← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لثبوت هذا التوقيت لهم عن النبي ﷺ . قوله: "والأفضل الإحرام بالحج من ميقاته زمانًا ومكانًا": وهذا كما ذكره لما في ذلك من ميقاته حكمة الشرع، هذا من مذاهب أهل العلم. قوله: "ولا يجوز لأحد يريد دخول مكة أن يدخلها إلا محرمًا": أما من أراد الحج والعمرة فلا يجوز له دخولها إلا محرمًا، ورخص للحطابين، وقيل: هم كالحجاج. قوله: "ولا يجوز لمريد الإحرام إذا مر" إلى آخر الفصل. شرح: الأصل في منع المحرم المار على هذه المواقيت أن لا يتجاوزها إلا محرمًا لقول النبي ﷺ : (هل لمن أتى بعدهن إلى يوم القيامة) الحديث. واتفقوا على أن لأهل الشام أن يؤخروا الإحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة إذا مروا على طريق المدينة، لأن ذلك ميقات لهم، وإليه (أشار) القاضي. واختلف المذهب هل يرخص للمرض أن يؤخر الإحرام إذا مر بذي الحليفة إلى الجحفة، والمشهور جواز ذلك (له) لأن ذلك ضرورة. وقسم القاضي المار على ميقات من هذه المواقيت ثلاثة أقسام:

стр. 422

الأول: أن يمر عليها لحاجة مكة، وحكم هذا ظاهر كما ذكر القاضي. والثاني: أن يريد دخول مكة. والثالث: أن يمر عليها مريدًا للإحرام، وهذا القسم الثالث قد يتوهم أنه هو الثاني، وليس كذلك، لأن الثاني أراد دخول مكة، والثالث مريدًا للإحرام فقط من غير أن يدخل مكة، بل لما مر بالميقات أراد تحصيل العبادات فيه، والاغتسال به، والصلاة المتعلقة بالاغتسال (وما هو سقوط من العبادات). قوله: "فإن تجاوزها رجع ما لم يحرم": وهذا كما ذكره أنه يرجع بالقرب ما لم يحرم، فالمشهور أنه لا دم عليه، وإن لم يرجع لزمه الدم، ولو رجع بعد أن طال الأمر، وأحرم لم يسقط عنه الدم ولو جاز الميقات يريد دخول مكة حلالًا، ثم أحرم بعد أن جاوزه ففيها روايتان: أحدهما: أنه عليه دم، والأخرى لا دم عليه. قوله: "والإحرام من الحرم جائز لمريد الحج": ولو أراد الاعتمار فلا بد له من الخروج إلى الحل، لأن ذلك سنة الاعتمار. قوله: "وفي إحرام القارن (من مكة) خلاف": قلت: المشهور من المذهب في القارن تغليب حكم العمرة، وأنه لا بد له من خروجه من الحرم إلى الحل، لأنه أحوط. والشاذ تغليب الحج، لأنه آكد، وإلى هذا الخلاف أشار القاضي ﵀. قال القاضي ﵀: "وأركان الحج" إلى قومه: "والتلبية". شرح: أركان الحج هي دعائمه وفروضه التي لا يتم وقوعه شرعيًا إلا

стр. 423

بها وهي أربعة. وألحق بها عبد الملك جمرة العقبة، والجمهور من أهل العلم أنها ليست بركن اعتمادًا على قوله ﵇: (الحج عرفة) واعتمد ابن الماجشون على قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ [الحج: ٢٩] أشار بذلك إلى جمرة العقبة. قوله: "والقاطع للحج شيئان فوات وإفساد": قلت: ظاهر كلام القاضي أن الحج ينعقد بالنية المنفردة دون أن يقترن بها فعل من أفعال الحج وهو خلاف المعروف. وتحصيل القول فيه: أنه إن انضم إلى النية فعل أو قول كالتلبية فلا خلاف في انعقاد الحج، وإن انفردت النية فالمشهور أن الحج لا ينعقد قياسًا على الصلاة، والشاذ أنه ينعقد، استقرأه أبو الحسن (من) المذهب وفيه نظر، وقاسه على الصوم، وذكر الغسل (للإحرام)، واختلف المذهب هل هو سنة، أو فضيلة، واستقرئ من كلام ابن الماجشون أنه واجب استقراء ضعيفًا، ولو أحرم قبل الاغتسال، وطال الأمر أمر (بإعادة) الغسل بلا خلاف. وإن قرب فهل يؤمر بإعادة الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب ويؤمر بهذا الغسل كل من عقد الإحرام حتى الحائض والنفساء لأنه مقصود للنظافة لا للعبادة.

стр. 424

قوله: "إلا النساء فيكره لهن رفع الصوت": لأن أصواتهن عورة. قوله: "وأما واجباته فأن يحرم من الميقات ولا يتجاوزه": قلت: ظاهر كلام القاضي معارض لما قبله، فإن قال قبل: "فأما السنن أو المندوبات فأن تحرم من الميقات نفسه إن كان منزله منه، أو قبله، أو مر عليه" فجعل الإحرام من الميقات سنة. ثم قال في هذا الموضع: "وأما واجباته فأن يحرم من الميقات ولا يتجاوزه" فظاهره أن ذلك واجب وهذا قد يفهم فيه التعارض، ولا تعارض في الحقيقة فيه، فالمسنون أن لا يحرم إلا منه، والواجب أن يحرم ولا يتعداه إلى مكة غير محرم، فإحرامه منه واجب، بمعنى أنه لا يتجاوزه إلى مكة مريدًا للإحرام غير محرم منه، وإحرامه منه سنة، بمعنى أن إحرامه قبله مكروه. وقد اختلف المذهب في الإحرام قبله على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جائز، لأنه عمل خير فلا يتقيد. والثاني: أنه مكروه، لأنه مخالفة للمشروع. والثالث: أنه جائز لمن بعد عن الميقات، ومكروه في حق من قرب منه، وقد أحرم الصحابة من الشام وغيره. قال القاضي ﵀: "والتلبية سنة مؤكدة" إلى آخر الفصل. شرح: التلبية سنة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: هي واجبة لدعاء إبراهيم ﵇ إلى الحج، واختلفوا فيمن تركها فقال: عليه دم، وقال

стр. 425

الشافعي: لا شيء عليه، واختلفوا أيضًا متى يقطعها الحاج والمعتمر، فقيل: حين يدخلان في الحرم، وقيل: إذا دخلا بيوت مكة، والمشهور أن الحاج يقطعها إذا دخل بيوت مكة، ويقطعها المعتمر إذا دخل الحرم، وكان الخلفاء الأربعة يقطعونها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. قوله: "والاختيار أن يقتصر في إحرامه على النية في تعيين ما ينويه دون التلفظ به". قال القاضي ﵀: "والإحرام يمنع الرجل عشرة أشياء" إلى آخر الفصل. شرح: هذه العشرة التي يجب الامتناع بالإحرام عنها ثبت عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا. وانظر قول القاضي: "وما دونه مكروه"، واختلف في جواز الكحل للمحرم، فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه إذا لم يكن طيب، ولو اكتحل بكحل فيه طيب، فهل يلزمه الفدية أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك اختلفوا في جواز الحمام للمحرم، فالجمهور على منع ذلك، وصح عن ابن عباس أنه كان يدخل الحمام. والأول أصح لأنه من الطيب، وإنما كره المعصفر، لأنه من الطيب. وروى عن مالك أنه قال: لا بأس به للمحرم، وأوجب الفدية بتغطية الرأس، أو بعضه بخلاف تغطية الوجه، والفرق بينهما ظاهر. قوله: "وليس لشيء منها مكان مخصوص": تنبيهًا على مذهب

стр. 426

المخالف، وقيل: إن النسك لأهل مكة، وكذلك الإطعام. قال القاضي ﵀: "ويحرم على المحرم" إلى آخر الفصل. شرح: الأصل في تحريم الاصطياد (البري) للمحرم، قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] والأصل في تحريم ذلك للحلال، قوله ﵇: (لا ينفر صيدها ولا يختلى خلالها). قوله: "مما لا يبتدئ بالضرر": كالنمر والأسد. قوله: "وبتعريضه للقتل": يريد فعل سبب القتل، وفي هذه الصورة قولان في المذهب مبنيان على فاعل السبب هل هو كفاعل السبب أم لا؟ قوله: "ويستوي في ذلك عمده وسهوه": تنبيهًا على مذهب المخالف، لأن الله سبحانه قيد بالعمد لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ [المائدة: ٩٥] ومذهب مالك أن العامد والناسي في ذلك سواء، وقال به من السلف: عمر بن الخطاب وولده عبد الله، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وذكر علماؤنا في ذلك .. ومنها القياس على كفارة الخطأ. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: إنما ذكر الله

стр. 427

سبحانه العمد خاصة تنبيهًا على لحوق الإثم، وارتفاعه على المخطئ، وأما الكفارة فواجبة عليهما وشبهه بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾ الآية [النساء: ٢٥]. ومن المعلوم أن الحد واجب على غير المحصنات. كما يجب على المحصنات. واختلف العلماء فيما صاده الحلال هل يأكله المحرم أم لا؟ ومذهب مالك أنه لا يأكله إذا صاده لأجله، أو لمحرم سواه، فإن صاده لنفسه ثم أهداه إلى المحرم أكله، والأصل في الباب قوله ﵇: (لولا أني محرم لقبلناه). قوله: "ومن قتل صيدًا فأكله فعليه جزاء واحد": وهذا مذهب جمهور أهل العلم، لأن الله سبحانه إنما علق الكفارة على القتل لا على الأكل. قوله: "ولا يجوز أن يدل أحدًا محرم على صيد، ومن فعل ذلك أثم": وهو كما ذكره لأنه سبب إلى المأثم، والجزاء على القاتل دون الدال، وقيل: على جميعهم، وهي رواية عن مالك: (موافقة لقول) ابن المسيب قال: الصائد والآمر بقتله والمشير والدال عليه سواء والكفارة على جميعهم.

стр. 428

قوله: "وللحلال أن يذبح صيدًا مملوكًا في المحرم": وهذا تنبيه على مذهب المخالف، لأن المعتبر عندنا المكلف لا المحل. واختلف فيما قرب من الحرم هل هو كالحرم أم لا؟ فيه قولان عندنا مبنيان على أن ما قرب من الشيء هل يعطي حكمه أم لا؟. واختلف المذهب أيضًا إذا رمى في الحل فأصاب في الحرم، أو بالعكس، هل ينظر إلى أصلها، أو إلى فرعها، وفيه قولان في المذهب. واختلف العلماء في حرم المدينة هل هو كحرم مكة أم لا؟ فيه قولان عندنا، ومبنى المسألة على جريان القياس في الكفارات. قوله: "ولا جزاء فيه": يعني قطع الشجر وهذا تنبيه على اختلاف شاذ للشافعي. واختلف المذهب إذا أحرم وفي بيته صيد، هل يجب عليه إرساله أم لا؟ فيه قولان مبنيان على اختلاف المفهوم في قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ هل الصيد الاسم أو الفعل. قوله: "والجزاء الواجب بإتلاف الصيد مثل المقتول أو (مقاربه) في الخلقة": يريد الستة صور فإن عدم فحكومة.

стр. 429

قوله: " (ويخيرانه) بين إخراج مثل الصيد وبين قيمته": هذا مذهب جمهور الأمة أنها على التخيير تمسكًا بظاهر اللفظ، فإذا قومه الحاكمان فهل يقومانه حيًا، أو ميتًا، فيه قولان عندنا. قوله: "بموضع الإتلاف": هذا مذهب مالك فإن لم يكن مستحق ففي أقرب المواضع إليه. وقال أبو حنيفة: حيث ما أطعم أجزأه، وإذا قلنا: (إنه) لا يطعم إلا مساكين الحرم فأطعم غيرهم مجتهدًا فيه، هل يجزئه أم لا؟ اختلف المذهب على قولين بناء على رفع الخطأ بالاجتهاد. قوله: "وفي صغير الصيد مثل ما في كبيره": وهذا فيه قولان في المذهب المشهور التساوي لعموم اللفظ، وكذلك معيبة هل هي كصحيحة أم لا؟ فيه خلاف عندنا. قوله: "وللمحرم قتل السباع العادية": وهذا كما ذكره، ولأن النبي ﷺ قد قال: (خمس فواسق يقتلن في الحرم والحل) ونبه بهذه الخمس على كل ضار.

стр. 430

واختلف المذهب في الصغير الذي لا يبتدئ بالضرر، هل يجوز قتله أم لا؟ وفيه قولان عندنا مبنيان على تعارض العموم والمعنى. (قوله: "ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير المحرم": قد تقدم الكلام فيه). قوله: "ومن لم يجد من المحرمين إلا صيدًا، أو ميتة أكل الميتة": (هذا هو) مذهب ابن القاسم أن الميتة (للمضطر) أولى للمحرم (والعطاء جرعًا من صيد المحرم). وقال ابن الماجشون: صيد المحرم أولى لأنه يحل في وقت ما أباحه مطلقًا في غير المضطر. قال القاضي ﵀: "والإحرام على ثلاثة أوجه: إفراد، وتمتع، وقران": فالإفراد: أن يحرم بالحج وحده والقران: أن يجمع بين الحج والعمرة عند ابتداء الأحكام وعقده، والتمتع: أن يحرم بعمرة في أشهر الحج، ثم يحل ويحج من عامه قبل رجوعه إلى أفقه فقد تمتع بإسقاط أحد السفرين. واختلف الفقهاء في أفضلها. فقال مالك: الإفراد أفضل، وبه أحرم

стр. 431

النبي ﵇ في حجة الوداع على ما روته عائشة. ومما يدل على أنه أفضل سقوط الدم على المفرد، فدل على (كمال) نسكه، إذ الدم إنما شرع جسرًا لما ورد من نقص (وقال أبو حنيفة والثوري وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه: القران أفضل، وحكاه اللخمي عن المذهب) والمشهور عندنا خلافه. قوله: " (في نيته) دون لفظه": بيان لموقع الإجزاء إشعارًا أنه إن اقتصر على النية وحدها، وانعقد إحرامه لا معنى للفظه. واتفق العلماء على أن الحج يردف على العمرة ما لم يطف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فلو طاف وسعى بطل الإرداف، وإذا أجزنا الإرداف، فقد اختلف في محله

стр. 432

على روايات، فقيل: إنه ما لم يشرع في الطواف، (فإن) طاف ولو شوطًا واحدًا بطل الارتداف، والرواية الثانية: أنه يردف ما لم يركع، وإن أكمل الطواف وهذا عكس قول الأول، والرواية الثالثة: أنه يرتدف ما لم يكمل الطواف، فإن أكمله بطل الارتداف، ومن رآى الشوط منعقدًا به، والرفض غير ممكن أبطل (الارتداف)، ومن رعى الكمال أجزأه ما لم يكمل. فرع: إذا قلنا بنفي الإرداف بعد الشوط فهل يلزمه قضاء الحج أم لا؟ فيه قولان عندنا كناذر يوم لا يصح صومه، لأنه إنما لزم أحكام الحج بشرط صحة الارتداف، فإذا لم يصح الارتداف كان كنادر يوم لا يصح صومه شرعًا. قوله: "وفعل القارن كفعل المنفرد": وهذا كما ذكره، وهل يجب على القارن دم أم لا؟ (فيه) اختلاف، أوجبه عليه عبد الملك مطلقًا، كان مكيًا، أو غير مكي، فإن كان من غير أهلها فلا خلاف في وجوب الدم عليه عندنا. ثم ذكر المتمتع وشروطه، وصح عن ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله نحدثكم عن النبي ﷺ ، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر. قوله: "قبل رجوعه إلى أفقه": وهذا كما ذكره لأنه قد تمتع حينئذ بإسقاط أحد السفرين فإن كان وطنه بعد الحجاز لعاد إليه، وإلى موضع غير الحجاز فعاد إلى موضع أبعد منه لا إلى الوطن نفسه، فقيل: هو كالعودة إلى وطنه، إذ لم يتمتع بإسقاط أحد السفرين. وقال: "أو إلى ما كان من المسافة في حكمه" يدل على أن ما سوى وطنه في المسافة كالوطن.

стр. 433

قوله: "ولا يصح إرداف عمرة على حجة": وهذا كما ذكره لأن من سنة الإرداف أن تتقدم العمرة، ثم يردفها ما هو أعم منها، وهو الحج، وأما إذا (عقد) الحج، فقد دخلت تحت العمرة، فلا معنى لإرادفها، إذ لا يردي اعتقاد العمرة شيئًا، ولا يصح الإحرام بحجتين، ولا بعمرتين. ومن أحرم بذلك لزمة حجة، أو عمرة، ولا يصح إدخال حج على حج، ولا عمرة على عمرة، ولا عمرة على حج، ويصح إدخال الحج على العمرة، لأن الحج أعم، وهذا لا خلاف فيه عندنا. قوله: "والواجب لكل واحد من التمتع، والقران هدي ينحر": وهذا كما ذكره لقوله سبحانه: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فيما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] وأقل ذلك شاة. وقال تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] إشارة إلى أهل (مكة) وذي طوى، ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فهؤلاء حاضرون في المعنى، وقيل: كل من كان دون المواقيت المعلومة، فهو مكي في الحكم. قوله: "ولا يجزئه الصوم ما دام متمكنًا من الهدي": قلت: لأن الله تعالى رتبه فقال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] فقيد ذلك بنفي الوجود. قال القاضي ﵀: "ويستجيب لمن دخل مكة محرمًا" إلى قوله: "هذه جملة أفعال الحج".

стр. 434

شرح: إنما استحب للداخل من (العقبة العليا) وهي كذاء، لأن ابن عمر وغيره من الصحابة ثبت عنه ذلك، ولم يكونوا يفعلون إلا الأفضل، وقد دخل رسول الله ﷺ من باب بني شيبة، وخرج إلى السعي من باب بني مخزوم، وإلى المدينة من باب بني تميم، وكل ذلك واسع إن شاء الله. واستلام الحجر سنة فعلها ﷺ والمسلمون بعده، وقيل: يشهد يوم القيامة لمن استلمه. قوله: "ثم وضعها على فيه من غير تقبيل": فيه إشعار بالخلاف. وقد اختلف المذهب إذا لم يستطع لمس الحجر بيده، فلمسه بعود ووضعه على فيه، هل يقبله أم لا؟، والمشهور أنه لا يقبل ما مسه به لأن التقبيل المشروع الثابت عن النبي ﷺ إنما كان لحجر لا لغيره. اختلف المذهب هل يقول إذا قبله: "إيمانًا بك وتصديقًا لكتابك" اتباعًا لما جاء في الآثار، أو لا يقول ذلك تركًا للتحديد.

стр. 435

قوله: "وسنته لغير المكي": هو ظاهر، لأن المكي غير قادم فلا معنى لطواف القدوم في حقه. قوله: "الثلاثة الأولى خببًا والأربعة مشيًا": كذا جاءت السنة، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ لأصحابه: (رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة) وذلك أن المشركين عام الحديبية قالوا: إن أصحاب محمد قد نهكتهم حمى يثرب. فقصد ﵇ مخالفة قولهم، وإظهار القوة عليهم ويؤمر بذلك من أحرم من القرب والبعد طردًا للقاعدة. وهل يؤمر المريض بقدر طاقته، والصبي أم لا؟ فإن ترك الرمي فهل عليه هدي أم لا؟ فقيل: عليه الدم، لأنه سنة، وقيل: لا دم عليه. والجمع بين الظهر والعصر بها سنة، وكذلك بعرفة والمزدلفة. قوله: "والاختيار أن يقف راكبًا": وهذا خشية العجز عن القيام، وقد وقف النبي ﷺ راكبًا خشية من ازدحام الناس عليه، وليبين للأمة. قوله: "عدا بطن محسر": قلت: الأصل في ذلك ما خرجه

стр. 436

الطحاوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، وميقات منى كلها منحر). قوله: "ثم حلق، أو قصر، والحلاق للرجال أفضل": هو كذلك لثبوته عنه ﷺ في قوله: (رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين ثلاثًا) الحديث. وقد تقدم الكلام في رمي جمرة العقبة هل هو ركن أم لا؟ وكذلك اختلف المذهب في طواف الوداع، والمشهور أنه سنة. قال القاضي ﵀: "هذه جملة أفعال الحج" إلى آخر الفصل. شرح: الطهارة مستحبة في كل الأفعال، وهي في أفعال الحج كنذر، وهي في الطواف واجبة، لأنه صلاة، ولذلك لا يجزئ منكسًا، وعليه الإعادة، كمن نكس صلاة إلا أن يرجع إلى بلده، فهل يكتفي بذلك الطواف المنكس أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور نفي الاكتفاء، لأنه خلاف المشروع، والشاذ الإجزاء مراعاة للخلاف. قوله: "وللإمام تقديم ضعفة أهله ليلة المزدلفة إلى منى": والأصل في ذلك أن النبي ﷺ قدم النساء ليلاً مع الضعفة من أصحابه.

стр. 437

والحلاق سنة لقوله ﵇: (رحم الله المحلقين) الحديث في ترحمه عليهم يدل على أنهم فعلوا قربة. قوله: "وما يفعل من رمي ونحر وحلاق، فلا شيء في تقديم بعض منه على بعض": قلت: ما ثبت عن النبي ﷺ من تقديم بعضها على بعض فقال: (افعل ولا حرج) فهل هو نفي للإثم والدم أم الإثم، فيه قولان عندنا مبنيان على مراعاة ما ذكرناه، ثم ذكر أن الوطء في الفرج، والإنزال عن استمتاع من غير وطء يفسد الحج ما لم يتحلل بالرمي، ووطء قبل الطواف. وقد اختلف العلماء في الحج الفاسد هل يجب تتميمه أم لا؟ ومذهب مالك أن تتميمه واجب، وذلك لا يغني عن قضائه، وبه قال الجمهور اعتمادًأ على قوله سبحانه: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ الآية. وشذت طائفة من العلماء فقالوا: لا يجب تتميمه قياسًا على سائر النوافل، ولا خلاف أنه يقضي حجة الفريضة إذا أفسدها. واختلف هل يجب عليه قضاء التطوع، والجمهور على وجوب قضائه، لأنه بالدخول فيه والتلبس به صار (التكميل واجبًا). قوله: "ويتفرق الزوجان إذا أراد القضاء": وهذا كما ذكره خوفًا من تكرار الفساد. واختلف المذهب فيمن أفسد حجة القضاء فقال عبد الملك: عليه حجة واحدة، وهي حجة الإسلام، وقال ابن القاسم: عليه حجتان، حجة

стр. 438

عن الأولى، وحجة عن الثانية. قوله: "يلزم بفساد الحج بدنة": وهذا كما ذكره لثبوت ذلك عنه ﷺ ولو أكره أمته أو زوجته على الوطء لزمه أن يحجهما بالنفقة، وأهدى عنهما، فإن لم يكن له مال أنفقتا من مالهما، ورجعتا عليه بذلك، وهل يجوز بيع العبد المحرم والأمة المحرمة بإذن السيد؟ المشهور جواز ذلك ومنع ذلك سحنون إلا بعد انقضاء الحجة لعلة التحجيز. قوله: "وتقلد البدن وتشعر": وهذا لما ثبت عنه ﷺ أنه قلد وأشعر ليكون ذلك علامة على الهدى تعرف بها، ولا خلاف عندنا أنه مشروع. وقال بعض الفقهاء: هو (سنة) وهذا خطأ لأن السنة قاضية عليه، وهل تشعر البقر التي تهدي لأنها كالإبل أم لا؟ فيه قولان. والتقليد أيضًا سنة، ويستحب أن يكون بخيط ونحوه مما ينبته الأرض وقيل: لا يستحب إلى ذلك. واختلف العلماء في جواز الأكل من جميعها إلا من الأنواع الأربع التي سماها القاضي، وكذلك اختلفوا في جواز ركوبها المشهور من المذهب أهل العلم جواز ذلك. قال القاضي ﵀: "ومن أحصر بعدو فله التحلل" إلى آخر الفصل.

стр. 439

شرح: الأصل في الإحصار قوله سبحانه: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد اختلف الفقهاء في المراد بهذه الآية هل هو منع العدو، أو منع المرض، وقد استوفينا ذلك في شرح الحديث والمعتمد عليه من مذهب مالك أن حصر العدو مخالف لحصر المريض، وغيره ممن امتنع عليه الحج وفاته بخطأ الطريق والهلال فالمحصور بالعدو يحل حيث حصر، يوم حصر، ومن عداه ممن فاته الحج لا يحل إلا بوصوله إلى البيت، فإذا وصل فقد فاته الحج، حل بعمرة، وكان عليه القضاء. وأجمعوا على أن المحصر بعدو [لا] يجب عليه قضاء حجة الفريضة التي صد عنها، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ، ولو صده العدو عن حجة التطوع فحل، فهل عليه قضاؤه، لأنه بدخوله فيه صار واجبًا عليه أو لا يجب عليه، القضاء مراعاة الأصل، إذا أبحنا للمحصر من العدو، والمشهور من المذهب أن لا هدي عليه، لأن الآية تتناوله. قوله: "وللصغير حج يحرم به وليه": مقصوده أن حج الصبي منعقد بدليل حديث: (المرأة التي سألته عن صبي أله من حج؟ قال: نعم ولك أجر). قوله: "يحرم به وليه": وهذا كلام مستأنف لبيان أن العاقد عليه

стр. 440

أجر كان ممن يقبل أن يكون في نفسه أهلاً للعقد. ثم ذكر مسألة الصبي يبلغ بعد التلبية بالإحرام، والعبد يعتق فيلزمه الإتمام لدخولهم في العمل، ولا يجزئهم ذلك عن فريضة الإسلام، لأن انعقاد ذلك على وجه التطوع، وللسيد أن يمنع عبده الإحرام مطلقًا إلا بإذنه، وكذلك الزوج له أن يمنع زوجته الإحرام لغير الفريضة بخلاف العبد. ورمي الجمار سنة من سنة رسول الله ﷺ تعبدًا لا يعقل له معنى، وقد قيل: إن آدم رمى إبليس لما رآه في ذلك المكان فبقيت سنة بعده إلى الآن. وطواف الوداع مستحب، وهل يؤمر تاركه بالدم أم لا؟ فيه اختلاف وقد اختصرنا الكلام في الحج اتكالاً على استيفائه عند مشاهدته إن شاء الله، وإنما ذكرنا فيه هذا القدر اليسير لأنا لم نراع الإكثار منه، ولا يثبت الأمر إلا بالمشاهدة. نسأل الله ذلك بفضله.

стр. 441

كتاب الجهاد قال القاضي ﵀: "الجهاد من فروض الكفاية" وقد يتعين في بعض الأوقات إلى قوله: "وينبغي أن يدعوا قبل قتالهم". شرح: الجهاد في اللغة هو التعب، جاهد يجاهد جهادًا وهو التعب، ويقال: جهد نفسه جهدًا إذا أتعبه، وهو في الشرع تعب مخصوص لا يراد به إلا إتعاب النفس في سبيل الله، ومقاتلة الكفار ليدخلوا في دين الله، وهو أعظم من أعمال البر من حيث إن فيه بذل النفس في سبيل الله، ولا أحب للإنسان من نفسه، لأن سعي الملك وأداة العاجلة والآجلة إنما يريدها لنفسه، فإذا بذل أحب الأشياء إليه في ذات ربه فقد أتى بأعظم أنواع القربات، ولذلك عظم رسول الله ﷺ حرمته، وبين شرفه ودرجته، وأخبر بأن الشاهداء أحياء عند ربهم يرزقون. ومثل (المجاهد) مثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام،

стр. 442

ولا قيام، وقد اشترى سبحانه من المؤمنين أنفسهم وعوضهم عنها الجنة، وإنها لصفقة رابحة، وتجارة ناجحة وقد أمر ﵇ بدعوى الحق إلى الله في أول الإسلام بالأدلة والبراهين، فقال سبحانه مخاطبًا له: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥] ثم لما (بدت) كلمته، وانتشر في الآفاق ذكره وهاجر إلى روضته. فأمر بالجهاد والمقاتلة، لأن في ذلك صرف القلوب إلى الله، وحماية (البيضة) ورد المرشود إلى الموعظة النبوية، والدلائل البرهانية وهو بالمدينة: ﴿قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: ٢٩] وقال تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] وقال: ﴿انفروا خفافًا وثقالا﴾ [التوبة: ٤١] أي شبابًا وشيوخًا، وقيل: ركبانًا ومشاءً. وقد أجمع العلماء على أنه فرض كفاية، وشذ (عبيد الله) بن الحسن المقبري فقال: إنه تطوع لقول الله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥] ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون المقصود من القاعدين بعد المشرعة واستقلال طائفة من المؤمنين بهذه الوضعية، فالدليل على أنه فرض كفاية قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كآفة﴾ الآية [التوبة: ١٢٢] وقال تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾.

стр. 443

وأجمع أهل الآثار على أن رسول الله ﷺ لم يخرج قط للغزو إلا وترك بعض الناس، فلو كان متعينًا لما أخروا عنه. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالاً﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كآفة﴾ الآية. وهذا لا حجة فيه لاحتمال (التأويل في) قوله: ﴿انفروا خفافًا وثقلاً﴾ على وقت التعيين والمقصود بالآية الثانية حيث سقط التعيين فيكون كفروض الكفاية، ولما أمر الله سبحانه بالقتال بعد هجرته إلى المدينة أوجب عليه أولاً أن يقاتل من قاتله، وأن يكف عمن لم يقاتله فقال تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١] فنزلت سورة براءة بعد تمام (سنتين من الهجرة)، فأمره سبحانه بقتال جميع المشركين فينهض ﷺ بأمر الله، وشمر عن الجد، في مقاتلة أعداء الله أي نهض ﷺ ، وقد انتهت غزواته وسراياه نحوًا من أربعين ما بين غزوة وسرية. وقد حكى بعض شيوخنا الإجماع على أنه فرض كفاية وهو إجماع الجمهور لا إجماع الجميع. قال علماؤنا: ويجب على الإمام القائم بأمر الله تحصين الثغور وحراستها بالعدد والعدد، وإغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة يخرج بهم نفسه، أو يبعث من يرتضيه (حكاه) الشيخ أبو عمر بن عبد البر وغيره.

стр. 444

قوله: "وقد يتعين في بعض الأوقات": قلت: يتعين في محلين: الأول: إذا فاجأ العدو قومًا من المسلمين، وعجزوا عن مدافعته فيلزم من والاهم معاونتهم لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة: ١٢٣] وبهذه الآية احتج المنصور ﵀ على صلاح الدين لما بعث إليه عامل دمياط، وغزا ﵀ الأرك. فإن لم يستطع من (والاهم) بدفعه، وجب على كل واحد من علم بذلك، وطمع في إدراكهم النهوض لإعانتهم، وابتدارًا إلى المقابلة معهم. الثاني: أن يعين إمام العدل أحدًا للخروج فيتعين عليه. قوله: "ولا يجوز تركه إلى الهدنة إلا من عذر": وهذا كما ذكره، لأن النبي ﷺ قد هادن أهل مكة وغيرهم من الكفار حال الضعف فلما قوي الإسلام، وأمر الله (سبحانه) بالقتال فقاتل فنصره الله وأيده، وجعل كلمته العليا. وقد اتفق العلماء على جواز الهدنة في حال الضرورة إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، وهل يجوز أن يصالحوا لأكثر من المدة التي صالح رسول الله ﷺ فيها أهل الحديبية أم لا؟ وهل يجوز أيضًا أن يصالحوا على شيء يدفعه المسلمون إلى الكفار في حال الضرورة إذا رأى الإمام ذلك أم لا؟ اختلف العلماء في (كلا) المسألتين، فقال الشافعي: لا يجوز الصلح لأكثر من هدنة ﵇ يوم الحديبية. واختلف أهل الآثار في قدر ذلك، فقيل: إنه ﵇ صالحهم أربع سنين، وقيل: ثلاث سنوات، وقيل: عشر سنين، والجمهور على جواز ذلك من غير تقييد بمدة لقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم

стр. 445

فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١] بظاهر هذه الآية احتج من أجاز (الصلح) لغير ضرورة. وذكر أهل العلم أن صلحه ﵇ عام الحديبية لم يكن لضرورة. وأجاز الأوزاعي أن يصالحوا على شيء يدفعه المسلمون، واحتج بأن النبي ﵇ هدنهم على أن يعطي من ثمرة المدينة لبعض الأحزاب، فاختلفوا في قدر ذلك فلم ينفذ. قوله: "ولا يكف عنهم إلا بأن يسلموا، أو يدخلوا في ذمتنا ويؤدوا الجزية في دارنا": وهذا كما ذكره، لأن المقصود بالمقاتلة أحد هذه الخصال، فلا يلحق القول في أداء الجزية، والمقصود من يجوز أخذ الجزية منه دون غيره، فالمقاتلة عامة بجميع الكفار، وأخذ الجزية خاص، وقد روى عن مالك أنه لا يجوز ابتداء الحبشة والترك بالقتال تعويلاً على قوله ﵇: (اتركوهم كما تركوكم، وذروا الحبشة كما وذرتكم). والحديث مشهور، وقد قال مالك: لم يزل الناس يتحامون غزوهم. قوله: "وينبغي أن يدعوا قبل قتالهم": قلت: اختلف المذهب في وجوب الدعوة قبل القتال على خمسة أقوال: أحدها: إيجاب الدعوة مطلقًا. والثاني: أنها ليست بواجبة على الإطلاق. والثالث: أنها واجبة في حق من بعد داره. والرابع: أنها واجبة في حق الجيوش دون السرايا الصغيرة.

стр. 446

والخامس: أنها واجبة إلا أن يعاجلونا. وظاهر كلام (القاضي) أنها مستحبة إلا أن يعاجلونا. هذا تحصيل المذهب فيه. والقول الكلي في ذلك عندنا: أن الدعوة قسمين عامة وخاصة، فالعامة الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة. وقد أجمع المسلمون على أن بلوغ هذه الدعوة شرط في جواز المقاتلة أي أن حرابتهم لا تجوز حتى تكون الدعوة قد بلغتهم بلوغًا صحيحًا، والدليل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع. فأما الكتاب قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]. وأما السنة فقد تواتر قولاً وفعلاً أنه ﵇ دعا الكفار إلى الدخول في الإسلام، وأمر أبو بكر، وهو مقتضى الرسالة. وقد أجمعت الأمة على مقتضى ذلك. وأما الدعوة الخاصة فهي الدعوة المتكررة عند تكرار الحرب، وقد حكينا فيه عن المذهب خمس روايات. وقد اختلف المتأخرون في هذه الروايات الخمس، فمنهم من جعهلا أقوالاً مختلفة، ومنهم من ردها إلى أحوال مختلفة، ورآى الوجوب إنما هو فيمن ترجى إجابته، أو ظن به أنه لم يعلم ذلك فخرج مقتضى من ذكرناه أ، العلماء في الدعوة الخاصة قد اختلفت آراؤهم، فمنهم من استحبها، ومنه من أوجبها، ومنهم من لم يوجبها، ومنهم من يستحبها، ومنهم من يراها على أحوال مختلفة، فإن كان الكفار عالمين والجيش كثير، والإجابة مظنونة فهي واجبة، وإن كان قبولهم مستبعدًا، وإجابتهم غير موجودة فهي مباحة. وإن كان الجيش صغيرًا وخاف أعمال الكفار واستطالتهم فهي محرمة. ومن شيوخنا من أوجب دعوة الترك، وروى عن مالك أنه وقف في الروم والقبط قال: "لا

стр. 447

يقاتلوا حتى يدعوا". وسبب الخلاف في وجوب الدعوة أصلان: الأول: معارضة القول للفعل. والثاني: هل معرفة الله واجبة بالعقل أو بالسمع. أما الأول: فقد ثبت أنه ﵇ إذا بعث سرية قال لأميرها: (إذا التقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال) الحديث وهو ثابت في الصحيح، وثبت أمره بالدعوة من طرق. وثبت من فعله ﵇ أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، وبعث في قتل كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق غلبة، وكان ﵇ ينتظر، فإن سمع آذنًا، وإلا نشر الغارة، فمن أهل العلم من رجح الفعل، ورأى أنه ناسخ للقول، ومنهم

стр. 448

من رأى أن أمره بالدعوة كان في أول الإسلام قبل انتشار الإسلام، ومنهم من حمل الفعل على الخصوص، ووجب الدعوة، وبه عمل الخلفاء، وأوصى أبو بكر (معاوية) بن أبي سفيان وغيره بذلك، ومنهم من جمع بين القول والفعل ويرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب من يظن به العلم أو لا يظن، ومن قربت داره، أو بعدت، ونحوه. وأما الأصل الثاني: فمن رآى أن معرفة الله وتوحيده معلوم عقلاً أسقطها، ومن رآى أنه شرعًا أوجبها وهو الصحيح، ولعله ﵇: إنما بعث في قتل كعب بن الأشرف وأمثاله غيلة بناء منه على ما علم من غالب حاله، أو أوحى إليه في شأنه. وقد روى عن مالك أنه حرم البغتة وأجازه محمد، وإذا قلنا بوجوب الدعوة، فمعناها أن يدعوا إلى نفي الشرك والإقرار بالرسالة. وأحكامها على اختلاف تفاصيلها، فإذا أجابوا إلى أصول التوحيد دعوا بعد ذلك إلى فروع الإسلام، فإن أجابوا امتنع قتالهم. الأول: من قتل قبل أن يدعى إلى الإسلام، قال قوم من أهل العلم: لا دية على قتاله بناء على أن معرفة الله واجبة عقلاً، وقال قوم: على عاقلته الدية، وليس في المذهب فيه نص. وحكى بعض البغداديين فيه الخلاف

стр. 449

تخريجًا على هذا الأصل. وأما من قتل قبل أن يلفظ بالإسلام، فالصحيح إيجاب الدية على عاقلته، وحديث أسامة فيه تأويلات ذكرناها في موضعها. الفرع الثاني: هل يدعى اللصوص، ومن خالف الحق من الخوارج، وأهل الأهواء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، فمنهم من اسحتب ذلك، لأن الباطل في المعتقد قد شمل جميعهم، ومنهم من أسقط ذلك، إذ الدعوة إنما هي للكفار، لا لأهل الإسلام والأول أصح. قال القاضي ﵀: "وتجوز النكاية في العدو بكل ما يقدر عليه من إحراق الأراضي" إلى قوله: "ولا يجوز الغلول". شرح: نكاية العدو على قسمين: إما في النفوس، وإما في الأموال. فالأول بالقتل والاستيسار، وسيجيء ذلك بعد، وإما في الأموال بأخذها أو بإفسادها فأخذها غنيمة وإفسادها نكاية. وقد اختلف العلماء في ذلك فأجاز مالك قطع الأشجار، والثمار، وتخريب البنيان، وكره الأوزاعي قطع الشجرة المثمرة، وتخريب العامر من الكنائس وغيرها. قال الشافعي: تحرق البيوت والشجر إذا لم يكن

стр. 450

بها معاقل، وكذلك أجاز مالك أن تعرقب الخيل والأول أصح. وإذا قلنا بجوازه فهل تحرق بعد العقر والذبح أم لا؟ واختلفت الرواية فيه، فقال ابن القاسم: ما سمعت أنها تحرق بعد ذلك، وقد قيل: إنها تحرق إذا خشي أن يدركوها قبل فسادها فينتفعوا بأكلها إلا أن يكونوا ممن لا يأكلون الميتة. وروى المصريون عن مالك أن للجيش أن يعرقبوها، أ, يجهزوا عليها، فيذبحوها، فروى المدنيون أنها يجهز عليها، كره أن تعرقب، أو تذبح لأن في ذلك تعذيبًا للحيوان. واختلفت الرواية فيما يقدم عليها من النحل، فكره مالك مرة أن تحرق أو تغرق، وإن كانت كثيرة، وقال أيضًا: تحرق وتغرق سواء كانت قليلة أو كثيرة، لأن ذلك من النكاية، وذلك ما عجز عن إخراجه من الأمتعة والأطعمة فإنه يحرق أو يغرق، وهذا كله ما لم يكن للمسلمين قوة على حيازة ذلك الموضع الذي ظفروا به, وتحصينه بعدد المسلمين وعدتهم والإقامة فيه، وقد ثبت أنه ﵇ حرق نخل بني النضير وقطع كرمهم، ونصب المنجنيق على أهل الطائف، وقد ثبت عن أبي بكر أنه قال: ولا تقطعن شجرًا ولا

стр. 451

تخربن عامرًا. ولعل ذلك من أبي بكر بناء على علمه بالناسخ لفعله ﵇، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه قتل لهم حيوانًا -ولعله- لأن قتل الحيوان مثله، وقد نهى ﵇ عن المثلة، وإذا قلنا بجواز النكاية فيهم جاز نصيب المجانيق على حصونهم، وإرسال المياه عليهم، وفي إضرام النار عليهم اختلاف في المذهب لما روي أن رسول الله ﷺ نهى عن التعذيب بالنار. وقال علماؤنا المالكية: ويجوز نصيب المجانيق على قلاعهم، وإن كان فيها نسوة وصبيان ورهبان (لأن) المقصود غيرهم، ولو تترسوا بالنساء والذرية تركناهم، إلا أن يؤدي ذلك إلى استئصال المسلمين والظفر بهم، ولو تترس الكافر بالمسلم يحرم دم المسلم إلا أن يخاف استئصال المسلمين، أو ذهاب جمهورهم، فالمرافعة واجبة، وسقط مراعاة المترس به. وقال الأوزاعي: إن كان في الحصن أسارى المسلمين وأطفالهم وجب الكف عن رميهم بالمنجنيق لقوله تعالى: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. قوله: "وتخمس الغنيمة كلها عينها وعرضها": وهذا كما ذكره، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤] وقال ﵇: (ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مما أفاء عليكم).

стр. 452

والغنيمة: كل ما أخذ من الكفار بقتال. وهي على قسمين عقار وغير عقار، فالعقار موقوف للانتفاع به في مصالح المسلمين (ولأنفسهم) عى الأشهر من المذهب. وقد روى عن مالك أنه يقسم كغير العقار. وفي المدونة: أن الخيار في ذلك إلى الإمام. وإذا قلنا: إنه لا يقسم فحكمها أ، يؤخذ ثلثها وتصرف في مصالح المسلمين من أرزاق الجيوش، والعمال، وبناء المساجد، والقناطير وغير ذلك من (سبل) الخير، وقد قسم ﵇ وأبقى عمر بن الخطاب ما غنم المسلمون من أرض الشام والعراق لمن يأتي من المسلمين، عليه تأول قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] وقال: لولا حبل الحبلة. قوله: "والسلب وغيره سواء لا يخص به القاتل إلا باجتهاد الإمام": وهذا كما ذكره أصل مذهب مالك ﵀. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك ما ذكرناه: أن السلب من الغنيمة لا يختص به القاتل إلا باجتهاد الإمام، وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقال الشافعي، وأحمد،

стр. 453

وإسحاق، وأبو ثور، وجماعة من أهل العلم: السلب للقاتل، وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من جعله له من غير شرط، وهو قول الجمهور. وقال الشافعي: لا يكون السلب للقاتل إلا أن قتله مقبلاً غير مدبر، وقالت طائفة من أهل العلم: السلب للقاتل إلا أن يكون كثيرًا فهو غنية وهو قول (الأوزاعي). وسبب اختلافهم فيه اختلافهم في مفهوم قوله ﵇: (من قتل قتيلاً فله سلبه) هل هو إنشاء للحكم، أو إخبار عنه، والصحيح العمل على مقتضى ظاهر الحديث، وظاهره أنه ﵇ لم يقل ذلك إلا يوم (خيبر) ويوم بدر، وعضدنا هذا بما يصح عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله ﷺ . (وخرج أبو داود عن عوف بن مالك حمل على

стр. 454

(هرمز) يوم الزأرة) فطعنه طعنة فبلغ سلبه ثمانين ألفًا فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن قد بلغ مالاً كثيرًا، ولا أرى إلا خمسه. فقال ابن سيرين: حدثني (أسد) بن مالك أنه أول سلب في الإسلام وأما من رأى أنه قتل حين المعتركة فهي غنيمة فلاحظ المعنى، ورأى أنهم متعاونون في المقاتلة بالاختصاص في السلب، وإذا فرعنا على مذهبنا أن القاتل لا يستحق السلب إلا أن ينص

стр. 455

الإمام على ذلك، فلا خلاف أن الإمام ينفل من شاء بعد القتال، ولا يجوز للإمام أن يقول ذلك قبل القتال ولا أن يعد النفل قبل الحرب خوفًا من إفساد العمل بأن يكون قتله على غرض الدنيا لتكون كلمة الله هي العليا، فإن وقع القتال على ذلك، وشرطه الإمام قبل المعتركة فله شرطه، وقع في كتاب سحنون أنه جائز قبل القتال من غير كراهة، وبه قال جماعة من أهل العلم، قال في كتاب ابنه: وإذا بعث الإمام سرية على أن لهم ثلث ما غنموا، ثم مضى ذلك فلهم ما شرطوا، وأخذوا سهامهم من الباقي بعد شرطهم. ولو شرط الإمام ذلك بعد انقضاء القتال فهي يمضي شرطه، ويمضي حكمه أم لا؟ فيه قولان المشهور نفاذ حكمه بذلك لأنه كالمبايعة، فلا يجوز نقضها، ولو قال للإمام: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه لم يستحق السلب إلا بالبينة ولو أطلق اللفظ فقال: من قتل قتيلاً فله سلبه، ولم يقيده بالبينة فقيل: السلب به، وقيل: لا شيء له. واختلفوا في مسائل تتعلق بذلك: الأولى: السلب المشار إليه اتفقوا على أن السلب هو المعتاد، وقيل: جميع ما وجد على المقتول واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة، وفي المذهب خلاف في النادر من اللباس كالتيجان، والأسورة التي يتخذها عظماء الروح، هل هي من السلب أم لا؟ وكذلك فيما يكون معه من دنانير، والأصل أن ذلك كله من السلب، وكذلك الفرس عند الجمهور. الثانية: اختلفوا إذا كان القائل من لا سهم له كالذمي، والمرأة هل

стр. 456

يستحق السلب أم لا؟ وفيه قولان عندنا، فروى ابن سحنون عن أبيه (إذا كان القاتل ذميًا)، وقال سحنون أيضًا: إن قاتلا فلهما السلب. قوله: "ويأخذ (الإمام) من الغنيمة خمسها": الذي (يأخذها) الإمام فقال مالك: هو منزلة الفيء يأخذ منها الغني والفقير. وقال الشافعي: يقسم الخمس على أربعة أقسام، وهو قول الطائفة من أهل العلم، وهؤلاء عولوا على قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ افتتاحًا لكلام، وليس قسمًا خامسًا، وقال قوم: إن سهم النبي ﷺ ، ومنهم القربى سقط بموت النبي ﵇. واختلفوا في "ذي القربى" فقيل: بنو هاشم، وقيل: بنو عبد المطلب وبنو هاشم. إن سهم النبي وذوي القربى يرد على سائر المستحقين للخمس، وقيل: بل يجعل في السلاح والكراع. قال القاضي ﵀: "ولا يجوز الغلول" إلى قوله: "والنفل كله من الخمس".

стр. 457

شرح: أجمع العلماء على أن الغلول محرم، والدليل على ذلك الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ الآية [آل عمران: ١٦١]. وأما السنة فقوله ﵇: (أدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول عار، ونار، وشنار يوم القيامة) والآثار (الصحيحة) في تحريمه كثيرة، خرجها مسلم وغيره. قوله: "ويؤدب فاعله": وهو كما ذكره لأنه فعل معصية، وارتكب كبيرة، واستحق العقوبة، ولا يحرق رحله، ولا يحرم سهمه عند الجمهور خلافًا لمن شذ اعتمادًا على (حديث) ورد بذلك، وفي إسناده مقال ولذلك نبه القاضي، وحكمه إن تاب أن يؤتي به إلى الوالي فيضعه

стр. 458

في المقاسم وتسقط عنه العقوبة حين أتى به تائبًا، فإن جاء به الإمام بعد تفريق الجيش اجتهد الإمام فيه، فإن لم يجد الوالي تصدق به، حكاه محمد بن المواز عن مالك ولو تاب من الغلول في مرضه، وأراد إخراجه فهل يخرج من رأس المال أو من ثلثه، فيه نظر. وتحصيل القول فيه: أنه إن تاب بقرب أخذه قبل افتراق الجيش، فهو من رأس المال، وإن طال ذلك أخرج من ثلثه، ولو سرق من المغنم، وكان فيه من يعتق عليه أو وطيء جارية فهل يدرأ عنه الحد، ويعتق عليه ذو محرمة أم لا؟ فيه خلاف. أما إذا سرق مقدار نصيبه فأقل فرأى أنه لا يقطع للشبهة، والمشهور من المذهب أنه يقطع مطلقًا إذا سرق بعد إحراز الغنائم، وكذلك إذا زنى بالمرأة، فعليه الحد، وقال عبد الملك: لا حد عليه. ومبنى الخلاف على تحقيق الشبهة قال سحنون: ولو أعتق عبدًا من المغنم يكمل عليه ويقوم نصيب أصحابه، وكذلك إذا كان فيه ذو محرم يعتق عليه، فإنه يعتق ويقوم نصيب أصحابه، قال ابن القاسم وأصحابه: إذا أعتق أمة من المغنم فلا عتق له، ولو وطئ جارية حد، ولو حملت (لم تكن له) أم ولد، وقيل: إنه إن وطئ أمة فحملت فهي أم ولده لا حد عليه. حكاه بعض شيوخنا عن المذهب. ثم إن كان سهمه من المغنم يستغرق

стр. 459

الأمة أخذ منه قيمتها يوم الحمل، فإن لم يف سهمه بذلك كمل قيمتها فيما لزمه من الغنيمة، وتبع من قيمة الولد بقدر ذلك. واختلف أهل العلم في إباحة الطعام والعلف للغزاة ما داموا في أرض العدو، فالجمهور إباحة ذلك، ولم يروه من باب الغلول. والأصل فيه ما خرجه البخاري، ومنع من ذلك كله ابن شهاب وغيره من أهل العلم، ورأوه من الغلول، وحكى بعض شيوخنا إجماعًا على إباحة أكل طعام المشركين في أرض الحرب بغير إذن الإمام، وإن تعلف منه الدواب، وكذلك كل طعام من الإدام والمواشي من غير إسراف، وفي هذا الإجماع نظر، وقد حكينا مذهب ابن شهاب في ذلك، وإذا قلنا بالجواز (فحكمه) أن يأخذ منه بقدر حاجته، فإن احتاج إلى الفرس والسلاح أو الثياب قال ابن القاسم عن مالك: أنه يأخذ ذلك بغير إذن الإمام لينتفع به حتى تنقضي غزوته. وروى ابن زياد وابن وهب: أنه ليس له أخذ شيء من ذلك إلا بإذن الإمام. قال ابن حبيب: ولو نهى السلطان عن أكل طعام العدو، ولم يكن ثابتًا أن يأكلوا بعد نهيه إذا احتاجوا إليه، وسواء أحرزه الإمام بعد نهيه أولاً. واختلف المذهب إذا احتاجوا إلى بيع شيء من ذلك يشتروا سلاحًا ونحوه، فقيل: لا بأس به. وقال ابن حبيب: هو مكروه لأنه إذا صار ثمنًا

стр. 460

رجع غنيمة. وكذلك اختلفوا هل يجوز ذبح الأنعام في دار الحرب للأكل منها أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان: الأشهر: الجوار وقيل: لا يجوز، ولو فضل من العلف، أو اللحم ونحوه شيء بعد انفصال الجيش، ودخول دار الإسلام فهل يمتلك أو يتصدق به، فيه خلاف، والمشهور أنه إن كان كثيرًا تصدق به، وإن كان يسيرًا فله الانتفاع به. قوله: "وما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين فأسلموا عليه كان لهم": وهذا بناء على أن أهل الحرب مالكون لما حكموا عليه من أموال المسلمين. قوله: "فإن عاد شيء من ذلك إلى الغنيمة فهو لمن كان يملكه من المسلمين" إلى آخره وهذا كما ذكره. هو أصل مذهب مالك ﵀، والأصل في ذلك ما رواه ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له كان المشركون قد أصابوه فقال له رسول الله ﷺ : (إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك، وإن أصبته بعد القسم أخذته بالقيمة)، وقال الشافعي، وأبو ثور هو لأربابه، وليس للغزاة فيه شيء، وهذا بناء على أنهم غير مالكين لما
следующие страницы →