Полный текст (1 291 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
المواز سنة واجبة، فقال ابن عبد الحكم: قلت: أرأيت الضحية أسنة هي؟ قال: نعم، قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت بالنحر وهو لكم سنة) والدليل للجمهور قوله ﵇: (إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره). وفي قوله: «فإن أراد أن يضحي» دليل على أن الأضحية غير واجبة، وقال ﵇: (أمرت بالنحر وهو لكم سنة) وهذا لا يقتضي الوجوب، وهو المعتمد عليه من مذهب مالك نصًأ واستقراءً، وقد أثم ابن القاسم وابن حبيب تاركها مع القدرة، واعتمد من قال بالوجب على قوله ﵇ لأبي بردة: (ولن تجزي أحدًا بعدك) هذا ما استدل به
стр. 527
العراقيون، وفي كلا الدليلين ضعف. أما قوله: «وأراد أن يضحي» فلا ينفي الإيجاب، لأن القائل يقول: من أراد الصلاة فليتوضأ، ولا يدل ذلك على سقوط (فرضيته) وكذلك قوله: (وهو لكم سنة) يحتمل أن يكون المراد طريقة تقفونها وتتبعون أثرها، وإتباعه ﵇ مأمور به في الفرائض والنوافل. وأما قوله ﵇: (اذبحها ولن تجزئ أحد بعدك) فالمراد إجزاء السنن فلا قطع فيه بالفريضة أيضًا، والصحيح أنها سنة فعلها خليل الرحمن ونبينا ﷺ ، وعليها عمل المسلمون، واستمر فعلها بينهم وذلك لا يحلقها بالفرائض المذكور [ة] والله أعلم.
قوله: «يخاطب بها كل قادر عليها»: وهذا محمول على عمومه في المسافر والحاضر، وأوجبها أبو حنيفة في الحاضر دون المسافر. قال علماؤنا: يخاطب بها كل مستطيع حر مسلم، إذا لم يكن حاجًا حاضرًا كان عندنا، أو مسافرًا.
قوله: «إلا الحاج بمنى»: وهذا ما ذكره هو مذهب مالك، لأن مذهبه أنه رخص للحاج بمنى في تركها اكتفاء بالهدي عنها، وسوى الشافعي بين الحاج وغيره، ولا شك أنه ﵇ ضحى عن نسائه بالبقر وهو حاج وهو متعلق الشافعي، إلا أنه حمله أصحابنا على الأفضل.
قوله: «وهي إراقة دم كامل»: تنبيهًا على مذهب المخالف، ثبت عن ابن عباس أنه بعث عكرمة وقال له: اشتر لنا لحمًا، وقل لمن لقيته: هذه أضحية
стр. 528
ابن عباس.
قوله: «منفرد به غير مشارك في ثمنه»: تنبيهًا (أيضًا) على مذهب المخالف. وقد اختلف الفقهاء في جواز الشريك في الضحايا. ومذهب مالك أنه ممنوع، لأن التقرب هو الذبح، وإراقة الدم، وذلك لا يتبعض، ويجوز أن يذبح الرجل عن نفسهن وعن أهل بيته الكبش الواحد، والأفضل أن يضحي عن كل شخص بأضحيته. وأجاز جماعة من أهل العلم الشريك في الضحايا وفي الهدي، وبه قال الشافعي وأحد، وأبو حنيفة، وجماعة اعتمادًا على ما رواه جابر: (قال نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة فقاس الشافعي الضحايا على الهدايا، واعتمد مالك على ما رواه ابن شهاب قال: (ما نحر رسول الله ﷺ عن أهل بيته إلا بدنة واحدة، أو بقرة واحدة).
قوله: «ولا تكون إلا من بهيمة الأنعام»: وهذا مذهب الجمهور، وروي عن بلال أنه ضحى بديك. وأجاز الحسن بن صالح التضحية ببقر الوحش
стр. 529
والظباء، ولم ينقل عن أحد من الصدر الأول، والأصل فيما قاله الجمهور العمل المتصل.
واختلف العلماء إذا طرق فحل من غير بهيمة الأنعام أنثى من بهيمة الأنعام هل يجزئ في الضحايا أم لا؟ حكى الشيخ أبو إسحاق وغيره في قولين، ولو كانت أنثى من غير بهيمة الأنعام والذكر من بهيمة الأنعام لامتنع الإجزاء بلا خلاف، لأن الولد تابع للأم.
قوله: «وأفضل الأجناس (منها): الغنم»: وهذا هو المشهور من مذهب مالك ﵀ في الضحايا وقد روى عنه أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وهو صريح مذهب الشافعي في الضحايا، وانفرد بهذه الرواية عن مالك، أشهب، وابن شعبان والدليل للمشهور عن مالك ما ثبت عنه ﷺ : (أنه ضحى بكبش أقرن) وهو الذي افتدى (به) إبراهيم ﵇ ولده. واعتمد الشافعي على قوله ﵇: (من راح في الساعة الأولى فكأنها قرب (بدنة) الحديث.
стр. 530
وإذا قلنا: إن الغنم أفضل من الإبل والبقر، فهل الإبل أفضل، أم البقر أفضل، أو بالعكس؟ فيه قولان في المذهب نظر إلى طيب اللحم أو كثرة الثمن، والمشهور أن (الإبل أفضل). وقال أشهب: البقر أفضل من جميع الأنعام لأهل منى أداء، وإن كانت (لأوجب) عليهم (الضحية). واتفقوا على أن الضأن أفضل من المعز، واختلفوا في ذكور كل صنف هل هو كأنثاه سواء في التفضيل، أو الذكور أفضل، وفيه قولان (في المذهب)، والمشهور أن الذكور أفضل، لأنه ﵇ أنما ضحى بكبش، ولم يرو عنه أنه ضحى بنعجة، وكذلك اختلفوا هل الفحل أفضل من الخصي، وفيه قولان عندنا مبنيان على الخلاف هل المقصود طيب اللحم، أو كمال الخلقة.
قوله: «وسنها من الضأن الجذع ومما سواه الثني»: وهذا كما ذكره، وقد روى هذا الحديث عنه، وشذ قوم من أهل العلم فقالوا: لا يجزئ من
стр. 531
الضأن إلا الثني.
واختلف أهل اللغة في سن الجذع من الضأن على أربعة أقوال: قيل هو ابن ستة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ستة، وكل ذلك مشهور في المذهب مبني عن أقوال أهل اللغة.
قوله: «ويتقى فيها من كل عيب ينقص اللحم أو مرض الحيوان»: والأصل في ذلك ما رواه البراء بن عازب أنه ﵇ سئل عن ما يتقى من الضحايا، فأشار بيده فقال: أربعة، وكان البراء يشير بيده، ويقول: يدي أقصر من رسول الله ﷺ : (العرجاء البين عرجها والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجماء التي لا تنقي) معنى لا شحم فيها.
وقد أجمع العلماء على أن هذه العيوب المذكورة في هذا الحديث ينبغي أن تجتنب. واختلفوا هل الحكم مقصور عليها لقوله لأبي بريدة:
стр. 532
ولا يجزئ جذع لأحد بعدك. وظاهره الإطلاق، وعول الجمهور على قوله ﵇ في حديث جابر: (لا تذبحوا إلا سمينة إلا أن يعسر عليكم، وتذبحوا جذعة من الضأن) أخرجه مسلم، أو متعلق بمعانيها.
وتحصيل المذهب في ذلك: أن صفة الأضحية على قسمين: صفة كمال وصفة إجزاء، فصفات وصف الكمال أن تكون من أعلى الجنس سالمة من جميع العيون كلها قليلها وكثيرها. قال أبو الطاهر: لأنه قربان إلى الله تعالى، وقد سميت هديًا، ولا ينبغي أن يهدى إلى ملك الملوك إلا أفضل الأشياء وأكملها، وقد قال سبحانه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ الآية [آل عمران: ٩٢]. ولذلك قال الضحاك: إن أحب أموالي بيرحى الحديث. وكان ابن عمر يتصدق السكر لأنه كان يحبه، وأعتق جارية
стр. 533
كان أحب الناس فيها عملًا على هذه الآية، والآثار في هذا المعنى كثيرة وقد قال سبحانه تنبيهًا على هذا المعنى ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ سئل عن أفضل الرقاب؟ فقال: أعلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. وأما الصفات التي تتقى وتمتنع: وجود هذه الأربعة المذكورة في الحديث. وفي المذهب قولان: هل ذكرت تنبيهًا على غيرها أم الحكم مقصور عليها، والقصر جار على أصول أهل الظاهر.
وقسم الإمام أبو عبد الله العيوب على ثلاثة أقسام، منها: ما ينقص الجسم دون المنفعة كقطع الأذن، والذنب، وهذا فيه قولان: المشهور أنه يمنع الإجزاء إن كان كثيرًا، وإن كان يسيرًا لم يمنع الإجزاء. وقسم ينقص الجسم والمنفعة، ولا يعود مصلحة كقطع اليد والرجل، هل يمنع الإجزاء وقسم ينقص الكمال دون اللحم والمنفعة كالمجنونة. قال الشيخ أبو الوليد الباجي: لم أر فيه نصًا في المذهب.
واختلف المتأخرون هل يمنع الإجزاء أم لا؟ واختار الباجي عدم الإجزاء.
قال القاضي ﵀: «ومحلها الأيام المعلومات وهي ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده».
стр. 534
وأجمع العلماء على أن مبدأها يوم النحر وآخرها اليوم الثالث عند الجمهور، وقال الشافعي والأوزاعي: آخر أيام الأضحى اليوم الرابع، وقيل: إلى آخر يوم من ذي الحجة. وقال: بعض السلف ليس للأضحية إلا يوم واحد وهو يوم النحر. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: «نهيه ﵇ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث» فلو كان ما بعد ذلك محلًا للذبح لما منع الأكل.
وقوله: «وتعجيلها يوم النحر أفضل» وهذا كما ذكره، ولا خلاف أن اليوم الأول أفضل من اليوم الثاني. واختلف المذهب على قولين: أيهما أفضل فيما بعد الزوال من اليوم الأول أو أول النهار من اليوم الثاني، ولاشك أنه ﵇ ذبح في اليوم الأول قبل الزوال، واختلفوا هل يجزئ الذبح ليلًا أم لا؟ فيه قولان في المذهب. ومبنى المسألة على الاختلاف في مفهوم
стр. 535
اللقب هل هو حجة أم لا؟ وقال به مالك والدقاق والجمهور على خلافه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن ذبح الليل فقال: (لا يجزئ) وهل يراعى في اليوم الأول الصلاة، وذبح الإمام، أو الصلاة دون ذبح الإمام، أو لا يراعى واحد منها.
واختلف العلماء في ذلك، مالك اشترط ذبح الإمام والصلاة، وهل يشترط ذلك في اليومين اللذين بعد يوم النحر أم لا؟ فيه قولان في المذهب:
الأول: أن ذلك مشروط قياسًا على اليوم الأول.
الثاني: أنه لا يشترط.
قوله: «ويستحب أن يلي المضحي ذبحها إن كان ممن يحسن الذبح»: وهذا كما ذكره وكان ﵇ يتولى ذبح أضحيته بنفسه ذكر ذلك أهل الآثار. والاستنابة جائزة إذا كان من أهل القربة، وذبح المستناب عن المستنيب.
وقولنا: «إذا كان من أهل القرية» احترازًا من الكافر، وقد تقرر أن
стр. 536
الكافر على قسمين: كتابي، وغير كتابي، فإن استناب كافرًا غير كتابي لم تجزه الأضحية بلا خلاف، فإن كان المستناب كتابيًا، فهل تجزئ الضحية وتجوز استنابته أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على تغليب القصد، أو تغليب الملك.
وقولنا: «وذبح المستناب على المستنيب» احترازًا من أن يقصد الذبح عن نفسه، وقد اختلف في هذه الصورة على قولين:
أحدهما: أنه لا يلتفت إلا إلى قصد الملك، فلو قصد الذبح عن نفسه، لا عن مستنيبه فقصده كلا قصد، وهي مجزئة عن المالك.
والقول الثاني: أنه غير مجزئة تغليبًا لقصده على قصد المالك، وكذلك اختلفوا إذا ذبحها غيره بغير إذنه هل يجزئه أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: الإجزاء ونفيه، والتفرقة بين القريب، أو الصديق الذي تقتضي العادة جواز تصرفه، فيجزئ ذبحه بغير إذن ربها، ولا يجزئ ذلك في الأجنبي، وكذلك اختلفوا إذا استناب تارك الصلاة فقيل في المذهب: أن ذلك باطلة، وهي ميتة يلزم ذبحها، وقيل: يجزئه ذلك، والقولان في المذهب. ولو غلط غالط فذبح أضحية غيره عن نفسه لم تجزئ عن واحد منهما على المشهور في المذهب.
قوله: «ووقتها بعد الصلاة والخطبة، وبعد ذبح الإمام»: وهذا كما ذكره، ومذهب مالك ﵀، والدليل على صحة حديث أبي بردة. وقد اختلف
стр. 537
المذهب في طرقه، ففي بعضها أنه ذبح قبل ذبح النبي ﷺ ، فأمره ﵇ بالإعادة، وهذا إذا أبرز الإمام ذبيحته إلى المصلى، فإن لم يبرزها وتأنى بعد رجوعه، فهل يجزئ الذبح قبله أم لا؟ فيه قولان في المذهب. وحكم من لا إمام لهم أن يتحروا ذبح أقرب الأئمة إليهم عند مالك. وقال الشافعي: يجرون قدر صلاة الخطبة دون الذبح جريًا على أصله.
قوله: «ثم إن تبين لهم الغلط في تحريمهم فلا شيء عليه»: وهذا فيه قولان المشهور الإجزاء كما ذكره، والشاذ أنهم إذا أخطأوا في الاجتهاد فهي غير مجزئة، ومبنى المسألة على الاجتهاد: هل يرفع الخطأ أم لا؟ وفيه قولان.
قوله: «ويسمي عند ذبحها»: وفي ترك التسمية سهوًا روايتان، المشهور أنه مباح ولفظه: أن يقول: «بسم الله والله أكبر» واستحب بعضهم أن لا يقول في هذا الموطن: «بسم الله الرحمن الرحيم» لأن هذا ليس من موضع الرحمة في حق البهيمة.
قوله: «ولا يباح شيء منها ولا يعارض لجازر ولا يصرف في ماعون ولا غيره»: وهذا كما ذكره لأنها قربة إلى الله سبحانه، وبه قال
стр. 538
الجمهور من أهل العلم، فإن وقع التصرف في ذلك بمعاوضة، أو نحوها رد ما كان قائمًا، فإن فات ذلك ففي ثمنه ثلاثة أقوال، فقيل: يتصدق به، وقيل: ينتفع به مطلقًا في ماعون، وقيل: يتصرف في ماعون وغيره، ولو غصب فله أخذ قيمتها، وليس ببيع، ورآه ابن القاسم بيعًا، واستحب ألا يغرم أحد قيمتها، وإذا قلنا بجواز أخذ القيمة صنع بها ما شاء، وقيل: يتصدق بها، وحكم ولدها ولبنها وصوفها وسائر أبعاضها حكمها، وتباع عليه في الدين كالهدي، ولو قلده وأشعره، وقيل: لا تباع، واختلف هل لورثته قسمة لحمها، ففي كتاب محمد المنع منه، وأجاز مالك وابن القاسم، وهل يجوز للمتصدق عليه بشيء منها بيعها أم لا؟ فيه قولان في المذهب وأجاز سحنون أن يؤاجر ربها جلدها.
قوله: «ويجوز أن يطعم منها الغني والفقير»: أما الفقير فلا خلاف في جواز إطعامه منها، وفي جواز إطعام الغني منها قولان في المذهب ولا حد لما يطمع منه، وقيل: يستحب منه الثلث، وقد قال ﵇: (كلوا وادخروا وتصدقوا) وكل ذلك محمول عندنا على الندب، والاستحباب على الخلاف بما يتعلق.
قال القاضي ﵀: «والعقيقة مستحبة» إلى آخر الفصل.
شرح: العقيقة اسم لشعر المولود. وقال أحمد بن حنبل: العقيقة
стр. 539
الذبح نفسه وهو قطع الودجين والحلقوم، وقيل: العقيقة: الذبيحة نفسها، وقيل: إنها مشتقة من العق وهو القطع، وقد سئل رسول الله ﷺ فقال: (لا أحب العقوق). وقد اختلف العلماء في تأويله، فقال بعضهم: هذا إشارة إلى كراهية الاسم فقط، فكأنه كره تسميتها عقيقة وأحسن منه أن تسمى نسيكة وهي عند أهل الظاهر واجبة، وجمهور العلماء على أن العقيقة غير واجبة، بل سنة، وقد حكى عن أبي حنيفة أنها بدعة، وقيل: تطوع. والدليل على أنها ليست بواجبة قوله ﵇: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل) وظاهره يعطي الندب، أو الإباحة. واحتج من رأى أنها واجبة بقوله ﵇: (كل غلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه). وقد أثبت أنه ﵇ ذبحها عن ولديه الحسن
стр. 540
والحسين وأفعاله تدل على الندب والإباحة. وأحكامها وأسنانها وصفاتها كالضحايا سواء.
قوله: «وهي شاة كاملة عن كل مولود ذكرًا كان أو أنثى»: وهذا تنبيه على مذهب المخالف. ومذهب الجمهور أن الذكر والأنثى سواء، ويعق بشاة عن الذكر والأنثى. قال الشافعي، وأبو ثور، وداود، وأحمد: يعق عن الجارية بشاة وعن الغلام بشاتين اعتمادًا على ما رواه أبو داود عنه ﷺ قال في العقيقة: (شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة).
قوله: «ووقتها سابع يوم الولادة»: وهذا هو المشهور إذا ولد قبل الفجر، فإن ولد بعد الفجر فهل يحسب ذلك اليوم أم لا. فيه قولان في المذهب، وقد قيل: إذا مضى أكثر النهار لم يحسب، وكذلك اختلفوا إذا ماتت في السابع الأول هل يعق في السابع الثاني والثالث أم لا؟ وفيه قولان.
قوله: «وسنتها في الجنس والسن واتقاء العيب ووقت الذبح من اليوم وجواز الأكل سنة الأضحية»: وهذا كما ذكره، والجمهور على أن العقيقة تكون بالإبل والبقر. قال الشيخ أبو الحسن: لا يعق بشيء من الإبل
стр. 541
والبقر، إنما العقيقة بالضأن والمعز، ووقع مثله في العتبية.
قوله: «ووقت الذبح»: يعني الأسبوع الأول وأول يوم منه قبل الزوال، وقد ذكرنا الخلاف هل يقع في الأسبوع الثاني، روى ابن وهب الأسابيع الثلاثة في العقيقة كالأيام الثلاثة في الأضاحي. وفي مختصر الوقار عن مالك: يعق في الأسبوع الأول، فإن فات ففي الثاني، فإن فات فلا عقيقة، وروى محمد: أن العقيقة تذبح ضحى كيوم الأضحية، ولا تذبح إلا من الضحى إلى الزوال.
واختلف المذهب هل يعق ليلًا أم لا؟ كالخلاف في الأضحية، وكذلك اختلفوا هل يجوز ذبحها بعد الفجر أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.
واختلف المذهب هل يدعى لها كما يدعى للولائم أم لا؟ وفيه قولان في المذهب الجواز والكراهية، لأنه من باب المباهاة.
واختلف المذهب هل يخص الفقراء، أو يعطى الأغنياء والفقراء، وفيه قولان كالضحايا. وهل يبعث لحمهما غير مطبوخ، أو مطبوخًا، وفي المذهب في ذلك قولان والأول هو المشهور، وإذا اجتمعت الأضحية، والعقيقة وليس له إلا شاة جعلها أضحية. قال ابن حبيب: لأن الأضحية أوجب.
واختلف المذهب في حلاق شعر المولود، والتصدق بوزنه ذهبًا، فقيل: هو جائز، وقيل: هو مكروه والقولان عن مالك. وروي عن فاطمة ﵂-
стр. 542
أنها حلقت رأس الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، وتصدقت بوزنه فضة. وقال ﵇: (وأميطوا عنه الأذى) إشارة إلى حلق الشعر ومنع لطخه بالدم كما كانت عادة الجاهلية. وشذ الحسن، وقتادة فقالا: يمس رأس الصبي بقطنة غمست في دمها. وأباه الجمهور. قال ابن حبيب: ويستحسن أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام ويدعو الناس إليه. وقال مالك في المبسوط: عققت عن ولدي فذبحت من الليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم، وهيأت طعامهم، ثم ذبحت شاة للعقيقة، فأهديت منها للجيران، فأكلوا وأكلنا. قال مالك: فيمن وجد سعة فأوجب له هذا، ومن لم يجد سعة فليذبح عقيقته، ثم ليأكل منها، وليطعم منها.
قوله: «والختان واجب» إلى آخره. أجمع العلماء على أنه مشروع، وأنه من الفطرة. وفي الصحيح: (كان إبراهيم ﵇ أول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رآى الشيب قال: ما هذا يارب قال: وقار، قال: يارب زدني وقارًا). وفي حديث أبي هريرة: (أن إبراهيم ﵇ اختتن بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة)، وأول من
стр. 543
خفض من النساء هاجر، خفضتها سارة حين غضبت عليها فحلفت بقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها فأفتاها إبراهيم ﵇ بالخفاض وثقب الأذنين). وقد اختلف العلماء في حكم الختان، فقال الجمهور: إنه سنة، وليس بواجب، وقال سحنون وغيره: واجب وجوب الفرائض، إذ لولا وجوبه لما أبيح الاطلاع على العورة الواجب سترها. وقال ابن حبيب عن مالك: من تركه مختارًا لم تجز شهادته، ولا إمامته، وقال ﵇: (لا يحج الأغلف البيت حتى يختتن) وذلك لتحقيق معنى الاقتداء بإبراهيم ﵇. واختلفوا هل للكبير رخصة في ترك الاختتان أم لا؟ فرخص الحسن، وغيره في ترك الاختتان، له وبه قال محمد بن عبد الحكم في الشيخ الكبير إذا خاف على نفسه، ولم يرخص له سحنون وإن خاف على نفسه. واختلفوا أيضًا فيمن ولد مختونًا فقيل: يكون عليه الختان إن أمكن، وقيل: قد كفاه الله مؤنته، وهل يجوز أن يختتن المولود في سابعه، أو يكره، لأنه تشبيه باليهود فيه قولان.
стр. 544
كتاب الذكاة
قال القاضي ﵀: «يتعلق بالذكاة خمسة أشياء» إلى قوله: «وقيل: كراهية».
شرح: الأصل في التذكية قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] وذلك في المقدور عليه، كما ذكره، ثم بين أن العقر في المتوحش طبعًا وسيجيء ذلك في كتاب الصيد. وأما المقدور عليه فتذكيته بالذبح أو النحر.
واختلف المذهب فيما استوحش من بهية الأنعام وغيرها، أو المستأنس من الوحش هل يعتبر حكم أصله، أو حكم مآله، كما سنذكره في كتاب الصيد.
قوله: «ولا تبيح الضرورة فيما ذكاته النحر والذبح أن يذكي بالعقر»: وهذا هو المشهور. وقال ابن حبيب: إذا تردت في هواة، ولم يمكن ذبحها ولا نحرها طعنت في جنبها، أو ما أمكن من جسدها، ورآه ضرورة فصار بمنزلة المقدور عليه.
стр. 545
قوله: «وأما شروط الذكاة فشرط الذبح هو استيفاء قطع الحلقوم والودجين في قطع واحد»: وهذا كما ذكره وهو المشهور من المذهب، ولم يذكر المرى، ولا خلاف في المذهب أن الذابح إذا قطع الودجين، والحلقوم والمريء فإنها تؤكل، فإن لم يقطع الودجين والحلقوم فقولان. المشهور أنها تؤكل وهو قول الجمهور من أهل العلم. وقد اختلف الناس في ذلك. أما مالك فالمشهور عنه ما ذكره، وقال أبو حنيفة: الواجب قطع ثلاثة غير معينة من الأربعة التي هي الودجين والحلقوم والمريء. وقال الشافعي: الواجب قطع الحلقوم والمريء فقط. وقال محمد بن الحسن: الواجب قطع أكثر واحد من الأربعة، وقال بعض أهل العلم: الواجب قطع ما وقع الإجماع على جواز الأكل بعد قطعه، وهي الأعضاء الأربع. وقال ابن أبي زمنين: المريء عرق أحمر تحت الحلقوم عليه مدخل الطعام والشراب، ومشهور قول مالك: أن قطع المريء ليس بشرط لما رواه أبو أمامة عن النبي ﷺ قال: (ما أفرى الأوداج
стр. 546
فكلوا) الحديث، وإذا قلنا باشتراط الودجين والحلقوم فقط فلا يخلو من ثلاث صور إما أن يقطعها الذابح كلها، أو أكثرها، أو لا يقطع منها شيئًا، فإن قطع جميعها فلا خلاف في المذهب أنها تؤكل، فإن لم يقطع منها شيئًا، أو قطع أقلها فلا خلاف أنها لا تؤكل، فإن قطع أكثرها أو نصفها فهل يؤكل أم لا؟ فيه قولان في المذهب والمشهور أن قطع الكل غير مشترط، بل يكفي في ذلك قطع النصف فأكثر، وإذا قطع الحلقوم وحصلت الغلصمة إلى الرأس فهي تذكية صحيحة، وإن حصلت إلى البدن، فهل تؤكل أم لا؟ اختلفت الروايات فيه، والمشهور أنها لا تؤكل، وهو الذي رواه الجمهور من الرواة عن مالك. وقال أشهب في أحد قوليه، وابن عبد الحكم، وابن وهب وابن مصعب، وموسى بن معاوية وغيرهم تؤكل، وفي المذهب قول ثالث الكراهية.
وسبب الخلاف في ذلك: هل قطع الحلقوم شرط في الذكاة أم لا؟ فمن قال: إنه شرط أوجب قطع الغلصمة، لأنه إذا كان القطع فوقها لم يقطع الحلقوم، ومن لم ير قطع الحلقوم شرطًا في التذكية أجاز القطع فوقها، وهو قول شاذ في المذهب.
قوله: «في قطع واحد»: تحرزًا من أن يرفع يده، ثم يعيدها إلى الذبح،
стр. 547
وهكذا نص القاضي أبو الحسن بن القصار وغيره من أئمتنا أن من شرط الذكاة أن تكون في فور واحد، فإن رفع يده قبل الإجهاز، ثم أعادها فإن طال الأمر لم تؤكل بلا خلاف، وإن لم يطل ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: منع الأكل. قال سحنون وإن رجع مكانه.
والثاني: جواز الأكل بناء على أن ما قرب الشيء هل له حكمه، وهو قول ابن حبيب قال: فإن رجع في فور الذبح قبل أن يذهب جاز.
والثالث: أنه إن رفع مختبرًا أكلت، وإن رفعه ظنًا أنه قد أكمل الذكاة لم تؤكل، وتأوله بعض الشيوخ على سحنون، وفيه قول رابع اختاره الشيخ أبو بكر ابن الشيخ بن عبد الرحمن وهو أنه إن رفع يده مجتهدًا، ثم تبين له أنه أخطأ أكلت إذا عاد في الفور، وإن كان مختبرًا لم تؤكل، وهو عكس ما تأوله بعض الشيوخ على سحنون، وصوب الشيخ أبو الحسن القابسي قول أبي بكر بن عبد الرحمن لأن المختبر غير معذور، والمجتهد معذور بالاجتهاد، وحمل المختبر على المسلم على الشك فصلاته فاسدة، والمجتهد كالمسلم ظانًا أنه قد أكمل صلاته ويسجد. واختلف الفقهاء في مسألتين تتعلقان بما ذكرناه.
المسألة الأولى: إذا تمادى بالذبح حتى انقطع النخاع. وتحصيل المذهب فيه أنه إن فعل ذلك ناسيًا، أو متأولًا، أو جاهلًا، فإنها تؤكل، فإن فعل ذلك عمدًا. فقال ابن الماجشون: لا تؤكل، والمشهور أنه أساء، والذبيحة جائزة، وروي عن مالك أنها تؤكل ما لم يتعمد ذلك، وهو قول
стр. 548
مطرف، وابن الماجشون.
المسألة الثانية: إذا ذبح من القفا، ولا خلاف في المذهب أنها لا تؤكل لأنها لا تؤكل لأنها منفوذة المقاتل وهو قول ابن المسيب وابن شهاب وغيرهم. وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وبه قال ابن عمر وعلي بن أبي طالب وعمران بن الحصين وهو مستقرأ من المذهب.
ومبنى المسألة على المنفوذ المقاتل: هل تعمل فيها الذكاة أم لا؟
قوله: «والنحر سنة ذكاة الإبل ويجوز ذبحها»: وهذا كما ذكره. والغنم مذبوحة، والبقر يجوز فيه الأمران، والذبح أفضل، وكذلك النعام عندنا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] ويجوز مع الضرورة نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر.
واختلف المذهب في ذلك مع عدم الضرورة على ثلاثة أقوال: منع الأكل وهو المشهور وجوازه وهو الشاذ. والثالث أنه يؤكل الإبل إذا ذبحت، ولا تؤكل الغنم ونحوها إذا نحرت وهو قول ابن بكير، لأن النحر في غير الإبل نفاذ المقاتل قبل خروج النفس، ومخالفة الشرع.
стр. 549
قال القاضي ﵀: «وأما سننه ومندوباته فأربعة إحداد الآلة» إلى قوله: «فإن تكن غير».
شرح: أما إحداد الآلة فلما في ذلك من الإجهاد على الذبيحة وهو مأمور به، وقد قال ﵇: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) وهذا عموم. وقال ﵇: (اعف عن الناس قتلة أهل الأيمان) وظاهره العموم. وأما التسمية فمأمور بها، فإن تركها متهاونًا فقولان المشهور أنها لا تؤكل، وكذلك إن تركها عمدًا غير متهاون فيه قولان، وفي الناسي قولان المشهور جواز الأكل، والخلاف فيه بين السلف قائم. فقال ابن عمر، والشافعي، وابن سيرين: التسمية على الذبيحة فرض على الإطلاق لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقال أبو حنيفة، والثوري: هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان لقوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وقيل: سنة، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشافعي، وأصحابه لما رواه هشام بن عروة عن أبيه قال: (سئل رسول الله فقيل له: يا رسول الله إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلحم ولا ندري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال ﵇: سموا الله ثم كلوا)
стр. 550
وتأول هؤلاء قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] على أن المقصود ما ذبح للأصنام، وقيل: إن حديث هشام بن عروة هذا كان في أول الإسلام، وقيل: إن الآية ناسخة له.
وأما استقبال القبلة بالذبيحة، فقد اختلف الناس فيه، فمنهم من أوجبه، ومنهم من استحبه، ومنهم من أباحه.
وتحصيل مذهب مالك فيه أنها مأمور بها، فإن ترك ذلك سهوًا، أو تعذرًا أكلت وإن ترك ذلك عمدًا فقولان المشهور جواز الأكل، والشاذ أنها لا تؤكل، لأن ذلك مخالف للسنة، ومندوب لها أن يضطجعها برفق على الجانب الأيسر، ويأخذ بصوفها، أو شعرها لينظر موضع الذبح.
قوله: «فأما صفة الذابح فأن يكون مسلمًا أو كتابيًا عاقلًا عارفًا بالذبح قاصدًا به التذكية»: وهذا كما ذكره، أما الكافر غير الكتابي فلا تصح ذكاته.
واختلف المذهب في تذكية تارك الصلاة، هل هي مجزئة، أو غير مجزئة. وبناه على الخلاف هل يكفر تارك الصلاة مطلقًا أم لا؟ وأما الكافر الكتابي فإن العلماء قد اختلفوا في جواز ذبيحته، والجمهور على جوازه.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن الكتابي إما أن يذبح لنفسه، أو لمسلم على وجه الاستتابة، فإن ذبح لنفسه، فإما أن يكون مما يستحله، أو مما لا يستحله، فإن كان مما لا يستحله إما أن يكون محرمًا عليهم في شريعتنا أو مما أخروا عن تحريمه. فإن كان مما حرم عليهم في شريعتنا كذي
стр. 551
الظفر، ففي صحة ذكاتهم ثلاثة أقوال في المذهب التحريم، وهو المشهور، والكراهية، والإباحة. فالتحريم بناء على أنه إذا كان محرمًا عليهم فكأنهم لم يقصدوا ذكاته، والإباحة بناء على أن شريعتنا ناسخة. والكراهية مراعاة للخلاف وفيما اختاروا عن تحريمه وأحرموه على أنفسهم قولان: الإباحة، والمنع كراهية، أو حظرًا مبنيان على الذكاة هل تتبعض أم لا؟ وإذا ذبح لمسلم باستنابة فهل يستباح أم لا؟ فيه قولان في المذهب الإباحة و «المنع» لصحة ذكاتهم ومنع، لأن المستباح وطعامهم وهذا ليس منهم، واختلف في ذبائح نصارى العرب فقال ابن عباس: والجمهور هم أهل الكتاب في جواز أكل ذبائحهم، وقال علي بن أبي طالب، وغيره: ذبائحهم محرمة، وهو أحد قولي الشافعي. وسبب الخلاف: هل يتناولهم الاسم أم لا؟ وكذلك اختلفوا في جواز ذبيحة المرتد، والجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل، لأنه غير داخل تحت الإطلاق، وقال إسحاق: ذبيحته جائزة، وقال الثوري: مكروهة، وأجاز أهل المذهب ذبائح السامرية وهم صنف من اليهود ينكرون بعث الأجساد، ومنعوا ذبائح الصابئين، لأنهم بين النصرانية والمجوسية. وقد اختلف العلماء في ذبائحهم، وفي ذبائح المجوس، والصحيح أنها ممنوعة، وبه قال الجمهور.
واختلف المذهب فيما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم ولعبادهم، وفي المذهب فيه عندنا قولان الكراهية، والمنع، وعن ابن حبيب ما يقتضي الجواز، وقال ابن القاسم: كان مالكًا يكرهه كراهية شديدة من غير أن يحرم.
قوله: «عاقلًا»: احترازًا من المجنون، وقد اختلف العلماء في ذبيحة
стр. 552
المجنون والسكران يمنع من تذكيتهما، وأجاز ذلك الشافعي. ومبنى المسألة على اشتراط النية في الذكاة، وقول القاضي: «عارفًا بالذبح» احترازًا من غير العارف إذ لا يؤمن معه أن يذبح في غير موضع الذبح.
قوله: «قاصدًا به التذكية»: نص على اشتراط النية في الذكاة إجراء لها على مجرى القربات، والعبادات، ولا خلاف في اشتراط ذلك عندنا.
قوله: «وليس من شرطه الذكورية ولا البلوغ»: تنبيهًا على مذهب المخالف، وقد اختلف العلماء في جواز تذكية الصبي، والمرأة إذا أطاق الذبح، والجمهور على جوازها، ومنهم من أجازها في موضع الضرورة، ومنعها في غير الضرورة، وقال أبو مصعب عن مالك: لا أحب ذبحها لا في حال الضرورة، ولا في غيرها، ومذهب مالك أن يؤكل ما ذبحت المرأة من غير ضرورة، وهي أولى من النصراني في الذبح، وذكر ذلك محمد في حال السعة، فإن ذبحها أكلت الذبيحة. وفي الصحيح: (أن رسول الله ﷺ سئل عن ذبيحة المرأة فقال: لا بأس). وكذلك اختلف الناس في تذكية السارق والغاصب آلات المذبوح بها، أو الشيء المذبوح، والجمهور على الجواز، وسئل رسول الله ﷺ (عن شاة ذبحت بغير إذن ربها فقال: أطعموها للأسارى) الحديث.
стр. 553
قال القاضي ﵀: «فأما صفة المذكى فأن يكون حيًا غير مايوس» إلى آخره.
شرح: وهذا هو مشهور المذهب كما ذكره أن منفوذ المقاتل والميؤوس منه لا تعمل فيه الذكاة، وقال قوم: إن الذكاة فيها عاملة، وهو قول ابن عباس والزهري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأحد قولي مالك.
ومبنى الخلاف على الاستثناء المذكور في قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ هل هو متصل أو منقطع.
قوله: «وأما الآلة المذكى بها فأن تكون ممن ينهر الدم» إلى آخره. وهذا كما ذكره أن المقصود في ذلك إمرار إزهاق النفس من غير تعذيب رفقًا بالبهيمة، فبأي شيء حصل ذلك أجزى، وفي السن والظفر أقوال في المذهب: أحدها: جواز أكل ما ذبح بهما، وعمدتهم قوله ﵇: (ما أنهر الدم فكل). الثاني: المنع لقوله ﵇: (ليس السن والظفر). والثالث: جواز ذلك في المنفصل دون المتصل، ولذلك نبه عليه القاضي. والقول الرابع: جواز أكل ما ذبح بالظفر، ولا يؤكل ما ذبح السن، وكره مالك غير الحديد -مع وجوده في المبسوط- كل شيء يصنع من فخار أو عظم أو قرن فهو جائز.
стр. 554
باب الصيد
قال القاضي ﵀: «كل حيوان مأكول اللحم طبعه التوحش» إلى قوله: «من كلب، أو باز».
شرح: الصيد مشروع، والأصل في ذلك الكتاب، والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]. وقال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. وأما السنة فما رواه علي بن حازم، وفيه: أن رسول الله ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله). وأجمع العلماء على أنه مشروع على تفصيل نذكره في ذلك. قال علماء المالكية: الصيد على قسمين: بري، وبحري، فالبحري يؤكل جملة من غير تفصيل صاده من صاده، وصيد البر على ثلاثة أقسام: صيد مسلم يؤكل بشروط، وصيد مجوسي لا يؤكل جملة من غير تفصيل، وفي صيد الكتابي ثلاثة أقوال: الجواز لعموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥].
стр. 555
والمنع لمفهوم قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٥] ودليل خطابه أنه مقصور على المؤمنين والكراهية توسطًا بين القولين.
وقد قسم المتأخرون الصيد إلى أحكام الشريعة فقالوا: إنه على خمسة أقسام: محظور: وهو صيد المجوسي، وصيد ما لا يحل أكله من السباع، وصيد المحرم، ومكروه وهو صيد على وجه اللهو، وواجب ومندوب إذا كان سببًا للتعفيف عن المحظور والمأكل، والمكروه وهو في حق بعض الناس دون بعض، ومباح وهو: ما عرى عن هذه الوجوه، وكان المقصود منه التكسيب والتمول، وقيد القاضي بقوله: «كل حيوان مأكول اللحم» تحرزًا مما لا يجوز أكله، ولا يوقن فيه الاصطياد أباحه بالإجماع.
قوله: «طبعه التوحش»: احترازًا من الإنسي المتوحش، لأن الاستحاش ليس بطبع له وإن صار غير مقدور عليه.
قوله: «لا يقدر عليه»: تحرزًا من الوحش، لأن طبعه ههنا غير معتبر من حيث صار مقدورًا عليه، وقد اختلف العلماء في حكم الإنسي يستوحش. فقال أبو حنيفة والشافعي: هو كالمتوحش طبعًا، والمعول عليه من قول مالك: أن له أصله فلا يؤكل لا بذكاة المقدور عليه اعتبارًا بحكم الأصل، واعتبار المعنى يصح ما قاله الشافعي وأبو حنيفة والدليل لهما من جهة السمع ما رواه رافع بن خديج أن بعيرًا ند وكان في القوم خيل يسرة فطلبوه فأعياهم، فسبق إليه رجل منهم فقتله. فقال ﵇: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا) الحديث.
стр. 556
قوله: «من جارح أو محدد سلاح»: الجارح هو الكلب وغيره من الحيوانات التي يجوز الاصطياد به كقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارج مكلبين﴾. واختلف أهل العلم في المراد في الآية، فقال: إنه على ظاهره، والمراد خروجها للصيد وتشهى فيه، وقيل: الجوارح بمعنى الكواسب من قوله: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠] روى: أي ما كسبتم، وهذا جار على من لم يشترط التسمية.
قوله: «إذا تلف عنده»: تحرزًا من أن يكون تلفه بسبب آخر من الصيد من ماء أو فرو يقع فيها، أو أمر يحدث فلا يكون ذلك له.
قوله: «إذا تلف في حال امتناعه وانتفاء القدرة عليه على تذكيته بالذبح من غير تفريط»: راجع إلى ما قدمته من اشتراط كونه غير مقدور عليه، وقد بين ذلك أولًا بقوله: «لا يقدر عليه إلا بالاصطياد» وحال امتناعه هو انتفاء القدرة عليه ولازم عمله.
قوله: «والآلة المصيد بها نوعان: جوارح، وسلاح» وهذا كما ذكره، واشترط في الجارح شرطين: التعليم، والإرسال، وعم القول في نوع الجوارح، وبه قال الجمهور، والتفصيل في ذلك، أن أنواع الجوارح قسمان: كلاب وغير كلاب، أما الكلاب فهي داخلة تحت الآية عمومًا على رأي الجمهور سودًا كان أو غير سود من غير كراهية في شيء، وكره قتل الكلب الأسود وبه قال الحسن البصري والنخعي وقتادة. وقال أحمد بن
стр. 557
حنبل وإسحاق: ما أعرف أحدًا مرخصًا فيه إذا كان بها، لأن النبي ﷺ أمر بقتله، وهذا يدل عندهم على معنى الاصطياد به. وأما غير الكلاب فهو كالكلاب عندنا من سباع الوحش، والطير إذا قبلت التعليم حتى ابن شعبان أجاز صيد النسور إذا قبل التعليم، وبه قال ابن عباس في جميع الجوارح القابلة للتعليم، وشذ قوم منهم: مجاهد، فقصروا الأمر على الكلاب مطلقًا، وأخرج أحمد منها الأسود كما ذكرناه، وهؤلاء عولوا على أن لفظة: «مكلبين» مشتقة من اسم الكلب المخصوص، ولم يجعلوه عامًا في جميع الجوارح، وألحق قوم البزاة بالكلاب، والصحيح اعتبار المعنى، وأن كل ما وجد فيه معنى الكلب من قبول التعليم فهو كالكلب سيان لأن لفظة الكلب مقول بالاشتراك.
قوله: «وتعليمه أن يفقه عن مرسله»: أجمع العلماء على أن التعليم في الجارح كلبًا كان أو غيره لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ ولقوله ﵇: (إذا أرسلت كلبك المعلم).
واختلف المذهب في التعليم المشترط على أربعة أقوال. فقيل: الانزجار والانشلاء والإجابة، وقيل: ترك الأكل، وقيل: إن ترك الأكل مشترط في الكلب دون غيره من الجوارح. وقال ابن حبيب: ليس الانزجار شرطًا في البزاة، والصقور وغير ذلك من سباع الطير، لأنها لا تقبله، وإنما هو مشروط في الكلاب فقط دون سائر الجوارح، وإلى هذا الخلاف أشار القاضي بقوله: «لا من كلب ولا من غيره». والصحيح أن التعليم مشترط، والمقصود منه أن يصرف عن طبعه الأصيلي بالتعليم المكتسب فيصير لمرسلها كالآلة فيمسك له، لا لها.
стр. 558
وسبب الخلاف في اشتراط نفي الأكل في التعليم اختلاف الأحاديث. ففي حديث عدي بن حاتم: «فإن أكل فلا يأكل». وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: قلت: وإن أكل منه يا رسول الله، قال: وإن أكل منه. وحديث عدي بن حاتم أصح من حديث أبي ثعلبة، ولذلك رجح مقتضاه الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري، وبه قال ابن عباس.
قال القاضي ﵀: «وأما الإرسال فأن يبتدئ صاحبه بعثه» إلى قوله: «إرسال الجارح أو السهم».
شرح: اشترط في الإرسال شروط وهي أن يكون فعلًا مبتدئًا من المرسل مقصودًا مقترنًا بالتسمية، فتحرز بقوله: «أن يبتدئ صاحبه بعثه من يده» من أن يخرج الجارح بنفسه من غير إرسال صاحبه، وقد اختلف الناس في هذه الصورة، وهي إذا أفلت الجارح، ثم أعاده صاحبه بعد إفلاته.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أنه إذا انفلت بنفسه فلا يخلو أن يزجره ويغريه بعد انفلاته أم لا؟ فإن كان أغراه، واستدعى إليه فرجع إليه، أو وقف ثم بعثه (فانبعث)، فالمشهور في هذه الصورة التعليم المشترط في الجوارح،
стр. 559
وإن انبعث الجارح بنفسه من غير إرساله من يده ولا أغرى به بعد انبعاثه لم يؤكل الصيد بلا خلاف، لأن صفة التعليم غير حاصلة فإن انبعث بإرسال الصيد، وليس في يده، ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤكل، لأن المقصود إرساله بنفسه لا كونه تحت يده.
والثاني: أنه لا يؤكل لاحتمال أن يكون انبعاث الجارح بنفسه فلا يتحقق انتفاء ذلك إلا أن يخرجه من تحت يده.
والقول الثالث: إن الجارح إن كان قريبًا أكل الصيد، لأنه إن كان قريبًا منه فكأنه تحت يده، بناء على أن ما قرب الشيء له حكمه، وإن كان الجارح بعيدًا لم يؤكل، ومبناه على أن قربه بعمل يده يغلب على الظن ائتماره له لا لنفسه فخالف البعيد.
ومن هذه الأسولة أن يبعث الصائد الجارح فيمر في الطلب نحو الصيد ثم يرجع عنه أو يتحير في موضع الطلب، ثم استمر في الطلب أكل الصيد، ولو اشتغل بشيء فأكله في أثناء مروره اشتغالًا كثيرًا، ثم تمادى في طلب الصيد لم يؤكل، وإن كان تركًا للطلب، وإن كان اشتغاله يسيرًا ففيه قولان: جواز الأكل ومنعه. أخرجه أبو الحسن اللخمي.
قوله: «ناويًا به إرساله للاصطياد والتذكية»: شيء متفق عليه، فلذلك قلنا: إن من لا تصح له النية كالمجنون والسكران لا يصح صيده، وقد تقدم الكلام في التسمية في كتاب الذبائح.
قوله: «ثم قتله الصيد بنوعين بعقر وبغير عقر»: وهذا كما ذكره ولا خلاف أن الجارح إذا قتل الصيد فوجده الصائد ميتًا، أو منفوذ المقاتل فهي تذكية، وإن وجده غير منفوذ المقاتل افتقر إلى التذكية الجارية في المقدور عليه من الذبح أو النحر. وقال الشافعي، والحسن البصري: إذا وجدته حيًا غير
стр. 560
منفوذ المقاتل، ولم يجد حديدة، فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله تعويلًا على قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤] والجمهور على أنه إذا وصل إلى هذه الحال فهو في حكم المقدور عليه، فيفتقر إلى الذكاة المعتادة.
ومن هذه الأسولة إذا أرسل الصائد على الصيد جارحًا ثم جارحًا، فإن قتله الأول فلا خلاف أنه يؤكل، وإن أمسكه الجارح الأول، ثم جاء الجارح الثاني فقتله لم يؤكل، لأنه مقدور عليه، فلا يجزئ فيه إلا ذكاة المقدور عليه ولو أرسل الصائد الجارح الثاني على الصيد قبل إمساك الجارح الأول فالمنصوص أنه يؤكل، وهو ظاهر النظر، إذ هو غير مقدور عليه. وخرج اللخمي أنه لا يؤكل، ولعله بناء على الغالب. ثم ذكر القاضي الخلاف في الصدم والنطح وغيره مما لا تنييب فيه ولا جرح، هل هي تذكية أم لا؟ وفيه قولان عندنا، فمن اشترط التنييب حمل لفظ الجارح على ظاهره من الجراح والتأثير، ومن حمله على المعنى اللغوي فإنه كقوله تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ لم يشترط تنييبها، والخلاف بين ابن القاسم وأشهب، فابن القاسم منع أكل المصدوم بموت من صدمة الجارح، وأشهب أجازه لعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وأما إذا مات الصيد فزعًا من الجارح أو تردى في هواة، أو مات في ماء، ونحو ذلك من مواضع الشك، فلا يؤكل الصيد في جميع هذه المواضع تمسكًا بحكم الأصل.
قوله: «وأما السلام فكل ما جرح فالاصطياد به جائز» وهذا كما
стр. 561
ذكره، وقد تقدم فيما يقع التذكية به، وأنه كل محدود يحصل به الإجهاز. واختلف في هذا الباب فيما قتله المعراض أو الحجر، وفيه ثلاثة أقوال، فقيل: يؤكل مطلقًا، وقيل: لا يؤكل مطلقًا، وقيل: يؤكل إذا أصاب بحده دون عرضه وهو قول جمهور الفقهاء تعويلًا على قوله ﵇ لما استفتى عما قتله المعراض، أما ما قتله عرضه فلا يؤكل، وأما ما قتله بحده فكل. وإنما منع الجمهور كل ما قتله بعرضه، لأنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿والموقوذة﴾ بعصا وفي معنى العصا كل ما ليس بمحدود. وفي حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي ﷺ عن المعراض إذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه قد أشار إلى التعليل الذي ذكرناه، والمعراض: سهم لا ريش له قاله الداودي.
قال القاضي ﵀: «فإن بات الصيد عنه بعد إرسال الجارح» إلى آخر الباب.
شرح: اختلف العلماء في الصيد إذا بات، أو غاب عن الصائد مصرعه هل يؤكل أم لا؟ فقالت طائفة من العلماء: يؤكل مطلقًا، وقالت طائفة: لا يؤكل مطلقًا، وبالكراهية قال الثوري، وفي مذهب مالك في ذلك خلاف، فقال مالك في المدونة: لا يؤكل وإن وجد منفوذ المقاتل سواء كان بجارح أو بسهم. وقال ابن الماجشون: يؤكل منهما جميعًا إذا وجد منفوذ المقاتل، وقال بعضهم: لا يؤكل من الجارح ويؤكل من السهم، وحكى الشيخ أبو الحسن قولًا بالكراهية، وجه المنع ما خرجه مسلم من حديث أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت سهمك فغاب عنك مصرعه
стр. 562
فكل ما لم يبت) ومن طريق المعنى محل الشك فوجب التمسك بحكم الأصل، لأنه أحوط، ووجه قول ابن الماجشون ما خرجه مسلم أيضًا من حديث أبي ثعلبة أيضًا في الذي يدرك صيدة بفلاة. فقال ﵇: (كل ما لم يبيت) لأنه وجده منفوذ المقاتل غلب على الظن أنه الذي قتله. وأما من أباح ذلك في السهم، فلأن السهم لا يخفى الأمر فيه، فغلبة الظن فيه أقوى، وفي حديث عدي بن حاتم عنه ﷺ : (إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكل).
قوله: «وشركة الجارح غير المعلم، أو مرسل المجوسي مانعة من أكل ما شركا فيه جارح المسلم أو سهمه»: وهذا كما ذكره لاحتمال الشك في هذا المحل أيضًا، ويتعلق بالشك مسائل منها: إن أبصر الجوارح فيقع في حفرة، والمشهور عندنا أنه لا يؤكل للشك، وقيل: يؤكل، ومنها: أن تجد جماعة صيدًا، ولا يدري عين الذي أرسل عليه (فيها، أو يجد صيدًا ولا يدري هل الذي أرسل عليه أم لا؟ والفرق بين هاتين الصورتين أنه في الأولى متيقن أن الذي أرسل عليه) في جملة الصيد إلا أنه شارك في العين لالتباس الأعيان، وتشابهها. وفي الصورة الثانية غير متيقن أن الذي أرسل عليه في الجملة، فهو سواء في الحكم بناء على وجوب التعيين عند الإرسال، وقد ذكر كثير من أصحاب مالك أنه إذا أرسل على ما في غيضة أو كهف، وقصد
стр. 563
أخذ ما أرسل عليه من غير أن يراه ويعينه فهو جائز، وأكله مباح بناء على عدم وجوب التعيين، وكذلك لو رأى الصائد الجارح يضطرب، ولم يبصر شيئًا بناء على الاضطراب هل يكتفي بذلك أم لا؟ فيه قولان كما ذكرناه.
قوله: «وإذا بان من الصيد عضو أو بضعة يعيش مع مفارقتها، لم يؤكل وأكل سائره»: هذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقالت طائفة من الفقهاء يؤكلان جميعًا، وقال قوم: يؤكل الصيد دون ما بان منه، وفرق قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلًا فيؤكلان جميعًا، أو غير مقتل فيؤكل الصيد دون العضو.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن العضو إما أن يكون مقتلًا، أو غير مقتل، فإن كان غير مقتل فلا يخلو أن يكون موته بمعنى غير القطع كالصيد إذا قطع نصفه فلا يمكنه الأكل فيموت جوعًا، فإنه لا يؤكل واحد منهما (لا الصيد) ولا العضو البائن عنه، وإن كان غير مقتل، وكان موته بالقطع أكل الصيد دون العضو البائن، فإن كان العضو البائن مقتلًا فلا يخلو أن يكون الباقي كالبائن، أو أقل منه، أو أكثر، فإن كان الباقي أكثر من البائن أكل الباقي، وهل يؤكل البائن أم لا فيه قولان. أما من قال: يؤكل الجميع وهو الذي حكيناه أولًا عن طائفة من الفقهاء، فاحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ وظاهر قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ومقتضاهما التسوية بين البائن والباقي. وأما من قال: إن البائن لا يؤكل فاحتج بقوله ﵇: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة). وأما من فرق بين أن يكون العضو مقتلًا، أو غير مقتل، وهو أصل مذهب مالك، فاعتبر الحياة، لأنه إذا كان ذلك
стр. 564
العضو مقتلًا لم يدخل تحت عموم قوله ﵇: (ما قطع من البهيمة وهي حية) إذ الحياة غير مستقرة حال القطع، ثم ذكر القاضي أن ما قتله الحبالة والسهم المسموم لا يؤكل، وعلل كل واحد من الحكمين. أما الأول فلأنه مقدور عليه، وهي معنى ما أدركه، والجوارح تنهشه، وأما الثاني فلحصول الاشتراك في قتله.
قوله: «ولا صيد المجوسي»: يريد صيده البري وقد تقدم أن صيد البحر حلال، وذكرنا الخلاف في صيد الكتابي وفيه كفاية.
стр. 565
باب الأطعمة والأشربة
قال القاضي ﵀: «الأطعمة ضربان» إلى قوله: «وأما الأشربة».
شرح: الأطعمة على ضربين محللة ومحرمة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات﴾ [البقرة: ١٧٢] والطيب عندنا الحلال اللذيذ، وقال تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وثبت من السنة تحريم السباع، وتحريم النجاسات. وقد بينه القاضي بيانًا شافيًا.
قوله: «ما لم يكن نجسًا بنفسه أو بمخالطة نجس أن يقول أو مضرًا كالطيب، فقد كره ابن المواز أكل الطيب، وقال ابن الماجشون: أكله حرام.
قوله: «وأما البحري فيؤكل جميعه كان مما له شبه في البر، أو مما لا شبه له»: تحرزًا من مذهب الليث بن سعد وغيره من المخالفين ممن رأى تحريم خنزير الماء وإنسانه، والجمهور على تحليل ذلك.
ومبنى المسألة على أمرين: هل يتناولها الاسم فيكون لفظًا مشتركًا أم لا؟ الثاني: هل الاسم المشترك محمول على العموم أم لا؟ والصحيح أن اللفظ لا
следующие страницы →