← Книги сунны

Книги сунны · id 18144

مستخرج أبي عوانة - ط الجامعة الإسلامية

أبو عوانة

Полный текст (15 012 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القسم الأول: الاختيارات التي وافق فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀، ومن الأمثلة على ذلك: ذكر أبو عوانة ﵀ في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (١) وهو: ١ - في النخل وما شابهه من الثمار أن تحمر أو تصفر أو يطيب أكله. ٢ - في الزرع حتى يبيضّ، ويأمن العاهة. قال الشافعي ﵀: "ولا يحل بيعه قبل أن يبدو صلاحه"، وقال مبينا معنى الصلاح كما جاء في الحديث: "أن يحمر ويصفرّ"، ثم بين بدوّ الصلاح في كل ثمرة (٢)، ثم ذكر أبو عوانة مسألة لها تعلق بهذه المسألة، وهي بيع الزرع قبل أن يسنبل بأنه يجوز إذا أراد قطعه في الحال، وقد نص على هذا الإمام الشافعي (٣). وقال ﵀ باب حظر بيع المعاومة (٤)، فبين أبو عوانة - _________ (١) انظر: باب حظر الثمر حتى يبدو صلاحها واستواؤها (تبويب حديث ٥٤٣٩)، وباب بيان تفسير بدو الصلاح في الثمرة، وأنه لا يحل بيعها حتى يؤكل منها، وعن بيع النخل حتى يحرز (تبويب حديث ٥٤٤٦)، وبيان حظر بيع السنبل حتى يبْيضّ، ويأمن العاهة (تبويب حديث ٥٤٥٨). (٢) انظر: كتاب الأم (٣/ ٥٨) في كتاب البيوع، باب القت الذي يحل فيه بيع الثمار. (٣) المرجع السابق (٣/ ٨٢)، باب بيع القمح في سنبله. (٤) انظر: باب حظر بيع المعاومة (تبويب حديث ٥٥٢٢).

стр. 72

﵀ أنَّ هذا البيع ممنوعٌ لما فيه من الغرر، والجهالة، وبه قال الشَّافعي (١). قال أبو عوانة ﵀: "بيان الحكم في نفقة المرأة على زوجها إذا حبسها عنها، والإباحة لها أخذها من ماله بالمعروف ولولدها من غير علمه" (٢)، وهذا مذهب الشافعي (٣). قال أبو عوانة ﵀: "وبيان حظر أخذ الإبل الضوال، والدليل على أنّه إنْ أخذها وجب ردُّها على صاحبها، وإنْ ذهبت منه أو استهلكها وجب عليه ردُّ قيمتها عليه، وعلى أَنّ البعير إذا كان بمهلكة لا ماء عنده جاز له أخذه ليردّه على صاحبه … " (٤). قال الشافعي ﵀: "وإذا وجد الرجل ضالة الإبل لم يكن له أخذها، فإن أخذها ثمّ أرسلها حيث وجدها فهلكت، ضمن لصاحبها قيمتها … " (٥). ومن ذلك قوله ﵀ في كتاب الصيد: "باب بيان إباحة صيد _________ (١) انظر: الأم (٣/ ١٠٥) في كتاب البيوع، باب بيع الآجال. (٢) انظر: الباب الثاني من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٢٩). (٣) انظر: الأم (٥/ ١٤٥). (٤) انظر: الباب العاشر من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٩٠). (٥) الأم (٤/ ٨٤).

стр. 73

دواب البحر .... " (١). فهذا التبويب من المصنف يدل على أنه يذهب إلى جواز صيد دواب البحر مطلقا، حيث لم يخص بكلامه دابة من دابة، وهو مذهب الإمام الشافعي الذي نص عليه في كتاب الأم: قال ﵀: "كل ما كان يعيش في الماء من حوت أو غيره بم فأخذه ذكاته" (٢). القسم الثاني: الاختيارات التي خالف فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀. فقد كان يجتهد في بعض المسائل، وربما كان ذلك خلاف قول الشافعي ومذهبه، وهذه بعض أمثلةٍ على ذلك: ١ - ترجم في الباب الثاني من كتاب الطهارة بإيجاب حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وقف الإبط، والتوقيت فيها، ومنه الختان، والسواك، وغسل البراجم وانتقاص الماء. والشافي -رحمه الله تعالى- لا يقول بالوجوب في بعض ذلك كنتف الإبط، وتقليم الأظفار، كما أشار إليه النووي ﵀ في شرح مسلم (٣). _________ (١) انظر: تبويب حديث (٨٠٥٨). (٢) الأم: (٢/ ٣٥٩، ٢/ ٣٢١)، وهذا الذي نقلته عن الشافعي من حل جميع صيد البحر؛ هو أصح الأقوال عند الشافعية، نص عليه شيخ المذهب النووي ﵀، انظر: روضة الطالبين (٢/ ٥٤٢)، والمجموع شرح المهذب (٩/ ٣٣)، كلاهما للنووي. (٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، والمجموع (١/ ٢٨٣ - ٣٠٩).

стр. 74

وقال ﵀ في كتاب الصلاة باب: "الدليل على إجازة صلاة الشاك فيها إذا كان أكثرُ وَهْمِه أنه الصواب، وإن لم يرجع إلى يقينه، إذا سجد سجدتي السهو، وصفة سجوده، وأنه يسجدهما بعد ما يسلم" (١). فخالف الشافعية هنا في مسألتين: الأولى: العمل إذا شك المصلي، فعندهم (وكذلك الجمهور) الواجبُ هو الرجوعُ إلى اليقين، ولا يجزؤه التحَرِّي. الثانية: موضع سجود السهو، فعند الشافعية سجود السهو كله قبل السلام. والمصنف يوافق الإمام أحمد في كلتا المسألتين المذكورتين (٢). وقال أيضًا: "باب إيجاب سجدتي السهو على الساهي في صلاته، وعلى من زاد فيها أو نقص" (٣). فالقول بوجوب سجود السهو هو مذهب الحنفية، وليس بواجب عند الشافعية (٤). _________ (١) انظر: تبويب حديث (١٩٦١). (٢) انظر: الأم (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، باب سجود السهو، الاستذكار (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، مختصر خلافيات البيهقي (٢/ ١٨٧). (٣) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤). (٤) انظر: مختصر الخلافيات (٢/ ١٩٥).

стр. 75

وقال أيضًا في الباب السابق: "الدليل على أن المصليَ إذا رجع إلى اليقين بأنه زاد في صلاته ركعة، سجد سجدتي السهو بعد ما يسلم .... " (١). فخالف الشافعيةَ في موضع السجود -كما سبق-. وقول المصنف هنا أقرب إلى مذهب الحنابلة (٢). وقال أيضًا: "باب وجوب صلاة الكسوف" (٣). فخالفَ الشافعيةَ -بل الجمهورَ- بالقول بالوجوب، قال الحافظ ابن حجر في مشروعية صلاة الكسوف: "وهو أمر متفق عليه، لكن اخْتُلِفَ في الحكم وفي الصفة، فالجمهور على أنها سنةٌ مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في (صحيحه) بوجوبها، ولم أَرَه لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعةِ، ونقل الزينُ ابنُ المُنَيِّر عن أبي حنيفة أنّه أَوْجَبَها، وكذا نقل بعضُ مصنفي الحنفية أنها واجبة" (٤). _________ (١) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤). (٢) انظر: الأوسط (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧). (٣) انظر: تبويب حديث (٢٤٨٣). (٤) فتح الباري (٢/ ٦١٢). تنبيه: ما نقله ابنُ المنيّر عن أبي حنيفة ﵀ من إيجاب صلاة الكسوف هو قولُ بعضِ مشايخهم، وأما الأصح عند الحنفية فكونها سنة. انظر: (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي (١/ ٢٩٦)، حاشية الشلبي على (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (١/ ٢٢٨)، البناية في شرح الهداية (٣/ ١٥٨).

стр. 76

وقال أبو عوانة ﵀ في كتاب الأحكام: " … بيان الخبر الدال على إبطال الحكم بقول السكران وما يلفظ ويقرُّ به على نفسه .... " (١). خلافًا لما ذهب إليه الشافعي، قال الشافعي: " … ولو شرب رجل خمرًا أو نبيذًا مسكرًا، فسكر لزمه ما أَقرَّ به" (٢). وقال -أيضًا-: "ومن شرب خمرًا أو نبيذًا فأسكره فطلّق لزمه الطلاق والحدود كلها … " (٣). وقد وافق المصنفُ في ذلك الحنابلة (٤). ثانيًا: فقهه واستنباطاته في أبواب العقائد والأحكام والآداب والفضائل وغيرها. ظهر في تراجم الإمام أبي عوانة ﵀ عنايته بدلالة الأحاديث وتعظيمه لها، مع وضوح في العبارة وصراحة في الدلالة، وهذا غالب في تراجمه ﵀. ومن ذلك قوله ﵀ في كتاب فضائل القرآن: باب ثواب الماهر بالقرآن والحافظ له … (٥)، وساق تحته حديث عائشة ﵂ _________ (١) انظر: الباب السابع عشر من كتاب الأحكام (انظر: تبويب حديث ٦٩١٨). (٢) الأم (٣/ ٢٦٩). (٣) الأم (٥/ ٣٦٤). (٤) انظر: المغني (٧/ ٢٦٣)، الإنصاف (١٢/ ١٣٢). (٥) انظر: تبويب حديث (٤٢٣٩).

стр. 77

عن النبي ﷺ "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن -قال هشام: وهو عليه شديد. وقال شعبة: وهو عليه شاق. فله أجران" (١). وقوله في كتاب صلة الأرحام باب بيان ثواب المتحابين في الله (٢)، وساق حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٣). ومما تجدر الإشارة إليه في خاتمة هذا المبحث التنبيه على حسن ترتيب الأبواب واندراج الأحاديث تحتها مما يساعد على معرفة الأدلة التي من أجلها استخلص الإمام أبو عوانة ﵀ الحكم في الترجمة: فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان حظر طلب الإمارة والاستشراف لها، والدليل على إباحة الدخول فيها إذا قلدها من غير سؤال، وأن الإمام يجب عليه منعها من يسألها أو يحرص عليها" (٤). فهذا التبويب من المصنف قد اشتمل على أحكام واضحة لا تحتاج _________ (١) انظر: حديث (٤٢٣٩). (٢) انظر: تبويب حديث: (١١١٩٩). (٣) انظر: حديث (١١١٩٩). (٤) انظر: تبويب حديث (٧٤٤٧).

стр. 78

إلى شرح وبيان، وقد استدل لها المصنف بأحاديث عدة ساقها بأسانيده من طرق متعددة، منها حديث عبد الرحمن بن حمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها" (١). ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه". (٢) وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: "ولكن يا أبا موسى، اذهب إلى اليمن أميرا". (٣) فأنت ترى أن الأحاديث التي أوردها المصنف واضحة الدلالة على ما بوب له من أحكام. ومن ذلك أن أبا عوانة قد يعقد ترجمة تفيد حكما شرعيًّا، ويستدل لها بجملة من الأحاديث، ثم يعقد ترجمة أخرى بعدها، ويجعلها مخصصة للترجمة الأولى، ويسوق تحتها جملة من الأحاديث المخصصة للأحاديث _________ (١) انظر: حديث (٧٤٤٧). (٢) انظر: حديث (٧٤٥٧). (٣) انظر: حديث (٧٤٥٨).

стр. 79

الواردة في الباب السابق، مما يدل على حسن تصرفه، وتفننه في إيراد التراجم للأبواب، فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان الأخبار الموجبة على الرعية فرضًا طاعة من يؤمر عليها، عبدا كان الأمير أو غيره". (١) ثم ساق المصنف تحت هذه الترجمة جملة من الأحاديث الدالة على فرضية طاعة الأمراء كحديث أم حصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن استعمل عليكم عبد حبشي يأخذكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا" (٢). وحديث أبي ذر ﷺ قال: "أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع ولو لعبد مجدّع الأطراف" (٣). ثم لما فرغ المصنف من هذا الباب؛ قال: "بيان الأخبار المبيحة ترك طاعة الأمير إذا أمر بمعصية، ووجوب طاعته في جميع ما يدعو إليه من إجابته واتباعه في غير معصية" (٤)، فأنت تلاحظ أن هذا التبويب مخصص للتبويب السابق، لأن السابق يفيد وجوب طاعة الأمير مطلقا، بينما هذا التبويب يخص الوجوب بما لم يؤمر الأمير بمعصية، فحين ذاك لا تجب طاعته، بل تحرم. _________ (١) انظر: تبويب حديث (٧٥٣٨). (٢) انظر: حديث (٧٥٣٨)، (٧٥٤١). (٣) انظر: حديث (٧٥٤٢)، (٧٥٤٥). (٤) انظر: تبويب حديث (٧٥٤٩).

стр. 80

ثم استدل المصنف لهذا التخصيص بما ساقه من طرق عدة عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" (١). وكذا استدل بما أسنده من طرق عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأنصار على جيش، وأمرهم أن يطيعوه، فأجج لهم نارًا، وأمرهم أن يقتحموها، فهم قوم أن يفعلوا، وقال آخرون: إنما فررنا من النار، فأبوا، ثم قدموا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "لو وقعوا فيهما ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (٢). ودلالة الأحاديث على ما ذهب إليه المصنف من التخصيص صريحة، مما لا يحتاج إلى إيضاح وشرح. ومن ذلك أن المصنف إذا بوّب لحكم شرعي، وكانت الأدلة الدالة عليه تفيد جوازه بشرط أو قيد فإنه يذكره في التبويب ولا يهمله، مما يؤكد دقة فهم المصنف لما يرويه من النصوص. فمن ذلك قوله: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمّرة وغير _________ (١) انظر: حديث (٧٥٤٩). (٢) انظر: حديث (٧٥٥٣).

стр. 81

المضمّرة، إذاكان مبدأها ومنتهاها معلومة"، ثم استدل على هذا بما أخرجه من طرق عدة عن ابن عمر، أن النبي ﷺ : "سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها". فهذا النص أفاد جواز المسابقة بين الخيل، لكن بشرط، وهو ما ذكره المصنف بقوله: "إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، أي إنه لا بد أن تكون المسافة محددة، وأن يكون لابتداء عدو الخيل وآخره غاية معلومة، لأن الغرض هو معرفة الأسبق منها، ولا يعلم ذلك إلا بتساويها في الابتداء والغاية. والحاصل: أن المصنف ﵀ قد أفاد كل ذلك من خلال التبويب الذي وضعه للمسألة، وإن شئت أن تعرف دقة تبويب المصنف ﵀، فقارن بين تبويبه الذي وضعه لهذه المسألة، وبين تبويب الإمام النووي الذي وضعه لها في صحيح مسلم، فقد قال النووي ﵀ مبوبا لحديث ابن عمر في المسابقة: "باب مسابقة بين الخيل وتضميرها" (١)، بينما قال المصنف: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمرة وغير المضمرة، إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، فالنووي ﵀ لا نستطيع من _________ (١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب المسابقة بين الخيل وتضميرها: (٣/ ١٤٩١).

стр. 82

خلال تبويبه السابق أن نعرف حكم المسابقة بين الخيل، فضلا عن الشرط اللازم فيها، على حين أن تبويب أبي عوانة قد تكفل ببيان حكم المسألة وشرطها بغاية الصراحة والوضوح. وكذلك نجده ﵀ يتفنن في دقة الاستنباط من الحديث. ومن ذلك: قوله في كتاب فضائل القرآن: باب ذكر الخبر الموجب لاستذكار القرآن ودراسته، وأن حامله إذا قام به فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نُسِّيه، والدليل على أنه إذا غفل عن تعاهده نُزِعَ منه (١). وساق حديث ابن مسعود رفعه إلى النبي ﷺ : "تعاهدوا القرآن، فإنه أشد تَفَصِّيًا من صُدُورِ الرجال مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلها، بِئْسَ ما لأَحَدِهم أن يقولَ: نَسِيتُ آية كيتَ، كيتَ" (٢). وقوله في كتاب القدر: "باب الخبر الدال على أنَّ المولود يولد على الخلقة التي قدره الله عليه في سابق علمه، وإنه إن كان في القدر المقدور سعيدا؛ لا يضره تهويد أبويه، ولا تنصيرهما إياه، ويختم الله له بما قدر عليه، وإنه إن كان الله قدر عليه في سابق علمه الشقاء؛ لم ينفعه إسلام أبويه، وختم له بالشقاء … (٣). وساق حديث أبي هريرة: "كل مولود يولد على _________ (١) انظر: تبويب حديث (٤٢٥١). (٢) انظر: حديث (٤٢٥١). (٣) انظر: تبويب حديث (١١٦٦٩).

стр. 83

الفطرة .... " الحديث (١). وهذا المذهب الذي سلكه المصنف ﵀؛ هو المذهب الحق الذي قال به أئمة السنة، كالأوزاعي، ومالك، وأحمد .. وغيرهم (٢). _________ (١) انظر: حديث (١١٦٦٩). (٢) انظر: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٦٣)، شفاء العليل (ص ٥٦١)، المسائل والرسائل عن الإمام أحمد (١/ ١٨١).

стр. 84

المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد: لم يكن ﵀ راويًا ومحدثًا يروى الحديث فقط، بل كان ناقدًا بصيرا في الرجال، وعلل الحديث، ولا يتمكن في هذا الفن إلا الحفاظ المهرة الحافظون لطرق الحديث والعارفون لأحوال الرجال، الجامعون لأحاديث الأئمة. قال شيخه الإمام الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي، في المقومات التي تؤهل المحدث في نظره: من لم يجمع حديث شعبة، وسفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، فهو مفلس في الحديث (١). قال الإمام الذهبي: يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ، وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليا ونازلًا، وفهم علله، فقد أحاط بشطر السنة النبوية، بل أكثر من ذلك … فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها وبيبن صحيحه من سقيمه لكان يجيئ (مسنده) في عشرة مجلدات … اهـ. مختصرا (٢). قلت: والإمام أبو عوانة قد عمل بمقولة شيخه وطبقها فأفنى حياته في جمع حديث هؤلاء وترك وطنه ورحل، حتى شهد له غير واحد من الأئمة _________ (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٣٥٦). (٢) السير (١٣/ ٣٢٣).

стр. 85

الأعلام بذلك (١). وقد صرح بذلك في وصيته (٢). وقد حكم على الحديث وبين العلل بإشارات لطيفة، وتكلم في الرجال ونقدهم مما يدل على إحاطته وتمكنه في هذا العلم، إذ لا يمكن أن تصدر مثل هذه الأحكام إلا من خبير متثبت، عالم. وقد تنوعت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والرواة وسنتناول ذلك في مطلبين: المطلب الأول: أحكام أبي عوانة على الأحاديث. تعددت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والغالب عليها الإشارة لضعف الحديث أو غلط الراوي فيه أو وصفه بالغرابة وأحيانا الحكم بصحة طريق أو رواية للحديث، ولعل سبب قلة الحكم بالصحة ونحوها على الأحاديث أن كتاب أبي عوانة مستخرج على صحيح مسلم فالأصل في أحاديثه الصحة، فما خالف هذا الأصل فهو الذي يحتاج لبيان. ومن أحكام أبي عوانة على الأحاديث: أولا: يكثر أبي عوانة من إعلال الحديت بقوله: "فيه نظر" ونحوها من العبارات مثل: "في هذا الحديث نظر" و "في إسناده ومتنه نظر" ومن ذلك: _________ (١) انظر أقوال الأئمة في مبحث رحلاته (ص ٤٤). (٢) انظر مصادر المؤلف في مبحث مصادره (ص ٨٦).

стр. 86

١ - قال في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن". فذكر مثله ولم يذكر "رجل اتاه الله مالا" قال: في الحديث النظر. لم يخرجه مسلم، وأخرجه غيره (١). ٢ - وفي حديث معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب وجمال إلاّ أنها لا تلد. أتزوجها؟ فنهاه عنها. ثم أتاه الثانية فنهاه. فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم"، قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر (٢). ٣ - وقال في حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: "أن النكاح كانت في الجاهلية على أربعة أنحاء: .. الحديث قال أبو عوانة: وفي إسناده ومتنه انظر، وذلك أنه خولف يونس في إسناده (٣). ٤ - وقال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، _________ (١) انظر: حديث رقم (٤٣٠٢). (٢) انظر: حديث رقم (٤٤٥٥). (٣) انظر: حديث رقم (٤٤٧٦).

стр. 87

عن ابن الهاد، عن عمارة بن خريمة بن ثابت، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يستحي من الحق. لا تأتوا النساء في أدبارهن" قال أبو عوانة: في إسناده نظر (١). ٥ - وقال حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح النساء الحبالى من السبي أن يوطئن". قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه (٢). ٦ - حدثنا الصغاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي ﷺ : "لا شغار في الإسلام". قال أبو عوانة: في هذا الحديث انظر (٣). ٧ - قال بعد أن خرج حديث إعطاء النبي ﷺ الحجام أجره: "ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن محيصة الأنصاري، عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام فنهى عنه، فشكى من حاجتهم فقال: "اعلفه ناضحك، واطعمه رقيقك" وفيه نظر (٤). _________ (١) انظر: حديث رقم (٤٧٣٣). (٢) انظر: حديث رقم (٤٨٠٠). (٣) انظر: حديث رقم (٤٤٨٧). (٤) انظر: حديث رقم (٥٧٣١) وما بعده.

стр. 88

٨ - قال في حديث رواه عن يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو خير، أو أفضل": فيه نظر (١). ٩ - قال في حديث عائشة ﵂ قالت: اجتمعن أزواج النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله أينا أسرع لحوقا بك؟ قال: "أطولكن يدا فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها، وكانت سودة أسرعهن به لحوقا، وكانت تطول يدها في الصدقة، وكانت امرأة تحب الصدقة. وهذا لفظ أبي زرعة فيه نظر (٢). ١٠ - ذكر حديث ابن مسعود قال: قال رجل للنبي ﷺ كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ فقال النبي ﷺ : "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت! فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت! فقد أسأت". وقال معلقا عليه: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه (٣). ثانيا: الحكم على الرواية بالغلط كقوله "غلط فيه فلان" و "وهو _________ (١) انظر: حديث رقم (٩٤٦٥). (٢) انظر: حديث رقم (١٠٧٩٨). (٣) انظر: حديث رقم (٩٦٢١) وما بعده.

стр. 89

غلط عندي". ومن أمثلة ذلك: ١ - في حديث رواه هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . قال أبو عوانة: غلط فيه هشام، فقال: عن أبي سلمة (١). ٢ - وقال في حديث روح، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني يحيى ابن أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب أخبره بإسناده مثله. كذا قال روح، عن يحيى بن أيوب. قال أبو عوانة: وهو غلط عندي، إنما هو عن سعيد بن أبي أيوب (٢). ثالثا: الحكم بغرابة الحديث أو بعض الطرق، كقوله: "وهو غريب" و "غريب لم نكتبه إلا عنه" ونحو ذلك. ومن ذلك: ١ - في حديث رواه حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك، عن محمد بن مسلم ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله! فأخبره أنه وقع مع امرأته في رمضان. فقال: "أتجد رقبة؟ " قال: لا قال: "فتستطيع صيام شهرين؟ " قال: لا قال: "فتطعم ستين _________ (١) انظر: حديث رقم (٣٠٨٠). (٢) انظر: حديث رقم (٦٣٠٠).

стр. 90

مسكينا؟ " قال: لا أجد. فأعطاه رسول الله ﷺ تمرًا وأمره أن يتصدق به]. فذكر لرسول الله ﷺ حاجته فأمره أن يأكلوه. قال أبو عوانة: وهذا لفظ بكر بن مضر، وهو غريب (١). ٢ - وقال في حديث رواه عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: ذكر النبي ﷺ : فقال: كان أكرم الناس. غريبٌ لم نكتبه لبيان إلا عنه (٢). ٣ - وقال حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة ابن الحجاج، عن الأعمش، ومنصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس ابن مالك: أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما أعددت لها"؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: "فأنت مع من أحببت". وكذا رواه جرير عن منصور، فيه: "ولا صدقة" وهو غريب للأعمش جدًّا، ليس إلا يونس بن حبيب (٣). _________ (١) انظر: حديث رقم (٣٠٨١). (٢) انظر: حديث رقم (١٠٢٥٧). (٣) انظر: حديث رقم (١١٥٢٧).

стр. 91

٤ - روى من طريق ابن جريج، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، حديثا، وقال بعده: ابن جريج عن صالح غريب، لأنه أنبل من صالح (١). رابعا: الحكم بصحة بعض الطرق، وهذا قليل كما تقدم كقوله: "صحيح عن فلان". و"فلان عن فلان صحيح" ونحو ذلك ومنه: ١ - روى بسنده حديث ابن عمر في قدوم وفد عبد القيس وسؤالهم عن الأشربة رواه من طريق يزيد بن هارون عن عبد الخالق بن سلَمة. ثم قال: يزيد عن عبد الخالق صحيح (٢). ٢ - روى حديث أبي هريرة شر الطعام طعام الوليمة من طريق أيوب عن الزهريّ، وقال: أيوب عن الزهريّ: حسن (٣). ٣ - روى من طريق الزهريّ عن أبي سلمة حديث أبي هريرة في الأعرابي الذي ولدت امرأته غلاما أسودا، وقال بعده: صحيح عن أبي سلمة (٤). خامسا: الحكم النسبي كقوله: "هذا اللفظ أصح" و "لفظ فلان _________ (١) انظر: حديث رقم (٤٦٣٨). (٢) انظر: حديث رقم (٨٤٩٧). (٣) انظر: حديث رقم (٤٦٤٠). (٤) انظر: حديث رقم (٥١٧٣).

стр. 92

أصح". ومن ذلك: ١ - قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، والصغاني، قالا: حدثنا رَوح، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، بإسناده قال: "من رآني في النوم فقد رآني؛ فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبّه بي". هذا اللفظ أصح (١). ٢ - روى حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما مسلم لعنته، أو شتمته، فاجعل ذلك له صلاة ورحمة"، ثم ذكر لفظ عارم فقال: قال عارم: "فاجعل ذلك له إما صلاة، أو رحمة". وقال: لفظ سليمان أصح (٢). سادسا: الحكم بالاضطراب، ومنه: قال أبو عوانة حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال لنا أبو أمية، قال لنا أبو عاصم مرة عن سعيد ومرة عن أبي سلمة، فجمعتهما. وحدثنا غير أبي أمية، عن أبي عاصم، فقال: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال أبو عوانة: في هذين الحديثين: حديث ابن أبي مليكة، وهذا _________ (١) انظر: حديث رقم (١٠٠٠٠). (٢) انظر: حديث رقم (١١٣٥٠).

стр. 93

الحديثُ اضطرابٌ (١). المطلب الثاني: أحكامُه على الرِّجال. وتعددت أحكامه في ذلك توثيقا وتجريحا أو إشارته إلى الاختلاف فمن أمثلة ذلك: ١ - يحيى بن صالح الوحاظي حسن الحديث، ولكنه صاحب رأي، وهو عديل محمد بن الحسن إلى مكة. وأحمد بن حنبل لم يكتب عنه (٢). ٢ - دُرُسْت بن سهل، أبو سهل التُسْتَري، كان حافظا (٣). ٣ - عبد الله بن جعفر المَخْرَمي ثقة (٤). ٤ - عمرو بن قيس السكوني عزيز الحديث (٥). ٥ - وقال: سهل بن محمد العسكري: أَنبلُ من سهلِ بن عثمان (٦). ٦ - أبو على الحسن بن أحمد بن محمد بن بكّار بن بلال الدمشقي قال أبو عوانة: هو قدري لكنّه ثقة في الحديث (٧). _________ (١) انظر: حديث رقم (٤٣٢٣). (٢) انظر: حديث رقم (٣٠٧٣). (٣) انظر: حديث رقم (٣٣٠١). (٤) انظر: حديث رقم (٦٨٦٥). (٥) انظر: حديث رقم (١٠٠٠٦). (٦) انظر: حديث رقم (٧٢٣٩). (٧) انظر: حديث رقم (٦٩٣٥).

стр. 94

٧ - أبو صالح فيه لين (١). ٨ - الحسن بن سليمان وكان حافظا (٢). ٩ - أحمد بن جميل المروزي: ثقة (٣). ١٠ - الأزرقي: ثقة شيخ من أهل مصر (٤). ١١ - الوليد بن صالح: ثقةٌ بغدادي (٥). ١٢ - قال: في سماع بكر بن عبد الله من المغيرة بن شعبة نظر (٦). وقال: اختلف أهل العلم في سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان (٧). _________ (١) انظر: حديث رقم (٤٥٧١). (٢) انظر: حديث رقم (٤٩١٢). (٣) انظر: حديث رقم (٢٥٤٧). (٤) انظر: حديث رقم (٢٦٠٨). (٥) انظر: حديث رقم (٢٧٢٩). (٦) انظر: حديث رقم (٤٤٧٢). (٧) انظر: حديث رقم (٤٢١٥).

стр. 95

المبحث العاشر: مؤلفاته: لا تكاد المصادر تذكر مؤلَّفًا لأبي عوانة غير كتابه المستخرج هذا، وبه اشتهر أبو عوانة وعُرِف، ولعلَّ عبارة عبد الغافر الفارسي يُفهم منها أنَّ لأبي عوانة مؤلفاتٍ أخرى حيث قال في ترجمة عبد الملك بن الحسن الأزهري -ابن ابن أخت أبي عوانة-: "وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته" (١). و"كتبه"، تشتمل ممتلكاته من الكتب؛ وربما شملت مؤلفاته؛ إن كانت له مؤلفات غير "المستخرج"، أما "مسموعاته" فهي المرويات، وهي كتبٌ لغيره يرويها هو بالسماع، على أنَّ الإمام الذهبي ﵀ نقل عن أبي عوانة نصَّ إجازة لجماعة، وهي مُشعِرة بأن "كتبه" مفسَّرة بِـ "مسموعاته" التي يرويها، فعطف المسموعات على الكتب من عطف التفسير، والله أعلم. قال الذهبي ﵀: "قد أجاز أبو عوانة أبا نعيمٍ جميع كتبه في وصيته له ولجماعة، فقال: قد أجزت لهم جميع كتبي التي سمعتها من جميع المشايخ منها كتب عبد الرزاق، كتب ابن أبي الدنيا، وأحاديث سفيان، وشعبة، ومالك، والأوزاعي، والتفاسير والقراءات ليرووها عني على سبيل الإجازة .... " (٢). _________ (١) انظر: المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور للصريفيني (ص: ٣٢٦). (٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٧١).

стр. 96

وقد عزا الكتاني إلى أبي عوانة كتابًا آخر ضمن كتب الشمائل النبوية، والسير المصطفوية، والمغازي، وهو كتاب "دلائل الإعجاز"، وتفرد بذلك، فإن صحَّت نسبته فلعله في عداد المفقود، والله أعلم (١). وأما مرويَّاته: فإضافة إلى ما سبق ذكره -من روايته لكتب أئمة الحديث كشعبة، وسفيان، ومالك- فله مرويات لكتبٍ مشهورة منها: ١ - روايته لأحاديث مختصر المزني. قال ابن الصلاح: "وقد سمعت بنيسابور أحاديث مختصر المزني، رواية أبي عوانة عنه، بإسنادها إليه" (٢). ٢ - روايته للعلل ومعرفة الرجال عن المرُّوذي، والميموني، وصالح بن أحمد بن حنبل عن الإمام أحمد بن حنبل (٣). _________ (١) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (ص: ١٠٦). (٢) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية (٢/ ٦٧٩). (٣) انظر: مقدمة العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية المرُّوذي، والميموني، وصالح بن أحمد للدكتور: وصي الله بن محمد عباس (ص: ١٩ - ٢٧).

стр. 97

المبحث الحادي عشر: وفاته: وبعد هذه الحياة العامرة بطلب حديث رسول الله ﷺ ونشره وروايته أدركت أبا عوانة منيتُه فتوفي في سَلْخِ ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة للهجرة النبوية، في بلدته إسفرايين (١). وقال عبد الغافر بن إسماعيل: توفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (٢). وهذا قولٌ مرجوحٌ لثلاثةِ أمور: الأمر الأول: ذكر الإمام الذهبي أنَّ أبا عوانة أجاز أبا نعيم جميعَ كتبه في وصيةٍ له ولجماعةٍ في شهر رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة للهجرة (٣). الأمر الثاني: أسند الإمام الذهبي إلى عبد الملك بن الحسن أنه قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحافظ سنة ٣١٦ للهِجرة … (٤). الأمر الثالث: نص كثير من العلماء على أن وفاته كانت سنة ٣١٦ هـ، منهم: ابنه محمد (٥)، وابن أخته الحسن بن محمد الإسفراييني (٦)، _________ (١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٩)، دول الإسلام (١/ ١٩١). (٢) التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (٢/ ٣١٨). (٣) انظر: السير (١٧/ ٧٢). (٤) المصدر نفسه (١٨/ ٣٤٣). (٥) المصدر نفسه (١٤/ ٤١٩). (٦) المصدر نفسه.

стр. 98

والسمعاني (١)، وابن الصلاح (٢)، وابن خلِّكان (٣)، والذهبي (٤)، وابن كثير (٥)، والسخاوي (٦)، والسيوطي (٧). وصرّح بترجيح هذا القول الإسنويُّ (٨)، والسُّبكيُّ (٩). أنها ما جاء في كتاب مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: "وقال حمزة بن يوسف توفي بجرجان سنة ثنتين وتسعين ومائتين" (١٠) فهو تصحيف، والصواب: "روى بجرجان سنة ثنتين وتسعين ومائتين" (١١) والله تعالى أعلم. ودُفِن -رحمةُ الله عليه- بإسفرايينَ على يسارِ الدَّاخلِ من باب مدينة نيسابور (١٢). _________ (١) انظر: الأنساب (١/ ١٤٤). (٢) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية (٢/ ٦٨٠). (٣) انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٤). (٤) انظر: السير (١٤/ ٤١٩). (٥) انظر: البداية والنهاية (١١/ ١٧٠). (٦) انظر: الإعلان بالتوبيخ (ص ٩٠). (٧) انظر: طبقات الحفاظ (ص ٣٢٧). (٨) انظر: طبقات الشافعية للإسْنوي (٢/ ٢٠٤). (٩) طبقات الشَّافعية الكُبرى للسُّبكي (٣/ ٤٨٨). (١٠) مختصر تاريخ دمشق (٢٨/ ٣٨). (١١) انظر: تاريخ جرجان ص (٤٩٠). (١٢) انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٤) بتصرُّف.

стр. 99

الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: بيان اسم الكتاب. المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلفه. المبحث الثالث: مصادره في كتابه. المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب. المبحث الخامس: درجة رجال أبي عوانة. المبحث السادس: دراسة موضوع الكتاب، وبيان معنى الاستخراج. المبحث السابع: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج. المبحث الثامن: أهمية كتاب أبي عوانة، وعناية العلماء به. المبحث التاسع: بيان منهج المؤلف في كتابه. المبحث العاشر: وصف النسخ الخطية، وتراجم رجال أسانيدها، ودراسة السماعات الموجودة عليها.

стр. 100

الفصل الثاني: دراسة الكتاب: المبحث الأول: بيان اسم الكتاب: اختلفتْ نُسَخُ مُستخرجِ الحافظِ أبي عوانة في تَسميته، كما تعدَّدتْ أسامِيه في إطلاقاتِ العلماء بعد الحافظِ أبي عوانة، ويرجِعُ الاختلافُ في ذلِك إلى عدمِ وُجُودِ نصِّ مؤلِّف الكتابِ يحَدِّدُ تسميتَه، حيثُ لم نقفْ على نصٍّ يُحَدِّدُ تسميةَ الكتاب في مقدِّمة المؤلِّف، ولا منقولًا عنه في مصادرَ أُخر. والإطلاقات التي وقفنا عليها في اسم الكتاب هي: ١ - مختصر أبي عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم مِمَّا ألَّفه على كِتاب مسلم بن الحجَّاج (١). ٢ - مختصر المسند الصحيح المؤلف على كتاب مسلم (٢). ٣ - المُسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم (٣). _________ (١) جاءت هذه التَّسمية على غِلافِ الأجزاء الخمسة لنُسخة دار الكُتب المصريَّة، كما جاءت أيضًا على غلاف المجلد الثاني من نُسخة مكتبة فيض الله أفندي بتُركيا- إستانبول. (٢) أطلقه الحافظ ابن الصلاح وتبعه على ذلك الإمام النووي، انظر: صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (ص ٨٩)، شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٤٥). (٣) أطلقه عليه ابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، وقريبٌ منه كلام الإمام الذهبي حيثُ قال: "المُسند الصَّحيح الذي خرَّجَه على صَحيح مُسلم". =

стр. 101

٤ - الصحِيح المُسند المخرَّج على صحيح مسلم (١). ٥ - الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم بن الحجاج (٢). ٦ - المسند الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم (٣). ٧ - المسند المصَحَّح المخرَّج على كتاب مسلم (٤). ٨ - المُسندُ المُخرَّج على كتاب مُسلم بن الحجَّاج (٥). ٩ - مسند أبي عوانة المخرَّج على صحيح مسلم (٦). ١٠ - مخرَّج أبي عوانة الإسفراييني الحافظ على كتاب مسلم (٧). ١١ - مخرَّجُ أبي عوانة الإِسفَراييني (٨). _________ = انظر: طبقات الشافعية (ص ١٠٤)، النُّجوم الزَّاهِرة (٣/ ٢٢٢)، السير (١٤/ ٤١٧). (١) أطلقه عليه الإمام الذَّهبي في تذكرة الحُفَّاظ (٣/ ٧٧٩). (٢) جاءت هذه التسمية في السَّماع الثاني الموجود بآخر المجلد الخامس من نسخة "كوبرلي". (٣) أطلقه عليه السبكي الطبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٤٨٧)، وابن خلِّكان في وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٣)، وابن عساكر حسب ما جاء في مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور (٢٨/ ٣٧) وصديق حسن خان في التاج المكلَّل (ص ١٤٥). (٤) أطلقه عليه ياقوت الحموي في معجم البلدان (١/ ١٧٨). (٥) أطلقه عليه فؤاد سزكين في كتابه: تاريخ التراث العربي (١/ ٣٤٣). (٦) أطلقه عليه ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم (ص ٢٥٥). (٧) أطلقه عليه ذلك الحافظ ابن الصلاح أيضًا في المرجع نفسه (ص ٢٣٥). (٨) من تسمية ابن الصلاح أيضًا في المرجع السَّابق (ص ٢٥٦، ٢٧٢).

стр. 102

١٢ - المسند الصحيح على صحيح مسلم بن الحجاج القُشَيري (١). ١٣ - كتاب أبي عوانة الإسفراييني المخرَّج على شرط مسلم (٢). ١٤ - كتاب أبي عوانة المخرَّج على مسلم (٣). ١٥ - مختصر المسند الصحيح على مسلم (٤). ١٦ - الصحيح المستخرج على مسلم (٥). ١٧ - المستخرج على صحيح مُسلم بن الحجاج (٦). ١٨ - صحيح أبي عوانة (٧). _________ (١) سماه بذلك السمعاني في الأنساب (١/ ١٤٣). (٢) أطلقه عليه ابن الصلاح في صيانة مسلم (ص ١٤٦). (٣) من إطلاق ابن الصلاح أيضًا في المرجع نفسه (ص ٢٠٧). (٤) سماه بذلك حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٥٥٦)، وصديق حسن خان القنوجي في الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص ٢٠٣). (٥) قال به الإمام ابن كثير في البِداية والنِّهاية (١١/ ١٥٩)، والإمام السَّخاوي فِي الاعلان بالتوبِيخ (ص ١٧٨). (٦) قالَه العِراقي في شرحه على التبصرة والتذكرة (١/ ٥٨) وإسماعيل باشا البغدادي في هديَّة العَارِفين (٢/ ٥٤٤). (٧) أطلَق ذلك عليه ابنُ نقطة في التقييد (٢/ ٢٦) وتكملة الإكمال (٤/ ٢١٥)، وابنُ كثير في الباعث الحثيث (ص ١٠٩)، وابنُ الملقن في تحفة المحتاج في مواضع من كتابه (١/ ٢٢٨)، والحافظُ ابن حجر في فتح الباري في مواضع كثيرة منه (انظر: المصنَّفات الواردة في فتح الباري لمشهور حسن سلمان ص ٢٦٦)، والرُّودانِيُّ في صلة الخَلَف =

стр. 103

١٩ - مستخرج أبي عوانة (١). ٢٠ - مُسند أبي عوانة (٢). ٢١ - الصحيح المسند (٣). ٢٢ - المُسند (٤). والأقرب -والله أعلم- في تَسميةِ الكتاب العلميَّة، هو تسميتُه بِـ "المسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم"، وذلك لأمُور: أوَّلا: اختلافُ أهل العلم في اسم الكتاب، هو من باب الاقتصار بتسمية الكتاب بأحد الأوصاف التي يشملها موضوعُ الكتاب، فوصفوه بِـ: المسنَد، والمختصر، والصحيح، والمستخرج، والمخرَّج على: "مسلم / كتاب _________ = بموصول السلف (ص ٢٨٣)، ومحمد بن أحمد الفاسي المكي في ذيل التقييد (٢/ ٢٠٠) وحاجي خليفة في كشفِ الظنون (٢/ ١٠٧٥). (١) قاله الحافظ ابن الملقن في مواضع من تحفة المحتاج (١/ ٥٥٨، ٥٦٥) والحافظ ابن حجر في مواضع من الفتح (١/ ٤٤٨). (٢) جاء هذا الاسم على غلاف النسخة الطاشقندية، وعلى غلاف المجلد الثالث والخامس من نسخة "كُوبرلي"، وعلى السماع المثبت آخر نسخة مكتبة خدا بخش، وقاله من العُلماء القاسم بن يوسف التُّجيبي في برنامجه (ص ١٢٣). (٣) قاله الذَّهبي في العبر (٢/ ١٧١)، وابن العِماد في شذَراتِ الذَّهب (٢/ ٢٧٤). (٤) قاله عبد الغافِر الفارِسِي في المُنتخب من السِّياق لتاريخ نَيسابور (ص ٣٥٦) والحافظ ابن الصَّلاح في طبقاتِ الفقهاءِ الشَّافِعية (٢/ ٦٧٩).

стр. 104

مسلم / صحيح مسلم" ونحوه، فأمَّا وَصفُه بالمسندِ فواضحٌ من حيثُ أسانيده المتَّصِلة، ووصفُه بالمختصرِ لعدمِ استيعابه جميعَ الأحاديثِ النَّبوية (١)، ووصفُه بالصَّحيح باعتبارِ أغْلَبِ أحَادِيثه، ووصفُه بالمخرَّج والمستخرَج باعتبار النظر إلى موضوعه (الاستخراج)، فهذه الأوصافُ السابقة الذكر تصدُقُ على هذا الكتاب منفردةً ومجتمعةً، ولكنَّها بمجموعها تدلُّ على موضوع الكتاب ومحتواه بدقة، فيُستَحسَنُ وصفه بمجموع تلك الأوصاف. ثاني: تصرُّف العلماء في اسم الكتاب تصرُّفٌ سائغٌ معمولٌ به بين أهل العلم يلجؤون إليه لأجل الاختِصار في اسم الكتاب، خاصَّةً إذا كان اسم الكتاب طويلًا، ومن هذا القَبيلِ تصرُّفهم بالاختصار في اسم صحيح _________ (١) ومن هذا القَبيل: تسميةُ الإمامِ البُخاري صحيحَه: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسُننه وأيامه، وتسميةُ الإمام مسلم صحيحَه أيضًا: "المسندُ الصحيح المُختصر من السُّنن، بنقل العدلِ، عن العدلِ، عن رسول الله ﷺ ، وتسمية الإمام الترمذي جامعَه بِـ "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، وغير ذلك من المصنِّفين الذين وصفوا كُتبهم بِـ "المختصر" للسَّبب الذي بَيَّناه أعلاه. انظر: مقدمة الحافظ ابن الصلاح (ص ٢٦)، فهرست ابن خير الإشبيلي (ص ٨٢، ٨٥)، ما تمسُّ إليه حاجة القاري من صحيح البخاري للإمام النووي (ص ٣٩)، تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي للشَّيخ عبد الفتاح أبي غدة، (ص ٩، ٣٣، ٥٥).

стр. 105

البخاري، وصحيح مسلم وصحيح ابن خُزيمة، وجامع التِّرمذي (١). ثالثا: تسميةُ الكتاب بِـ "المُسند الصحيح المخرَّج على صَحيح مُسلم"، تسميةٌ جامعةٌ لجميعِ الأوصافِ التي وردتْ في كلام العُلماء، وأطلقها أكثرُ العُلماء، منهم ابن عساكر، وابن خلّكان، والذَّهبي، وابن قاضِي شهبة، وابن تغري بردي، وياقوت الحَموي، والسُّبكي، وصدِّيق حسن خان، على اختلافٍ في إطلاقيْ الإمام الذَّهبي في تقديم وتأخير بعض الأوصاف في الاسم، وذكرِ الحَموي والسُّبكي وابن عساكر وابن خلكان "كتابَ مسلمٍ" بدلَ "صحيحِ مسلمٍ" كما تقدَّم، وقريبٌ منها بعضُ إطلاقات الحافظ ابن الصلاح والاسم الذي وسمه به فؤاد سزكين (٢)، والتَّسميةُ التي جاءت في السَّماع الثاني الموجود بآخر المجلد الخامس من نُسخة "كوبرلي". أما إضافةُ وصف "المختصر" إلى التَّسمية الراجحة فكان تركه لأمرين: الأول: قلَّةُ من ذكره من العُلماء، مقارَنةً بالتَّسمية الراجحة الشامِلة للأوصافِ التي وردتْ مجتمعةً في إطلاق أكثر العُلماء، ومنثُورةً في إطلاقِ الباقين. الثاني: أنَّه وصفٌ محتمل، فقد يكُون من وصْفِ بعض العُلماء للكِتاب، لأنَّه لم يستوعِب جميعَ الأحاديث. _________ (١) انظر المراجع السابقة. (٢) انظر: تاريخ التراث العربي (١/ ٣٤٣).

стр. 106

المبحث الثاني: توثيق نسبه الكتاب للمؤلف: كتاب المستخرج على صحيح مسلم الذي بين أيدينا، ثابت النسبة إلى أبي عوانة الإسفراييني، للأمور التالية: ١ - كلُّ من ترجم لأبي عوانة ﵀ نسب هذا الكتاب إليه، على اختلافٍ بينهم في التعبير عن اسم الكتاب كما سبق. ٢ - اتفقت جميع النسخ الخطيَّة على نسبة الكتاب إلى أبي عوانة الإسفراييني في غلاف النسخ، وفي السماعات الموجودة بها. ٣ - صحة أسانيد الكتاب -المثبتة في مستهلِّ أكثر النسخ- إلى أبي عوانة، كما سيأتي بيانه في مبحث وصف النسخ الخطية للكتاب. ٤ - كثرة سماعات العلماء لهذا الكتاب، ومنهم علماء أجلَّة، وسيأتي بيان ذلك أيضًا في المبحث المذكور. ٥ - ضمَّن الحافظ ابن حجر أسانيد أحاديثه مع أطراف متونه في كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة" ونسبها لأبي عوانة، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ٦ - أغلب الشيوخ الذين روى عنهم أَبو عوانة في كتابه هذا، نصَّ العلماء على أخذ أبي عوانة عنهم، وتتلمُذه عليهم. ٧ - نقولاتُ بعض العلماء من هذا الكتاب ونسبة تلك النقولات إليه، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب، ومن هؤلاء:

стр. 107

أ- ابن الصلاح في كتابه "صيانة صحيح مسلم (١) ". ب- المزي في "تهذيب الكمال (٢) ". جـ- ابن حجر العسقلاني في كتابيه "فتح الباري (٣) "، و "النكت الظراف (٤) ". فكلُّ هذه الأمور تؤكد صحة نسبة الكتاب إلى أبي عوانة ﵀. _________ (١) انظر مثلًا: صيانة صحيح مسلم (ص: ١٤٦) و (ص: ٢٣٥) و (ص: ٢٥٥) و (ص: ٢٥٦) و (ص: ٢٨٠)، وقارن -بالترتيب- بحديث رقم (١٤ - ١٥)، وحديث (١١٨ - ١١٩)، وحديث (٥٤)، وحديث (٢٤٢)، والتعليق عقب الحديث (٢٥٧) في مستخرج أبي عوانة. (٢) انظر: تهذيب الكمال (٥/ ٤٨٠) و (١٧/ ٤٠٣)، وقارن بحديث (٤٤)، وحديث (١٦٧) في مستخرج أبي عوانة. (٣) انظر على سبيل المثال: فتح الباري (١/ ٢٢، ٢٩، ٣١٤)، ونقولات الحافظ ابن حجر من كتاب أبي عوانة كثيرة جدًّا، وقد أحصى الشيخ مشهور حسن سلمان ما ورد من ذلك في فتح الباري. انظر: معجم المصنفات الواردة في فتح الباري له (ص: ٢٦٦ - ٢٦٧) و (ص: ٣٦٥). (٤) انظر: النكت الظراف لابن حجر (٩/ ٤٨٣ - ٤٨٤) (مطبوع بهامش: تحفة الأشراف للمزي)، وقارن بحديث (٥٤) هنا.

стр. 108

المبحث الثالث: مصادره في كتابه. عاش أَبو عوانة -رحمه الله تعالى- في الفترة (٢٣٠ - ٣١٦ هـ) التي كانت قد صُنِّفَتْ فيها أمهاتُ المصادر في علم الحديث من الصِّحَاح، والسُّنَنِ، والمسانيد، وغيرها، ومع ذلك فإن العلماءَ في تلك الحقبة من الزمن عُنُوا بالسماع والتلقّي عن الشيوخ، والرحلة في طلب الحديث، ولم يقتصروا على الأخذ من المصنفات الحديثية. ورحلات أبي عوانة إلى الآفاق كانت من ثمار هذا الدافع، فقد مكَّنَتْه رحلاتُه من الالتقاء بعدد كبير من المشايخ -كما سبق- فروى عنهم ما دوَّنه في هذا السِّفْرِ العظيم. ولأن مادة الكتاب مادة حديثية؛ فسنكتفي بدراسة مصادره الحديثية، حيث تنوعت إلى عدة أنواع: النوع الأول: الرواية: وهذا النوع هو الغالب على طابع الكتاب، فالإمام أَبو عوانة إمام رحَّال طاف البلدان، ورحل إلى الأمصار، ولقي أئمة الحديث أصحاب الرواية فأخذ عنهم، فمنهم من أكثر عنهم كأبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، ومحمد بن يحيى الذهلى، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد ابن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن جعفر الصائغ، ومحمد بن رجاء السندي -وله كتاب مخرج على صحيح مسلم (١) - ويونس بن مسلم [¬*] وغيرهم. _________ (١) انظر السير (١٣/ ٤٩٢). _________ [¬*] قال أحمد بسيوني: كذا في المطبوعة: (يونس)، ولعل صوابه: (يوسف)، وانظر تعليقنا على حديثي (٤٨٤٦، ٨٤٠٩)، وهو يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي.

стр. 109

ومنهم من روى عنهم ولكنه لم يكثر عنهم، كابن المنادي، وهلال ابن العلاء الرقي، وأبي قلابة الرقاشي، وغيرهم. ومنهم من روى عنهم الحديث والحديثين، كمحمد بن عامر المصيصى، وعبد المؤمن بن أحمد، ويعقوب بن إسحاق القلوسي وغيرهم. النوع الثاني: ما سمعه من شُيوخه من المصنَّفات والكتب والصحائف الحديثية (١): ذكر الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني (ت ٤٠٠ هـ)، أن أبا عوانة قد أجاز له جميع كتبه في كتاب كتبه، في وصية له ولجماعة فقال: "قد أجزت لهم جميع كتبي، التي سعتها من جميع المشايخ، منها كتب عبد الرزاق، كتب ابن أبي الدنيا، وأحاديث سفيان، وشعبة، ومالك والأوزاعي، والتفاسير، والقراءات، ليرووها عني على سبيل الإجازة، في رمضان سنة خمس عشرة وثلاث مائة (٢) " أهـ. فهذا النص يدل على أن أبا عوانة كانت عنده كتب سمعها من مشايخه قد أجيزت له، ومن طريقها كان يقتبس بعض المرويات. ومن الكتب التي نقل منها أَبو عوانة بعض الأحاديث ما يلي: ١ - صحيفة همام بن منبه، برواية السلمي عن عبد الرزاق عن _________ (١) انظر: السير (١٧/ ٧٢). (٢) المصدر نفسه.

стр. 110

معمر عن همام. ٢ - موطأ الإمام مالك بن أنس. ٣ - كتاب القدر لعبد الله بن وهب. ٤ - مسند أبي داود الطيالسي، برواية يونس بن حبيب. ٥ - مصنفات الشافعي برواية الربيع بن سليمان، والمزني عنه. ٦ - مصنف عبد الرزاق برواية الدبري. ٧ - مسند الحميدي، من طريق بشر بن موسى الأسدي، وابن أبي مسرة. ٨ - سنن سعيد بن منصور. ٩ - مسند مسدد بن مسرهد الأزدي. ١٠ - المصنفات عن يحيى بن معين. ١١ - المسند للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله. ١٢ - صحيح الإمام مسلم. ١٣ - السنن لأبي داود السجستاني. ١٤ - مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة داهر. ١٥ - السنن الكبرى والصغرى للنسائي. ١٦ - كتاب الجزية ليونس بن عبد الأعلى. ١٧ - كتاب العلم ليونس بن عبد الأعلى. ١٨ - كتاب الصمت وأدب اللسان لابن أبي الدنيا.
следующие страницы →