← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18128

الوابل الصيب - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (502 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقوعها مِنْ أهم ما ينبغي أن يُفَتِّشَ عليه العبد، ويحرص على علمه (١)، ويحذره. وقد جاء في أثرٍ معروف: "إن العبد ليعمل العمل سرًّا لله لا يطَّلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السِّرِّ إلى ديوان العلانية، ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية" (٢)؛ فإن تحدَّث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى (٣) أبطله، كما لو فعله لذلك. فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟ قيل: إنْ كان قد عمله لغير الله تعالى، وأوقعه بهذه النية، فإنه لا ينقلب صالحًا بالتوبة؛ بَلْ حَسْبُ التوبة أن تمحو عنه عقابه، فيصير لا له ولا عليه. وأما إنْ عمله لله تعالى خالصًا، ثم عرض له عُجْبٌ أو رياء، أو تحدَّث به، ثم تاب من بعد ذلك وندم، فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط. وقد يقال: إنه لا يعود إليه، بل يستأنف العمل.

стр. 72

والمسألة مبنية على أصْلٍ، وهو أن الردّة هل تحبط العمل بمجرَّدها، أولا يحبطه إلا الموت عليها؟ (١) فيه للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵁ (٢). فإن قلنا: تحبط العمل بنفسها، فمتى أسلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام، وإن قلنا: لا يحبط العمل إلا إذا مات مُرتَدًّا، فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله. وهكذا العبد إذا فعل حسنة، ثم فعل سيئة تحبطها، ثم تاب من تلك السيئة، هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة؟ يُخرَّجُ على هذا الأصل. ولم يزل في نفسي شيء من هذه المسألة، ولم أزل حريصًا على الصواب فيها، وما رأيت أحدًا شفى فيها، والذي يظهر لي (٣) -والله تعالى أعلم، وبه المستعان، ولا قوة إلا به- أن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل، ويكون الحكم فيها للغالب، وهو يقهر المغلوب، ويكون الحكم له، حتى كأنّ المغلوب لم يكن، فإذا غلبت (٤) على العبد الحسنات دفعت حسناتُه الكثيرةُ سيئاتِه، ومتى تاب من السيئة ترتَّبَ على

стр. 73

توبته منها حسنات كثيرةٌ قد (١) تربي وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة، فإذا عزمت التوبة، وصحَّت، ونشأت من صميم القلب، أحرقت ما مرّت عليه من السيئات، حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وقد سأل حكيمُ بن حزام ﵁ النبيَّ ﷺ عن عتاقةٍ وصِلَةٍ وبِرٍّ فعله في الشرك: هل يُثابُ عليه؟ فقال النبي ﷺ له: "أسلمت على ما أسلفت مِنْ خَيْرٍ" (٢). فهذا يقتضي أن الإسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك، فلما تاب من الشرك عاد إليه ثوابُ حسناته المتقدمة. فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحًا صادقةً خالصةً (٣) أحرقت ما كان قبلها من السيئات، وأعادت عليه ثواب حسناته (٤).

стр. 74

يُوَضِّحُ هذا أنَّ السيئاتِ والذنوب هي أمراضٌ قلبية، كما أن الحمَّى والأوجاع أمراضٌ بدنيةٌ (١)، والمريضُ إذا عُوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها، حتى كأنه لم يَضْعُفْ قط؛ فالقوةُ المتقدِّمة بمنزلة الحسنات، والمرضُ بمنزلة الذنوب، والصحةُ والعافيةُ بمنزلة التوبة سواء بسواء (٢). وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدًا؛ لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته (٣) كما كانت؛ لتقاوم الأسباب وتدافعها، وعَوْدِ البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصحَّ مما كان وأقوى وأنشط؛ لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لأسباب الضعف والمرض، حتى ربما كان مرض هذا سببًا لعافيته، كما قال الشاعر: لعل عَتْبَك محمودٌ عواقِبُه … وربما صَحَّت الأجسام بالعِلَل (٤) فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث. والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.

стр. 75

فصل وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانِّها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تُقَرِّبُ منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصُّوَر التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأنْ يَدَع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس (١)، وأن يجانب الفُضول من المباحات خشية الوقوع في المكروهات، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسِّنها ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي ما ركِبَ منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحُرُماتِه. ومن علامات تعظيم النّهي (٢): أن يغضب لله إذا انتُهِكت محارمه، وأن يجد في قلبه حُزنًا وكسْرةً إذا عُصِيَ الله تعالى في أرضه، ولم يُطَع بإقامة حدوده وأوامره (٣)، ولم يستطع هو أن يُغَيِّر ذلك. ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حَدٍّ يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط. مثال ذلك: أن السُّنةَ وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر (٤)،

стр. 76

ف الترخص الجافي أن يُبْرِد إلى فوات الوقت، أو مقاربة خروجه؛ فيكون مُتَرخِّصًا جافيًا. وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بِتَكرُّهٍ وضجر، فمن حكمة الشارع ﷺ أنْ أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحَرُّ، فيصلي العبد بقلبٍ حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى. ومن هذا نهيه ﷺ أن يصلي الرجل (١) بحضرة الطعام، أو عند مدافعة البول والغائط (٢)؛ لِتَعَلُّق قلبه من ذلك بما يُشَوِّشُ عليه مقصود الصلاة، فلا يحصل المراد منها. فَمِنْ فِقْهِ الرجل في عبادته أن يُقْبِل على شغله فيعمله، ثم يفرغ قلبه للصلاة، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونَصَبَ وجهه له، وأقبل بِكُلِّيته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يُغْفَرُ للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه. والمقصود أنّه لا يترخص ترخّصًا جافيًا. ومن ذلك أنه رخّص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر، وتعذُّرِ فعلِ كل صلاة في وقتها؛ لمواصلة السير، وتعذر النزول أو تعسُّرِه عليه. فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة، أو أقام اليوم فَجَمْعُه بين الصلاتين لا موجب له؛ لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير

стр. 77

مشقة، فالجمع ليس سُنّةً راتبةً كما يعتقده أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع، سواء وُجِدَ عذرٌ أوْ لم يوجد، بل الجمع رخصة عارضة، والقصر سُنة راتبة، فسنة المسافر قصر الرباعية، سواء وُجد له عذرٌ أو لم يُوجَد (١)؛ وأما جمعه بين الصلاتين، فحاجة ورخصة (٢)، فهذا لونٌ، وهذا لونٌ. ومن هذا: أن الشِّبَع في الأكل رخصة غير مُحَرَّمة (٣)؛ فلا ينبغي أن يَجْفُوَ العبد فيها حتى يصل به الشِّبَع إلى حد التُّخمة والامتلاء، فيتطلَّبَ ما يُصَرِّفُ به الطعام، فيكون هَمُّه بطنه قبل الأكل وبعده!، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع، ويدع الطعام وهو يشتهيه، وميزان ذلك قول النبي ﷺ : "ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسِه" (٤). فلا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده. وأما تعريض (٥) الأمر والنهي للتشديد الغالي، فهو كمن يتوسوس في الوضوء متغاليًا فيه حتى يفوت الوقت، أو يردِّد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة، أو تكاد تفوته الركعة، أو يتشدد في الورع

стр. 78

الغالي حتى لا يأكل شيئًا من طعام عامّة (١) المسلمين؛ خشية دخول الشبهات عليه. ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العبَّاد الذين نقص حظهم من العلم (٢)، حتى امتنع أن يأكل شيئًا من بلاد المسلمين، وكان يتقوَّت بما يُحْمَلُ إليه من بلاد النصارى، ويَبْعَثُ بالقَصْدِ لتحصيل ذلك، فأوقعه الجهل المفرط، والغلوُّ الزائد في إساءة الظن بالمسلمين، وحُسْنِ الظن بالنصارى، نعوذ بالله من الخذلان. فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يُعارَضا بتَرَخُّصٍ جافٍ، ولا يُعَرَّضا لتشديدٍ غالٍ، فإن المقصود هو الصراط المستقيم المُوصِل إلى الله بِسَالِكِه (٣). وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصيرٌ وتفريطٌ، وإما إفراطٌ وغُلوٌّ، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فَيُشامُّه (٤)، فإن وجد فيه تقصيرًا وفتورًا وتوانيًا وترخيصًا أخذه من هذه الخطة، فثبَّطه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبدُ المأمورَ جملة.

стр. 79

وإن وجد عنده حذرًا وجِدًّا، وتشميرًا ونهضة، وأَيِسَ أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهِمَّتُك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تَفْتُر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغتسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدِّي، فيحمله على الغلوِّ والمجاوزة وتعدِّي الصراط المستقيم، كما يَحْمِلُ الأولَ على التقصير دونه، وأن لا يَقْرَبَه. ومقصودُه من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يَقْرَبَه ولا يدنو منه، وهذا بأن يتجاوزه ويتعدّاه. وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجِي من ذلك إلا عِلمٌ راسخ، وإيمانٌ، وقُوَّةٌ على محاربته، ولزومُ الوسط. والله المستعان.

стр. 80

فصل (١) و من علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يَحْمِلَ الأمر على عِلَّةٍ تُضْعِفُ الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يُسَلِّم لأمر الله تعالى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه (٢) أو لم تظهر. فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه، حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه جملة (٣)، كما حَمَل ذلك كثيرًا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوّف. فإن الله شرع الصلوات الخمس إقامةً لذكره، واستعمالًا للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كلٍّ منها قِسْطَه من العبودية التي هي المقصود بخَلْقِ العبد، فَوُضِعَت الصلاةُ على أكمل مراتب العبودية. فإن الله خلق الآدميّ، واختاره من بين سائر البَرِيّة، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والمحبة، والحياء، والتعظيم، والمراقبة، وجعل ثوابه إذا قَدِم عليه أكمل الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه، والفوز برضوانه، ومجاورته في جنته.

стр. 81

وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوّه إبليس لا يفتر عنه، فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي مِنْ نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه؛ لأنه يدخل عليها بما تحب، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد، ثلاثةٌ مُسَلَّطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وَطَرِهِم، والجوارح آلة منقادة، فلا يمكنها إلا الانبعاث (١)، فهذا شأن هذه الثلاثة، وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أَمَروا، وأين يَمَّموا. هذا مقتضى حال العبد. فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بِجُنْدٍ آخر، وأمدّه بِمَدَدٍ آخر، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأيّده بمَلَكٍ كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمره (٢)، أمره المَلَك بأمر ربه، وبيَّن له ما في طاعة العدو من الهلاك. فهذا يُلِمُّ به مرة، وهذا مرة، والمنصورُ من نصره الله ، والمحفوظُ من حفظه الله تعالى. وجَعَل له مقابل نفسه الأمَّارةِ نفسًا مطمئنة، إذا أمرته النفسُ الأمَّارة بالسوء نَهَتْهُ عنه النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمَّارة عن الخير أمرته به النفس المطمئنة. فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو للغالب عليه منهما، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهرًا لا تقوم معه أبدًا.

стр. 82

وجَعَلَ له مقابل الهوى الحاملِ له (١) على طاعة الشيطان والنفس الأمَّارةِ نورًا، وبصيرةً، وعقلًا يرده عن الذهاب مع الهوى؛ فكلما أراد أن يذهب مع الهوى ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر!؛ فإن المهالك والمتالف بين يديك، وأنت صيد الحرامِيَّة (٢)، وقُطّاعِ الطريق؛ إنْ سِرْت خلف هذا الدليل. فهو يطيع الناصح مرة فيبين له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرة فَيُقْطَعُ عليه الطريق، ويُؤخَذُ مالُه، وتُسْلَب ثيابُه، فيقول: تُرى من أين أُتِيت؟! والعجبُ أنه يعلم من أين أُتِي، ويعرف الطريق التي قُطِعت عليه وأُخِذ فيها، ويأبى إلا سلوكها؛ لأن دليلها قد تمكن منه وتحكَّم فيه، وقوِيَ عليه! ولو أضعفه بالمخالفة له، وزَجْرِه إذا دعاه، وبمحاربته إذا أراد أخذه لم يتمكَّنْ منه، ولكنْ هو مكَّنَهُ من نفسه، وهو أعطاه يده، فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه، فيأسره ثم يسومه سوء العذاب، فهو يستغيث فلا يُغاث، فهكذا العبد يستأسر للشيطان والهوى، ولنفسه الأمارة، ثم يطلب الخلاص، فيعجز عنه. فلما أن بُلِي العبدُ بما بُلِي به أُعِين بالعساكر والعُدَدِ والحُصون،

стр. 83

وقيل له: قاتِلْ عدوك وجاهِدْهُ، فهذه الجنود خُذْ منها ما شئت، وهذه العُدَدُ الْبَسْ منها ما شئت، وهذه الحصون تَحَصَّنْ منها بأي حصن شئت، ورابِطْ إلى الموت، فالأمر قريب، ومدة المرابطة يسيرة جدًّا، فكأنك بالمَلِك الأعظم وقد أَرْسَلَ إليك رُسُلَه، فنقلوك إلى داره، واسترحت من هذا الجهاد، وفُرِّقَ بينك وبين عدوك، وأُطْلِقْتَ في دار الكرامة تتقلَّب فيها كيف شئت، وسُجِن عدوك في أصعب الحُبوس وأنت تراه، فالسجنُ (١) الذي كان يريد أن يُودِعَك فيه قد أُدْخِلَه وأُغْلِقت عليه أبوابه، وأَيِسَ من الخروج والفرج، وأنت فيما اشتهت نفسك، وقَرّت عينك؛ جزَاءً على صبرك في تلك المدة اليسيرة، ولزومك الثغر للرِّباط (٢)، وما كانت إلا ساعةً ثم انقَضَتْ، وكأنّ الشدة لم تكن. فإن ضَعُفَت النفسُ عن ملاحظة قِصَر الوقت، وسرعة انقضائه فليتدبر قوله : ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله (٣): ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦]، وقوله : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤] وقوله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾

стр. 84

[طه: ١٠٢ - ١٠٤]. وخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: "إنَّهُ لَمْ يَبْقَ من الدُّنْيَا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" (١). فلْيتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، ولْيَعْلَمْ أيُّ شيءٍ حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها؛ ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بِحَظٍّ خسيسٍ لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئًا مُوَفَّرًا (٢) وأكمل منه، كما في بعض الآثار: "ابنَ آدم، بِع الدنيا بالآخرة تَرْبَحْهُما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تَخْسَرْهُما جميعًا" (٣).

стр. 85

وقال بعض السلف: "ابنَ آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فُزْتَ بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا" (١). وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول في خطبته: "أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سدى، وإن لكم مَعَادًا يجمعكم الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشَقِيَ عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السموات والأرض، وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، وشقاوة (٢) بسعادة، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفكم بعدكم الباقون؟!، ألا ترون أنكم في كل يوم تشيِّعون غاديًا إلى الله ورائحًا قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بَطْنِ صدْعٍ من الأرض غير موسّد ولا مُمَهَّد، قد خلع الأسلاب (٣)، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟! " (٤).

стр. 86

والمقصود أن الله قد أَمَدَّ العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود، والعُدَد، والإمداد، وبَيَّن له بماذا يُحْرِزُ نفسه من عدوه، وبماذا يَسْتَفِكُّ نفسه إذا أسره. وقد روى الإمام أحمد ﵁، والترمذي، من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا ﷺ بخمس كلمات، أن يعمل بها، ويأمر بني اسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يُبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمُرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخْسَف بي أو أُعَذَّبَ، فجمع يحيى الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَفِ، فقال: إن الله ﵎ أمرني بخمس كلمات أن أعْمَلَهُن، وآمُركم أن تَعَمَلُوا بهن. أوّلهن: أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، فإنَّ مَثَلَ من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِقٍ، فقال له: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيُّكُم يرضى أن يكون عبده كذلك؟! وإنّ الله أمركم بالصَّلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجْهِ عبده في صلاته، مالم يلتفِتْ. وأمَرَكم بالصِّيَامِ؛ فإنّ مَثَلَ ذلك كمَثَل رجلٍ في عصابة، معه صُرّة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.

стр. 87

وأمركم بالصدقة؛ فإن مَثَل ذلك مَثَل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله تعالى؛ فإن مَثَل ذلك كمَثَل رجل خرج العدو في إثره سراعًا، حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى. قال النبي ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من فارق الجماعة قِيْد شِبرٍ فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِع، ومن ادَّعى دعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنم". فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: "وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). فقد ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح العظيم الشأن -الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتَعَقُّله- ما ينجي من الشيطان، وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه. فَذَكَر مَثَلَ المُوَحِّد والمشرك: فالموحِّدُ كمن عمل لسيِّده في داره،

стр. 88

وأدّى لسيِّده ما استعمله فيه (١)، والمشركُ كمن استعمله سيده في داره، فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيِّده، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى، ويتقرب إلى عدو الله تعالى بنعم الله تعالى عليه. ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان له مملوك (٢) كذلك لكان أمقت المماليك عنده، وكان أشد شيء غضبًا عليه، وطردًا له وإبعادًا، وهو مخلوق مثله، كلاهما في نعمة غيرهما، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمةٍ فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده، ورحمته، وتدبيره، ورزقه، ومعافاته وقضاء حوائجه؟! فكيف يليق به مع هذا أن يَعْدِلَ به غيرَه في الحب، والخوف، والرجاء، والحلف، والنذر، والمعاملة، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر؟!. وشواهدُ أحوالهم -بل وأقوالهم وأعمالهم (٣) - ناطقةٌ بأنهم يحبون أندادهم (٤) من الأحياء والأموات، ويخافونهم، ويرجونهم، ويعاملونهم، ويطلبون رضاهم، ويهربون من سخطهم = أعظمَ مما يحبون الله تعالى، ويخافونه، ويرجونه، ويهربون من سخطه.

стр. 89

وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشِّرك به؛ فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد (١) بعضهم بعضًا؛ فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه (٢)؛ فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمْحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك، فإنه لا يُمْحى إلا بالتوحيد. وديوانُ المظالم لا يُمْحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها.

стр. 90

ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله ، حرَّم الجنة على أهله؛ فلا يدخل الجنة نفسٌ مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد، فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح لم يُفْتَحْ له بابها (١)، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يُمْكِن الفَتْحُ به. وأسنان هذا المفتاح هي: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، فأيُّ عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحًا صالحًا من التوحيد، وركَّب فيه أسنانًا من الأوامر جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا تُفْتَحُ إلا به، فلم يُعِقْهُ عن الفتح عائق، اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار؛ فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، وإن لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده، فلابد من دخول النار ليخرج خبثه فيها، ويتطهر من ذنوبه (٢) ووسخه، ثم يخرج منها فيدخل الجنة، فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طَيِّب. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا

стр. 91

خَلِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]. فعَقَّب دخولها (١) على الطّيب بحرف الفاء الذي يُؤْذِن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها. وأما النار، فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال، والمآكل والمشارب، ودار الخبيثين، قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ [الأنفال: ٣٧] (٢)؛ فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض، فيَرْكُمَه كما يُرْكَمُ الشيءُ المتراكب بعضه على (٣) بعض، ثم يَجْعَلُه في جهنم مع أهله، فليس فيها إلا خبيث. ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طَيِّبٌ لا يشوبه (٤) خبث، وخبيثٌ لا طِيْبَ فيه، وآخرون فيهم خُبث وطِيبْ، كانت دُورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث (٥) المحض، وهاتان الداران لا تفنيان (٦)، ودار لمن معه خبث (٧) وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا

стр. 92

عذبوا بقدر أعمالهم (١) أُخْرِجوا من النار، فأُدْخِلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض. وقوله في الحديث: "وأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإنّ الله يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته مالم يلتفت" (٢). الالتفاتُ المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التفات القلب عن الله إلى غير الله تعالى. والثاني: التفات البصر. وكلاهما منهي عنه. ولا يزال الله مقبلًا على عبده مادام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه. وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: "هو اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْد" (٣). وفي أثر آخر: يقول الله تعالى: "إلى خيرٍ مني؟!، إلى خيرٍ مني؟! " (٤).

стр. 93

ومَثَلُ (١) من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه، مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا، أو قد انصرف قلبه عن السلطان فلا يَفْهَمُ ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرّجل أن يَفْعَل به السلطان؟!، أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مُبْعَدًا وقد سقط من عينيه؟!، فهذا المصلي لا يستوي والحاضرُ القلبِ، المقبلُ على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر (٢) قلبَه عظمةَ من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذَلَّتْ عنقه له، واسْتَحْيَى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه. وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: "إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض" (٣). وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ، والآخر ساهٍ غافل.

стр. 94

فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب، لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق ؟! وإذا أقبل على الخالق ، وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس، والنفسُ مشغوفةٌ بها، مَلأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد أَلْهَتْهُ الوساوس والأفكار، وذهبت به كلَّ مَذْهب؟! والعبدُ إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربِه، وأغيظِه للشيطان، وأشدِّه عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يَعِدُه ويُمَنِّيه ويُنْسِيه، ويجلب عليه بخيله ورَجِلِه حتى (١) يُهوِّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها، فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويَحُول بينه وبين قلبه، فيذكِّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة (٢)، وأَيِس منها، فَيُذَكِّره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله ، فيقوم فيها بلا قلب؛ فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبلُ على ربه ، الحاضرُ بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها، بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تَخِفَّ عنه بالصلاة.

стр. 95

فإن الصلاة إنما تُكَفِّرُ سيئات من أدّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه؛ فهذا إذا انصرف منها وجد خِفَّةً من نفسه، وأحس بأثقالٍ قد وُضِعَتْ عنه، فوجد نشاطًا وراحةً وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرةُ عينه، ونعيمُ روحه، وجنة قلبه، ومُسْتَراحُه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمُحِبُّون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ : "يا بلالُ أرِحنا بالصَّلاة" (١)، ولم يقل: أرحنا منها. وقال ﷺ : "جُعِلت قُرَّة عيني في الصّلاةِ" (٢). فمن جُعِلَتْ قرة عينه

стр. 96

في الصلاة، فكيف تقر عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟! فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة، هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يُسْتَقْبَلَ بها الرحمن فتقول: "حَفِظَكَ اللهُ تعالى كمَا حَفِظْتَني"، وأما صلاة المفرّط المضيّع لحقوقها وحدودها وخشوعها؛ فإنها تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوب الخَلِق، ويُضْرَب بها وجه صاحبها وتقول: "ضَيَّعَكَ اللهُ كما ضَيَّعْتَنِي". وقد رُوِي في حديث مرفوعٍ رواه بكر بن بشر، عن سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، عن عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه أنه قال: "مَا مِنْ مؤمنٍ يُتِمُّ الوضوء إلى أماكنه، ثمَّ يَقومُ إلى الصَّلاةِ في وقتها، فيُؤدِّيها لله لم ينقص من وقتها، وركوعها وسجودها، ومعالمها شيئًا، إلَّا رُفِعَتْ له إلى الله بيضاءَ مُسْفِرة يَسْتَضِئُ بنورها ما بين الخافِقَيْن، حتى يُنْتَهى بها إلى الرّحمن . ومَنْ قام إلى الصلاة فلم يُكمل وضوءها، وأخَّرها عن وقتها، واسْتَرَقَ ركوعها وسجودها ومعالمها، رُفِعَتْ عنه سوداء مظلمة، ثم لا تُجاوز شعر رأسه، تقولُ: ضَيَّعك اللهُ كما ضَيَّعْتَني، ضَيَّعَك الله كما ضيَّعْتَني" (١).

стр. 97

فالصلاة المقبولة، والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه ، فإذا كانت صلاة تصلح لربه ﵎ وتليق به، كانت مقبولة. و المقبول من العمل قسمان: أحدهما: أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله ، ذاكرٌ لله على الدوام، فأعمال هذا العبد تُعْرَضُ على الله حتى تقف قبالته، فينظر الله إليها، فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية، قد صدرت عن قلب سليم مخلص مُحِبٍّ لله ، متقرِّبٍ إليه = أحبَّها، ورضيها، وقَبِلَها. القسم الثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة، وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله، فأركانه مشغولة بالطاعة، وقلبه لاهٍ عن ذكر الله، وكذلك سائر أعماله، فإذا رُفِعَتْ أعمال هذا إلى الله لم تقف تجاهه، ولا يقع نظره عليها، ولكن تُوضَع حيث توضع دواوين الأعمال، حتى تعرض عليه يوم القيامة، فَتُمَيَّز، فيثيبه على ما كان له منها، وَيَرُدُّ عليه ما لم يُرِدْ وجهه به منها.

стр. 98

فهذا قبولُه لهذا العمل إثابتُه عليه بمخلوق من مخلوقاته، من القصور، والأكل والشرب، والحور العين، وإثابة الأول رِضاهُ العمل لنفسه (١)، ورضاه على (٢) عامله، وتقريبه منه، وإعلاء درجته ومنزلته، فهذا يعطيه بغير حساب، فهذا لونٌ، والأول لونٌ (٣). والناس في الصلاة على مراتب خمسة: أحدها: مرتبة الظالم لنفسه، المُفَرِّط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها. الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها (٤) الظاهرة ووضوئها، لكنه قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس (٥) والأفكار. الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه؛ لئلا يسرق منه صلاته (٦)، فهو في صلاةٍ وجهاد. الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها،

стр. 99

واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يُضَيِّع منها شيئًا، بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبودية ربه ﵎ فيها. الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكنْ مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّتْ تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حُجُبُها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم (١) مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه ، قرير العين به (٢). فالقسم الأول معاقَبٌ، والثاني محاسَبٌ، والثالث مكَفَّرٌ عنه، والرابع مثابٌ والخامس مُقَرَّبٌ؛ لأن له نصيبًا ممن جُعِلَتْ قرة عينه في الصلاة، فمن قَرَّتْ عينه بصلاته في الدنيا قَرَّتْ عينه بقربه من ربه في الآخرة، وقَرَّتْ عينه -أيضًا- به (٣) في الدنيا، ومن قَرَّتْ عينه بالله قَرَّتْ به كلُّ عين، ومن لم تَقَرَّ عينه بالله تعالى تقطَّعَتْ نفسه على الدنيا حسرات. وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله : "ارفعوا الحُجُبَ بيني وبين عبدي (٤)، فإذا التفت قال: أرخوها" (٥).

стр. 100

وقد فُسِّر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله إلى غيره: فإذا التفت إلى غيره (١) أرخى الحجاب بينه وبين العبد، فدخل الشيطان، وعَرَضَ عليه أمور الدنيا، وأراه إياها في صورة المرآة. وإذا أقبل بقلبه (٢) على الله، ولم يلتفت، لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب. وإنما يدخل الشيطان إذا وَقَعَ الحجابُ (٣)؛ فإن فر إلى الله تعالى وأحضر قلبه فَرَّ الشيطانُ، فإن التفت حضر الشيطان، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة.

стр. 101

فصل وإنما يَقْوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلبٌ قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكَّنَ فيه، كيف يخلص من الوساوس ومن الأفكار؟! والقلوب ثلاثة: قلبٌ خالٍ من الإيمان وجميع الخير، فذلك قلب مُظْلِمٌ، قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتخذه بيتًا ووطنًا، وتحكَّم فيه بما يريد، وتمكَّن منه غاية التمكُّن. القلب الثاني: قلبٌ قد استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هناك إقبالٌ وإدبارٌ ومجاولات (١) ومطامع، فالحرب دُوَلٌ وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة. القلب الثالث: قلبٌ مَحْشُوٌّ بالإيمان، قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فَلِنُوره في قلبه إشراق، ولذلك الإشراق إيقادٌ (٢)، لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو كالسماء التي حُرِسَت بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان ليتخطاها

стр. 102

رُجِم (١) فاحترق (٢). وليست السماء بأعظم حُرْمَةً من المؤمن، وحراسةُ الله تعالى له أتمُّ من حراسة السماء، والسماء مُتَعبَّدُ الملائكة، ومُسْتَقَرُّ الوحي، وفيها أنوار الطاعات، وقلبُ المؤمن مُسْتَقَرُّ التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيقٌ أن يُحْرَس ويُحْفَظَ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئًا إلا على غِرّةٍ وغفلةٍ (٣) خَطْفَةً. وقد مُثِّل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيتٌ للمَلِك، فيه كنوزه وذخائره وجواهره. وبيتٌ للعبد (٤)، فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس فيه جواهر الملك وذخائره. وبيت خالٍ صِفْرٌ لا شيء فيه. فجاء اللص ليسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق؟! فإن قلت: من البيت الخالي، كان محالًا؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يُسْرَق؛ ولهذا قيل لابن عباس ﵄: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: "وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟! " (٥).

стр. 103

وإن قلتَ: يَسْرق (١) من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع؛ فإنّ عليه من الحرس واليَزَكِ (٢) ما لا يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه، كيف وحارسه الملك بنفسه؟!، وكيف يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟! فلم يبق لِلِّصِّ إلا البيت الثالث، فهو الذي يَشُنُّ عليه الغارة. فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله. فقلبٌ خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه، واتخذه سكنًا ومستقرًّا، فأيُّ شيء يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره، وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟! وقلبٌ قد امتلأ من جلال الله وعظمته، ومحبته ومراقبته، والحياء منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟!، وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق؟!، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخَطْفَةٍ ونَهْبَةٍ تحصل له على غِرَّةٍ من العبد وغفلةٍ لابد له منها؛ إذْ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو، والذهول وغلبة الطبع.

стр. 104

وقد ذُكِر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: في بعض الكتب الإلهية (١): "لست أسكن البيوت، ولا تَسَعُني، وأيُّ بيت يسعني والسمواتُ حشو كُرْسِيِّي؟ ولكن أنا في قلب المؤمن (٢) الوادع التارك لكل شيء سواي" (٣). وهذا معنى الأثر الآخر: "ما وسعتني سمواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن" (٤). وقلبٌ فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع. وقلبٌ بين هذين الداعيين، فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة، والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الهوى والشيطان والطِّباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويُعْطِي الله النصر لمن يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 105

الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل الشيطان إليه فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنّ أسلحته هي الشهوات والشبهات، والخيالات والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فيدخل الشيطان فيجدها عنده فيأخذها ويصول بها على القلب؛ فإنْ كان عند العبد عُدَّةٌ عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العُدَّةِ وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومَكَّنه من السلاح يقاتله به، فهو المَلُوم. فنَفْسَك لُمْ ولا تَلُمِ المطايا … ومُتْ كمدًا فليس لك اعتذارُ (١)

стр. 106

فصل عدنا إلى شرح حديث الحارث الذي فيه ذِكْرُ ما يُحْرِزُ العبدَ من عدوّه: قوله ﷺ : "وأمركم بالصيام، فإن مَثَلَ ذلك مَثَلَ رجل في عصابةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسك، فكلُّهم يعجب أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". إنما مثَّل ﷺ ذلك بصاحب الصُّرة التي فيها المسك؛ لأنها مستورة عن العيون، مخبوءة تحت ثيابه، كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومُه مستورٌ عن مشاهدةِ الخلق، لا تدركه حواسُّهم. والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها مَنْ جَالَس حامل المسك، كذلك مَنْ جَالَس الصائم انتفع بمجالسته له، وأَمِن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب. ففي الحديث الصحيح (١): "من لم يَدَعْ قول الزُّور والعمل به

стр. 107

والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (١)، وفي الحديث: "رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش" (٢). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فكذلك الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتُصيِّره بمنزلة من لم يَصُمْ. وقد اخْتُلِفَ في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين. وقد وقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع (٣)، فمال أبو محمد إلى أن تلك في الآخرة خاصة، وصنف فيه مصنفًا (٤)، ومال الشيخ (٥) أبو عمرو إلى أن

стр. 108

ذلك في الدنيا والآخرة، وصنف فيه مصنفًا رد فيه على أبي محمد (١). وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان؛ فإنه في "صحيحه" بَوَّبَ عليه كذلك، فقال: "ذكر البيان بأن خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "كُلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي، وأنا أجزي به، وَلَخُلوف (٢) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٣). ثم قال: "ذكر البيان بأن خُلوف (٤) فم الصائم يكون أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة"، ثم ساق حديثًا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي (٥)، وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح

стр. 109

بفطره، وإذا لقي الله فرح بصومه". قال أبو حاتم: "شعار المؤمنين يوم (١) القيامة التحجيلُ بوضوئهم في الدنيا فَرْقًا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيبُ خُلوف أفواههم (٢) أطيب من ريح المسك؛ ليُعْرَفوا من بين سائر الأمم في (٣) ذلك الجمع بذلك العمل، جعلنا الله تعالى منهم" (٤). ثم قال: "ذكر البيان بأن خُلوف فم الصائم قد يكون أيضًا أطيب من ريح المسك في الدنيا"، ثم ساق من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله: إلا الصوم، فهو لي، وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولَخُلوف فم الصائم حين يَخْلُفُ من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك" (٥). واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطِّيب بيوم

стр. 110

القيامة" (١). قلت: ويشهد لقوله: الحديثُ المتفق عليه "والذي نفسي بيده ما من مكلوم يُكْلَمُ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وَكَلْمُه يَدْمَى، اللون لون دم، والريح ريح مسك" (٢). فأخبر ﷺ عن رائحة كَلْمِ المكلوم في سبيل الله بأنها كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خُلوف فم الصائم؛ فإن الحِسّ يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خُلوف (٣)، ولكنْ يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مِسْكًا يوم القيامة. واحتج الشيخ أبو عمرو بما ذكره أبو حاتم في "صحيحه" من تقييدِهِ ذلك بوقت إخلافه، وذلك يدل على أنه في الدنيا، فلما قَيَّد المبتدأ وهو"خُلوف فم الصائم" بالظرفِ وهو قوله: "حين يخلف" = كان الخبر عنه -وهو قوله: "أطيب عند الله"- خبرًا عنه في حال تقييده؛ فإنّ (٤) المبتدأ إذا تقيد بوصفٍ أو حالٍ أو ظرفٍ كان الخبر عنه حال كونه مقيدًا، فدل على أن طِيبه عند الله تعالى ثابتٌ حال إخلافه. قال: وروى الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر أن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أمتي في شهر رمضان خمسًا. . ." فذكر الحديث، وقال فيه: "وأما الثانية: فإنهم يُمْسُون وريح أفواههم أطيب عند الله من ريح
следующие страницы →