← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يستحق السلب أم لا؟ وفيه قولان عندنا، فروى ابن سحنون عن أبيه (إذا كان القاتل ذميًا)، وقال سحنون أيضًا: إن قاتلا فلهما السلب. قوله: "ويأخذ (الإمام) من الغنيمة خمسها": الذي (يأخذها) الإمام فقال مالك: هو منزلة الفيء يأخذ منها الغني والفقير. وقال الشافعي: يقسم الخمس على أربعة أقسام، وهو قول الطائفة من أهل العلم، وهؤلاء عولوا على قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ افتتاحًا لكلام، وليس قسمًا خامسًا، وقال قوم: إن سهم النبي ﷺ ، ومنهم القربى سقط بموت النبي ﵇. واختلفوا في "ذي القربى" فقيل: بنو هاشم، وقيل: بنو عبد المطلب وبنو هاشم. إن سهم النبي وذوي القربى يرد على سائر المستحقين للخمس، وقيل: بل يجعل في السلاح والكراع. قال القاضي ﵀: "ولا يجوز الغلول" إلى قوله: "والنفل كله من الخمس".

стр. 457

شرح: أجمع العلماء على أن الغلول محرم، والدليل على ذلك الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ الآية [آل عمران: ١٦١]. وأما السنة فقوله ﵇: (أدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول عار، ونار، وشنار يوم القيامة) والآثار (الصحيحة) في تحريمه كثيرة، خرجها مسلم وغيره. قوله: "ويؤدب فاعله": وهو كما ذكره لأنه فعل معصية، وارتكب كبيرة، واستحق العقوبة، ولا يحرق رحله، ولا يحرم سهمه عند الجمهور خلافًا لمن شذ اعتمادًا على (حديث) ورد بذلك، وفي إسناده مقال ولذلك نبه القاضي، وحكمه إن تاب أن يؤتي به إلى الوالي فيضعه

стр. 458

في المقاسم وتسقط عنه العقوبة حين أتى به تائبًا، فإن جاء به الإمام بعد تفريق الجيش اجتهد الإمام فيه، فإن لم يجد الوالي تصدق به، حكاه محمد بن المواز عن مالك ولو تاب من الغلول في مرضه، وأراد إخراجه فهل يخرج من رأس المال أو من ثلثه، فيه نظر. وتحصيل القول فيه: أنه إن تاب بقرب أخذه قبل افتراق الجيش، فهو من رأس المال، وإن طال ذلك أخرج من ثلثه، ولو سرق من المغنم، وكان فيه من يعتق عليه أو وطيء جارية فهل يدرأ عنه الحد، ويعتق عليه ذو محرمة أم لا؟ فيه خلاف. أما إذا سرق مقدار نصيبه فأقل فرأى أنه لا يقطع للشبهة، والمشهور من المذهب أنه يقطع مطلقًا إذا سرق بعد إحراز الغنائم، وكذلك إذا زنى بالمرأة، فعليه الحد، وقال عبد الملك: لا حد عليه. ومبنى الخلاف على تحقيق الشبهة قال سحنون: ولو أعتق عبدًا من المغنم يكمل عليه ويقوم نصيب أصحابه، وكذلك إذا كان فيه ذو محرم يعتق عليه، فإنه يعتق ويقوم نصيب أصحابه، قال ابن القاسم وأصحابه: إذا أعتق أمة من المغنم فلا عتق له، ولو وطئ جارية حد، ولو حملت (لم تكن له) أم ولد، وقيل: إنه إن وطئ أمة فحملت فهي أم ولده لا حد عليه. حكاه بعض شيوخنا عن المذهب. ثم إن كان سهمه من المغنم يستغرق

стр. 459

الأمة أخذ منه قيمتها يوم الحمل، فإن لم يف سهمه بذلك كمل قيمتها فيما لزمه من الغنيمة، وتبع من قيمة الولد بقدر ذلك. واختلف أهل العلم في إباحة الطعام والعلف للغزاة ما داموا في أرض العدو، فالجمهور إباحة ذلك، ولم يروه من باب الغلول. والأصل فيه ما خرجه البخاري، ومنع من ذلك كله ابن شهاب وغيره من أهل العلم، ورأوه من الغلول، وحكى بعض شيوخنا إجماعًا على إباحة أكل طعام المشركين في أرض الحرب بغير إذن الإمام، وإن تعلف منه الدواب، وكذلك كل طعام من الإدام والمواشي من غير إسراف، وفي هذا الإجماع نظر، وقد حكينا مذهب ابن شهاب في ذلك، وإذا قلنا بالجواز (فحكمه) أن يأخذ منه بقدر حاجته، فإن احتاج إلى الفرس والسلاح أو الثياب قال ابن القاسم عن مالك: أنه يأخذ ذلك بغير إذن الإمام لينتفع به حتى تنقضي غزوته. وروى ابن زياد وابن وهب: أنه ليس له أخذ شيء من ذلك إلا بإذن الإمام. قال ابن حبيب: ولو نهى السلطان عن أكل طعام العدو، ولم يكن ثابتًا أن يأكلوا بعد نهيه إذا احتاجوا إليه، وسواء أحرزه الإمام بعد نهيه أولاً. واختلف المذهب إذا احتاجوا إلى بيع شيء من ذلك يشتروا سلاحًا ونحوه، فقيل: لا بأس به. وقال ابن حبيب: هو مكروه لأنه إذا صار ثمنًا

стр. 460

رجع غنيمة. وكذلك اختلفوا هل يجوز ذبح الأنعام في دار الحرب للأكل منها أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان: الأشهر: الجوار وقيل: لا يجوز، ولو فضل من العلف، أو اللحم ونحوه شيء بعد انفصال الجيش، ودخول دار الإسلام فهل يمتلك أو يتصدق به، فيه خلاف، والمشهور أنه إن كان كثيرًا تصدق به، وإن كان يسيرًا فله الانتفاع به. قوله: "وما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين فأسلموا عليه كان لهم": وهذا بناء على أن أهل الحرب مالكون لما حكموا عليه من أموال المسلمين. قوله: "فإن عاد شيء من ذلك إلى الغنيمة فهو لمن كان يملكه من المسلمين" إلى آخره وهذا كما ذكره. هو أصل مذهب مالك ﵀، والأصل في ذلك ما رواه ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له كان المشركون قد أصابوه فقال له رسول الله ﷺ : (إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك، وإن أصبته بعد القسم أخذته بالقيمة)، وقال الشافعي، وأبو ثور هو لأربابه، وليس للغزاة فيه شيء، وهذا بناء على أنهم غير مالكين لما

стр. 461

(حكموا) عليه من أموال المسلمين. وقال علي بن أبي طالب: هو غنيمة للجيش ليس لمالكه فيه شيء، وهذا بناء على أنهم مالكون حقيقة، وهو قول الزهري (وعيسى) بن دينار وغيرهما من أهل العلم، وانظر إطلاق لفظ القاضي في قوله: "ولا يجوز قسمه إن علم به". واختلف العلماء: هل يجوز للغانمين قسمته أم لا؟ وفي مذهب مالك فيه تفصيل، فإن علم أنه لمسلم، وكان صاحبه حاضرًا لم يقسم، وأخذه بغير عوض إذا أثبت أنه كان له، فإن كان صاحبه معلوم العين مجهول البلد لم يقسم أيضًا، وللإمام أن يقفه أو يبيعه ويوقف ثمنه، فإن كان صاحبه معلوم العين والبلد نقل إليه إن خف نقله، فإن صعب اجتهد له فيه الإمام، فإما باعه، وإما أمر بنقله إليه، فإن كان صاحبه مجهول العين والبلد، فتحقق أنه ملك مسلم، فقال مالك: يقسم للمسلمين. وحكى القاضي أبو محمد أنه لا يقسم، ويترك حتى يأتي ربه. وقال محمد بن المواز: هو كاللقطة. فإن كان معلوم البلد مجهول العين، فقال مالك، وابن القاسم: يقسم. وقال البرقي، عن مالك: يبعث به إلى بلده، فإن علم صاحبه وإلا أمر ببيعه. وإذا أشكل الأمر هل هو لمسلم أو لكافر غلب عليه حكم الدار، وقسمه الإمام مع الغنائم بين الجيش.

стр. 462

تنبيه: قد حكينا عن مالك أن الكفار مالكون ما حكموا من مال المسلمين، وخالفه الشافعي في ذلك، فلو أسلم حربي وبيده مال مسلم، فقال مالك، وأبو حنيفة: يجوز له تملكه، وقال الشافعي: لا يصح له تملكه، والدليل لنا قوله ﵇: (وهل ترك لنا عقيل من دار) وهذا يدل على أنهم مالكون لما حازوا من أموال المسلمين، ومن طريق المعنى أنهم كانوا غير مالكين لضمنه كالغاصب لاستوائهما في القهر والغلبة. وينبني على هذا الأصل لو دخل مسلم إلى دار الكفار على وجه التلصص وأخذ من أيديهم مال مسلم، فمقتضى القول: أنهم مالكون أن اللص أولى به من صاحبه وهو قول أبي حنيفة وقال مالك: هو لصاحبه، وليس للص فيه شيء وهذا غير جار على أهله أنهم مالكون، وأما ما فدى من أيدي اللصوص، فقد اختلف المذهب في حكمه، فقيل لصاحبه بغير شيء وهذا بناء على أنهم غاصبون لا ملك لهم على ما غصبوه البتة، وقيل: يأخذه صاحبه بالأقل من قيمته أو ما أفدى به. واحتج من رآى أنهم غير مالكين بالنقل والمعنى. أما النقل فما روي من حديث ابن عمر أنه كان له فرس فأخذه المشركون فظهر عليه المسلمون فردت عليه في زمان رسول الله ﷺ ، فروى (ابن عمر) وابن حصين قال: أغار

стр. 463

المشركون على سرح المدينة، وأخذوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، وامرأة من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فأتت ناقة ذلول فركبتها، ثم توجهت (إلى) المدينة، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأتوا بها النبي ﵇ فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: (بئسما جزيتها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية)، وفي هذين الحديثين دليل على أنه غير مالكين لما حازوه من أموال المسلمين، وإلا لما رد ﵇ على ابن عمر فرسه، ولا ما رد الناقة إليه من حيث إنهم ملكوها بحيازة، وأما المعنى فإنهم لا يملكون رقاب أهل الإسلام فلا يملكون أموالهم. قوله: "والنفل كله من الخمس": فهذا هو مذهب جماعة من العلماء، وهو قول مالك ﵀. واختلف في ذلك قول الشافعي، والمختار عندهم أنه من الخمس أي

стр. 464

من حظ الإمام منه، وقال أحمد (وأبو عبيد): وهو من أصل الغنيمة، وأجاز جماعة من أهل العلم أن ينفل الإمام الغنيمة كلها. والدليل على أنها من الخمس الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ﴾ الآية ومقتضاها تعيين الموصوف فلا مدخل للنفل. وأما السنة فما روى مالك عن ابن عمر (أن رسول الله بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا). وهذا يدل على أن النفل كان من الخمس بعد الغنيمة وهو نص في محل النزاع، واحتج من رأى من أصل الغنيمة بقوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾ الآية [الأنفال: ١]، وهذا يدل على أن الحكم فيها للإمام، واحتج أيضًا بما رواه حبيب بن مسلمة أنه ﵇ كان ينفل الربع للسرايا بعد الخمس في البداءة وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة يعني في غدوه وانصرافه. وهذا يدل على أنه من أصل الغنيمة، وبهذا الحديث نفسه احتج من رآى أنه للإمام أن ينفل من الثلث والربع عملاً على حديث حبيب بن مسلمة، وقد رآى طائفة من أهل العلم (ألا يعارض) قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم

стр. 465

من شيءٍ﴾ وقوله: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾ وحمل الآيتين على أن الخيار في ذلك للإمام. وإذا فرعنا على مذهبنا أن النفل والسلب والرضخ من الخمس فهو أعني النفل على قسمين جائز، ومكروه، فالجائز ما كان بعد القتال من غير كراهية، وإذا قلنا بالكراهية فشرط الإمام وجوب الوفاء بالشرط كما ذكرناه، لأنه مبايعة فلا يحل نقضها. قال القاضي ﵀: "ويستحق الإسهام بثلاثة شروط" إلى قوله: "الأجراء والصناع". شرح: يتعلق بهذا الفصل الكلام في الغنيمة، وشروط استحقاقها، ونحن نتتبع لفظه. قوله: "أن تغنم الغنيمة بقتال أو إيجاف عليها بخيل أو ركاب": وهذا كما ذكره من شروط تسميتها غنيمة، وما عداه يسمى فيئًا وهو ما صار للمسلمين من أموال المشركين من غير إيجاف عليه بخيل أو ركاب. قوله: "فأما ما سوى ذلك مما ينجلي عنه أهله فهو فيء": وهذا كما ذكره، وما يختلس أو يسرق فإنه خاص للمختلس والسارق ويخمس إذا أخذه المسلم الحر، فإن اختلسه أو سرقه عبد فهل يخمس أم لا؟ فيه قولان فقال

стр. 466

ابن القاسم: يخمس إن أخذه العبد، وقال سحنون (وابن المواز): لا يخمس على العبد. قوله: "فإنه يصرفه الإمام في مصالح المسلمين" هو كما ذكره. واختلف العلماء هل يخمس الفيء، فقال الجمهور: الفيء غير مخمس، وهو الثابت عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وغيرهما. وقال الشافعي: الفيء يخمس، ولم يقل به أحد قبله، ورآى أنه مقسوم على الأصناف التي ذكر الله سبحانه في سورة الحشر. قال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] ألا وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الغنيمة. وإذا قلنا بما ذهب إليه الجمهور من أن الفيء غير (مخمس)، فقد اختلفوا بعد ذلك في مصرفه، فقال قوم: هو إلى الاجتهاد فينظر فيه السلطان، فينفق منه على نفسه وعياله من رأي. واحتجوا بما خرجه مسلم عن ابن عمر قال: (كان أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لا يوجب عليه المسلمون بخيل أو ركاب، فكانت له ﵇ خالصة، فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي يجعله في السلاح والعدة في سبيل الله). وقال قوم: هو مقسوم على الأصناف الخمسة الذين ذكرهم الله سبحانه في قوله: ﴿واعلموا

стр. 467

أنما غنمتم من شيءٍ﴾ الآية، والآية المذكورة في سورة الحشر. المشهور أنه للأغنياء والفقراء، والمقاتلة والحكام والمؤذنين ونحوهم ممن ينفع المسلمين في شيء. قال ابن حبيب: (السرية) التي مضى عليها (أئمة) العدل فيما أفاء الله على المسلمين من خمس وجزية وخراج أرض وما صولحوا عليه الحربيين من هدنة ما يؤخذ من أعشار الحربيين وتجار أهل الذمة وخمس الغنائم أن هذا لسد مخاوف المسلمين، ومنعة حصونهم، واستعداد آلات الحرب لهم، فإن فضل شيء أعطى قضاتهم وعلماؤهم ومن للإسلام فيهم انتفاع وبناء المساجد والقناطير، فإن فضل من ذلك شيء فرقه على الأغنياء، فإن رآى حبسه لنوائب المسلمين فعل، واختلف العلماء في كيفية الصفة المعتبرة، فقيل: الضرورة والحاجة، وقيل: السائبة والبلاء في الإسلام، وقيل: الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام العدل على ما يرى من تسوية، أو تفصيل ويوفر سهم قرابته ﵇ منه إجلالاً لهم، وسدًا لخلاتهم، قاله كله ابن حبيب. قال ابن عبد الحكم: إذا صار الفيء في بيت المسلمين أعطى الإمام منه المقاتلة، وبناء الثغور، وإعطاء النساء، والدرية، والمنفوس والأعراب، ولا يعطي العبيد، وذلك كله على حسب اجتهاد الإمام، وما يراه صلاحًا للمسلمين. قوله: "ولا يسهم لمن مات قبلها": وهذا كما ذكره وبه قال الجمهور، وقال سحنون: إذا قامت الصفوف، ولم يقم القتال، فلا سهم لمن مات، وروى نحوه عن مالك قال: وإنما أسهم بعد المناشبة في القتال. قال ابن حبيب: سمعت أن أصحاب مالك قالوا: إن مشاهد الحصن والعسكر

стр. 468

كالقاتل. قوله: "ولا (لمن" جاء بعدها": تنبيهًا على مذهب أبي حنيفة لأن مذهبه أن من لحق الجيش قبل أن يخرجها إلى بلاد الإسلام وجب له حظه من الغنيمة إن استعمل، والجمهور على أنه لا سهم له، والدليل للجمهور ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعيد من المدينة قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بعدما فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله -صلى الله عليه سلم-: (فقسم لهم ﷺ ) واحتج أبو حنيفة بالنقل والمعنى، أما النقل فما ثبت أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: إن عثمان ذهب في حاجة لله وحاجة لرسوله، فضرب له رسول الله ﷺ ولم يضرب لأحد غاب عنه فوجب له السهم لاشتغاله بأمر الإمام، وذلك أن زوجته ابنة رسول الله ﷺ كانت مريضة (بالحصبة) وإن لم تكن حجة في غير المحل، إلا أن فيه

стр. 469

التنبيه على المعنى، وهو اشتغاله بأمر الإمام هو نص فيمن رده الإمام لحاجة، وسنذكره بعد. وثبت أنه ﵇ أسهم لطلحة: وقال: يا رسول الله وأجري؟ قال: (وأجرك)، وكلاهما عندنا. وأما المعنى فكأنهم شبهوا تأثير الغازي في الحفظ بتأثيره في الأخذ، وذلك ان حاضر القتال له أثر في أخذ الغنيمة والمدد لهم تأثير في حفظها، فتساوت المقتضيات وتقاربت. قوله: "ولا أن يكون صحيحًا غير مريض": وهذا شرط مختلف فيه في المذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن المريض يسهم له مطلقًا، ولو خرج من بلاد المسلمين مريضًا، ولعل هذا القول محمول على من له أن ينتفع به الجيش. والثاني: أنه لا يسهم إلا أن يمرض بعد شهود القتال لحصول المشاركة. والثالث: أنه لا يسهم له إلا أن يمرض بعد ابتداء القتال لنفسه، لأن مبادئ الانتفاع به قد حصل. والرابع: أنه لا يسمع له إلا أن يمرض بعد الحصول في أرض الحرب، وهذا بناء على أن ما قرب من الشيء له حكمه.

стр. 470

قال الشيخ أبو الطاهر: إن مرض بعد أن أشرفوا على الغنيمة فقولان: الإسهام، ونفيه، والإسهام أشهر، وإن من مرض قبل الإشراف على الغنيمة فقولان: الإسهام، ونفيه وهو المشهور. وإن مرض في بلد المسلمين فقولان الأشهر نفى الإسهام له، وإن كان ذلك بعد حصوله في أرض الحرب فقولان أيضًا، وهذا تفصيل المذهب فيه. واختلف العلماء أيضًا في الضال عن الجيش هل يسهم له أم لا؟ وفي مذهب مالك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسهم له مطلقًا لأنه مغلوب. والثاني: لا يسهم له أصلاً إلا أن يضل بعد شهود القتال. والثالث: التفرقة فإن ضل في بلاد الحرب أسهم له، وإن ضل في بلد المسلمين لم يسهم له، وهذا نظر إلى المعنى، لأنه شارف وحاضر نفسه كالقاتل، وقيل: إن ضل بعد القتال، أو بعد الغنيمة أسهم له، وإلا فلا، وهو قول رابع. واختلف فيمن رده الإمام من الجيش لحاجة هل يسهم له أم لا؟ وفيه قولان في المذهب، وقد ذكرنا أن الأصل في ذلك رد النبي ﵇ عثمان لمرض ابنته ﷺ والتي كانت تحت عثمان ﵁. وهذا الخلاف إنما هو فيمن رد في حاجة المسلمين لا للجيش على الخصوص، وأما من رد الإمام لحاجة الجيش، فلا خلاف أنه يسهم له، وحكى ابن شاس عن المذهب أنه لا يسهم له، وهو غير معروف. قال الإمام أبو بكر بن المنذر ثبت أن عمر بن

стр. 471

الخطاب قال: الغنيمة لمن شهد الوقيعة. وأما من رجع من تلقاء نفسه اختيارًا قبل دخول الحرب وقبل الوقيعة، فهل يسهم له أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على أن ما قرب الشيء هل له حكمه أم لا؟ ولو رجع بعد الوقيعة والمقاتلة لا سهم له (بلا خلاف)، ولو غاب بانهزام لم يسهم، فإن قصد التحيز إلى فئة التحيز إلى فئة أخرى لا يسهم له، ولو ادعى على رجل التغيب، فإن ثبتت بينة كافية، أو أمارة ظاهرة عمل بمقتضاها، وإلا فالأصل بعد خروجه وحصوله مع الجيش، وفي بلاد الحرب (حضوره) الوقيعة فيسهم له، وهل يرجع في ذلك إلى شهادة الإمام وحده أم لا؟ فيه قولان في المذهب. قوله: "ومثل ذلك السرية المنفصلة من جملة العسر برأي الإمام": وهذا تنبيه على مسألة الخلاف أيضًا، وذلك أن العلماء أيضًا اختلفوا في مسألتين من هذا المعنى. المسألة الأولى: من خرج بغير إذن الإمام هل يسهم له مع الجيش أم لا؟ الجمهور على الإسهام لجميع الغانمين خرجوا بإذن، أو بغير إذن. وشذت طائفة من العلماء فقالوا: من خرج بغير إذن الإمام فلا يسهم له قصر الفعل على ما ورد بأن جميع السرايا (والجيوش) لم يخرج أحد فيها على عهده ﷺ -

стр. 472

إلا بإذنه، فهؤلاء رأوا أن إذن الإمام شرط، إذ هو صورة الفعل الواقع في عهده ﵇. المسألة الثانية: إذا غنمت السرايا التي تخرج من العسكر هل تختص بالغنيمة أم لا؟ وتحصيل القول فيه: أن السرايا المفردة مخمسة مختصة بالغنيمة بلا خلاف، وفي مذهب مالك خرجت بإذن الإمام أو بغير إذنه. وقال قوم من أهل العلم: لا خمس فيها إذا خرجت بغير إذن، وهي للغانمين خاصة، وقالت طائفة: وكل ما ساقته السرية المفردة الخارجة بغير إذن الإمام. والرجل يأخذ وحده فيتم فهو نفل يأخذه الإمام كله إذا خرج بغير إذنه، قصر الخروج على صفته التي كانت على عهده ﷺ ، ولم تكن إلا بإذنه ﵇، والتي تقدمت بين يدي العسكر، فلا يخلو أن يغنم العسكر، أو تغنم السرايا، فإن غنم العسكر فلا يخلو أن تخرج السرية بإذن الإمام، أو بغير إذنه، فإن خرجت بإذنه شاركوا العسكر في الغنيمة وإن خرجت بغير إذنه لم تشارك العسكر في الغنيمة. وإن غنمتم السرية المتقدمة بين يد العسكر، فالجمهور على أن العسكر يشاركوا أهل السرية في الغنيمة، وإن لم يشهد العسكر العنيمة، ولا القتال، وهو مذهب مالك. لأن الجيش إعانة السرية، إذ لولاه لما قدرت على دخول بلد الحرب، ولما نهضت إلى العدو، فللعسكر تأثير على من حضر القتال ولم يقاتل (لأنه) ألقى الرهبة، وكثر السواد. وقال النخعي: الإمام بالخيار إن شاء خمس ما تغنم السرية، وإن شاء نفذه كله. وقال الحسن: إن خرجت بغير إذنه خمسها، وكان ما بقي بين الجيش كله، وإن خرجت بإذنه خمسها، والباقي للسرية خاصة دون الجيش. قوله: "والثالث أن يكون (المسهم له) من (جيش) (من) يلزمه

стр. 473

القتال": وهذا كما ذكره، واتفقوا على (أن من كملت فيه) سبع صفات فهو (مستحق) للغنيمة: الإسلام، والعقلن والبلوغ، والحرية، والذكورية، والصحة، وإطاقة القتال. وقولنا: "الإسلام" احترازًا من الكافر، وقد اختلف العلماء هل يستعان بالمشركين في الجهاد أم لا؟ وفيه قولان، (المذهب) في المشهور منع لقوله ﵇: (إنا لا نستعين بمشرك) الحديث خرجه مسلم. والشاذ: الجواز، لأن المقصود غلبة الكفار، وإذا قلنا بجواز الاستعانة بالمشركين، فهل يستعان به في سائر أسباب القتال، أو في الخدمة خاصة فيه قولان في المذهب. قال ابن حبيب في قوله ﵇: (إنا لا نستعين بمشرك) هذا في الزحف والصف، فأما من هدم حصن أو رمي مجانيق ونحوه فلا بأس به، قال: ولا بأس أن يستعان بمن سأله من أهل الحرب على [ ....... ]، وإذا قلنا بذلك: فهل يسهم للكافر أم لا؟ أما من لم يقاتل فلا يسهم له، وإن قاتل فهل يسهم له فيه في المذهب ثلاثة أقوال. أحدها: أنه يسهم له بحصول المقتول من الخروج، وسبب الغنيمة. والثاني: أنه لا يسهم له بناء على منع الاستعانة. والثالث: أنه إن استقل المسلمون بأنفسهم لم يسهم له، إذ لا ضرورة له ولا سهم له.

стр. 474

وقولنا: "العقل" احتراز من المجنون، والمجنون على قسمين مطبق وغير مطبق، والمطبق على قسمين: إما أن يكون طرؤه عليه بعد الخروج من بلاد الإسلام، والوصول إلى أرض الحرب أو (قبله. فإن كان قبل الخروج من بلاد المسلمين لم يسهم له، وإن كان بعد الوصول إلى أرض الحرب أو) بعد الوقعة ففيه قولان: الإسهام له، لأنه كثر السواد، وقارب الشيء ونفيه، إذ لا يصح منه القتال، وغير المطبق يسهم له إن كان معه من العقل ما يطيق به القتال والإجراء على ما ذكرناه. وقولنا: "البلوغ" احترازًا من الصبي. وقد اختلف العلماء هل يسهم للصبيان أم لا؟ وفيه قولان: الجمهور على أنه لا يسهم (لم) وفي مذهب مالك فيه نظر. تحصيله أنه إن لم يطق القتال فلا يسهم له وإن أطاقه فهل يسهم له أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسهم إذا حضر الوقيعة قاتل، أو لم يقاتل، لأنه كثر السواد. الثاني: أنه لا يسهم له، لأنه لا يؤمر بالقتال. الثالث: أنه إن (قاتل) أسهم له وإلا فلا، لأن المقصود من حصوره القتال، وإذا قلنا: إنه لا يسهم للصبي، فالمراهق حكمه حكم البالغ، وقيل: حكم الصبي، والأول قول الشافعي. وكذلك اختلفوا أيضًا: هل يرضخ لهم (أم لا) إن قلنا: إنه لا يسهم لهم، ومما احتج به من رأى الإسهام للصبيان

стр. 475

عموم قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾، ومما احتج به من رآى أنه لا يسهم لهم (ما) ذكره ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وإنما اشترط البلوغ تعويلاً على حديث ابن عمر. وقولنا: "الحرية" احترازًا من العبد. وقد اختلف العلماء هل يسهم للعبيد إذا قاتلوا أم لا؟ وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: الإسهام مطلقًا، ونفيه، والإسهام مطلقًا، ونفيه، والإسهام إن لم يستقل الأحرار بأنفسهم، ونفيه إن استقلوا بأنفسهم، وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال: ليس (أحد) إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم. وقولنا: "الذكورية" احترازًا من المرأة، ولم يختلف المذهب أنها لا تستحق السهم إذا لم تقاتل، فهل يسهم لها أم لا؟ فيه قولان في المذهب. وإذا قلنا: إنه لا يسهم لها فهل يرضخ لها أم لا؟ قال ابن حبيب: إن قاتلت المرأة كقتال الرجال أسهم لها. وسبب الخلاف اختلافهم في الإسهام لهن اختلاف الأحاديث هل كان ﵇ يسهم لهن، أم يرضخ من العطاء ولا يسهم، فروى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ أسهم للنساء بخيبر. وفي الصحيح: أن أم عطية كان ﵇ يرضخ لها من الغنيمة.

стр. 476

وكذلك اختلفوا في التجار والأجراء إذا قاتلوا هل يسهم لهم أم لا؟ قال ابن القاسم: إن قاتل التاجر أسهم له، وإن كان في رحله لم يسهم له. وقال أشهب في المدونة: وإن قاتل. قال سحنون: إن استؤجر للخدمة فقاتل فله سهمه، وتبطل من أجرته ما عطل من الخدمة، وحكم نوانية البحر حكم الأجراء. وخرج عبد الرزاق أن عبد الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين: أن يخرج معه، قال: نعم. فوعده، فلما حضر الخروج دعاه فأبى أن يخرج معتذرًا بأمر عياله وأهله، وأعطاه عبد الرحمن ثلاثة دنانير على أن يخرج معه، فلما هزموا العدو وسأل عبد الرحمن نصيبه من المغنم، فقال عبد الرحمن: سأذكر أمرك لرسول الله ﷺ فذكره (فقال له) ﵇: (تلك الثلاثة دناننير حظه من الغزو وفي دنياه وآخرته). وإذا قلنا: إنه لا يسهم للعبيد، والأجير، والنساء، ولا التاجر، فخرجوا مع سرية فهل يسهم لهم أم لا؟ فيه قولان في المذهب. قال ابن العطار في الأجير إن خرج للجهاد والإجارة كالخياطة فله سهمه شهد القتال أم لا؟. وإن استؤجر للخدمة فلا يسهم له. وفي كتاب ابن محمد: إن شهد الأجير (القتال) فكان مع الناس عند القتال أسهم له، وفي كتاب محمد: التاجر إن شهد القتال أسهم له، وإن لم يقاتل. وقولنا: "صحة" احترازًا من المريض قد ذكرنا فيه الأقوال الثلاثة الواقعة في المذهب. وقولنا: "وإطاقة القتال" احترازًا من الأعمى، لأنه لا يطيق القتال،

стр. 477

والأقطع، والمقعد والأعرج. قال سحنون: يسهم لهم، والمشهور لا يسهم لهم. ومبنى الخلاف: هل يعدوا في حكم الأصحاء أو في حكم المرضى، تنبيهًا على ما ذكر ابن المواز أن الإمام مخير بين أن يقسم أعيان المغانم أو أثمانها. وقال سحنون: يقسم الأثمان. واختار القاضي أبو الوليد قسم الأعيان وهو الأولى عندنا إلا أن يبيعوا، ويحتمل أن يكون الخيار في ذلك للجيش والإمام، وهو سديد في النظر، لأنهم المالكون. قال القاضي ﵀: "والمسهم لهم ضربان" إلى قوله: "والإمام في الأسارى". شرح: وهذا أصل مذهب مالك ﵀ أن للفارس ثلاثة أسهم: سهم لنفسه، وسهمان للفرس وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه. وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الآثار فجاء من طريق ابن عباس وغيره أن النبي ﵇ جعل للفارس ثلاثة أسهم سهمان للفارس، وسهم

стр. 478

لراكبه. وجاء من حديث مجمع بن جارية وغيره مثل قول أبي حنيفة. قوله: "ولا يسهم إلا لفرس واحد": فيه قولان في المذهب المشهور ما ذكره. وقال ابن وهب: من له فرسان يتبدل عليهما فإنه يسهم لفرسين، وقد قيل لفرسين فأكثر. ومبناه على مراعاة الطوارئ. قال الشيخ أبو الطاهر: لا خلاف أنه يسهم للفرس الواحد، ولا يسهم على ما زاد على اثنين. وهل يسهم للفرسين يكونان لمالك واحد أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على مراعاة الطوارئ، فمن راعاها أسهم لهما ومن لم يراعها لم يسهم لهما، قال ابن الجهم: من له فرس واحد في حكم (الرجال) لأنه معرض للجراح والهلاك، وقال غيره: لا خلاف عندنا أنه لا يعطى لما زاد على فرسين.

стр. 479

قوله: "وإذا أجاز الإمام الهجن والبراذين أسهم لها": قلت: الخيل على ثلاثة أقسام عتاق قوية يسهم لها، وبراذين غير قوية فلا يسهم له، وبراذين قوية فيسهم لها إن أجازه الإمام، ولا خلاف في مذهب مالك أنه لا يسهم لبغل ولا حمار، لأن المقصود منه الكر والفر، وهو غير حاصل لها. واختلف في مسائل من ذلك: (المسألة الأولى): الفرس المريض هل يسهم له أم لا؟ واختلفت الرواية في ذلك، فقال مالك: يسهم للفرس المريض الذي لا يمنعه من حصول المنفعة المقصودة منه، وقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له، وهذا إذا مرض قبل الوقيعة، وأما المريض بعد الوقيعة والمناشبة له فيه خلاف جار على الخلاف بماذا تستحق الغنيمة ويستقر ملك الغانمين عليها، فقيل: بالقهر والاستيلاء، وقيل: بنفس الغنيمة، وعلى ذلك يجري حكم الفرس وإذا قال بعد الوقيعة. وقد تقدم الخلاف في الرجل يضل على الجيل هل يسهم له، وهو جار على الفرس، وكذلك إذا مات الفرس بعد الوقعة حكمه حكم الغازي والمناشبة به فله سهمه. ولو دخل دار الحرب بفرس مريض، أو عقير فصح وقاتل عليه (فليسهم) له من يومه (لا من) قبله؛

стр. 480

قاله سحنون. وكذلك الفرس الرهيص، قال مالك: يسهم له لأن ذلك لا يمنعه من حصول المنفعة به وما حدث من هذه العيوب بعد الوقيعة لم يمنع له لسبق المنفعة به. المسألة الثانية: الفرس المغصوب والمستعار والمستأجر يسهم له لراكبه بلا خلاف إلا أن يغصبه من (غازي)، ففي سهم الفرس قولان فقيل لغاصبه لأنه المقاتلن وقيل لمالكه، وعلله الأشياخ بوجهين: أحدهما: أن الغاصب قد منع شيئًا فعليه ضمانه للمالك. الثاني: أن استحقاق السهم للمالك ثبت بالخروج، أو بالوصال إلى أرض الحرب، وهذا كله إذا كان الغصب أو الاستحقاق أو العارية قبل القتال، فإن كان ذلك بعد القتال والمناشبة فالسهمان للمالك بلا خلاف لاستحقاقه (ذلك) قبل الإجارة والعارية، ولو استأجر الفرس ببعض سهمه، فالسهم للقاتل، وعليه لرب الفرس أجرة المثل في فرسه، لأنه أجرة فاسدة. المسألة الثالثة: إذا كان الخيل في السفن فهل يسهم لها أم لا؟ المنصوص أنه يسهم لها لأنها معدة للنزول، ويجري فيه الخلاف هل يعتبر الحال، أو يعتبر المآل والأول مختلف فيه. والخيل الصغير الذي يحصل الكر والفر منه كالكبار وإلا فلا.

стр. 481

المسألة الرابعة: الفرس الضعيف هل يسهم له أم لا؟ اختلف فيه. فقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له لأنه لا يمكن القتال عليه حال ضعفه فهو كالكسير، وكذلك الأعجف الذي لا ينتفع به، وقيل: يسهم للضعيف لأنه مرجو البرء. قوله: "ولا يقتل النساء و (لا) الصبيان ولا الشيخ الفاني ولا أهل الصوامع والديارات إلا أن يخاف منهم أذى أو تدبير": وهذا أصل مذهب مالك كما ذكره، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا. وتحصيل القول فيه أنهم أجمعوا على جواز قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين في حال الحرب، واختلفوا في قتل صبيانهم ونسائهم وشيوخهم ورهبانهم وأجرائهم وخدامهم والأعمى والمعتوه منهم. فقال الشافعي: يقتل جميع هذه الأصناف، (فاستدل) بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فظاهر قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كآفة﴾ الآية [التوبة: ٣٦]. وأما السنة فعموم قوله ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) الحديث. وأما المعنى فرآى أن علة القتل إنما هي

стр. 482

الكفر وهي عامة في جميع الكفار. وحكى الشيخ أبو الطاهر أن (الآية) مجتمعة على خروج الولدان من الأقوال، المشهور عن الشافعي وغيره جواز قتل الولدان والنسوان مطلقًا. وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن هؤلاء إن قاتلوا أو آذوا المسلمين بوجه من وجوه الإيذاء، إما برأي أو تدبير أو بإعانة إما بزاد وإما بقتل، فإنهم يقتلون وإن لم يفعلوا هذا على سبيل الإجمال. فإن فصلت قلت: أما النساء فإن لم يقاتلن لم يقتلن، فإن قاتلن فهل يقتلن أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال في المذهب. أحدها: أنهن لا يقتلن على الإطلاق لعموم نهيه ﵇ عن قتل النساء والصبيان. وثانيها: أنهم يقتلن لأن النبي ﷺ : (مر على امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل) فظاهره أنها لو قاتلت لقتلت. وثالثها: أنها تقتل إن قاتلت في حين القتال، وإلا لم تقتل بعد. وإذا قلنا: إنها تقتيل إن قاتلت، فالمراد قتالها بالسلاح المعتادة، فإن قاتلت بالرمي والحجارة ونحوه فهل هو كالقتال والسلاح فتقتل أم لا؟ فيه قولان، المشهور من المذهب أنها إذا (سرحت) بلساها أو أخرجت مع النسوة في السور والحصون فإنها لا تقتل، وأما الصبيان فلا يقتلون إلا أن

стр. 483

يقاتلوا بالسلاح، ولو قاتلوا بالحجارة أعرض عنهم ولم يقتلوا. وقيل: إذا قاتلوا مطلقًا قتلوا والقولان في المذهب. واختلفوا فيه حد البلوغ في هذا الباب على قولين في المذهب الإنبات، وقيل: الاحتلام، وكذلك اختلفوا أيضًا في الرهبان المنقطعين عن الناس إذا لم يؤذونا بوجه، المشهور أنهم لا يقتلون تعويلاً على قول أبي بكر: فدعنهم وما حبسوا أنفسهم له. وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان بعث جيوشه قال: (لا تقاتلوا أصحاب الصوامع) والشاذ أنهم يقتلون لعموم قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كآفة﴾ [التوبة: ٣٦]. ومنبى المسألة على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. واختلفوا في النساء إذا ارتهبن هل يقتلن أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان: أحدهما: أنهن يقتلن لأن الرهبانية مختصة بالرجال. والثاني: يتركن لانقطاعهن وانفرادهن عن الناس، واختلفوا في الزمناء، والأجراء، والمريض، ومن لا معونة له برأي، ولا غيره هل يقتل أم لا؟ وفي مذهب مالك في ذلك قولان. أحدهما: أنهم يقتلون تمسكًا بالعموم. والثاني: أنهم يؤمرون ولا يقتلون، وإذا قلنا في الرهبان أنهم يقتلون فكذلك لا يؤسرون أيضًا. قال مالك: ولا ينزل من صومعته، وكذلك

стр. 484

اختلفوا في الحراث، قال الأوزاعي: لا يقتل. قوله: " (ويترك) لهم أموالهم": وهذا كما ذكره، ولا خلاف في المذهب على القول أنهم لا يقتلون أنه يترك لهم أموالهم، وهل جميعه، أو ما يقوم به الأيام اليسيرة، ويؤخذا ما فضل عن ذلك، فيه قولان في المذهب لأن أخذ الجميع قتل في المعنى. قال مالك في المدونة: "يترك لهم ما يعيشون به، ولا يؤخذ كله". قال محمد بن المواز: أما ما لا يشبه أن يكون لهم، فلا يترك ولا يصدق الراهب في مثل هذا. قال مالك: (ويترك) البقرتين والغنيمات (والغليمات) والنخيلات ويؤخذ ما بقي ويحرق. قال مالك أيضًا: ما علم أنه لهم من عبيد وزروع فلا يتعرض لهم فيه. وإذا قلنا: بالقتل فيهم أوقع القتل القتل فيمن يجوز قتله في الأصل، فهو يجوز أن يحرقوا بالنار بعد قتلهم لأنه نكاية، أولاً لنهيه ﵇ عن التعذيب بالنار فيه قولان في المذهب. فرع: لو قتل أحد من هؤلاء الذين لا يجوز قتلهم بعد أن صار مغنمًا فعلى قاتله قيمته بجعلها في المغنم، ولو قتل قبل أن يصير مغنمًا فليستغفر الله قاتله ولا شيء عليه.

стр. 485

قوله: "وأمان الأمراء نافذ": وهذا ثابت بالإجماع، والدليل عليه الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين﴾ الآية [التوبة: ٦]. وأما السنة فقوله ﵇: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ). وسيجيء الخلاف فيه هل هو إخبار أو إنشاء. قال علماؤنا المالكية: الأمان على قسمين: عام لا يتولاه إلا الإمام. وخاص يستقل به الآحاد. وأجمع الفقهاء على أن من كملت (فيه) هذه الشروط فإن إمامته جائزة. فالأول الإسلام ثم البلوغ ثم العقل ثم الحرية ثم الذكورية، وهذه الشروط الخمسة مشترطة في استحقاق الإمامة شرعًا، فإذا حصلت الإمامة المنعقدة بهذه الشروط، وأمن الإمام فلم يختلف المسلمون في جواز تأمينه مطلقًا كان تأمينه أو مقيدًا. واختلف في تأمين غيره فيمن حصلت له هذه الشروط، فقال ابن الماجشون: لا يجوز أمان أحد سوى الإمام إلا بإجازته، أو بإذنه، والجمهور على خلافه. والتفصيل فيه: أما قولنا: "بالإسلام" احترازًا من الكفار، وقد اختلف المذهب في تأمين الذمي إذا كان من الجيش على قولين: أحدهما: أنه ليس بأمان وهو المشهور لقوله ﵇: (يجبر على المسلمين أدناهم) فشرط

стр. 486

الإسلام في جواز التأمين. والشاذ أنه أمان جائز لأنه تبع للمسلمين، فله ذمتهم وحكمهم في ذل. ولو قال حربي: ظننته مسلمًا فقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك فقال مرة: يقبل دعواه، ويرد إلى مأمنه، وقال مرة: هم فيء ولا أمان (لهم) ولا يردون إلى مأمنهم. قال أبو الطاهر: وهذا خلاف في حال، فإن ظهر كذبه لم يقبل عذره، وإن ظهر صدقه قبل، وإن أشكل الأمر فالرجوع إلى الأصل يقتضي الإباحة، والرجوع إلى أشكال الحال يقتضي صحة التأمين. وأما قولنا: "في البلوغ" احترازًا من الصبي في المقاتلة جاز تأمينه وإلا فلا. قال غيره: يجوز تأمين الصبي، أجازه الإمام في المقاتلة أم لا؟ لقوله ﵇: (يجير على المسلمين أدناهم) والصبي أدناهم. وقلنا: "العقل" احتراز من المجنون لا أمان له. وقولنا: "الحرية" احترازًا من العبد. وفي المذهب في تأمين العبد ثلاثة أقوال: أحدها: جوازها قاتل أم لم يقاتل. وثانيهما: أنه غير جائز، وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال جاز أمانه. وحكى بعض شيوخنا قولاً رابعًا عن المذهب في العبد أنه إن قاتل صح تأمينه وإلا فلا وهو قول أبي حنيفة. وسبب الخلاف في جواز تأمين العبد معارضته للعموم وللقياس. أما

стр. 487

العموم فقوله ﵇: (ويسعى بذمتهم أدناهم) وهذا يقتضي تأمين العبد. وأما القياس فهو أن التأمين نوع من الحكم والولاية، ومن شرطه الكمال ونقص العبودية مانع من ذلك كمانع (من) الإمامة والشهادة وغير ذلك من مراتب الكمال. وقولنا: "الذكورية" احترازًا من المرأة. وقد اختلف المذهب في تأمين المرأة فأجازه ابن القاسم وأشهب بناء على أن قوله ﵇: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) إخبار عن حكم الله، وحكى أبو الفرج عن عبد الملك أنه باطل وليس بأمان. وسبب الخلاف ما ذكرناه من الأصليين. الأول: هل قوله: "قد أجرنا من أجرت" إنشاء أم خبر. الثاني: معارضة العموم للقياس. وههنا مسائل اختلفوا فيها: الأولى: هل يثبت الأمان بقول المؤمن، أو بشهادة شاهدين فيه قولان في المذهب فقال ابن القاسم: يثبت بقوله كابتداء الأمان. واشترط سحنون في ثبوته قيام الشهادة، لأنها دعوى على العسكر فيفتقر إلى الشهادة. الثانية: إذا أجزنا تأمين غير الإمام فهو جائز قبل الفتح فإن وقع الفتح، وصار في قبضة المسلمين، فهل يجوز تأمينه، ويكون مانعهن قبله أم لا؟ فيه قولان (عندنا) حكاهما أبو الطاهر: أحدهما: جوازه لأن إجارة أم هانئ كانت بعد الفتح، وقد أمضى ذلك ﵇ لها. وثانيهما: أنه لا يجوز لأنه صار هراق الدم بحصوله في قبضة

стр. 488

المسلمين. الثالثة: يصح التأمين بكل ما يفهمه من نطق، أو إيماء باللسطان القوي إجماعًا. الرابعة: يجوز عندنا التأمين لواحد أو لعدد محصور، ولو عقده لعدد غير محصور لم يجز، لأن هذا من قسم التأمين العام، وعقد مخصوص بالسلاطين لا (يتولاه) غيرهم. قال القاضي ﵀: "والإمام في الأسارى" إلى آخر الباب. شرح: وهذا هو أصل مذهب مالك (وتبعه) على هذا جماعة من الفقهاء، وذلك عام في جميع أنواع المشركين إلا الرهبان، فإن طائفة من العلماء رأوا أن يتركوا ولا يتعرض لهم برق ولا بإسباء ولا بغير ذلك اتباعًا لفعل أبي بكر الصديق ﵁. وهذه الخصال الخمسة راجعة إلى اجتهاد الإمام فما يراه منها صوابًا فعله، وإذا استرقه فهو (عبد) لجميع الغانمين وهذا أولى من القتال وقد يرشده الله تعالى للإسلام، وقتله جائز إن رآه الإمام صلاحًا، لأنه إنكار العدو. وقد قال جماعة من أهل العلم: لا يجوز قتل الأسير اعتمادًا على ظاهر الحصر المفهوم من قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية [محمد: ٤] فظاهر الآية حصر ما يفعل بالأسير بعد أسره وليس إلا المن والفداء. والجمهور على خلافه، لأن النبي ﷺ قد قتل الأسارى في غير ما موضع، وفعله ناسخ للآية إن سلمنا دلالتها على الحصر وفيه نظر. قوله: "وفي الجاسوس الاجتهاد": قلت: اختلف المذهب في

стр. 489

الجاسوس للكفار على خمسة أقوال: فقيل: يقتل مطلقًا من غير استتابة إن لم يتب، وقيل: يكفي ضربه وتنكيله، وقيل: يقتل إلا أن يعذر بجهل، وقيل: إن كان معتادًا لذلك، وإن كان ذلك منه أول الأمر ضرب ونكل. والأصل في المسألة حديث حاطب بن أبي بلتعة، ومن رآى استتابته قاسه على المرتد، ومن رآى نفي الاستتابة قاسه على الزنديق والله أعلم. قوله: "وترد الرهائن وإن أسلموا": هذا مذهب مالك والأصل فيه ما خرجه البخاري في حديثه. ثم تكلم عن أرض الصلح وأرض العنوة، فحكمهما ظاهر. فأرض من أسلم صلحًا ملكًا له، وأرض عنوة من جملة الغنائم لا يرجع إلى أربابها بإسلامهم، وقد قدمنا الكلام على حكم الفيء والخمس وما في معناه.

стр. 490

كتاب الأيمان والنذور قال القاضي ﵀: "الأيمان على ضربين: يمين جائزة، ويمين ممنوعة" إلى قوله: "ورفع اليمين". شرح: اليمين، والحلف، والقسم، والألية، بمعنى واحد، وحده بعض شيوخنا فقال: رفض العقد بمسمى معظم حقيقة واعتقادًا. واتفق العلماء على إباحة الأيمان بأسماء الله تعالى، والدليل على أن أصل اليمين جائز، الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية [المائدة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿وأقسموا بالله﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿فلا وربك﴾ الآية [النساء: ٦٥]. وهذه كلها أقسام صحيحة. وقال ﵇: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت). وقد أجمع العلماء على جواز اليمين بأسماء الله سبحانه ما لم يمنع من ذلك مانع. واختلف أهل العلم في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]، فقال بعضهم المعنى: لا تكثروا الأيمان بالله، وقال

стр. 491

بعضهم: لا تمنعوا أفعال الخير بأيمان تعدونها على أنفسكم. وأدخل القاضي: عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته في صفة الذات، وفي ذلك بحث، لأن العهد المشار إليه إن كان المراد منه عهده الذي أخذه على نفسه لخلقه، أو على خلقه له، فالأول راجع إلى صفة الذات يدل عليه قوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ٥٤] فهذا عهد الله على نفسه لخلقه وهذا من صفات الذات الراجعة إلى العلم القديم الكاشف لأنواع الرحمات التي خص بها خلقه، ويجوز أن يرجع إلى صفة الأفعال فيكون عبارة عن تفسير الرحمة وهي من صفات الأفعال يدل عليه قوله ﵇: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة). والأظهر في الميثاق، والكفالة، أنهما من صفات الأفعال، لأن معنى الميثاق والتوثيق المأخوذ على اليقين، فيعطى زيادة تحقيق من العهد تمكينًا لأمره، وكذلك الكفالة، والأمانة فهي فعل من أفعال خلقه خلقها سبحانه فيها، أو خلقها فعرضها عليهم، فأدخل ذلك في صفة الذات، بحث تأمله. وقد روى عن أشهب أنه كره اليمين بأمانة الله، قال: لأن لها مصرفين فقد يراد بها الأمانة التي هي صفات الله، وقد يراد الصفة الجارية في خلقه، وكذلك أدخل القاضي أيضًا عزة الله في صفات ذاته، وجعلها كالعلم والقدرة والكلام وذلك فيه نظر، لأن لفظ العزة قد يراد بها العزة المضافة إلى الخلق التي جعلها سبحانه فيهم عمومًا، وفي المؤمنين خصوصًا قال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [التغابن: ٨] وإذا أراد به العزة المضافة إلى الله تعالى فهي راجعة إلى نفسه، لأن معنى اسمه "العزيز" أنه الذي لا يغلب في أحكامه، ولا مانع في سابق قضائه.

стр. 492

قوله: "والممنوعة الحلف بما (سوى) ذلك": وهذا اللفظ فيه تجوز لأن ظاهره العموم ومن المعلوم أن الوحدانية والقدم (والقدوسية) وغير ذلك من الصفات المعنوية (كالعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات المعنوية) في لزوم اليمين بها على مذهب مالك سواء، وكذلك لا يحلف بوجود الله سبحانه على ما في الوجود من الاختلاف، هل هو نفس الموجود، أو صفة زائدة، والحالف بكل هذا غير ممنوع، فإطلاق القاضي القول في المنع فيه تجوز. ثم الممنوع على قسمين: محرم، ومكروه، فالمحرم ما قصد به المضاهاة كالحالف باللات والعزى، وغير ذلك من الأصنام. وقد أجمع العلماء على أن ذلك محرم، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: (لأن أحلف بالله فآثم أحب إلي من أن أضاهي). وفي لفظ آخر: "أحب إلي من أن أحل بغيره فأبر) والمكروه: الحلف بالآباء وغير ذلك من المعظمات، وقد قال ﵇ منبهًا على الحض في القسم الأول: (ومن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعالى: أن أقامرك فليتصدق) الحديث. وحكى الشيخ أبو الطاهر، وغيره أن اليمين بصفات الفعل لا تجوز بلا خلاف في المذهب، قال: لأنه يرجع إلى غير الله تعالى ولا يجوز اليمين بغيره. قال: فإن حلف بها لم تجب عليه كفارة. وهذا فيه نظر لأن قوله إنما ترجع إلى

стр. 493

غير الله لا معنى .... العالم قد حصل في عقائدهم أن القاتل إذا قال: الخالق أو الرازق، فإن السابق إلى الفهم منه أنه الله سبحانه لا غيره، فهو كالحالف بلفظ الله، فالصحيح أن صفات الأفعال راجعة إلى الحق سبحانه، واليمين منعقد، والتنبيه بقوله: فليحلف بالله على سائر صفات الحق سبحانه، وأما قصر ذلك على لفظ الله فجمود وتعميم. لا معنى له. وقد قال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] فالحكم مجمل على جميع الصفات والأفعال. وحكى الشيخ أبو الحسن عن محمد بن المواز أنه علق الحكم في الحديث بالاسم فقط، فالجمهور عوده إلى صفة النفسية، صفات احتمال وتجوز. وقد اختلفت الرواية فيمن حلف بالمصحف، أو بالقرآن، أو بما أنزل الله، والمشهور من المذهب أن الكفارة لازمة له، لأن ذلك راجع إلى كلام الله سبحانه. وقال ابن زياد: من حلف بالمصحف، أو بالقرآن فلا كفارة، وقد تأول بعض أهل العلم (عليه) الاعتزال من هذا القول، ورأى ذلك منه بناء على أن الكلام صفة من صفات الأفعال فمنعى قولنا: الباري سبحانه متكلم أنه خالق الحروف والأصوات في محل ما (فيسمى) متكملًأ بمعنى أنه خالق الكلام لا بمعنى قيام الصفة به، وهذا مذهب باطل في نفسه، وإلزام على نفسها، والقراءة هي أصوات القرآن ولغاتهم، ولا خلاف في حدوثها. وقد قال الشاعر: يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا

стр. 494

يريد قراءة القرآن، وقال تعالى: ﴿وقرءان الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] يريد قراءته، وقد قال الأشياخ: إن هذه الرواية منكرة عن علي بن زياد. وقال الشيخ أبو عمران: إن صحت رواية علي بن زياد فهي محمولة على أنه أراد بذلك جسم المصحف لا المكتوب فيه. واختلف المذهب فيمن حلف: ﴿والطور﴾ [الطور: ١] ﴿والزيتون﴾ ونحوه من الأقسام المستعملة بالقرآن، وقيل: لا شيء عليه، وقيل: المراد بالطور ... فعليه كفارة اليمين بالله. وقد شذ قوم فجعلوا الحالف بغير لفظ الله عاصيًا، وعكسه قوم فقالوا: اليمين بكل معظم شرعًا جائز، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] وقوله: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] وتأوله الآخرون وقالوا: من باب حذف المضاف، والمعنى ورب كذا، والصحيح الذي يجب التعويل عليه عندنا جواز الأيمان بلفظ الله، وأسمائه، وصفاته، مطلقًا لأنها كلها راجعة إلى ذاته، وإن اختلف وجه النسبة فالأولى في التقسيم أن يقال: الأيمان على ثلاثة أقسام: محظورة، ومكروهة، ومباحة. فالمحظور اليمين باللات والعزى ونحوه من الطواغيت مما تقع به المضاهاة. والمكروه على قسمين: قسم لا كفارة فيه إلا الاستغفار كقوله: هو يهودي، أو نصراني. وهذا هو القسم الأول، والآخر: أن يحلف بالطلاق والمشي والصدقة فيلزمه ما حلف به إن حنث، ومن

стр. 495

المكروه الذي لا كفارة فيه أيضًا: اليمين بالآباء والأشراف. والمباح: اليمين بالله، وصفاته مطلقًا. قال في المدونة: إذا قال: علي عهد الله، وميثاقه، أو قال: علي عهد الله فهو يمين، ولو قال لك: علي عهد الله أو أعطيك عهد الله، فأوجب ابن حبيب فيه الكفارة، وقال ابن شعبان: لا كفارة فيه. قال القاضي ﵀: "ورفع اليمين بوجهين" إلى قوله: "فلا يرفع شيئًا من ذلك استثناء". شرح: وارتفاع اليمين بوجهين كما ذكره، وقد اختلف متأخرو المذهب في الاستثناء هل (هو) حل لليمين المنعقدة، أو مانع لها من الانعقاد، أو بدل عن الكفارة، وقد روى عن ابن القاسم: (أنه بدل من الكفارة). وروى ابن الماجشون: (أنه حل اليمين). قال القاضي أبو بكر: وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح. وثمرة ذلك الاختلاف: هل يشترط فيه الاتصال أم لا بناء على كل واحد من هذه الأقوال. والذي اختاره القاضي أبو محمد: أنه حل الكفارة. قوله: "فأما الاستثناء فهو كذا": يعني الاستثناء الشرعي، وفي لفظه مجاز، لأنه قيد في موضع الإطلاق فقال بقوله: إن شاء الله، وقد يكون
следующие страницы →