَى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، ويُوضَعُ كلُّ شيءٍ مَوْضِعَه (٣).

стр. 282

فَلِلْعَيْنِ موضع، ولِلرِّجْل موضع، وللماء موضع، ولِلَّحْمِ موضع، وحفظُ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نِظامُ الأمر والنهي، والله تعالى الموفق. وهكذا الصابون والأُشنان أنفع للثوب في وقتٍ، والتجميرُ وماءُ الورد (١) أنفع له في وقت. وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سُئِل بعض أهل العلم (٢): أيما أنفع للعبد، التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإن كان دَنِسًا فالصابون والماء الحارُّ أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دَنِسة؟!.

стр. 283

ومن هذا الباب: أن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث، والطلاق، والخُلْع، والعِدَد، ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ولمّا كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعةٌ لأجزاء العبودية على أتم الوجوه = كانت أفضل من كُلٍّ من القراءة والذكر والدعاء بمفرده؛ لجمعها ذلك كلِّه مع عبوديةِ سائر الأعضاء. فهذا أصل نافع جدًّا، يُفْتَح للعبد به بابُ معرفةِ (١) مراتب الأعمال وتَنْزِيلها منازلها؛ لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها، فيربح عليه إبليسُ الفضلَ الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها -وإن كان ذلك وقته (٢) - فتفوته مصلحته بالكلية؛ لظنه أن اشتغاله بالفاضل (٣) أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا. وهذا يحتاج إلى معرفةٍ بمراتب الأعمال، وتفاوتها، ومقاصدها، وفِقْهٍ في إعطاء كل عمل منها حقه، وتنزيله في مرتبته، وتفويتِه لما هو أهمُّ منه، أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل؛ لإمكان تداركه والعَوْدِ إليه،

стр. 284

وهذا المفضول إن فات لا يمكن تداركه، فالاشتغال به أولى، وهذا كترك القراءة لِرَدِّ السلام وتشميت العاطس وإن كان القرآن أفضل؛ لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول والعَوْدِ إلى الفاضل، بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحة رد السلام وتشميت العاطس، وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت. والله تعالى الموفق.

стр. 285

الفصل الرابع في الأذكار المُوَظَّفَة التي لا ينبغي للعبد أن يُخِلَّ بها؛ لشدّةِ الحاجة إليها، وَعِظَم الإنتفاعِ في الآجل والعاجل بها وفيه فُصول:
следующие страницы →