Полный текст (1 291 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأبو حنيفة (وأبي أيوب). وأجاز ذلك طائفة على الإطلاق [اعتمادًا] على حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ -أن نستقبلها وأجاز مالك ذلك في المدائن دون الصحاري جمعًا بين الأحاديث، وأجاز قوم الاستدبار، ومنعوا الاستقبال، اعتمادًا على حديث ابن عمر. والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن فيه إعمال الأحاديث والجمع بينهما، فهو أولى من ادعاء النسخ.
واختلف المذهب في النهي عن ذلك، هل النهي لحرمة القبلة فيمنع مطلقًا، أو لحرمة المصلين فيمنع حيث يكون المصلي وفيه قولان. واختلف المذهب أيضًا على قولين في التجريد هل تجري إجماعًا على مجرى قضاء الحاجة أم لا؟ وسبب الخلاف النظر في تحقيق المناط.
стр. 107
قوله: "ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق": قلت: النهي عن التخلي في الموارد (والطرقات) وقد (أمر) رسول الله ﷺ -فاعل ذلك خرجه أهل الصحيح، وذلك لما فيه من الضرر العام، وثبت نهيه ﷺ -عن البول في الماء الدائم لأنه أفسده، وأجازه في الجاري، إذ لا يفسد بذلك.
قوله: "ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحدث": هذا (محمل) على الكراهية.
قوله: "وإذا أراد الاستنجاء فبشماله": قلت: النهي عن الاستنجاء باليمين ثابت عن النبي ﷺ ، والأمر فيه بين لما منع الاستنجاء به صحيح محرم، وقال به بعض أهل العلم، اعتمادًا على النية.
قوله: "والأفضل (له) أن يجمع بين الماء والأحجار": أجمع العلماء على أن الجمع أفضل لقوله تعالى: ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: ١٠٨] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يجمعون بين الأحجار والماء. وذكر أبو
стр. 108
داود أنهم كانوا يستنجون بالماء. وروى الشافعي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : (يا أهل قباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم).
وأجمع جمهور العلماء على أن الآية نزلت في أهل قباء، وشك بعضهم فقال: إن المسجد المذكور في الآية، هو مسجد المدينة، وهو أصح.
وأجمع العلماء على جواز الاقتصار على الماء، وأجمعوا على جواز الاقتصار على الاستجمار مع عدم الماء، واختلفوا هل يجوز الاقتصار مع وجود الماء أو لا يجوز، والمشهور جوازه اعتمادًا على أنهم كانوا في الصدر الأول يقتصرون عليه، وأباه ابن حبيب، وتأول ما كان يفعله الصدر (تأويلاً) ضعيفًا.
وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "غسل اليدين نجاة" وقال سعيد بن المسيب، وقد سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: "إنما ذلك وضوء النساء" والجمهور على خلافه.
قوله: "فإن انتشر (عن) ذلك الموضع لم يجزئه إلا الماء": وهذا كما ذكره، لأنه لا يخرج حينئذ عن حكم الاستنجاء، وفيما قرب المخرج قولان، فقيل: لا يزال إلا بالماء، وقيل: يزال بالأحجار وبالماء، على أن ما قرب
стр. 109
الشيء حكمه كحكمه.
قوله: "ويستحب له أن يأتي بالثلاثة": وهذا كما ذكره لقوله ﵇: (من استجمر فليوتر)، وقد اختلف العلماء هل المطلوب الإنقاء فقط، أو الإنقاء والعدد، ومذهب مالك أن العدد يستحب، واختلفت الرواية هل يجوز الاقتصار على ثلاثة للمخرجين، أو يطلب لكل واحد منهما وترًا، وفيه قولان، وكذلك اختلفوا هل يعم بكل حجر جميع المخرج، أو يجعل حجرين للجانبين، وثالث لوسط المخرج، والأول مشهور المذهب. واختلفوا إن اقتصر على حجر واحد له ثلاثة شعب، هل يجزئه أم لا؟ والصحيح حصول الإجزاء، بناء على أن المقصود النظافة والاستطابة.
قوله: "وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء": وهذا كما ذكره. وقد شد قوم فقصروا الاستجمار على الأحجار، والتراب وما في معناه.
قوله: "ويكره له العظم والبعر": لأن فيه حقًا للجن، والبعر أنه ملوث، وفي الحديث: (ولا تقربني حائلاً ولا رجيعًا) (ومن
стр. 110
إجزائه) "أخذ الحجرين ورمى الروث، وقال: إنها نجس". وقال الشافعي: إذا استنجى بالعظم لا يجزئه، وفي بعض الآثار أن عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ، وفي إسناده ضعف.
قال القاضي ﵀: "ومَن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة ... " إلى آخر الفصل.
شرح:
اختلف المذهب في إزالة النجاسة على أربعة أقوال:
الأول: إنها فرض مطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر ... ﴾ الآية، وقد قيل: إن المراد القلب؛ لأن الآية مكية [نزلت] قبل نزول الوضوء، وفيه نظر؛ لقوله ﵇ في حديث المعذبين: (إنهما يُعذبان، وما يُعذبان في كبير ... ) الحديث، وفي بعض روياته: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ)، وفي آخَر: (لا يستبرئ مِن بول).
стр. 111
الثاني: إنها واجبة مع الذِّكر ساقطة مع النسيان؛ اعتمادًا على حديث النعلين، خرجه أبو داود، وفيه: (أن النبي ﷺ خلعهما وهو في الصلاة، فاتبعه الصحابة عندما أخبره جبريل أن فيه قذرًا ... ) الحديث.
الثالث: إنها مستحبة؛ اعتمادًا على حديث سلى جزور.
الرابع: إنها سنة.
وعلى ذلك يترتب الخلاف في صلاة مَن صلى ولم يستجمر ولم يستنج، فقيل: يُعيد أبدًا، وقيل: يُعيد في الوقت، وقيل: إن كان عامدًا أعاد أبدًا وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت. واختُلِف في وقت الصبح، وقيل: يعيدها ما لم يقع الإسفار، وقيل: ما لم تطلع الشمس، وهو مبني على الخلاف في الإسفار: هل هو وقت اختيار أو وقت اضطرار؟ والخلاف فيه مشهور. واختلف في وقت الظهر والعصر، فقيل: الإصفار، وقيل الغروب.
قوله: "ويكره له البول قائمًا": اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
فمنهم مَن حرَّمه؛ اعتمادًا على النهي الثابت في حديث عائشة: (مَن حدَّثكم أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقوه).
ومنهم مَن كرهه.
ومنهم مَن
стр. 112
أباحه، اعتمادًا على حديث السباطة وفيه: (أنه بال قائمًا)، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال البول: قائمًا أحصن للدبر. وقيل: إن العرب تستشفي بالبول قائمًا، وقيل: إنما فعله ﵇ -لمرض، وقيل: لنجاسة الموضع.
قال القاضي ﵀: "كل مائع يخرج من أحد السبيلين" إلى آخره.
قلت: هذا كما ذكره، ولا خلاف بين العلماء في نجاسة ما خرج من أحد السبيلين إلا المني، ففيه خلاف بين العلماء. فقال الشافعي: هو طاهر ويجزئ فركه، اعتمادًا على حديث عائشة، وقال مالك وأصحابه: هو
стр. 113
نجس، لأنه جرى مجرى البول ومخرجه، مع الاعتماد على الأحاديث المقتضية غسله أيضًا، وفرق قوم بين الرطب واليابس، فأجازوا فرك اليابس، وغسل الرطب، واختلفوا فيما خرج من فرج المرأة (من دم) هل هو نجس أجراه مجرى سائر المائعات الخارجة منه، أو طاهر أجراه مجرى عرقها.
قوله: "والدماء كلها نجسة، (من إنسان أو حيوان له نفس سائلة) تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها": هذا فيه تسامح لأن ظاهر الجواز يقتضي إباحة دخول الصلاة بالدم اليسير وهو ممتنع، وإنما الرخصة في العفو منه (بعد) رؤيته في الصلاة إلا دم الحيض ففيه روايتان، الأمر كما ذكره، فقيل: إنه كسائر الدماء يعفى عن يسيره، قيل: لا يعفى عن يسيره، ولا عن كثيره، لأن الله تعالى سماه "أذى"، وهذا فيه نظر، لأن كل نجس أذى، واختلفوا في دم الحوت هل هو نجس أجراه مجرى سائر الدماء، أو
стр. 114
طاهر لكونه غير مسفوح، قاله ابن القاسم.
مسألة: قليل النجاسة وكثيرها سواء لا يعفي عنه سوى الدم عند مالك، وقال الشافعي: النجاسات كلها سواء، الدم، وغيره لا يعفى عن قليلها ولا كثيرها بدليل حديث العرى وقال أبو حنيفة: قدر الدرهم من جميع النجاسات معفو عنه، وما زاد على ذلك يجب إزالتها، والدليل على خلاف قوله، حديث العرى، وظاهره الإطلاق في يسير البول وكثيره، وإنما رأى مالك العفو عن قليل الدم لعدم الانفكاك عنه والتحرز منه، وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه يغسل ما قل من الدم وكثر كقول الشافعي.
فرع: إذا قلنا إن اليسير من الدم معفو عنه، فقد اختلف في حد اليسير، فحكى الداودي عن مالك أنه لا حد له، لقلوه في دم البراغيث أنه يغسل إلا أن ينتشر، وروى علي بن زياد في المجموعة عن مالك أن مقدار الدرهم من الدم لا تعاد الصلاة منه، ولكن تعاد من الفاحش الكثير المنتشر، وقال ابن حبيب: سئل مالك عن قدر الدرهم فرآه كثيرًا، وروى قدر الخنصر قليلاً.
стр. 115
قال المصنف عفا الله عنه: قدر ما فوق الدرهم كثير، وقدر القيراط فما دونه يسير، واختلفوا فيما بينهما، هل هو في حد اليسير أو الكثير، فيه قولان في المذهب، وقال ابن قتيبة: إن الدرهم الصنجي قليل ولو كان هو الماء، بحيث لو انتشر لعم جميع الثوب، وهذا فيه نظر، وقد قيل: إن قدر الدرهم كحافر البغل. قال ابن حبيب: من لم يغسل موضع المحاجم من الدم حتى صلى لم يعد. وفي العتبية عن أشهب: من جفف من غسل في ثوب فيه دم ألا يخرج بالتجفيف، فلا شيء عليه، وإن كان فيه دم كثير يخاف بلل التجفيف فليغسل داره منه.
فرع: إذا ألقى عليه في صلاته نجس قال سحنون: أرى أن يبتدئ صلاته، وقال أبو الفرج: يتمادى على صلاته وإن أمكنه طرحه، وكذلك
стр. 116
اختلفوا إذا رأى نجاسة في ثوبه في أثناء الصلاة: فروَى ابن القاسم عن مالك: أنه يقطع الصلاة، وقال غيره: يتمادى ويعيد إيجابًا أو استحبابًا على اختلاف في إزالة النجاسة هل هي فرض أم لا؟ وقال أبو الفرج: إن خف طرحه تمادى في صلاته ولم يقطعها.
وذكر القاضي: أن الأبوال تابعة للحوم، وهو أصل مذهب مالك في الألبان والأبوال.
وقال الشافعي بعموم نجاسة الأبوال.
والمعتمد لنا: حديث العرنيين، أباح لهم النبي ﷺ شُرب أبوال الإبل وألبانها، وتأوله الشافعي على أنه محل ضرورة. واحتج علماؤنا بحديث طوافه ﵇ على البعير ولا يُؤمَن منه الحدث. ولا حجة فيه.
قوله: "وأجزاء الميتة كلها نجسة إلا ما لا حياة فيه":
هو كما ذكره، أن ما تحله الحياة ينجس بالموت، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت.
واختلف المذهب في أنياب الفيل على أربعة أقوال: التحريم، والكراهية، والإباحة، والفرق بين أن يسلق فينتفع به كالمدبوغ أو لا يسلق فلا ينتبع به.
قالوا: وأطراف القرون التي لا تؤلم البهيمة بقطعها ولا تنمو بنفسها ميتة.
وكذلك خصية الفحل تبقى معلقة بعد الخصي ميتة أيضًا؛ لأن نمو الحياة قد انقطعت عنها بانقطاع نموها.
ولو حلب من الشاة الميتة لبنٌ بعد موتها لم
стр. 117
يُشرَب، وقيل إنه يُشرَب؛ لأنه لو أخذ منها في حال حياتها لم يضرها.
ولو ماتت دجاجة فوُجدَت فيها بيضة؛ فهي نجسة في المشهور.
قوله: "وجلود الميتة كلها نجسة لا يطهرها الدباغ":
تعقَّبه عليه بعض شيوخنا؛ لأن لفظه معارِض لنص قوله ﵇: (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر). والأولى أن يقول: إنما يطهرها الدباغ طهارة خاصة.
وقد اختلف المذهب فيه على قولين: فقيل: إنما يطهرها طهارة عامة، وقيل: طهارة خاصة.
وفائدة الخلاف: هل يُباع أم لا؟ فيه قولان.
وهل يُستعمَل في اليابسات فقط؟ أو المائعات واليابسات؟ فيه قولان جاريان على ما ذكرناه مِن عموم الطهارة أو خصوصها، والظاهر العموم.
стр. 118
باب في التيمم
قال القاضي ﵀: "وفصوله خمسة" إلى قوله: "وأما جوازه لتعذر الاستعمال".
شرح: التيمم يقال: تيممتك أي قصدتك مخففًا ومشددًا إذا قصدك وهو في الشريعة طهارة ترابية توجب مع الإضرار دون الاختيار، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة. كما قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي اقصدوا. وحديث العقد ثابت، وبسببه أنزل الله آية التيمم، وقد قال ﵇: (إنما يكفيك ضربة لوجهك ويديك).
стр. 119
قوله: "فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حدثًا أعلى أو أدنى": هذا مذهب الجمهور، وقد نقل عن ابن مسعود وغيره أن الجنب لا يتيمم، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب والجمهور على خلافه والقائلون بأنه تيمم اختلفوا إذا وجد الماء هل يلزمه استعمالها أم لا؟ فقال الجمهور: إن وجود الماء ناقض لهذه الطهارة. وقال أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف لا يلزمه استعمال الماء، والدليل على خلاف ما ذهب إليه قوله ﵇: (فأمسسه جلدك).
قوله: "فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله": وهذا كما ذكره، وحكمه أن يزيل به إذا كان عليه، فأما إن لم يكن عليه، إذا لم يلزمه استعماله وعدمه لشربه هذا عند الجمهور إلا من شذ (تعولاً) من الشواذ، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ وهذا واجد الماء، وهو ضعيف في النظر. والمعنى: فإن لم تجدوا ماء كافيًا، فعليه يدل السياق.
قوله: "وذلك بأن يدخل الوقت": بيان أنه لا يتيمم قبل الوقت وبه قال الجمهور: بناء على أنه لا يرفع الحدث.
стр. 120
قوله: "وأما ما يخص فهو عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه": وهو مذهب الجمهور لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾ واشترط في استعمال التيمم نفي الوجود، وليس يتحقق ذلك إلا بعد طلب الماء، وقد شذ قوم من أهل العلم فلم يوجبوا الطلب واستعمال (الأسباب) وهذا باطل، ولزمه الشراء بقدر ما لا يحجف به، وليس فيه حد محصور.
قال ابن الجلاب: ويمكن أن يحد بالثلث بناء على أنه يسير، أو ذلك مختلف بحسب الأحوال. وذكر في تعذر الاستعمال وجوهًا، منها: متفق عليه في المذهب، وهو لخوف التلف، ومنها مختلف فيه، وهو ما دون ذلك، وشد الحسن بن جبير، فقال: يجب عليه استعمال الماء ولو خاف التلف. ونص الكتاب والسنة يرد عليه: قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] وقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] وفي حدي أبي داود: (ما لهم قتلوه قتلهم الله، ألا تسألوا، إذ لم يعلموا) وخوفه على نفسه من لصوص أو سباع مبيح الانتقال إلى التيمم، فإن خاف تلف ماله فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور الإباحة لأن دين الله يسر، وأما إذا خاف إن تشاغل به فوات الوقت، فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، فروى البغداديون عن المذهب أنه يتيمم محافظة على الوقت، وقيل: لا يتيمم، ويلزمه استعمال الماء لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾
стр. 121
واختلفوا إذا خاف فوات الجمعة بذهابه إلى النيل، والجمهور على أنه يجب عليه طلب الماء. وقال: أهل الظاهر يبيح له الانتقال إلى التراب. والخلاف مبني على وجوبه أو نفيه.
قوله: "أو أن يخاف على نفسه أو إنسان يراه التلف": أطلق ولم يفرق، ولا خلاف أن المسلم مقدم، وأن خوفه تلفه مبيح لانتقاله إلى التيمم، وهل يقدم الكافر، أم تقدم الصلاة عليه؟ لم أر فيه نصًا. قال بعض الشيوخ: يحتمل الخلاف.
قوله: "بل يجوز للحاضر والمسافر": أما المريض والمسافر فالإجماع على أنهم من أهل التيمم، واختلفوا في المرض هل هو عام في كل مريض أو مخصوص، والظاهر أنه للمريض المانع من استعمال الماء لخوف شديد. واختلفوا أيضًا في السفر المبيح للتيمم، فقيل: السفر المبيح لقصر الصلاة، وقيل: هو عام في كل سفر. واختلفوا في الحاضر الصحيح، هل يباح له التيمم عند الماء أم لا؟ وفيه قولان في المذهب جاريان على الخلاف في المفهوم هل هو حجة أم لا؟.
قوله: "فأما صفة التيمم فهي أن يضع يديه على الأرض": قال بعض الشيوخ: مضموم الأصابع في الضربة للوجه، (ومفترقهما) في الضربة الثانية لليدين، لأنه لو فتح أصابعه في شربة الوجه لتعلق به التراب، فمسح حينئذ بتراب قصد به مسح الوجه، فيكون كالماء المستعمل، وزاد بعض الشيوخ: ويجعل أطراف الأنامل على الصعيد، ويمسح وجهه كله كما
стр. 122
يفعل في الوضوء فشذ قوم من أهل العلم فقالوا: يقدم اليدين على الوجه، وهو قول الأوزاعي. قال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قدم الوجه، وإن شاء قدم اليدين. ومبنى المسألة على الخلاف في "الواو" هل ترتب، أم لا؟.
ومنتهى اليدين في المسح المرفقان قياسًا على الوضوء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وقال علي بن أبي طالب وابن المسيب والأعمش والأوزاعي وعطاء وأحمد وإسحاق: يمسحهما. وقال الزهري: يبلغ بالتيمم إلى الآباط والمناكب، وهو قول محمد بن مسلمة، ولا دليل عليه. واختلفوا إذا اقتصر على الكوعين، وقلنا: إنه يقتصر، أو اقتصر على ضربة واحدة، وقلنا: إنه لا يقتصر، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد أبدًا، وقيل: يعيد في الوقت.
فرع: هل ينفض يديه من التراب أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه فقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال الشافعي: لا بأس به، وقال أحمد: لا يبالي
стр. 123
نفض أو لم ينفض، وصح النفخ فيهما من حديث عمار بن يسار وهو أصل في الباب.
قوله: "فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها": وهذا يجوز بكل ما هو على وجه الأرض. قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾. واختلف العلماء في الصعيد، فقيل: وجه الأرض ترابًا كان أو غيره قاله ابن الأعرابي. وقال: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال غيره: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب الأرض ذي غبار، وقال: الصعيد الأرض نفسها. واختلفوا في الطيب، فقيل: الطاهر، وفيل: (المذهب)، وعلى هذا اختلفوا، هل يجوز التيمم على السباخ أم لا؟ والجمهور على جوازه خلافًا
стр. 124
لمجاهد، بناء على أن الطيب المنبت. واختلفوا في غير التراب هل ينزل منزلة التراب أم لا؟ وفيه قولان في المذهب والجمهور على أنه ينزل منزلته مع وجود التراب وعدمه تعلقًا بلفظ الصعيد، وقيل: لا ينزل مع وجوده لقوله ﵇: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وعموم قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وقال ﵇: (الصعيد الطيب كافيك) وفي رواية: (التراب كافيك). واختلفوا في المصنوعات، والمشهور من المذهب المنع لأنه (تغيرته) الصنعة، واختلفوا فيما لا يلصق باليد من التراب المنقول، والرمل الذي تسفيه الرياح هل يتيمم عليه أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان، واختلف في الملح على قولين: أحدهما: جواز التيمم لدخوله تحت الصعيد. الثاني: في ذلك لأنه بناء على منفعة. الثالث: جوازه في المعدن دون السبخ، لأن السبخ منفعته حقيقة، بخلاف التيمم.
قال القاضي ﵀: "ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض" إلى قوله: "ففيه روايتان".
شرح: اختلف المذهب هل يجوز الجمع بين فرضين بتيمم واحد م لا؟ والمشهور المنع، بناء على وجوب الطلب، وقيل: إنه جائز مطلقًا، وقيل: إنه
стр. 125
جائز في المشتركة الوقت خاصة، لأنها كصلاة واحدة، وقيل: إنه جائز في الفوائت دون الحواضر، واختلف إذا تيمم للنوافل هل يصلي به الفرائض، والمشهور المنع. وقال (إسحاق): إذا تيمم للفجر جاز أن يصلي به الصبح. وروى عن مالك وبعض أصحابنا أنه يصلي الضحى بتيمم الصبح، والمشهور منعه، وأجاز سحنون: أن يصلي الوتر من أول الليل بتيمم العتمة، وأجاز غيره أن يصلي الصبح بتيمم الوتر آخر الليل، ومنعه الجمهور. واختلف القائلون بأنه يعيد التيمم للفريضة، هل الإعادة إيجاب أم استحباب، فيه قولان بين المتأخرين، والصحيح الإيجاب، وحكى قولين في الجنب ينوي الحدث الأصغر ناسيًا للحدث الأكبر. أحدهما: الإجزاء، والثاني: نفيه لاختلاف الواجب.
قوله: "فكل قربة لزم التطهر لها بالماء": قيد المسألة: بالقربة، ولم يقل: كل حكم لزم التطهر له بالماء، أو أمر، وذلك تحرزًا من أن يدخل عليه تيمم الحائض للوطء، وليس في المذهب حتى تطهر بالماء، ولا يلزم ذلك في القربة لكون الوطء لا يتناوله اسمها، ولا يقتضيه نظمها.
قال القاضي ﵀: "ولا يخلو مريد التيمم من ثلاثة أحوال" إلى آخر الباب.
شرح: وقد ذكرنا أن التيمم قبل الوقت لا يجوز بناء على وجوب الطلب، ولا تجوز إلا بعد دخول الوقت. وإذ جاز التيمم بعد دخول الوقت، فله التيمم أول الوقت، ووسطه، وآخره على حكم الوضوء، إلا أن شيوخ المذهب فصلوه تفصيلاً. الراجي يتيمم (أول) الوقت بناء على غالب ظنه
стр. 126
أيضًا، أنه لا يصله في الوقت، واختلفوا في الراجي اليائس يجمع الأمرين، فقيل: يتيمم أول الوقت، وقيل: يتيمم وسطه، وهو الأظهر، وهذا خلاف في حال (لم يحكم) على واجد الماء.
وتحصيل مذهب مالك ﵇: أنه لا يخلو أن يجد الماء قبل التلبس بالصلاة، أو في أثناء الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فإن وجد بعد التيمم، وقبل الصلاة فالجمهور على أنه عليه استعماله، لأنه إنما أبيح له الاستفتاح بالصلاة من فقد الماء، لا مع وجوده، وشذ قوم وقالوا: ليس له استعماله، فإن وجده في أثناء الصلاة هل يقطع أم لا؟ وفي المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقطع، لأن اشتراط الطهارة في آخر صلاته على (حد) اشتراطه في جميعها فبوجود الماء يبطل التراب، فهو باعتبار ما بقي منها، كمن وجد الماء قبل الصلاة.
والثاني: أنه يتمادى، ولا يقطع، لأنه دخل في الصلاة بوجه جائز، فلا يجوز إبطاله لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣].
والثالث: أنه يقطع، إذا ذكر الماء في رحله، ولا يقطع إن طلع به عليه إنسان، لأن الأول معه ضرب من التفريط بخلاف من طلع به عليه. والقائلون بأنه لا يقطع اختلفوا في الإعادة، فقيل: لا إعادة عليه، بناء على أن الفرض قد أدى وجوبه، وقيل: يعيد في الوقت لتحصيل فضيلة الماء، وقيل: يعيد أبدًا بناء على ما ذكرناه أولاً من اعتبار الإجزاء، وإذا بطل الجزء بطل الكل. وإن وجد بعد الصلاة فالمشهور أنه لا يعيد، وقيل: يعيد في الوقت.
стр. 127
قوله: "والتيمم لا يرفع الحدث": هذه عبارة (تترك) الطاهر لا يفعل (الاجتماع) على أن التيمم باختيار الصلاة إلى (الصلاة) ومقصودهم في إطلاق هذه العبارة.
стр. 128
باب المسح على الخفين
قال القاضي ﵀: "المسح على الخفين جائز في (السفر والحضر) للرجال والنساء" إلى آخره.
شرح: اختلف المذهب في المسح على الخفين على ثلاثة أقوال: أحدها أنه جائز في السفر والحضر، وقيل: إنه جائز في السفر فقط، وقيل: إنه [لا] يمسح في السفر والحضر، وروى أنه مكروه عند مالك وقد قال أهل العلم: فرآه من قرأ: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ بالخفض على (أن) المقصود به المسح على الخفين، والأصل في ذلك السنة التي ثبتت عن النبي ﷺ -قولاً وفعلاً.
قوله: "وذلك إذا ادخل رجليه في الخفين بعد كمال وضوئه": جعل كمال الطهارة من شروط المسح، وهذا كما ذكره، أن المسح على الخفين جائز لمن لبسها على طهارة بالماء كاملة غير عاص بلبسهما. فقولنا: "على طهارة" احتراز من الحدث. وجمهور العلماء على اشتراط الطهارة في هذا الباب بخلاف
стр. 129
العصائب والجبائر، وذلك لأن المشقة حاصلة باشتراط في المسح على العصائب بخلاف الخفين. وقولنا: "بالماء" احتراز من الطهارة الترابية وهل ينزل منزلة الطهارة بالماء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، والظاهر أنها كالماء عند قيام (مؤخره) وبناه بعض المتأخرين في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وقوله: "بعد كمال" احتراز من تفريق الطهارة، وفيه خلاف، المشهور ما ذكرناه.
قوله: "من غير توقيت بمدة": على المشهور من المذهب، وقد قيل: إنه يؤقت المسافر على أنه أباح له، وبه قال: جميع الصحابة والتابعين اعتمادًا على الحديث الثابت في ذلك عن النبي ﷺ -وحد الخرق اليسير بما لا يمنع متابعة المشي فيه. وقد اختلف الناس هل من شرط اليسير أن يظهر الأصابع أو إلى الأصابع. وذكر الخلاف في المسح على الجوربين الجرموقين، والخلاف قائم فيهما بين الصحابة ومن بعدهم، ومبناه على القياس.
قوله: "والمختار مسح أعلاهما وأسفلهما": وهو كما ذكره، وقد اختلف المذهب في الاقتصار على أحدهما، قيل: يجزئ واحد منهما، وقيل: لا يجزئ من ذلك إلا المسح عليهما، ومشهور المذهب جواز الاقتصار على أعلاهما دون أسفلهما وهو خلاف مقتضى القياس، وإذا اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت، ولو اقتصر على الأسفل أعاد أبدًا.
стр. 130
والمسح على العمامة مختلف فيها بين الصحابة ومن بعدهم، ومذهب مالك المنع من ذلك وههنا مسائل:
الأولى: هل يجزئ مسح الخف من ورث الدواب، أو لا بد من الغسل، فيه قولان في المذهب، والمشهور جواز الاكتفاء بالمسح، واتفقوا على أن أرواث بني آدم لا يجزئ المسح منها، والفرق بين الوجهين انفكاك الطرق، وحصول النجاسات الاجتماعية في أحد الحالين بخلاف الآخر.
واختلفوا في النعل هل يجري مجرى الخف أم لا؟ وظاهر المذهب أن النعل كالخف. وقال ابن حبيب، لا يجزئ في النعل إلا الغسل، وفرق علي وابن القاسم بين النعل والخف ورأى أن المسح جائز في الخف دون النعل.
الثانية: اختلف المتأخرون في الرجل هل يجزئ المسح أو لا؟ واختار القاضي أبو الوليد أن المسح يجزئ فيها، لأن العلة جارية في الرجل، لأن أكثر الناس يمشي حافيًا إلا أن يقال: الفرق بينهما أن الخف بخلاف القدم، فالغسل يستحب الاعقاد عليه، وقد روى ابن القاسم في العتبية عن مالك أن السيف يمسح من الدم، ويصلى به، لأنه يفسد بالغسل، ولأن الدم يبقى له بعد الغسل أثر كالمحاجم والله أعلم.
стр. 131
باب الحيض والنفاس وما يتصل بهما
قال القاضي ﵀: "الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة" إلى قوله: "وأقل الحيض والنفاس لا حد له".
شرح: الحيض مأخوذ من قولهم: (حاضت السماء ماء أحمر) (وهو) شيء كتبه الله على بنات آدم، وقيل: إن أول من حاض [أمنا حواء] وقيل: (إنها بنت علي بن أبابل) وقع في صحيح البخاري والأول لقوله ﵇: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم). قوله: الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة" فيه روايتان: "تزجيها" بالزاي المعجمة والجيم، فمعناه يدفعها. قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجى سحابًا﴾ [النور: ٤٣] أي يدفع
стр. 132
بسوقه. والرواية الثانية: "ترخيها" والرواية الأولى أصح، وهكذا قرأناه على الشيوخ. وحصرها في الثلاثة حكم (استقرار)، والأحكام الشرعية معلقة على (الاستقراء) وعرف كل واحد منهما.
"فأما دم الحيض: فهو الخارج من الفرج على الصحة بغير ولادة، والنفاس: ما كان عقيب الولادة" كما ذكره القاضي. وأما الاستحاضة فقد سماه الفقهاء دم علة وفساد، لأنه مرض للمعنى. واتفق العلماء على أن دم الحيض والنفاس يمنعان فعل العبادات والعادات. ودم الاستحاضة غير معتبر بذلك، وقد قال ﵇: (إنما ذلك عرق وليس بحيضة) الحديث. وذكر ما يمنع دم الحيض والنفاس، وفرق بين الصلاة، والصوم، وجعلهما مانع وجوب صحة فعلهما، وفعل الصوم دون وجوبه، وذكر فائدة الفرق، وذلك بناء على أنها غير مكلفة بالصلاة، ومكلفة بالصوم بدليل وجوب القضاء عليها، وإن تعذر فعله منها لمانع طرأ عليها وفي ذلك نظر، وللقائل أن يدعي أن
стр. 133
الحيض مانع من التكليف لها، من المعلوم أن المانع من الوجوب أولى واختار القاضي أنه غير مانع وإيجابـ (ـه) في حال حيضتها، إن كانت ممنوعة من الفعل، ولا معنى للإيجاب حينئذ بتقدير عموم المنع من الفعل، وذلك مانع من الفعل، ممكن شرعًا، وكذلك إلحاق العدة في جملة من الممنوعات كالصلاة، والصوم، وفيه تأويل.
قوله: "والعدة": يريد إذا طلقها وهي حائض بأن يمنع العدة لكونها مأمور برجعتها، واللفظ مجرد، إذ ليس كل الطرق في الحيض يؤمر فيه بالرجعة، ألا ترى أنه إذا كان قبل البناء لا يصح فيه رجعة، فهذا قد أطلق ما من شرطه أن يقيد فكان من حقه أن يقول: (والعدة المأمور فيه بالرجعة" فهو في المراجعة في الطلاق، والذي ليس ببائن، فإن كانت مباراة وخلعا، لم تصح فيه الرجعة، والذي يطلق عليهم في الحيض لعارض من جذام، أو برص، أو جنون، أو عنة، أو إعسار بالنفقة، فإن لهم الرجعة ما خلا العنين فلا رجعة له لكونه مطلقًا قبل البناء هذا ممن كتاب البخوري.
وأما الجماع في الفرج فلا خلاف بين أهل الأدلة أنه يمنع في أيام الحيض. واختلفوا هل تجب الكفارة على فاعله أم لا؟ مذهب مالك ألا كفارة عليه، لأن ذنبه أشد من الكفارة، وقد قال كثير من أهل العلم: الكفارة في ذلك اعتمادًا على أخبار ضعيفة لم تثبت عند أهل
стр. 134
الإسناد.
واتفق الجمهور على جواز مباشرتها والاستمتاع بها في أعلاها. واختلفوا في جواز وطئها بين الفخذين، وفيه قولان في المذهب، المشهور المنع، مخافة الشبهة. وقد قال ﵇: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) وقد صح عن ابن عباس منع مباشرة الحائض جملة، والسنة الصحيحة (حجته ﵇).
ولا خلاف في هذه الجملة التي ذكر أن الحيض والنفاس مانعان للمرأة قراءة القرآن إلا قراءة طاهرة وفيه قولان في المذهب، والصحيح أن الطهارة مطلقًا على مشترطه في قراءة القرآن على الأصح، وفي حديث عائشة قالت: (كان) رسول الله ﷺ -يذكر الله على (كل أحيانه) وقد اشترط قوم
стр. 135
الطهارة في قراءة القرآن اعتمادًا على قول علي: كان رسول الله ﷺ -لا يحجبه عن قراءة القرآن (إلا الجنابة) وقال النبي ﵇: (إن المؤمن لا ينجس) وقد كتب ببعضه هرقل بعض حكم القضاء، وفي مذهب مالك في قراءة القرآن طاهر ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وجوازه في اليسير للتعوذ دون الكثير.
قال القاضي ﵀: "وأقل الحيض والنفاس لا حد له" إلى قوله: "وجب التلفيق".
شرح: اتفق الفقهاء على أن أقل الحيض في باب العبادات لا حد له، واختلفوا في تحديد أقله في العدة بالأشهر، فقيل: ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل: أربعة أيام. فأما أقل النفاس فلا حد له. وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا، واختلفوا في أكثر الحيض فقيل: خمسة عشر يومًا، وقيل: ثمانية عشر يومًا بالاستظهار، واختلف في أكثر النفاس فقيل: معتبر بعادة
стр. 136
النساء وقيل: أقصاه ستون يومًا، وهو المشهورد في المذهب، وروى ابن الماجشون أنها تصبر إلى سبعين يومًا. وأكثر الطهر لا حد له. واختلفوا في أقله على خمس روايات، فقيل: خمسة أيام، وقيل: ثمانية أيام، واستقرأه ابن أبي زيد من المدونة، وقيل: عشرة أيام، وقيل: خمسة عشرة يومًا، وقيل: هو معتبر بالعادة، وهذه التحديدات لم تثبت فيها سنة إلا قوله ﵇: (تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي ولا تصوم) والشطر لفظ مشترك وإنما هي تحديدات مبنية على عوائد، وأمور غالبة. وذكر في المبتدأة روايتين إحداهما أنها تعتبر أيام لداتها وهن الأقران من القرابة وغيرهن، ثانيها: أنها ترجع إلى أكثر الحيض واختلفوا هل تستظهر على خمسة عشر يومًا، وسواء في ذلك المعتادة والمبتدأة.
وذكر في المعتادة أيضًا روايتين إحداهما البناء على العادة، ثم الاستظهار بعد، والثانية الجلوس إلى آخر الحيض، ثم تعمل على التمييز.
قال القاضي ﵀: "وإذا انقطعت أيام الحيض والنفاس" إلى آخره.
شرح: مشهور المذهب في حكم المنقطعة التلفيق إلى أن تكمل أيام
стр. 137
الحيض، وقد قيل: إنها حائض في يوم دمها، طاهر في يوم طهرها وهو تكلف رفعته الشريعة، وذكر أن الصفرة والكدرة حيض وهو مشهور المذهب، اعتمادًا على حديث عائشة الذي روى مالك في موطئه، وقد قيل: إنها لغو، اعتمادًا على قول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة على عهد رسول الله ﷺ -شيئًا)، وقد قيل: إن كانت في أيام الحيضة فهي حيض، وإلا فليست بحيضة جمعا بين الأحاديث.
قوله: "والحامل تحيض": هو كما ذكره، وهو قاعدة المذهب عند مالك ﵀، وقال أبو حنيفة: حكم الدم الذي تراه الحامل حكم الاستحاضة وهو الأصح من طريق القياس، نظرًا إلى أن العادة بالأقراء إنما شرعت علمًا لبراءة الرحم، فلو كان دم الحامل حيضًا لانخرمت قاعدة العدة، وإذا قلنا بمذهب مالك أنه حيض، فروى ابن القاسم عن مالك أن أول الحمل ليس كآخره فتصبر في آخر الحمل خمسة عشر يومًا، وبعد ستة أشهر عشرون يومًا. وروى أبو زيد في ثمانيته أنها تجلس في آخر الحمل ثلاثين يومًا، وقال ابن وهب تضاعف الحامل أيام عدتها وقال ابن الماجشون: تجلس
стр. 138
خمسة عشر يومًا كالحامل قال: ولا أنظر إلى أول الحمل ولا إلى آخره، وقال مطرف: "تجلس في أول الحمل وعادتها أربع مرات حتى تبلغ ستين يومًا، حكاها ابن حبيب في الواضحة وفرق أشهب بين أن تستراب أم لا، فإن استرابت احتاطت، وإلا فهي كالحامل، وهذه الأقوال مبنية على (عادات واستحبابات).
قوله: "ولا تمنع الاستحاضة شيئًا يمنعه الحيض": وهذا كما ذكره، يعنى من العبادات، وقد اختلف العلماء في جواز وطئها على ثلاثة أقوال، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه، ومنهم من منعه إن طال بها وإلا فلا، والصحيح أنها طاهر في أحكام العبادات والعادات، واختلفوا في استحباب الوضوء لها لكل صلاة، أو إيجابه، واختلفوا في غسلها، وأصل المذهب أنه لا غسل عليه إلا الغسل المعتاد الواجب عند انقطاع دم الحيض، ولو انقطع دم الاستحاضة، فهل يستحب لها الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب الظاهر الاستحباب، والأحاديث في حكم الاستحاضة تختلف. واستحب مالك الغسل اعتمادًا على حديث هشام بن عروة عن أبيه في شأن فاطمة بنت [أبي] حبيش لأنه أصح ما ورد في الباب، ففيه أن
стр. 139
النبي ﷺ -قال لها: إنما ذلك عرق وليست بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم، وصل ويحتمل أن يريد ما رواه أيضًا عن هشام عروة عن أبيه أنه قال: (ليس على المستحاضة إلا أن تغسل غسلاً واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة).
قوله: "وللطهر علامتان الجفوف والقصة البيضاء": فالجفوف: هو أن تدخل الخرقة تخبر بها نفسها فتخرجها جافة وذلك دليل انقطاع الدم. والقصة: ماء أبيض يخرج من الفرج، وروى علي بن زياد عن مالك أنه يشبه المني وروى ابن القاسم أنه يشبه البول، وقيل: ماء أبيض يشبه العجين، وقيل؛ القصة شيء يكون كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم، وقيل: إنه يشبه ماء الجير.
واختلف المذهب أيهما أبلغ، فروى ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أن الجفوف أبلغ، وقال ابن القاسم: القصة أبلغ، وهذا في المعتادة، وأما المبتدأة، فاتفقوا على أنها لا تطهر إلا بالجفوف وقال أبو الوليد: وهذا نزوع إلى قول ابن عبد الحكم، فإذا قلنا تنتظر الأبلغ، فذلك ما لم تخف فوات الوقت، وهل المقصود الوقت الاختيار، أو الاضطرار، فيه قولان في المذهب.
стр. 140
قوله: "وإذا طهرت الحائض (أو النفساء) لم توطأ إلا بعد الغسل": وهذا كما ذكره القاضي وبه قال الجمهور، واعتمادًا على قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية. المعنى: ولا تقربوهن حتى يطهرن من دمهن بانقطاعه، فإذا تطهرن بالماء، فاتوهن من حيث أمركم الله، وسواء انقطع (دمها) لأكثر دم الحيض أم لا؟ وبه قال جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجيز له أن يطأها حتى تغتسل، أو يجيء آخر وقت الصلاة، وإن انقطع الدم لأكثر أمد الحيض جاز وطؤها قبل أن تغتسل، والدليل قوله تعالى: ﴿إن الله يححب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] مدحهم بالتطهير، فدل على أن المراد به الغسل لانقطاع الدم، لأن ذلك ليس من فعلهن، ولو وطئت لم يجز وطؤها بالتيمم على مشهور المذهب، وقال الشيخ أبو إسحاق: ويجوز وطؤها، وقال ابن بكير: إذا انقطع دمها، فالإمساك عنها استحبابًا لا إيجابًا بناء على أن المقصود زوال الأذى، وهو مرتفع بانقطاع الدم والله أعلم.
стр. 141
كتاب الصلاة
قال القاضي ﵀: "الصلاة ركن من أركان الدين" إلى قوله: "فإذا ثبت هذا".
شرح: الصلاة في اللغة: هي الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] معناه ادع لهم، وسمت الشريعة هذا الفعل المعلوم، صلاة لاشتمالها على الدعاء، وقيل: إنها مشتقة من المصلى وهي ثاني حالته، وسميت بذلك لأنها ثانية عن الإيمان والإسلام، وقيل: إنها مشتقة من (المصلين) وهما عظمان ينحيان في السجود، وسميت بما فيها، من باب المجاز.
واختلف أهل العلم في هذه الأسماء الشرعية، هل هي منقولة عن [الـ] موضع اللغوي جملة، أو منقولة عليه وزيد إليها شروط شرعية. وانعقد إجماع الأمة على فرضية الصلاة الخمس، وجعلها أقسامًا تابعة للأدلة الشرعية، وفرق بين فرض العين، وفرض الكفاية، هل فرض العين متوجه
стр. 142
على كل واحد من الكلفين، إلا أنه يسقط بفعل البعض، أو متوجه على بعض غير معين، (فمن جعله أسقط الوجوب بفعله على الباقين). واختار بعض المحققين أنه متوجه على الأعيان، والكفاية فيه، فأجزأ بعض عن البعض لا بأصل الخطاب، وفيه نظر، والصحيح أنه وجب على كل واحد من أحد المكلفين لما سقطت عنه بفعل غيره. وتعقب بعضهم قول القاضي: "الصلاة من أركان الدين" واجبة، فإن صح ذلك فكيف يقسمها إلى واجب، وسنة، وفضيلة، وهذا لا يتوجه لاختلاف الموضع، إذ الحكم الأول باعتبار قاعدة هذه العبادات الكلية والتقسيم بحسب أشخاصها، وهي مختلفة الأحكام إجماعًا.
ثم تكلم عن السنة والفضيلة، والسنة ما فعله ﵇ -ومداومًا عليه مظهرًا له، والفضيلة ما واظب عليه غير مظهر، وقد اختلف الناس في هذا القسم هل يسمى سنة باعتبار المواظبة، أو فضيلة باعتبار الإخفاء. والنافلة أخف من ذلك وتميزه عن الفضيلة اصطلاح محظ (لرواتب) الصلوات، ووقت الضحى على نظر فيه.
стр. 143
وقسم السنة قسمين: والأمر في ذلك كما ذكره.
قال القاضي ﵀: "فإذا ثبت هذا فالصلوات الخمس التي هي فرض الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر" هذا كما ذكره. وأجمع العلماء على تكفير من جحدها وأنكرها، لأنه ورد فيه المتواتر من القرآن، ومن شريعة النبي ﵇، وأما التارك العاصي، فقد اختلف العلماء فيه، فقال أبو حنيفة وسحنون يؤخر بفعلها، فإن أبى لم يقتل، اعتمادًا على قوله ﵇: (لا يحل دم مسلم إلا بأحد ثلاثة: كفر بعد الإيمان، أو زنا بعد الإحصان، أو قتل نفس بغير حق). وقال أحمد بن حنبل وداود وجماعة من أهل العلم منهم ابن حبيب من المالكية أنه يقتل كفرًا وقال الجمهور: إنه يقتل حدًا. ويترتب على هذا الخلاف، أين دفن، وهل يرثه ورثته من المسلمين أم لا؟.
стр. 144
اعتمد أحمد وأصحابه على ظاهر قوله ﵇: (من ترك الصلاة [متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله]) ـ وعلى قوله ﵇: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وقال عمر: (ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) وتأويله الجمهور على التغليظ والتشديد، وإذا قلنا: إنه يقتل: ينتظر به وقت الصلاة الثانية، وهل يؤخر إلى آخر الوقت الاختياري أو الضروري، وفيه قولان في المذهب، المشهور التأخير إلى وقت الضرورة لعموم قوله ﵇: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والشاذ أنه يؤخر إلى آخر
стр. 145
وقت الاختيار، لإن وقت الإضرار لأصحاب الضرورة، وهم خمسة، واختلفوا هل يجهز عليه بالسيف، وهو المنصوص، أو ينخس لحمه، وهو اختيار بعض المتأخرين.
قوله: "ولا أوقات مختلفة الأحكام": إلى آخره. قلت ثبتت الأوقات المعلومات للصلوات الخمس بكتاب الله سبحانه إجمالاً، وفعل رسول الله ﷺ -تبيينًا وتفصيلاً، وقد علم المسلمون علمًا ضروريًا لم يخالف فيه من أهل القبلة، وسنفصله متبعين لترتيب القاضي ﵀.
قال القاضي ﵀: "الأوقات وقتان" الفصل إلى آخره. هذا فصل حسن (جمع) فيه القاضي [أوقات الصلاة] ورتبها ترتيبًا محققًا، وفصلها تفصيلاً، فقسمها أولاً قسمين: وقت أداء، ووقت قضاء. والأداء عبارة عن فعل العبادت في وقتها ابتداء من غير تكرير، فإن كررت في وقتها سمى ذلك إعادة، فإن فعلت خارج وقتها سميت قضاء على الحقيقة، والمجاز باعتبارات مختلفة، بسط القول (فيها) الغزالي في مستصفاه، وقد يطلق القضاء على الأداء نفسه، قال تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البقرة: ٢٠٠] الآية، ومنه قضاء الدين.
وقسم وقت الأداء على خمسة أقسام، وفرق بين الاختيار والفضيلة،
следующие страницы →