← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ذكر هاتين الصورتين الإمام أبو القاسم الزمخشري في التفسير في سورة النساء. فإن فصلت هذا الإجماع قلت: يحرم بالرضاع أصول وفروع، فالأصول المرضعة لأنها أم من الرضاعة، وزوجها لأنه أب، والمرتضع لأنه ولد، فهذه ثلاثة أصول تنتشر الحرمة منهم إلا في الأطراف، فيحرم على الرضيع أمهات المرضعة نسبًا، ورضاعًا، لأنهن جدات. وإخوانها نسبًا ورضاعًا لأنهن خالات، وأولادها لأنهم إخوة له. كما تحرم من قبل الزوج زوج المرضعة، لأن أباه جد، وأخاه عم، وولده أخ، والنساء منهن على هذا النسب فهي الراضع لهم وزوجة أب فتنتشر الحرمة بين الراضع وبين أطراف أبويه من النسب والرضاع. حتى إن كل نسب لهما نسب أبويها للراضع ذكرًا كان الراضع أو أنثى. وهذا الذي ذكره من انتشار الحرمة بين الرضيع والمرضعة وأطرافه هو الذي قال به جمهور العلماء وهو معنى قولهم: ((اللبن للفحل)) وهذا مذهب أكثر الصحابة وفقهاء الأمصار. ويذكر أن للقاضي عبد الوهاب أبياتًا في هذا المعنى وهي مقيدة: إذا امرأة قد أرضعت غيرها ... وكان لها في حين إرضاعها فحل فكا ابنة منه ومن غيره لها ... ومنها له أو غيرها بعد أو قبل له إخوة قد حرمن وإن يرد ... إخوة نكاح بعضهن له حل قوله: ((وللتحريم بالرضاع ستة شروط)): قلت الكلام في هذه الشروط الستة يأتي على أكثر مسائل الرضاع:

стр. 737

الأول: وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع، أو جوفه من أي المنافذ كان، وهذا كما ذكره على الجملة، وصول اللبن من المنفذ المعلوم متفق على أنه ينشر الحرمة. واختلفوا فيما سوى ذلك، فقوم من العلماء اعتبروا الوصول مطلقًا، وبه قال مالك والجمهور. واعتبر عطاء وداود وغيرهما ما ينطلق عليه اسم الرضاع. وحكى بعض المتأخرين من أهل المذهب خلافًا مطلقًا في التحريم باللبن، إذا دخل من غير المنفذ المعتاد. وأطلق التحريم به ابن حبيب إذا كان المنفوذ واسعًا كالأنف. قال في الكتاب: إذا علم وصوله إلى الجوف، وكذلك إذا كان من العين، فالحرمة تقع به إذا علم وهو له. قال ابن حبيب: ولو احتقن به وقعت الحرمة. ولو أدخل من الإحليل لم تقع به الحرمة للعلم أنه لا يصل. وعلى الجملة فصريح مذهب مالك أنه إذا علم وصوله وقعت به الحرمة، وسواء وصل من أي المنافذ وصل. الثاني: أن تكون من أنثى، وهذا الشرط أيضًا فيه خلاف في المذهب في فروع: الأول إذا كانت ممن لا توطأ لصغرها، هل يحرم لبنها أم لا؟ فيه قولان عندنا. الثاني إذا كان (اللبن) من وطء حرام. وتحصيل القول في الوطء الحرام أنه إن كان الحد فيه واجبًا والولد غير لاحق فإنه (لا ينشر) الحرمة بلا خلاف. وإن كان الحد فيه ساقطًا والولد لاحقًا فهو كالوطء الحلال إجماعًا. وإن كان الحد ساقطًا والولد غير لاحق فهل ينشر اللبن في هذا الوطء الحرمة أم لا؟ فيه قولان عندنا.

стр. 738

وهذا في الواطئ، وأما المرضعة فهي أمه على كل حال. قوله: ((فأما لو در لرجل لبن فأرضع به لم يحرم تحريم الرضاع)): هذا التقييد لا معنى له فلو أطلق فقال: ((لم يحرم)) لكان صوابًا، لأن مفهوم التقييد لا معنى له، وقد اختلف (المذهب) إذا در لبن الذكر، والمشهور أنه لا حكم له، والشاذ أنه تقع به الحرمة حكاه ابن اللباد صاحب الفرائض، وحكى ابن شعبان رواية ثالثة بالكراهية. وقوله سبحانه: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ يقتضي الحكم على الإناث دون الذكور. قوله: ((والثالث أن يكون مقصورًا على الآدميات)): تحرزًا من البهيمة، ولا حكم للبن البهيمة بلا خلاف. واختلف المذهب في لبن الآدمية الميتة، وفيه قولان المشهور: التحريم، لأن الموت لا ينفي كونه رضاعًا، والشاذ نفي التحريم، إذ لا يتصور إضافة الفعل إلى الميتة. قوله: ((والرابع أن يكون في الحولين)): إنما ذلك مظنة احتياج الرضيع إلى اللبن، وأما فيما زاد على الحولين فقد يستغني الولد عن اللبن بالطعام، ولا خلاف أن ما بعد من الحولين لا تقع به الحرمة، وتقع الحرمة بما قرب من الحولين. واختلف الرواية في حد القرب، وقال في المختصر إلا أن يكون بعد الحولين بأيام يسيرة كالثلاثة ونحوه. قال الشيخ أبو الفرج مثل نقصان الشهر وهو قول سحنون. وقال القاضي: الشهر بين الحولين قريب وقيل الشهر والشهران قريب، وقيل الثلاثة الأشهر وهذه الروايات

стр. 739

الأربع في المذهب، وهذا إذا لم يستغن عن اللبن فأما إن استغنى فأرضع، فهل ينشر الحرم أم لا؟ فيه قولان عندنا وهذا هو الشرط الخامس الذي ذكره القاضي. قوله: ((والسادس أن يكون منفردًا غير مستهلك)): وهذا كما ذكره فإن كان مخلوطًا مستهلكًا ففي انتشار الحرمة إذا كان نجسًا، والمعروف وقوع التحريم لصدوق الاسم عليه، وحكى قولًا ثانيًا جرى [في] المذكرات أنه لا تقع به حرمة، إذ لا تقع الحرمة بغير المباح، وفي هذا الكلام نظر فتأمله. وقد ذكرنا الخلاف في لبن الفحل. وفي هذا الباب فروع نذكر منها ما حضر في الخاطر: الأول: إذا وطئ المنكوحة اثنان بالشبهة فأتت بولد فلحق بأحدهما فأرضعت المنكوحة صغيرًا ثبتت الحرمة بين الرضيع، وبين من ثبت له نسب الولد. قال محمد بن المواز تحرم عليهما وتثبت بين الرضيع وبينهما احتياطًا. الفرع الثاني: إذا أصاب ماء الواطئ الولد في البطن، انتشرت الحرمة بينهما، وعل يعتق الولد بذلك على الواطئ، لأن له فيه شركة أم لا؟ على قولين عندنا. الفرع الثالث: إذا طلقها فدر لبنها بعد الطلاق فأرضعت، فهل تنشر الحرمة بهذا اللبن أم لا؟ المشهور أن رضيعها ابن المطلق ولو بعد عشرين سنة حتى ينقطع لبنه، ويحدث لها لبن آخر، وقيل يقطع لبنه حكمًا بوطء زوج ثان، وقيل لا ينقطع إلا بحملها من زوج ثان. وفي مختصر الوقار: لا ينقطع مطلقًا بانقطاعه.

стр. 740

تم كتاب الرضاع بحمد الله وحسن عونه. كمل السفر الأول من كتاب روضة المستبين لابن بزيزة في شرح كتاب التلقين بحمد الله وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى كتاب البيوع.

стр. 741

كتاب البيوع قال القاضي ﵀: ((كل بيع فالأصل فيه الجواز إلا ما تعلق به ضرب من ضروب المنع)): إلى آخر الفصل. شرح: البيع في اللغة نقل الملك بعوض، وهو في الشرع كذلك، ويزاد فيه: ((على وجه الشرع)) تحرزًا من البيع الفاسد، واختلف المتأخرون من شيوخنا في (البيع) الفاسد هل ينقل الملك أم لا؟ والصحيح (أنه) لا ينقله شرعًا، لأنه لو نقل الملك لترتبت (عليه آثاره) فحينئذ يخرج عن كونه فاسدًا وهو (إفساد للأغراض) الشرعية. وإطلاق القاضي (القول أن كل بيع) فالأصل فيه الجواز))، مستفاد من قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربو﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي عامة، وهو الصحيح، أو مجملة، وفيه نظر، لأن المجمل

стр. 742

(هو) ما لا يفهم معناه من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره، وذلك منتف في هذه الآية، مع أن أصل الملك يبيح عموم التصرف وصحة المعاوضة بحكم الأصل، (فقرر الشرع هذا الأصل) وأجراه على عمومه إلا ما قام فيه مانع. وحصر القاضي ﵀ أسباب الفساد في خمسة أنواع، وفسر ما يرجع إلى صفة العقد بالربا ووجوهه، والغرر وأبوابه، وفسر ما يرجع إلى الحال ببيع الإنسان على بيع أخيه، وبيع النجش، وبيع (تلقي) الركبان وبيع الحاضر للبادي، والبيع وقت النداء، وجميع هذه الأقسام داخلة تحت ما يرجع إلى الصفة وهو (في) جميعها متحقق، مفهوم إلا فيما يرجع الفساد إلى وقته، فلو جعل فساد الوقت عبارة عن القسم الخامس وأفرده به لكان وجهًا، لأن الحال لازم للوقت وجزء منه إلا أن يرى الحال (وقت وزمان)، والزمان والوقت بمعنى واحد، أو هو حال، وماض، ومستقبل، فيصدق على الحال أنه وقت. قوله: ((فأما ما يرجع إلى المبيع (فلكونه) مما لا يصح بيعه وذلك كبيع الحر)): إلى آخر التمثيل قلت: وهذا كما ذكره، ولو تعرض لبيان شروط المعقود عليه (فيصح العقد عند وجوده وينتفي عند انتفائه لكان وجهًا، وقد اشترطوا في المعقود عليه أن يكون متملكًا) طاهرًا منتفعًا (به) معلومًا

стр. 743

مقدورًا على تسليمه. واختلق الفقهاء هل من شرطه أن يكون ملكًا للعاقد أم لا؟ وسنذكره عند بيع الفضولي. فقولنا: ((متملكًا)): احترازًا مما لا يجوز (تملكه) كالحر، وقد انعقد الإجماع على تحريم بيعه، فإن وقع فهو فاسد مفسوخ، ويؤدب فاعله إلا أن يعذر بالتأويل، وكذلك الخمر والخنزير، والأصل في ذلك ما خرجه أهل الصحيح من حديث جابر (بن عبد الله) أن النبي ﷺ قال: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي به السفن وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، قال: لا هو حرام) (ثم) قال رسول الله ﷺ : (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فأجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها). فهذا نص في تحريم بيعها، والانتفاع بثمنها، وقد انعقد الإجماع على أنها نجسة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ منهم محمد بن عمر بن لبابة من المالكية، وانعقد الإجماع (أيضًا) على تحريم بيع

стр. 744

الخنزير لحمه وشحمه وسائر الأجزاء التي (تقبل) الحياة إما (على وجه) التعبد، وإما لأنه نجس العين كما يقوله الشافعي، وابن الماجشون، وسحنون من أصحابنا. وقولنا: ((وسائر الأجزاء التي تقبل لحياة)): (تحرزًا من الشعر، فإن ابن القاسم أجاز الانتقاع بشعر الخنزير لأنه لا تحله الحياة) ومنعه أصبغ لعموم التحريم، ولم يخالف في تحريم شحم الخنزير إلا من لا يعد قوله (خلافًا). وحكى الشيخ أبو محمد بن أبي زيد وغيره من علمائنا الإجماع على أن الشحم كاللحم في التحريم. واختلف المذهب إذا أتلف المسلم للذمي خنزيرًا، أو خمرًا، أو صليبًا، والمشهور أنه يغرم قيمة ذلك عندنا لأنه يتملك، ولذلك قيد القاضي فقال: ((في حق المسلم)) والشاذ أن كله لا قيمة (له)، ولا يغرم عنه شيئًا وهو الأصح من طريق النظر، لأنه حكم بين مسلم وكافر فيحكم فيه بحكم الإسلام لا يوجب لهذه المحرمات قيمة، ولا ثمن. تكميل: قسم شيوخنا النجاسات (على) قسمين: متفق عليه كأرواث

стр. 745

بني آدم، ومختلف فيه كأرواث الدواب، وقد اختلف المذهب في جواز بيع ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك المنع من بيع العذرة، وقال ابن الماجشون لا بأس ببيعها، لأنها من منافع الناس. وإذا اختلفوا في العذرة فالخلاف في أرواث الدواب أولى، والخلاف في ذلك منصوص، وفيه قولان: الجواز والمنع قال أشهب المشتري في (الزبل) أعذر من البائع، وقال ابن عبد الحكم هما سواء، ولم يعذر الله أحدًا فيما حرم عليه. تنبيه: إذا اجتمع القول في (بيع الأزبال) كان فيه ثلاثة أقوال (أحدها): (الجواز مطلقًا زبل ابن آدم، وزبل الدواب)، و (الثاني) المنع مطلقًا (وهما) مبنيان على اعتبار الضرورة أو نفيها، والثالث جواز ذلك في أزبال الدواب للاختلاف في نجاستها دون أرواث بني آدم للإجماع على نجاستها وصح عن ابن عمر أنه كره أكل البقول التي تتغذى بالزبل، والخلاف في ذلك جار على حكم النجاسة، (هل ينقلب عينها) وفيه قولان في المذهب.

стр. 746

مسألة: اختلفوا في بيع الزيت النجس، فمنعه الشافعي مطلقًا وهي رواية ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وقال ابن وهب يجوز بيعه إذا بين البائع ذلك للمشتري، وبه قال (أبو حنيفة) وقيل يجوز بيعه من غير المسلم، وقيل يجوز بيعه إذا طهر بالغسل وقد اختلفت الرواية هل تطهر بالغسل أم لا؟ فروى ابن نافع عن مالك أن يطهر (بالغسل)، وفي الواضحة والمستخرجة عن ابن القاسم (نحوه)، وقد قيل إنه لا يطهر. قال ابن القاسم فيمن فرغ جرار سمن في زقاق ثم وجد منها فارة يابسة، ولا يدري (في) أي الزقاق فرغها، أنه يحرم أكل جميع الزقاق، ويحرم بيعها، فاستقرأ منه (بعض شيوخنا) أنه لا يطهر بالغسل، ويعارضه ما وقع في المستخرجة من رواية موسى عن ابن القاسم في اللحم يطبخ (بالماء النجس)، قال يغسل اللحم ويؤكل، وروى أشهب عن مالك أنه لا يؤكل. وكذلك اختلفوا في جواز الاستصباح بالزيت النجس، (فروى) عن علي، وابن عباس، وابن عمر أنهم أجازوا بيع الزيت النجس (وأن) يستصبح به، وهي رواية أصبغ عن

стр. 747

مالك في غير المساجد، وأجازوا أيضًا أن يعمل (منه الصابون)، (وبه قال) الشافعي، وأجاز غيره الاستصباح به في المساجد وغيرها بشرط التحفظ، والجاري على الأصل منع الانتفاع به مطلقًا، وهي رواية عبد الملك وغيره عن مالك، قال عبد الملك، ولو طرح في الكرياس للانتفاع به لكرهته لنهيه ﷺ عن بيع (النجس) وذلك أصل في منع (الانتفاع بالنجاسات) مطلقًا، وكذلك اختلفوا أيضًا في لبن الآدمية إذا حلب، فأجاز مالك والشافعي حلبه، قياسًا على إباحة شربه والانتفاع به، وعلى لبن سائر الأنعام، وقال أبو حنيفة: الأصل أنه محرم تابع للحم، وإنما أبيح لضرورة الأطفال إليه، فإذا انتفت هذه الضرورة كان محرمًا كاللحم، وقالوا (في ذلك): حيوان لا يؤكل لحمه، فلم يجز بيع لبنه، أصل ذلك الخنزير، وقد ذكرنا الخلاف في جلود الميتة هل يطهرها الدباغ طهارة عامة أو خاصة، وعلى ذلك (ينبني) جواز بيعها والصلاة عليها، واستعمالها في المائعات، وقد استوفينا ذلك، والمعول عليه عند ابن القاسم أن طهارتها مخصوصة، فمقتضاها

стр. 748

امتناع بيعها، وكذلك اختفلوا أيضًا في (عظام) الميتة فأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل سلقت (أم لا)، وأجاز أشهب إذا سلقت، ومنع ابن القاسم بيعها، (والتجارة فيها)، والامتشاط بها، والادهان بمداهنها لنجاسة أصلها (بدليل تحريم) الانتفاع ببيع الخمر وشحوم الميتة. وقولنا: ((منتفعًا به)) (احترازًا ممن لا منفعة فيه) فلا يصح بيعه لأنه من أكل المال بالباطل، وكذلك ماله منفعة محرمة كالمزمار، والعود فلا خلاف في امتناع بيعه، لأن المنفعة محرمة شرعًا كالموجودة حسًا فإن كسر جاز بيعه مكسورًا (إن كان) كسرًا بينًا، ولو اختلفت منافع المبيع لاعتبر منها الأرجح الذي يتعلق الغرض به غالبًا، فإن كان فيه منفعتان معتبرتان مقصودتان إحداهما محللة والأخرى محرمة، حرم بيعه تغليبًا للمنفعة المحرمة، وكذلك لو كانت هي المقصودة فهي بالمنع حينئذ أحرى، واختلفوا إذا كانت المنفعة (محرمة) إلا أنه لا يعلم هل هي مقصودة أو مطروحة فمنهم من كرهه نظرًا إلى المنفعة المحرمة) ومنهم من أجاز بيعه تمسكًا بالأصل) والوقف (أولى احتياطًا)، ومن هذا المعنى اختلافهم في (جواز) بيع المريض والحامل المخوف عليهما. واتفق المذهب على أنهما إذا كانا في حد السياق فبيعهما غير جائز، وحكى

стр. 749

فضل في اختصار الواضحة أن الحامل إذا جاوزت ستة أشهر لا تباع حتى تضع، فإن بيعت حينئذ فبيعها فاسد، وحكى غيره أن الحامل إذا أشرفن على الولادة فبيعها باطل. وتحصيل القول فيها على مذهب مالك أنهما إذا بلغا حد السياق، ولم يجز بيعهما، وإن بلغا حد الخوف عليهما ولم يبلغا حد السياق فهل يجوز بيعهما أم لا؟ (فيه) قولان في المذهب حكاهما الشيخ أبو الطاهر. وذكر القاضي ﵀ خشاش الأرض والكلاب وما لا منفعة فيه، وليس ذلك على عمومه، أما خشاش الأرض فمنه ما ينتفع به في الأدوية المحللة وغيرهما، وهذا لا (يختلف) في جواز بيعه، وأما الكلاب فعلى قسمين مأذون في الانتفاع به، وغير مأذون، فغير المأذون في الانتفاع به لا يباع ولا يستأجر. اختلف (المذهب) فيما يجوز اتخاذه هل يجوز بيعه أم لا؟ فيه) قولان في المذهب، وكذلك اختلفوا في جواز بيعه (لمن أراد أكله على القول بإباحة أكله، فمن جاز أكله أجاز بيعه، ومن منعه منعه. وأصل)

стр. 750

مذهب الشافعي المنع من بيعه مطلقًا لأنه نجس العين محرم الأكل (الثبوت نهيه) ﷺ عن بيعه، وأجاز أبو حنيفة بيعه مطلقًا كان مأذونًا، أو غير مأذون فيه، بناء على أنه طاهر العين مباح الأكل تقديمًا للقياس على خبر الواحد، (واعتضادًا بظاهر الحصر) في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي محرمًا على طاعم يطعمه﴾ الآية [الأنعم: ١٤٥]. وكذلك اختلفوا أيضًا في جواز بيع السنور، والجمهور على جواز بيعه، ومنعت من ذلك طائفة من أهل العلم (اعتمادًا) على النهي الثابت عن ثمنه خرجه مسلم وهو إفراده. وقد ذكرنا الخلاف (في لبن الآدمية) هل هو طاهر العين وهو مذهب الجمهور، أو نجس العين، إلا أن الشرع عفا عنه للضرورة إليه، وهو قول أبي حنيفة، وأجاز ابن القاسم تذكية السباع لأخذ جلودها، وبيعها بعد دباغها بناء (على) أن دباغها طهور، وقال ابن حبيب بيع جلود السباع والصلاة عليها حرام. وقولنا: ((معلومًا)): احترازًا من بيع المجهول ويجب أن يتعلق العلم بعين المبيع، وقدره، وصفته. وقولنا: ((مقدور على تسليمه)): احترازًا من بيع السمك في الماء، والطائر في الهواء، أو العبد الآبق والبعير الشارد، والجنين

стр. 751

في بطن أمه، وقد تدخل هذه الأقسام (تحت) الشرط الذي قبله، ويختص هذا القسم بما لا يمكن تسليمه لحق الآدمي كالرهن يباع، فبيعه موقوف على إجازة المرتهن، وكذلك العبد الجاني يبيعه سيده بعد علمه بالجناية فالخيار فيه للمجني عليه في إجازة البيع أو رده، فإن دفع الأرش للمجني عليه لزم البيع، وإن أبى سيده من الأرش توقف إجازة البيع على المجني عليه، وللسيد (إسلامه) في الجناية بعد أن يعقد البيع فيه، ويحلف أنه لم يرد حمل الجناية (عليه)، فإن تمسك المبتاع بالبيع، وقال أنا أدفع أرش الجناية كان له ذلك، وانظر بماذا يرجع على البائع، والمنصوص أنه يرجع عليه بالأقل من الأرش، أو الثمن، ولو باعه سيده ثم أراد المشتري أن يرده بعيب الجناية كان له ذلك، إن كانت الجناية عمدًا إلا أن يبينها عليه، وإن كانت جناية خطأ فظاهر الرواية الرد وهو قول ابن القاسم، وقال غيره: لا يرد بعيب (جناية الخطأ) وهو كعيب ذهب، ومما يدخل تحت إمكان) التسليم العمود يبيعه صاحبه، وعليه بناء (له) فأجاز مالك بيعه، واشترط فيه الشيوخ شرطين أحدهما أن يكون البناء الذي على العمود تافه (القيمة)، فإن كان (له ثمن كثير)، وقيمة غالية، وأدى النقص إلى (إفساد المال) فسد البيع في العمود. (والثاني أن يؤمن على العمود التغيير بالنقص حذرًا من الغرر والمجهلة).

стр. 752

وقوله: ((وأما ما يرجع إلى المتعاقدين فمثل أن يكونا أو (أحدهما) مما لا يصح عقده)): وهذا كما ذكره، ولم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز، واختلفوا في بيع السكران، فروى ابن نافع عن مالك أنه منعقد، والجمهور على أنه غير منعقد إذا كان سكره متحققًا، بحيث لا يعقل، والجمهور على أنه غير منعقد إذا كان سكره متحققًا، بحيث لا يعقل، واختلفوا هل يحلف (على) أنه لم يعقل (البيع) أم لا؟ نص الشيخ أبو إسحاق (على) أنه يحلف على ذلك وهو عندي إنما (يتجه) فيمن (يشكل) أمره، وأما الطافح الذي ذهب تمييزه بالكلية فلا معنى لتحليفه، وقد ذكرنا الخلاف

стр. 753

هل يشترط (ملك) العاقد لما عقد عليه أم لا؟ وعبر عنه الفقهاء ببيع الفضولي، واختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب، فمنعه الشافعي في البيع والشراء ورأى أنه فاسد لا يجوز بإجازة المالك، وأجازه أبو حنيفة في البيع دون الشراء، وفي مذهب مالك (قولان فيه) المشهور (فيه) جوازه إذا أجازه المالك وحكى الشيخ (أبو إسحاق) أنه لا يجوز وإن أجازه المالك كقول الشافعي، (والعمدة) لنا حديث (عمرو بن الجعد) وذلك (أن النبي ﷺ دفع له دينارًا وقال له: استر لنا شاة، فاشترى له شاة بدينار، ثم باعها بدينارين، فاشترى بدينار شاة أخرى ثم جاء إلى النبي ﷺ بدينار وشاة، فقال له النبي ﷺ بارك الله لك في صفقة يمينك، فكان لو اشترى التراب لربح فيه)

стр. 754

(كتبه المؤلف بخط يده في الحاشية. وهو حديث ثابت) ففيه الحجة على الشافعي وأبي حنيفة، واتفقوا على (أن) إسلام المشتري ليس بمشترط إلا في اشتراء العبد المسلم، والمصحف وكتب السنة، فلا يجوز اشتراء الكافر لها، فإن اشتراها فقال أكثر أصحاب مالك ينقض بيعه شراؤه، وقع في كتاب ابن شعبان وابن حبيبي، (وروى) ابن القاسم عن مالك أنه لا ينقض البيع ويباع عليه العبد والمصحف، وقد قيل يباع عليه (العبد) المسلم، ويفسخ شراؤه المصحف وفي معناه كتب السنة، فإذا أخرج ذلك عن مالكه إخراجًا صحيحًا ناجزًا (جاز)، واختلفوا في مسائل: المسألة الأولى: إذا أسلم عبد لذمية فوهبته لولدها الصغير من زوجها المسلم ردت الهبة، وأجبرت على بيعه، لأن لها الاعتصار هذا هو المشهور، والشاذ أن الهبة لا ترد. وبنى الإمام أبو عبد الله المازري هذا الخلاف على (الخلاف في) المذهب فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟. والمسألة الثانية: إذا اشترى المسلم عبدًا نصرانيًا من نصراني فأسلم في

стр. 755

يد المشتري ثم اطلع على عيب يوجب الرد، فهل يتعين الرجوع بقيمة العيب أو يكون له الرد بالعيب (فيه) قولان في المذهب وإذا فرعنا على إزالة الرد بالعيب جبر النصراني على إخراجه عن ملكه ببيع أو نحوه من الفوتات، وانظر هل يكفي في ذلك ارتهانه من مسلم، المنصوص أنه لا يكفي، ويباع عليه بعد رهنه لأن في تتميم الرهن استدامة (الملك) لكافر على المسلم، وإذا حكمنا عليه ببيعه، فاختلف المذهب على قولين، فقيل يعجل الحق للمرتهن إلا أن يأتي برهن ثقة قاله ابن القاسم، وقال سحنون يعجل (المرتهن) سواء أتى برهن (أم لا)؟ ولا يقبل (منه) رهن آخر، والأول أعدل. المسألة الثالثة: إذا مات النصرانية قبل إخراج العبد عن ملكه أمر وارثه بما كان يؤمر به الموروث من غير تأخير إلا بحسب الإمكان لمنع استدامة ملك الكافر (للمسلم) (بلا زمان قلت) أو كثرت. والمسألة الرابعة: إذا أوجبنا على الكافر إخراج العبد المسلم أو المصحف عن ملكه فباعه على الخيار، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز، ويجبر على أن يبت البيع فيه، لأن انتقال الملك في أيام الخيار غير محقق (بينهما) إن كان الخيار للبائع، وربما يتخرج (فيه) الخلاف على اختلافهم في بيع الخيار، هل هو على العقد حتى ينحل أو على الحل حتى ينعقد.

стр. 756

والمسألة الخامسة: إذا باع النصراني عبده النصراني من نصراني على الخيار، فأسلم العبد (في أيام الخيار) استعجل الأمر من صاحب الخيار، وبيع (الخيار) على أحدهما لا محالة، فإن كان المشتري مسلمًا والبيع على الخيار فهل يمهل حتى (تمضي) أيام الخيار (أو يستعجل ما عقده، فيه خلاف، ظاهر الكتاب أنه يمهل حتى تمضي أيام) الخيار منعقدًا، إذ لو كان منحلاً، وأمهلنا الأمر إلى انقضاء أيام الخيار لاستدام ملك النصراني على العبد المسلم، والصحيح أنه يستعجل ما عنده من إمضاء أو رد ولا ينتظر (إلى انقضاء) أيام الخيار لما في ذلك من التعرض لاستدامة الملك المحرم، واختلفوا إذا كان البائع مسلمًا، والعبد والمشتري نصرانيين، والخيار للبائع، فأسلم العبد (في أثناء ذلك) هل يكون للبائع إمضاء البيع أم لا؟ وفيه قولان جاريان على الخلاف في المرتقبات متى تعد حاصلة هل من يوم توقعها أو من يوم وجودها، ومن ذكر بيع الخيار إذا أمضى هل يعد كأنه لم يزل ماضيًا من حين العقد، أو بعد، كأنه ابتدأ إمضاءه (الآن)، فمن اعتبر حال العقد أجاز للبائع إمضاء البيع، (ومن اعتبر المآل منع من ذلك). المسألة السادسة: إذا كان المشتري والعبد كافرين، والبائع مسلم جاز البيع بشرطين

стр. 757

الأول: اتفاق دينهما في الكفر. والثاني: أن يسكن المشتري بالعبد بلاد المسلمين، وفيهما تفصيل، أما إن كانا مختلفين في الدين كالنصراني يشتري العبد اليهودي، أو بالعكس فهل يمنع من ذلك أم لا؟ فيه خلاف، والمشهور أنه لا يمنع من ذلك، ومنع منه سحنون وابن وهب لما بينهما من العداوة والبغضاء، فيكون ذلك إضرارًا بالعبد، وقد نهت الشريعة عن الإضرار مطلقًا، وكذلك اختفوا (إذا كان العبد من) المجوس، أو الصقالبة، أو السودان فأراد الكتابي شراءه، ففي المذهب (فيه أربعة أقوال: الأول: الجواز مطلقًا في الصغير والكبير (لأن الكفر كله ملة واحدة). والثاني: المنع مطلقًا في الصغير والكبير خوفًا من الإضرار المطلوب زواله شرعًا وهو قول (ابن عبد الحكم). والثالث: الكراهية قال في الكتاب ما علمته حرامًا وغيره (أحسن) منه. والرابع: جوازه إن كان العبد كبيرًا، لأنه مالك لنفسه مميز لمصالحه فيقدر على رفع الضرر عنه بخلاف الصغير، وقع في العتبية عن مالك (قال) فإن اشترى الصغير فسخ البيع. المسألة السابعة: إذا كان العبد صغيرًا لا دين له فهل يجوز بيعه من الكافر أم لا؟ (فيه) قولان في المذهب أجازه محمد، لأنا لسنا على يقين

стр. 758

من إسلامه (ومنعه في الكتاب لما نرجوا من إسلامه)، ولو قيل إنه معتبر بدين أبيه لكان (جاريًا) (على أصل) المذهب. قوله: «أو غير عالم بالمبيع»: يدخل تحته وجوه منها بيع الغائب المجهول الصفة وبيع الجنين والثمار قبل طيبها. وقوله: «أو محجور عليه»: يعني السفيه والمحجور عليهم قسمان (منهم) من حجر عليه لحق نفسه كالصغير غير البالغ والبالغ المبذر لماله ومنهم من حجز عليه لحق غيره كالمريض والعبد والمرأة. قوله: «والحجر يؤثر في منع البيع تارة وفي وقفه أخرى»: هذا اللفظ قد اختلف فيه شيوخنا في المذكرات في معناه، وجرت العادة بين المذاكرين بالنظر في مفهومه ويمكن فيه وجوه، أحدها أن يتنزل على صورتين بالنسبة إلى نوع واحد من نوع المحجور عليه، فالحجر يؤثر في منع البيع تارة، المعنى أنه يمنع الإقدام على إنشاء عقد البيع والشراء، ويؤثر في الوقف أخرى إذا وقع البيع من المحجور فباع، أو ابتاع فينظر حينئذ من له نظر في فعله هل هو صلاح فيمضيه أو سفه فيرده، وهذا النظر لا يتحقق إلا في عقد موقوف لا في (مبتوت) الرد، وقد نص علماءُ المالكية على أن العبد والسفيه والمرتد في أيام الاستتابة لا يجوز لهم الإقدام على البيع، ولا يجوز للمشتري الإقدام على الشراء منهم، فإن وقع البيع الممنوع إنشاؤه (يعرض) للنظر وهذا كقولنا لا يجوز الإقدام على الصلاة في الدار المغصوبة، فإن وقعت الصلاة (فيها) فما حكمها، نظر آخر هذا الذي ظهر لي، وعليه كتب اعتمدتهم وقت (الإقراء)

стр. 759

لهذا الكتاب، وأشار بعض المذاكرين إلى أن الحجر المؤثر في الوقف هو الحجر على المريض في حالة الخوف عليه، وعلى ذات الزوج فإذا (باعها) وحابيا فيما زاد على الثلث فبيعها موقوف، ولا يحرم عليهما الإقدام على البيع. وفي الواضحة قال ابن القاسم قال مالك: بيع المريض وشراؤه جائز، وإن كان فيه محاباة (ففي) الثلث، قلت فإن زادت المحاباة على الثلث فالبيع موقوف، وانظر هل يجوز أن يقع من المريض عقد الصرف أم لا؟ لأنه منظور فيه هل فيه محاباة أم لا؟، ونص أصبغ على جواز الصرف منه، قال: لأنه لم يرد به التأخير، وأشار بعضهم إلى أن الحجر الذي يؤثر في منع البيع تارة إذا كان بيعه ظاهر الفساد، وواقع على غير السداد، فالبيع في هذا مفسود من غير احتياج إلى نظر، وفي الوقف أخرى إذا احتمل البيع الصلاح والسداد، أو كان غالبه السداد فينظر فيه حينئذ وهذا معلوم كما ذكرناه أنه ينظر في موقوف لا في مردود، أشار بعضهم إلى أنه يتنوع بحسب نوع المحجور فيؤثر الحجر (في المنع) في حق من جر عليه لحق نفسه ويؤثر الوقف فيمن حجر عليه لحق غيره. وبين القاضي الفساد الراجع إلى الصفة بأمثلة ذكرها مفصلة، (وسنتبع) ترتيبه. قال القاضي ﵀: «المبيعات ثلاثة أنواع»: إلى آخر الفصل. شرح: هذه الأنواع الثلاثة راجعة إلى قسمين، إذ لا واسطة بين الحاضر والغائب، والسلم داخل في (بيع) الغائب إلا أنهم (أفرادوه) لاختلاف

стр. 760

(أحكامه) وتباين (فروعه). ومقصود هذا الفصل الكلام على بيع الغائب، وقد أجمعت الأمة على جواز بيع الحاضر المرئي، واختلفوا في بيع الغائب، فمن العلماء من منعه على الإطلاق وصف أو لم يوصف، وعليه مناظرة الشافعية، ومنهم من أجازه ومنهم من منعه من غير صفة على خيار الرؤية، وعليه مناظرة الحنفية، فإذا رآه المشتري، فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، وكذلك المبيع على صفة المشتري في خيار الرؤية عندهم وإن وافق الصفة، واضطرب مذهب مالك في ذلك. وتحصيل المشهور منه أن أعيان الغائبة عن موضع العقد على ثلاثة أقسام: بعيدة جدًا غير مأمونة كإفريقية من خراسان. وقريب جدًا يمكن الإطلاع عليها، ومتوسطة. فالقسم الأول لا يجوز بيعه على الصفة، واختلفوا في المتوسطة الذي يمكن الاطلاع عليه من غير مشقة، ففي المذهب فيه قولان: والمشهور المنع فيما عدا البرنامج (والشاذ الجواز مطلقًا في البرنامج) وغيره وهو الذي يسميه الفقهاء بيع الحاضر على الصفة، وقد روي عن مالك الجواز في بيع الغائب في غير صفة على شرط خيار الرؤية، وأنكره القاضيان: أبو الحسن، وأبو محمد وغيرهما عن المذهب، وزعموا أنه لا يوجد في مذهب مالك، وإنما هو قول أبي حنيفة والمعتمد لنا في جواز بيع الغائب على الصفة من وجوه:

стр. 761

الأول: ما رواه ابن المسيب قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ تبايعا حتى نعلم أيهما أعظم جدًا في التجارة فاشترى عبد الرحمن من عثمان فرسًا بأرض له أخرى بأربعين ألفًا، أو بأربعة آلاف. الثاني: ما روى من قوله ﷺ (لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) أخبر أن الوصف يقوم مقام الرؤية، والبيع على الرؤية جائز (فكذلك الوصف) واعتمدوا من طريق المعنى على أن الصفات (مبينة) للموصوف ضابطة له، فانتفى به الغرر فكان جائزًا تمسكًا (بمقتضى) عموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع حرم الربا﴾ ورأى الشافعي أن الغرر لا ينتفي إلا بالرؤية، وأن الصفة لا تقوم مقامها، وقد أشار بعض الشافعية إلى الاحتجاج بقولهم: «ليس الخبر كالعيان» وبقضية موسى بن عمران صلوات الله على نبينا وعليه، وذلك أنه لما سمع الكلام طلب العيان، فدل على أن العيان هو المقصود)، وهذا عندي خارج عن المقصود، وإذا

стр. 762

بنينا على المشهور أن بيع الحاضر على الصفة لا يجوز، فلا بد من معرفة الحضور المانع من البيع على الصفة. فأجازوا في الكتاب بيع ما كان على يوم، وبيع البرنامج. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا يباع سلعة حاضرة ولا غائبة على مسيرة يوم على الصفة، ولا على البرنامج، واختلفوا في السلعة الحاضرة في البيت هل يجوز بيعها في السوق على الصفة، والمشهور المنع لانتفاء المشقة بالرؤية، وكذلك وقع في كتاب محمد، والشاذ جواز بيع ذلك، إذ قد يكون في رؤيتها مشقة، وهذا (الخلاف) في حال. وإذا بنينا على جواز بيع الغائب على الصفة، فالمقصود منه ينحصر في (ثلاثة) فصول: الأول: في ذكر أنواع المبيعات والصفات الحاضرة لها. والثاني: في صفاتها. والثالث: في حكم النقد فيه). الفصل الأول: في ذكر أنواع المبيعات والصفات الحاضرة لها، والمبيع على ضربين: عقار، وحيوان، (فالحيوان) يجوز بيعه على الصفة إن كان قريب الغيبة، فإن كان بعيد الغيبة فهل يجوز معه بيعه على الصفة أم لا؟ قولان في المذهب مبنيان على الخلاف في الالتفات إلى الطوارئ والمترقبات، (وأما العقار) فالأصح جوازه في المأمون الذي تغير كالأرضين فلا يختلق أن طول الغيبة لا تؤثر فيها، بخلاف الدور، والحوانيت، والمبنيات كلها، وأما غير العقار فيجوز بيعه على الصفة إذا كانت غيبته قريبة مما لا يختلف فيه المبيع غالبًا، وذلك يختلف بحسب أحوال المبيعات، واختلفوا في حد القرب فقيل البريد، وقيل البريدين، وقيل نصف اليوم (وقيل اليوم) وقيل اليومان، وهذه

стр. 763

الأقوال كلها واقعة في المذهب. وأما الصفات الحاضرة فهي المقصودة في المبيع التي تختلف الأغراض والأثمان باختلافها، فبذكرها يقل الغرر، أو يعدم. فرع: اشترط في (العتبية، وفي) كتاب محمد أن يكون الواصف غير البائع لتطرق التهمة إليه واشترط المتأخرون أن يكون المشتري عارفًا بما وصف له. فرع: لو اختلف في الصفة التي وقع العقد عليها لكان القول قول المشتري لأنه المدعى عليه الغرم، فإن اتفقنا على الصفة، واختلفا في كون المبيع كذلك، (رجع فيه القول) إلى أهل المعرفة. قوله: «ولا يجوز بيعها بغير صفة إلا أن تكون على رؤية متقدمة»: إلى آخره، وهذا كما ذكره، والرؤية المتقدمة في المأمون من التغير كالرؤية الحاضرة. فرع: اختلف أهل المذهب إذا تبايعا على رؤية متقدمة قريبة ثم تنازعا في بقاء المبيع عليها، أو تغييره هل يكون القول فيه قول البائع، أو قول المشتري (فيه) قولان لابن القاسم وأشهب، (فأصل ابن القاسم القول قول المشتري، لأنه الغارم، وقال أشهب) القول قول البائع لأن المشتري مقر مدع، وهذا حيث تنتفي القرائن المصدقة، وكذلك لو تنازعا في سلامتها حين العقد فهل القول قول البائع أو قول المشتري (فيه) قولان في المذهب.

стр. 764

قوله: «ولا خيار (للمبتاع) إن جاءت على الصفة»: وهذا كما ذكره (وخالف) فيه أبو حنيفة كما حكيناه عنه، (وعمدتنا) أن موافقة الصفة كالعيان، فإذا لزما لبيع بالعيان لزم بالصفة المطابقة. قوله: «وضمناها من البائع إلا أن يشترطه (عل المبتاع) في ظاهر المذهب»: وهذا هو (القول) الثاني. وقد اختلف المذهب في ضمان المبيع (على) الغائب على أربعة أقوال، قيل ضمانه من البائع مطلقًا إلا أن يشترط ذلك (على) المبتاع، وقيل (على) المشتري إذا أدركته الصفقة سالمًا إلا أن يشترطه على البائع، وقيل (على) البائع إلا في الديار والعقار، وفرق ابن حبيب بين (ما يجوز فيه النقد وما لا يجوز ذلك فيه)، فجعل الضمان فيما يجوز فيه النقد من العقار وغيره من قريب الغيبة من المشتري، وفي غير العقار مما لا يجوز النقد فيه من البائع فجعل الضمان تابعًا لجواز النقد، وهذا القول أعم من الذي قبله، لأنه في هذا القول ألحق ما يجوز النقد فيه من غير العقار بالعقار. وسبب الخلاف هل القبض شرط من شروط صحة العقد (أو حكم) من أحكامه، وليس (في هذه) المسألة دليل

стр. 765

لفظي سوى قوله ﷺ : (الخراج بالضمان) وجه الاستدلال (به) أن الخراج قبل القبض للمشتري، فكان الضمان منه. الفصل الثالث: في حكم النقد في بيع الغائب، وقد قدمنا أن (البيع) على قسمين: مأمون، وغير مأمون، أما المأمون فهل يجوز النقد فيه بشرط أم لا؟ (قولان) المشهور جوازه بشرط وبغير شرط، ومنعه أشهب بشرط ومبنى الخلاف على (الخلاف في) اعتبار الطوارئ وأما الرقيق والحيوان (وغيره) من غير المأمون فلا يجوز النقد فيه بشرط، وهل يجوز بغير شرط أم لا؟ (فيه) قولان في المذهب، وظاهر كلام القاضي جوازه بغير شرط مطلقًا في المأمون، وغير المأمون، وإنما امتنع النقد في هذا الباب، لأن المبيع إن سلم كان المنقود ثمنًا، وإن تلف كان سلفًا فيكون المنقود تارة بيعًا، وتارة سلفًا، وهو منهي عنه.

стр. 766

قوله: «ويجوز بيع البرنامج»: قد ذكرنا اختلاف العلماء في جواز بيع البرنامج، والمشهور من مذهب مالك جوازه اعتمادًا على ما شاهده في المدينة من العمل الجاري عليه، وأنه لم يزل حينئذ من بيوع الناس، وسيجيء حكم السلم بعد هذا. فصل: «والبائع جائز منجز أو بشرط الخيار»: إلى قوله: «إذا دخل على بيع الناس المعتاد». شرح: اختلف العلماء في بيع الخيار فأجازه الجمهور، ومنعه الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر، وعمدة الجمهور حديث حبان بن منقذ، وفيه: (ولك الخيار ثلاثًا) ولهم فيه مطعن من وجهين: الأول: من (جهة) إسناده، والثاني: إنه مخصوص به لما شك إلى النبي ﷺ (أنه يخدع في البيوع، واحتج الجمهور أيضًا بما رواه ابن عمر

стр. 767

عن النبي ﷺ أنه قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) ولهم في الاحتجاج به مطعن قال أصبغ فالخيار لهم في الصحيح معنان فتأوله الثوري على المقصود أن يقول أحدهما لصاحبه بعد العيد، اختر وقد جاء ذلك مفسرًا في الحديث، ومعمول به من السلف، وذكر القاضي أن الخيار على قسمين: (حكمي، وشرطي) فالحكمي أقسام (ثلاثة): الأول: الخيار في المبيع يوجد معيبًا. والثاني: الخيار في المبيع على الصفة يوجد مخالفًا. والثالث: (الخيار) في المبيع تقع في المغابنة (الكثير) الفاحشة غير المعتادة. وحكى القاضي أبو محمد في القيام بالغبن روايتين عن المذهب: إحداهما: أنا لبيع لازم، ولا خيار للمغبون، لأنه مفرد، والثاني: أن للمغبون الخيار إذا دخل على البيع كالعيب، وحكى في غير التلقين روايتين: إحداهما: نفي القيام مطلقًا. والثانية: أن لا خيار له إذا كان من أهل الرشاد والبصر بتلك السلعة، فإن كانا، أو أحدهما بخلاف (ذلك) فللمغبون الخيار.

стр. 768

وتحصيل القول فيه على مذهب مالك أن المغبون إما أن يكون عالمًا بالقيمة، أو جاهلاً بها مستسلمًا لبائع، أو جاهلاً محانكًا في الثمن، فالأول لا مقال له لأنه في المعنى واهب للزيادة، وأما المستسلم الذي لا يعرف القيمة فلا خلاق أن له القيام بالغبن إذا غره البائع وخدعه لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] ولنهيه ﷺ عن الخلابة، وعن إضاعة المال. وأما الجاهل بالقيمة المحانك في تقدير الثمن غير المستسلم للبائع فهل يتوجه له القيام بالغبن أم لا؟ (فيه) قولان في المذهب، هذا ما أشار إليه أبو عبد الله وغيره من (المحققين) المتأخرين، وظاهر كلام القاضي في التلقين (أن مورد) الخلاف في القيام بالغبن عام لا يختص مستسلم، ولا عالم، ورآى (أئمتنا) أن الخلاف في القيام بالغبن إنما يجري فيما عدا المزايدة والإشهار، وأما ما دخل السوق ووقعت فيه الشهرة والمزايدة فلا قيام فيه بالغبن، أما من لم ير القيام بالغبن فعول على أن المغبون مفرط، لأنه قادر على أن يوكل من يبيع له أو يبتاع، فهو بمنزله من وهب جزءًا من ماله، ومن جعل له الخيار عول على قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وعلى قوله ﷺ للرجل الذي شكا إليه أنه يخدع في البيوع، فقال له النبي ﷺ : (إذا بعت فقل لا خلابة) وعلى نهيه ﷺ عن إضاعة المال، ونهيه عن الضرر

стр. 769

والضرار، ولأنه غبن في الأثمان، فتعلق الخيار به، كتلقي الركبان. فرع: اختلف القائلون بإثبات القيام بالغبن في حده، فمنهم من (قيده) بالثلث حكاه القاضي أبو محمد، ومنهم من أحاله على العادة، فما علم أهل العادة أنه غبن رجع به. وقال القاضي في المعونة مثل أن يبيع ما يساوي ألفًا بمائة، أو يشتري ما يساوي مائة بألف. قال القاضي ﵀: «فأما خيار الشرط فلا يثبت بمقتضى العقد»: إلى آخر الفصل. شرح: وهذا كما ذكره، والخيار يكون في ثلاثة أمور إما في التروي في الثمن وإما في (العزم على الأخذ) أو الترك، وإما في اختيار المبيع، وكل ذلك لا يثبت إلا بشرط وقال ابن حبيب: بإثبات خيار المجلس بمقتضى العقد، وإن لم يكن شرط وهو قول الشافعي اعتمادًا على قوله ﷺ : (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا) والجمهور على أن المراد (الافتراق

стр. 770

بالإيجاب) والقبول باللفظ. واحتج عليه القاضي أبو محمد بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾ ولأنه عقد معاوضة، فلم يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح، ولأنه لو كان ثابتًا بمقتضى العقد لبقي بعد الافتراق (كخيار) العيب، ولما أجاز أيضًا أن يشتري الأب لابنه الصغير من نفسه، لأن مفارقة الإنسان لنفسه لا تصح، وللحرز من مذهب ابن حبيب والشافعي، نبه القاضي بقوله: «ومجرد القول المطلق كاف في لزومه». قوله: «ويجوز شرط الخيار لمن شرطه من المتعاقدين»: قلت لقوله ﷺ ، واشترك الخيار ثلاثًا ولم يفرق بين المتابعين وغيرهما ممن يجعلان ذلك إليه، لأن المقصود من الخيار، التأمل والاختبار، والاسترشاد والاستبصار، وكل واحد من المتابعين محتاج إليه. قوله: «ولا حد في مدته»: قلت الخيار على قسمين مطلق ومقيد، أما المطلق فقد اختلف الناس فيه، فقال الثوري والحسن بن جني وجماعة من أهل العلم بجواز اشتراط الخيار المطلق، ويكون لمشترطه أبدًا، وقال مالك بجوازه، ويضرب السلطان فيه أجل المثل، وقال الشافعي: الخيار المطلق باطل، فإن وقع مطلقًا في حين العقد فهو فاسد. وقال أبو حنيفة: الخيار المطلق باطل إلا أنه إن (وقع) الخيار في الثلاثة الأيام من الخيار المطلق جاز البيع، وإن مضت الثلاثة الأيام فسد البيع، وأما الخيار المقيد بالأجل، فقد

стр. 771

اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي وأبو حنيفة (أجل الخيار إلى ثلاثة أيام لا يجوز أكثر من ذلك، وقال أحمد وأبو يوسف) ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطه، وبه قال داود، وقال مالك ﵀ هو بحسب المبيعات تابع لما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه الضرورة، والأجل في ذلك على ثلاثة أقسام: جائز هو ما تدعو إليه الضرورة، ومكروه: وهو الزيادة اليسيرة على ذلك، وممنوع: وهو الزيادة الكثيرة، واتفق (مذهب مالك) ﵀ على أن المدة في ذلك تختلف باختلاف المبيعات كما ذكرناه، ففي الثوب يوم ويومان وثلاثة أيام، ولا يجوز (استدامة) لبسه فيها، وفي العبد والجارية (خمسة أيام) والجمعة، ويجوز اشتراط استخدامه فيها، والفرق بينهما ظاهر، وفي الدار الشهر ونحوه، وقال ابن المواز: الأجل في العبد الأربعة الأيام والخمسة، ولا أفسخه في العشرة، وأفسحه في الشهر، (وأجاز) ابن القاسم (في العبد عشرة أيام)، وقد روى (عن مالك) انه أجاز فيه الشهر فما دونه رواه عن ابن وهب، وأباه ابن القاسم وأشهب. وأما الدابة ففي المدونة أنها تركب اليوم ونحوه، وأجاز أن يشترط أن يسير عليها البريد والبريدين، وأجاز مالك

стр. 772

في الواضحة (الشهر ونحوه) في الدار، لأنه يحتاج إلى النظر في حيطانها وأساسها ومرافقها واختبار جيرانها، وفرق بعض المتأخرين بين أن يكون مشتري الدار من الجيران أو غيرهم، فإن كان من الجيران لم يمكن من سكناها لعلمه بجيرانها، وإن كان من غير (الجيران) جاز له اشتراط سكناها الشهر والشهرين. فرع: إذا زاد في مدة الخيار على (الأمد المعتاد) فسخ البيع، فإن أسقط الزيادة ففيه قولان: المنصوص أن العقد باطل لا يصح بإسقاط الزيادة، وخرج أبو عبد الله المازري الصحة (من) مسألة السلم فيمن أسلم في تمر سلمًا فاسدًا، فلما فسخ عليه، وقضى له برأس المال فهل له أن يأخذ به تمرًا مثل المسلم، فيه قولان: المشهور المنع لأن فيه تتميمًا للعقد الفاسد فهو كالزيادة التي (يريد) إسقاطها، لأن إسقاط الزيادة تمسكًا بالسلعة، وهو مقتضى الشرط فكأن الإسقاط لم يفد شيئًا، وقيل إن له الإسقاط ويصح البيع. فرع: لو تبايعا على (البت) وتناقدًا فقد أجاز في الكتاب أن يجعل أحدهما (الخيار لصاحبه) قال (الشيوخ) إنما يجوز إذا (لم) يسترجع الثمن ليلاً يأخذ سلعة بالخيار عن الثمن الذي صار دينًا فيكون دينًا بدين، وأصل ابن القاسم منعه. فرع: إذا اشترط المشتري سكنى الدار فسكنها هل عليه كراء أم لا؟

стр. 773

الصحيح أنه بائع لما (دخل) عليه، فإن سكنها من غير اشتراط ولا بيان فلا كراء، لأن سكن اختيارًا، وفصل فيه عض المتأخرين (وقال) إن كان الساكن في مسكن يسكنه بملك أو كراء، ولم يخله أو يكره من غيره، فلا كراء، لأن هذا اختبار محض لا انتفاع، وإن كان في داره فأكراها، أو في دار غيره فسقط عنه الكراء في مدة انتقاله، وأكراها في تلك المدة فعليه الكراء. تنبيه: حكى الشيخ أبو محمد بعد الحق في الدابة اليومين والثلاثة كالثوب قال: وإنما شرط في المدونة اليوم في الركوب، وأما الفاكهة كالبطيخ والقثاء، فقال في الكتاب إن كان الناس (يستشيرون) في مثل هذا ففيه الخيار بقدر الحاجة، ولا يغيب المبتاع على شيء مما لا يعرف بعينه من الفواكه وغيرها، لأنه يصبر تارة بيعًا، وتارة سلفًا إن أراد رده. قوله: «وإذا اختلفا في الرد والإمضاء فالقول قول مختار الرد»: وهذا كما ذكره لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه في لفسخ، وبقى (حق) الآخر فلا يسقط بإسقاط غيره. قوله: «ويقوم الوارث (فيه) مقام الموروث»: يعني أن (خيار)

стр. 774

المبيع يورث وبه قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة إذا مات من له الخيار، ثم البيع، ولا خيار للورثة، لأن مشيئة الإنسان واختياره (صفة) قد هلكت بهلاكه، قلت: أنواع الخيار مختلفة، فأما خيار الرد بالعيب وخيار استحقاق (الغنيمة قبل القسم)، خيار القصاص، (فقد) اتفق الفقهاء الثلاثة مالك وأبو حنيفة، والشافعي وأصحابهم على ثبوته للورثة، واتفقوا أيضًا على أن الخيار في اعتصار الهبة، وفي الطلاق واللعان (أنه) غير موروث، ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت فيموت الرجل المجعول له الخيار فلا يتنزل (الورثة) منزلته إجماعًا. واختلفوا في خيار المبيع وخيار الشفعة والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] فهم، وقوله ﷺ : (من ترك مالاً أو حقًا فلورثته) ولأنه حق مالي فجاز أن يورث

стр. 775

كسائر الحقوق ورأى أبو حنيفة أن الورثة إنما تتعلق بالأموال دونا لحقوق والأحكام، وقاس خيار البيع، وخيار الشفعة على خيار الاعتصار وغيره مما سلمه الخصم، وقاس المالكية والشافعية خيار البيع وخيار الشفعة على خيار الرد بالعيب. وإذا فرعنا على أنه موروث فاختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء، وبعضهم الفسخ لم يكن لهم التبعيض كما لم يكن لوليهم، فإما رضوا (بالإمضاء، أو بالفسخ أجمع). قوله: «ويحكم بالإمضاء في كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج في اختبار المبيع عليه»: قلت: الأفعال الواقعة (على) أعيان الممتلكات منها ما يشترط المالك في صحة وقوعها شرعية، وذلك أنواع: منها العقود الواقعة فيها بعوض كالبيع، والإجارة، والكتاب، أو بغير عوض كالهبة والصدقة والتدبير والإعتاق المعجل، ومنها الاستمتاع والتلذذ وغير ذلك من أنواع المباشرة، ومنها ما لا يقع شرعًا بحال، سواء وقعت في مملوك للفاعل، أو في غير مملوك كالجنايات ونحوها، ولما كان الرضى معنى (قلبيًا استدللنا) عليه بالآثار الظاهرة، وحكم هذه الأفعال التي ذكرنا مختل، والضابط الكلي فيما (يقطع) به الخيار (أن يقال): إنه ينقطع بأحد ثلاثة أشياء قول، أو فعل، أو ترك أما القول فظاهر وهو النص على إسقاطه، وأما الترك فإمساكه عن القول، أو الفعل (الدالين) على تعيين أحد الوجهين إلى أن تنقضي مدة (أيام) الخيار، فإذا انقضت ولم يظهر (منه) قول، أو فعل كان ذلك دليلاً على تعيين أحد الوجهين، فإن كان الخيار للبائع والسلعة في يده فذلك دليل على اختياره الفسخ، وإن كانت في يد المشتري كان تركه للرد
следующие страницы →