المملَكة الْعَرَبيَّة السَّعُودية
وَزَارَة التَعليم العَالي
الجَامِعَة الإسلاميَّة بالمَدينةِ المُنوَّرة
عَمادَة البَحث العِلمي
رقم الإصدار (١٦٤)
سلسلة الرسائل الجامعية (١٣٤)
المُسنَدُ الصَّحيحُ المُخَرّج عَلى صَحِيح مُسلم
لأبي عَوانة يَعقُوب بن إسحَاق الإسفرَايينيّ (ت ٣١٦ هـ)
_________
الطّبعَة الأولى
جـ ١ - ٢٠: ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
جـ ٢١ - ٢٤: ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٦ م
المحققون
رسائل جامعية (غالبها ماجستير) وبحوث أكاديمية بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية
جـ ١، ٢ (ماجستير): عباس بن صفا خان بن شهاب الدين
جـ ٣، ٤ (ماجستير): بابا إبراهيم الكميروني
جـ ٥، ٦: (ماجستير) محمد محمدي محمد جميل
جـ ٧: (ماجستير) عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
جـ ٨: (ماجستير) بشير بن علي بن عمر- رباح بن رضيمان العنزي - عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
جـ ٩، ١٠: (ماجستير) سراج الحق بن محمد هاشم
جـ ١١: (دكتوراة) محمد بن عبد الله بن عطاء الله عطية الله
جـ ١٢: (دكتوراة) عبد الكريم بن إبراهيم آل غضية
جـ ١٣: (ماجستير) سالم بن عمر با عبد الله
جـ ١٤: (ماجستير) رباح بن رضيمان العنزي
جـ ١٥: (ماجستير) هاني بن أحمد بن عمر فقيه
جـ ١٦: (ماجستير) عمر مصلح الحسيني
جـ ١٧، ١٨: (دكتوراة) أحمد بن حسن الحارثي
جـ ١٩، ٢٠: (ماجستير) عبد الله بن محمد بن سعود آل مساعد
جـ ٢١: عبد الله بن محمد مدني بن حافظ - إحسان عبد الوهاب - مصطفى بن محمد محمود مختار - عبد الله بن محمد بن سعود آل مساعد - إبراهيم عبد الرحيم
جـ ٢٢: أحمد بن حسن الحارثي - عبد الله بن محمد بن سعود آل مساعد
стр. 2
[مقدمة تعليقات النسخة الإلكترونية]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد كان لي عملٌ قديمٌ على كتاب المسند للإمام الحافظ أبي عوانة الإسفراييني ﵀ ضمن عملي على كتاب إتحاف المهرة وما تضمنه من كتب السنة، وكنت كلما وقفت على نسخة خطية للكتاب نسختها أو دفعتها لأحد إخواني جزاهم الله خيرا لينسخها، حتى اكتمل عندي ما توفر إلى الآن من نسخ الكتاب الخطية، ولم تكن طبعةُ الجامعةِ الإسلاميةِ قد خرجت بعد، ولما علمتُ بعزمِ الجامعةِ على طباعة الرسائل العلمية التي نوقشت في تحقيق هذا المسند الجليل، صرت أترقَّب بشوق صدورَ الكتابِ، فكنت أتلمَّسُ الأخبار بين الفينة والأخرى حتى طُبع الكتاب، فتصفحتُه ونظرتُ في بعض المواضع فأصابني ما أصابني من خيبةِ الأمل؛ إذ كنتُ أحسبُ أنَّ هذه الطبعةَ ستكون مظنةَ التجويدِ والتحريرِ، لاسيما وقد عَمِلَ عليه طلابُ علمٍ في رسائلهم وأبحاثهم الجامعية، وأشرف عليها أساتذةُ متخصصون، وناقشها كذلك أساتذةُ متخصصون، ثم أُعِدَّ الكتابُ للنشر لتوحيد العمل العلمي ومراجعته، لكن الكتاب لم يخرج بإبرازة تليق بكتاب من كتب السنة المشرفة، ولولا أني أخاف أن أثقل كاهل طلاب العلم لاسيما في هذه الأزمان، لسعيت في طباعة الكتاب طبعة أخرى، ولكنني آثرت أن أذكر بعضَ المواضع التي قابلتها من عملي على هذه الطبعة، ولا يُظَنُّ أنَّ ما ذكرتُه هنا هو كلُّ ما في الطبعة من وَهَمٍ وخلل، وإنما هو ما قابلته من عملي على هذه الطبعة، ولم أتتبَّعْ كلَّ ما ورد فيها مما يستحقُّ التنبيهَ، ولولا ضيقُ الوقت لقابلت هذه الطبعةَ كلمةً كلمةً، واللهُ المستعانُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا به.
وقد بدا لي أن أخرجَ بعضَ هذه التعليقات على صفحات المكتبة الإلكترونية المباركة "المكتبة الشاملة" -التي عمَّ نفعُها القاصيَ والداني، بارك اللهُ تعالى فيها وفي العاملين فيها-؛ لإتاحتها لطلاب العلم في أرجاء المعمورة، وأسأل الله تعالى المددَ والعونَ والسدادَ والتوفيقَ، وأن يجعلَ عملي خالصًا لوجهه الكريم، وبركة عليَّ وعلى أهلِ بيتي.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتب
أبو عبد الله
أحمد بن محمد بن محمد بسيوني
١١ جُمادَى الآخرة ١٤٣٧ هـ
стр. 3
- ج -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلامية
الحمد لله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، والصَّلاة والسَّلام على رسول الهدى الذي أمره الله بالعلم قبل العمل في قوله -جلّ ثناؤه-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وعلى آله وأصحابه ومَنْ بأثره اقتفى والتزم. وبعد:
فإنَّ الاشتغال بطلب العلم والتفقّه في الدّين من أجلّ المقاصد وأعظم الغايات وأولى المهمّات؛ لذلك ندب إليه الشَّارع الحكيم في كثير من نصوص كتابه، وأمَرَ نبيّه ﷺ بالزيادة منه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال جلّ وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقد رتّب النبي ﷺ الخير كلَّه على التفقّه في الدّين، فقال ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين" متّفق عليه. وقال ﷺ : "النَّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" متّفق عليه. وهذا مما يدلّ على أهميته وعظم شأنه.
لذلك كان الاهتمام بالعلم الشّرعيّ المستمدّ من الكتاب والسنّة وفهمِ السَّلف الصَّالح هو الهدف الأسمى لمؤسس هذه الدّولة المباركة الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وكذلك أبناؤه من بعده الذين كانت لهم اليد الطولى وقَدَمُ السَّبقِ في الاهتمام بالعلم وأهله، فأولوه عنايةً فائقةً، وخصّوه بجهود
стр. 4
- ح -
مباركة، ظهرت آثارها على البلاد والعباد.
وكان لخادم الحرمين الشَّريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - جهودٌ واضحةٌ استوتْ على سوقها ووفّقتْ لمقصودها، ومن ذلك أمره بزيادة عدد الجامعات، وفتح جميع الوسائل ذات العلاقة بالتطوير والتنقيح والتأليف والنَّشر كعمادات ومراكز البحث العلميّ فِي شتّى الجامعات وعلى رأسها الجامعة الإسلاميَّة - العالمية - بالمدينة المنورة التي أولت البحث العلميّ اهتمامًا بالغًا وجعلته غاية من غاياتها وهدفًا من أهدافها.
ومن هنا فعمادة البحث العلميّ بالجامعة تهتم بالبحوث العلميَّة نشرًا وجمعًا وترجمة وتحكيمًا في داخل الجامعة وخارجها؛ من أجل النُّهوض بالبحث العلميّ، والتشجيع على التَّأليف والنّشر، ومن ذلك كتاب: المسند الصحيح المُخَرَّج على صحيح مسلم تأليف: الإمام الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني، الَّذي حقق في رسائل علمية بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية، وقد تمت مراجعته وإعداد المنجز منه للنشر من قبل نخبة من أعضاء هيئة التدريس بالكلية بإشراف عمادة البحث العلمي بالجامعة.
أسأل الله أنْ يوفّقنا جميعًا لما يحبّ ويرضى ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
مدير الجامعة الإسلاميَّة
أ. د/ محمد بن علي العقلا
стр. 5
- خ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة عميد البحث العلمي
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فنظرًا للمكانة الرفيعة التي يحتلها -كتاب المسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم- للإمام الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، المستمدة من أصله المخرَّج عليه، وما تضمنه من فوائد نافعة للمختص وغيره من طلاب العلم، بادرت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتحقيق هذا الكتاب من خلال رسائل علمية أعدها باحثون في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، وبعد تحقيقه رأت الجامعة مناسبة نشره لتيسير الإفادة منه من خلال مشروع علمي تشرف عليه عمادة البحث العلمي، ولإنجاز هذا المشروع وضعت العمادة الخطة التالية:
أولًا: تحكيم عمل الباحثين من قبل مختصين في الحديث الشريف وعلومه للإفادة من ملحوظاتهم أثناء العمل.
ثانيًا: إعداد خطة عمل تفصيلية ومنهج علمي متكامل روعي فيهما أن أصل هذا الكتاب رسائل علمية وبحوث محكمة مما يستدعي المحافظة على مناهج المحققين التي اعتمدت في رسائلهم وبحوثهم إلا ما اقتضته ضرورة التنسيق ليتم إخراج الكتاب وفق نسق علمي واحد من أوله إلى أخره.
ثالثًا: استكمال ما لم يحقق من المخطوط وفق المنهج المعتمد في تحقيق الكتاب، والبحث عن الجزء المفقود منه، وقد تمَّ بفضل الله تعالى الحصول عليه، والعمل جارٍ على تحقيقه.
رابعًا: تشكيل فريق عمل علمي من الباحثين المختصين في السنة النبوية
стр. 6
- د -
وعلومها ممن لهم إسهام سابق في العمل في هذا الكتاب برئاسة فضيلة الدكتور عبد الله بن محمد مدني حافظ عضو هيئة التدريس بكلية الحديث الشريف.
خامسًا: مراجعة العمل في صورته النهائية من قبل فريق علمي متخصص برئاسة فضيلة وكيل الجامعة للشؤون التعليمية الأستاذ الدكتور إبراهيم بن علي العبيد.
هذا وقد بُذل في إخراج هذا السفر النفيس وقت ثمين وعمل متواصل وجهد كبير يليق بمثل هذا الكتاب.
وفي الختام أزجي وافر الشكر والتقدير لمعالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا الذي كان لتوجيهاته السديدة ودعمه اللامحدود الأثر البالغ في إنجاز هذا العمل العلمي الذي يخدم سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
والشكر موصول لكل من أسهم في إخراج هذا السفر العظيم من الباحثين والمحكمين والمراجعين وغيرهم ممن شارك في هذا العمل المبارك.
أضرع إلى الله أن يوفقنا جميعا لخدمة كتابه وسنة نبيه ﷺ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عميد البحث العلمي
د. عبد الرحمن بن عبد الله السحيمي
стр. 7
- ذ -
شكر وتقدير
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن مما يطوق عنقي من المنن الربانية، ويُثقل كاهلي من المواهب الإحسانية في هذه الساعة، وقد اكتمل بدر مشروع المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة الإسفراييني، أن أتوجه إلى الله جل وعلا بخير المحامد، وأعظم الثناء، فما التوفيق إلا به سبحانه، وما النَّعماء إلا من فضله وحده ورحمته، فله الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء من بعد، وأبتهل إليه بأن يُديم نعمه علينا، وأن يزيدنا من فضله.
ثم إني لأتقدم بجزيل الشكر والعرفان للجامعة الإسلامية التي أسأل الله بحوله وقوته أن يحفظها وما سواها من منارات الإسلام ومنابع الهدى، ويبقيها عينًا معينًا لا تنضب، وسبيل رشد لا يعطب، ويعين القائمين عليها ويسدد خطاهم، وفي مقدمتهم معالي مدير الجامعة الإسلامية: الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا، الذي لم يألُ جهدًا في تحقيق رسالة الجامعة المباركة وأهدافها، وفقًا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده، حفظهما الله تعالى ورعاهما، اللَّذين خصَّا الجامعة الإسلامية بالرعاية والعناية، والدعم غير المحدود، وأوليا العلم وأهله اهتمامًا بالغًا، وما الجامعات ومراكز البحث إلا شاهد عيان على ذلك، فجزاهما الله خير الجزاء، وأمد في عمرهما ومتعهما بتمام الصحة والعافية، وسدد جهودهما بتوفيقه، وأدام عز دولة التوحيد بهما، وجعل ما يقدمانه للإسلام وأهله في موازين حسناتهما، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 8
- ر -
والشكر موصول لكل من أسهم في إخراج هذا المشروع من ذوي الفضل والمعرفة، وأخص بالذكر فضيلة عميد عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، الدكتور: عبد الرحمن بن عبد الله السحيمي، الذي لم يدخر جهدًا في توجيه هذا المشروع ومتابعته.
وفضيلة عميد كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية الدكتور: حسين بن شريف العبدلي، على مساندته المشروع وتيسير إنجازه.
وفريق العمل من الباحثين المشاركين، والباحثين المساعدين الذين بذلوا قصارى جهدهم ونفيس أوقاتهم، فشكر الله للجميع ما قدموه، وجعله من خير أعمالهم في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على نبيه وآله، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
رئيس فريق العمل
د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
стр. 9
- ز -
الافتتاحية
الحمد لله الذي هدى عباده إلى الصراط المستقيم، وأتم لهم بالكتاب والسنة الدين، فالحمد له حمدًا طيبًا مباركًا فيه ما دامت السموات والأرضين، والصلاة السلام على نبيه محمد الأمين، بشَّر بالنُّضرة من بلَّغ سنته وهديه للعالمين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن العناية بتراث علماء الأمة الإسلامية وإخراجه من خزائن المخطوطات إلى عامة المكتبات وتقريبه للعامة والخاصّة، من خير ما بذلت فيه الدراسات العلمية، وهو هدف رئيس من أهداف الجامعة الإسلامية ومرافقها التعليمية، لا سيما حينما تتصل معادنه بأصل من أصول السنة النبوية، وتصقل جواهر لآلئه، وتجلي أسرارًا من صناعته الفقهية والحديثية.
وإن من أبرز ما اعتنت به كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية كتاب "المسند الصحيح المخرّج على صحيح مسلم"، الذي يعد موسوعة حديثية ذات قيمة علمية تتصل بأصل من أصول السنة النبوية، وهو صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.
والارتباط بين صحيح الإمام مسلم وكتاب أبي عوانة ظاهر الأثر في اهتمام أئمة السلف بحرصهم على سماع مستخرج أبي عوانة وروايته، يصور ذلك أجمل تصوير قول العلامة عبد الغافر الفارسي في ثنائه على أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري راوي المستخرج، بقوله:
"حدَّث سنين، وألحق الأحفاد بالأجداد، وكانت الرحلة إليه بإسفرايين من البلاد، ثم حمل إلى نيسابور سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ونزل في دار الشيخ أبي الحسن البيهقي، وحضره السادة الأئمة والقضاة
стр. 10
- س -
والمتفقهة، وتركوا الدروس والمجالس وجميع الأشغال، وأخذوا في قراءة المسند عليه، وأحضروا الأولاد، وكان المجلس غاصًّا بالناس بحيث لم يعهد بعده بنيسابور مثل ذلك المجلس لسماع الحديث (١).
وقد طبع بعض هذا الكتاب دون خدمة علمية تليق به، كم وقع فيه من سقط وتصحيف، وتحريف.
فصدر الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب عن دائرة المعارف بالهند عام ١٣٦٢ هـ، ثم طبع منه الرابع والخامس عام ١٣٨٥ هـ، واعتنى به جماعة حسب وسعهم، وما توفر لهم، وهم: الأستاذ محمد عبد الحميد، والسيد حبيب الله القادري والعلامة المعلمي المصححين بالدائرة المذكورة، وكان الطبع على نسخة واحدة ناقصة، وذكر الطابعون أنهم لم يظفروا بمخطوطة الجزء الثالث منه.
ثم طبع مؤخرًا بعض هذا الجزء الثالث بعناية أيمن عارف الدمشقي، وزعم طابعه أنه القسم المفقود من كتاب أبي عوانة حيث قام بتحقيق بعض الجزء الثاني والثالث من نسخة دار الكتب المصرية، وهي نسخة بها سقط وتصحيف واختلال كبير في ترتيب أوراقها في هذا الجزء، إلى ملاحظات أخرى كثيرة على المطبوع من الكتاب، منها:
١ - أن الطباعة تمت على نسخة واحدة ناقصة وللكتاب عدة نسخ خطية يتم به الكتاب.
٢ - سقط من تلك الطبعة من أول الكتاب مقدمته، وخمسة أبواب بعدها على التوالي، وسقط أيضًا من النص مواضع أخرى في أثناء الكتاب
_________
(١) منتخب السياق (٣٢٦).
стр. 11
- ش -
بينها الباحثون في رسائلهم الآتي ذكرُها.
٣ - وجود التصحيف، والتحريف في مواضع من هذه الطبعة، ولا سيما ما طبع بعناية أيمن الدمشقي فمن أمثلة التصحيف: ما ورد في المطبوع في حديث عتبان بن مالك، قال: يا رسول الله تعال فخط لي في داري، والصواب: فصل لي في داري.
ومن أمثلة التحريف، ما ذكره العلامة بكر أبو زيد، يرحمه الله تعالى في كتابه تحريف النصوص (١٦٨ - ١٧٠) وعدّه من التحريف في متن حديث من مسند أبي عوانة، فأورد ﵀ حديث ابن عمر، ﵄، في رفع اليدين في الصلاة، كما ورد في المطبوع من المسند، هكذا:
"رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما، وقال بعضهم حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع لا يرفعهما، وقال بعضهم ولا يرفع بين السجدتين، والمعنى واحد".
والصواب كما في المخطوط: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما، وقال بعضهم حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفعهما، وقال بعضهم: ولا يرفع بين السجدتين، والمعنى واحد".
٤ - في المطبوع زيادات ضرب عليها في الأصل برمز (لا - إلى) وهو رمز معناه أن ما بينهما مضروب عليه وليس من أصل الكتاب، وقد أثبتها الطابعون في أصل الكتاب، وهذه الزيادات ليست موجودة في النسخ الأخرى للكتاب مما يدل على أنها ليست منه، بل إنها لا تناسب سياق الكلام.
٥ - لم يُعتن في هذه الطبعة بتخريج الأحاديث، ولا الكلام على أسانيدها، ولا استنباط فوائد الاستخراج من تلك الأحاديث المستخرجة.
стр. 12
- ص -
ومن ثمَّ تبنت كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية تحقيق هذا الكتاب ودراسته، فحقق أكثره في أربع عشرة رسالة علمية خلال عدة سنوات، تمَّ توزيعها على طلاب الدراسات العليا ببرنامجي الدكتوراه والماجستير، وهم -وفق عملهم من أول الكتاب- على النحو التالي:
١ - الباحث: عباس صفا خان شهاب الدين التركستاني - يرحمه الله تعالى - وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وبدأ من أول الكتاب من كتاب الإيمان إلى نهاية باب إيجاب غسل اليدين على المستيقظ من النوم من كتاب الطهارة، دراسة وتحقيق، ويقع في ١٢٤٥ صفحة.
٢ - د. بابا إبراهيم الكمروني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب الدليل على أن أمر النبي ﷺ للمستيقظ من النوم غسل يديه على الإباحة إلى حظر الكلام في الصلاة بعد إباحته فيها، دراسة وتحقيق، ويقع في ٦٣٢ صفحة.
٣ - د. محمد محمدي بن محمد جميل الأفغاني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب بيان حظر الكلام في الصلاة إلى نهاية بيان الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف من كتاب الصلاة، دراسة وتحقيق، ويقع في ١٣٢٥ صفحة.
٤ - د. عبد الله بن محمد بن حافظ، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وبدأ من باب ذكر الخبر المبين أن النبي ﷺ صلى الكسوف ثمان ركعات إلى باب الوقت الذي يحل للصائم الإفطار فيه، دراسة وتحقيق، ويقع في ٥٧١ صفحة.
стр. 13
- ض -
٥ - د. بشير علي عمر النيجيري، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وأوله من باب بيان الترغيب في تعجيل الإفطار للصائم إلى نهاية باب الدليل على الإباحة للإمام أن يؤخر الصدقة على من تجب عليه، دراسة وتحقيق، ويقع في ٤٨٣ صفحة.
٦ - الباحث: سراج الحق محمد هاشم، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب بيان الإباحة للمحرم غسل رأسه ودلكه رأسه بالماء إلى نهاية باب عقاب من يريد بالمدينة سوءًا وبأهلها من كتاب الحج، دراسة وتحقيق، ويقع في ١٠٠٧ صفحة.
٧ - د. محمد مكي عبد الله عطاء الله، وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول فضائل القرآن إلى نهاية كتاب الطلاق، دراسة وتحقيق، ويقع في ٦١٤ صفحة.
٨ - د. عبد الكريم بن إبراهيم بن محمد الغضية، وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب العتق إلى نهاية أبواب النذور من السفر الثالث، دراسة وتحقيق، ويقع في ٦٢١ صفحة.
٩ - د. سالم بن عمر بن أحمد باعبد الله، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب الأيمان إلى آخر كتاب الحدود، دراسة وتحقيق، ويقع في ٦١٣ صفحة.
١٠ - د. رباح بن رضيمان بن تركي العنزي، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب الأحكام إلى نهاية باب عفو النَّبي ﷺ عمن دعاه إلى الإيمان بالله فرد عليه قوله … من كتاب الجهاد، دراسة وتحقيق، ويقع في ١٠٠٩ صفحات.
стр. 14
- ط -
١١ - د. هاني بن أحمد بن عمر فقيه، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب صفة حفر الخندق من كتاب الجهاد إلى باب إباحة صيد الأرنب وأكله من كتاب الصيد، دراسة وتحقيق، ويقع في ٨٥٢ صفحة.
١٢ - د. عمر بن مصلح الحسيني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب إباحة صيد الجراد إلى نهاية المجلد الرابع، دراسة وتحقيق، ويقع في ١١١١ صفحة.
١٣ - د. أحمد بن حسن الحارثى وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب التشديد في اتخاذ الصور في البيوت من كتاب اللباس إلى نهاية باب مناقب سودة من كتاب المناقب، دراسة وتحقيق، ويقع في ١٠٩٩ صفحة.
١٤ - د. عبد الله بن محمد بن سعود آل مساعد، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من مناقب أم سليم من كتاب المناقب إلى باب الدعاء الذي يجب على من يسلم أن يدعو به من كتاب الدعوات، دراسة وتحقيق، ويقع في ٩٢٣ صفحة.
بيد أن هذه الجهود المتضافرة باتت حبيسة الخزائن، ولم يتهيأ نشرها، والإفادة منها وذلك للأسباب التالية:
١ - سعة القدر المحقق من الكتاب حيث اشتمل على ١١٨٨٢ حديثًا وأثرًا، وقد تم تحقيقه في ١٢١١٩ صفحة، فهو موسوعة حديثية تحتاج إلى جهد جماعي لإخراجها منتظمة في نسق واحد من أولها إلى آخرها.
٢ - ضرورة التنسيق بين مادة الكتاب متباعدة الأطراف.
стр. 15
- ظ -
٣ - اشتمال النص المحقق على عدد ضخم جدًّا من رواة الأسانيد وقع تكرار في ذكر تراجمهم لتعدد الباحثين في الكتاب، مما يستلزم ضرورة النظر في التراجم جميعها، وإبقاء ما يلزم منها وحذف المكرر.
٤ - احتواء مقدمات الباحثين، ودراساتهم للكتاب، على مواد عديدة متعلقة بالنص المحقق، كلٌّ وفق القسم الخاص به، والمواد المذكورة كلها بحاجة إلى من ينسقها لتنتظم في مقدمة واحدة تكون مدخلًا للنص المحقق.
٥ - وجود قدر من الكتاب لم يتهيأ تحقيقه، ودراسته (١)، يلزم تحقيقه وفق منهج تحقيق الكتاب.
٦ - كانت للأعمال السابقة فهارس متنوعة، اختص كل عمل منها بفهرسة مواده المتعلقة به فقط، وإخراج الكتاب جميعه يستلزم إعداد فهارس علمية شاملة للكتاب.
وقد رأت الجامعة الإسلامية إخراج هذا السفر الكبير ليكون لبنة جديدة تضاف إلى لبنات سابقة في صرح إصدارات الجامعة من ذخائر علوم السنة النبوية، وإضافة لمطبوعات المكتبة الحديثية، وفق مشروع علمي، استلزم تنفيذه تكوين فريق
_________
(١) حقق منه قطعة يسيرة أثناء العمل: د. رباح بن رضيمان بن تركي العنزي، بدأ من باب الدَّليل على وجوب الزَّكاة في حليّ النساء من كتاب الزكاة إلى نهاية باب الدَّليل على حظر تسويف الصَّدقة والزكاة من الكتاب نفسه، ويقع البحث في ١٣٤ صفحة. وأتم ذلك د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ، حيث بدأ من باب الخبر الموجب لأداء الصدقة في صحة البدن من كتاب الزكاة، إلى باب ذكر الخبر الموجب الإنفاق في الطاعة من الكتاب نفسه، ويقع بحثه في ١٥١ صفحة، والقدر المتبقى يقع في آخر الكتاب ويحققه فريق علمي بإشراف عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية.
стр. 16
- ع -
عمل من الباحثين يُعنى بتنسيق مواد الكتاب وخدماته المتعددة، وإخراجه في صورة متناسقة ومناسبة، بإشراف عمادة البحث العلمي.
ولا مرية في أن إخراج هذا السفر بخدماته التي أسهم في بنائها أربعة عشر باحثًا متخصصًا يمثل لبنات يعلو بها صرح المكتبة الإسلامية، وتنتظم الجهود المبذولة فيه في أغراض التَّآليف المعتبرة (١)، وبفضل الله تعالى تمَّ إنجاز واحد وعشرين جزءًا منه أُعِدَّت للطباعة والنشر، ويجري العمل حثيثًا لاستكمال آخره بمشيئة الله تعالى.
_________
(١) قال ابن حزم في رسالته فضل الأندلس وذكر رجالها (٢/ ١٨٦ ضمن رسائل ابن حزم) عقب تعداده كتب أهل الأندلس في شتى العلوم: "إنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر، والتي تدخل تحت الأقسام السبعة التي لا يؤلف عاقل عالم إلا في أحدها وهي السبعة، وهي: إمَّا شيء يخترعه لم يسبق إليه، أو شيء ناقص يتمه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه صاحبه يصلحه، وأمَّا التآليف المقصرة عن مراتب غيرها فلم نلتفت إلى ذكرها … ".
ونظم هذا، فقيل فيه:
في سبعة حصروا مقاصد العقلا … من التآليف فاحفظها تنل أملا
أبدع تمام بيان لاختصارك في … جمع وترتيب واصلح يا أخي الخللا
стр. 17
- غ -
خطة العمل في المشروع والمنهج المتبع في تنفيذها
أولًا: خطة العمل في المشرع
انقسم العمل في المشروع إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: خدمة قسم دراسة الكتاب ومؤلفه، من خلال مواد دراسات الرسائل السابق ذكرها، لتصبح الدراسة في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ترجمة المؤلف، وتشمل أحد عشر مبحثا:
المبحث الأول: اسمه كنيته ونسبته وبلدته.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته.
المبحث الثالث: رحلاته.
المبحث الرابع: شيوخه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: عقيدته.
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه.
المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد.
المبحث العاشر: مؤلفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وتشمل عشرة مباحث:
المبحث الأول: بيان اسم الكتاب.
стр. 18
- ف -
المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف.
المبحث الثالث: مصادره في كتابه.
المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب.
المبحث الخامس: درجة رجال أبي عوانة.
المبحث السادس: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج.
المبحث السابع: دراسة موضوع الكتاب وبيان معنى الاستخراج.
المبحث الثامن: أهمية كتاب أبي عوانة وعناية العلماء به.
المبحث التاسع: بيان منهج المؤلف في كتابه.
المبحث العاشر: وصف النسخ الخطية، وتراجم رجال أسانيدها، ودراسة السماعات الموجودة عليها.
الفصل الثالث: مقارنة بين مستخرجي أبي عوانة وأبي نعيم من خلال كتابيِّ الصوم والزكاة، وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: في تسمية الكتابين، وموضوعهما، وقيمتهما العلمية.
المبحث الثاني: مقارنة مقدمة الكتابين.
المبحث الثالث: السبب الباعث للمؤلفين على تأليف كتابيهما.
المبحث الرابع: منهجهما في الاستخراج، وتحقيقهما لشرطه.
المبحث الخامس: منهجهما في التبويب وتراجم الأبواب.
المبحث السادس: الصناعة الحديثية في الكتابين.
المبحث السابع: فيما تضمنه الكتابان من أنواع علوم الحديث.
المبحث الثامن: ما اشتمل عليه الكتابان من فوائد الاستخراج.
стр. 19
- ق -
المبحث التاسع: الرواية عن المتكلم فيهم في الكتابين.
المبحث العاشر: العلل واختلاف الرواة في الكتابين.
المبحث الحادي عشر: الأحاديث الزوائد في الكتابين، ثم خلاصة المقارنة.
المرحلة الثانية: إعداد النص المحقق في هذا القسم بتنسيق البحوث المقدمة فيه، ومعالجة نصوصه، واستكمال ما لم يحقق منه.
ثانيًا: المنهج المتبع في تنفيذ خطة المشروع.
روعي في منهج العمل المحافظة على مناهج المحققين التي اعتمدت في رسائلهم وبحوثهم، فلم يكن ثمة تغيير فيها سوى ما يتعلق بتنسيق المادة العلمية، وقد اتبع الفريق لتنفيذ خطة المشروع المنهج التالي:
أولًا: مرحلة خدمة قسم دراسة الكتاب ومؤلفه.
١ - مراجعة كافة دراسات التحقيق للمباحث المذكورة في خطة المشروع، والعمل على استيعاب موادها المشتركة في قالب موحد، وتنسيق عبارات الباحثين في ذلك.
٢ - مراعاة المباحث التي اختص بها بعض الباحثين دون البعض الآخر، وتنسيق مادتها وفقًا لخطة المشروع، مع التنبيه على مقدار تعلقها بمحتوى الكتاب، كما هو الشأن في الفصل الثالث من دراسة الكتاب بهما خصص للمقارنة بين مستخرجي أبي عوانة وأبي نعيم من خلال كتابيِّ الصوم والزكاة، وذلك لوجود هذه المقارنة في بعض دراسات الكتاب دون البعض الآخر.
стр. 20
- ك -
ثانيًا: مرحلة إعداد النص الحقق:
١ - مراجعة النص المحقق مراجعة شاملة مع استكمال ما لم يحقق من المخطوط وفق منهج تحقيق الكتاب.
٢ - تنسيق كتابة الآيات بالخط العثماني للمصحف الشريف.
٣ - ترقيم أسانيد أحاديث الكتاب ترقيمًا متسلسلًا مع تصدير الأحاديث الزائدة على صحيح الإمام مسلم بحرف الزاي متابعة لأغلب الباحثين في ذلك.
٤ - تنسيق ضبط الإحالات على النسخ الخطية، وتوحيد رموزها وفقًا لمسمياتها في مبحث دراسة النسخ الخطية مع الإشارة إلى نهاية صفحات النسخة المختارة للتحقيق بالمتن، وبيان ذلك للنسخ الموافقة للأصل بالحاشية.
٥ - مراجعة كافة تراجم رواة الأسانيد والأعلام للنظر في حذف التكرار، وإثبات الترجمة في أول موضع يذكر فيه المترجم له مع الإشارة ببطاقة التعريف به في مواضع الحذف، إلا من حاجة تقتضي تكرار الترجمة، أو تأخيرها، نحو بيان حال المروي والحكم عليه، أو التباين المؤثر في المادة العلمية للمترجم له.
وقد اكتفى أكثر المحققين بالترجمة إلى موضع الالتقاء بأسانيد الإمام مسلم، لقبول ما في الصحيح في الجملة، كما هو مشهور.
٦ - تنسيق الإحالات، وتصحيحها وفق تنسيق الترقيم الحالي.
стр. 21
- ل -
٧ - مراجعة شرح الغريب، والتعريف بالبلدان، وإبقاء ذلك في موضعه حيثما ورد تسهيلًا للقارئ في تفسير النص وبيانه.
٨ - مراجعة تخريج الباحثين للأحاديث المكررة مع عدم حذف تخريجهم للوقوف على رأي كل منهم في تحقيقاتهم.
٩ - تنسيق كافة فهارس المحققين لاستخراج فهارس شاملة للنص المحقق ومقدمته، على النحو التالي:
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس الأحاديث والآثار.
• فهرس الرواة والأعلام المترجم لهم.
• فهرس الألفاظ الغريبة.
• فهرس الأماكن والبلدان.
• ثبت مصادر ومراجع التحقيق والمقدمة.
• فهرس الموضوعات العامة.
١٠ - صفُّ الكتاب في صورته النهائية وفق مواصفات عمادة البحث العلمي، وإخراجه ليكون ماثلًا للطباعة والنشر.
стр. 22
- م -
الفريق العلمي لمشروع المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم
عمل على تنفيذ خطة المشروع فريق من الباحثين المختصين في الحديث النبوي من أعضاء هيئة التدريس بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، وهم:
أولًا: رئيس فريق العمل بالمشروع.
د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ.
ثانيًا: أعضاء الفريق (١).
• د. عمر بن مصلح الحسيني.
• د. سالم بن عمر باعبد الله.
• د. أحمد بن حسن الحارثي.
• د. عبد الله بن محمد آل مساعد.
وقد ساند الفريق مجموعة من مساعدي الباحثين من حملة الشهادة الجامعية، والماجستير المتمكنين في علوم الحديث.
ولقد عمل أعضاء الفريق بجهد دؤوب استغرق قرابة السنتين، ولم يكن ذلك أمرًا يسير المنال، سهل المرام، بل رافقه صعوباتٌ، سلفت الإشارة إلى بعضها، وأبرزها ما يلي:
_________
(١) شارك في مراحل المشروع الأولى د. رباح بن رضيمان بن تركي العنزي، عضو هيئة التدريس بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، ووافق عضويته بالمشروع تكليفه بمهام عدة عاقت استمرار فضيلته، ومن ثم كان اعتذاره عن مهامه التي قام بها من بعده صاحبا الفضيلة: الدكتور: أحمد بن حسن الحارثي والدكتور: عبد الله ابن محمد آل مساعد.
стр. 23
- ن -
١. فقدان النسخ الإلكترونية لبعض البحوث مما استلزم إدخال نصوصها بالحاسب الآلي.
٢. كثرة تراجم رواة نصوص الكتاب التي زادت عن عشرة آلاف ترجمة، حيث تمت دراستها وحذف التكرار منها، فبلغت نحوًا من ثلاثة آلاف ترجمة.
٣. الاختلاف الواسع في تنسيق نصوص الكتاب الإلكترونية متباينة الإعداد.
٤. تباين بحوث المحققين للموضوع المشترك في دراساتهم، إذ كل منهم قد اختصت دراسته بالجزء الذي حققه، مما استلزم مزيد النظر للجمع بين أطراف دراساتهم واحتوائها في قالب واحد.
٥. تعدد مناهج الباحثين في طرق الإشارة إلى مواضع صفحات النسخ الخطية للكتاب، وفي تسميتها ووصفها ودراسة سماعاتها الكثيرة، كل ذلك كان سببًا في إعادة النظر في كتابة هذا المبحث بتمامه مما استغرق جهدًا وزمنًا ليس باليسير.
٦. تنوع طرق فهارس الباحثين، واختلافها كمًّا وكيفًا، أدى إلى إعادة ترتيب مواد الفهارس كلها وتجميعها على طريقة واحدة إلكترونية، هذا مع سعة مواد الكتاب الكثيرة، إلى غير ذلك من الصعاب التي لا تخفى على من تصدى لمثل هذا العمل، الذي قد لا يسلم جمعه وإخراجه من خطأ أو زلل، فقد أبى الله أن لا يكمل إلا كتابه المنزل، وعذر فريق العمل أنهم بذلوا قصارى جهدهم من غير سآمة أو ملل، ومواقعة المحذور مع سعة مادة الكتاب غير مستبعدة، بل هي أمر محتمل، وقد قال السيد أحمد صقر يرحمه الله تعالى: "والنشر فن خفي المسالك، عظيم المزالق، جم المصاعب، كثير المضائق، وشواغل الفكر فيه متواترة، ومتاعب البال وافرة، ومهيضات
стр. 24
- هـ -
العقل غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة، يؤودها حفظ الصواب في سائر نصوص الكتاب، ويعجزها ضبط شوارد الأخطاء ورجعها إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موفور الجمام فيقصد قصدها ويسهل عليه قنصها" (١).
والله المسؤول أن يحقق هذا العمل الثمرة المرجوة منه، وأن يكون تحقيق هذا الكتاب وإخراجه على أقرب صورة كتبها جامعه غفر الله له ورحمه، ووفق من عمل في إخراجه وأعان عليه.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه
رئيس فريق العمل بالمشروع
د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
_________
(١) انظر: مقدمته - يرحمه الله - لتحقيق كتاب الموازنة للآمدي (١/ ١٤).
стр. 25
مقدمة تحقيق المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم
لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)
إعداد وتنسيق وإخراج
فريق من الباحثين بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية
بالجامعة الإسلامية
стр. 26
الفصل الأول: ترجمة المصنف، ويحتوي على أحد عشر مبحثا:
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبته وبلدته.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته.
المبحث الثالث: رحلاته.
المبحث الرابع: شيوخه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: عقيدته.
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه.
المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد.
المبحث العاشر: مؤلفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
стр. 27
الفصل الأول ترجمة المصنف (١)
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبته وبلدته:
هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو عوانة النيسابوري الأصل المِهْرَجَانِيّ، الإسفراييني (٢).
_________
(١) مصادر ترجمته: المعجم للإسماعيلي (٢/ ٧٩٦) تاريخ جرجان للسهمي (٤٩٠)، الأنساب للسمعاني (١/ ١٤٣ - ١٤٤)، معجم البلدان (١/ ٢١١)، الكامل في التاريخ (٦/ ١٩٩)، اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٥٥)، التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٢/ ٣١٦)، طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (٢/ ٦٧٩)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ٣٩٣) تذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ٧٧٩)، العبر (١/ ٤٧٣)، دول الإسلام (١/ ١٩٠)، تاريخ الإسلام (حوادث ٣٠١ هـ -٣٢٠ هـ، ص ٥٢٦)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٧)، مرآة الجنان لليافعي (٢/ ٢٦٩)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٨٧)، مختصر تاريخ دمشق (٢٨/ ٣٧)، طبقات الشّافعية الأسنوي (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (١/ ٢٣٥)، البداية والنهاية (١١/ ١٧٠)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٠٥)، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٣/ ٢٥٠)، الإعلان بالتوبيخ للسخاوي (١٩٠)، لب الألباب في تحرير الأنساب (١/ ٥٥)، شذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٢٧٤) التاج المكلل (١٥٠)، والحطة لصديق حسن خان (٢٠٣)، هدية العارفين لإسماعيل باشا (٢/ ٥٤٤)، الرسالة المستطرفة للكتاني (٢٧).
(٢) انظر: التقيد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٢/ ٣١٦)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٧).
стр. 28
وعَوانة ضبطها ابن خلكان: بفتح العين المهملة، وبعد الألف نون (١).
ونيسابور: ضبطها السمعاني: بفتح أوله وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء منقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء (٢).
وإسْفَرايين: ضبطها السمعاني فقال: "بكسر الألف وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء كسر الياء المنقوطة باثنتين من تحتها".
وكذلك قال ياقوت الحموي إلا أنّه قال: "بفتح الألف: أسفرايين"، والكسر هو الذي عليه الأكثرون.
وحكى الزبيدي في فاء إِسْفَرايين بعد نقله الفتح فيها عن ياقوت وابن خلكان تجويز الكسر أيضًا عن غيرهما (٣).
وأما ياء إسفرايين فبلا همز، كما تقدم، ونص عليه السيوطي (٤)، وهذا على الأصح الأفصح، وجوَّز بعضهم همزها، كما قاله الزبيدي (٥).
_________
(١) انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٤).
(٢) هي مدينة تقع إلى الجنوب من مدينة مشهد بإيران على بعد ١٢٥ كيلًا منها، وتسمى اليوم نيشابور، بالشين المعجمة.
انظر: الأنساب (٥/ ٥٥٠)، معجم البلدان (٥/ ٣٨٢)، بلدان الخلافة الشرقية ص (٤٢٤)، أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية (١/ ٢٠).
(٣) انظر: تاج العروس (١٨/ ٢٨١).
(٤) انظر: لب اللباب (١/ ٥٥).
(٥) انظر: تاج العروس (١٨/ ٢٨١).
стр. 29
وهي بليدة بنواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان في آخر عمل نيسابور وبينهما خمس مراحل، وقيل: اثنان وثلاثون فرسخًا.
ويقال لها قديمًا: المِهْرجان: بكسر الميم، وسكون الهاء، كسر الراء، وفتح الجيم، وفي آخرها نون.
سماها بذلك بعض الملوك لخضرتها ونضارتها، ومهرجان قرية من أعمال إسفرايين (١).
وقيل: أسفرايين: أصلها من أسبرايين، بالباء الموحدة. وأسبر بالفارسية هو التِّرس، وإيين هو العادة، فكأن أهلها عرفوا قديمًا بحمل التِراس فسميت مدينتهم بذلك (٢).
وحدَّدَ السَّمعانِيُّ والحمويّ موقعها على منتصف الطريق بين نيسابور وجُرجان.
ولعل مدينة إسفرايين القديمة تطابق الآن الخرائب المعروفة بشهر بلقيس (٣)، فقد نقل المعلِّق على كتاب "بلدان الخِلافة الشرقية" عن كتاب "خراسان وسيستان" قولَه: "ولعلَّ مدينة إسفرايين القديمة -وما زال السهل
_________
(١) انظر: الأنساب (١/ ١٤٣، ٥/ ٤١٤)، وفيات الأعيان (١/ ٧٤)، الروض المعطار (ص: ٥٧)، للباب في تهذيب الأنساب (١/ ٥٥).
(٢) معجم البلدان (١/ ٢١١).
(٣) انظر: خراسان وسيستان - ص: ٣٧٨ - ٣٧٩ (بواسطة كتاب بلدان الخلافة الشرقية - حاشية رقم ١٦).
стр. 30
هناك يُعرف باسمها- تطابق الخرائب المعروفة بشهر بلقيس".
وهو كما قال، ويعرفُ الإيرانيون اليوم إسفرايينَ القديمة التي لم يبق منها إلا أطلالها باسم مدينة بلقيس، وتقع إلى جنوب مدينة إسفرايين الحاليَّة التي تقعُ شمال شرقيَّ دولة إيران، وجنوب الخُراسان الشمالية، وتحدُّها من الجنوب والجنوب الشرقي مدينة نيسابور، ومن الشمال مدينتا بَجْنورد وشيروان، ومن الغرب مدينة جاجُرم، ومن الجنوب الغربيِّ مدينة سبْزَوار (١).
_________
(١) انظر: الأنساب للسَّمعاني (١/ ٢٣٥)، بلدان الخلافة الشرقية للمستشرق كي لسترنج (ص ٤٣٤ - ٤٣٥)، أطلس دول العالم الكبير - الخريطة رقم ١٢ (ص ٣٦٢).
стр. 31
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته:
مولده: ولد أبو عوانة - رحمه الله تعالى - بإسفرايين، ولم تذكر المصادر تاريخ مولده بالتحديد، وذكره الذهبي على التقريب فقال: "ولد بعد الثلاثين ومائتين" (١).
وقد ذكر أبو عوانة أنه سمع بجرجان سنة ٢٥٠ هـ من أبي عبد الله السختياني (٢)، فيشبه أن يكون تاريخ مولده بين سنة (٢٣٠ - ٢٣٥ هـ) لأن غالب من يتمكَّن من الرحلة للبلدان المجاورة والسماع منها؛ يكون عمره -في أقلِّ الأحوال- بين (١٦ - ٢٠ عامًا).
نشأته وأسرته:
هيَّأ الله لأبي عَوانة أسبابًا سلكت به أشرف المسالك وأنبلها وهو: طلب العلم الشرعي وحفظه، والرحلة إليه في الأقطار، والعمل به، ولا يُعرف اشتغاله بحرفةٍ أو صنعةٍ أو وظيفة غير اشتغاله بحفظ حديث رسول الله ﷺ وسننه، ونشره، والذبِّ عنه بالتحديث والتصنيف، كفى به شرفًا وفخرًا أن ينشر العلم الذي من عمل به كان فيه قوام دينه، ودنياه، وآخرته، ومن تلك الأسباب التي تهيَّأت له:
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٤١٧).
(٢) انظر: الحديث رقم (١٥).
стр. 32
أولًا: نشأته في بيت علمٍ ودين.
نشأ أبو عوانة ﵀ في بيت علم وفضل فقد كان أبوه (١) من
_________
(١) لم يُترجم له إلا الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث ٢٨١ - ٢٩٠ ص ١١٨)، وقال: إسحاق بن إبراهيم بن يزيد بن أبي عمران الإسفراييني، الحافظ الفقيه، أبو يعقوب، والد أبي عوانة.
ثم ذكر بعد ست تراجم: إسحاق بن أبي عمران الإسفراييني الفقيه، وقال: هو إسحاق بن موسى بن بن عمران، أبو يعقوب الشافعي، صاحب المزني.
ثم سرد بعض شيوخه وتلاميذه، وقال: كان من كبار الأئمة في الفقه والحديث، توفي بإسفرايين في رمضان سنة أربع وثمانين، ثم قال: "قلت: هو والد الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، فيما أرى، أظن أن الحاكم وهم في تسميته أبيه موسى بن عمران".
فهذا الكلام من الإمام الذهبي ﵀ يفهم منه أنه يميل من غير جزم إلى أن والد أبي عوانة هو نفسه الحافظ الكبير الفقيه إسحاق بن موسى بن عمران المتوفى سنة ٢٨٤ هـ، وأن أبا عبد الله الحكم وهم حين سمى أباه: موسى بن عمران، يعنى: أن الصواب في اسم أبيه: إبراهيم بن يزيد.
وقد استدل الذهبي على أن إسحاق بن موسى بن عمران الإسفراييني هو نفسه والد أبي عوانة بأمور يمكن تلخيصها فيما يلي:
١ - أن إسحاق بن موسى بن عمران، ووالد أبي عوانة كلاهما في طبقة واحدة.
٢ - أن الحافظ أبا عبد الله ترجم في تاريخ نيسابور لإسحاق بن موسى ابن عمران الإسفراييني، ولم يترجم لوالد أبي عوانة، وهي قرينة تدل على أنهما واحد؛ إذ =
стр. 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
= لو كان غيره لترجم له.
٣ - أن الحافظ أبا عبد الله الحكم حين ترجم لإسحاق بن موسى بن عمران، ذكر في الرواة عنه أبا عوانة، وليس لأبي عوانة في مستخرجه رواية عن إسحاق بن موسى بن عمران، وإنما له رواية عن أبيه، فهذه قرينة أخرى تدل على أنه هو.
هذا هو محصل ما يفهم من كلام الذهبي ﵀ في تاريخ الإسلام في حوادث سنة (٢٨١ هـ - ٢٩٠ هـ) ص ١٢١، والسير (١٣/ ٤٥٨).
وأنت تلحظ أنه لم يجزم بما ذهب إليه، وإنما هو ميل منه فقط، كما في قوله: "فيما أرى".
ثم رجع عن هذا في السير (١٣/ ٤٥٨) ففرق بين الرجلين حيث قال في ترجمة إسحاق بن موسى: وتخيَّل إليَّ أنه والد أبي عوانة، لكن والد أبي عوانة اسمه: إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني … ثم إني لم أظفر لأبي عوانة برواية عن إسحاق بن أبي عمران، ولا ذكر الحكم لوالد أبي عوانة ترجمة في تاريخه، فلهذا جوَّزت في البديهة أنهما واحد، وكلاهما طبقة واحدة. اهـ.
وهذا التفريق هو الصواب إن شاء الله لأدلة ذكرها تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٢٥٩)، متعقبًا بها قول الذهبي الأول، وملخصها ما يلي:
أن والد أبي عوانة اسمه إسحاق بن إبراهيم بن يزيد في حين أن الآخر اسمه إسحاق بن موسى بن عمران، فبين الاسمين اختلاف.
أن أبا عبد الله الحكم حينما ترجم لإسحاق بن موسى بن عمران، ذكر في عداد الرواة عنه أبا عوانة، ولم يذكر أنه ابنه، كما هي عادة المترجمين، وهي قرينة قوية على أنه ليس والده. =
стр. 34
المعتنين برواية الحديث وسماعه، فروى عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية المروزي، وعلي بن حُجر السعدي المروزي نزيل بغداد، وأبي مروان محمد بن عثمان بن خالد الأموي العثماني المدني نزيل مكة (١).
ولا شك أن أبا عوانة قد تأثر بأبيه في تطلبه الحديث من الشيوخ
_________
= قال السبكي: قول شيخنا الذهبي: "ما ظفرت له برواية عن إسحاق بن أبي عمران" لا يلزم منه أن يكون هو أباه، فإن أبا عوانة لم يستوعب في مسنده شيوخه، هذا إن صحَّ أنه لم يذكر في كتابه إسحاق بن أبي عمران. فإن قلت: لا شك أن روايته عن أبيه، وعدم روايته عن إسحاق بن أبي عمران قرينة.
قلت: لكن ذكر الحاكم لأبي عوانة في الرواة عن هذا الشيخ من غير تنبيه على أنه ولده قرينة في أنه غيره أقوى من تلك، مع ما ينضم إليها من أن أبا عوانة نفسه أخذ عن المزني والربيع على أن الحال محتمل والخطب فيه يسير".
ويؤيد هذا التفريق أن الحافظ ابن عساكر ترجم لإسحاق بن موسى ابن عمران في تاريخ دمشق (٨/ ٢٩٢)، وصنع كما صنع الحاكم، وكذا ترجم ابن عبد الهادي في طبقات علماء الحديث (٢/ ٤٢١).
كما أن الذين ترجموا لإسحاق بن موسى بن عمران ذكروا أنه أحد أئمة الشافعية، والرحالة في طلب الحديث، وأن له مصنفات كثيرة وله سماع عن عدد كبير من الشيوخ، عد ابن عساكر منهم ٣٤ شيخًا، وعد الذهبي منهم ٣١، مع الإشارة إلى وجود غيرهم بينما لم أجد لوالد أبي عوانة إلا ثلاثة من الشيوخ فقط.
وهذه قرينة يلتمس منها أنه ليس ذاك الإمام الواسع الرواية والشيوخ.
(١) انظر: السير (١٣/ ٤٥٨).
стр. 35
والأكابر أمثال من ذكرنا، فقد روى عنه كثيرًا في كتابه هذا.
وانتقل هذا الأثر إلى أبناء أبي عوانة وأبنائهم وذويهم، فقد سمع من أبي عوانة ابنه أبو مصعب محمد، وابن ابنه شافع بن محمد الإمام الحافظ المفيد (١) وابن أخته الحسن بن محمد الأزهري -وكان أبو عوانة يصحبه في رحلاته (٢) - وابن ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الذي كان عمره حين توفي أبو عوانة ست سنوات وعشرة أشهر، وقد حرص أبو عوانة على إسماعه فسمع بعض المسند مع الجماعة، وبعضه وحده بالليالي وقت فراغ أبي عوانة بقراءة والده على أبي عوانة، وكان أبو عوانة يداعبه ويحادثه ويطعمه الفانيذ (٣) لئلا ينعس في حال السماع حتى يحصل له سماع جميع الكتاب، وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته (٤).
وهكذا نجد أن أبا عوانة نشأ في أسرة محبة للعلم، حريصة عليه أبًا وأبناءً فكان لهذا أثره في حياته العلمية والاجتماعية.
ثانيًا: نشأته في بيئةٍ ازدهرت بحب العلم الشرعي، وزانها كثرة العلماء فيها، وتوافر المراكز العلمية حولها.
فبلدته إسفرايين -وما كان حولها من البلدان مثل: نيسابور،
_________
(١) انظر ترجمته: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٨).
(٢) انظر: السير (١٥/ ٥٣٥).
(٣) الفانيذ: ضرب من الحلواء، فارسي معرب. لسان العرب (٣/ ٥٠٣).
(٤) المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور (٣٢٦)، السير (١٤/ ٤١٩، ١٧/ ٧٢).
стр. 36
وجرجان، والري، وهراة، وبلخ ومرو، ونسا، وفارس، وبخارى، وسمرقند، وغيرها- كانت زاخرة بالعلماء، وكانت من المراكز العلمية التي يَفد إليها طلاب العلم من أقطار الأرض لتحصيل الحديث والعلوم الأخرى ولقاء الأكابر من الشيوخ (١).
وقد كان لهذا المحيط العلمي التأثير الأكبر في تكوين شخصية أبي عوانة العلمية؛ إضافة إلى ما كان في بيته وأسرته.
ويبدو أن أبا عوانة أخذ العلم عن أهل بلدته وما جاورها في بدء الأمر كما هو حال العلماء إذ كانوا لا يرتحلون حتى يستنزفوا أهل ديارهم (٢).
وقد حفلت مدينة نيسابور بأجلة من الجهابذة العلماء حتى قال عنها ياقوت الحموي: "هي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها" (٣).
فسمع بإسفرايين من: مسرور بن نوح الذهلي (٢٥١ هـ) (٤)،
_________
(١) انظر حول هذه المراكز العلمية: أبو زرعة الرازي وجهوده للدكتور: سعدي الهاشمي (١/ ١٩ - ٢٧).
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح (٤٢٩).
(٣) معجم البلدان (٥/ ٣٨٢).
(٤) انظر: ح (٢٩٠).
стр. 37
ومحمد بن يحيى حَيُّويه (٢٥٩ هـ)، وكان أبو عوانة يفخر به (١)، وغيرهما.
وبنيسابور من: محمد بن يحيى الذهلي (٢٥٨ هـ) (٢)، وأحمد ابن الأزهر بن منيع (٢٦٣ هـ) (٣)، وعلي بن الحسن الدَّرابَجِرْدي (٢٦٧ هـ) (٤)، وغيرهم.
ثم بعد أن اشتدَّ ساعده ابتدأ رحلاته العلمية في أقطار الأرض في سن مبكرة طلبًا لسماع حديث رسول الله ﷺ على ما سأبيِّنه في رحلاته.
_________
(١) انظر: ح (٦).
(٢) انظر: ح (٦).
(٣) انظر: ح (١٢).
(٤) انظر: ح (٦٥١).
стр. 38
المبحث الثالث: رحلاته:
عاش أبو عوانة في حقبة زمنية (٢٣٠ هـ - ٣١٦ هـ) تعتبر عصر ازدهار العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة حيث نشطت فيها الرحلة لطلب العلم ونشط التأليف، فألفت الصحاح، والسنن، والمسانيد … كتب الجرح والتعديل … الخ.
وحفلت هذه الحقبة بثلة من الجهابذة والعلماء والنقاد في شتى الأمصار ممن يرحل إليهم طلبًا للعلم وسماع الحديث النبوي (١).
ولم يثن أئمة الإسلام عن متطلبهم طول السفر ومشقته ووعورة تلك الطرق التي سلكوها شرقًا وغربًا وسط الصحاري والقفار لأن غايتهم سماع حديث رسول الله ﷺ وتبليغه للناس.
وقد ضرب أئمتنا في ذلك أروع الأمثلة، ومن هؤلاء الأئمة أبو عوانة ﵀ فقد أكثر الترحال، وطاف الأقطار لطلب الحديث، فعني بجمعه وتعب في كتابته مصطبرًا على المشقة والعناء.
قال أبو عوانة: "كنت بالمصيصة، فكتب إليَّ أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فنحن إذا التقينا قبل موتٍ … شفينا النَّفس من مضض العتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا … فكم من عاتبٍ تحت التراب
_________
(١) انظر حول بيان ذلك: تدوين السنة النبوية صـ ٩٣ وما بعدها.
стр. 39
قال: فلما رجعت سألته عن ذلك، فقال: بلغني أن عليَّ بن حُجْرٍ كتب به إلى بعض إخوانه" (١).
وقد اشتهر أبو عوانة بالرحلة في طلب الحديث ووصفه بذلك غير واحد من العلماء، منهم الحاكم أبو عبد الله بهما يقول: "أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرَّحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث" (٢).
وقال ابن خلكان: "كان أحد الحفاظ الجوَّالين (٣) ".
وقال السمعاني: "أحد حفاظ الدنيا، وممن رحل في طلب الحديث، وعني بجمعه (٤) ".
وقال الذهبي: "الإمام الحافظ الكبير الجوَّال"، وقال أيضا: "أكثر الترحال (٥) ".
_________
(١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨/ ٣٨)، والأبيات ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد للخطيب (١١/ ٤١٦ - ٤١٧) لعلي بن حُجر السعدي أنه كتب إلى بعض إخوانه:
أحنُّ إلى عتابك غير أنِّي … أُجلُّك عن عتابٍ في كتاب
ونحن إذا التقينا قبل موتٍ … شفيت عليل صدري من عتاب
وإن سبقت بنا ذات المنايا … فكم من عاتبٍ تحت التراب
(٢) الأنساب للسمعاني (١/ ١٤٣).
(٣) وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣).
(٤) الأنساب (١/ ١٤٣).
(٥) السير (١٤/ ٤١٧).
стр. 40
وقد تقدم أنَّ أبا عوانة سمع بجرجان سنة ٢٥٠ هـ من أبي عبد الله السختياني، وسمع ببغداد سنة ٢٥٩ هـ من عبد الله بن محمد بن مرزوق العتكي البصري (١).
وحدث عن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء الثغري الطرسوسي المصيصي، وأحمد هذا يقال: توفي في حدود ٢٥٠ هـ (٢)، وهو من أهل ثُغور الشام، فيستنتج من هذا أنَّ أبا عوانة ابتدأ رحلاته في آخر العقد الثاني من عمره.
فسنّه المبكّر في طلب العلم مكّنه من الرحلة في أقطار الأرض، ولُقيّ أكابر الأئمة من المحدثين والفقهاء وغيرهم.
فرحل إلى خراسان وما جاورها، وفارس والعراق والجزيرة، والشام، والثغور والحجاز واليمن ومصر، فطاف مدن تلك الأمصار وسمع من علمائها:
١ - سمع بِجُرْجَان (٣) من: أبي عبد الله إسحاق بن إبراهيم السختيانِي
_________
(١) انظر: المسند الصحيح، ح (١١١٨٢).
(٢) انظر: ح (٢٦٠٧).
(٣) جُرْجَان: بالضم، وآخره نون، مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان، وتسمى اليوم كركان على ما ينطق به الفرس، وتمتد في جنوب شرقي بحر قزوين، في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران. انظر: معجم البلدان (٢/ ١٣٩)، بلدان الخلافة =