Полный текст (15 012 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وجرجان، والري، وهراة، وبلخ ومرو، ونسا، وفارس، وبخارى، وسمرقند، وغيرها- كانت زاخرة بالعلماء، وكانت من المراكز العلمية التي يَفد إليها طلاب العلم من أقطار الأرض لتحصيل الحديث والعلوم الأخرى ولقاء الأكابر من الشيوخ (١).
وقد كان لهذا المحيط العلمي التأثير الأكبر في تكوين شخصية أبي عوانة العلمية؛ إضافة إلى ما كان في بيته وأسرته.
ويبدو أن أبا عوانة أخذ العلم عن أهل بلدته وما جاورها في بدء الأمر كما هو حال العلماء إذ كانوا لا يرتحلون حتى يستنزفوا أهل ديارهم (٢).
وقد حفلت مدينة نيسابور بأجلة من الجهابذة العلماء حتى قال عنها ياقوت الحموي: "هي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها" (٣).
فسمع بإسفرايين من: مسرور بن نوح الذهلي (٢٥١ هـ) (٤)،
_________
(١) انظر حول هذه المراكز العلمية: أبو زرعة الرازي وجهوده للدكتور: سعدي الهاشمي (١/ ١٩ - ٢٧).
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح (٤٢٩).
(٣) معجم البلدان (٥/ ٣٨٢).
(٤) انظر: ح (٢٩٠).
стр. 37
ومحمد بن يحيى حَيُّويه (٢٥٩ هـ)، وكان أبو عوانة يفخر به (١)، وغيرهما.
وبنيسابور من: محمد بن يحيى الذهلي (٢٥٨ هـ) (٢)، وأحمد ابن الأزهر بن منيع (٢٦٣ هـ) (٣)، وعلي بن الحسن الدَّرابَجِرْدي (٢٦٧ هـ) (٤)، وغيرهم.
ثم بعد أن اشتدَّ ساعده ابتدأ رحلاته العلمية في أقطار الأرض في سن مبكرة طلبًا لسماع حديث رسول الله ﷺ على ما سأبيِّنه في رحلاته.
_________
(١) انظر: ح (٦).
(٢) انظر: ح (٦).
(٣) انظر: ح (١٢).
(٤) انظر: ح (٦٥١).
стр. 38
المبحث الثالث: رحلاته:
عاش أبو عوانة في حقبة زمنية (٢٣٠ هـ - ٣١٦ هـ) تعتبر عصر ازدهار العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة حيث نشطت فيها الرحلة لطلب العلم ونشط التأليف، فألفت الصحاح، والسنن، والمسانيد … كتب الجرح والتعديل … الخ.
وحفلت هذه الحقبة بثلة من الجهابذة والعلماء والنقاد في شتى الأمصار ممن يرحل إليهم طلبًا للعلم وسماع الحديث النبوي (١).
ولم يثن أئمة الإسلام عن متطلبهم طول السفر ومشقته ووعورة تلك الطرق التي سلكوها شرقًا وغربًا وسط الصحاري والقفار لأن غايتهم سماع حديث رسول الله ﷺ وتبليغه للناس.
وقد ضرب أئمتنا في ذلك أروع الأمثلة، ومن هؤلاء الأئمة أبو عوانة ﵀ فقد أكثر الترحال، وطاف الأقطار لطلب الحديث، فعني بجمعه وتعب في كتابته مصطبرًا على المشقة والعناء.
قال أبو عوانة: "كنت بالمصيصة، فكتب إليَّ أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فنحن إذا التقينا قبل موتٍ … شفينا النَّفس من مضض العتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا … فكم من عاتبٍ تحت التراب
_________
(١) انظر حول بيان ذلك: تدوين السنة النبوية صـ ٩٣ وما بعدها.
стр. 39
قال: فلما رجعت سألته عن ذلك، فقال: بلغني أن عليَّ بن حُجْرٍ كتب به إلى بعض إخوانه" (١).
وقد اشتهر أبو عوانة بالرحلة في طلب الحديث ووصفه بذلك غير واحد من العلماء، منهم الحاكم أبو عبد الله بهما يقول: "أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرَّحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث" (٢).
وقال ابن خلكان: "كان أحد الحفاظ الجوَّالين (٣) ".
وقال السمعاني: "أحد حفاظ الدنيا، وممن رحل في طلب الحديث، وعني بجمعه (٤) ".
وقال الذهبي: "الإمام الحافظ الكبير الجوَّال"، وقال أيضا: "أكثر الترحال (٥) ".
_________
(١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨/ ٣٨)، والأبيات ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد للخطيب (١١/ ٤١٦ - ٤١٧) لعلي بن حُجر السعدي أنه كتب إلى بعض إخوانه:
أحنُّ إلى عتابك غير أنِّي … أُجلُّك عن عتابٍ في كتاب
ونحن إذا التقينا قبل موتٍ … شفيت عليل صدري من عتاب
وإن سبقت بنا ذات المنايا … فكم من عاتبٍ تحت التراب
(٢) الأنساب للسمعاني (١/ ١٤٣).
(٣) وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣).
(٤) الأنساب (١/ ١٤٣).
(٥) السير (١٤/ ٤١٧).
стр. 40
وقد تقدم أنَّ أبا عوانة سمع بجرجان سنة ٢٥٠ هـ من أبي عبد الله السختياني، وسمع ببغداد سنة ٢٥٩ هـ من عبد الله بن محمد بن مرزوق العتكي البصري (١).
وحدث عن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء الثغري الطرسوسي المصيصي، وأحمد هذا يقال: توفي في حدود ٢٥٠ هـ (٢)، وهو من أهل ثُغور الشام، فيستنتج من هذا أنَّ أبا عوانة ابتدأ رحلاته في آخر العقد الثاني من عمره.
فسنّه المبكّر في طلب العلم مكّنه من الرحلة في أقطار الأرض، ولُقيّ أكابر الأئمة من المحدثين والفقهاء وغيرهم.
فرحل إلى خراسان وما جاورها، وفارس والعراق والجزيرة، والشام، والثغور والحجاز واليمن ومصر، فطاف مدن تلك الأمصار وسمع من علمائها:
١ - سمع بِجُرْجَان (٣) من: أبي عبد الله إسحاق بن إبراهيم السختيانِي
_________
(١) انظر: المسند الصحيح، ح (١١١٨٢).
(٢) انظر: ح (٢٦٠٧).
(٣) جُرْجَان: بالضم، وآخره نون، مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان، وتسمى اليوم كركان على ما ينطق به الفرس، وتمتد في جنوب شرقي بحر قزوين، في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران. انظر: معجم البلدان (٢/ ١٣٩)، بلدان الخلافة =
стр. 41
الجرجانِي (١).
٢ - سمع بمَرْو (٢) من: سعيد بن مسعود المروزي، ومحمد بن عبد الله ابن قهزاذ (٣).
٣ - سمع بتِرْمِذ (٤) من: إسحاق بن باجويه الترمذي (٥).
٤ - سمع بالرَّيّ (٦) من: أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، وأبي حاتم محمد بن إدريس، وفضلك الفضل بن عباس، ومحمد بن مسلم بن وارة
_________
= الشرقية (٤١٧ - ٤١٨) أبو زرعة وجهوده في السنة (١/ ٢٠).
(١) انظر: ح (١٥).
(٢) مَرْو: وتسمى مَرْو الشاهجان، وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، وبينها وبين نيسابور سبعون فرسخًا، وتقع اليوم ضمن بلاد التركمانستان.
انظر: معجم البلدان (٥/ ١٣٢)، أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة (١/ ٢٠).
(٣) انظر: المسند الصحيح ح (١٥١٠).
(٤) تِرْمذ: مدينة مشهورة في شمال مضيق نهر جيحون وهو آت من بلخ.
انظر: معحم البلدان (٢/ ٣١)، بلدان الخلافة الشرقية (ص: ٤٨٤).
(٥) انظر: المسند الصحيح (٥٢٤٢).
(٦) انظر: ح (١٥١٠، ٣١٤٧)، والرَّيّ: بفتح أوله، وتشديد ثانيه، مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخًا، وهي في الطرف الشمالي من إقليم الجبال، قد يشاهد الرائي أطلالها على مسيرة خمسة أميال تقريبًا من الجنوب الشرقي من طهران. انظر: معجم البلدان (٣/ ١٣٢)، بلدان الخلافة الشرقية (٢٤٩)، أبو زرعة وجهوده في السنة (١/ ٢٤).
стр. 42
الرازيين، وسليمان القزاز ونصر بن أحمد بن سورة وغيرهم (١).
٥ - سمع بهمذان (٢) من: إبراهيم بن مسعود بن عبد الحميد القرشي المخزومي (٣).
٦ - سمع بنَهَاوَنْد (٤) من: إبراهيم بن نصر النهاوندي (٥).
٧ - سمع بأصبهان (٦) من: يونس بن حبيب (٧).
_________
(١) انظر: الأنساب (١/ ١٤٣)، التقييد (٢/ ٣١٧)، وانظر: ح (٦٨٧٨، ١١٧٨٩).
(٢) همذان: بالتحريك، والذال المعجمة، وآخره نون، بينها وبين الري ستون فرسخًا، وهي تقع في إقليم الجبال في جنوب غربي طهران، ويعرف هذا الإقليم اليوم باسم "ولاية عراق".
انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٠١، ٥/ ٤٧١)، بلدان الخلافة الشرقية (٢٢١).
(٣) انظر: المسند الصحيح (٣٠٥٣).
(٤) نِهَاوَنْد: بفتح النون الأولى وتكسر، والواو مفتوحة، ونون ساكنة، ودال مهملة. مدينة عظيمة على نحو أربعين ميلًا جنوب همذان.
انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٦١)، وبلدان الخلافة الشرقية (٢٣٢).
(٥) انظر: المسند الصحيح (٧٠٥٩).
(٦) أصبهان: منهم من يفتح الهمزة، وهم الأكثر، كسرها آخرون، مدينة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وهي الآن من أشهر المدن الإيرانية.
انظر: معجم البلدان (١/ ٢٤٤)، أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة (١/ ٢٣).
(٧) انظر: الأنساب (١/ ١٤٤).
стр. 43
٨ - سمع بجُنْدَيْسَابور (١) من: محمد بن سعيد بن أبان (٢).
٩ - سمع بالأَهْواز (٣) من: موسى بن سفيان الجنديسابوري (٤).
١٠ - سمع بفارس من: يعقوب بن سفيان، ويزيد بن المبارك الفسويين، ويحيى بن خلاد (٥).
١١ - سمع بالبصرة من: أحمد بن محمد الأيلي، ومحمد بن حيان المازني، وعمر بن شبة النميري، وأحمد بن محمد المقدمي (٦).
١٢ - سمع بواسط (٧) من: بشر بن مطر، وأحمد بن سنان القطان،
_________
(١) جُنْديسابور: بضم أوله، وتسكين ثانيه، وفتح الدال، وياء ساكنة، وسين مهملة وألف، وباء موحدة مضمومة، وواو سكنة، وراء، مدينة بخوزستان، على ثمانية فراسخ شمال غربي تستر في الطريق إلى دزفول، الأطلال التى يقال لها اليوم: شاه آباد.
انظر: معجم البلدان (٢/ ١٩٨)، بلدان الخلافة الشرقية - ص (٢٧٣).
(٢) انظر: المسند الصحيح، ح: (٦٨٧٨).
(٣) الأهواز: بفتح الألف وسكون الهاء وفي آخرها الزاي، من بلاد خوزستان، وهي على قرب أربعين فرسخًا من البصرة. انظر: الأنساب (١/ ٢٣١)، معحم البلدان (١/ ٣٣٨).
(٤) انظر: الأنساب (١/ ١٤٤).
(٥) انظر: المسند الصحيح (٨١٣٨).
(٦) انظر: المسند الصحيح ح (٨٩٨٨)، ح (٣٢٣٢) والتقييد (٢/ ٣١٧).
(٧) واسط: مدينة بناها الحجاج الثقفي متوسطة بين الكوفة والبصرة، جنوب العراق على نهر دجلة، وهي اليوم تلول وأخربة. =
стр. 44
وعلان الطراطيسي (١).
١٣ - سمع بالكوفة من: إبراهيم بن عبد الله بن عمرو القصار، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وأحمد بن عثمان بن حكيم، وعمرو بن عبد الله الأودي، وجعفر بن قتيبة الأنصاري (٢).
١٤ - سمع ببغداد -وتقدم أنه وردها سنة ٢٥٩ هـ - وسمع فيها من: مسلم بن الحجاج، ومحمد بن منده الأصفهاني، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، وعلي بن سهل، وسعدان بن نصر بن منصور، وعلى بن إشكاب وغيرهم (٣).
وسمع بمسجد الرُّصَافة (٤) من: أبي جعفر بن حيان المؤذن سنة ٢٥٩ هـ (٥).
_________
= انظر: معجم البلدان (٥/ ٤٠٠)، تاريخ واسط (٢١ - ٢٧).
(١) انظر: المسند الصحيح، ح (٦٣٤٤)، والتقييد (٢/ ٣١٨).
(٢) انظر: المسند الصحيح، ح (٣٣٧٣) و (٧٤٢٩)، والأنساب (١/ ١٤٣)، والتقييد (٢/ ٣١٧).
(٣) انظر: المسند الصحيح ح (١٠٥٦)، و (٢٨٨٧) و (٣١٨٤) و (٧٢٠٧)، والأنساب (١/ ١٤٣)، والتقييد (٢/ ٣١٧)، وح (٢٨٨٧).
(٤) مسجد الرصافة: ويقع بالجانب الشرقي من بغداد، وقد بناه المهدي سنة ١٥٩ هـ.
انظر: تاريخ بغداد (١/ ١١١)، معجم البلدان (٣/ ٥٣).
(٥) انظر: المسند الصحيح، ح: (٤٨٦).
стр. 45
وبدار عُمَارة (١) سمع من: الحسن بن إسحاق العطار (٢).
وبسوق العطش أحمد بن حرب البغدادي (٣).
وبطاق الحرَّاني من محمد بن حبيب الذارع البصري (٤).
١٥ - سمع بسَامَرَّاء (٥) من: أحمد بن الهيثم، ومحمد بن الخليل ابن إبراهيم المخزومي وسعدان بن يزيد (٦).
١٦ - سمع بالمَوْصِل (٧) من: علي بن حرب الطائي (٨).
١٧ - سمع ببَلَد (٩) من: أبي منصور الحسن البلدي (١٠).
_________
(١) دار عُمارة: موضعان ببغداد إحداهما بالجانب الشرقي، والآخر بالغربي منها.
انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٨١).
(٢) انظر: المسند الصحيح (٧٦٥١).
(٣) انظر: ح (٣٤٦٥).
(٤) انظر: ح (٣٤٧١).
(٥) سامراء: مدينة بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة وفي اسمها لغات.
انظر: الأنساب (٣/ ٢٠٢)، معجم البلدان (٣/ ١٩٥)، بلدان الخلافة الشرقية (٧٦).
(٦) انظر المسند الصحيح: حديث ح (٢٦٩١)، و (٧٤٩٦).
(٧) المَوْصِل: بالفتح، كسر الصاد، مدينة على ضفة نهر دجلة، من أجل وأشهر مدن العراق.
انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٥٨)، وبلدان الخلافة الشرقية (١١٥) وما بعدها.
(٨) انظر: الأنساب (١/ ١٤٤).
(٩) بَلَد: بالتحريك، وربما قيل لها: بلط، مدينة قديمة على دجلة، فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ، وهي اليوم قرية من أعمال الموصل يقال لها: بلد باشاي.
انظر: معجم البلدان وتعليق الجندي عليه (١/ ٥٧٠).
(١٠) انظر: المسند الصحيح، ح (٥٣٧).
стр. 46
١٨ - سمع بحران (١) من: أبي عمر إمام مسجد حران (٢).
١٩ - سمع بالرُّها (٣) من: عبد السلام بن أبي فروة الرهاوي (٤).
٢٠ - سمع بالرافقة (٥) من: علي بن إسحاق العصفري المخضوب، وأبي الأزهر بكر بن محمد بن بكر الهروي (٦).
٢١ - سمع بحلب من: أبي جعفر الخزاز (٧).
٢٢ - سمع بالمِصِّيصَة (٨) من: يوسف بن سعيد بن مسلم،
_________
(١) حران: بلدة من الجزيرة، وهي تقوم على ملتقى الطرق التجارية في شرق الفرات ولا سيما طريق الشام وطريق الجزيرة.
انظر: الأنساب للسمعاني (٢/ ١٩٥)، معجم البلدان (٢/ ٢٧١)، بلدان الخلافة الشرقية وحاشيته (ص ١٣٤).
(٢) انظر: المسند الصحيح، ح (٢٢٤٧).
(٣) الرُّها: بضم الراء وفتح الهاء، بلدة من بلاد الجزيرة بينها وبين حران ستة فراسخ، وهي اليوم تسمى بأورفا. انظر: الأنساب (٣/ ١٠٨) بلدان الخلافة الشرقية (١٣٥).
(٤) انظر: الأنساب (١/ ١٤٤).
(٥) الرافقة: بلدة متصلة بالرقة وهما على ضفة الفرات، وغلب اسم الرقة عليها، وهي من أعمال الجزيرة.
انظر: معجم البلدان (٣/ ١٧)، بلدان الخلافة الشرقية (١٣٢).
(٦) انظر: المسند الصحيح (٧٧٧٣)، و (٨٢٨٧).
(٧) انظر: المسند الصحيح، ح (١١٧٠٩).
(٨) المصيصة: بالفتح ثم الكسر والتشديد، وياء سكنة، وصاد أخرى، مدينة على شاطيء جيحان =
стр. 47
وهارون بن داود بن الفضل (١).
٢٣ - سمع بطَرَسوس (٢) من: أبي سليمان إمام مسجد طرسوس (٣).
٢٤ - سمع بأنطاكية (٤) من: محمد بن إبراهيم الصوري الضرير، ومحمد ابن سليمان البصري (٥).
٢٥ - سمع بحمص من: أحمد بن علي بن سعيد البغدادي، وأحمد ابن
_________
= من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس.
انظر: معجم البلدان (٥/ ١٦١).
وطرسوس والمصيصة تقعان بالقرب من الساحل الشمالي لخليج إسكندرونة على خمسة فراسخ من أذنة.
انظر: بلدان الخلافة الشرقية (١٦١ - ١٦٢)، الروض المعطار (٥٥٤).
(١) انظر: المسند الصحيح (٣١٨٥).
(٢) طَرَسوس: بفتح أوله وثانيه، وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة، بوزن قربوس، كلمة أعجمية رومية، ولا يجوز سكون الراء إلا في ضرورة الشعر لأن فَعْلول ليس من أبنيتهم، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب.
معجم البلدان (٤/ ٣١ - ٣٢).
وهي تشرف على المدخل الجنوبي للدرب المشهور عبر طوروس المعروف بأبواب قليقية (كليلكية). انظر: بلدان الخلافة الشرقية (١٦٤).
(٣) انظر: المسند الصحيح، ح (١٠٨٧٢).
(٤) أنطاكية: بالفتح ثم السكون، والياء مخففة، قصبة العواصم من الثغور الشامية.
انظر: معجم البلدان (١/ ٣١٦).
(٥) انظر: المسند الصحيح، ح (٦٥٠٢، ٧٠٠٠).
стр. 48
الفرج بن سليمان أبي عتبة الحجازي، وعطية بن بقية بن الوليد (١).
٢٦ - سمع بدمشق -وقد دخلها عدة مرات (٢) - من: أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، وأحمد بن إبراهيم بن هشام الملاس، ويزيد ابن محمد بن عبد الصمد وغيرهم (٣).
٢٧ - سمع بقَيْسَارِيَّة (٤) من: عمرو بن عثمان بن العباس بن الوليد الهجيمي (٥).
٢٨ - سمع بالرَّمْلَة (٦) من: جعفر بن محمد بن أبي الفضل القلانسي، ومحمد بن عبد الحكم القطري، وموهب بن يزيد الرملي (٧).
٢٩ - سمع ببيت المقدس من: أحمد بن مسعود الخياط، ومحمد ابن
_________
(١) انظر المسند الصحيح، ح (٢٥٤٩، -٦٨٢٢)، والأنساب (١/ ١٤٤).
(٢) انظر: السير (١٤/ ٤١٩).
(٣) انظر: ح (٢٦٤١)، ووفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣).
(٤) قيسارية: بالفتح ثم السكون وسين مهملة وبعد الألف راء ثم ياء مشددة، بلدة على ساحل بحر الشام -البحر المتوسط- تعد من أعمال فلسطين. بينها وبين يافا ثلاثون ميلًا.
انظر: معجم البلدان (٤/ ٤٧٨)، الروض المعطار (٤٨٦).
(٥) انظر: ح (٢٥٨١).
(٦) الرملة: مدينة عظيمة بفلسطين بينها وبين القدس ثمانية عشر ميلًا.
انظر: معجم البلدان (٣/ ٧٩)، الروض المعطار (٢٦٨).
(٧) انظر: المسند الصحيح، ح (١٤٢٠)، والأنساب (١/ ١٤٤).
стр. 49
النعمان بن بشير (١).
٣٠ - سمع بعَسْقَلان (٢) من: أبي توبة مؤذن مسجد الجامع بها، ومن: آدم بن أبي إياس (٣)، ومحمد بن عبد الوهاب العسقلاني. وقد ذكر أبو عوانة أنه قدم عسقلان ثلاث مرات (٤).
٣١ - سمع بأيلة (٥) من: أبي سليمان داود بن سليمان بن أبي حجر (٦).
٣٢ - سمع بالمدينة النبوية من: محمد بن الحارث بن صالح المخزومي (٧).
٣٣ - سمع ببدر من: أبي محمد عبد الله بن محمد الأنصاري البلوي (٨).
٣٤ - سمع بمكة من: محمد بن علي بن زيد الصائغ، ومحمد
_________
(١) انظر: المسند الصحيح، ح (٢٧٤٨)، و (٦٨٠).
(٢) عسقلان: بفتح أوله، وسكون ثانيه ثم قاف، وآخره نون، مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزّة وبيت جبرين، ويقال لها: عروس الشام.
انظر: معجم البلدان (٤/ ١٣٧).
(٣) انظر: المسند الصحيح، ح (١١٠٦٦)، التقييد (٢/ ٣١٦).
(٤) انظر: المسند الصحيح، ح (١٥٠٧).
(٥) أيلة: بالفتح، مدينة على ساحل بحر القُلْزُم -البحر الأحمر- مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٤٧)، الروض المعطار (٧٠).
(٦) انظر: ح (٢٦٦٨).
(٧) انظر: ح (٢٦٩٠).
(٨) انظر: ح (٢٥٦٧).
стр. 50
ابن عبد الله بن يزيد المقرئ، ومحمد بن إسحاق بن شَبُويه السجستاني، ووحشي محمد بن محمد الصُّوري، ونصر بن زكريا البلخي، ومحمد بن حماد الطِّهْراني (١)، وقد ذكر أبو عوانة أنه حجَّ خمس مرات (٢).
٣٥ - سمع بصنعاء اليمن من: محمد بن مهل الصنعاني، ومحمد ابن على الصنعاني، والمسلم بن بشير بن عروة العوجري في كنيسة أبرهة (٣).
٣٦ - سمع في مدينة الفسطاط بمسجدها (٤) من أبي الحسين محمد بن الحسين الأزدي (٥).
٣٧ - سمع بمصر من: إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي، وأحمد بن عبد الله بن صدقة، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي، ومحمد وسعيد ابني عبد الحكم وطاهر بن خالد بن نزار، وعلي بن شيبة (٦).
_________
(١) انظر: ح (٢٥٦٨)، (٢٦٨٦)، (٢٨٧٠)، (٢٤٨٧)، (١٤٩١).
(٢) انظر: ح (٢٦٨٦)، معجم البلدان (١/ ٢١٢).
(٣) انظر: ح (٧٤١)، (٧٢٨٠)،) (٨٠٣٠).
(٤) مسجد الفسطاط: بناه عمرو بن العاص ﵁، إثر فتحه مصر، وبنائه مدينة الفسطاط عند رأس الدلتا جنوب بابليون، والفُسْطَاط: بضم أوله وسكون السين بعده، وقيل غير ذلك. انظر: معجم البلدان (٤/ ٣٠١).
(٥) انظر: ح (٢٦٧٤).
(٦) انظر: ح (٢٦٦٤)، (٢٦٦٥)، (٢٦٦٩)، (٢٩٣٩)، الأنساب للسمعاني (١/ ١٤٤)، التقييد (٢/ ٣١٨).
стр. 51
وفيها تلقى أبو عوانة علوم الشافعي وسمع كتبه من إسماعيل بن يحيى المزني والربيع بن سليمان المرادي ثم عاد إلى إسفرايين وأظهر بها مذهب الشافعي، وكان أول من أظهره هناك (١) وظل ينشر العلم إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى على ما سنذكره في وفاته إن شاء الله تعالى.
وهكذا نجد أبا عوانة قد طاف أقطار الدولة الإسلامية وتعب في كتابة الحديث، ولم يأل جهدًا في ذلك وصار إلى القرى بله المدن، وكان إذ يلتقي بالعلماء يذاكرهم ويدارسهم بما سمعه من شيوخ تلك البقاع التي زارها، ومن ذلك لقاؤه بأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي.
قال أبو عوانة: سألني أبو حاتم ما كتبت بالشام قدمتي الثالثة، فأخبرته بكتبتي مائة حديث لأحمد بن يحيى بن حمزة كلها عن أبيه، فساءه ذلك وقال: سمعت أنَّ أحمد يقول: لم أسمع من أبي شيئًا. فقلت: لا يقول "حدثني أبي" إنما يقول: "عن أبيه إجازة" (٢). ومن ذلك أيضًا مناقشته للمزني وبيان أدلته في مسألة الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أم لا؟ (٣).
ويبدو أن أبا عوانة قد شغله علم الحديث فأنفق حياته في تطلبه وكتابته، ومن ثَمَّ بَرَز فيه وأصبح إمامًا يرحل إليه، ويعتنى بسماع حديثه
_________
(١) انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٤)، السير (١٤/ ٤٢٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٤٨٧).
(٢) انظر: لسان الميزان (١/ ٢٩٥).
(٣) انظر: ح (٢٠٧).
стр. 52
وجمعه، ولرب حديث يرويه أبو عوانة من نحو سبعين طريقًا عن عدد من الشيوخ متفرقين في الأمصار كما في حديث ابن عمر ﵁ في الغسل يوم الجمعة فيما سَيُبيَّن في أهمية الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 53
المبحث الرابع: شيوخه:
رحلات أبي عوانة مكنته من لقاء طائفة كبيرة من الأئمة والحفاظ والنقاد ولكثرتهم نجد ابن الصلاح يقول بعد تسميته لبعضهم: "خلقًا يُسئم تعدادهم" (١).
وسمَّى الذهي عدة منهم ثم قال: "وخلقًا كثيرًا، وينزل إلى أن يروي عن عبد الله بن أحمد (ت ٢٩٠ هـ)، وعبد الرحمن بن خراش (٢٨٣ هـ)، وعَبْدَان عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي" (ت ٣٠٦ هـ) (٢).
ولذا يسوغ القول بأن ذكر أبي عوانة لبعض شيوخه بما لم يشتهروا به لا يُقْصَد منه إيهام كثرة الشيوخ، بل هو من التنويع في تسميتهم وعدم ذكرهم على صفة واحدة.
ومن ذلك تسميته لأبي داود السجستاني بالسِّجْزِي وهي نسبة على غير القياس (٣).
وقد حظي أبو عوانة بلقاء طائفة من جهابذة الحديث وفرسانه أمثال:
١ - محمد بن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨ هـ).
٢ - محمد بن يحيى بن موسى الإسفراييني حَيويه (ت ٢٥٩ هـ).
_________
(١) انظر: طبقات فقهاء الشافعية (٢/ ٦٨٠).
(٢) انظر: السير (١٤/ ٤١٨).
(٣) انظر: ح (٢٧٤٣).
стр. 54
٣ - الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزعفراني صاحب الشافعي (ت ٢٦٠ هـ).
٤ - مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري (ت ٢٦١ هـ).
٥ - إسماعيل بن يحيى المزني تلميذ الشافعي (ت ٢٦٤ هـ).
٦ - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت ٢٦٤ هـ).
٧ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي (ت ٢٦٤ هـ).
٨ - السُّلمي أحمد بن يوسف الأزدي (ت ٢٦٤ هـ).
٩ - على بن حرب الطائي (ت ٢٦٥ هـ).
١٠ - يونس بن حبيب بن عبد القاهر الأصبهاني (ت ٢٦٧ هـ).
١١ - محمد بن إسحاق الصاغاني (ت ٢٧٠ هـ).
١٢ - محمد بن عثمان بن عبد الله بن وارة الرازي (ت ٢٧٠ هـ).
١٣ - فَضْلَك: الفضل بن عباس الصائغ (ت ٢٧٠ هـ).
١٤ - الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي (٢٧١ هـ).
١٥ - يوسف بن سعيد بن مسلَّم المصيصي (ت ٢٧١ هـ).
١٦ - سليمان بن سيف الطائي مولاهم أبو داود الحراني (ت ٢٧٢ هـ).
١٧ - عباس بن محمد الدوري البغدادي (ت ٢٧١ هـ).
١٨ - أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني (ت ٢٧٥ هـ).
١٩ - أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرزاي (ت ٢٧٧ هـ).
٢٠ - يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ).
٢١ - ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير النسائي البغدادي (ت ٢٧٩ هـ).
стр. 55
٢٢ - إبراهيم بن الحسين بن علي بن ديزيل (ت ٢٨١ هـ).
٢٣ - إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥ هـ).
٢٤ - أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ).
وأمثالهم من حفاظ عصره.
ولقي جماعة آخرين دون أولئك ممن يجمع حديثهم ويُحتج بهم أمثال:
٢٥ - أحمد بن عبيد الله بن أبي رجاء الثَّغْري الطَرَسُوسِي المصِّيصِي (توفي في حدود ٢٥٠ هـ).
٢٦ - أيوب بن إسحاق بن سافري (ت ٢٦٠ هـ).
٢٧ - علي بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب العامري (ت ٢٦١ هـ).
٢٨ - على بن سهل الرملي (ت ٢٦١ هـ).
٢٩ - محمد بن إسحاق بن شَبُويه المروزي (ت ٢٦٢ هـ).
٣٠ - إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٦٥ هـ).
٣١ - محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي (ت ٢٦٦ هـ).
٣٢ - أحمد بن عبد الحميد الحارثي (ت ٢٦٩ هـ).
٣٣ - إبراهيم بن مرزوق الأموي البصري (ت ٢٧٠ هـ).
٣٤ - العباس بن الوليد بن مَزْيَد العُذْرِي (ت ٢٧٠ هـ).
٣٥ - على بن عثمان النفيلي (ت ٢٧٢ هـ).
٣٦ - أحمد بن عصام الأصبهاني (ت ٢٧٢ هـ).
٣٧ - محمد بن عبيد الله بن المنادي (ت ٢٧٢ هـ).
стр. 56
٣٨ - أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي الطرسوسي (ت ٢٧٣ هـ).
٣٩ - محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ الكبير البغدادي نريل مكة (ت ٢٧٦ هـ).
٤٠ - هلال بن العلاء بن هلال الباهلي الرقي (ت ٢٨٠ هـ).
٤١ - إسحاق بن إبراهيم بن عبَّاد الدَّبَري الصنعاني (ت ٢٨٥ هـ).
٤٢ - عمر بن شَبَّة النُّمَيْري (ت ٢٩٢ هـ).
وأضراب هؤلاء ممن يحتج بهم.
وهذان الضربان هم جل من روى عنهم أبو عوانة في هذا الكتاب.
وله رواية نادرة عن بعض الشيوخ الضعفاء والمتروكين، منهم: يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان الرُّهاوي، ومحمد بن نَهَار بن أبي المُحَيَّاة، وأحمد بن محمد بن يحيى الحضرمي الدمشقي، والكُديمي محمد ابن يونس بن موسى.
وروى عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأنصاري البلوي حديثًا واهيًا في زياداته على مسلم، وعلته البلوي.
ولوى حديثًا واحدًا عن أبي الأحوص إسماعيل بن إبراهيم أورده عنه موصولًا، ومعلقًا من طريق عمر بن مُدْرِك القاصّ، وكلاهما قد رميا بالكذب لكن لحديثهما عنده طرقًا أخرى صحيحة.
وثمة شيوخ للمصنِّف لم نظفر فيهم بجرح أو تعديل، منهم:
١ - أبو القاسم عبد الله بن شعيب الحراني.
стр. 57
٢ - طاهر بن عمرو بن الربيع المصري.
٣ - أبو بكر محمد بن أحمد الذَّارع.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في نكته (١) أنّ من فوائد المستخرجات: "الحكم بعدالة من أخرج له فيه -أي صاحب المستخرج-، لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يُخَرِّج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقسامًا:
أ- فمنهم من ثبتت عدالته قبل هذا المُخَرِّج، فلا كلام فيهم.
ب- ومنهم من طعن فيه غير هذا المُخَرِّج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولًا فيقدم وإلا فلا.
جـ- ومنهم من لا يعرف لأحد قبل المخرج فيه توثيق ولا تجريح فتخريج من يشترط الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم".
وكلام الحافظ منطبق على كتاب أبي عوانة هذا لاشتراطه الصحة كما سيأتي في تسمية الكتاب إن شاء الله تعالى.
_________
(١) النكت (١/ ٣٢١).
стр. 58
المبحث الخامس: تلاميذه:
حدَّث عن أبي عوانة جماعة منهم:
١ - إبراهيم بن إسحاق بن يوسف الأنصاري الأنماطي (ت ٣٠٣ هـ) (١).
٢ - أبو الحسن محمد بن محمد بن يحيى بن عامر الفقيه الصَّفار الإسفراييني (ت ٣٤٥ هـ) (٢).
٣ - أبو الوليد حسان بن محمد بن أحمد النيسابوري الفقيه (ت ٣٤٩ هـ) (٣).
٤ - أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري الحافظ (ت ٣٤٩ هـ) (٤).
٥ - يحيى بن منصور بن يحيى قاضي نيسابور (ت ٣٥١ هـ) (٥).
٦ - سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) (٦).
_________
(١) انظر: التقييد لمعرفة السنن والمسانيد (٨/ ٣١٢)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٣)، طبقات المفسرين للداودي (١/ ٧).
(٢) انظر: الأنساب للسمعاني (٣/ ٥٤٧).
(٣) انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٩٢)، مرآة الجنان لليافعي (٢/ ٣٤٣).
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥١)، تاريخ بغداد (٨/ ٧١).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨)، العبر (٢/ ٢٩٣)، شذرات الذهب (٣/ ٩).
(٦) انظر: المعجم الصغير (٢/ ١٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩).
стр. 59
٧ - أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) (١).
٨ - أحمد بن علي الحنفي الرازي الحافظ (ت ٣٧٠ هـ) (٢).
٩ - أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي (ت ٣٧١ هـ) (٣).
١٠ - الحسين بن علي التميمي النيسابوري حُسَيْنَك (ت ٣٧٥ هـ) (٤).
١١ - أبو أحمد محمد بن أحمد بن حسين الغطريفي (ت ٣٧٧ هـ) (٥).
١٢ - وسمع منه ابنه أبو مصعب محمد، وابن ابنه شافع (ت ٣٧٨ هـ).
وجماعة آخرون خاتمتهم ابن ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته، وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على أسرة أبي عوانة.
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٥٤)، دول الإسلام (١/ ٢٦٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣١٥).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٤٠)، الفهرست لابن النديم (٢٩٣)، الوافي بالوفيات (٧/ ٢٤١).
(٣) انظر: معجم الإسماعيلي (٢/ ٧٩٦)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢).
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٨/ ٧٤)، طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٤١٩)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٩، ١٦/ ٤٠٧).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٩)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٧١)، لسان الميزان (٥/ ٣٥).
стр. 60
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
أبو عوانة إمام أطبق العلماء على إمامته وجلالته، والثناء عليه فمن ذلك:
قول الحاكم أبي عبد الله فيه: "من علماء أصحاب الحديث وأثباتهم، ومن الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث" (١).
وقال السمعاني: "من مشاهير المحدثين أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني الحافظ، أحد حفاظ الدنيا، ومن رحل في طلب الحديث وعني بجمعه وتعب في كتابته .. وكان زاهدًا عفيفًا متعبدًا متقللًا" (٢).
وقال ياقوت الحموي: "أحد الحفاظ الجوالين … وكان من أهل الاجتهاد والطلب والحفظ" (٣).
وقال ابن خَلِّكَان: "كان أبو عوانة أحد الحفاظ الجوالين المكثرين" (٤).
وأثنى عليه الذهبي في كتبه، فقال في التذكرة: "الحافظ الثقة الكبير" (٥).
وقال في العبر: "وكان مع حفظه فقيهًا شافعيًا إمامًا" (٦).
_________
(١) انظر: التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٢/ ٣١٦).
(٢) الأنساب (١/ ١٤٣).
(٣) معجم البلدان (١/ ٢١١).
(٤) وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣).
(٥) تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٧٩).
(٦) العبر (١/ ٤٧٣).
стр. 61
وقال في السير: "الإمام الحافظ الكبير الجوَّال … أكثر الترحال، وبرع في هذا الشأن، وبذَّ الأقران" (١).
وذكره فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل (٢).
وقال اليافعى: "كان مع حفظه فقيهًا شافعيًّا" (٣).
وقال السبكي: "الحافظ الكبير الجليل" (٤).
وقال الإسنوي: "كان إمامًا كبيرًا، عالمًا، حافظًا، رحالًا إلى الآفاق" (٥).
وقال ابن كثير: "كان من الحفاظ المكثرين والأئمة المشهورين" (٦).
وقال ابن تغري بردي: "الحافظ المحدث، كان إمامًا، طاف البلاد … وكان زاهدًا عابدًا ﵁" (٧).
وقال ابن العماد: "ثقة جليل .. وكان مع حفظه فقيهًا شافعيًّا إمامًا" (٨).
_________
(١) السير (١٤/ ٤١٧).
(٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص: (٥٠).
(٣) مرآة الجنان (٢/ ٢٦٩).
(٤) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٤٨٧).
(٥) طبقات الشافعية (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٦) البداية والنهاية (١١/ ١٧٠).
(٧) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (٣/ ٢٥٠).
(٨) شذرات الذهب (٢/ ٢٧٤).
стр. 62
المبحث السابع: عقيدته:
كان -رحمه الله تعالى- على العقيدة السلفيَّة: عقيدة أهل السنَّة والجماعة في جميع أبواب الاعتقاد.
ومن أظهر الأدلة على عقيدته تراجمه المفصَّلة لأبواب العقيدة، في كتاب الإيمان، وقد عقد -رحمه الله تعالى- أبوابًا في الردِّ على الجهمية في نهاية كتاب الإيمان مما يدلُّ على أنه لم يكن معتقدًا لعقيدة السلف فحسب؛ بل كان داعيةً إليها، غيورًا عليها، منافحًا عنها، بدأ بتراجم كتاب الإيمان، فترجم في الباب الأول لإثبات القدر وشرائع الإيمان، وفيه: الردُّ ضمنًا على أوَّل بدعة ظهرت في الإسلام وهي: نفي القدر.
ثم ترجم -من الباب الثاني إلى الباب السابع والعشرين- لماهية الإسلام والإيمان ومستلزماتهما، ومسائل الإيمان من أنّه قول وعمل واعتقادٌ، وأنّه يزيد وينقص، وبيان المعاصي التي يخرج صاحبها من الإيمان حال ارتكابها، وبيان الأعمال والأخلاق التي تُضَاد الإيمان، ونحو ذلك من مسائل الإيمان.
ثم أشار -رحمه الله تعالى- في الباب الثامن والعشرين والباب التاسع والعشرين -إلى عقيدة أهل السنة والجماعة فيمن يدخل الجنة، وضمَّنها إثبات الشفاعة للنبي ﷺ التي تنكرها بعض الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة.
وفي الباب الثلاثين إلى الباب الثاني والثلاثين ترجم لأشراط الساعة،
стр. 63
والأمور التي تسبق أهوال القيامة وهي من المغيَّبات التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة.
ثم تعرَّض -في الباب الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين- لصفة مبعث النبي ﷺ ، وأحواله قبل البعثة، ونشأته ﷺ وما كان فيها من أحوال وأمورٍ أهَّلته ﷺ للنبوة، وتلقي الرسالة من غسل قلبه ﷺ بماء زمزم، ثم ذكر الإسراء والمعراج وما لقي في السموات من الأنبياء، وفرض الصلوات، وغير ذلك.
ثمَّ ابتدأ -من الباب الخامس والثلاثين إلى نهاية كتاب الإيمان- بعقد أبوابٍ في الردِّ على الجهمية أثبت -من خلالها- عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان وإثبات عذاب القبر، ونحوها من المغيَّبات.
وعقيدتهم في الأسماء والصفات من أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير توهُّم تشبيه أو تكييف، ومن غير تعطيل أو تأويل.
ثم تعرَّض ضمن تراجمه في تلك الأبواب لمسألة رؤية الله في الآخرة، ولشفاعة النبي ﷺ ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمؤمنين، وصفة الشفاعة، ومن يستحقُّها، وصفة الصراط، ومن يخرج من النار، ومن يخلَّد فيها، ونحو ذلك مما تجده في تلك الأبواب المشار إليها.
وتلك التراجم التي أثبت فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة في تلك
стр. 64
المسائل، شملت -ضمنًا- الردَّ على ألوانٍ من البدع التي خالف أصحابها أهل السنة والجماعة، كالقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والخوارج ومن سلك مسلكهم.
كلُّ منصفٍ يتأمَّل تراجمه وعباراته يجزم بأنَّه -رحمه الله تعالى- كان على عقيدة صحيحة نقية من الشوائب والبدع.
ومما يدل على ذللث أيضا مقدمته للكتاب فقد قال في مستهل كتابه: "وسمعت بعض أصحابنا يذكر هذا التحميد، فقال: الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمَّدهم بحسن بلائه، فوفق كلَّ امرئٍ منهم في صباه على طلب ما يحتاج إليه من غذائه، وسخَّر له من يكلؤه إلى وقت استغنائه، ثم احتجَّ على من بلغ منهم بآلائه وأعذر إليهم بأنبيائه، فشرح صدر من أحبَّ هداه من أوليائه، وطبع على قلب من لم يُرِدْ إرشاده من أعدائه، الذي لم يزل بصفاته وأسمائه الذي لا يشتمل عليه زمان، ولا
يحيط به مكان، ثم خلق الأماكن والأزمان، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١)، فقدَّرها أحسن تقدير، واخترعها عن غير نظير، لم يرفعها بعَمَدٍ، ولم يستعن عليها بأحد، زيَّنها للنَّاظرين، وجعل فيها رجومًا للشياطين، فتبارك الله أحسن الخالقين، تعالى عن أن يُطْلَقَ في وصفه آراء المتكلِّفين، أو أن يُحَكَّمَ في
_________
(١) سورة فصّلت - الآية (١١).
стр. 65
دينه أهواء المقلِّدين، فجعل القرآن إمامًا للمتَّقين، وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحاكمًا بين المختلفين، ودعا أولياءه المؤمنين إلى اتِّباع تنزيله، وأمر عباده عند التَّنارع في تأويله بالرجوع إلى قول رسوله ﷺ ، بذلك نطق محكم كتابه، إذ يقول جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
أحمده حمدًا يبلغ رضاه، ويَحْتبِس آلاه، ويكافي نعماه، وأستعينه على رعاية ما استحفظنا من ودائعه، وحفظ ما استودعنا من شرائعه، وأؤمن به إيمان من أخلص عبادته، واستشعر طاعته، وأتوكل عليه توكل من انقطع إليه، ثقةً به، ورغبةً فيما لديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترفٍ له بالربوبية والتوحيد، مقرٍ له بالعظمة والتمجيد، خائفٍ من إنجاز ما قُدِّم إليه من الوعيد، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، اصطفاه لنفسه وليًّا، وارتضاه لخلقه نبيًّا، فوجده على حفظ ما ضَمَّنه قويًّا، وبأداء ما استودعه مليًّا، وبالدعاء إلى ربه حَفيًّا، متوقِّفًا عند ورود المشكلات، مشمِّرًا عند تجلِّى الشبهات، لا يرعوي لمن عذله، ولا يلوي على من خذله، ولا يطيع غير من أرسله، يصدع بالأمر، ويطفي نار الكفر لم تأخذه في الله لومة لائم.
_________
(١) سورة النساء - الآية (٥٩).
стр. 66
وإنَّ فَرْضَ الله اتباع أمر رسوله، والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلَّا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله أو سنَّة رسوله ﷺ ، وأنَّ ما سواهما تَبَعٌ لهما، وأنَّ فَرْضَ الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ " (١).
فهذا التحميد فيه الإيمان بربوبية الله، فهو الخالق الرازق المدبِّر المسخِّر … ، والإيمان بألوهية الله ، والتسليم لأمره، وأمر رسوله ﷺ ، وردِّ الأمر عند التنارع إلى شرع الله لا في اتباع الرأي والهوى.
وفيه أيضًا الإيمان بأسماء الله وصفاته، فالله مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه استواءً يليق بجلاله وعظمته.
وأن فرض الله اتباع أمر رسوله، والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلَّا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكلِّ حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وما سواهما تبعٌ لهما ....
إلى غير ذلك مما يستنبط من هذا التحميد مما عليه أهل السنة والجماعة.
ومما يدل على نقاء اعتقاده ﵀ ونصرته لعقيدة أهل السنة ما أورده الذهبي في ترجمة أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي البصري حيث قال: "قال أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني -ابن أخت
_________
(١) انظر: مقدمة المصنف: (١/ ١٨).
стр. 67
أبي عوانة (١) -: سمعت أبي يقول لأبي علي النيسابوري الحافظ: دخلت أنا وأبو عوانة البصرة، فقيل: إنَّ أبا خليفة قد هُجِر، ويُدَّعى عليه أنه قال: القرآن مخلوقٌ. فقال أبو عوانة: يا بُنيَّ! لا بدَّ أن ندخل عليه. قال: فقال له أبو عوانة: ما تقول في القرآن؟ فاحمرَّ وجهه وسكت. ثم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال مخلوق، فهو كافر، وأنا تائب إلى الله من كل ذنب إلا الكذب، فإني لم أكذب قط، أستغفر الله.
قال: فقام أبو عليِّ إلى أبي فقبل رأسه. ثم قال أبي: قام أبو عوانة إلى أبي خليفة، فقبَّل كتفه" (٢).
ونحو هذا ما ذكره -أيضًا- عن الحكم قال: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت أبا عوانة ﵀ يقول: دخلت على أبي إبراهيم المزني في مرضه الذي مات فيه فقلت له: ما قولك في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. فقلت: هلا قلت هذا قبل هذا؟! قال: لم يزل هذا قولي فيه لأنَّ الشافعي كان ينهانا عن الكلام فيه -يعني البحث والجدال في ذلك- (٣).
وهكذا يكون أثر العلم على أهله إذ جعلوا كتاب الله وسنة نبيِّه محمد ﷺ نورًا وإمامًا، واتبعوا ولم يبتدعوا.
_________
(١) كذا في السير، وهذا خطأ، والصواب أن عبد الملك ابن ابن أخت أبي عوانة، فلعل "ابن" الثانية ساقطة، وقد ذكره الذهبي على الصواب في موضع آخر من سيره (١٤/ ٤١٩)، وقال عنه أيضًا في (١٧/ ٧١) حدث عن خال أبيه الحافظ أبي عوانة.
(٢) السير (١٤/ ١٠).
(٣) انظر: مختصر العلو (٢٣٣).
стр. 68
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه:
لم تقف شخصية أبي عوانة عند معرفة الحديث وحفظه وروايته، بل اتسعت دائرته العلمية إلى ما هو أكثر من ذلك، فقد كان مع حفظه ﵀ فقيها مجتهدا، ولا شك أن هذا يعد من الخصال العزيزة التي قل أن تجتمع في عالم واحد، أعني الجمع بين الفقه والحديث على وجه التوسع، حتى قال الإمام الشافعي ﵀ لأحد تلامذته: "تريد أن تحفظ الحديث وتكون فقيها؟ هيهات، ما أبعدك من ذلك" (١).
قال البيهقي ﵀ معلِّقًا على قولِ الشافعي: إنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب والمذاكرة بها وذلك علم كثير، إذا اشتغل به فربما لم يتفرغ إلى الفقه .. " (٢).
لكن الله ﵎ قد منّ بهذا على خلق من عباده، كان منهم الحافظ أبو عوانة ﵀.
وقد مرَّ الإمام أبو عوانة ﵀ بمراحل في تعلم الفقه والإمامة فيه.
فأما المرحلة الأولى: فهى التفقه بفقه الشافعي وأخذه عن كبار أصحاب الشافعي، فسمع كتب الشافعي من إسماعيل بن يحيى المزني (٣)
_________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ١٥٢).
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر: ترجمته في السير (١٢/ ٤٩٢).
стр. 69
صاحب المختصر، والربيع بن سليمان المرادي (١)، وكانا من كبار تلاميذ الشافعي والآخذين عنه (٢).
ولما عاد أبو عوانة إلى إسفرايين؛ أظهر هناك فقه الشافعي ونشره بين الناس، وعده المؤرخون أول من أدخل فقه الشافعي إلى تلك الناحية، كما نص على ذلك الذهبي (٣)، والسبكي (٤)، والسخاوي (٥) وغيرهم.
ومن خلال النظر إلى هذه المرحلة وكونها أخذت حقبة من الزمن من حياة الإمام أبي عوانة ﵀، نجد عناية أئمة الشافعية بشخصيته واعتباره من فقهائهم وأئمة المذهب عندهم، فقد نص غير واحد من الأئمة على انتسابه إلى المذهب الشافعي:
قال الذهبي: "وكان مع حفظه فقيها شافعيًّا إمامًا" (٦).
كذا قال اليافعي (٧) وابن العماد (٨) وغيرهم، وترجم له في كتب
_________
(١) انظر: ترجمته في تهذيب الكمال (٩/ ٨٧).
(٢) انظر: السير (١٤/ ٤٢٠).
(٣) انظر: السير (١٤/ ٤٢٠).
(٤) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٤٨٧).
(٥) انظر: الإعلان بالتوبيخ (ص ١٩٠).
(٦) انظر: العبر في أخبار من غبر (١/ ٤٧٣).
(٧) انظر: مرآة الجنان (٢/ ٢٦٩).
(٨) انظر: شذرات الذهب (٤/ ٨٠).
стр. 70
طبقات الشافعية (١)، والحافظ ابن حجر يذكره ضمن فقهاء الشافعية (٢).
وأما المرحلة الثانية: فهي بلوغ أبي عوانة ﵀ درجة الإمامة وحسن النظر في الأدلة، التي من خلالها استطاع أن يستنبط الأحكام من الأحاديث، ومما يدل على ذلك صنيعه في تراجم أبواب كتابه المستخرج، التي أبانت عن فقه وحسن نظر في الأحاديث ودلالاتها، ولذلك تعددت اختياراته ﵀، فتارة يوافق الجمهور، وتارة يخالفهم، وتارة يوافق الإمام الشافعي ويتأثر بمذهبه، وتارة يخالفه.
وهذا كله بحسب الاجتهاد في كل مسألة بالنظر للأدلة والنصوص.
ولتقرير ذلك نحتاج إلى عرض جملة من الأبواب والتراجم ليظهر للقارئ فقه أبي عوانة في تراجمه في المستخرج:
أولًا: الأبواب المتعلقة بالأحكام الفقهية.
ثانيًا: الأبواب المتعلقة بالعقائد والآداب والفضائل وغيرها.
أما ما يتعلق بالأحكام الفقهية فيمكن تقسيمه قسمين:
_________
(١) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (٢/ ٦٧٩)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، طبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٠٤).
(٢) انظر: الفتح (٩/ ١٢).
стр. 71
القسم الأول: الاختيارات التي وافق فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀، ومن الأمثلة على ذلك:
ذكر أبو عوانة ﵀ في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (١) وهو:
١ - في النخل وما شابهه من الثمار أن تحمر أو تصفر أو يطيب أكله.
٢ - في الزرع حتى يبيضّ، ويأمن العاهة.
قال الشافعي ﵀: "ولا يحل بيعه قبل أن يبدو صلاحه"،
وقال مبينا معنى الصلاح كما جاء في الحديث: "أن يحمر ويصفرّ"، ثم بين بدوّ الصلاح في كل ثمرة (٢)، ثم ذكر أبو عوانة مسألة لها تعلق بهذه المسألة، وهي بيع الزرع قبل أن يسنبل بأنه يجوز إذا أراد قطعه في الحال، وقد نص على هذا الإمام الشافعي (٣).
وقال ﵀ باب حظر بيع المعاومة (٤)، فبين أبو عوانة -
_________
(١) انظر: باب حظر الثمر حتى يبدو صلاحها واستواؤها (تبويب حديث ٥٤٣٩)، وباب بيان تفسير بدو الصلاح في الثمرة، وأنه لا يحل بيعها حتى يؤكل منها، وعن بيع النخل حتى يحرز (تبويب حديث ٥٤٤٦)، وبيان حظر بيع السنبل حتى يبْيضّ، ويأمن العاهة (تبويب حديث ٥٤٥٨).
(٢) انظر: كتاب الأم (٣/ ٥٨) في كتاب البيوع، باب القت الذي يحل فيه بيع الثمار.
(٣) المرجع السابق (٣/ ٨٢)، باب بيع القمح في سنبله.
(٤) انظر: باب حظر بيع المعاومة (تبويب حديث ٥٥٢٢).
стр. 72
﵀ أنَّ هذا البيع ممنوعٌ لما فيه من الغرر، والجهالة، وبه قال الشَّافعي (١).
قال أبو عوانة ﵀: "بيان الحكم في نفقة المرأة على زوجها إذا حبسها عنها، والإباحة لها أخذها من ماله بالمعروف ولولدها من غير علمه" (٢)، وهذا مذهب الشافعي (٣).
قال أبو عوانة ﵀: "وبيان حظر أخذ الإبل الضوال، والدليل على أنّه إنْ أخذها وجب ردُّها على صاحبها، وإنْ ذهبت منه أو استهلكها وجب عليه ردُّ قيمتها عليه، وعلى أَنّ البعير إذا كان بمهلكة لا ماء عنده جاز له أخذه ليردّه على صاحبه … " (٤).
قال الشافعي ﵀: "وإذا وجد الرجل ضالة الإبل لم يكن له أخذها، فإن أخذها ثمّ أرسلها حيث وجدها فهلكت، ضمن لصاحبها قيمتها … " (٥).
ومن ذلك قوله ﵀ في كتاب الصيد: "باب بيان إباحة صيد
_________
(١) انظر: الأم (٣/ ١٠٥) في كتاب البيوع، باب بيع الآجال.
(٢) انظر: الباب الثاني من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٢٩).
(٣) انظر: الأم (٥/ ١٤٥).
(٤) انظر: الباب العاشر من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٩٠).
(٥) الأم (٤/ ٨٤).
стр. 73
دواب البحر .... " (١).
فهذا التبويب من المصنف يدل على أنه يذهب إلى جواز صيد دواب البحر مطلقا، حيث لم يخص بكلامه دابة من دابة، وهو مذهب الإمام الشافعي الذي نص عليه في كتاب الأم: قال ﵀: "كل ما كان يعيش في الماء من حوت أو غيره بم فأخذه ذكاته" (٢).
القسم الثاني: الاختيارات التي خالف فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀.
فقد كان يجتهد في بعض المسائل، وربما كان ذلك خلاف قول الشافعي ومذهبه، وهذه بعض أمثلةٍ على ذلك:
١ - ترجم في الباب الثاني من كتاب الطهارة بإيجاب حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وقف الإبط، والتوقيت فيها، ومنه الختان، والسواك، وغسل البراجم وانتقاص الماء. والشافي -رحمه الله تعالى- لا يقول بالوجوب في بعض ذلك كنتف الإبط، وتقليم الأظفار، كما أشار إليه النووي ﵀ في شرح مسلم (٣).
_________
(١) انظر: تبويب حديث (٨٠٥٨).
(٢) الأم: (٢/ ٣٥٩، ٢/ ٣٢١)، وهذا الذي نقلته عن الشافعي من حل جميع صيد البحر؛ هو أصح الأقوال عند الشافعية، نص عليه شيخ المذهب النووي ﵀، انظر: روضة الطالبين (٢/ ٥٤٢)، والمجموع شرح المهذب (٩/ ٣٣)، كلاهما للنووي.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، والمجموع (١/ ٢٨٣ - ٣٠٩).
стр. 74
وقال ﵀ في كتاب الصلاة باب: "الدليل على إجازة صلاة الشاك فيها إذا كان أكثرُ وَهْمِه أنه الصواب، وإن لم يرجع إلى يقينه، إذا سجد سجدتي السهو، وصفة سجوده، وأنه يسجدهما بعد ما يسلم" (١).
فخالف الشافعية هنا في مسألتين:
الأولى: العمل إذا شك المصلي، فعندهم (وكذلك الجمهور) الواجبُ هو الرجوعُ إلى اليقين، ولا يجزؤه التحَرِّي.
الثانية: موضع سجود السهو، فعند الشافعية سجود السهو كله قبل السلام.
والمصنف يوافق الإمام أحمد في كلتا المسألتين المذكورتين (٢).
وقال أيضًا: "باب إيجاب سجدتي السهو على الساهي في صلاته، وعلى من زاد فيها أو نقص" (٣).
فالقول بوجوب سجود السهو هو مذهب الحنفية، وليس بواجب عند الشافعية (٤).
_________
(١) انظر: تبويب حديث (١٩٦١).
(٢) انظر: الأم (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، باب سجود السهو، الاستذكار (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، مختصر خلافيات البيهقي (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤).
(٤) انظر: مختصر الخلافيات (٢/ ١٩٥).
стр. 75
وقال أيضًا في الباب السابق: "الدليل على أن المصليَ إذا رجع إلى اليقين بأنه زاد في صلاته ركعة، سجد سجدتي السهو بعد ما يسلم .... " (١).
فخالف الشافعيةَ في موضع السجود -كما سبق-.
وقول المصنف هنا أقرب إلى مذهب الحنابلة (٢).
وقال أيضًا: "باب وجوب صلاة الكسوف" (٣).
فخالفَ الشافعيةَ -بل الجمهورَ- بالقول بالوجوب، قال الحافظ ابن حجر في مشروعية صلاة الكسوف: "وهو أمر متفق عليه، لكن اخْتُلِفَ في الحكم وفي الصفة، فالجمهور على أنها سنةٌ مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في (صحيحه) بوجوبها، ولم أَرَه لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعةِ، ونقل الزينُ ابنُ المُنَيِّر عن أبي حنيفة أنّه أَوْجَبَها، وكذا نقل بعضُ مصنفي الحنفية أنها واجبة" (٤).
_________
(١) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤).
(٢) انظر: الأوسط (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧).
(٣) انظر: تبويب حديث (٢٤٨٣).
(٤) فتح الباري (٢/ ٦١٢).
تنبيه: ما نقله ابنُ المنيّر عن أبي حنيفة ﵀ من إيجاب صلاة الكسوف هو قولُ بعضِ مشايخهم، وأما الأصح عند الحنفية فكونها سنة.
انظر: (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي (١/ ٢٩٦)، حاشية الشلبي على (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (١/ ٢٢٨)، البناية في شرح الهداية (٣/ ١٥٨).
следующие страницы →