Полный текст (1 291 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ذكره، وقد تقدم فيما يقع التذكية به، وأنه كل محدود يحصل به الإجهاز. واختلف في هذا الباب فيما قتله المعراض أو الحجر، وفيه ثلاثة أقوال، فقيل: يؤكل مطلقًا، وقيل: لا يؤكل مطلقًا، وقيل: يؤكل إذا أصاب بحده دون عرضه وهو قول جمهور الفقهاء تعويلًا على قوله ﵇ لما استفتى عما قتله المعراض، أما ما قتله عرضه فلا يؤكل، وأما ما قتله بحده فكل. وإنما منع الجمهور كل ما قتله بعرضه، لأنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿والموقوذة﴾ بعصا وفي معنى العصا كل ما ليس بمحدود. وفي حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي ﷺ عن المعراض إذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه قد أشار إلى التعليل الذي ذكرناه، والمعراض: سهم لا ريش له قاله الداودي.
قال القاضي ﵀: «فإن بات الصيد عنه بعد إرسال الجارح» إلى آخر الباب.
شرح: اختلف العلماء في الصيد إذا بات، أو غاب عن الصائد مصرعه هل يؤكل أم لا؟ فقالت طائفة من العلماء: يؤكل مطلقًا، وقالت طائفة: لا يؤكل مطلقًا، وبالكراهية قال الثوري، وفي مذهب مالك في ذلك خلاف، فقال مالك في المدونة: لا يؤكل وإن وجد منفوذ المقاتل سواء كان بجارح أو بسهم. وقال ابن الماجشون: يؤكل منهما جميعًا إذا وجد منفوذ المقاتل، وقال بعضهم: لا يؤكل من الجارح ويؤكل من السهم، وحكى الشيخ أبو الحسن قولًا بالكراهية، وجه المنع ما خرجه مسلم من حديث أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت سهمك فغاب عنك مصرعه
стр. 562
فكل ما لم يبت) ومن طريق المعنى محل الشك فوجب التمسك بحكم الأصل، لأنه أحوط، ووجه قول ابن الماجشون ما خرجه مسلم أيضًا من حديث أبي ثعلبة أيضًا في الذي يدرك صيدة بفلاة. فقال ﵇: (كل ما لم يبيت) لأنه وجده منفوذ المقاتل غلب على الظن أنه الذي قتله. وأما من أباح ذلك في السهم، فلأن السهم لا يخفى الأمر فيه، فغلبة الظن فيه أقوى، وفي حديث عدي بن حاتم عنه ﷺ : (إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكل).
قوله: «وشركة الجارح غير المعلم، أو مرسل المجوسي مانعة من أكل ما شركا فيه جارح المسلم أو سهمه»: وهذا كما ذكره لاحتمال الشك في هذا المحل أيضًا، ويتعلق بالشك مسائل منها: إن أبصر الجوارح فيقع في حفرة، والمشهور عندنا أنه لا يؤكل للشك، وقيل: يؤكل، ومنها: أن تجد جماعة صيدًا، ولا يدري عين الذي أرسل عليه (فيها، أو يجد صيدًا ولا يدري هل الذي أرسل عليه أم لا؟ والفرق بين هاتين الصورتين أنه في الأولى متيقن أن الذي أرسل عليه) في جملة الصيد إلا أنه شارك في العين لالتباس الأعيان، وتشابهها. وفي الصورة الثانية غير متيقن أن الذي أرسل عليه في الجملة، فهو سواء في الحكم بناء على وجوب التعيين عند الإرسال، وقد ذكر كثير من أصحاب مالك أنه إذا أرسل على ما في غيضة أو كهف، وقصد
стр. 563
أخذ ما أرسل عليه من غير أن يراه ويعينه فهو جائز، وأكله مباح بناء على عدم وجوب التعيين، وكذلك لو رأى الصائد الجارح يضطرب، ولم يبصر شيئًا بناء على الاضطراب هل يكتفي بذلك أم لا؟ فيه قولان كما ذكرناه.
قوله: «وإذا بان من الصيد عضو أو بضعة يعيش مع مفارقتها، لم يؤكل وأكل سائره»: هذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقالت طائفة من الفقهاء يؤكلان جميعًا، وقال قوم: يؤكل الصيد دون ما بان منه، وفرق قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلًا فيؤكلان جميعًا، أو غير مقتل فيؤكل الصيد دون العضو.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن العضو إما أن يكون مقتلًا، أو غير مقتل، فإن كان غير مقتل فلا يخلو أن يكون موته بمعنى غير القطع كالصيد إذا قطع نصفه فلا يمكنه الأكل فيموت جوعًا، فإنه لا يؤكل واحد منهما (لا الصيد) ولا العضو البائن عنه، وإن كان غير مقتل، وكان موته بالقطع أكل الصيد دون العضو البائن، فإن كان العضو البائن مقتلًا فلا يخلو أن يكون الباقي كالبائن، أو أقل منه، أو أكثر، فإن كان الباقي أكثر من البائن أكل الباقي، وهل يؤكل البائن أم لا فيه قولان. أما من قال: يؤكل الجميع وهو الذي حكيناه أولًا عن طائفة من الفقهاء، فاحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ وظاهر قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ومقتضاهما التسوية بين البائن والباقي. وأما من قال: إن البائن لا يؤكل فاحتج بقوله ﵇: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة). وأما من فرق بين أن يكون العضو مقتلًا، أو غير مقتل، وهو أصل مذهب مالك، فاعتبر الحياة، لأنه إذا كان ذلك
стр. 564
العضو مقتلًا لم يدخل تحت عموم قوله ﵇: (ما قطع من البهيمة وهي حية) إذ الحياة غير مستقرة حال القطع، ثم ذكر القاضي أن ما قتله الحبالة والسهم المسموم لا يؤكل، وعلل كل واحد من الحكمين. أما الأول فلأنه مقدور عليه، وهي معنى ما أدركه، والجوارح تنهشه، وأما الثاني فلحصول الاشتراك في قتله.
قوله: «ولا صيد المجوسي»: يريد صيده البري وقد تقدم أن صيد البحر حلال، وذكرنا الخلاف في صيد الكتابي وفيه كفاية.
стр. 565
باب الأطعمة والأشربة
قال القاضي ﵀: «الأطعمة ضربان» إلى قوله: «وأما الأشربة».
شرح: الأطعمة على ضربين محللة ومحرمة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات﴾ [البقرة: ١٧٢] والطيب عندنا الحلال اللذيذ، وقال تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وثبت من السنة تحريم السباع، وتحريم النجاسات. وقد بينه القاضي بيانًا شافيًا.
قوله: «ما لم يكن نجسًا بنفسه أو بمخالطة نجس أن يقول أو مضرًا كالطيب، فقد كره ابن المواز أكل الطيب، وقال ابن الماجشون: أكله حرام.
قوله: «وأما البحري فيؤكل جميعه كان مما له شبه في البر، أو مما لا شبه له»: تحرزًا من مذهب الليث بن سعد وغيره من المخالفين ممن رأى تحريم خنزير الماء وإنسانه، والجمهور على تحليل ذلك.
ومبنى المسألة على أمرين: هل يتناولها الاسم فيكون لفظًا مشتركًا أم لا؟ الثاني: هل الاسم المشترك محمول على العموم أم لا؟ والصحيح أن اللفظ لا
стр. 566
يتناولهما لغة، وقد قال مالك: أنتم تسمونه خنزيرًا. وقد روي عن مالك كراهية خنزير الماء تحرزًا من الخلاف.
قوله: «وما تلف بسببه»: تحرزًا أيضًا من مذهب المخالف، لأن من أهل العلم من ذهب إلى أن ميتة البحر حرام، وهي التي تتلف بنفسها. وللعلماء في ميتة البحر ثلاثة مذاهب. فقال الجمهور: هي حلال اعتمادًا على حديث العنبر، وعلى قوله ﵇: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). وقال قوم: هي محرمة بناء على تقديم العموم المتواتر على الواحد، ولتواصل الحقيقة، وفرق قوم بين أكل الطافي والدانف، فأباح أكل الدانف، ومنع أكل الطافئ اعتمادًا على ما رواه أبو الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: (ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوا وما طفا فلا تأكلوه) والحديث صحيح، وروي موقوفًا على جابر، فلذلك ضعف الاحتجاج به عند الجمهور.
قوله: «ما عدا الخنزير»: وشحمه، وجلده، وجميع أجزائه في التحريم
стр. 567
سواء، على أن الأصح في شعره وجلده، وقد روي عن مالك جواز الانتفاع بشعره، وعن أبي يوسف وغيره طهارة جلده بالدباغ وشذ من خالف في شحمه فهو مسبوق في الإجماع.
قوله: «والسباع فإنها مكروهة»: هذا هو المشهور من رواية عن المذهب، قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في تحريم السباع العادية الأسد والنمر والذئب ونحوه، وأما غير العادية كالضب والثعلب والضبع والأرنب كره أكلها دون تحريم، وروى أشهب أيضًا عن مالك أنها محرمة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وهو مستقرأ من نص مالك في الموطأ وهو الصحيح، واعتمادًا على قوله ﵇: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وإنما قال بالكراهية تعويلًا على قوله تعالى: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية، واختلفوا في السباع المكروهة فقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضب واليربوع والنسر والقرد، وقال الشافعي: السباع المنهي عنها هي العادية على الناس كالأسد والنمر والذئب وألحق بها الكلب بنجاسة عينه، واختلفوا في الممسوخ كالفرس والقرد والقنفود على قولين: التحريم والكراهية. قال ابن المواز: لا يحل ثمن القرد ولا كلفه وهو نص
стр. 568
الواضحة، وأجاز بعض أصحابنا ثمنه وجلبه إلى المدينة، وأمر عمر بن الخطاب أن يرد إلى الشام من حيث جلب، وروي عن النبي ﵇ النهي عن ثمنه، وكذلك اختلفوا في ذي ناب من الطير فقيل: مكروهة، وقيل: محرمة، والخيل والبغال والحمير فيها ثلاثة أقوال: التحريم والكراهية والإباحة في الحمير والبغال شاذة في المذهب أنكره الشيوخ، واحتج من قال بتحريم ذلك بظاهر من السنة. أما الخيل فاحتج أبو حنيفة على تحريمها بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فدليل خطابه أنه لم يخلق للأكل لقوله تعالى في بهيمة الأنعام: ﴿ومنها تأكلون﴾ [النحل: ٥] وأما الحمير فثبت من حديث جابر أنه ﵇: (نهى يوم خيبر عن لحوم الأهلية وأمر بإكفاء القدور بما فيها وأذن في لحوم الخيل). وأما البغال فالحكم ثابت عندهم على الحمير، وأما من أباح الجميع فعل على قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي﴾ الآية، وأما الكراهية فتوسط بين القولين والله أعلم.
قوله: «ولا يؤكل الجراد عند مالك إلا أن يتلف بسبب» هذا إشارة إلى الخلاف، فقيل: إنها تفتقر إلى الذكاة، وقيل: لا تفتقر، واختلف في صفة ذكاته إذا قلنا: بالافتقار إليها فقيل: صيده، وقيل: سلفه، وقيل: قطع جناحه،
стр. 569
وقيل: قطع عضو من أعضائه مطلقًا، وقد قيل: إنه طعام البحر.
قوله: «والطير كله مباح ذو المخلب وغيره»: وهذا أصل مذهب مالك اعتمادًا على ظاهر قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية. وظاهره حصر المحرمات، وقد قيل: إنها مكروهة اعتمادًا على ما خرجه أبو داودة من حديث ابن عباس قال: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير) ولم يخرجه الشيخان.
قوله: «ما عدا ذلك فمكروه»: إشارة إلى الحشرات التي تستقبحها النفوس وتستقذرها الطبائع، والأمر فيها عند الجمهور كما قاله القاضي أنها مكروهة غير مقطوع بتحريمها، حرمها الشافعي.
أما الحشرات المستقبحة فعول من حرمها على قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] ورآها داخلة تحت العموم، وعول الآخرون على ظاهر الحصر المستفاد من الآية المقتضية لحصر أنواع المحرمات.
قال القاضي ﵀: «وأما الأشربة فلا يحرم منها إلا ما سكر» إلى آخره.
شرح: انعقد إجماع المسلمين على تحريم الخمر وهو الماء المعصر من العنب قليلًا كان أو كثيرًا، والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، والإثم الخمر.
стр. 570
قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ** كذلك الإثم يذهب بالعقول
وقال تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] فقال عمر: (انتهينا يارب انتهينا يارب) ففهموا التحريم من الآية ولا مخالف، وأما الأنبذة فأجمع المسلمون على تحريم الإسكار منها. واختلف في القليل الذي لما يقع به الإسكار، والجمهور على التحريم، لها في الصحيح من حديث عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وعن النبيذ فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام) خرجه مسلم قال ابن شعبان: هذا أصح حديث روي عنه ﵇ في تحريم المسكر وهذا حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (كل مسكر كرام) خرجه مسلم وخرج أبو داود حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام). وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : (حرمت الخمر لعينها، والسكر من غيرها) وهل يسمى النبيذ خمرًا أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين أهل العلم مسند إلى النص والمعنى، أما النص فما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من العنب خمرًا
стр. 571
ومن العسل خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن الحنطة خمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر). وهذا يدل على أن هذه تسمى خمرًا في الشرع، وأما المعنى فإن الخمر إنما هي بذلك من المخامرة وتغطية العقل فحيث ما حقق هذا المعنى صدق إطلاق اللفظ عليه، وهذا مبني على جواز القياس والخلاف في ذلك مشهور.
قوله: «وشرب الخليطين مكروه» وهذا كما ذكره. وقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح نهيه ﵇ أن يخلط الثمر والزبيب والزهو والرطب والبسر والدباء والمزفت والمعنى ألحقهم آلات ينتبذ فيها، وقد اختلف الناس في الانتباذ فهي على ثلاثة أقوال فكره الثوري ذلك. وأجاز أبو حنيفة الانتباذ في هذه الظروف وغيرها. والمشهور من المذهب كراهية الانتباذ في الدباء والمزفت لسرعة الإسكار فيها دون ما عداهما.
стр. 572
وأما الانتباذ في الظروف من الأدم فجائز إجماعًا لقوله ﵇: ( .... ) والصحيح العمل على مقتضى نهيه ﵇ عن الانتباذ في الأربع التي ذكرها الثوري.
قوله: «وشرب العصير والعقيد جائز»: ويقربه المطبوخ الذي ذهب منه الإسكار بكل حال والإجماع على جوازه، لأنه في حكم الحلو والعسل واللبن وغير ذلك من المائعات والله أعلم.
قال ابن المواز: ليس ذهاب الثلثين في كل بلد ولا في عصير يحل. قال غيره: المقصود أن يذهب منه قوة الإسكار. قال مالك: كنت أسمع إذا ذهب ثلثاه لم يكره. قال ابن المواز: لا أجد في طبخ العصير ذهاب ثلثيه، وإنما النظر إلى السكر.
стр. 573
كتاب النكاح
قال القاضي ﵀: «النكاح مندوب إليه» إلى قوله: «والولاية ولايتان».
شرح: النكاح لغة: هو الإدخال والإيلاج من قولهم: نكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا أدخلت فيها، وأنكحت الأرض البدر إذا ولجته فيها. وهو في الشرع عبارة عن الوطء نفسه حقيقة، وعن العقد مجازًا، وقيل: حقيقة فيهما من باب الاشتراك، وتحقيق معناه اللغوي يقتضي أن يكون حقيقة في الوطء وقد استعمل في كتاب الله سبحانه على الأمرين. قال سبحانه: ﴿ولا تنحكوا ما نكح ءاباؤكم﴾ [النساء: ٢٢] والمراد عندنا الوطء، وحد النكاح في الشريعة: استباحة البضع بعوض شرعي، ولا يخفى.
وقد اختلف الناس في حكم النكاح، فقال الجمهور: إنه ليس بواجب. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣] خير بين النكاح، أو التسري وهو ليس بواجب. فالنكاح مثله، وحملوا الأوامر الواردة فيه على الندب كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: ٣] وكقوله تعالى: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وحمله أهل الظاهر على ظاهره وهو الوجوب،
стр. 574
والتفت كثير من متأخري المالكيين إلى المصلحة، والقياس من المرسل فقسموه بحسب أقسام الشريعة فقالوا: قد يكون واجبًا في حق من يخشى العنت، وندبًا في حق من اضطره أمنه، ويرجى منه النسل، ومباحًا في حق المتعفف الذي لا يرجى له النسل، ومكروهًا في حق من اضطره إلى مكروه، ومحرمًا في حق من اضطره إلى محظور كالاضطرار بالزواج إلى اكتساب السحت وغير ذلك. وقد تقرر في أصول الفقه أن أكثر الفقهاء أنكروا القياس من المرسل: وهو الذي ليس له أصل معنى يسند إليه. وقال القاضي: «للقادر عليه» عام في القادر طبعًا وعادة شرعًا. ونبه بقوله: «من غير إيجاب» على مذهب المخالفين. ومما احتجوا به على وجوبه نهيه ﵇ عن التبتل وردة ذلك عن عثمان بن مظعون وغيره، وذلك يدل على وجوب النكاح، إذ النهي دال على فساد المنهي عنه، وقد اشتهر خلاف العلماء أيهما أفضل: التبتل لعبادة الله سبحانه، أو التكاف.
قوله: «والمنكوحات ضربان حرائر وإماء» وهذا كما ذكره، إذ لا واسطة بينهما، ولا شرط في نكاح الحرة. واختلف العلماء في نكاح الحر للأمة هل هو جائز مطلقًا، أو موقوفًا على الشرطين، كما ذكره القاضي، وفي المذهب فيه قولان، وسئل ابن القاسم عن نكاح الحر للأمة فقال: هو حلال في
стр. 575
كتاب، وقسم الحرائر إلى أبكار وثيب، وأصاغر، وأكابر، ومردود الاسم مشترط من جهة الوجود من الحرائر، والإماء، لا أنه خص ذلك بالحرائر، لأن ذلك محل للفقه والأحكام.
قوله: «ولا نكاح إلا بولي ذكر» وهذا كما ذكره، وتحرز بالذكر من الأنثى، والذي عليه الجمهور من العلماء أن المرأة لا تعقد النكاح على نفسها، ومن لا يعقد على نفسه، فأحرى أن لا يعقد على غيره. وسيأتي القول في اشتراط الولاية في النكاح وصفات الأولياء.
واختلف المذهب في المرأة إذا كانت وصيًا هل تلي عقدة النكاح عن ذكور محاجر أم لا؟ وفيه قولان عندنا، المشهور أنها تقدم غيرها بناء على أنه يشترط في الوكيل، والوصي ما يشترط في الولي، وقيل: لا يشترط ذلك، وروي عن ابن القاسم في العتبية أنها تلي العقد على غيرها وعلى ذكور محاجرها دون البنات، لأن للصبي حل العقد إذا كرهه بخلاف الأنثى، وعلى هذا اختلفوا هل يصح توكيل العبد، والصبي، والنصراني على عقد النكاح أم لا؟ وفيه قولان مبنيان على ما ذكرناه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (فإن الزانية هي التي تنكح نفسها) الحديث وفي إسناده مقال.
قوله: «وأما صغار النساء فلا يزوجهن أحد من الأولياء سوى الآباء» والسادات عندنا، لما للآباء من خصوصية الحنان، والرأفة، وللسادات من
стр. 576
خصوصية الملك، والذي عليه الجمهور من أهل العلم أن للأب أن يجبر ابنته البكر الصغيرة على النكاح إذا كرهته، ولم يخالف في ذلك إلا الشواذ كابن شبرمة ومن تبعه، والدليل على ذلك ما ثبت أن رسول الله ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست، أو سبع، وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبيها أبي بكر ﵁، وكذلك يجبر ولده الصغير قياسًا على الأنثى عندنا.
واختلفوا في الجد هل ينزل منزلة الأب في الجبر أم لا؟ وقال مال: لا يجبر الجد. وقال الشافعي: الجد أب الأب في الجبر كالأب، وقال أبو حنيفة: يجبر الصغيرة جميع أوليائها، ولها الخيار إذا بلغت، والدليل لنا قوله ﵇: (والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها) وهذا عام في كل بكر، فخرج موضع الإجماع، وبقي ما عداه على الأصل.
قوله: «وأما الأبكار البوالغ فللآباء إنكاحهن بغير إذنهن»: وهذا عام
стр. 577
جار كما ذكرناه في الأبكار البوالغ ما عدا المعنسة فإنه أخرجها بعد من العموم، وروي أن الاستئذان مستحب في الأبكار البوالغ وهو قول مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور بوجوب استئذان البكر البالغ غير المعنسة.
وسبب الخلاف تعارض النص والمعنى. أما النص فثبت من حديث ابن عباس أنه ﵇ قال: (والبكر يستأذنها أبوها) وهذا عام في كل بكر فخرجت الصغيرة بدليل الإجماع وبقي ما عداها على العموم، وفي بعض طرق الحديث: (والبكر تستأمر) وهذا عموم في وجوب الاستئمار في كل بكر، وقال ﵇: (تستأمر اليتيمة في نفسها) خرجه أبو داود، وفي لفظ آخر: (لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها). ودليل هذا الاختلاف أن ذات الأب لا تستأمر. فعارض دليل الخطاب مقتضى العموم، فيقع النظر في ترجيح أحدهما على الآخر.
وأما المعنى فاختلافهم هل الجبر معلل بالصغر، أو بالبكارة، أو بهما،
стр. 578
فمن علله بالصغر فقط، أو بالصغر والبكارة. فقال البكر: البالغ لا تجبر، ومن علله بالبكارة رأى الجبر ويلزم على ما اقتضاه جبر المعنسة إلا أن يثبت دليل التخصيص، وإذا بنينا على مذهب مالك أن الاستئذان غير واجب فهل يستحب ذلك للأب أم لا؟ فيه تفصيل. أما في الصغيرة التي لا إذن لها فلا يستحب ذلك له فيها على المشهور، لأن إذنها كلا إذن، وأما البالغ فاستئذان الأب لها مستحب عندنا. ومحمل قوله ﵇: (البكر تستأمر في نفسها) كالبكر اليتيمة فالاستئذان واجب هنالك اتفاقًا، إلا أن ينص الأب على الوصي بالجبر، ففيه خلاف نذكره بعد.
قوله: «وينقطع الإجبار عن المعنسة»: وهذا هو الذي اختاره القاضي أبو محمد في المعنسة، والخلاف في المعنسة هل يجبرها الأب أم لا؟ مشهور عندنا، فقيل: إن الإجبار دائم عليها، وقيل: ينقطع، ومبناه على تعليل الإجبار بالصغر، أو بالبكارة.
واختلفت الرواية في مقدار سنها، فروى ابن وهب في المدونة أن سنها الثلاثون، والخمس والثلاثون، فروى عيسى عن ابن القاسم الأربعون والخمس والأربعون، وقيل ذلك محال على العادة. والخلاف في استدامة الجبر على المعنسة، أو انقطاعه جار على اختلافهم في علة الجبر هل هي البكارة وهي موجودة في المعنسة، أو الصغر الذي هو مظنة الجهل بالمصالح وذلك منتف في حق المعنس.
قوله: «وأما الثيب من البوالغ فلا إجبار عليها» ومراده بقوله: «من البوالغ» تحرزًا من الثيب الصغيرة، وتحصيل القول فيه: أن الثيب على
стр. 579
قسمين: صغيرة وكبيرة، فالكبيرة البالغة من الثيب لا تجبر على النكاح عند جمهور أهل العلم بقوله ﵇: (الثيب أحق بنفسها من وليها) وشذ قوم فرأوا أنها تجبر، وهو خلاف للإجماع، والسنة الصحيحة ترد عليهم، وقال ﵇: (الثيب تعرب عن نفسها) والثيب الصغيرة غير البالغ هل تجبر على النكاح أم لا؟ فيه قولان في المذهب الجبر، ونفيه مبنيان على اختلاف التعليل في علة الجبر، والمعول عليه عند الحنفية البكارة هي علة الجبر وعند الشافعية الصغير، وعند المالكية أن كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد. فقالت الحنفية على مقتضى مذهبهم تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة وعكسه الشافعي. ومعتمد المالكية على ما ذكرنا من أن كل واحد منهما موجب على الانفراد.
قوله: «والثيوبة المسقطة للإجبار» إلى آخره. قلت: هذا أيضًا فرع اختلف فيه، فقال الشافعي: الثيوبة ترفع الإجبار سواء كان بوطء حلال، أو حرام، والمشهور من المذهب خلافه، وأن الحرام المحض لا يقطع الإجبار كالزنا، والغصب، وقيل: إن تكرر الزنا منها ارتفع الإجبار عنها وإلا
стр. 580
فلا وسبب الخلاف: هل تعلق الحكم بالثيوبة اللغوية أو بالثيوبة الشرعية، وقد قال بعض المتأخرين من شيوخنا: إنما تجبر الزانية على النكاح، لاحتمال أن تسقط بالزنا زوال سبب الجبر عنها فتعامل بنقيض قصدها. وقيل: لأن الزنا خفي، والجبر أمر ظاهر، فلا يسقط الظاهر بالخفي واختلف في فروع: إذا دخلت على زوجها قبل المسيس هل تجبر أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال في المذهب، فقيل: يبقى الجبر عليها لبقاء البكارة، وقيل: بانتفائه مع الطول إذا شهدت مشاهد النساء، وعرفت مصالحها. واختلف في حد الطول المعتبر في ذلك، فقيل: لسنة، وقيل: هي محال على العادة، وقال ابن عبد الحكم: يزوجها بغير رضاها، وإن طالت إقامتها ما لم تمس.
قال القاضي ﵀: «والولاية ولايتان» إلى قوله: «وأما الولاية العامة».
شرح: وهذا كما ذكره، والأصل في الولاية العامة قوله سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠] وقوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم﴾ الآية [التوبة: ٧١] والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومعنى تسميتها «عامة» أن المعتبر فيها وجود الوصف الأعم، وهو الإسلام بخلاف «الخاصة» فإن المعتبر فيها الوصف الأخص، وهو الأعم وزيادة، والدليل على اعتبارها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥] أي في حكمه، وقال ﵇: (المسلم أخو المسلم) وظاهره إطلاق الأخوة في سائر النوع، وقال عمر بن الخطاب: معتبرة بأسباب أربعة، وقدم منها ولاية النسب، وبين أنها مستحقة بالتعصيب لا مدخل فيها لذوي الأرحام، وهذا
стр. 581
مذهب مالك ﵀ بناء على أن ذوي الأرحام لا مدخل لهم في الميراث، ورآى الكوفيون وغيرهم من أهل العلم دخولهم في الميراث وغيره من الولاية احتجاجًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم﴾ ولقوله ﵇: (الخال وارث من لا وارث له) ولم يذكر القاضي ﵀ جميع الصفات المشترطة في الولي، فالمتفق عليها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والقرابة. والمختلف فيها العدالة، والرشد، وقد أشار إلى هذه الشروط في أثناء كلامه.
قوله: «ثم ما يملك بها نوعان إجبار وإنكاح بإذن» وهذا كما ذكره ولا واسطة بينهما والضمير في قوله: «بها» عائد على ولاية النسب.
قوله: «وأما الإجبار فلا يملكه إلا الأب وحده»: يعني الإجبار المستحق بالنسب، وتعرض لإجبار السادات مماليكهم وهو غير مستحق بالنسب، وسقط في بعض النسخ: «والسيد في أمته» وفي إلحاقه نظر، لأنه إنما تعرض في سياق الكلام للإجبار المستحق بولاية النسب، وجبر السيد خارج عن ذلك، وخص الأمة والعبد في معنى لتساويهما حكمًا، ولعله أراد المنكوح لا الناكح، وجبر الآباء ثابت عن صفة ولم يخالف في أصل ذلك إلا الشواذ. والدليل على ذلك تزويج أبي بكر الصديق ﵁ ابنته عائشة من النبي ﷺ وهي بنت ست سنين، أو بنت سبع، على ما فيه من الخلاف بين أهل العلم، وقد رأى قوم أن هذه القضية مخصوصة به ﵇، لأنه قد خص في قاعدة
стр. 582
النكاح بأشياء لم يكن لغيره، وزعم أن هذا من ذلك العمل.
قوله: «وأما الإجبار فلا يملكه إلا الأب وحده على صغار بناته» وهذا فيه مناقشة، لأن صغير البنين كصغير البنات ولا معنى لخصوصية الإناث، فلو قال: على صغار ولده لكان أحسن لأنه إنما تكلم على إجبار المستحق وهو عام في الذكور والإناث، ولعله إنما قصد إجبار المنكوح لا الناكح، لأنه إنما صدر الفعل بذكر المنكوحات، على ذلك تأولت كلامه وقت الإقراء. فبدأ ﵀ بالصغار تحرزًا من الكبار، إلا أنه عطف الأبكار البوالغ على الصغار، وأدخل الصنفين تحت حكم الجبر، وفي ذلك تفصيل مذهبي قد قدمنا الإشارة إليه، لبابه أن البكر الصغيرة يجبرها الأب، واختلف النظر في الصغيرة الثيب هل لعلة الصغر، أو لثيوبة فلا تجبر، والبكر البالغ المعنسة تجبر على أحد القولين اعتبارًا بالبكارة، ولا يجبر على القول الآخر، تغليبًا لحكم التعنيس.
وأما الثيب البالغ فلا تجبر إلا أن تثيب قبل البلوغ، أو تثيب بزنا ففي القسمين الخلاف الذي قدمنا ذكره، وقد تقرر أن الجبر خارج عن معهود الشريعة، وإنما خص له الآباء على صفة لما ثبت لهم من خصوصية الإشفاق، وحسن النظر. وهل يتنزل وصيه في ذلك، وولده المفوض إليه منزلته، سأذكر ما فيه من الاختلاف بعد.
وذكر أن الأب وسائر الأولياء سواء في الإنكاح بالاستئذان، ورتب العصبة فيه على حكم ترتيبهم في التعصب، وقدم البنين على الآباء. وقد اختلف المذهب في ذلك فقيل: ولد البنت مقدم على أبيها، وقيل: أبوها مقدم على ولدها، فالأول: نظر إلى قوة التعصيب، والثاني: أن الأصل الوجود. وقدم الإخوة ما كانوا على الجد، وفيه أيضًا اختلاف في المذهب، المشهور ما ذكر من تقديم الإخوة، والشاذ تقديم الجد، وهو قول المغيرة، والظاهر التساوي بناء على أنه إن اختار في الميراث أن يكون أخًا من الإخوة فله
стр. 583
ذلك، وكذلك اختلفوا أيضًا في ترجيح الأخ الشقيق على غير الشقيق وهي رواية ابن حبيب عن مالك وابن القاسم نظرًا إلى قوة التعصيب، أو عدم ترجيح، نظرًا إلى أنه سبب واحد بالنوع وهي رواية ابن زياد.
قوله: «وإن أنكح الأبعد مع وجود الأقرب فيمن تستأذن جاز».
شرح: اختلف فيه المذهب بناء على الاختلاف في اشتراط تقديم الأقرب هل هو من باب الأولى، أو من باب الأوجب، وفيه قولان في المذهب، وإذا قلنا بتقديم الأقرب فكان غائبًا فهل يستقل الأبعد بالأقعد من غير مشورة الحاكم، أو لابد من الرفع إلى الحاكم فيه قولان، وإنما قيد القاضي ﵀ بقوله: «فيمن تستأذن» تحرزًا من الأب يفتات على ابنته البكر التي في جحره أحد أوليائها فيزوجها بغير تفويضه فهذا مردود مطلقًا على أحد الأقوال، وموقوف على خيار الأب على القول الآخر، وتزويج الأبعد أقرب من تزويج الأجنبي، وحكى الأشياخ في تزويج الأبعد مع وجود الأقرب أربعة أقوال عن المذهب جواز النكاح مطلقًا وفسخه ما لم يطل، أو يفت بالدخول. وقال سحنون، قال بعض الرواة: ينظر في ذلك السلطان، وقال آخرون: للأقرب الخيار بين الرد والإجازة إلا أن يتطاول الأمر وتلد الأولاد. وقال ابن حبيب: للأقرب أن يفسخه أو يمضيه ما لم يبن بها، ويطلع على عورتها. قال الشيخ أبو الحسن: لم يختلفوا أن النكاح صحيح لا يتعلق به فساد وإنما اختلفوا هل يتعلق به حق آدمي أم لا؟ قال: فإن كانت المرأة لا قدر لها، ومضى نكاح الأبعد قولًا واحدًا.
ومبنى الخلاف على ما ذكرنا من تقديم الأب: هل من باب الأولى أو من باب الأوجب. ولو زوجها الأجنبي مع وجود الأقرب جدًا، فيه هذا
стр. 584
خلاف، ويختص هذا بقول خامس، وهو فسخ النكاح أبدًا، وإن طال وولدت أولادًا. ولو زوجها أجنبي وأولياؤها غياب فقال ابن القاسم في المدونة: للولي أو السلطان أن يفسخ ذلك، وكتب مالك إلى ابن غانم إذا زوجها أجنبي وأولياؤها غياب فرفع ذلك إلى السلطان فلا ينظر فيه إلا أن يقدم الولي فيطلب الفسخ، ولا عقوبة في ذلك الدخول إذا كان النكاح مشهورًا، فإن بنى بها عوقبا جميعًا، وعوقب الولي العاقد والشهود.
قوله: «وأما خلافة النسب فوصى الأب في البكر خاصة هو أولى من سائر الأولياء»: وهذا هو المشهور من المذهب كما ذكره، قال في الكتاب: لا نكاح للأولياء مع الوصي. ووصى الوصي أولى من الأولياء وهو في الثيب واحد منهم، وفي السليمانية عن سحنون: الولي أولى بالعقد من الوصي وهو قول ابن عبد الحكم في مختصر ما ليس في المختصر، واختاره النخعي لأن الولي أجنبي، وإنما هو وكيل على المال. والصحيح أنه نائب عن الأب، فكان له من التزويج والإجبار ما للأب، وذلك إذا نص له الأب على الجبر، وقد قيل: لا يجبر مع النص عليه، لأن المعنى المسوغ بجبر الآباء موجود في سواهم.
стр. 585
قوله: «وإذن الثيب بالقول» وهذا كما ذكره، والفعل الصريح التنزل على القول في الدلالة كالقول.
قوله: «وإذن البكر بالقول أو بالصمات»: وهو حكم مخصوص باليتيمة من الأبكار، وأما ذات الأب فالاستئذان في حقها غير واجب، لأن للأب جبرها غير المعنسة على ما فيها من خلاف، قد قدمنا ذكره، وعلى كل تقدير، فالصمت لا يكون رضى إلا في حق اليتيمة كما ذكرناه، لأن الغالب مع وجود اليتم والبكارة والخوف والحياء إلا ثلاثة مواضع، فإن إذن اليتيمة فيها لا يكون إلا نطقًا لاحتمال: الأول: أن يكون الزوج عبدًا. الثاني: أن يكون الصداق عرضًا. الثالث: أن يسبق العقد الاستئذان، وإذنها في هذه المواضع الثلاثة نطقًا، هذا نص المذهب في ذلك، وهل يشترط عليهما بأن صمتها رضى واجبًا، أو مستحبًا، فيه قولان في المذهب، واستحب ابن شعبان أن يطال المكث عندها، ويقال لها: إن رضيت فاسكتي ثلاثة، وذلك استحبابًا لا إيجابًا.
قال القاضي ﵀: «وأما الولاية العامة فولاية الدين» إلى قوله: «ويجوز خلع الأب على ولده».
شرح: قد ذكرنا أن للولاية العامة مدخلًا في النكاح لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ واشترط فيها تعذر الولاية الخاصة، وحكى قولين في جوازها مع وجودها، فقيل: إنها جائزة في الدنية، وقيل: لا تجوز بحال مع القدرة.
وتحصيل القول فيه: أن الولاية الخاصة إن كانت ولاية إجبار كالأب في البكر، والسيد في عبده وأمته فسخ النكاح على كل حال. وحكى القاضي في إجازة نكاح الأمة إذا أجازها السيد روايتين، وإن كانت الولاية الخاصة ليست
стр. 586
ولاية إجبار كالأب في ابنته وسائر العصبة في البكر والثيب، فقال ابن القاسم: إنه يوقف في إجازته، وروى أشهب في الدنية تولي أجنبيًا ينكحها مع وجود القريب، قال لنا عن مالك: ولو عمل بها ضاعت الفروج. هكذا وقع في كتاب أبي محمد.
قوله: «وإذا تقدم العقد على الإذن فالصحيح ألا يجوز»: وهذا هو النكاح الموقوف. وأصل المذهب أن النكاح لا يجوز فيه وقف ولا خيار، وقد روى عن مالك أن النكاح الموقوف جائز مع القرب إذا أجازه من له فيه الخيار، وهل يشترط في القرب أن يكون معه في البلد أم لا؟ فيه قولان في المذهب.
قوله: «وللولي إنكاح صغار الذكور»: وهذا تحرزًا من الكبار، ولا يخلو الكبير أن يكون سفيهًا أو رشيدًا، فالكبير الرشيد لا يجبر على التزويج بلا خلاف، فإن كان بالغًا سفيهًا فهل يجبره الأب، أو الوصي فيه قولان في المذهب، فمن راعى السفه أثبت الجبر، ومن راعى الكبر أسقطه، ثم ذكر أن الصداق ثابت على من سمى عليه إذا أنكح الأب ولده الصغير، فإن سكت عنه، فالأصل أنه واجب على قابض السلعة مطلقًا إلا أنهم جعلوه على الأب المزوج مع عسر الولد تغليبًا للعادة. ولا ينتقل إلى الولد بيسره، لأنه ثبت في ذمته، فانتقاله منها لا يكون إلا بواجب كما تكرر.
قال القاضي ﵀: «ويجوز خلع الأب عن ولده الصغير» إلى قوله: «إلا بإذن السيد».
شرح: قد تقرر أن الأب ناظر لولده الصغير بالمصلحة في المال والبدن
стр. 587
والتزويج والخلع في المال والبضع، فكان للأب أن ينوب في ذلك عن ولده نيابة شرعية إذا تيقن وجه المصلحة، أو غلب في الظن وهو مع الاحتمال محمول على الصلاح والسداد، ولذلك جاز إنكاحه ابنته بأقل من صداق مثلها حملًا لفعله على الإصلاح، وبناء على أن النكاح مبني على المكارمة إذ ليس للبضع ثمن محقق، وقد منع كثير من أهل العلم تزويجها بأقل من صداق مثلها بناء على مراعاة المصلحة الظاهرة، وغفلوا عن مراعاة المصلحة الخفية من سداد الحال، واستقامة طريق الزوج.
قوله: «في العفو إذا طلقت قبل الدخول» تحرزًا من الطلاق بعد الدخول، لأن الصداق قد ثبت بالدخول وجوبه بالذمة، فلا معنى لانتقاصه ولا لإسقاط شيء منه إلا أن يخاف الطلاق فيترك بعضه رجاء الاستصلاح وقد قال تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهو الأب في ابنته، والسيد في أمته خلافًا للشافعي حيث قال: إنه الزوج والمسألة مشهورة في مسائل الخلاف.
قوله: «وللولي أن يلي نكاح نفسه من وليته التي يجوز له إنكاحها» وهذا بناء على أحد القولين.
وتحصيل القول فيه: أنه إما أن يقيم قابلًا عنه لعقدة النكاح أم لا؟ فإن أقام قابلًا لعقدة النكاح فقولان، المشهور صحة النكاح، والشاذ فساده. وإن لم يقم قابلًا فقولان، المشهور منعه، والشاذ جوازه. ومبنى المسألة على الخلاف المعروف في المخاطب هل يدخل تحت الخطاب أم لا؟ ولأهل الأصول فيه قولان.
стр. 588
قوله: «وإذا زوج الوليان فالداخل من الزوجين أولًا»: وهذا مما يجب تفصيل القول فيه، فإن الداخل إما أن يكون هو الأول فلا خلاف أنه أولى، وإن كان الداخل هو الآخر، فإن علم بذلك، وقصد التفويت على الأول فقولان، المشهور فسخ نكاحه بناء على أنه في عصمة محققة وهو زان يدرأ عنه الحد للشبهة، والشاذ صحة نكاحه، والشاذ فسخه، وإذا قلنا: إنه أولى بالدخول فلا كلام في فسخ نكاح الثاني إذا لم يدخل، وترجع إلى الأول، فإن جهل الأول منهما فسخ النكاح، وقيل لها: تزوج من شئت منهما، وفسخه بطلاق، وقد قيل: إن الطلاق موقوف. واختلف في نفقتها أيام الاستبراء من فسخ النكاح الفاسد هل هي على الدفع الحقيقي لرهن الزوج حقيقة، أو على الثاني لأنها محبوسة من أجله أو عليها، أو ينبغي أن يكون ذلك محمولًا على إذا ما علمت فمكنته من نفسها.
قوله: «ولا ولاية لعبد ولا من فيه بقية رق»: وقد قدمنا أن الحرية والإسلام شرط في استحقاق الولاية، أما الحرية فلأن من لا يملك العقد على نفسه فأحرى ألا يعقد على غيره، وكذلك الإسلام، ولذلك لا يعقد الكافر نكاح وليته لقوله ﵇: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) ولا يعقد المسلم نكاح وليته الكتابية من مسلم ولا كافر، فإن كان الولي مسلمًا، والزوج مسلمًا والزوجة كتابية فهل يعقد عليه أم لا؟ فيه قولان: المشهور المنع مطلقًا، والشاذ جوازه تغليبًا لحكم الإسلام، وهذا فيما سوى ولاية الرق وأما
стр. 589
ولايته فحكمه حكم مال، فله فيه التصرف بحكم سلطانيته لملك كما ذكره. ويعقد المولى الأعلى على المولى الأسفل ويستخلف المعتقة، ولا ولاية للمولى الأسفل. وحكى الشيخ أبو عمران أن له مدخلًا في الولاية قال: وليس بشيء. وذكر أن السيد يجبر عبيد ولده الصغار، وعبيد محاجره على النكاح، وكل ذلك نظر بالمصلحة.
واختلف المذهب هل يجبر من فيه بقية رق على النكاح أم لا؟ وفيه أربعة أقوال: الجبر مطلقًا، ونفيه مطلقًا، ويجبر من يقدر على انتزاع ماله، ولا يجبر من سواه، ويجبر الذكر لقدرتهم على الحل دون الإناث لانتفاء قدرتهم على ذلك.
قال القاضي ﵀: «ولا يجوز لعبد، ولا أمة أن ينحكا إلا بإذن سيدهما» وهذا كما ذكره؛ لأن رقبته وتصرفاته مملوكة للسيد، والسيد بالخيار كما ذكره، لأنه نكاح موقوف، فإن أجازه السيد، فهل يجوز أم لا؟ فيه أربعة أقوال.
أحدها: أنه لابد من فسخه مطلقًا بناء على أنه وقع فاسدًا.
والثاني: أن له الإجازة مطلقًا في العبد والأمة.
والثالث: أن له إجازة نكاح العبد إذا تزوج بغير إذن سيده بخلاف الأمة تتزوج بغير إذنه، فلابد من فسخ نكاحها على كل حال.
والرابع: أنه يجوز إذا أجازه السيد بالقرب فإن تباعد لم يجز، وقد قيل في الأمة: إن باشرت العقدة بنفسها وقع الفسخ على كل حال، فإن وكلت غيرها فللسيد الخيار.
واختلف المذهب إذا لم يعلم بالنكاح إلا بعد العتق هل له فسخ أم لا؟
стр. 590
فيه قولان: المشهور أنه ليس له الفسخ، لأن سبب الحكم في ذلك هو الملك، وقد بطل بالعتق.
قوله: «وللعبد أن ينكح أربعًا كالحر» وهذا فيه قولان.
أحدهما: أنه كالطلاق فهو فيه على النصف من الحر.
والثاني: جواز نكاحه الأربع تمسكًا بعموم قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] ونكاح العبد الأمة جائز مطلقًا، وفي نكاح الحر الأمة قولان: الجواز مطلقًا، والجواز بشرط، وقد قدمناه.
قوله: «والإشهاد من شروط كمال النكاح» وهذا كما ذكره، فإن وقع الإعلان جاز، ويتنزل منزلة الشهادة، فإن عربت العقدة عن الشهادة، واقترنت بالدخول جاز النكاح خلافًا للشافعي حيث جعل الشهادة شرطًا في صحة العقد تعويلًا على ظاهر قوله ﵇: (لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل).
قوله: «والتراضي بكتمان العقود يفسده» وهذا كما ذكره لأن النبي ﷺ نهى عن نكاح السر وأمر بالإعلان وقال: (اضربوا عليها بالدف والغربال).
واختلف المذهب في فرعين:
стр. 591
الأول: في حقيقته فقيل: هو العاري عن البينة، وقيل: هو الذي أوصى فيه البينة بالكتمان وهذا خلاف في شهادة.
الثاني: هل يفسخ أم لا؟ وفيه ثلاثة أقوال في المذهب فقيل: يفسخ مطلقًا، وقيل: لا يفسخ مطلقًا، ويؤمر بالإعلان، وقيل: يفسخ قبل الدخول، فإن وقع الدخول مضى، وأمر بالإعلان.
قوله: «ولا يجوز لولي عضل وليته إذا دعت إلى كفء في الدين» وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] نزلت في معقل بن يسار وكان عضل أخته فنهى الله عن ذلك.
قوله: «إذا دعت إلى كفء»: دليل على اشتراط الكفاءة في بعض الأحوال إذا لحق الأولياء بتركها عار.
قوله: «فإن اتفق الأولياء والزوج على غير كفء جاز»: يقتضي أن الكفاءة ليست حقًا له سبحانه، وإلا لما جاز التراضي على إسقاطها، وقد اختلف أهل العلم في الكفاءة في محلين:
الأول: هل هي شرط في النكاح أم لا؟
الثاني: في تفضيل الكفاءة.
стр. 592
المسألة الأولى: هل هي معتبرة أم لا؟ وقد اختلفوا في ذلك، وذهب مالك وجماعة من أهل العلم إلى أنها معتبرة اعتبارًا بالعادة ورفقًا للضرر اللاحق للأولياء، ونظرًا إلى قوله سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح﴾ الآية [النساء: ٢٥] أباح من الانتقال من الأفضل إلى المفضول مع العذر وذلك يقتضي وقوفه عليه، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن الكفاءة غير معتبرة لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] ولقوله ﵇: (كلكم من آدم وآدم من تراب) وقوله ﵇: (إن الله يرفع عنكم عبية الجاهلية وتفاخرها بالأنساب ليس إلا مؤمن تقي، أو فاجر شقي).
والمعتبرون الكفاءة اختلفوا في تفصيلها، فقيل: مجرد الإسلام، وقيل: لا يرفع الإسلام من أمر زائد وهو النسب والمال والحرية وسلامة البدن لقول عمر ﵁: (لا يزوج القبيح ولا الشيخ الكبير) وهو مقتضي مذهب مالك على تفصيل فيه لبابه، أما الإسلام فمشترط إجماعًا، وهل يجوز للولي تزويج وليته من فاسق أم لا؟ فيه تفصيل، لأن الفاسق إما أن يثبت بالاعتقاد، أو بالجوارح، فإن كان عقديًا كالخوارج والقدرية وغيرهم فنص مالك في كتاب محمد أنهم لا يزوجون. وأما الفاسق بالجوارح كشارب
стр. 593
خمر أو نحوه فتزويج الولي منه لا يصح، ويفسخ قبل الدخول وبعده على مقتضى الرواية، وخالف فيه المتأخرون، ولما يؤدي من كثرة الفسق في وقتها.
وأما النسب ففي اشتراط المكافأة فيه خلاف، فمن صح أنه غير مشترط، وأما القول بتحصيل القول فيه: أن الزوج إن كان غير قادر على النفقة فليس بكفء البتة، وإن كان قادرًا عليها فلا يخلو أن يضرب بها في مالها أو لا؟ فإن أضر بها فيه، فلها فيه مقال وإن لم يضرب بها فيه قولان ظاهر الكتاب أن لها متكلمًا فيه، وقيل: لا كلام، وجعله بعض الأشياخ خلافًا في صورتين.
وأما الحرية ففيها قولان: فقال ابن القاسم: العبد كفء الحرة، وقال المغيرة وسحنون: ليس بكفء.
وكذلك اختلف المذهب في المولى: هل هو كفء للعربية، وهو قول ابن القاسم، أو ليس بكفء، وهو قول غيره.
قوله: «وليس كمال مهر المثل من الكفاءة» تنبيهًا على قول المخالف، وأصل مذهب مالك ما ذكره ولذلك أجاز أن يزوج الرجل ابنته البكر بأقل من صداق مثلها بناء على أن له النظر في المصالح وهو غير متهم، ولا يكون ذلك في الثيب، ولا لغيره من الأولياء مطلقًا.
قوله: «والتوكيل في عقد النكاح جائز» وهذا لا خلاف فيه، لأنه من
стр. 594
عقد المعاوضة فتجوز فيه النيابة كما تجوز في البيع، وسواء كان التوكيل من الزوج، أو من الزوجة، أو من الولي.
قال القاضي ﵀: «والصداق مستحق في عقد النكاح ولا يجوز التراضي على إسقاطه» إلى قوله: «ونكاح الشغار باطل».
شرح: الصداق ركن من أركان النكاح، والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿واءتوهن أجورهن﴾ الآية [النساء: ٢٥]. وأما السنة: فقوله ﷺ للرجل الذي أراد أن يزوج الموهوبة: (التمس ولو خاتمًا من حديد) وذلك يدل على أنه مشترط وقال ﵇: (لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل) وانعقد الإجماع على ذلك.
قوله: «ولا يجوز التراضي على إسقاطه، ولا النكاح المشترط فيه سقوطه» وهذا كما ذكره لأن ذلك سفاحًا لا نكاحًا. ولو انعقد النكاح
стр. 595
على سقوطه فلا خلاف في فسخه قبل الدخول، وفي فسخه بعد الدخول روايتان في المذهب: الأولى: الفسخ لوقوعه فاسدًا، والفاسد لا سبيل إلى تقديره، والثانية: الإمضاء ويصح بصداق المثل فيه، والأول أصح لما ذكرناه.
قوله: «ولا حد لأكثره» وهذا كما ذكره، واستحب بعض السلف الرخص فيه فعول على قول عمر بن الخطاب: (أيها الناس لا تغالوا في صدقات النساء، فقامت امرأة فقالت: الله أعطانا وتحرمنا يا عمر، أما سمعت الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطارًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال عمر ﵁ أصابت المرأة وأخطأ أمير المؤمنين) .. الحديث. وله طرق باللفظ مختلفة وأصله ثابت في الصحيح والآثار المنهي أرخصهن.
قوله: «وأقله محدود وهو ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما من العروض» وهذا كما ذكره، وهو أصل مذهب مالك، واعتمد في ذلك على القطع في السرقة فقالوا: عضو مستباح، فلا يستباح بأقل من ربع دينار قياسًا على القطع، وفيه بحث من وجوه.
الأول: أن الأصل غير متفق على حكمه.
الثاني: أن حكمهما البائن مختلفة.
الثالث: أنه قياس في مقابلة النص فكان قابلًا، لأن قوله: «ولو خاتم من حديد» يقتضي جواز أقل من ربع دينار، وهي رواية ابن وهب عن
стр. 596
مالك، وبذلك يقول الشافعي وغيره من أهل العلم.
قوله: «يجوز أن يكون أعيانًا ومنافع، والأعيان أحب إلينا» تنبيه على خلاف. وتحصيل القول فيه: أن كونه عينًا متفق على جوازه. واختلفوا في جواز كونه منافع، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال.
الجواز وهو قول مالك فيما رواه (أصبغ وسحنون)، وبه قال الشافعي، والمنع وهي رواية ابن القاسم، والكراهية. فالجواز قياسًا على البيع، لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، واعتمد على قضية شعيب مع موسى قال الله تعالى حاكيًا عنهما: ﴿إني أريد أن أنكحك﴾ الآية [القصص: ٢٧] والمنع بناء على أن قبض الأوائل ليس كقبض الأواخر، وقصة شعيب موسى ﵇ مخصوصة بهما بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا والكراهية توسطًا بين القولين. وقوله ﵇: (انكحها بما معك من القرآن) فيه خلاف في محلين:
الأول: هل هو خاص بذلك الرجل لخروجه عن الأصل أم لا؟
والثاني: في مفهوم قوله: (بما معك من القرآن) فقال بعضهم: إنه ﵇ جعل القرآن لنا شفيعًا، وأنكحها منه بغير صداق لحرمة القرآن، وهذا يقتضي الخصوصية، وفي لفظ آخر: فعلمها وهذا يدل على انعقاده على المنفعة: التعليم.
قوله: «ولا يجوز إصداق ما لا يجوز بيعه»: ضابط القول الكلي
стр. 597
فيه: إن كل ما جاز بيعه جاز أن يكون صداقًا، وليس كل ما يجوز إصداقه يجوز بيعه بجوازه على وصف مطلقًًا، وعلى جهاز بيت، وكل ذلك لا يجوز، ويقضي في ذلك بالوسط، إذ هو المتعارف. وقال أبو حنيفة: يقضي فيه بالقيمة مطلقًا، ومنع الشافعي قياسًا على البيع مثل: القاضي بالخمر والخنزير في المحرم العين، وبالإبل الشارد، وفي المحرم الأجل.
قوله: «تعجيل المهر وتأجيله» وهذا كما ذكره، ويعني به الأجل القريب، وأما الأجل البعيد فمكروه، والأجل المجهول إلى موت أو فراق محرمًا عند جمهور العلماء، وأجازه الأوزاعي إلى موت أو فراق، ومنع قول التأجيل به مطلقًا. ولو وقع النكاح فاسدًا من جهة صداقه بوجه من وجوه فساد الصداق لوجب فسخه قبل الدخول، وهل يفسخ بعده أم لا؟ فيه روايتان، وهل فسخه إيجابًا، أم استحبابًا فيه أيضًا روايتان، وظاهر النظر: أن الفاسد لا يقرر، وتصحيح بعد الدخول تقرير له، إلا أنهم لاحظوا حده بالاطلاع على العورة، فلذلك صححوه بعد الدخول بعوض الصداق الجائز، وإنما استحب مالك وأصحابه تعجيل ربع دينار لتتحقق بالإباحة بعوضها المحقق، فيخرج من مشابهة السفاح، وعلى ذلك عمل كثير من السلف.
قوله: «والصداق واجب بالعقد والتسمية، ويستقر وجوبه بالدخول فيؤمن سقوطه» وهذا لباب المذهب، واحترز القاضي بقوله: «والتسمية» من نكاح التفويض، وذلك أنه لو طلق قبل الدخول والفرض لم يكن عليه
стр. 598
شيء، فلو اقتصر على العقد دون التسمية لدخل فيه نكاح التفويض، وانظر هل سقوطه يقتضي تحقيقه قبل السقوط أم لا؟ إذ لولا ثبوته لم يسقط، إذ الساقط لا يسقط، والتحقيق يقتضي أن العقد يوجب تحقيق نصفه، والنصف الثاني واجب بأول الملاقاة لا قبلها، وإيجابه بطول الخلوة بعد إرخاء الستور دون مسيس استحسان لا دليل عليه، وفيه خلاف في المذهب.
قوله: «وعلى المرأة أن تتجهز لزوجها من صداقها، أو غيره»: وهذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقال الجمهور: هو ملك لها لا يلزمها التجهز به، ولا بشيء منه تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ومالك وأصحابه اعتبر العادة في ذلك، وأجازوا أن يقتضي منه -إن كان عينًا- اليسير من دينها، وأجاز الجمهور التصرف فيه، وهو قول القاضي، وغيره بناء على العرف، وذلك إذا كان لها مال ممن تقتضي العادة أن الزوج غالى في الصداق لأجل مالها.
واختلف في الصداق إن فعل ذلك فوجدت عديمة، فقيل: يلزمه جميع ما سمى ولا يسقط عنه منه شيء، وقيل: يسقط عنه ما يرى أنه زاد لأجل ما ظنه من مالها. والقول الثالث اعتبار الزيادة على صداق المثل فيسقط، ولا يسقط من صداق المثل شيء.
قوله: «وله إن طلقها قبل الدخول نصف ما ابتاعته»: لأنها تصرفت تصرفًا جائزًا، فلا ينقض فعلها الواقع على وجه الجواز، فإن خرجت عن عادة فعلها ردت نصف ما قبضت لا نصف ما اشترت.
قال القاضي ﵀: «ونكاح الشغار باطل» إلى قوله: «وصداق المثل».
стр. 599
شرح: الشغار مصدر شاغر شغارًا، واختلف أهل اللغة في اشتقاقه، فقيل: من قولهم: بلد شاغر إذا كان خاليًا، فسمي به هذا النكاح لخلوه عن الصداق وقيل: هو مشتق من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، فكأن كل واحد من الوليين يقول: لا ترفع رجل وليتي بذلك الفعل حتى أرفع رجل وليتك بها، والصحيح عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : (نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا مهرًا بينهما). واختلف العلماء في هذا التفسير هل هو من كلام الراوي، أو من كلامه ﵇. وأجمع العلماء على النهي عنه، وإنما اختلفوا في حكمه إذا وقع، فقال الجمهور: إنه فاسد يجب فسخه اعتمادًا على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، سواء كانت من كلام النبي أو من كلام الراوي، لأنه أعلم بما روى، وقال أبو حنيفة: إنه فاسد إلا أنه إذا وقع صح بعوض الصداق الصحيح فيه. وفي المذهب فيه تفصيل أشار القاضي إليه، لبابه أنه إما أن يعرى عن التسمية من الطرفين أو من أحدهما، أو لا يعرى من التسمية بل تقع التسمية. واشتراط العقد بالعقد. فالأول: تقع فيه التسمية مطلقًا قبل الدخول وبعده لما ذكرناه، والثاني: يصح فيه نكاح المسمى لها. وأما نكاح التي لم يسم لها فيفسخ ما لم يقع الدخول، فإن وقع الدخول ففيه قولان: الفسخ، والإمضاء فإن وقع الفسخ قبل الدخول فلا صداق فيه، وللمدخول بها الأكثر
стр. 600
من المسمى لها أو المثل على الأصح. وإن وقعت التسمية من الطرفين، واشتراط أحد العقدين بالآخر بطل الشرط، وصح النكاح قبل الدخول وبعده، وقيل: يفسخ قبل الدخول، ويفوت بالدخول، وقيل: يفسخ مطلقًا، لأنه من وجه الشغار، وكأنها كالصفقة تجمع حلالًا وحرامًا، فتفسخ كلها على الأصح.
قوله: «ونكاح المتعة باطل» وهذا كما ذكره، وقد انعقد الإجماع على تحريمه، وهو من أغرب ما وقع في الشريعة فإنه أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، ولم يعهد نظير ذلك في الشريعة، وفي حرف ابن عباس: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى).
واختلفت الأحاديث متى حرم، فقيل: عام خيبر، وقيل: عام تبوك، وقيل: في حجة الوداع، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام أوطاس، وقيل: عام الفتح، وقيل غير ذلك، ولم يخالف فيه أحد، وصح القول عن ابن عباس وأصحابه من أهل مكة واليمن قال: (ما كان المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا الأشقى ثم رجع عنه إلى التحريم). فأما حديث جابر: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر، والقبضة من الدقيق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ونصفًا من خلافة عمر، ثم نهى عمر عنها الناس) رواه ابن جريج
следующие страницы →