← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عمر وابن مسعود المراد به في الآية اللمس باليد. وقال زيد بن أسلم والأوزاعي والشافعي اللمس يوجب الوضوء مطلقًا. واختلف قول الشافعي في لمس ذوات المحارم. وتحصيل مذهب (مالك) أنه لا يوجب الوضوء على حال دون حال، وقسمه المتأخرون أقسامًا إما أن يقصد اللمس ويجد اللذة، أو يقصد ولا يجد، أو لا يجد ولا يقصد. فإن قصد ووجد، وجب عليه الوضوء اتفاقًا عن المذهب، وإن لم يقصد ولم يجد فلا وضوء عليه، وإن وجد ولم يقصد وجب عليه الوضوء، وحكى بعض الشيوخ في هذه الصورة قولين، والصحيح ما ذكرناه. وإن قصد ولم يجد فيه قولان: إيجاب الوضوء وإسقاطه، وأجرأه بعض الشيوخ

стр. 72

على الخلاف في رفض الوضوء هل يؤثر أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: والذي يتحقق من مذهب مالك وأصحابه أن الوضوء يلزم التذ بذلك أم لم يلتذ. قال المصنف ﵀: "إنما يجب بقصد اللذة دون وجودها" فيه مناقشة، لأن ظاهره حصر الموجب في القصد، وبقي كون الوجود موجبًا، ومقصده خلاف ذلك، وهو أن الوجود ليس بشرط في الوجوب، بل يجري في حصول الوجوب مجرى القصد وإن لم يقاربه وجود اللذة، فمقتضى كلامه ومقصده تقدير الوجوب على القصد المفرد وإن لم يجد اللذة. وأما اللمس فإن التذ توضأ، وإلا فلا وضوء عليه. وفرق القاضي بين أن يكون الحائل خفيفًا، أو كثيفًا، بناء على ما أشار إليه القاضي من حصول اللذة مع الخفيف الكثيف، والمعتمد لنا في اللمس على حديث عائشة وفيه: (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها) الحديث. قوله: "ولا فرق بين اللمس باليد أو بالفم (بغير القبلة) ": وقد اختلف المذهب في القبلة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تنقض الوضوء مطلقًا، وبه قال كثير من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود.

стр. 73

والثاني: اعتبار اللذة أنها إن كانت في الفم وجب الوضوء مطلقًا، وإن كانت في غيره اعتبرت اللذة، وفي المجموعة في قوله ليس على أحد الزوجين [ ... ] بغير شهوة من مرض أو غيره وضوء. قوله: "ولا (فرق) بين الزوجة والأجنبية وذات محرم": يريد مع وجود اللذة والله أعلم. قال القاضي ﵀: "وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط". شرح: اختلف المذهب في مس الذكر هل هو من نواقض الوضوء أم لا؟ على أربعة أقوال: الأول: أنه ناقض للوضوء مطلقًا اعتمادًا على ما رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي

стр. 74

وقاص وحفصة، ويزيد بن خالد الجهني وبسرة وأم حبيبة وأبو أيوب وابن عمر وغيرهم. عن النبي ﷺ -أنه أمر بالوضوء من مس الذكر. وألفاظهم مختلفة ومعناها واحد. الثاني: أنه لا ينقض الوضوء أصلاً اعتمادًا على قوله ﵇: (وهل هو إلا بضعة منك) وقد قيل: إنه منسوخ، لأنه كان في أول الإسلام، وحديث

стр. 75

أبي هريرة كان عام خيبر. والقول الثالث: أنه إن مس الذكر عامدًا وجب عليه الوضوء، وإن مسه ناسيًا فلا وضوء عليه، لأن حكم النسيان مرفوع في الشريعة مع أن الغالب عدم (اللذة). والقول الرابع: اعتبار باطن الكف، فإن مسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، لأن الغالب اللذة لما فيه من اللطافة، فالوضوء به. وإن مسه بظاهر كفه فلا وضوء عليه إلا أن يلتذ، واختلفوا في باطن الأصابع هل تنزل منزلة الكف أم لا؟ وفيه قولان في المذهب. وقدم جمهور العلماء حديث أبي هريرة وبسرة وغيرهما على حديث طلق لما ذكرناه من التاريخ. تفريع: إذا أمرناه بالوضوء ولم يتوضأ، فقد اختلف فيه المذهب، فروى ابن القاسم، وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة في الوقت، وروى ابن القاسم نفي الإعادة مطلقًا، وذهب العراقيون من أصحابنا إلى وجوب الإعادة في الوقت وبعده وبه قال ابن نافع، وابن دينار، وقد روى مالك

стр. 76

عن عبد الله بن عمر أنه أعاد الصبح بعد ما طلعت الشمس، وكان مس ذكره وصلى ولم يتوضأ، وروى الزهري (و) سالم بن عبد الله بن عمر: أن الصلاة التي أعاد عبد الله بن عمر هو العصر. فرع: إذا مسه من فوق حائل، فقد اختلف المذهب فيه فقيل: بإيجاب الوضوء مطلقًا، ولو مسه من فوق الحائل بدعة، وقيل: إن كان خفيفًا توضأ، وإن كان كثيفًا فلا وضوء عليه، إلا أن يلتذ. فرع: إذا مسه بإصبع زائدة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ فيه قولان في المذهب: إيجاب الوضوء وإسقاطه. فرع: إذا مس غيره من جنسه أو من غير جنسه أو ذكرًا مقطوعًا أو ذكر صبي، أو فرج بهيمة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان في المذهب. قوله: "ومس المرأة فرجها مختلف فيه": قلت: اختلف المذهب على أربعة أقوال: إيجاب الوضوء، واستحبابه وإسقاطه وإيجابه إن لطفته أو قبضته وإلا فلا. قال إسماعيل بن أبي أويس: سألت خالي مالك بن أنس،

стр. 77

فقلت له: ما ألطفت؟ قال: أن تدخل إصبعها بين شفرتيه، قلت: وقبضت قال: أن تشد عليه يدها وتقبضه، وذلك مظنة اللذة غالبًا، والصحيح إن مسته أن الوضوء ينقض عليها لقوله ﵇: (من مس فرجه فليتوضأ). واختلف المذهب في الإنعاظ بمجرده، فروى ابن نافع عن مالك أنه لا يوجب الوضوء ولا غسل الذكر. قال الشيخ أبو إسحاق: من نعظ إنعاظًا قويًا انتقض وضوئه وهو قول مالك، وفرق شيوخنا إن كانت عادته لا يباشر إلا عن لذة، توضأ، وإلا فلا وضوء عليه. قوله: "ولا وضوء من مس الأنثيين": قلت الوضوء من مس الأنثيين

стр. 78

لم يثبت عن النبي ﷺ -حين سئل عن الماء يكون بعد الماء فقال: (ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة) يريد من المذي. واتفق جمهور العلماء على أن مس الأنثيين لا يوجب الوضوء، وأوجبه عروة ومن اتبعه (فمن شاء)، وكذلك إذا مس ما بين أليتيه فلا وضوء عليه عند جمهور أهل العلم. وقال الليث: عليه الوضوء. وأما مس الدبر فالمشهور من المذهب أنه لا وضوء عليه بناء على لفظ الفرج والذكر لا يصدقان عليه. وروى حمديس القفصي عن مالك

стр. 79

وجوب الوضوء منه، وبه قال الزهري والشافعي وجماعة من العلماء. وأما أكل ما مسته النار فالخلاف في إيجاب الوضوء منه، مشهور بين الصحابة، واستقر جمهورهم على ترك الوضوء من ذلك حملاً على الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ . وكذلك اختلفوا في القهقهة، وفيمن مس صبيًا يحمل منيًا هل يجب الوضوء بذلك، والجمهور على إسقاط الوضوء من ذلك، إذ لم تثبت سنة تقتضي إيجاب الوضوء والله أعلم. وأما من ذبح الماشية فلا أعلم أن أحدًا أوجب الوضوء به، ولعل القاضي إنما نبه على خلاف اطلع عليه. فرع: يتعلق بهذا إيجاب الوضوء الأول، إذا تعين أنه أحدث قبل (الوضوء) أو بعده بخلاف في إيعاب الوضوء وهذا من باب تعيين الحدث، والشاك في الطهارة، وروى القاضي أبو الحسن عن مالك أن شك في الحدث في نفس الصلاة فلا وضوء عليه، وإن شك خارج الصلاة فلا وضوء عليه وهو قول العلماء.

стр. 80

باب ما يوجب الغسل قوله: "يجب الغسل على الرجل بشيئين" إلى آخره. شرح: وهذا كما ذكره الغسل يجب بإنزال الماء الدافق للذة في اليقظة والمنام، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الاحتلام لا يوجب غسلاً وإن أنزل، ولعله بناء على أن النائم في حال نومه غير مكلف عنده. قوله: "للذة" احتراز من إنزاله لغير اللذة، وهل يجب الغسل بإنزاله عاريًا عن اللذة أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على النادر هل يعطى له حكم نفسه أو حكم الأكثر، وكذلك إذا قارنته اللذة غير المعتادة، ففي المذهب فيه قولان كاللدغ، أو ضرب سوط، أو سائق، أو أنزل في ماء ساخن فأمنى، والظاهر في هذه الصورة إيجاب الوضوء لأنها تشبه المعتادة، وكذلك اختلفوا إذا خرج منه الماء، فاغتسل، ثم خرج منه الماء بعد ذلك هل يجب عليه الغسل أم لا. وفيه قولان في المذهب. قوله: "والإيلاج بالحشفة في قبل أو دبر": [ ... ] وابن القاسم

стр. 81

المتفق عليه، كان الإيلاج محرمًا أو جائزًا فهو في إيجاب الغسل به سواء، وأما الإيلاج في الدبر محرم في الزوجات على خلاف في المذهب وغيره، ويحرم في غيرهن إجماعًا من أهل الملة، ولم يختلفوا في وجوب الغسل به. قوله: "وخروج الولد": محمول على إطلاقه، واتفقوا على أنه يوجب الغسل إذا خرج معه الدم، فإن خرج عاريًا عن الدم، ففي إيجاب الغسل بذلك قولان الظاهر إيجابه، إذ لا ينفك عن الدم غالبًا وإن قل. واختلف المذهب في الولدين يخرج أحدهما بعد الآخر، هل يتكرر عليها الغسل بخروج الولد الثاني أم لا؟ وفيه قولان في المذهب، والظاهر اعتبار الطوارئ والمعهود، فيترتب على كل واحدة حكمها. قوله: "وعليها بإسلام الكافر منهما" ويتعلق بهذا الكلام في غسل الكافر هل هو واجب أم مستحب وفيه قولان في المذهب الوجوب لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] ولقوله ﵇ -في حديث ثمامة: (اذهب فاغسل بماء وسدر) وظاهر الأمر الوجوب.

стр. 82

والاستحباب لقوله ﵇: (الإسلام يجب ما قبله) ويلزم على مقتضاه سقوط الطهارة الصغرى عنه إلا أن يقال إنها واجبة على كل قائم إلى الصلاة، ففيه نظر. تحقيقه التساوي، فتأمله. وسيأتي الكلام في غسل الجمعة والعيدين.

стр. 83

باب صفة الاغتسال قال القاضي ﵀"باب صفة الاغتسال". تكلم في هذا الباب على مفروضات الغسل، ومسنوناته ومستحباته، وذكر أن المفروضات ثلاث منها التدلك ووجوبه في أصل مذهب مالك، وروى الشافعي وغيره أن التدليك ليس بواجب مطلقًا وهو قول أبي الفرج من المالكية، ولابن عبد الحكم في ذلك قولان: أحدهما: أنه ليس بواجب مطلقًا وهو قول الشافعي، وأبي الفرج، والثاني: أنه ليس بواجب في الطهارة الكبرى دون الصغرى وهو قول ابن عبد الحكم جاريًا على مذهب الشافعي. ولا ينبغي أن يعزى إلى المذهب، لأنه في مذهب الشافعي، وإنما عدل عنه عند اختصار الشافعي حين أشار لأصحابه ثم [ ... ] المتوضئ اجتماعهم إليه بعد موته، وكان ابن عبد الحكم يظن أنه يخصه بذلك فكان بعد

стр. 84

ذلك تخلف مذهبه، وربما وقع فيه. والمعتمد للشافعي وجوب التدلك على أنه شرط في تسميته "غسلاً" لغويًا بدليل أن العرب تفرق بين الغمس، والغسل لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] الآية، والمبالغة تقتضي الثلاثة لأنه أبلغ في النظافة، وفيه نظر، لأن المبالغة قد جاءت في التيمم، ومبناه على المسح المشروع تخفيفًا. واختلف في مسائل: الأولى: هل يشترط أن يكون العرك ملازمًا لصب الماء أو لا يشترط ذلك؟ فيه قولان في المذهب، والظاهر أنه إن كان عقبه أجزأ، لأن المقارنة حرج، وقد أسقطته الشريعة. المسألة الثانية: اختلفوا إذا بقي في جسده موضع لا يصل إليه بيديه، فقيل: يلزمه الاستنابة وقيل: لا يلزمه ذلك، ى ويكفيه أن يكثر من صب الماء فينوب له ذلك منابة التدلك، وقيل: إن كان كثيرًا استناب، وإن كان يسيرًا بالغ في صب الماء وأجزأه. قوله: "ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق": وهذا متفق عليه وانظر هل يجوز قول الحنفية في نبيذ أم لا؟ ومقتضى القياس جوازه في الغسل قياسًا على الوضوء، وذكر في تخليل اللحية في الغسل روايتان: أحدهما الوجوب، والأخرى أنه سنة، وقد روى عن النبي ﷺ : (أنه كان يخلل لحيته في الغسل) يروى عنه ﵇ -أنه قال: (تحت

стр. 85

كل شعرة جنابة) وهو ضعيف الإسناد. قوله: "ثم يتوضأ وضوء الصلاة": ظاهرة التكميل. وقد اختلف المذهب على أربعة أقوال: أحدهما تكميل الوضوء اعتمادًا على حديث ميمونة، وقيل: بالتخيير في ذلك حملا على جمع الحديثين، وفرق بعض العلماء بين أن يكون الموضع نقيًا فيقدمها، أو أن يكون قذرًا فيؤخرها فرارًا

стр. 86

من التكرار، إن قدم، وإذا غسلهما بعد فراغه من غسله، فإنه ينوي بذلك تكميل غسل الجنابة، وقد ذكرنا أنه يقصد النية بعد زوال الأذى عن فرجه عند شروعه في الغسل، ويبتدئ بعد زوال بغسل الفرج قاصدًا بذلك أمرين: الأول: نية رفع الأذى، الثاني: رفع الجنابة، وكان ابن عمرو (يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن) حينئذ بعد النية، ويشدهما. واختلف بعض السلف هل يلزم نقض شعر الرأس في الغسل أم لا؟ قولان فقالت طائفة من الصحابة والتابعين: أنه ينقض، وقالت طائفة، إنه لا ينقض. والمنصوص عن مالك أنه لا ينقض، وروى بعض المتأخرين نقضه، وتؤول كلام مالك على شعور الأعراب، ولم تكن مربوطة بالخرق والخيوط، وإنما كانت (مبسولة) أو مربوطة ربطًا خفيفًا لا يدفع الماء، والأحاديث في ذلك مختلفة عن النبي ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة قال:

стр. 87

(إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات). وكذلك في حديث ثوبان وروى هشام بن عروة عن عائشة ﵂ -أن النبي ﷺ -قال لها في غسل الحيض: (انقضي واغسلي) قال النخعي: تنقض العروس رأسها لتغسل، وبلغ عائشة ﵂: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن) فقالت: (كنت إذا اغتسلت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ -من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث غرفات).

стр. 88

باب في المياه وأحكامها قال القاضي: "الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير" لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ثم قد يخرج عن أصله بما يعرض له، والخارج عن أصله نوعان: نجس ومضاف. وكلاهما لا يستعمل في الطهارتين، وذكر ماء البحر في التفصيل، وبطهارته، وتطهيره قال جمهور العلماء إلا القليل اعتمادًا على قوله ﵇: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وفي إسناده متكلم. وقد أنكر القاضي أبو الحسن الخلاف فيه، ولا معنى لإنكاره لثبوت الخلاف عن عمر وابنه وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. قوله: "إلا ما تغيرت أوصافه": وهذا ما ذكره، ولا خلاف فيه إلا التغيير بالريح، فقد قيل: إنه غير معتبر مطلقًا. حكاه القاضي أبو الوليد عن ابن الماجشون: لا اعتبار بتغير الرائحة، وحكى عن ابن الماجشون أنه لم

стр. 89

يعتبر تغيير الريح في بعض الصور دون بعض. قال: في الهرة تقع في البئر ميتة (لا يحل) ذلك الماء، وإن تغيرت رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، وقال: "إن وقعت حية فغيرت رائحته فهو نجس" والذي قيل لا يتغير هو ما تغير بالمجاورة لا بالحلول كالشاة تموت حول الغدير، فيحمل الريح نتنها إلى الماء، فإنه لا ينجس، إذ هو مجاورة غير حال، واتفقوا على أن ما تغير بأصله وما هو قرار له ولا يخرج لذلك عن أصله، واختلفوا فيما تغير بأحمال حمأة وبأوراق الشجر، والحشيش، ونحوه، وهل هو مطهر، لأنه غالب، وهو قول العراقيين من المالكية أو مضافًا فلا تجوز الطهارة منه قاله الأبياني وروى ابن غانم في المجموعة عن مالك في غدير ترده الماشية، فتبول فيه وتروث، وتغير طعم الماء منها أنه لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه. وكذلك اختلفوا في المحل يذوب في الماء هل يضيفه أم لا؟ وهو الذي

стр. 90

اختاره القاضي أبو الحسن، لأن الملح من جنس الأرض، وقد اختلف في ذلك ابن أبي زيد (وابن القاسم) وكذلك اختلفوا في اليسير من طاهر المائعات يخالط الماء هل يضيفه أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد عن خلاف بين الفقهاء: لعله إنه مطهر إلا ما روي عن (ابن القاسم) لأنه لا يتطهر به. قوله: "سوى أنه يكره استعمال القليل منه": هذا أحد الأقاويل. وقد اختلف المذهب في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة، ولم تغيره، على أربعة أقوال. الأول: أنه نجس وهو قائم من المدونة. والثاني: مكروه ولا يستعمل مع وجود غيره كماء ولغ فيه الكلب. والثالث: أنه طاهر مطلقًا لعدم تغيره. والرابع: أنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، واختلف المذهب هل يبدأ به أو بالتيمم فيه قولان، وهل يصلي به صلاة واحدة أو صلاتين فيه قولان أيضًا. أما الماء الكثير إذا خالطته النجاسة ولم تغيره، فالمحققون على أنه طاهر مطهر، لأن مناط النجاسة التغيير، ومناط الطهارة عدمه. وقد روى عن مالك أنه لا يستعمل إذا وقعت فيه النجاسة غيرته أو لم تغيره. ورواية أهل

стр. 91

المدينة عن مالك أن النجاسة إذا خالطت الماء القليل ولم تغيره فهو طاهر مطهر. فرع: في العتبية من رواية موسى عن ابن القاسم "في ماء وقعت فيه قطرة من دم أو من بول إن كان مثل الجرار لم تفسده، وإن كان مثل إناء الوضوء أفسدته القطرة، وروى أبو زيد في ثمانيته عن ابن القاسم أن ذلك لا يفسده"، ومن رواية موسى في العتبية عن ابن القاسم أيضًا تفسده روث الدواب، إلا أن تجده طافيًا في الإناء فإنه لا يفسده، ولا بأس به للاختلاف فيه، وروى عن مالك في الإناء يوجد فيه الروث طافيًا أو يابسًا لا خير فيه، ولعله مبني على القول بنجاسة أرواثها، وبذلك قال: من لا يجوز مسح الخف منه. فرع: إذا وجد الماء متغيرًا أو أشكل سبب تغيره نظر إلى ظاهر أمره. قال ابن القاسم عن مالك في العتبية في بئر دار تغيرت ولم يدروا من أي شيء تغيرت قال: "تترك يومين أو ثلاثة، فإن طابت، وإلا لم يتوضأ بها، وقال في موضع آخر: أخاف أن تغسل القذرات، ولو علم أنه ليس منه لم ير به بأسًا. وروى عن علي بن زياد: رب بئر في الصفا والحجر لا يصل إليها شيء، ورب أرض رخوة يصل إليها، فروى ابن وهب عن مالك في البئر تملأ من النيل إذا زاد، ثم يقيم بعد زواله، لا يسقى منه، فتتغير رائحته بغير شيء أنه لا بأس بالوضوء منها. وفي العتبية عن أشهب في خليج

стр. 92

الإسكندرية لا يعجبني الوضوء به إذا تغير ماؤه، (وخرجت النعل) قال: وقال المغيرة: يسقى بهذا الماء المراحيض وقال: "اجعل بينك وبين الحرام سترة من الحلال" وظاهره الكراهية لا التحريم. وما رواه علي بن زياد عن مالك فيمن توضأ بماء وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، وصلى أنه يعيد في الوقت. قال ابن حبيب: إن توضأ به عامدًا أو جاهلاً أعاد أبدًا، وإن توضأ به غير عالم أعاد في الوقت. وقال يحيى بن يحيى هو كمن لم يتوضأ ويعيد أبدًا، لأنه نجس كالمتغير. فرع: وروى أِهب عن مالك في العجين، أو الحنطة يبتل في الماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره أنه لا يؤكل ذلك الخبز ولا الحنطة. واختلف شيوخنا هل المنع من أكل ذلك على وجه الكراهية، وهو قول أبي بكر الأبهري بناء على أنه ليس بنجس، أو على وجه التحريم، تأويله القاضي عن أشهب، وهو مقتضى روايته، وسئل مالك عن ذلك فقال: لا يؤكل ونهى أن يطرح ويعلف للدواب، وإن كان خبزًا. وحكى ابن

стр. 93

حبيب إذا عجن بالماء النجس المتغير لا يطعم للدجاج، وهو كالميتة، وحكى ابن القاسم عن مالك في المدونة أن الغسل النجس يعلف للنحل. وقال المغيرة: يسقى بهذا الدواب، وبنجس اللبن والأشجار والثمار وقال على، وابن عمر: يسقى الحيوان، ولا ينجس لبنها ولا ثمرة الشجر. وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن ما عجن من الخبز بماء لم يتغير أحد أوصافه فلا بأس أن يطعم (رغيفه) من (اليهودي دون النصراني) وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه لا يطعم إياه ولا يمنعهم. قوله: "فالطاهر يسلبه التطهير فقط": ظاهره الإطلاق سواء كان الخلط يسيرًا أو كثيرًا وقد ذكرنا أن اليسير الطاهر لا يضيف الماء على مذهب الجماعة، خلافًا لظاهر كلام القاضي. قوله: "كماء الحب": وهو بالحاء المهملة وهو: الإناء الصغير.

стр. 94

قوله: "ويدخل فيه الماء المستعمل على كراهية مناله": قلت: الماء المستعمل لا يخلو مستعمله أن يكون طاهر الأعضاء أو نجس الأعضاء، فإن كان نجس الأعضاء فقد تقدم، وإن كان وسخًا طاهرًا وهو مورد الخلاف، قال ابن القاسم: كره استعماله مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره، وتوضأ به أجزأه، وهو يقتضي أنه ظاهر مطهر، وهو المشهور من المذهب. وقال أصبغ: هو طاهر غير مطهر وهو أحد قولي الشافعي، وحكى عن ابن القاسم أنه مشكوك فيه، وتجمع بينه وبين التيمم، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه نجس احتجاجًا بأنه عليه الإثم، لأنه سماه: ماء الخطايا، والدليل على مذهبنا قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ وذلك يقتضي تكرار الطهارة بالماء. قاله القاضي أبو الوليد. قوله: "وما تغير بزعفران أو عصفر أو كافور أو بغير ذلك من الطيب" إلى آخره. هذا كله داخل في القسم المضاف بالطاهر، لم يختلف العلماء أنه طاهر غير مطهر. وقال أبو حنيفة: في ماء الزعفران، والورد،

стр. 95

ونحو إنه ظاهر مطهر، والدليل فيه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماًء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦] فشرط التيمم بعد الماء المطلق في استعمال التيمم، ولم يجعل سبحانه بين الماء المطلق واسطة. أبو حنيفة جعل ماء الزعفران ونحو واسطة بينهما، وفيه نظر. فصل قال القاضي ﵀: "والحيوان كله طاهر العين طاهر السؤر" إلى قوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب (في الماء) سبعًا". شرح: اتفق العلماء على طهارة عين الآدمي إلا المشترك والمميت ففيهما خلاف شاذ، واتفقوا على طهارة عين جميع الحيوان غير الآدمي إلا سباع الوحش، والكلب، والخنزير، والهرة، وسائر سباع الطير المفترسة، فالجمهور على أن ذلك كله طاهر العين، بناء على أن الحياة علة الطهارة، فكل حي طاهر. وقال أبو حنيفة: إنها نجسة العين حتى الهرة إلا أن ينتزع عفا عن سؤرها لما لم يكن الاحتراز منها، وعلى ذلك نشأ الخلاف بين العلماء في أسآر الحيوانات، وأصل المعنى أنها طاهرة، إلا ما لا يتوقى النجاسة غالبًا كالكلب، والخنزير، والمشركين. وقال الشافعي: أسآر الحيوانات كلها طاهرة إلا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة: آسارها كلها نجسة كلها نجسة إلا سباع الطير وسؤر الهوام، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله ﵇ في الهرة:

стр. 96

(إنها ليست بنجس، وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). وقال عمر بن الخطاب لصاحب الحوض: "لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا، ووافقه على ذلك أهل الركب من الصحابة فكان كالإجماع. وقال الشافعي: قال ﵇: (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا) وذلك يقتضي النجاسة. فرع: في المجموعة عن علي بن زياد عن مالك: الكلاب كالسباع لا يتوضأ بسؤرها إذا كان في أفواهها وقت شربها النجاسة. واختلف في الكلاب هل تنزل منزلة الهر أم لا؟ فيه قولان، وفي المدونة:

стр. 97

لا بأس بسؤر البرذون والبغال والحمير. وفي المختصر: لا بأس بفضل جميع الدواب والطير إلا أن يكون (موضعًا) تصيب فيه الأذى. وروى أبو زيد عن مالك: لا بأس بالوضوء والشرب من أحياض الدواب، وإن ولغت فيه للكلاب، فإن ولغت فيه الخنازير، فلا يتوضأ بها ولا يشرب منها". قال القاضي ﵀: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" إلى قوله: "في غسل الإناء من ولوغ الخنزير" واختلف الفقهاء في غسل الإناء من ولوغ الكلب في مسائل: الأولى: هل الأمر بغسله إيجابًا، أو ندبًا، أو استحبابًا، وفيه قولان جاريان على الاختلاف في الأمر المطلق. الثانية: هل الغسل للعبادة وهو المشهور، أو النجاسة وهو قول

стр. 98

الشافعي وابن الماجشون وسحنون. الثالثة: هل ذلك عام في الكلاب كلهم، أو مخصوص بالكلب المنهي عن اتخاذه فيه قولان مبنيان على الألف واللام، هل هي جنسية، أو عهدية. الرابعة: هل يغسل أوان الطعام كأوان الماء أم لا؟ قولان جاريان على الخلاف فيما خرج على الغالب، هل له ذلك أم لا؟. الخامسة: هل يغسل بذلك الماء، وبماء آخر فيه قولان جاريان على القول بنجاسته أو بطهارته. السادسة: إذا ولغت كلاب شتى في إناء واحد هل يغسل لكل واحد سبعًا، أو تجزي سبعة على الجميع فيه قولان. السابعة: هل يغسل من ولوغ الخنزير أم لا؟ فيه قولان.

стр. 99

الثامنة: هل يعفر بالتراب أم لا؟ والخلاف فيه قائم بين السلف. التاسعة: إذا قلنا بالتعفير هل يجعل أول المرة أو آخرها فيه خلاف مبني على اختلاف طرق الأحاديث. العاشرة: هل العرك شرط أم لا؟ فأسقطه أبو حنيفة، ورآى أنه كسائر النجاسات والجمهور على غسل ذلك. الحادية عشر: هل يؤمر بغسله إذا أراد استعماله (مطلقًا) فيه قولان. الثانية عشر: الغسل من ولوغ الهرة، وقد جاء فيه اختلاف بسطناه في شرح الأحكام. قال القاضي ﵀: "ثم الحيوان بعد ذلك على ضريبين بري وبحري". شرح: فالبحري نوعان نوع تطول حياته في البر كالسلحفاة والسرطان. وذلك مختلف فيه هل يلحق بحيوان البر، أو بحيوان البحر، أن البحر أصله، أو بحيوان البر اعتبارًا بطول حياته فيه، وهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة"، وقال ابن نافع: هو حرام نجس إن مات حتف أنفه. ونوع

стр. 100

لا تطول حياته كالحوت ونحوه وهو ظاهر حي وميت، خلاف ما قال أبو حنيفة في ميته (وهو) معتمدنا على قوله ﵇: (هو الطهارة ماؤه الحل ميتته). وتبع أبو حنيفة عموم الكتاب قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. وذكر البري أيضًا على ضربين: منه ما له نفس سائلة، ولا خلاف أنه نجس بالموت ومنه ما لا نفس له سائلة، وهل ينجس بالموت أو لا؟ اختلف العلماء فيه فقال مالك: لا ينجس بالموت كبنات وردان والخنفساء ونحوه. قال الشافعي: نجس بالموت. والدليل لنا قوله ﵇: (إذ (وقع) الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء). (قال): فمات (من ذلك) نجس، ونجس ما مات فيه من مائع غيره، أو لم يغيره، ولا ينجس الماء إلا بإذن يغيره"، وفيه

стр. 101

تفصيل، أما غير الماء من المائعات كالسمن، ونحوه هل ينجس جميعًا جامدًا، أو مائعًا، أو لا ينجس إلا موضع النجاسة وما جاورها إن كان جامدًا، فيه قولان في المذهب، والأصل في ذلك أن رسول الله ﷺ -سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان مائعًا فاطرحه، وإن كان جامدًا فاطرحه وما حوله)، وبمقتضاه قال الجمهور؛ وهو المشهور عند مالك. وأما الماء فلا يخلو أن يتغير أم لا، فإن تغير نجس، وفي العتبية من رواية أشهب، وابن نافع عن مالك في البئر تقع فيه الهرة فتموت، فإنه ينزح منها مقدار كبر الدابة وصغرها، وقلة الماء وكثرته، وكذلك الفأرة. وفي المجموعة إن ما وقع في البئر من الفرث والدم فإنه ينزعه إلا أن يغلبه، وإن لم ينزع منها شيء، وفرق ابن الماجشون بين أن يقع حيًا أو ميتًا، فإن وقعت ميتة لم يضر ذلك الماء، وإن تغيرت فيه رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، ولم يؤمر أهل البئر أن ينزحوا منها شيئًا، وإن وقعت حية، وماتت نزح منها قدر ما يطيبها، وإن لم يتغير، حكى ذلك أبو زيد في الثمانية، وقال أصبغ: (كل) الوجهين يفسد الماء (ويوجب إباحته) وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن الآبار الصغار كآبار الدور يفسدها ما مات فيها من شاة، أو دابة، أو دجاجة، وإن لم تتغير، ولا تفسد بما وقع فيها ميتة حتى تتغير.

стр. 102

وأما آبار السواني فلا تفسد، ولو مات فيها شاة إلا أن تتغير. وأما البرك العظام فإنه يفسدها ما مات فيها، وإن لم يتغير، إلا أن تكون عظيمة جدًا. قال ابن وهب: الدابة تموت في الجب يكون فيها ماء السماء، ولم يتغير الماء لكثرته إلا ما قرب منها قال: تخرج الدابة وينزع منها ما يذهب الرائحة واللون، فتطيب بذلك إن كان الماء كثيرًا وأنكره ابن القاسم وقال: لا خير فيه. وفرق ابن وهبب في هذه المسألة بين الماء المشكوك الذي له مادة، والدائم الذي لا مادة له، وأصل ابن القاسم أن الماء الدائم بخلاف الماء المتحرك الذي لا مادة له، والمشهور ألا تحديد فيه، وإنما ذلك لكثرته، وقلته، وكبر الدابة، وصغرها. وكان ابن الماجشون إذا سئل عن ذلك يقول ما نستقي أربعين خمسين، ستين، ولا تقف عند حد محصور. قوله: "وما تغير وجب نزح جميعه إلا أن يزول التغيير (منه) ": ولو قال حتى ينفذ الماء لكان صوابًا، لأن حكم النجاسة مستدام إلى أن يرفع الماء، ولعله جعل زوال التغيير علمًا على نفاذ الماء. وذكر فيما لا نفس له سائلة أنه لا ينجس بالموت وهو كما ذكره. فرع: اختلفوا فيما فيه دم ينتقل إليه عن غيره كالبراغيث، هل يلتحق بما له دم، أو بما ليس بدم، ففيه قولان في المذهب: فألحق القاضي بهوام

стр. 103

نجس من ( ... )، ونحوها مما له دم أنه نجس بالموت، وقال سحنون في برغوث ودم وقع في الثريد لا بأس أن يؤكل، وهذا يدل على أنه لا ينجس، وجعل ابن حبيب البعوض في صنف ما ليس له دم، ولا خلاف أنه لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، ومنه ما له دم، ولا خلاف أنه نجس بالموت، وينجس ما مات فيه على تفصيل ما قدمناه، ومنه ما فيه دم، وليس له دم - كالبراغيث والبعوض - ففيه قولان في المذهب. قال القاضي ﵀: "لا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا بشيء من المسنونات (والقرب) بمائع سوى الماء المطلق". وهذا كما ذكره، لا خلاف فيه في المذهب، وشذ على مذهبه أبو حنيفة. حيث جوز الوضوء بالنبيذ غير المسكر، وقد روي عنه أنه وافقهم في المسكر فقط. والحديث الذي اعتمد عليه ليلة الجن ضعيف الإسناد، وقد قيل إن ابن مسعود أنكره، وفي المذهب خلاف شاذ في المائعات، هل تزيل النجاسات أم لا؟ والمشهور الاقتصار على الماء لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾ وقوله ﵇: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) فنص على الماء المطلق، فدل ما حوله بخلافه.

стр. 104

باب في الاستنجاء وآداب الأحداث قال القاضي ﵀: " (ويختار) لمريد الغائط والبول أن (يبعد) بموضع لا يقرب منه أحد ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". شرح: هذا كما ذكره، ويؤخذ من هذه الترجمة أن الاستجمار داخل تحت الاستنجاء لأنه بوب على الاستنجاء، وأدخل فيه الاستجمار وأحكامه، وقد ثبت أن الاستنجاء مأخوذ من النجو، وهو المكان المنخفض من الأرض، وقد يطلق على الرفع أيضًا: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: ٩٢]. قال أهل العلم: نجوتك أي نجوتك عن الأرض ليكون (خطابًا من المستعطفين وغيره من المتعبدين) فسمى الاستنجاء بذلك، لأن الغالب في حال المستنجي أن يقصد الموضع المنخفض من الأرض، لأنه بعيد عن العيون، وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: نجوت العود إذا قشرته وأصلحته، وسمى به لأنه في الاستنجاء تقشير النجاسة عن محلها وإذهاب لعينها.

стр. 105

قوله: "ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد": هذا كما ذكره، وقد نهى رسول الله ﷺ ... وقوله ﵇: (إن كل سائلة يريد الرائحة وفي رواية يريد الصوت) وذكر في تهذيب الآثار أنه كان إذا أراد قضاء الحاجة يذهب (إلى المغسول) قال (ابن عمر): نحو ميلين عن مكة. وأما الاستقبال والاستدبار فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من منع ذلك مطلقًا في الصحاري والمدائن بناء على حديث أبي أيوب، ولم يعتبره ابن مسعود وغيره وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومجاهد

стр. 106

وأبو حنيفة (وأبي أيوب). وأجاز ذلك طائفة على الإطلاق [اعتمادًا] على حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ -أن نستقبلها وأجاز مالك ذلك في المدائن دون الصحاري جمعًا بين الأحاديث، وأجاز قوم الاستدبار، ومنعوا الاستقبال، اعتمادًا على حديث ابن عمر. والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن فيه إعمال الأحاديث والجمع بينهما، فهو أولى من ادعاء النسخ. واختلف المذهب في النهي عن ذلك، هل النهي لحرمة القبلة فيمنع مطلقًا، أو لحرمة المصلين فيمنع حيث يكون المصلي وفيه قولان. واختلف المذهب أيضًا على قولين في التجريد هل تجري إجماعًا على مجرى قضاء الحاجة أم لا؟ وسبب الخلاف النظر في تحقيق المناط.

стр. 107

قوله: "ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق": قلت: النهي عن التخلي في الموارد (والطرقات) وقد (أمر) رسول الله ﷺ -فاعل ذلك خرجه أهل الصحيح، وذلك لما فيه من الضرر العام، وثبت نهيه ﷺ -عن البول في الماء الدائم لأنه أفسده، وأجازه في الجاري، إذ لا يفسد بذلك. قوله: "ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحدث": هذا (محمل) على الكراهية. قوله: "وإذا أراد الاستنجاء فبشماله": قلت: النهي عن الاستنجاء باليمين ثابت عن النبي ﷺ ، والأمر فيه بين لما منع الاستنجاء به صحيح محرم، وقال به بعض أهل العلم، اعتمادًا على النية. قوله: "والأفضل (له) أن يجمع بين الماء والأحجار": أجمع العلماء على أن الجمع أفضل لقوله تعالى: ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: ١٠٨] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يجمعون بين الأحجار والماء. وذكر أبو

стр. 108

داود أنهم كانوا يستنجون بالماء. وروى الشافعي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : (يا أهل قباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم). وأجمع جمهور العلماء على أن الآية نزلت في أهل قباء، وشك بعضهم فقال: إن المسجد المذكور في الآية، هو مسجد المدينة، وهو أصح. وأجمع العلماء على جواز الاقتصار على الماء، وأجمعوا على جواز الاقتصار على الاستجمار مع عدم الماء، واختلفوا هل يجوز الاقتصار مع وجود الماء أو لا يجوز، والمشهور جوازه اعتمادًا على أنهم كانوا في الصدر الأول يقتصرون عليه، وأباه ابن حبيب، وتأول ما كان يفعله الصدر (تأويلاً) ضعيفًا. وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "غسل اليدين نجاة" وقال سعيد بن المسيب، وقد سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: "إنما ذلك وضوء النساء" والجمهور على خلافه. قوله: "فإن انتشر (عن) ذلك الموضع لم يجزئه إلا الماء": وهذا كما ذكره، لأنه لا يخرج حينئذ عن حكم الاستنجاء، وفيما قرب المخرج قولان، فقيل: لا يزال إلا بالماء، وقيل: يزال بالأحجار وبالماء، على أن ما قرب

стр. 109

الشيء حكمه كحكمه. قوله: "ويستحب له أن يأتي بالثلاثة": وهذا كما ذكره لقوله ﵇: (من استجمر فليوتر)، وقد اختلف العلماء هل المطلوب الإنقاء فقط، أو الإنقاء والعدد، ومذهب مالك أن العدد يستحب، واختلفت الرواية هل يجوز الاقتصار على ثلاثة للمخرجين، أو يطلب لكل واحد منهما وترًا، وفيه قولان، وكذلك اختلفوا هل يعم بكل حجر جميع المخرج، أو يجعل حجرين للجانبين، وثالث لوسط المخرج، والأول مشهور المذهب. واختلفوا إن اقتصر على حجر واحد له ثلاثة شعب، هل يجزئه أم لا؟ والصحيح حصول الإجزاء، بناء على أن المقصود النظافة والاستطابة. قوله: "وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء": وهذا كما ذكره. وقد شد قوم فقصروا الاستجمار على الأحجار، والتراب وما في معناه. قوله: "ويكره له العظم والبعر": لأن فيه حقًا للجن، والبعر أنه ملوث، وفي الحديث: (ولا تقربني حائلاً ولا رجيعًا) (ومن

стр. 110

إجزائه) "أخذ الحجرين ورمى الروث، وقال: إنها نجس". وقال الشافعي: إذا استنجى بالعظم لا يجزئه، وفي بعض الآثار أن عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ، وفي إسناده ضعف. قال القاضي ﵀: "ومَن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة ... " إلى آخر الفصل. شرح: اختلف المذهب في إزالة النجاسة على أربعة أقوال: الأول: إنها فرض مطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر ... ﴾ الآية، وقد قيل: إن المراد القلب؛ لأن الآية مكية [نزلت] قبل نزول الوضوء، وفيه نظر؛ لقوله ﵇ في حديث المعذبين: (إنهما يُعذبان، وما يُعذبان في كبير ... ) الحديث، وفي بعض روياته: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ)، وفي آخَر: (لا يستبرئ مِن بول).
следующие страницы →