← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اقتصر على بعضه لم يجزه بناء على أن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] للإلصاق أو زائدة لا للتبعيض، وقيل: إن مسح بعضه أجزأه، واختلفوا في تحديد ذلك، فمن المالكية من أوجب مسح ثلثه، وهو اختيار أبي الفرج، ومنهم من أوجب مسح ثلثيه، وهو قول ابن مسلمة، ومنهم من اعتبر الربع وهو مقدار الناصية. روى عن مالك أنه قال إذ اقتصر على مقدم رأسه أجزأه. واختلفت أقوال الشافعية في ذلك وقاعدة مذهبهم جواز التبعيض بناء على أنه مفهوم الباء، وقد ثبت التبعيض عن النبي ﷺ -من طريق، والأشهر أنه

стр. 37

بدأ من المقدم ثم انتهى إلى المؤخر وذلك يقتضي التعميم، وهو أحوط، وداخل تحت مقتضى اللفظ، وقد قيل: إن الباء باء العلة كقول الشاعر: ومسح باللثتين عصف الإثمد والمعنى ومسحت بعصف الإثمد اللثتين، والتقدير في الآية على هذا التأويل: وامسحوا بالماء رؤوسكم. وبالتبعيض قال جماعة من أهل العلم اعتمادًا على ما ذكرنا أنه مفهوم الباء، وهم مع ذلك موقوفون على امتناعه في قوله: ﴿فاسمحوا بوجوهكم﴾ إذ لا قائل بالتبعيض فيه بل هي عندنا للإلصاق كقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] والصحيح القول بالتعميم، وأما التحديد بالثلث أو بالثلثين أو بغير ذلك من التقديرات فلا دليل عليه، بل إن كان التبعيض جائزًا وقع الاكتفاء بأقل ما يسمى مسحًا عند العرب. وأما الشعور المتصلة به فقيل يلزم إمرار اليد عليها إعطاء حكم ما اتصل به، وقيل لا يلزم إعطاء لها حكم نفسها وهو الأشهر في النظر، والأول أحق، وذكر الشيخ أبو محمد في النوادر أن شعر الصدغين من الرأس يدخل

стр. 38

في المسح. قال القاضي أبو الوليد: يريد ما فوق العظم. وأما الأذنان فقد اختلف المذهب فيهما على أربعة أقوال: فقيل هما من الرأس وهو المشهور عن مالك، وقيل: من الوجه، وقيل: ظاهرهما من الوجه وباطنهما من الرأس، وقيل: هما عضوان قائمان بنفسهما. أما من قال إنها من الرأس فاحتج بقوله ﵇: (فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه) الحديث، والاحتجاج به ظاهر. وروي أنه ﵇ -قال: (الأذنان من الرأس) والصحيح أنهما من قول

стр. 39

الراوي ابن عجلان لا من قول النبي ﵇، ووقع في الموطأ معين. واحتج من قال إنهما من الوجه بقوله ﵇: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره). وأما من فرق بين ظاهرهما وباطنهما تحاكم إلى اللغة (وتوفيه) إلى الاشتقاق حقه. وأجمع جمهور العلماء على أنهما ممسوحتان بخلاف ابن شهاب الزهري فإنه يرى أن فرضهما الغسل، وهو لازم على المذهب إن قلنا إنهما من الوجه. وقال الشافعي: يغسل باطنهما مع الوجه ويمسح ظاهرهما مع الرأس، وقد روي عن النبي ﵇ -في وصف وضوئه ﵇: (ثم مسح

стр. 40

رأسه بالسبابتين وأذنيه ظاهرهما وباطنهما بإبهاميه)، وسيجيء الكلام على تجديد الماء لهما. وأشار القاضي بقوله: "حقيقة أو حكمًا": إلى الإطلاق اللغوي والعرفي الشرعي. قوله: "فمن أوجب مسحهما عدهما منه": وهذا فيه نظر، إذ لا يدل إيجاب مسحهما على أنهما من الرأس، لجواز أن يقول القائل يجب مسحهما مع أنهما عضوان قائمان بأنفسهما أو من الوجه إلا أنهما إن انفردا بحكم المسح باستفادة كونهما من إيجاب مسحهما غير محقق لاحتمال المعارضة بما ذكرناه، وظاهر كلام القاضي أن كونهما من الرأس غير مختلف فيه، وإنما مورد الخلاف هل هما منه حقيقة أو حكمًا؟ وذلك غير مسلم، بل الخلاف هل هما من الوجه أو من الرأس؟ قائم مشهور. ثم اختار في مسح الرأس الهيئة التي ذكر، وقد ورد في صفة مسحه عن النبي ﷺ -على هيئات مختلفة ذكرناها في شرح الأحكام. واختار الشيخ أبو القاسم بن الجلاب الهيئة التي ذكرناها في أول

стр. 41

تفريعه، وأنكرها عليه الشيوخ إذ لم تثبت عن النبي ﷺ -مع أنه وقع فيما حادوه من التكرار. وأما الرجلان فأجمع جمهور أهل العلم على أن فرضهما الغسل لأنهما محل الأدران والغبار غالبًا، والمعول عليه في قراءة الخفض في قوله: ﴿وأرجلكم﴾ أنه خفض على الجوار، وخلاف العلماء في العكس مشهور. وفرق القاضي بين أقطع اليدين والرجلين وفيه نظر، تحقيقه أنه إن بقي من مسماهما شرعًا شيء وجب غسله وإلا فلا، وصدق هذا القول إن كان شرعيًا، ووجب الرجوع إليه، وإلا فلا معنى له، إذ العلة تقتضي التسوية. ثم تكلم على الموالاة، وقد اختلف المذهب في حكمها على أقوال، فقيل إنها واجبة مطلقًا، وقيل إنها ليست بواجبة، وقيل

стр. 42

واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان والعذر، وقيل: إنها واجبة في المغسولات دون الممسوحات مطلقًا، وقيل: إن الممسوح (أصلاً) كالمغسول بخلاف الممسوح بدلاً. وقد ثبت عن النبي ﷺ (قال): (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) وكان مسبوغًا متواليًا مرتبًا: فإن كانت الإشارة إلى الفعل وصفته، وجبت النية، والفور، والترتيب إلى غير ذلك من صفات ذلك الوضوء، وإن كانت الإشارة إلى أصل الفعل انتفى الوجوب، وأما التفرقة بين الذاكر والناسي فبناء على أن الناسي معذور بالنسيان كما (يعذرون) في عجز الماء، وأما التفرقة بين الممسوحات والمغسولات فينظر إلى أن مبنى المسح على التخفيف والرفق، وحقق بعضهم التخفيف في الممسوح (الأصلي) دون البدلي، وعكسه آخرون. وإذا بنينا على العذر بالنسيان، جاز له البناء مطلقًا، وقيل: ما لم يطل. واختلف الشيوخ في حد الطول فقيل جفوف الأعضاء، وقيل: ما يعد

стр. 43

طولاً وهو أشبه فأما عجز (الماء) فيبنى معه ما لم يطل، فإذا طال ابتدأ الطهارة، هذا اختيار المحققين من أهل المذهب. وذكر المتأخرون ثلاث صور: فالصورة الأولى: أن يقطع بأن الماء يكفيه. الصورة الثانية: أن يقطع بأن لا يكفيه. الصورة الثالثة: أن يشك في ابتداء الوضوء هل يكفيه أم لا؟ ففي كل صورة قولان: الابتداء، والبناء، والمشهور في الأولى البناء، وفي الثانية، والثالثة الابتداء، ووجه ذلك ظاهر فتأمله. واختار القاضي في المولاة مذهبًا انفرد به، وهو: أن التفريق إن كان قليلاً أو على وجه السهو لم يفسد الوضوء ويفسده إذا تعمد، أو التفريط، أو الطول المتفاحش. قال القاضي ﵀: "فأما بيان سننه، فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء". شرح: اختلف العلماء في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في حق طاهر اليد، وفي مذهب مالك في ذلك قولان: فقيل: إنه سنة وهو مختار القاضي لما ثبت من مواظبته ﵇ -على ذلك، وقيل: إنه مستحب، وهو

стр. 44

اختيار ابن الجلاب، وشذ قوم خارج المذهب فأوجبوه تمسكًا بلفظ الأمر. قال ﵇: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء) وفي ألفاظه اختلاف، ففي لفظ التحديد بالثلاثة، وفي لفظ آخر التعليل بالشك، ومحمله عندنا على الندب والاستحباب اعتمادًا على قوله ﵇: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده). فظاهر التعليل بالشك، وأن الأمر بالغسل إنما توجه لأجل الشك فينتفي الغسل حيث ينتفي الشك وهو ينفي الوجوب، وكذلك قال ابن الماجشون. مريد الوضوء: لا يخلو من ثلاثة أقسام، إما أن يقطع بطهارة يديه، أو يقطع بنجاستهما أو يشك، فإن قطع بطهارتهما فهو مورد الخلاف الأول الذي حكيناه عن المذهب في كونه سنة أو مستحب، ويبقى أن ينفي ههنا إيجابًا على مقتضى التعليل المفهوم من سياق الحديث، وإن قطع بنجاستها وجب عليه غسلهما وهو متفق عليه، وإن شك ففيه قولان: الوجوب، ونفيه، فالوجوب اعتمادًا على صيغة الأمر ومقتضى التعليل، ونفيه اعتمادًا على حكم الأصل.

стр. 45

وقال الحسن (بن عيسى) في الجنب يدخل يديه في الإناء قبل أن يغسلهما أفسد الماء، ونفى بعض التأخرين الوجوب بالتحديد، ولا قاطع فيه وهل غسلهما للتعبد أو للنظافة، ففيه قولان في المذهب وكذلك اختلفوا هل يغسلان مجتمعين أو مفترقين، وهل يغسلان مرتين أو ثلاثًا، وقلنا قولان في المذهب مبنيان على اختلاف رواية عن ابن زيد، ففي بعضها أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ -قال: (فغسل يديه مرتين مرتين) وذلك يقتضي التفريق، وفي بعضها "مرتين"، وذلك يقتضي الجمع، وكذلك

стр. 46

اختلفوا إذا شك هل غسلهما ثلاثًا أو اثنين هل يأتي بالرابعة، بناء على الأقل المنفي، أو لا يأتي بها خوفًا من توقيع زيادة الرابعة، وهو مكروه فيه قولان بين الأشياخ. قال القاضي ﵀: "بأي (وجه) كان انتقاض وضوئه" تنبيهًا على مذهب المخالف لأن من أهل العلم من قصره على النائم، والصحيح التساوي وسبب ذلك قاعدة قياسية، لأن مورد النص هو النائم، وألحق غيره من باب الجمع بالاشتراك بالعلة وهي مظنة النجاسة غالبًا. قال ابن حبيب في الواضحة: إنما أمر النائم بغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء لأنه قد ينال يديه نجاسة أو قذر يخرج منه ولم يعلم به وقال العراقيون من المالكية إنما أمر بذلك لأنه لا يكاد يسلم من حك جسده، فأمر بذلك تنظفًا وتنزيهًا، وقيل: (لأنه لا يكون يستخرجون)، وقد تبقى في المخرج نجاسة يابسة يصلها اليد في حال النوم، وعموم هذه التعاليل

стр. 47

داخل تحت قولنا: مظنة النجاسة غالبًا، وذلك مستحق في غير النائم، فيتساوى الحكم فيه، ومخرج الحديث عندنا على الغالب، وقصر بعض المالكية الحديث على النائم فقط، والاشتراك في المعنى يقتضي التساوي كما ذكرنا من الأحداث وأسبابه، (واقتصره) أحمد بن حنبل على نوم الليل تعلقًا بلفظ البيات ولا يستعمل إلا ليلاً. واختلف المذهب هل يفتقر غسلهما إلى النية أم لا؟ فابن القاسم اشترط في ذلك النية بناء على أنه عبادة، وروى أشهب ويحيى بن يحيى عن مالك أن ذلك نظافة فلا يفتقر إلى النية. وعلى ذلك الخلاف في غسل الجمعة أيضًا جمهور أصحابنا في أنه يفتقر إلى نية تعلقًا بحكم العبادات عليه. قال الشيخ أبو الوليد: ويجيء على قول أشهب، والشيخ أبي إسحاق أن ذلك لا يفتقر إلى

стр. 48

نية، ولذلك أجازه بماء الورد وماء الريحان والزعفران ونحوه، بناء على أنه نظافة. وكذلك اختلفوا في غسل الذكر من الذمي هل يفتقر إلى نية أم لا؟ بناء على أنه عبادة ونظافة ونزاهة كما ذكرناه. وقوله: " (في) ليل أو نهار"": تنبيهًا على ما حكيناه عن أحمد بن حنبل، لأنه أوجب غسلهما في المستيقظ من نوم الليل دون نوم النهار تعلقًا بلفظ البيات، ولا يستعمل غالبًا إلا ليلاً. قال القاضي ﵀: "وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة" إلى آخر الفصل. شرح: تكلم في هذه الجملة على حكم المضمضة والاستنشاق وغسل البياض الذي بين الصدغ والأذن، وحكم مسح الأذنين والترتيب. أما المضمضة فهي مشتقة من مضه الدهر إذا حركه، وسميت بذلك لأن المضمضة تخضخض الماء فيه وتحركه، والاستنشاق مأخوذ من الشاق وهو زمام يكون في أنف البعير. وقد اختلف العلماء في حكمهما، واتفق مذهب مالك ﵀ -على أنهما غير واجبتين في الوضوء والغسل، وقال أحمد وغيره؟ إنهما واجبتان، لأن

стр. 49

بهما تعرف رائحة الماء وطعمه. وأوجب قوم الاستنشاق دون المضمضة، وأوجبها ابن أبي ليلى في الوضوء (دون الغسل)، ومنشأ الخلاف هل يتناولهما لفظ الوجه أم لا؟ والتفاريق غير صحيحة في النظر، والصحيح أنهما لا يتناولهما لفظ، إذ الوجه مشتق من المواجهة، ولو وجب غسل العضو القاصي في أصل الخلقة، لوجب (غسل ذلك) العينين، مع أن الوضوء يتناولهما نصًا فسقط وجوبهما، وثبت استنانهما بفعله ﵇ -الدائم الظاهر، ويجوز فيهما الجمع والتفريق على صفات شتى بحسب الإمكان، إذ ليس في ذلك حد محدود، ولا هيئة معلومة (لا تتعذر). وروى النسائي عن لقيط بن صبرة قال: (قلت يا رسول الله أخبرني

стр. 50

عن الوضوء قال: أسبغ وبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائمًا). وقد جاء ذلك في الآثار الثابتة، وتاركهما سهوًا إن تركهما قبل صلاته فعلهما ثم صلى، وإن ذكر بعد صلاته فعلهما لما يستقبل ولم يعد وضوءه ولا صلاته عندنا، وإن تركهما عمدًا ففي بطلان صلاته وإيجاب الإعادة عليه قولان جاريان على تارك السنة متعمدًا عليه، والخلاف في ذلك مشهور، واستحب المبالغة في الاستنشاق إلا في الصوم خشية الفطر، وكذلك حكم المضمضة، واستحب بعض العلماء أن تكون المضمضة ثلاثًا ثلاثًا والاستنشاق لأنهما عضوان، واستحب بعضهم أن تفعلا ثلاث مرات من غرفة واحدة، لأنهما كعضو واحد، وحكى عن بعض أهل العلم أنه رأى النبي ﵇ -فسأله عن ذلك فقال: له لا بأس بالجمع والتفريق وقد جاء ذلك واختلف قول الصحابة فمنهم من عدهما فضيلتين، ومنهم من عدهما سنتين، وهو المشهور. وقد تقدم الكلام في البياض الذي بين الصدغ والأذن، والصحيح أن

стр. 51

عرض الوجه في حق الأمرد، والملتحي سواء، وهو ما بين الأذنين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي رواه ابن وهب في المبسوط عن مالك، وهو الجاري على مقتضى اللغة. فأما مسح الأذنين فقد اختلف العلماء في حكمه، والجمهور على أنه غير واجب، ويلزم وجوبه على القول بأنهما من الرأس، كما يلزم وجوب غسلهما على القول بأنهما من الوجه. وتحصيل المذهب في ذلك أن مسح داخلهما سنة أو فضيلة، واختلفوا في مسح ظاهرهما، فقيل: إنه سنة، وقيل: إنه واجب، والقولان في المذهب نصًا وإلزامًا. وحكى القاضي أبو الوليد عن محمد بن مسلمة والأبهري أن الأذنين يمسحان فرضًا [ولم يفرقا بين ظاهرهما وباطنهما] قال: وذهب سائر أصحابنا يمسحان (فرضًا) وهو ظاهر (مذهب) مالك، والأصل في (إسقاطه) الوجوب الاعتماد على أنه وضوء، وعلى قوله ﵇ -للأعرابي: (أن توضأ كما أمرك الله). واختلفوا في تجديد الماء لهما، وفي ظاهرهما ما هو، فقيل: الذي يلي الوجه، وقيل: الذي يلي الرأس القفا، والتحكم فيه إلى اللغة. وقد جاء

стр. 52

عن النبي ﵇: تجديد الماء لهما، وعليه العمل عند جمهور العلماء. والصماخ: ثقبة الأذن. قال ابن حبيب: من لم يجدد الماء لهما فهو بمنزلة من لم يمسحهما، وقال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء، وإن شاء لم يجدد، وقال أبو حنيفة: (لا) يستأنف الماء لهما. قوله: "في صفة الترتيب أن يبتدئ بعد النية فيسمي الله ": يتعلق

стр. 53

به حكم النية والتسمية. أما النية فقد قدمنا الكلام فيها، وظاهر كلام القاضي أبي محمد أنه يعقد النية عند الشروع في طهارته، وأما التسمية فقد اختلف العلماء فيها، فقد رأى مالك إنكارها، وقال أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى [أن] التسمية إنما شرعت عند الذكاة، وقيل: إنها فضيلة، وقيل: جائز ومخير فيها وأوجبها بعض أهل العلم لقوله ﵇: (لا وضوء لمن لم يسم الله عليه) وعن النبي ﷺ : (إن العبد إذا سمى الله وتوضأ تطهر بدنه كله، وإذا توضأ ولم يسم لم يطهر إلا أعضاء الوضوء خاصة). والأحاديث

стр. 54

في التسمية في الوضوء غير ثابتة عند أهل الإسناد. قوله: في صفة غسل الوجه: "يبدأ من أعلاه": تنبيهًا على الأفضل حتى إنه لو بدأ في وسطه أو أسفله أجزأه. لأن ذلك غسل لا مسح، وصفة الغسل في الهيئة للأعضاء المغسولة أن يلقى العضو بالماء، والماء بالعضو مع إمرار اليد حينئذ، فإن تناول الماء بيده، ثم أرسله ثم أمر بيديه على العضو المغسول، فهذا مسح لا غسل، فلا يقع به الإجزاء عند الجمهور، وقال أبو يوسف: إن مسح وجهه وغيره كمسح الظاهر أجزأه. وقال النخعي: ما عهدناهم ينطحون وجوههم بالماء. واختلف المذهب في كيفية رفع الماء للغسل، روى ابن القاسم عن مالك أنه يدخل الممسوح، فإن كان العضو ممسوحًا فغسله، فقال الشيخ أبو [إسحاق]: يجزئه، وقال ابن حبيب: في الخفين لأن الغسل مسح وزيادة.

стр. 55

وقد اختلف المذهب في حكم الترتيب على أربعة أقوال، فقيل إنه واجب، ولا تجزئ الطهارة إلا به. اقله الشافعي وهي رواية عن ابن زياد عن مالك، وقيل: إنه ليس بواجب، ولا يشترط في صحة الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، فمنهم من قال: إنه سنة، ومنهم من قال: مستحب، وهو اختيار أبي القاسم بن الجلاب، وروى عن ابن القاسم أنه واجب مع الذكر ساقط مع النسيان (لأنها) وردت (فيهما) ولا أصل في الإطلاق والخفيف إلا أن يقول إن المجاز خير من الاشتراك، ولا يتجه على هذا إلا أن يكون حقيقة في الجمع في الترتيب. واختلف المتأخرون هل حكم الترتيب في المسنونات كحكمه في المفروضات أم لا؟ والمشهور أن الترتيب إنما ورد في الفرائض. قال ابن حبيب: "من نكس وضوءه عامدًا أو جاهلاً يبتدئ، فإن فعل ذلك ناسيًا نظرت، فإن فعله في مسنون أو مفروض فلا شيء عليه، وإن كان بين مفروض أحدهما قدم وأتى بما بعده من مفروض، وهو قول مطرف، وابن الماجشون"، وروى ابن ابن مسلمة في المبسوط فيمن غسل رجليه قبل مسح رأسه وليس عليه أن يعيد غسل رجليه، لأن المسح خفيف.

стр. 56

قال القاضي ﵀: "وأما فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب" إلى آخر الفصل. شرح: اختلف العلماء في السواك، والجمهور على أنه ليس بواجب، خلافًا لأحمد وأصحابه، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد روى: (عند كل وضوء)، واحتج أحمد بقوله ﵇: (ما لكم تدخلون قدحًا استاكوا) ومحمل ذلك عندنا على الندب والاستحباب.

стр. 57

وقد جاء في الحض عليه أخبار كثيرة، فقد جاء أنه ﵇ (كان يستاك عند قيلته من النوم. قبل الوضوء، وبعد الوضوء قبل الصلاة، وعند القيام إلى الصلاة). وأما تكرار المغسولات فثابتة، واتفق العلماء على أن الواجب الإسباغ، والزيادة عليه ليست واجبة، وقال ﵇: (لا يقبل الله الصلاة إلا به) قاله لما توضأ، وصح أنه توضأ مرتين وثلاثًا ثلاثًا، وفي الصحيح: (قام إلى شن معلقة (يتوضأ) وضوءًا بين الوضوءين) يريد -والله أعلم -مرتين لأنه بين الواجب ذلك بحسب الأحوال.

стр. 58

وقد اختلف العلماء في الثانية والثالثة فقيل: هما سنتان، وقيل: فضيلتان، وقيل: الأولى سنة، والثانية فضيلة. واختار الغزالي أن الثانية فضيلة، لقوله ﵇: (أتاه الله أجره مرتين)، وهذا يقتضي الفضيلة، والثالثة فضيلة، لقوله ﵇: (هذا وضوئي ووضوء النبيئين من قبلي) وهذا

стр. 59

يقتضي أنه سنة، وسنة مشهورة عن الأنبياء قبله. واختار أبو إسحاق والشيخ أبو محمد وغيرهما من شيوخنا أن ينوي بالثانية تكميل الفرض إن كان قد تخلى منه شيئًا لم يعلم به، وفيه نظر لأن النية المترددة لا تنوب عن النية العازمة على مشهور المذهب. قال ابن القاسم فيمن لم يذكر جنابة واغتسل على أنه إن كان عليه جنابة فهذا الغسل لرفع حكمها، ثم ذكر بعد ذلك جنابة قال: لا يجزئه رواه عيسى عنه، وقال عيسى: يجزئه. وكذلك اختلف إن كرر الثانية بنية الفضيلة، ثم تبين له أنه أخل ببعض الفرض هل تجزئه نية الفضيلة عن نية الفريضة أم لا؟ فيه قولان، واحتج بقول ابن كنانة أن غسل الجمعة ينوب عن غسل الجنابة قال فكيف [بهذا] وفصل فيه القاضي أبو الوليد تفصيلاً انظره في المنتقى. واختلف الأشياخ إذا شك في الثالثة، فكره بعضهم أن يعتقد في محله أن تكون رابعة فيقع في السرف الممنوع، وبعضهم أجاز ذلك، ورأى أنه فعل الثانية مع تجويز أن يكون بناء على أصل الشرع في البناء على الأقل، وإذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، ومثله إذا شك في عرفة أن يكون يوم النحر فهل يكره صيامه مخافة الوقوع في المحظور أم لا يكره؟ بناء على الأقل فيه نظر

стр. 60

بين المتأخرين من الأشياخ. واختلف العلماء في الممسوحات كالرأس هل تكرر أم لا؟ قاعدة المذهب نفي التكرار في الممسوحات وهو قول أبي حنيفة واستحب الشافعي فيه التكرار، وقد ثبت ذلك من حديث عثمان وغيره عن النبي ﷺ ، قال الإمام أبو عبد الله: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه ﵇، مسح الرأس مرة واحدة، وقد روى ابن نافع عن مالك في صفة المسح في الرأس قال: يمسح مرة أو مرتين، فاستقرأ منه بعض شيوخنا تكرار الممسوحات، ورأى بعضهم أنه ليس من باب التكرار وإنما هو من باب استيفاء ما بقي منه في المسحة الأولى. واتفقوا على نفي التكرار في التيمم، والمسح على الخفين، وهما يلحقان بالرأس على مشهور مذهب مالك. واختلف المذهب إذا مسح رأسه، ثم حلقه، فقال مالك: ليس عليه إعادة المسح، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة عليه الإعادة، وفي المدونة عنه هذا من لحن

стр. 61

الفقه روايتان وتأويلان. وقوله: "والثلاث أفضل من الاثنين": لأن لكل واحدة حظها من الإجزاء، وقد قال مالك: أكره الواحدة من غير العالم وفيه تأويلان: إما خشية الابتدائية، وإما لترك الفضل، وترك الفضائل مكروه، وقد روى عنه: لا أحب الواحدة إلا لعالم، يريد العالم بالوضوء، وأحكامه، لأنه يستوعب بها محل فرض بخلاف الجاهل فإنه عسى أن لا يكمل بها. وقوله: "وما زاد على الثلاث (بعد إيعاب العضو المغسول) (فسرف) ممنوع": هو كما ذكره: سرف ممنوع مع الإسباغ، فإن بقي بعد الثلاثة لمعة غسل موضع اللمعة وحده دون العضو كله، وإعادته العضو كله خروجه إلى حد التجاوز والسرف.

стр. 62

باب ما يوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته قوله: "يوجب الوضوء شيئان": شرح: قد يفهم من هذه الترجمة ما لا يحصل عنده الترادف والتكرار، وذلك باطل، وإنما قصد القاضي الكلام على حالين: أحدهما الحدث بالأصل، الثاني من طرأ عليه الناقض بعد وجوب الطهارة، هما صورتان متباينتان بالشخص، متساويتان في الحكم، وذكر أن الوضوء يجب بشيئين أحداث وأسباب الأحداث، وترتيب حكم الوضوء عنهما واحد وربما اختلف. والفرق بين الحدث والسبب أن الحدث يقتضي الوضوء قليله وكثيره بخلاف السبب، لأنه مظنة، فينتقض الوضوء بما يتحقق فيه مظنة دون ما ينظر فيه غالبًا. قوله: "هو (خارج) من أحد السبيلين من المعتاد دون النادر": تكلم

стр. 63

على قاعدة المذهب. وقد تقرر أن الوضوء ينتقض بالخارج المعتاد على وجه الصحة والاعتياد. وقيدنا في صفة الخارج المعتاد تحرزًا من النادر كالحصا والدم والدود، هل ينتقض بذلك الوضوء أم لا؟ اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: إنه ينقض الوضوء إجراء له مجرى المعتاد، قاله: محمد بن عبد الحكم، وهو قول: أبي حنيفة والشافعي، وقيل: إنه لا ينقض، إعطاء له حكم نفسه، وهو المشهور من المذهب، والقول الثالث إن كان معه بلل ينقض الوضوء وإلا فلا، وهذا لأنه يشبه المعتاد إذا قارنه البلل والله أعلم. وقوله: "فإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب": قلت: لا يخلو صاحب السلس إما أن يقدر على التداوي أولاً، فإن قدر على رفع ذلك بالتداوي فنصوص المتقدمين على أنه معفو عنه، ولعل ذلك بناء على أن النجح مشكوك فيه، ومنهم من أوجب عليه الوضوء لكل صلاة بناء على غالب الظن النجح عند التداوي، وإن لم يقدر على

стр. 64

رفع دائه، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي وأبو حنيفة أن السلس ينقض الطهارة على حال، وقال مالك: لا ينقضها كدم الاستحاضة. وفصل المتأخرون ذلك فقالوا: إما أن تكون الملازمة أكثر، أو المفارقة أكثر، أو يتساوى الأمر فيه، ففي الصورة الأولى قولان إيجاب الوضوء واستحبابه، والمشهور الاستحباب والشاذ إيجاب الوضوء. وفي الصورة الثانية قولان أيضًا المشهور إيجاب الوضوء، والشاذ استحبابه. وفي الصورة الثالثة قولان الإيجاب والاستحباب، ومبنى ذلك على تحقيق المناط في المشقة هل هي حاصلة أم لا؟ فإن كان السلس لا ينقطع أصلاً، وهذه الصورة نادرة فلا معنى لإيجاب الوضوء ولا استحبابه. واتفقوا على إيجاب الوضوء على صاحب السلس والخارج المعتاد، وكذلك إذا لاعب قاصدًا اللذة، ووجد اللذة، فالوضوء واجب في هذه الصورة لأنها خارجة عن باب السلس. واختلف أهل العلم في السلس يجده المرء في صلاته، فذهب حذيفة

стр. 65

وزيد بن أسلم وثابت والحسن وعطاء وقتادة إلى أن البلل لا ينقض الوضوء، ولا يمنع صحة الصلاة حتى يقطر أو يسيل، وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يبطل الوضوء ولا الصلاة وإن قطر وسال. وقال مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: "أنه سئل عن الرجل يجد البلل وهو في الصلاة فقال سعيد: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي"، وترجح عليه الرخصة في ترك الوضوء من المذي، ولعله إن ما حمله على ذلك فهو من قرائن الحال، وإلا فظاهر لفظه عام في البلل علة، مذيًا كان أو غيره. وروى ابن نافع عن مالك إن وجد بللاً في الصلاة فلا ينصرف حتى يستيقن، إلا أن يكون مستنكحًا. وحكى القاضي أبو الحسن في المرأة خرج منها دم الاستحاضة المرة بعد المرة عليها [ ... ] (وأنكر ذلك

стр. 66

[ ... ] واستحب (له) الوضوء)، وسئل مالك عمن اعتراه [المذي] المرة بعد المرة، فقال: عليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك. فرع: إذا قرن صاحب السلس، أو المستحاضة بين صلاتين بوضوء واحد، فقطع ذلك عنه في بقية من الوقت الثانية، فروى أشهب عن مالك في المستحاضة الإعادة عليها لأنها اجتهدت وصلت. وروى ابن المواز عنه أنها تعيد الثانية، ويتخرج في مثله في صاحب السلس لاشتراكهما في أنه علة تعرض. قال القاضي ﵀: "ويفسد الوضوء الردة" إلى قوله: "وأما مس الذكر". شرح: اختلف العلماء في الردة هل تبطل الطهارة أم لا؟ وفي المذهب في ذلك قولان، والمشهور أنها تنقضها كما ذكره القاضي اعتمادًا على

стр. 67

قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الرمز: ٦٥] الآية. والطهارة عمل، قال كثير من العلماء: لا تبطل أعمال المرتد بنفس الردة، بل بالوفاة عليها لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ [البقرة: ٢١٧] فشرط الوفاة في (الاحتباط) الاحتجاج بهذه الآية الثانية، لأنها عاملة، والأولى مخصوصة للنبي ﷺ . قوله: "ولا يوجب الوضوء بشيء خارج من غير السبيلين": تنبيهًا على مذهب المخالف، ولهم في ذلك تفصيل. وكذلك اختلفوا في ذبح البهيمة، وغسل الميت هل ينقض الوضوء أم لا؟ على ما أشار إليه القاضي بعد، والجمهور على أن ذلك غير موجب للوضوء. فرع: إذا انفتق مخرج الحدث من غير السبيلين فلا يخلو إما أن ينسد المخرجان المعلومان أم لا؟ فإن انسد وكان المنفتق تحت المعدة فهو كالمخرج المعتاد، وإن لم ينسد فهل يجري مكان المنفتق مجرى المخرج المعتاد؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك إذا كان فوق المعدة، وهذه خاصة بالحدث. قوله: "وأما أسباب الأحداث فهي ما أدت إلى خروج الأحداث غالبًا (وهي) نوعان: زوال العقل، واللمس": وذكر أن زوال العقل يكون بأسباب النوم والجنون والإغماء والسكر، أما النوم فشبهة زوال العقل وإلحاقه بالجنون، والإغماء، فيه نظر عندي، بل النائم عاقل بأنه يشهد في حال نومه، بمعنى أن شرط التكليف حاصل له، ويتأكد هذا في خفيف النوم. وقد قال

стр. 68

كثير من الصحابة ومن بعدهم: أن الأمر كان منها فكيف يتصور أن يكون النائم غير عاقل إلا أن يدعي في ذلك خصوصية الأنبياء ولو كان النوم زوالاً للعقل حقيقة لتعطل إحساس النفس باللذات والآلام. وكل إنسان ينام، ولا يصدق إطلاق القول بأن كل إنسان يزول عقله كل ليلة، وقد أمر الله سبحانه به على الحيوانات وجعله راحة للنفس -وستأتي الأحكام -وذلك يدل على أنه نعمة، ولو كان فيه زوال العقل لكان نقمة، وإنما سماه الله سبحانه وفاة، لأن النفس لا تتعطل عن كثير من أفعاله البائنة، وأما النفس الحية المدركة، فلا يتعطل فيه البتة في يقظة ولا منام. ويتعلق بمعقودها الكلام في انتقاض الوضوء به، وقد قال كثير من السلف: إنه لا مدخل له في نقض الوضوء البتات بدليل أن الصحابة كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون، ولا يتوضأون، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ : (اعتم ليلة بصلاة العتمة فبادر عمر رسول الله ﷺ -حتى نام النساء والصبيان)، ولم يأمرهم ﵇ -بتجديد الوضوء، وصح عن أبي موسى الأشعري وغيره أنه إذا كان نائمًا يجعل حارسًا، والجمهور على أن له مدخلاً في نقض الوضوء.

стр. 69

واختلف قول مالك هل هو حدث بنفسه، أو سبب الحدث، وهو المشهور، وإذ قلنا إنه حدث، نقض قليله وكثيره، وهو قول المزني وغيره، ووقع في سماع ابن القاسم. وجمهور المالكية في تفصيله فقسمه بعضهم بحسب حال النائم، وقسمه بعضهم بحسب حال النوم، فقال الأولون: إما أن ينام المرء قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو محتبيًا، أو مضطجعًا. أما القائم فلا وضوء عليه، لأنها حالة لا يثبت فيها النائم، وفي الراكع والساجد قولان في إيجاب الوضوء وإسقاطه، والمشهور إيجاب الوضوء على النائم ساجدًا دون الراكع، لأن الساجد حصل له سببان ينقضان الوضوء، والراكع لم يحصل له إلا سبب واحد، فناقص على مرتبة الساجد. واختلفوا في المستند، والصحيح إيجاب الوضوء عليه، وعلى المضطجع. وأما المحتبي فلا يخلو أن يستيقظ قبل انحلال حبوته أو بعد انحلالها أو مع ذلك، فإن استيقظ قبل انحلال حبوته فلا وضوء عليه، وإن استيقظ عند انحلال حبوته، ففي إيجاب الوضوء عليه خلاف، الأحوط الإيجاب.

стр. 70

وأما من قسمه بحسب صفة النوم في نفسه فقال: لا يخلو (إما) أن يكون ثقيلاً طويلاً، أو خفيفًا قصيرًا، أو خفيفًا طويلاً، أو ثقيلاً قصيرًا. فالصورة الأولى: توجب الوضوء، ولا وضوء عليه في الثانية. وفي الثالثة والرابعة قولان إيجاب الوضوء واستحبابه. وأما زوال العقل بالجنون والإغماء فيوجب الوضوء لأنه مظنة للحدث لا يشعر كالنوم، بل أحرى وأولى، وهل يوجب الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور أنه لا يوجب وقال ابن حبيب: من جن أو أغمي عليه (وجب عليه) الغسل لاحتمال أن ينزل وهو لا يشعر، وهذا فيه نظر، إذ لا يخفى إنزال الماء، فإن قدرناه خفي فهو عار عن اللذة فلا يوجب الغسل على الأصح. وأما اللمس فقد اختلف الفقهاء فيه هل يوجب الوضوء أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجب به الوضوء مطلقًا، وفسر اللمس في قوله: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: ٦] بأنه الجماع، وهو قول (ابن عبدوس) صح عنه أنه قال: "ربنا حي كريم كنى لكم باللمس عن الجماع". وقال ابن

стр. 71

عمر وابن مسعود المراد به في الآية اللمس باليد. وقال زيد بن أسلم والأوزاعي والشافعي اللمس يوجب الوضوء مطلقًا. واختلف قول الشافعي في لمس ذوات المحارم. وتحصيل مذهب (مالك) أنه لا يوجب الوضوء على حال دون حال، وقسمه المتأخرون أقسامًا إما أن يقصد اللمس ويجد اللذة، أو يقصد ولا يجد، أو لا يجد ولا يقصد. فإن قصد ووجد، وجب عليه الوضوء اتفاقًا عن المذهب، وإن لم يقصد ولم يجد فلا وضوء عليه، وإن وجد ولم يقصد وجب عليه الوضوء، وحكى بعض الشيوخ في هذه الصورة قولين، والصحيح ما ذكرناه. وإن قصد ولم يجد فيه قولان: إيجاب الوضوء وإسقاطه، وأجرأه بعض الشيوخ

стр. 72

على الخلاف في رفض الوضوء هل يؤثر أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: والذي يتحقق من مذهب مالك وأصحابه أن الوضوء يلزم التذ بذلك أم لم يلتذ. قال المصنف ﵀: "إنما يجب بقصد اللذة دون وجودها" فيه مناقشة، لأن ظاهره حصر الموجب في القصد، وبقي كون الوجود موجبًا، ومقصده خلاف ذلك، وهو أن الوجود ليس بشرط في الوجوب، بل يجري في حصول الوجوب مجرى القصد وإن لم يقاربه وجود اللذة، فمقتضى كلامه ومقصده تقدير الوجوب على القصد المفرد وإن لم يجد اللذة. وأما اللمس فإن التذ توضأ، وإلا فلا وضوء عليه. وفرق القاضي بين أن يكون الحائل خفيفًا، أو كثيفًا، بناء على ما أشار إليه القاضي من حصول اللذة مع الخفيف الكثيف، والمعتمد لنا في اللمس على حديث عائشة وفيه: (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها) الحديث. قوله: "ولا فرق بين اللمس باليد أو بالفم (بغير القبلة) ": وقد اختلف المذهب في القبلة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تنقض الوضوء مطلقًا، وبه قال كثير من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود.

стр. 73

والثاني: اعتبار اللذة أنها إن كانت في الفم وجب الوضوء مطلقًا، وإن كانت في غيره اعتبرت اللذة، وفي المجموعة في قوله ليس على أحد الزوجين [ ... ] بغير شهوة من مرض أو غيره وضوء. قوله: "ولا (فرق) بين الزوجة والأجنبية وذات محرم": يريد مع وجود اللذة والله أعلم. قال القاضي ﵀: "وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط". شرح: اختلف المذهب في مس الذكر هل هو من نواقض الوضوء أم لا؟ على أربعة أقوال: الأول: أنه ناقض للوضوء مطلقًا اعتمادًا على ما رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي

стр. 74

وقاص وحفصة، ويزيد بن خالد الجهني وبسرة وأم حبيبة وأبو أيوب وابن عمر وغيرهم. عن النبي ﷺ -أنه أمر بالوضوء من مس الذكر. وألفاظهم مختلفة ومعناها واحد. الثاني: أنه لا ينقض الوضوء أصلاً اعتمادًا على قوله ﵇: (وهل هو إلا بضعة منك) وقد قيل: إنه منسوخ، لأنه كان في أول الإسلام، وحديث

стр. 75

أبي هريرة كان عام خيبر. والقول الثالث: أنه إن مس الذكر عامدًا وجب عليه الوضوء، وإن مسه ناسيًا فلا وضوء عليه، لأن حكم النسيان مرفوع في الشريعة مع أن الغالب عدم (اللذة). والقول الرابع: اعتبار باطن الكف، فإن مسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، لأن الغالب اللذة لما فيه من اللطافة، فالوضوء به. وإن مسه بظاهر كفه فلا وضوء عليه إلا أن يلتذ، واختلفوا في باطن الأصابع هل تنزل منزلة الكف أم لا؟ وفيه قولان في المذهب. وقدم جمهور العلماء حديث أبي هريرة وبسرة وغيرهما على حديث طلق لما ذكرناه من التاريخ. تفريع: إذا أمرناه بالوضوء ولم يتوضأ، فقد اختلف فيه المذهب، فروى ابن القاسم، وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة في الوقت، وروى ابن القاسم نفي الإعادة مطلقًا، وذهب العراقيون من أصحابنا إلى وجوب الإعادة في الوقت وبعده وبه قال ابن نافع، وابن دينار، وقد روى مالك
следующие страницы →