← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

للشهر هل عليه الكفارة أم لا؟ وسنذكره بعد. الأصل الثاني: إذا أفطر ناسيًا ثم أفطر متأولًا من غير نسيان فعليه القضاء بلا خلاف ... واختلف المذهب في وجوب الكفارة عليه على قولين، من ذلك المرأة ترى الطهر ليلًا فلا تغتسل فظنت أن من لم يغتسل لا يصوم فتأكل، أو الرجل يفطر ناسيًا لسقوط حرمة الصوم فيفطر متأولًا، والرجل يدخل من سفره ليلًا فيظن ألا صوم عليه إلا بالدخول نهارًا فيفطر، والمسافر سفرًا قريبًا يظن أنه يبيح الفطر (بعذر) ومن رأى الهلال وحده فأفطر ظانًا بأن الصوم لا يلزمه والمرأة تفطر ظانة أن اليوم يوم حيضتها والمسافر يفطر ظانًا أنه يخرج لإكماله فيقيم والمريض يظن أن الحمى تأتيه يومه ذلك فلا تأتيه. فهذه المسائل كلها يتصور فيها جه من التأويل، فلا خلاف في وجوب القضاء فيها، وفي وجوب الكفارة فيها قولان في المذهب، المشهور سقوط الكفارة عذرًا بالتأويل سيما إذا كان التأويل ظاهرًا، والخلاف في ذلك بعد هذا التأويل. قال ابن القاسم: رأيت مالكًا يسقط الكفارة في كل ما (سئل) عنه من هذه الوجوه على التأويل. قال ابن الماجشون والمغيرة في المجموعة وابن حبيب: من أفطر ناسيًا ثم أفطر بعد ذلك متعمدًا، أو وطئ متأولًا فليكفر. قال ابن حبيب: إن وطئ متأولًا كفر، وإن أكل متأولًا لا يكفر. قوله: "لكل يوم كفارة": هذا هو المشهور، وقيل: لكل هتك كفارة، وتظهر فائدة ذلك إذا تكرر الهتك في اليوم الواحد مرارًا فتتعدد عليه الكفارة، وقيل: لا يتعدد أنواع الهتك، إعطاء الثاني حكم الأول، وكما وجبت الكفارة بالأول كذلك تجب بالثاني، ومن رأى أن الحرمة تسقط بالهتك الأول اكتفاء

стр. 387

بالكفارة الأولى، وهذا الخلاف قائم إذا كفر عن الهتك الأولى ثم انتهك، وأما لو انتهك فلم يكفر حتى انتهك ثانية فحكى أشياخنا أن الكفارة لا تتعدد في هذا المحل، والذي يقتضيه) النظر تعدد الكفارة مطلقًا، اعتبارًا بصورة الهتك. قوله: "لا يسقطها عن يوم وجوبها في آخر" معناه: إن تعدد الانتهاك في اليوم يوجب لكل يوم كفارة، ولا أعلم فيه خلافًا. قوله: "من غير اعتبار بالأنواع التي يخرج (بها عن الصوم) ": يعني أن أنواع الإفطار سواء بالأكل أو بالشرب أو الجماع اعتبارًا بالمعنى الجامع، فلذلك ألحقنا بالجماع غيره من أنواع المفطرات ونبه بذلك على مذهب المخالف حيث قصر الكفارة على الجماع فقط وهو قول الشافعي. سبب الخلاف فيه: هل الانتهاك بالأكل الشرب في معنى الانتهاك بالجماع أم لا؟ فقال الشافعي: الكفارة عقوبات لانتهاك الحرمة، والنفس للجماع أميل طبعًا، فكان تعليق الكفارة على خصوصية الجماع مناسبًا لمقصود الشارع، فلا يلحق به ما ليس في معناه، ولما كان ذلك عقوبات على الانتهاك وجب على ذلك قصر الكفارة على العامد دون الناسي من حيث كان غير منتهك بالمعنى. وكذلك لا تجب على مقتضى ذلك على المكره، وفي الأصلين عندنا خلاف الأولى إذا جامع في نهار رمضان ناسيًا فلا خلاف في وجوب القضاء، وفي وجوب الكفارة قولان الوجوب، لأن الاستفصال في قرائن الأحوال في مواضع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال، والإسقاط وهو المشهور لأنه غير مكلف ولا طالب الانتهاك، وكذلك المكره على الجماع، هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ فيه قولان عندنا أيضًا الوجوب إذ لا

стр. 388

يأمن لذة (قبلة)، ولا يتعلق بها الإكراه البتة وهو قول ابن الماجشون، والإسقاط لأن تلك اللذة طبيعية لا اختيارية، إذا كان الجماع مكرهًا عليه في حال الصوم، كانت أسبابه الداعية إليه وإلى الإنزال محرمة كالفكر والنظر والقبلة والملاعبة والمباشرة، لأن ذلك كله استدعاء المني ويستنزل به اللذة الطبيعية غالبًا، ولا خلاف أن فعل هذه المقدمات التي عددتها في حال الصوم يستدعي المني، لا يجوز. وإنما الخلاف هل يمنع (بنفسها) للاستدعاء، أو إنما يمنع الاستدعاء فقط، ومنه نشأ الخلاف في جواز القبلة للصائم، والخلاف في ذلك بين السلف مشهور، وفي المذهب في القبلة للصائم ثلاثة أقوال: التحريم مطلقًا لأن مظنة الشيء كالشيء غالبًا، والكراهية لما فيها من الاحتمال لإفساد الصوم، وعدم إفساده. وجوزوها للشيخ، ومن علم من نفسه سلامته غالبًا. منعها للشاب ومن لا يتقي سلامته منها غالبًا والخلاف في ذلك بين السلف مشهور. وصح أن رسول الله ﷺ : (يملك إربه). وروى عن ابن عمر قال: (رأيت النبي ﷺ في المنام فرأيته لا ينظر إلي فقلت: يا رسول الله ما شأني؟ قال: ألست الذي تقبل وأنت صائم؟ قلت: والذي بعثك بالحق لا أقبل بعدها، وأنا صائم أبدًا) وفي إسناده

стр. 389

متكلم. وأما الفكر والنظر لغير استدعاء المني فجائز، وأما المباشرة، والملاعبة فممنوعة لقوله سبحانه: ﴿فالأن باشروهن﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] ومقتضاها تحريم المباشرة بعد الفجر. تكميل: اختلف الفقهاء في من فعل مقدمات فأمنى مثل القبلة والمباشرة عل تجب عليه الكفارة، لأن فاعل السبب كفاعل المسبب في قضاء الانتهاك، أو لا يجب، لأن وجوب الكفارة معلق عن الجماع. والأول هو المشهور عندنا. وكذلك اختلف المذهب فيمن استدام النظر فأمذى، هل القضاء عليه واجب، أو مستحب، فيه قولان مراعاة للقصد، والاستدامة، والاستحباب اعتبار للسلامة. ولو استدام النظر فأمذى فالقضاء في هذه الصورة مستحبة، ولو نظر فالتذ بقلبه فلا شيء عليه. ولو أنعظ، فالمشهور القضاء خاصة ولا كفارة عليه. وعندنا وجوب الكفارة عليه إذا استدام النظر حتى أنعظ، لأن ذلك علامة على تحريك المني وقرب خروجه، ولو استدام النظر فأمنى فالكفارة واجبة عليه، وإن لم يداوم النظر فأمنى فلا خلاف في وجوب القضاء عليه. وفي وجوب الكفارة عليه قولان فقيل: عليه الكفارة إذا قصد النظر والمشهور سقوطها، لأن النظر لا يكون سببًا للمني غالبًا. وحكى الشيخ أبو القاسم فيمن نظر أو تذكر فأنزل روايتين في وجوب الكفارة، فقيل: إنها واجبة، وقيل: عليه القضاء دون الكفارة. ولو قبل فالتذ بقلبه فلا شيء عليه، وإن أنعظ فقولان وجوب القضاء، إذ الإنعاظ علامة على تحريك المني للخروج، وإسقاطه، لأن الاعتبار بالخروج لا (بالتمييد) للخروج،

стр. 390

وكذلك حكم المباشرة، أو الملاعبة إن لم ينعظ فلا شيء عليه، وإن أنعظ فقولان في القضاء: الوجوب والإسقاط، ولو قبل أو باشر أو لاعب (ناسيًا) فههنا وجبت عليه الكفارة بلا خلاف، ولو مس ذكره فأمنى أو مست المرأة فرجها فأمنت فعليها القضاء، والكفارة رواية عن المذهب. وكذلك إن جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو جامع فيما دون الفرج فأنزل، فإن جامع دون الفرج فلا كفارة إلا أن ينزل فلا يختلف حينئذ وهل يجب عليه القضاء إذا جامع دون الفرج فلم ينزل، نص البغداديون على وجوب القضاء. فقال: بعض شيوخنا الممنوعات التي يجب أن يمسك (عنها الصائم) نفسه ثلاثة: الأول: الجماع ودواعيه. والثاني: ما يصل (إلى البطن) من منافذ الجسد. والثالث: الاستقاء. الواجب بذلك ينقسم خمسة أقسام. الأول: يوجب القضاء والكفارة باتفاق، وهو الوطء العامد، فالكفارة في (هذا القسم) واجبة باتفاق. الثاني: ما يوجب القضاء باتفاق، واختلف في وجوب الكفارة، وهو من قبل أو باشر مرة واحدة فأنزل، ومن أسقط نية الصوم من قبل الفجر إلى غروب الشمس عامدًا أو الوطء ناسيًا، والأكل والشرب جاهلًا، ومن قالت:

стр. 391

حيضتي اليوم فأفطرت قبل الحيض حاضت فيه، والمريض القادر على الصوم يقول: اليوم يوم حماي فيفطر قبل مجيء الحمى والإكراه على ما يفسد الصوم، ومن أصبح على سفر فأفطر ولم يسافر فالقضاء في جميع ذلك واجب، وفي وجوب الكفارة قولان عندنا. الثالث: ما يوجب القضاء باتفاق، ولا كفارة فيه، وذلك الأكل والشرب نسيانًا، ومن ظن أن الشمس غابت، وأن الفجر لم يطلع ثم تبين خلافه. ومن نظر أو لمس أو قبل أو باشر، وقد كرر ذلك عامدًا ولم ينزل. الرابع: اختلف في القضاء ولا كفارة فيه كالفتائل للحقنة وصب الدهن في الإحليل ومن يداوي جحائفة بدواء مائع، وغيار الطريق الدقيق فلا كفارة في ذلك كله، وفي وجوب القضاء قولان. الخامس: اختلف في القضاء والكفارة فيه كالفلقة من الطعام بين الأسنان يبلعها عامدًا أو جاهلًا. وعليه قد اختلف في وجوب القضاء والكفارة على قولين، فقيل: القضاء خاصة دون الكفارة، وقيل: عليه القضاء والكفارة، وقد تقدم الكلام فيمن جامع عامدًا. ويتعلق بذلك حكم المرأة، ولا يخلو أن تطاوعه على الجماع أو يكرهها، فإن طاوعته فعلى كل واحد منهما القضاء والكفارة، وإن أكرهها فهل يلزمه التكفير عنها أم لا؟ فيه قولان في المذهب اللزوم تغليظًا عليه، ونفيه، لأن كفارته تجزئ عن الهتك، قال مالك: ومن قبل امرأته قبلة واحدة فأنزل فعليه القضاء والكفارة.

стр. 392

قوله: "ولا بالوجه الذي يخرج عن الصوم من اعتقاد تركه": يعني اعتقاد ترك الصوم وذلك أمسك عابثًا لا متقربًا. قوله: "إن بعد عقده": يعني أن يتركه. ويفسد عقده فهو كالأول. قوله: "بقطع نية أو إمساك" أو قطع إمساك فهو تنويع لنوع الفساد، إما قطع النية وإما قطع الإمساك. قوله: "ولا بطروء عذر بعد ذلك أو عدمه": يعني إذا أفطر منتهكًا، ثم لم يقض اليوم حتى جدت له معنى يبيح الفطر، فالقضاء والكفارة واجبان عليه لمقصوده الأول، والطارئ لا يرفع حكم الكفارة الثابت قبل الطروء. قوله: "والكفارة الكبرى ثلاثة أنواع": هذا كما ذكره، وقد اختلف في هذه الكفارة هل هي على الترتيب أو على التخيير، وذلك مبني على اختلاف روايات الحديث ففي بعضها هل تستطيع أن تعتق رقبة أخرى، وذلك يقتضي الترتيب وهي رواية ابن وهب عن مالك، وبذلك يقول الشافعي وأبو حنيفة. وجمهور أصحاب مالك على أنها على التخيير. فإذا قلنا: إنها على التخيير، فقد اختلفوا في الأفضل من أنواعها، (فقيل) هو الإطعام. قال

стр. 393

ابن القاسم: ولا يعرف مالك غيره، وروى ابن القاسم عنه أن المستحب في الفطر بالأكل الإطعام، ثم الصوم، ثم العتق، وقال أبو مصعب: إن أكل أو شرب فليس عليه إلا الإطعام، وإنما العتق والصيام في الوطء لأنه أعظم جرمًا. وقال مالك: الجميع في الاختيار سواء. واعتبر بعض الأشياخ حال المكفر، وحال البلد والوقت، فالإطعام في زمان الجوع أفضل، والعتق في زمان الرخاء أفضل، إلا أن يكون المكفر من أهل الرفاهية فيغلط عليه بالصيام وهذا استحسان، وإذا قلنا: إنها على الترتيب فشرع في الصوم ثم أيسر في أثنائه فهل ينتقل أم لا؟ فيه قولان في المذهب، والصحيح أنه ينتقل، لأنه بالدخول فيه قد تعين. تفريع: اختلفوا في السفيه هل يجزئ عنه الصيام، وإن كان واجدًا لغيره أم لا؟ وفيه قولان عندنا. أحدهما: أن فرضه الصيام، لأن العتق والإطعام إتلاف للمال، وقيل: هما مرتبان عن سبب فليستا بإتلاف شرعًا. قوله: "إعتاق رقبة كاملة": احترازًا من المعتقة بعضه. قوله: "غير ملفقة". قوله: "مؤمنة": احترازًا من الكافرة. قوله: "محررة": أي ليس فيها عقد حرية، ويشترط أيضًا أن تكون سالمة من العيوب، وكذلك حكم كفارة الظهار وغيره من أنواع الكفارة. والخلاف عندنا مشهور، هل يعتبر قوت المكفر نفسه أو قوت أهل البلد. قال القاضي ﵀: "وأما الصغرى فهي إطعام" إلى آخر الفصل. شرح: الأصل في الكفارة الصغرى قوله سبحانه: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]. والجمهور على أن هذه غير منسوخة بل محكمة للحبلى والمرضع،

стр. 394

ولا خلاف أنها مد بمد النبي ﷺ كما جاء مفسرًا في السنة، ويتعلق بمؤخر قضاء رمضان إلى رمضان من غير عذر، والمرضع، والحامل، والشيخ الكبير المفند والعطشان الذي يخاف الهلاك على نفسه. أما مؤخر قضاء رمضان من غير عذر فلا خلاف في وجوب القضاء، وهذه الكفارة الصغرى عليه. واختلفوا في المرضع هل تجب عليها هذه الكفارة مع القضاء إذا أفطرت لعذر أم لا؟ وفيه روايتان عندنا، فكما سهل الشيخ أبو القاسم بن الجلاب فقال: ليس عليها إلا القضاء فقط كالمريض، وقيل عليه القضاء (والكفارة) وكذلك المعطش والشيخ المفند هل تجب عليه (الكفارة) أيضًا أم لا؟ فيه قولان عندنا. ونص القاضي على أنها مستحبة في حق المرضع والهرم. وأما الحامل ففيها أربعة أقوال: الأول: وجوب القضاء والكفارة مطلقًا سواء خافت على نفسها، أو على ولدها. الثاني: سقوط القضاء مطلقًا. الثالث: وجوبه فيما بعد الستة الأشهر، لأنها في حكم المريض وسقوطها فيما قبل ذلك. الرابع: أنها إن خافت على نفسها فلا كفارة عليها، وإن خافت على ولدها فعليها الكفارة مدان والاستدلال عليها غير متحصل على التحقيق. قوله: "وأما قطع التتابع فهو أن يفطر بغير عذر أو بعذر يمكنه دفعه

стр. 395

كالسفر": قد ذكرنا أن تسمية القاضي قطع التتابع وقطع النية حكم فيه تأمل، وإنما لاحظ في ذلك أنه إذا قطع التتابع بغير عذر، وجب عليه الابتداء، أو حرم النية فهو حكم يوجب الابتداء وامتناع البناء، وجعل السفر عذرًا اختياريًا لا يعتبر مع الأعذار التي ذكر، وقد تقدم الخلاف في ذلك في صيام التطوع، وأما السهو والمرض وخطأ العدة والحيض بأكله بقيته. قوله: "وأما قطع النية فهو إفساد الصوم أو تركه على الإطلاق": وأشار بالإفساد إلى خرمه بوجه مفسد بعد انعقاده (وأشار) بقوله: "أو تركه على الإطلاق" إلى من يعقده (البتة)؟، وهذا القسم فيه نظر، لأن الترك المطلق لا يصدق على قطع النية، وكلام القاضي يقتضي حمله عليه، فلو قال القائل: قطع النية ترك الصوم لكان الكلام غير مفهوم البتة، وكذلك ليس إفساد الصوم أيضًا هو غير قطع النية، بل القطع فعل المكلف، والإفساد حكم شرعي مترتب على المكلف. قوله: "ولا يقطع استدامتها وإنما يقطع استصحاب ابتدائها": إشارة إلى أن الأعذار التي هي المرض، والسفر، وإن كانت مانعة من (انحتام) مانع عقد الصوم فهي لا تمنع استدامته، لأن للمريض والمسافر أن يصوما (إنذارًا) لفعل الصوم، وتحملًا للمشقة في طاعة الله، غير أنهما إذا اختارا الصوم لزمهما تجديد النية وقطع هذا العذر استصحاب ابتداء النية المتصلة في جميع الشهر كما في حق الحاضر، ومن لا عذر له من المكلفين، فيلزم المريض والمسافر تجديد كل ليلة، لأن العذر مانع لهما من استصحاب النية الأولى، والضمير في قوله: "ولا يقطع" عائد على العذر الذي هو المرض والسفر.

стр. 396

قال القاضي ﵀: "وكل مسافر (سفر القصر) " إلى آخر الفصل. شرح: الأصل في جواز الفطر للمسافر الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية [المائدة: ٦] فافطروا، وهو من لحن الخطاب. وأما السنة فحديث أنس قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقر، فلم يعب أحد منا على الآخر) وانعقد إجماع الأمة على ذلك، واختلف المذهب في حكم ذلك كما تقدم في قصر الصلاة، والمشهور من المذهب أن الصوم أفضل، واحتج بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٤]. وأما السنة فما ثبت من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر، ثم أفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ . فابتداؤه ﷺ يدل على أنه الأفضل، وعكسه آخرون فقالوا: رجوعه ﵇ إلى الفطر يدل على أنه الأفضل وأما من قال بالتخيير فاحتج بحديث أنس، وقد قيد القاضي بقوله: سفرًا يجوز له قصر الصلاة فيه" فإن ما

стр. 397

دون ذلك لا يجوز له الفطر فيه، ولا القصر لانتفاء السنة غالبًا. قوله: "ولا ينحتم عليه إلا بأن يقيم بعزيمة في موضع لا أهل له به أربعة أيام ولياليها": قلت: لأنه إذا نوى أربعة أيام صار حكم المقيم، يدل على ذلك أنه ﵇ لما هاجر من مكة أذن لمن تخلف عنه أن يقيم ثلاثة أيام، وقد كان منع من الإقامة بها بعد هجرته ﵇، فدل على أن الثلاثة الأيام في حكم السفر لا في حكم الإقامة. فرع: إذا أصبح صائمًا في الحضر، ثم عرض له سفر فسافر فهل يجوز له الفطر أم لا؟ المشهور أنه لا يجز له ذلك اليوم لانعقاد نية الوجوب عليه، وأجازه ابن حبيب، وحكى الشيخ أبو الحسن بن القصار عن المذهب كراهية الفطر لا تحريمه. فإذا قلنا: إنه لا يجوز له الفطر، وهل يستحب ذلك في حقهم أم لا؟ فإن (تأول المسافر) فأفطر فلا يخلو أن يفطر قبل السفر أو بعده فإن أفطر بعد خروجه فقال المغيرة وابن كنانة عليه الكفارة لأنه بانعقاد سبب الوجوب عليه صار هاتكًا. وقال مالك: لا كفارة عليه، لأنه لم يفطر إلا في حال (لا يجب) عليه الصوم فيه. وإن أفطر قبل خروجها فاختلف في وجوب الكفارة عليه على ثلاثة أقوال. الأول: وجوبها عليه، خرج أو لم يخرج مراعاة لزمان الانعقاد، وحال الفطر. قال ابن القاسم: لا كفارة عليه لأنه متأول، وقد ذكرناه قبل، سواء خرج أو لم يخرج وهو قول أشهب وسحنون. وروى ابن

стр. 398

حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون أنه إن (أفطر استعمال أسباب السفر). مسألة: وإذا صام في السفر ثم أفطر فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟ قولان (وجوبه ونفيه) وقيل: تجب مطلقًا، لأن دخوله في الصوم أوجبه عليه، وأراد التخيير، وقيل: لا كفارة عليه اعتبارًا بأصل التخيير وقيل: إن أفطر فجامع فعليه الكفارة، وإن أفطر ولم يجامع فأكل فلا كفارة عليه، لأن ذلك يقوي على السفر بخلاف الجماع. قوله: "والأعذار التي يسوغ معها الفطر في رمضان ضربان": مقصود هذا الفصل أن يبين أن من الأعذار ما يؤمر المكلف بالإمساك بقية يومه مع ارتفاعه، ومنها ما لا يؤمر بالكف في (يومه) كالمسافر والمريض والمرضع يموت ولدها لا يجب عليهم الكف، وأما الناسي، ومخطئ الوقت والعدد، عليهم ذلك. فالناسي هو الداهل عن كون اليوم من رمضان. وأشار بمخطئ الوقت إلى الأسير. والخطأ في العدد ظاهر وذلك عند الأهلة. وانظر قوله: "منها ما لا يوجب ذلك فيه" هل يقتضي إثبات الاستحباب، أو التخيير، ومقتضى اللفظ نفي الإيجاب فقط. وأشار بقوله: "مع العلم" بكون اليوم من الشهر، أو بشرط عدمه (إلى) كلا القسمين، فإن المسافر والمريض والمرضع أبيح لهم الفطر مع علمهم باليوم، وأما الناسي ومخطئ الوقت والعدة فإنما أفطروا لعدم العلم باليومين، فقابل القسمين بطرفين، قابل المسافر والمريض والمرضع بطرف العلم، وقابل الناسيء ومخطئ الوقت والعدة

стр. 399

بالطرف الآخر الذي هو عام العلم باليوم، وقابل شيئين بشيئين وهي مقابلة حسنة، والتفات صحيح في الكلام. والضمير في قوله: "أو شرط عامه" عائد على العلم، والإباحة المطلقة، إشارة إلى الإباحة في محل العذر، فهي مطلقة في محلها والله الموفق.

стр. 400

باب الاعتكاف قال القاضي ﵀: "والاعتكاف قربة" إلى قوله: "وليل المعتكف". شرح: الاعتكاف في اللغة اللزوم. قال الله تعالى: ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقال: ﴿سواءً العاكف فيه والباد﴾ [الحج: ٢٥]. وهو الشرع: "ملازمة المسجد، للعبادة". أجمع العلماء على أنه من أعمال البر لا سيما في رمضان، لأن رسول الله ﷺ وخيار المسلمين فعلوه وكانوا عليه فيه. واختلف الفقهاء في حكمه، فأطلق القاضي أبو محمد، والشيخ أبو محمد بن أبي زيد وكثير من القرويين عليه أنه نافلة، وقال بعض الأندلسيين: سنة مؤكدة سيما في عين رمضان رجاء التماس ليلة القدر، وهي عبارة أبي الوليد بن رشد. وسماه القاضي قربة من حيث كان داخلًا في أعمال البر، ثم خصصه بحكمه، وهو من نوافل الخير، فلفظ القربة عام، ولفظ النافلة خاص، فلا يظن بكلام القاضي ههنا الترادف والتوكيد، بل

стр. 401

هما إطلاقان: عام، وخاص، وفي كلام مالك ما يدل على كراهيته لأنه شاق قد يكون يقدر الإنسان على الوفاء بجميع شروطه. وفي الشرع ينقسم قسمين: نذر وتطوع. فالنذر على وجهين: معين، وغير معين، فالمعين يلزمه بتعيينه فإن كان في رمضان يلزمه قضاؤه، وإن كان في غير رمضان فأفطر فيه لمرض أو غيره من الأعذار فهل يلزمه قضاؤه أم لا؟ قولان حكاهما الشيخ أبو القاسم لزوم القضاء ملاحظة الالتزام، ونفي اللزوم ملاحظة التعيين وغير المعين هو المطلق، ويلزمه قضاؤه إجماعًا. ولا يجوز جعله في صوم رمضان، ولا في غيره من أنواع الصيام الواجب كصوم الظهار، وقتل النفس والتطوع، وهو ما يشرع فيه من غيره. قوله: "ويلزم بالنذر" هو كما ذكره لقوله سبحانه: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] ولقوله ﵇: (من نذر أن يطيع الله فليطعه). قوله: "ومعناه في الشرع": هو تخصيص شرعي والصوم شرط فيه لا سيما اعتكافًا شرعيًا لأنه لا بد عندنا منه. وقد اختلف العلماء في ذلك، فاستقرئ من مذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا اعتكاف إلا بصوم، وبه قال من السلف كثير. منهم: ابن عمر وابن عباس وقال الشافعي: الاعتكاف بغير صوم جائز.

стр. 402

وسبب الخلاف فيه أمران: أحدهما: أن الله سبحانه قرنه به في الآية التي تضمنت ذكر الصوم. الثاني: أن رسول الله ﷺ لم يعتكف قط إلا في رمضان، فهل ذلك الاقتران الفعلي مقصود. والثاني هو مورد النظر، والأصح أنه مقصود. واحتج الشافعي بحديث عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: لله علي أن أعتكف ليلة فقيل: إن نذره باطل، إذ لا اعتكاف إلا بصوم، والليل ليس محل الصوم، وقيل: يلزمه اعتكاف يوم وليلة لارتباطهما، (ولا) سيستغني بأحدهما عن الآخر وكذلك اختلفوا إذا قال: لله علي أن أعتكف يومًا، فقيل: لا يجوز لفعله ﷺ كان تطوعًا لا منذورًا. وكذلك اختلف أهل العلم إذا قال: لله علي أن أعتكف مطلقًا هل يلزمه فيه التتابع، وهو قول مالك وأبو حنيفة أو لا يلزم، وهو قول الشافعي. قوله: "مع صوم إما له (أو) لغيره": وهذا فيه تسامح، لأن ظاهر كلامه عموم ذلك في اعتكاف النذر والتطوع، واعتكاف النذر لا يجوز فيه إلا الصوم المراد له، حتى إنه لا يجوز في شيء من أنواع الصيام الواجب كما ذكرناه على نصوص المذهب، وحكى بعض المتأخرين اختلاف المذهب فيمن

стр. 403

نذر اعتكافًا مطلقًا هل يكون الصوم منذورًا أم لا؟ على قولين، فمن قال منذورًا لم يجز أن يجعله في صوم واجب، ومن قال: ليس بمنذور جعله في أي صوم شاء، وهذا جار على مقتضى ما قاله القاضي أبو محمد. قوله: "والمرأة والرجل (في ذلك سواء) ": تنبيهًا على مذهب المخالف أبي حنيفة حيث قال: "اعتكاف المرأة في بيتها أفضل" كما أن صلاتها في بيتها أفضل من صلاة المسجد كما جاء في الخبر. ومن العلماء من رأى أن اعتكافها في المسجد أفضل مع زوجها كما كان ﵇ يفعل مع أزواجه. قوله: "ولا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد": قلت: أكثر العلماء على أن الاعتكاف الشرعي لا يصح إلا في المسجد، وقال ابن لبابة: يصح في غير المسجد، وقال قوم: لا يكون الاعتكاف إلا في المسجد الجامع لما يلزم المعتكف من حضور الجمعة والخروج إليها. قوله: "ولا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لأربعة أمور أحدها حاجة الإنسان": وهذا لا يتصور الاعتكاف فيه، وكذلك طرؤ حيض أو نفاس أو مرض. واختلف المذهب هل يخرج لشراء طعامه أم لا؟ فالمشهور جواز ذلك، والشاذ المنع من ذلك، ويؤمر بتيسر أشيائه وتهيئ معيشته قبل الدخول،

стр. 404

وكذلك اختلف المذهب عندنا هل يخرج لصلاة الجمعة إذا اعتكف في غير مسجد الجمعة، وهل يخرج للجنازة في خارج المسجد أم لا؟ وهل يخرج لصلاة العيدين، ولغسل الجمعة، ولغسل ثيابه إذا احتاج إلى ذلك، وفي ذلك كله عندنا خلاف في المذهب فقيل: لا يخرج، لأن ذلك مناقض لسنة الاعتكاف، فإن خرج بطل اعتكافه، وقيل: يخرج لأن ذلك ضرورة وطاعة، وكذلك لا يخرج لطلب دين له، وهل يخرج لدين عليه أو لا؟ لا يخلو أن يدخل لدداً أو غير لدد، فإن دخل لدداً فلا خلاف في إخراجه جبراً، وإن دخل على غير وجه اللدد فهل يخرجه الحاكم جبراً أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال، فقيل: يخرجه مطلقًا تغليبًا لحق الآدمي، وقيل: لا يخرجه مطلقًا تغليقًا لحق الله سبحانه، وقيل: إن بقي له من الاعتكاف اليوم واليومين فلا يخرجه، فإن طال الأمر أخرجه، قال ابن القاسم: إن خرج لطلب دين عليه ناجز وجب عليه بطل اعتكافه، وروى عن مالك أنه لا يبطل، لأن هذا ضرورة، وإن طلب بأداء شهادته. قال مالك في (العتبية): يؤديها في المسجد، وقيل: ينقل عنه، وأجاز النقل عنه، وإن كان صحيحًا لأجل العذر. قوله: "ويلزم المعتكف من حكم الاعتكاف في حال خروجه ما يلزمه في حال مقامه": وهذا كما ذكره لأن حكم الالتزام باق عليه، وإنما أباح له الخروج وجود العذر. قوله: "ولا يجوز له الخروج لغير ما ذكرناه من عيادة المريض أو صلاة على جنازة، وإن كان لأهله".

стр. 405

قلت: اختلف المذهب في العمل الذي يخص الاعتكاف، قيل: الصلاة وذكر الله، وقراءة القرآن لا غير ذلك، وقيل: جميع أعمال البر الأخروية، فيدخل في ذلك الصلاة على الجنازة ودراسة العلم ونسخه، وكل عمل فيه ثواب وقربة، ولا يبيح الاشتراك فيه إباحة ما ليس فعله في الاعتكاف كالحج والعمرة، والخلاف في ذلك بين أهل العلم مشهور، قال مالك: قد اعتكف النبي ﷺ وعرف المسلمون سنته، فإن اشترط ما يغير سنة الاعتكاف، فحكى ابن القصار أن ذلك لا يفيد. قوله: "ويتجنب المعتكف جميع أنواع المباشرة": قلت: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. نبه بالمباشرة على ما في معناها من أنواع الاستمتاع، فإذا فعل من هذه الممنوعات شيء بطل اعتكافه، ووجب عليه القضاء، هذا مذهب جمهور العلماء وشذ ابن لبابة فقال: إن المباشرة تحرم على المعتكف في المسجد، وأما في غير المسجد فلا. وإن جامع عامدًا في غير المسجد لم يبطل اعتكافه عنده، وهذا شذوذ عن أقوال الجماهير ولا يعول عليه، وربما كان به مسندًا بالآية، وقال أبو حنيفة: إن قبل أو باشر لم يبطل اعتكافه. وأجمع العلماء على أن المعتكف إذا ارتكب كبيرة بطل اعتكافه، ولو بطل اعتكافه لعذر جاز له البناء. قوله: "وله أن يعقد النكاح لغيره أو لنفسه": وهل (يجوز) النكاح للمحرم، والخلاف في ذلك مشهور.

стр. 406

قال القاضي ﵀: " وليل المعتكف ونهاره سواء" إلى آخره. شرح: قد تقدم العمل الذي يخص الاعتكاف، وبقي النظر في الوقت الذي يدخل المعتكف إلى معتكفه، واختلف العلماء في ذلك، قال مالك: يختار له الدخول قبل الغروب (للشمس) من ليلة الذي هو مبتدأ اعتكافه ليأتي عليه (الليل) السابع بيومه وهو معتكف، وهذا إذا بنينا على اعتبار الليل، وقال الأوزاعي: يدخل بعد صلاة الصبح، وقال (الشافعي) والليث: وروى فيدخل قبل طلوع الفجر لتحقيق اعتكاف اليوم فقط من حيث كان الليل مرادًا بنفسه للاعتكاف ولا معتبر فيه، والصحيح في ذلك الاعتماد على ما خرجه البخاري عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يعتكف في رمضان فإذا صلى الغداة داخل مكانه الذي كان يعتكف فيه). قوله: "والاختيار فيه ألا ينقص عن عشرة أيام": أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا حد له، واختلف في أقله وقيل لا حد لأقله، وقيل: يوم وليلة، إذ لا يجوز ليلة، لأن الليل ليس محل الصوم، فلا أقل من يوم وليلة لتحقق الصوم الذي هو شرط الاعتكاف، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل: عشرة أيام. ورواه ابن القاسم عن مالك اعتمادًا على أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، هل ذلك التحديد أداء (للواجب) أو للأفضل، هو مورد النص، وصح حديث عمر بن الخطاب الذي أمره ﵇-

стр. 407

أن يوفي بنذره، وأما التحديد بثلاثة وما دونها فاستحسان لا دليل عليه. قوله: "وفي حقيقة الواجب أن يدخل قبل طلوع الفجر": لأنه (مبدأ) اليوم الذي هو محل الاعتكاف، إذ الليل ليس محلًا عند الجمهور، وبغروب الشمس ينقضي اليوم، فعنده يتحقق جواز الخروج، واستحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان ألا يرجع إلى بيته إلا بعد أن يصلي العيد، وإن خرج بعد غروب الشمس ليلة الفطر أجزأه، وقال سحنون وابن الماجشون: إن رجع إلى بيته قبل طلوع الفجر من ليلة الفطر فسد اعتكافه لأن الليلة الفائتة من العشر هي المجتمع عليها، فإن بقي عليه أيام من الاعتكاف النذر بعد يوم الفطر، شهد العيد ثم عاد إلى الاعتكاف، وقيل: لا يخرج إلى العيدين، والأول أصح، لأنه مشهور ما يؤمر بمحضره. قوله: "والاعتكاف مقتضى بإطلاقه التتابع": وقد تقدم الخلاف في ذلك، وعمدة مذهب مالك أن الصوم المنذور المطلق لا يقتضي التتابع بخلاف الاعتكاف المطلق المنذور مثل: أن يقول: لله علي أن اعتكف عشرة أيام فيجب عليه التتابع، ولا يجوز تفريقها، فإن فرقها لعذر بنى، وإن كان لغير عذر ابتدأ. والله الموفق للرشاد.

стр. 408

كتاب المناسك قال القاضي ﵀: "الحج فرض واجب على مستطيعه" إلى قوله: "وفرض الحج". شرح: الحج في اللغة بكسر الحاء، وفتحها، هو القصد مطلقًا، وفي الشريعة: قصد البيت الحرام لأداء الفريضة المعلومة التي (هي) أحد أركان الإسلام. والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا﴾ [الحج: ٢٩] وقال ﵇: (بني الإسلام على خمس) وذكر فيها الحج، وقال ﵇:

стр. 409

(كتب عليكم الحج فحجوا)، وأجمعت الأمة على وجوبه على المستطيع، وسنتكلم على المستطيع بعد. (وإرداف) القاضي بقوله: "فرض واجب" تأكيد كما قدمناه قبل. قوله: "على مستطيعه": (تقييد) يخرج غير المستطيع، والاستطاعة هي شرط مجمع عليه بين الأمة. قوله: "من الأحرار المكلفين": احترازًا من العبيد. قوله: "الرجال": تحرزًا من الصبيان، لأن الصبي لا يسمى رجلًا في حال الصبا باعتباره إطلاق الجنس. قوله: "وشروط وجوبها أربعة البلوغ": احترازًا من الصبي، والعقل احترازًا من المجنون، فلا خلاف بين المسلمين في اشتراطهما في الوجوب، لأن غير البالغ وغير المكلف فاقدان شروط المكلف، وإنما اختلف الفقهاء في حج الصبي، هل ينعقد أم لا؟ قال مالك والشافعي: إذا وقع من الصبي فهو منعقد، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، واحتج مالك والشافعي بحديث البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ : (مر بامرأة وهي في محفتها

стр. 410

فأخذت بضبعي صبي قالت: يا رسول الله ﷺ ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) واحتج أبو حنيفة بأن القلم مرفوع عنه بنص الحديث. وقوع العبادات من غير العاقل قال: لا يصح، وهذا عموم لقائله، خصوص لحديث ابن عباس. واختلف القائلون بأن حج الصبي ينعقد هل يجزئه عن حجة الإسلام أم لا؟ قال مالك والشافعي: لا يجزئه وقال داود: يجزئه، واعتمد مالك والشافعي على أنه إذا وقع من الصبي نافلة فلا يجزئ عن الفريضة. واعتمد داود على ظاهر حديث ابن عباس. واختلف أصحاب مالك في صحة انعقاده عن الطفل الرضيع يعقده عنه أبوه أو وليه، واختار بعضهم صحة انعقاده ووقوعه عن ابن السبع، والعشر، لأنه مأمور بالصلاة شرعًا، وروى أن المذهب لم يختلف في ذلك، واشتراط الحرية تحرزًا من العبد. والمتحصل على مالك أن لا حج على العبيد، فإن حج وهو عبد، ثم عتق لم يجزه عن الفريضة كالصبي اعتمادًا على أن العبيد مستغرقون في حقوق السادات، فلم يقع المشترط في الوجوب.

стр. 411

قوله: "وشروط أدائه شيئان: الإسلام": قد قدمنا الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة، وعليه اعتبار هذا الشرط. وأما إمكان السير فهو شرط في الوجوب لأنه راجع إلى الاستطاعة التي أدخلها في شروط الوجوب. إلا أن ظاهر كلام القاضي أن الاستطاعة إلى حال المكلف في نفسه فهي شرط في الوجوب. وإمكان السير راجع إلى الطريق من الأمن، والخوف فلذلك جعلها من شروط الأداء، فلا (تناقض) في كلامه باعتبار هذا المقصود. وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة المشترطة، هل هي مقدرة، أو بحسب الأحوال، والمشهور من المذهب أنها بحسب الأحوال كما قاله القاضي. وقال الشافعي وغيره: هي الزاد والراحلة مع أمن السبيل، وروى هذا القول الذي قاله الشافعي عن سحنون وغيره من أهل المذهب. قوله: "كالفيوج": قال ابن سيده في المحكم: الفيج رسول السلطان

стр. 412

على رجليه، وجمعه فيوج يقال: أفاج في الأرض إذا ذهب فيها، وهو الذي يقال له: الرقاص. قوله: "وليس المحرم للمرأة من الاستطاعة": وهذا قد اختلف العلماء فيه. وتحصيل القول فيه: أن الحج لازم لها مع الزوج، أو ذي محرم. واختلف المذهب إذا لم يكن لها ولي على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تسافر مع الرفقة المأمونة تقديمًا لفريضة الله تعالى. الثاني: أنها لا تسافر إلا مع الولي المحرم، أو الزوج. الثالث: أنها تسافر بحجة الفريضة مع الرفقة المأمونة، وإن لم يكن لها زوج ولا ولي، ولا تسافر بحجة النافلة إلا مع زوج، أو ذي محرم، وسوى في حقها البر والبحر في زمان يغلب فيه على الظن الأمن وروى عن مالك أنه كره للمرأة الحج في البحر. قال أبو عمر بن عبد البر: فهو كذلك في الجهاد أكره قال بعض البغداديين من المالكية: إنما كره ذلك لصغر السفن بالحجاز، إذ لا يمكن للمرأة الاستتار فيها لضيقها، فأما السفن الكبار فلا بأس بها. وروى عن مالك أنها إذا لم تجد سبيلًا إلا في البحر فلا يلزمها الحج جملة من غير تفصيل. واعتمد من اشترط في استطاعتها المحرم على نهيه ﵇ أن تسافر المرأة من غير ذي محرم منها أو زوجها فوق ثلاثة، وفي بعضها يومين، وفي بعضها

стр. 413

يوم وليلة، وفي بعضها يوم، وفي بعضها بريد، وذلك كله مروي عن ابن عمر، واعتمدوا أيضًا على أنه ﵇: (رد رجلًا (اكتتب) في الغزو والحج امرأته). واعتمد الآخرون على أن الاستطاعة حاصلة وهي شرط الوجوب. وروى عن ابن القاسم أن المرأة إذا قدرت على المشي، ولا تجد راحلة فلا يلزمها المشي إلا أن يكون الموضع قريبًا جدًا كأحواز مكة وقراها. وروى عن مالك أنه لا يلزمها المشي إن قدرت لضعفها، ولأن ذلك من تكليف المشقة المرفوعة شرعًا. وسئلت عائشة ﵂ عن المحرم للمرأة هل هو شرط فقالت: (ليس كل الناس تجد محرمًا). ولا خلاف أن الحج لا يلزم الأعمى الذي لا يجد قائدًا، أو لا يجد من يستبد بخدمته، لأن ذلك من الحرج المرفوع، فإن وجد قائدًا لزمه، لحصول شرط الاستطاعة حينئذ. قوله: "والبحر لا يمنع الوجوب": هو كما ذكره على الشرط الذي ذكره، ولو علم من حاله أنه يميد حتى (يعطل) فريضة واحدة، حرم عليه ركوبه. وأما (المعطوب) الذي لا يمسك نفسه عن الراحلة، ففرض الحج

стр. 414

ساقط عنه لعجزه فقد شرط الاستطاعة، لأنه ﵇ عذر الخثعمية حيث شكت إليه أن أباها شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأمرها بالنيابة عنه. فلذلك يدل على سقوطه عنه ببدنه، أو على أنه مخاطب به في ماله، وسنذكره. قال القاضي ﵀: "وفرض الحج على الفور" إلى آخر الفصل. اختيار المتأخرين من المالكية. والخلاف فيه بين العلماء مشهور. ووقع في المذهب فيمن منعه أبواه أو أحدهما أنه يتربص السنتين والثلاثة، لأنهما واجبان (تعارضا). والمختار عند البغداديين من المالكية أنه على الفور، وهو صريح مذهب أبي حنيفة. وللعلماء في هذه المسألة مسالك منطقية وقياسية. فاعتمد الشافعي، ومن تبعه من المتأخرين من المالكية على أن النبي ﷺ أخر الحج بعد أن فرض عليه. وذلك يقتضي التوسعة، إذ لو

стр. 415

كان على الفور لما أخره، عنه الحنفية بأنه ﵇ إنما أخره بتوجيه من الله، إذ كان مشتغلًا بالدعاء إلى الله، وتقرير التوحيد، والإرسال إليه، فأخره لاضطرار العارض، وأحسن السنتين كالزيادة في تأخيره والثلاثة إلا رضا الأبوين، ومنها أنه كان مصدودًا في غالب أحواله، لأن المشركين قد استولوا على مكة حتى أظهر الله أمره، فكان تأخيره ﵇ بعذر، وقد رد الحنفية ذلك من طريق المعنى والقياس المشهور، وذلك أنهم قالوا: كما لا يجوز تأخير الصلاة حتى يذهب وقتها، كذلك لا يجوز تأخير الحج وقت وجوبه على العام الذي توجب فيه التكليف وتحقق في وجوبه على المكلف سيما أن الحياة إلى العام الثاني محتملة. وقال القاضي: "هذا استحسان، ورفق لصعوبته وموضع الاجتهاد في استطاعته" إشارة إلى استحسان التأخير لتعارض النظر والاجتهاد في تحقيق الاستطاعة المشترطة في الوجوب حتى لو تحصلت تحقيقًا لما كان إلى التأخير سبيل، فلما كان موضع اجتهاد، وكان حصولها غير متيقن، جاز التأخير المذكور. قوله: "ومن مات قبل أن يحج لم يلزم الحج عنه": وهذا كما ذكره، وهو صريح مذهب مالك. وقد قسم العلماء العبادات على ثلاثة أقسام: مالية محضة، فالنيابة فيها جائزة إجماعًا، وبدنية محضة فالنيابة فيها ممنوعة كالصوم، ومركبة من المال والبدن كالجهاد والحج، وهذا قد اختلف في جواز النيابة فيه في الفرض. وأجمع العلماء كافة على جواز النيابة في حج التطوع. وتحصيل مذهب مالك ﵀ أن المستنيب في الحج إما أن يكون حيًا،

стр. 416

أو ميتًا، فإن كان ميتًا فلا يخلو أن يوصي به أولًا. فإن لم يوص به فلا حج عنه على المشهور سواء كان ضرورة، أو غير ضرورة. فإن أوصى به هل تنفد وصيته، ويحج عنه أم لا؟ فيه قولان: المشهور تنفيذ وصيته، والاستئجار عليه من ثلثه مراعاة للخلاف. والشاذ أن وصيته لا تنفذ، والنيابة عنه لا تجوز ملاحظة لأصل القاعدة: أن النيابة في الأعمال البدنية لا تجوز. وإن كان حيًا إما أن يكون عاجزًا، أو قادرًا عليه، فإن كان قادرًا عليه لم تجز النيابة عنه بلا خلاف، وإن كان عاجزًا فهل تجوز النيابة عنه أم لا؟ في المذهب فيه ثلاثة أقوال: الأول: جوازها مطلقًا من كل نائب أجنبيًا، كان أو قريبًا عملًا بمقتضى الأحاديث الصحاح الواردة في المذهب. منها: ما خرجه الشيخان البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: (أن امرأة خثعمية قالت لرسول الله: يا رسول الله فريضة الله على عباده أدركت أبي كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه، وذلك في حجة الواداع) ومنها: ما خرجه البخاري أيضًا من حديث ابن عباس قالت: (أتت امرأة من جهينة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت الحج أفأحج عنها؟ قال: حج عنها أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضية؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء). القول الثاني: امتناع النيابة مطلقًا اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. القول الثالث: جواز نيابة الابن فقط دون غيره من (الأجانب والأقارب) قصرًا للحديث على ما ورد عنه. قوله: "ويلزم النائب في الحج عن غيره أن ينوي به من ينوب عنه":

стр. 417

وهذا كما ذكره، لأن فعل النائب إنما (هو) عارية (لمن) ناب عنه، فلذلك خصه بالقصد. قوله: "ويكره لمن لم يؤد فرض نفسه أن ينوب عن غيره": وهذا كما ذكره، والدليل عليه حديث ابن عباس أنه ﵇ سمع رجلًا يقول: (لبيك عن شبرمة، فقال له: ومن شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قال: قريب لي، فقال ﵇: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة). قوله: "ويكره التنقل بالحج قبل أداء فرضه": وهو كما ذكره، لأن الفرض أسبق وحرمته آكد. قوله: "والنيابة في الحج بأجر وبغير أجر سواء": وهذا كما ذكره، والتسوية بينهما في جواز النيابة على شرطها في محلها غير أن (أخذ) الأجرة على ذلك مكروه شديد الكراهية، لأن الأصل في العبادات أن تفعل تقربًا إلى الله، ولرجائه العوض منه، لا للأغراض الدنيوية. قال مالك: لا يستأجر الرجل نفسه في عمل البر (والحطب التي من هذا). ثم ذكر القاضي أن هذه الإجارة على قسمين أحدهما: أن يكون كسائر (الإجارات) والثاني:

стр. 418

يسميه أصحابنا البلاغ، وبين القسمين، والأمر كما ذكره. ولو وصى بمال معلوم يحج به عنه فوجد الورثة من يحج عنه بأقل من ذلك رد الباقي على ورثته، إلا أن يوصي بذلك لرجل بعينه، فله أخذه، فإن لم يعين عددًا ولا عدد الحجات فوجد من يحج بأقل مما يسمي من المال، فهل يكون الباقي للورثة إن حج عنه بالجميع حجًا. اختلفت الروايات فيه عن المذهب على قولين. واختلف (المذهب) في فروع تتعلق بذلك. الأول: إذا استأجر أجيرًا على الحج فهل يعتبر على الحج شرط في صحة الإجارة، ولا يلزم اشتراط التعيين، لأن العقد يوجبه وإن لم يكن شرط، فيه قولان عندنا، فقيل: يوجب الشرط، وقيل: يحمل بالعقد على السنة. الثاني: إذا أخذ الإجارة على الحج بأن يقيم على الإحرام إلى عام قابل، فهل له ذلك أم لا؟ فيه قولان. الثالث: إذا استأجر عام الحج ... . قوله: "والعمرة سنة مؤكدة": قلت: اختلف الفقهاء في حكمها على قولين: المشهور: أنها سنة، والشاذ أنها واجبة وهو قول طائفة عظيمة من السلف، وقيل: إنها مع باق الخمس والحجة للشاذ قوله تعالى: ﴿وأتموا

стр. 419

الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] (قد قرئ) بالرفع، والمعنى والعمرة لله على ابتداء وخبر. قوله: "مرة في العمر": هو كما ذكره قياسًا على الحج، والتطوع بها جائز كالحج، وهل يكره تكرارها في السنة الواحدة مرارًا أم لا؟ فيه قولان: الكراهية، وهي نص القاضي. الثاني: لأنه محل طاعة وفعل قربة. قال القاضي ﵀: "وللحج ميقاتان" إلى قوله: "ولا يجوز لمريد الإحرام". شرح: قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] وأجمع العلماء على أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة. واختلف هل جميعه وهو المشهور عن مالك أو عشرة منه، وهو القول الثاني عن مالك، وهو الذي اختاره الشافعي، أو سبع من ذي الحجة وهو قول أبي حنيفة والحجة للأول التمسك بصيغة الجمع، والحجة للثاني القضاء والإحرام، وجواز التحليل قبل انقضاء ذي الحجة فدل على أن أيام الحج منه هي الأيام التي يفعل فيها أفعال الحج. وفائدة هذا الخلاف فيما إذا أخر طواف الإفاضة إلى آخر الشهر، فقيل: لا دم عليه، لأن جميعه، وقيل: عليه الدم، لأن المعتبر منه العشر الأولى فقط. قوله: "ويكره الإحرام (به) قبل (أشهر الحج) ويصح إن

стр. 420

وقع": إنما ذكره لوجهين: الأول: مخالفة المشروع، الثاني: المشقة اللاحقة، فيخشى عليه الإفساد، وأما إن وقع قبل أشهر الحج فهل ينعقد أم لا؟ فيه قولان، والمشهور: أنه ينعقد، لأنه عقده على نفسه، والشاذ أنه لا ينعقد قياسًا على من أوقع الصلاة محرمًا قبل وقتها حكاه الشيخ أبو الحسن. قوله: "ولا ينقلب عمرة": تنبيهًا على مذهب المخالف، وهذه الأشهر في مواقيت الحج لا العمرة، إذ لا ميقات لزمان العمرة، وإنما كرهت في أيام منى لمن حج. وأما المكانية فهي خمسة، وثبت ذلك عن رسول الله ﷺ من حديث عبد الله بن عمر وغيره، كما خرجه أهل الصحيح. وروى أن عمر بن الخطاب هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق. وقال الشافعي والثوري: إن (أهل العراق من) الصغير كان أحبَّ إلينا

стр. 421

لثبوت هذا التوقيت لهم عن النبي ﷺ . قوله: "والأفضل الإحرام بالحج من ميقاته زمانًا ومكانًا": وهذا كما ذكره لما في ذلك من ميقاته حكمة الشرع، هذا من مذاهب أهل العلم. قوله: "ولا يجوز لأحد يريد دخول مكة أن يدخلها إلا محرمًا": أما من أراد الحج والعمرة فلا يجوز له دخولها إلا محرمًا، ورخص للحطابين، وقيل: هم كالحجاج. قوله: "ولا يجوز لمريد الإحرام إذا مر" إلى آخر الفصل. شرح: الأصل في منع المحرم المار على هذه المواقيت أن لا يتجاوزها إلا محرمًا لقول النبي ﷺ : (هل لمن أتى بعدهن إلى يوم القيامة) الحديث. واتفقوا على أن لأهل الشام أن يؤخروا الإحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة إذا مروا على طريق المدينة، لأن ذلك ميقات لهم، وإليه (أشار) القاضي. واختلف المذهب هل يرخص للمرض أن يؤخر الإحرام إذا مر بذي الحليفة إلى الجحفة، والمشهور جواز ذلك (له) لأن ذلك ضرورة. وقسم القاضي المار على ميقات من هذه المواقيت ثلاثة أقسام:

стр. 422

الأول: أن يمر عليها لحاجة مكة، وحكم هذا ظاهر كما ذكر القاضي. والثاني: أن يريد دخول مكة. والثالث: أن يمر عليها مريدًا للإحرام، وهذا القسم الثالث قد يتوهم أنه هو الثاني، وليس كذلك، لأن الثاني أراد دخول مكة، والثالث مريدًا للإحرام فقط من غير أن يدخل مكة، بل لما مر بالميقات أراد تحصيل العبادات فيه، والاغتسال به، والصلاة المتعلقة بالاغتسال (وما هو سقوط من العبادات). قوله: "فإن تجاوزها رجع ما لم يحرم": وهذا كما ذكره أنه يرجع بالقرب ما لم يحرم، فالمشهور أنه لا دم عليه، وإن لم يرجع لزمه الدم، ولو رجع بعد أن طال الأمر، وأحرم لم يسقط عنه الدم ولو جاز الميقات يريد دخول مكة حلالًا، ثم أحرم بعد أن جاوزه ففيها روايتان: أحدهما: أنه عليه دم، والأخرى لا دم عليه. قوله: "والإحرام من الحرم جائز لمريد الحج": ولو أراد الاعتمار فلا بد له من الخروج إلى الحل، لأن ذلك سنة الاعتمار. قوله: "وفي إحرام القارن (من مكة) خلاف": قلت: المشهور من المذهب في القارن تغليب حكم العمرة، وأنه لا بد له من خروجه من الحرم إلى الحل، لأنه أحوط. والشاذ تغليب الحج، لأنه آكد، وإلى هذا الخلاف أشار القاضي ﵀. قال القاضي ﵀: "وأركان الحج" إلى قومه: "والتلبية". شرح: أركان الحج هي دعائمه وفروضه التي لا يتم وقوعه شرعيًا إلا

стр. 423

بها وهي أربعة. وألحق بها عبد الملك جمرة العقبة، والجمهور من أهل العلم أنها ليست بركن اعتمادًا على قوله ﵇: (الحج عرفة) واعتمد ابن الماجشون على قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ [الحج: ٢٩] أشار بذلك إلى جمرة العقبة. قوله: "والقاطع للحج شيئان فوات وإفساد": قلت: ظاهر كلام القاضي أن الحج ينعقد بالنية المنفردة دون أن يقترن بها فعل من أفعال الحج وهو خلاف المعروف. وتحصيل القول فيه: أنه إن انضم إلى النية فعل أو قول كالتلبية فلا خلاف في انعقاد الحج، وإن انفردت النية فالمشهور أن الحج لا ينعقد قياسًا على الصلاة، والشاذ أنه ينعقد، استقرأه أبو الحسن (من) المذهب وفيه نظر، وقاسه على الصوم، وذكر الغسل (للإحرام)، واختلف المذهب هل هو سنة، أو فضيلة، واستقرئ من كلام ابن الماجشون أنه واجب استقراء ضعيفًا، ولو أحرم قبل الاغتسال، وطال الأمر أمر (بإعادة) الغسل بلا خلاف. وإن قرب فهل يؤمر بإعادة الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب ويؤمر بهذا الغسل كل من عقد الإحرام حتى الحائض والنفساء لأنه مقصود للنظافة لا للعبادة.

стр. 424

قوله: "إلا النساء فيكره لهن رفع الصوت": لأن أصواتهن عورة. قوله: "وأما واجباته فأن يحرم من الميقات ولا يتجاوزه": قلت: ظاهر كلام القاضي معارض لما قبله، فإن قال قبل: "فأما السنن أو المندوبات فأن تحرم من الميقات نفسه إن كان منزله منه، أو قبله، أو مر عليه" فجعل الإحرام من الميقات سنة. ثم قال في هذا الموضع: "وأما واجباته فأن يحرم من الميقات ولا يتجاوزه" فظاهره أن ذلك واجب وهذا قد يفهم فيه التعارض، ولا تعارض في الحقيقة فيه، فالمسنون أن لا يحرم إلا منه، والواجب أن يحرم ولا يتعداه إلى مكة غير محرم، فإحرامه منه واجب، بمعنى أنه لا يتجاوزه إلى مكة مريدًا للإحرام غير محرم منه، وإحرامه منه سنة، بمعنى أن إحرامه قبله مكروه. وقد اختلف المذهب في الإحرام قبله على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جائز، لأنه عمل خير فلا يتقيد. والثاني: أنه مكروه، لأنه مخالفة للمشروع. والثالث: أنه جائز لمن بعد عن الميقات، ومكروه في حق من قرب منه، وقد أحرم الصحابة من الشام وغيره. قال القاضي ﵀: "والتلبية سنة مؤكدة" إلى آخر الفصل. شرح: التلبية سنة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: هي واجبة لدعاء إبراهيم ﵇ إلى الحج، واختلفوا فيمن تركها فقال: عليه دم، وقال

стр. 425

الشافعي: لا شيء عليه، واختلفوا أيضًا متى يقطعها الحاج والمعتمر، فقيل: حين يدخلان في الحرم، وقيل: إذا دخلا بيوت مكة، والمشهور أن الحاج يقطعها إذا دخل بيوت مكة، ويقطعها المعتمر إذا دخل الحرم، وكان الخلفاء الأربعة يقطعونها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. قوله: "والاختيار أن يقتصر في إحرامه على النية في تعيين ما ينويه دون التلفظ به". قال القاضي ﵀: "والإحرام يمنع الرجل عشرة أشياء" إلى آخر الفصل. شرح: هذه العشرة التي يجب الامتناع بالإحرام عنها ثبت عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا. وانظر قول القاضي: "وما دونه مكروه"، واختلف في جواز الكحل للمحرم، فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه إذا لم يكن طيب، ولو اكتحل بكحل فيه طيب، فهل يلزمه الفدية أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك اختلفوا في جواز الحمام للمحرم، فالجمهور على منع ذلك، وصح عن ابن عباس أنه كان يدخل الحمام. والأول أصح لأنه من الطيب، وإنما كره المعصفر، لأنه من الطيب. وروى عن مالك أنه قال: لا بأس به للمحرم، وأوجب الفدية بتغطية الرأس، أو بعضه بخلاف تغطية الوجه، والفرق بينهما ظاهر. قوله: "وليس لشيء منها مكان مخصوص": تنبيهًا على مذهب
следующие страницы →