← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي وأبو حنيفة (أجل الخيار إلى ثلاثة أيام لا يجوز أكثر من ذلك، وقال أحمد وأبو يوسف) ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطه، وبه قال داود، وقال مالك ﵀ هو بحسب المبيعات تابع لما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه الضرورة، والأجل في ذلك على ثلاثة أقسام: جائز هو ما تدعو إليه الضرورة، ومكروه: وهو الزيادة اليسيرة على ذلك، وممنوع: وهو الزيادة الكثيرة، واتفق (مذهب مالك) ﵀ على أن المدة في ذلك تختلف باختلاف المبيعات كما ذكرناه، ففي الثوب يوم ويومان وثلاثة أيام، ولا يجوز (استدامة) لبسه فيها، وفي العبد والجارية (خمسة أيام) والجمعة، ويجوز اشتراط استخدامه فيها، والفرق بينهما ظاهر، وفي الدار الشهر ونحوه، وقال ابن المواز: الأجل في العبد الأربعة الأيام والخمسة، ولا أفسخه في العشرة، وأفسحه في الشهر، (وأجاز) ابن القاسم (في العبد عشرة أيام)، وقد روى (عن مالك) انه أجاز فيه الشهر فما دونه رواه عن ابن وهب، وأباه ابن القاسم وأشهب. وأما الدابة ففي المدونة أنها تركب اليوم ونحوه، وأجاز أن يشترط أن يسير عليها البريد والبريدين، وأجاز مالك

стр. 772

في الواضحة (الشهر ونحوه) في الدار، لأنه يحتاج إلى النظر في حيطانها وأساسها ومرافقها واختبار جيرانها، وفرق بعض المتأخرين بين أن يكون مشتري الدار من الجيران أو غيرهم، فإن كان من الجيران لم يمكن من سكناها لعلمه بجيرانها، وإن كان من غير (الجيران) جاز له اشتراط سكناها الشهر والشهرين. فرع: إذا زاد في مدة الخيار على (الأمد المعتاد) فسخ البيع، فإن أسقط الزيادة ففيه قولان: المنصوص أن العقد باطل لا يصح بإسقاط الزيادة، وخرج أبو عبد الله المازري الصحة (من) مسألة السلم فيمن أسلم في تمر سلمًا فاسدًا، فلما فسخ عليه، وقضى له برأس المال فهل له أن يأخذ به تمرًا مثل المسلم، فيه قولان: المشهور المنع لأن فيه تتميمًا للعقد الفاسد فهو كالزيادة التي (يريد) إسقاطها، لأن إسقاط الزيادة تمسكًا بالسلعة، وهو مقتضى الشرط فكأن الإسقاط لم يفد شيئًا، وقيل إن له الإسقاط ويصح البيع. فرع: لو تبايعا على (البت) وتناقدًا فقد أجاز في الكتاب أن يجعل أحدهما (الخيار لصاحبه) قال (الشيوخ) إنما يجوز إذا (لم) يسترجع الثمن ليلاً يأخذ سلعة بالخيار عن الثمن الذي صار دينًا فيكون دينًا بدين، وأصل ابن القاسم منعه. فرع: إذا اشترط المشتري سكنى الدار فسكنها هل عليه كراء أم لا؟

стр. 773

الصحيح أنه بائع لما (دخل) عليه، فإن سكنها من غير اشتراط ولا بيان فلا كراء، لأن سكن اختيارًا، وفصل فيه عض المتأخرين (وقال) إن كان الساكن في مسكن يسكنه بملك أو كراء، ولم يخله أو يكره من غيره، فلا كراء، لأن هذا اختبار محض لا انتفاع، وإن كان في داره فأكراها، أو في دار غيره فسقط عنه الكراء في مدة انتقاله، وأكراها في تلك المدة فعليه الكراء. تنبيه: حكى الشيخ أبو محمد بعد الحق في الدابة اليومين والثلاثة كالثوب قال: وإنما شرط في المدونة اليوم في الركوب، وأما الفاكهة كالبطيخ والقثاء، فقال في الكتاب إن كان الناس (يستشيرون) في مثل هذا ففيه الخيار بقدر الحاجة، ولا يغيب المبتاع على شيء مما لا يعرف بعينه من الفواكه وغيرها، لأنه يصبر تارة بيعًا، وتارة سلفًا إن أراد رده. قوله: «وإذا اختلفا في الرد والإمضاء فالقول قول مختار الرد»: وهذا كما ذكره لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه في لفسخ، وبقى (حق) الآخر فلا يسقط بإسقاط غيره. قوله: «ويقوم الوارث (فيه) مقام الموروث»: يعني أن (خيار)

стр. 774

المبيع يورث وبه قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة إذا مات من له الخيار، ثم البيع، ولا خيار للورثة، لأن مشيئة الإنسان واختياره (صفة) قد هلكت بهلاكه، قلت: أنواع الخيار مختلفة، فأما خيار الرد بالعيب وخيار استحقاق (الغنيمة قبل القسم)، خيار القصاص، (فقد) اتفق الفقهاء الثلاثة مالك وأبو حنيفة، والشافعي وأصحابهم على ثبوته للورثة، واتفقوا أيضًا على أن الخيار في اعتصار الهبة، وفي الطلاق واللعان (أنه) غير موروث، ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت فيموت الرجل المجعول له الخيار فلا يتنزل (الورثة) منزلته إجماعًا. واختلفوا في خيار المبيع وخيار الشفعة والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] فهم، وقوله ﷺ : (من ترك مالاً أو حقًا فلورثته) ولأنه حق مالي فجاز أن يورث

стр. 775

كسائر الحقوق ورأى أبو حنيفة أن الورثة إنما تتعلق بالأموال دونا لحقوق والأحكام، وقاس خيار البيع، وخيار الشفعة على خيار الاعتصار وغيره مما سلمه الخصم، وقاس المالكية والشافعية خيار البيع وخيار الشفعة على خيار الرد بالعيب. وإذا فرعنا على أنه موروث فاختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء، وبعضهم الفسخ لم يكن لهم التبعيض كما لم يكن لوليهم، فإما رضوا (بالإمضاء، أو بالفسخ أجمع). قوله: «ويحكم بالإمضاء في كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج في اختبار المبيع عليه»: قلت: الأفعال الواقعة (على) أعيان الممتلكات منها ما يشترط المالك في صحة وقوعها شرعية، وذلك أنواع: منها العقود الواقعة فيها بعوض كالبيع، والإجارة، والكتاب، أو بغير عوض كالهبة والصدقة والتدبير والإعتاق المعجل، ومنها الاستمتاع والتلذذ وغير ذلك من أنواع المباشرة، ومنها ما لا يقع شرعًا بحال، سواء وقعت في مملوك للفاعل، أو في غير مملوك كالجنايات ونحوها، ولما كان الرضى معنى (قلبيًا استدللنا) عليه بالآثار الظاهرة، وحكم هذه الأفعال التي ذكرنا مختل، والضابط الكلي فيما (يقطع) به الخيار (أن يقال): إنه ينقطع بأحد ثلاثة أشياء قول، أو فعل، أو ترك أما القول فظاهر وهو النص على إسقاطه، وأما الترك فإمساكه عن القول، أو الفعل (الدالين) على تعيين أحد الوجهين إلى أن تنقضي مدة (أيام) الخيار، فإذا انقضت ولم يظهر (منه) قول، أو فعل كان ذلك دليلاً على تعيين أحد الوجهين، فإن كان الخيار للبائع والسلعة في يده فذلك دليل على اختياره الفسخ، وإن كانت في يد المشتري كان تركه للرد

стр. 776

على ربها دليلاً على التمسك والرضا بها، وأما الفعل فهو على ثلاثة أقسام إما أن يدل عادة على الرضا والإمضاء، أو على الرد والإباء، أو يكون محتملاً، فمع ظهور الدلالة على أحدهما يمضي حكم ذلك، ومع الاحتمال يرجع إلى الأصل وهو ثبت الخيار بالأصل، فلا يسقط بالاحتمال. تكميل: الأفعال على ثلاثة أقسام منها ما يعد رضا بالإجماع، ومنها ما لا يعد رضا (بالإجماع)، ومنها ما فيه خلاف، فالأول كالعقود المفوتة بعوض أو بغير عوض كالبيع والصدق والهبة والعتق ونحوها، وكالفعل الذي يشترط (فيه) الملك في صحة وقوعه شرعًا كالقبلة واللمس للذة والوطء والاستيلاد والتزويج، فهذا لا خلاف فيه أن يعد رضا، (وقيل إن تزويج الأمة رضا بخلاف العبد، فإن كان ذلك من البائع والخيار له دل على الرد، وإن كان من المشتري دل على الرضا، وأما ما لا يعد رضا بالإجماع) فهو اختبار الأعمال بالاستخدام وجناية الخطأ، وذلك لا يعد رضا إجماعًا، والقسم المختلف فيه الإجارة والرهن، وإسلامه للصناعة، وسوم السلعة، وجناية العمد، وتجريد الجارية وهذه الأقسام كلها مختلف فيها، ومذهب ابن القاسم أن ذلك كله دليل على الرضا قاطع للخيار وقال أشهب لا يكون ذلك اختيارًا، ويحلف في ذلك كله بالله ما كان مني رضى. وقد ألحق بعضهم قسم التزويج في العبد والأمة بهذا القسم المختلف فيه. قال ابن القاسم ولو سلكت الدابة أو ودجها، أو سافر عليها لكان رضى، وجعل بعض الشيوخ الاختلاف بين ابن القاسم وأشهب في هذه المسألة خلاف في شهادة لا في فقه، فمن جعل هذه الأفعال قاطعة غير محتملة جعلها رضى، ومن لم تشهد العادة عنده بأنها دلائل قاطعة استحلفه وهو قول أشهب. قال ابن القاسم

стр. 777

ليس تجريد الجارية اختيارًا إلا أن يقصد التلذذ، أو ينظر إلى الفرج (بعينه). قال سحنون كل ما يعد من المشتري رضى فهو من البائع (ردًا) إذا كان له (خيار فسخ). قال الشيخ أبو (الحسن) هذا غير مطرد، لأن الغلة للبائع، فإذا سلمه للصناعة أو أجره فلا يكون ذلك فسخًا لأن له أن يقول إنما أردت الغلة، قال الشيخ أبو الطاهر: وهذا يختلف بحسب الأحوال، فتطويل مدة الإجارة وخروجها عن حد أمد الاختيار دليل على قصد الرد. فرع: إذا ابتاع عبدًا بأمة بالخيار ثم اعتقهما معًا في مدة الخيار، نفذ عتق الأمة، لأنها ملكه، فحينئذ (يرد) العبد على سيده فلا ينفذ عتقه. قوله: «وتلفه من البائع إن كان في يده» إلى آخره. قلت: اختلف الناس في (ضمان) المبيع على الخيار فقال الشافعي في أشهر قوليه ضمان من المشتري مطلقًا لأيهما كان الخيار وقال أبو حنيفة ضمانه من مشترط الخيار)، فإن اشترطاه فضمانه من البائع، لأنه ملكه بحق الأصل، وقد روى عن أبي حنيفة أنه إذا كان الخيار للمشتري فلا ضمان على البائع لخروجه عن ملكه بإثبات البيع من جهته، ولا على المشتري لاشتراطه الخيار، بل هو موقوف. واختلف قوله مالك في ذلك، فقيل ضمانه من البائع

стр. 778

مطلقًا، فالمشتري أمين فيما غاب عليه (وما لا يغب عليه)، وبه قال الليث والأوزاعي، وهذا بناء على أنه على الانحلال، وسواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما، وقد روى عن مالك أن ضمانه من المشتري إن كان في مدة ضمان العوارض، فلا يضمن ما لا يغاب عليه، ويضمن ما يغاب عليه، إذا لم تقم بينة على التلف، فإن قامت البينة على ذلك ففيه قولان (بين) ابن القاسم وأشهب، فإن كان في يد البائع فضمانه منه اتفاقًا. فرع: إذا وجب الضمان بالتلف فهل يغرم الثمن، أو الأكثر من الثمن أو القيمة قولان في المذهب مبينان على تغليب حكم البيع، أو التعدي، وقد اختلف المذهب في بيع الخيار هل هو على الحل، واشتراط الخيار فيه تتميمه، أو على العقد واشتراط الخيار فيه لفسخه بعد انعقاده. والظاهر أن الضمان من البائع من حيث كان العقد غير لازم فلم ينتقل ملك البائع عن المبيع حقيقة، كما لو باع البائع ولم يقبل المشتري، وأما من جعل ضمانه من مشترط الخيار فإنما نظر إلى أن اشتراط الخيار إن كان من البائع فالملك باق له، فالضمان (عليه)، وإن كان الاشتراط من المشتري فقد صرفه البائع عن ملكه وقد بقي معلقًا حتى ينقضي الخيار وهو أحد قولي (الحنفية)، وإنما يدخل في (ملك) المشتري إذا اشترط الخيار، لأن اشتراطه قد منع من دخوله في ملكه. وقول الحنفية أنه معلق لا يتجه لأنه لا ينفك عن ضمان، فإما البائع وإما المشتري، فإن انتفى (الضمان) عن البائع بحصول البتات من جهته تعين تضمين المشتري تشبيها له بالعقد اللازم (فيه)،

стр. 779

وفيه نظر، إذ لا يقاس موضع الخلاف على موضع الاتفاق. فروع تتعلق بالخيار، واختلفوا في النقد في (بيع) الخيار بغير شرط، والمشهور جوازه، وأما اشتراطه فممنوع في الأجل القريب والبعيد لاحتمال أن يكون تارة بيعًا تارة سلفًا. فرع: إذا بينا على أن ضمانه من البائع فالخراج له لقوله ﷺ : (الخراج بالضمان) واختلف قول ابن القاسم وأشهب فيما إذا بيعت أمة على الخيار، فولدت في مدة الخيار، وأمضى من له الخيار البيع، فقال ابن القاسم وأشهب فيما إذا بيعت أمة على الخيار، فولدت في مدة الخيار، وأمضى من له الخيار البيع، فقال ابن القاسم الولد للمشتري: بناء على أنه ليس بغلة إذ هو كالجزء منها، وقال أشهب: هو للبائع كالغلة واللبن، واتفقوا على أن الصوف للمبتاع لأنه مشتري. فرع: إذا قلنا إن الولد للبائع فهو بيع حصلت فيه تفرقة فهل يفسخ أم يجبران على الجمع بينهما (فيه) قولان في المذهب مبينان على ما أوجبته الأحكام، هي يجعل كما دخلا عليه أم لا؟ وإذا أجبرناهما على الجمع فهل المقصود الجمع بينهما في ملك واحد، أو في حوز واحد (فيه) قولان. فرع: إذا وهب للعبد مال من أيام الخيار فقال في الكتاب هو للبائع، وقال بعض الشيوخ إلا أن يكون المشتري قد استثنى ماله، (فالمال) الذي وهب له للمشتري بخلاف المال يوهب للعبد المرتهن فهو لسيده غير داخل في الرهن.

стр. 780

فرع: إذا جن من له الخيار نظر (له السلطان) في الإمضاء، أو الرد، وأما المغمى عليه فقال ابن القاسم: يوقف الأمر حتى يفيق، وقال أشهب: ينظر له السلطان كالمجنون، وهو (خلاف في شهادة) هل يدوم الإغماء أم لا. فرع: اختلف المذهب إذا اشترى سلعة على (خيار) فلان ففي المذهب فيه خمسة أقوال أحدهما أنه حق لمشترطه فقط دون صاحبه، ودون (المشترك رضاه) (وقع) في الواضحة، (وقيل): إنه حق لمن (جعل) له الرضا وللباقي من المتبايعين دون مشترط ذلك، وقيل: بالتفرق بين البائع والمشتري، فإن اشترى ذلك البائع فله (الاستقلال بالإمضاء) أو الرد، وإن اشترطه المشتري توقف فعله على رضا من اشترط رضاه، وقيل: إنه حق للبائع والمشتري دون من اشترط رضاه، وقيل: إن كان اشتراط رضى الأجنبي من المتبايعين جميعًا، ولهما في ذلك غرض صحيح فهو كوكيل لهما، فليس لأحدهما عزله عن ذلك لتعلق حق خصمه بذلك، وليس لأحدهما أن يرد أو يمضي دونه، وهذا هو اختيار بعض المتأخرين، وهو اختيار بعض شيوخنا إذا ظهر أحد القصدين، فإن لم يظهر أحدهما فظاهر الكتاب إسقاط الرد، وقال ابن حبيب ليس له ذلك. قال القاضي ﵀: «بيع الربا غير جائز، والربا ضربان تفاضل ونساء»: قلت: وهذا كما ذكره، وقد انعقد الإجماع على تحريم الربا قال الله

стр. 781

تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وثبت من حديث عبادة بن الصامت قال: (سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح سواء بسواء عينًا بعين فمن زاد أو استزاد فقد ربا، وإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)، (وهذا نص في منع لتفاضل في الصنف الواحد، ومنع النسيئة في الصنفين). (قال القاضي): «والربا تفاضل ونساء»: يعني به (الربا) الشرعي الثابت تحريمه بالنص وإلا فالربا اللغوي أعم من ذلك، لأنه عبارة عن الزيادة، وانعقد الإجماع على تحريم النساء في هذه الأصناف المعدودة في حديث عبادة. وأجمع الجمهور على تحريم النساء في هذه الأصناف المعدودة في حديث عبادة. وأجمع الجمهور على تحريم التفاضل في الصنف الواحد منها، وقد كان ينقل عن ابن عباس: (أن لا ربا إلا في النسيئة) اعتمادًا على ما روى من قوله ﷺ : (لا ربا إلا في النسيئة) وأجاز ابن

стр. 782

علية التفاضل والنسيئة في هذه الأصناف الربوية إذا اختلف الصنفان ما عدا الذهب والفضة، فإنهم اتفقوا على تحريم النساء (فيه) قوله: «والتفاضل على وجهين تفاضل في العين وتفاضل في القيمة» هو كما ذكره، وقد مثل كل واحد من القسمين، وكذلك قال أهل المذهب: التوليج على قسمين، توليج في الأعيان، وتوليج في الأثمان، وكلاهما موجب للرد. قوله: «فالتفاضل في العين يحرم» (يريد) الربوي من المطعومات والعين مسكوكًا أو غير مسكوك، وجمهور الفقهاء على أن الحكم معلق بمعاني هذه الأشياء المعدودة في حديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد لا بأسمائهما، وقال قوم: إن الحكم معلق بأسمائهما، ومقصور عليها وهما صنفان منهم نفاة القياس، ومنهم القائلون بإثبات القياس إلا أنهم عدموا في هذا المحل النوع المعتبر منه، ولم يروا قياس الشبه حجة، وهؤلاء الذين قصروا الحكم عليها

стр. 783

قائلون بنفي القياس (رأوا أن) ذلك من باب الخاص، ورأى الجمهور أن ذلك من باب (الشبهة على العلة) فيلحق المسكوت (عنه) بالمنطوق به إذا كان في معناه بناء على إثبات قاعدة القياس، وقد اختلف (القائلون بالتعليق) في علة الربا، ولهم في ذلك مسالك. ونبدأ بعلة النساء للإجماع على امتناعه، وقد اختلف الناس في ذلك، واتفق مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه على أن العلة في ذلك الطعم مطلقًا في النصف والصنفين، ولذلك حرموا النسيئة في الصنفين، وأجازوا التفاضل (فيهما)، فالطعم (بالإطلاق) علة (منع) النسيئة في المطعومات عندنا وهو الصحيح لقوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل يدًا بيد والتعليق بالمشتق كاف في التعليل، إلا أنه يلزمهم على مقتضاه الاكتفاء بذلك في امتناع التفاضل وهم غير قائلين به، وأما العلة في امتناع التفاضل فللمالكية فيها ثلاث طرق: أحدها: اعتبار الاقتيات والادخار معًا، والثانية: اعتبار الاقتيات فقط، وهو اختيار القاضي أبي إسحاق، واعتبر بعضهم الادخار فقط، وأضاف القاضيان أبو (الحسن) وأبو محمد إليهما وصفًا ثالثًا: وهو كونه متخذ للعيش غالبًا، وأضاف بعضهم كونه مصلحًا للأقوات، اعتبر بذلك الملح فيها وهو مصلح للأقوات وإنما خصوا الأقوات، لأن طلب قانون العدل فيها أعم، وحفظ المعاش فيها ألزم لحاجة جميع الناس إليها، وجعل بعضهم الادخار مكملاً للعلة، لا شرطًا ولا

стр. 784

جزاءً، وأجرى حكم الربا في النادر الادخار كما أجراه في المعتاد، وقال الشافعي: (العلة) في ذلك الطعمية، وقالت الحنفية: المعتبر الكيل والوزن، وقال ابن الماجشون: المعتبر المالية (بالربا) فالربا ممتنع عنده في جميع الأموال حياطة لها، وتحرزًا من المغابنة، وبه قال بعض المتابعين، وقال بعضهم المعتبر المالية في الأجناس التي يجب فيها الزكاة فقط، وقال ابن المسيب: (العلة) الطعم والكيل، وهو جمع بين قولي الشافعية، والحنفية، واتفقوا كلهم على أن العلة في الذهب والفضة كونهما أثمانًا للمبيعات، وقيمًا للمتلفات وأرواشًا للجنايات وهذه تسمى بالعلة القاصرة، وكل طائفة تمسكت بطريق من الاستنباط، أما المالكية قالوا له كان المقصود الطعم وحدة للزم الاكتفاء بصنف واحد، ولما وقع التعديل دل على أن المقصود التنبيه بكل واحد منها على ما في معناه فاشتركت كلها في الاقتيات، والادخار، والطعمية، والكيل، والوزن، والمالية، واختص البر والشعير بكونهما أصول الأقوات، فوقع التنبيه بهما على ما في معناهما من القطاني والسلت، ونبه بالتمر على جميع الحلاوات كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المتخذة لإصلاح الطعام، وأما الشافعية فعولوا على تعليق الحكم بالوصف المشتق، وذلك دليل العلة اعتمادًا منهم على

стр. 785

قوله ﷺ : (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلاُ بمثل يدًا بيد)، (فكان الطعام علة كالسرقة المرتبة عليها القطع في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية) وعول الحنفية على قوله ﷺ : في بعض طرق حديث (عبادة) وكذلك ما يكال، أو يوزن، وأما ابن الماجشون فرأى أن المقصود هو العدل في المبيعات، وحفظ الأموال ليلاً يغبن بعض الناس بعضًا فكان ذلك عامًا في جميع الأموال، ولما كان نفي الغبن، وتحصيل قانون المماثلة والعدل منها (حصرها) الجمهور في الأقوات فقط، لأن الحاجة إليها أهم والمنفعة (بها أعم) (وأنها متقاربة) المنافع المقصود لا يختلف كل الاختلاف، فلذلك كان المطلوب فيها التماثل. تنبيه: اختلفوا في تعيينا لقياس الذي (يقع به) إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في حديث عبادة فبعضهم جعله قياس شبه، وجعله بعضهم قياس المعنى فألحق الزبيب بالتمر، لأنه في معناه، وهو قول القاضي أبو بكر بن الطيب، عول على قياس المعنى من حيث كان قياس الشبهة عنده ليس بحجة. وإذا فرعنا على مذهب مالك ﵀ وجب تحصيل الربوي من غير الربوي، ومعتمد مذهب مالك أن المطعومات على ثلاثة أقسام: قسم ربوي

стр. 786

بلا خلاف، وقسم ليس بربوي بلا خلاف، وقسم مختلف فيه، فالأول ما اجتمع في الأوصاف الثلاثة (وهو) كونه مقاتًا مدخرًا متخذًا للعيش غالبًا. والقسم الثاني: غير الربوي هو ما لم يحصل فيه واحد منهما كالخص والهندبا والبقول. والقسم المختل فيه هو ما وجد فيه بعض الصفات دون بعض، والخلاف في ذلك خلاف (في) شهادة، وتنحصر أصول ذلك في مسائل: المسألة الأولى: (اختلفوا في البيض، والمشهور أنه ربوي، وقال الشيخ ليس بربوي). المسألة الثانية: اختلفوا في التوابل هل هي ربوية أم لا؟ وفي المذهب فيها قولان، وإذا قلنا إنها ربوية فهل هي من جنس واحد، أو أجناس مختلفة (قولان في المذهب) والمختار أنها أجناس مختلفة لاختلاف منافعها وتباين الأغراض (فيها)، ولأنها لا تتمازج في منبت ولا في محصد، قاله القاضي أبو الوليد. المسألة الثالثة: اختلفوا في الفواكه كالتفاح والكمثرى والمشمش

стр. 787

(ونحوه هل هو ربوي أم لا؟ قولان) في المذهب. المسألة الرابعة: البلح وهو الرطب قبل طيبه هل هو (علف، أم طعام ربوي، قولان) عندنا والمشهور أنه ربوي. المسألة الخامسة: ما لا يمر من الرطب، ولا يتزبب من العنب قولان (والمشهور) أنه ربوي. المسألة السادسة: اختلفوا في اللبن المخيض، والمشهور أنه ربوي لأنه (قوت غالب) الأعراب وقيل إنه ليس بربوي، واتفقوا على أن الحليب ربوي، لأنه فيه (سمن)، والسمن، والإدام ربوي. المسألة السابعة: (اختلفوا في الحلبة) هل يجري فيها الربا أم لا؟ ثلاثة أقوال فيها قيل إنها ربوية وقيل (إنها) ليست بربوية، وقيل: اليابسة ربوية بخلاف الخضراء.

стр. 788

المسألة الثامنة: اختلفوا في الماء العذب، وجمهور أهل العلم أنه ليس بربوي، وقد استقرئ من قول ابن نافع: أنه ربوي لأنه مشروب متطعم، وبه قوام الأجسام، وربما كانت الحاجة إليه في بعض الأوقات أشد من الحاجة إلى الطعام، فإن أجرينا فيه الربا، فانظر: (هل يجوز) بيع (دار بدار) فيهما عينان تجريان. فيه نظر مبناه على الإتباع هل هي مقصودة أم لا؟ قولان ذكرهما الإمام. أبو عبد الله، وإنما خصوا (العذب) لأن المالح ليس بمشروب، وقد وقع في بعض الروايات أن الماء ربوي، وظاهره العموم، وقال بعض المتأخرين الرجوع في مثل هذه المسائل إلى العوائد، وهو المفتي أن يحيل عليها، وأن الخروج عن العادة في ذلك وهم. قال القاضي ﵀: «وكل (مسمى) مما يحرم التفاضل فيه فإنه صنف منفرد بنفسه لا يضم إليه سوى أنواعه إلا الحنطة والشعير والسلت فإنها صنف واحد، (واختلف قوله) في القطنية» قلت اتفق المتقدمون من أهل المذهب على أن القمح والشعير والسلت صنف واحد قال الإمام أبو عبد الله لا يختلف المذهب في ذلك، ورأى الشيخ أبو القاسم السيوري

стр. 789

ومن نصر قوله من المتأخرين أن الشعير والقمح (صنفان) وهو أصل مذهب الشافعي، والمعتمد لنا من وجوه: الأول: قوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) واسم الطعام يشملها قاله القاضي أبو محمد. الثاني: ما رواه مالك في موطئه أن سعد بن أبي وقاص علف حماره فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك، فاتبع بها شعيرًا (ولا تأخذ إلا مثلها، وعن عبد الرحمن بن الأسود ومعيقيب الدوسي مثله، وروى مسلم: (أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه واشتر به شعيرًا فذهب الغلام وأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمر أخبره بذلك فقال لم فعلت ذلك انطلق فرده، ولا تأخذ إلا مثلاً بمثل). ففي هذا دليل قاطع على أنهما جنس واحد. واعتمدوا من طريق المعن على أنها متقاربان في المنبت والمحصد

стр. 790

(والمقصود) والاقتيات والرفاهة الحاصلة فالحنطة غير مقصودة قصدًا شرعيًا، وربما (ألحقت) بالمكروهات، ولم يكن غاب قوت بالحجاز إلا الشعير فلتفت مالك إلى عوائدهم الغالبة، واعتمد الشافعي على (تقديرها) في حديث عبادة بن الصامت، وذلك دليل على اختلاف أجناسهما لاختلاف أسمائها وصفاتها، واختلفوا هل (يلحق) بالقمح والشعير والسلت العلس وهو الأشقالية أم لا؟ قولان في المذهب أنه ير ملحق بها، وألحقه ابن حبيب، وكذلك الأرز والذرة والدخن ألحقها ابن وهب بالسلت والشعير الحنطة، والمشهور من المذهب خلافه، وقد بينا أن ذلك اختلاف في شهادة. وإذا فرعنا على أن هذا غير ملحق، فهل يكون أجناسًا مختلفة أو جنسًا واحدًا (قولان في المذهب المشهور أنه أجناس مختلفة، وقيل إنها جنس واحد حكاه القاضي أبو الوليد رواية، وحكى القاضي الخلاف في القطاني هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة) وفي مذهب فيه ثلاثة أقوال فقيل: إنه جنس واحد وقيل: أجناس مختلفة، وقيل: إنه جنس واحد في الزكاة احتياطًا، ومختلفة في البيوع. واخلفوا في أجناس (القطنية) هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة، وذلك مع تسليم كونه أصولها واحدة. قال القاضي ﵀: «واللحوم ثلاثة أصناف»: قلت: اختلف الناس في اللحوم على ثلاثة مذاهب، فقال أبو حنيفة: هي أجناس مختلفة والتفاضل فيها

стр. 791

جائز إلا في الجنس الواحد منها فقط، وقال الشافعي هي جنس واحد، وجعلها مالك ثلاثة أجناس، فلحم ذوات الأربع جنس واحد، ولحم الطير كله جنس، وقد روى عنه أن الجراد صنف رابع، قال الإمام أبو عبد الله: والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلاً جائز، وذكر ابن حارث عن سحنون أن التفاضل فيه ممتنع، لأنه مما يدخر وييبس، واعتمد مالك على أن (هذه الأشياء أجناس مختلفة فلحم كل جنس تابع) لجنسه، وعول الشافعي على اتفاق الاسم، والمنفعة المقصودة غالبًا مع (عموم) قوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل يدًا بيد). قوله: «وما غيرته الصنعة من المأكول صار (كجنس آخر)» يريد أن اختلاف المنافع والصنائع المقصودة تصير جنس الواحد جنسين، والضابط أن الصنعة إن كثرت جدًا، وأخرجت المصنوع (عن أصله) فهي معتبرة، وإن قلت فهي غير معتبرة، والجمهور أن طحن الحبوب وعجنها (بعد الطحن) لا يخرجها عن (أصلها) لقلة الصنعة في ذلك، فإن اختبز الحنطة أو أقليت فهل يكون ذلك صنعة أم لا؟ (قولان) المشهور أن الخبر والقلي صنعة،

стр. 792

واختلف المتأخرون هل يجز بيع الخل بالزبيب، والثمر بالعنب والمشهور جواز ذلك بناء على أن الصنعة فيه ناقلة، ومنعه أبو زيد في الثمانية، ورأى أنه من باب المزابنة، وإذا ليس فيه إلا تفريق الأجزاء [فهو] يشبه الطحن. وجعل القاضي الخبز والطبخ (والتخليل) (صنعة)، ويريد الطبخ بالإبزار، وأما السبق (بالماء) وحده، فهل هو صنعة أم لا؟ فيه قولان، المشهور أنه ليس بصنعة، والتجفيف بالشمس، أو بالنار لا يعد صنعة ناقلة. فرع: إذا قلنا إن طبخ اللحم صنعة فهل المعتبر الطبخ فقط، أو اللحم والمرق فيه قولان في المذهب مبنيان على اختلاف في شهادة، وبناه الإمام أبو عبد الله على الإتباع هل هي مقصودة أو ملغاة. فرع: اختلف المذهب في بيع الدقيق بالحنطة مثلاً بمثل. وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا. والثاني المنع مطلقًا، لأن القمح يختلف ريعه، والثالث جاوزه وزن التحقيق المماثلة لا كيلاً فروى عن مالك جواز القمح بالدقيق في اليسير بين الجيران لضرورة، وكذلك اختلف قوله في العجين بالعجيب والخبز بالخبز متماثلاً فيه قولان عن مالك، المشهور جوازه متماثلاً لحصول المساواة، والشاذ منعه لاختلاف العجين في التعجين بالماء، وهو من باب اعتبار الربا المتوهم، وفيه خلاف، وعبارة شيوخنا في ذلك الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.

стр. 793

فرع: في الجاف بالجاف، والمشهور جوازه، وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد لاختلاف اليبس، وكذلك المبلول بالمبلول لاختلافه. فرع: اختلفوا في مد القمح ومد دقيق بمد قمح ومد دقيق، أو في مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير، والمشهور المنع، وأجازه محمد إذا تبين الفضل، وذكر القاضي في صرة التفاضل المعنوي أن يبيع صاعًا معقليًا وصاعًا دقل بصاعي برني فالتفاضل بينهما حاصر في المعنى لاختلاف المعنى وهو ممتنع محققًا سواء كان ربا أو متوهمًا، لأن قاعدة المذهب أن توهم الربا كتحققه. قال القاضي «فأما النساء فهو على ضربين»: شرح: قد ذكرنا أن النساء محرم في المطعومات، وفي النقدين مع (التماثل) والتفاضل وأما في غير المطعومات وغير النقدين فتحريم النسيئة في ذلك مع التفاضل (في الجنس الواحد) مثل أن يبيعه ثوبًا بثوبين إلى شهر، فذلك سلف بزيادة، وإن باعه كثيرًا بقليل فهو ضمان بجعل، (وأصل مذهب ملك ﵀ سد الذرائع) وحمل الناس على التهمة، واعتبار ما مذهب ملك ﵀ سد الذرائع) وحمل الناس على التهمة، واعتبار ما

стр. 794

يدخل اليد، وما يخرج منها، ولذلك ينظر إلى (أفعال) المتعاقدين، وما يخرج من أقوالهما لا إلى نفس الأقوال، وخالف الشافعي في هذه القاعدة، (ودلائل) المذهب معلومة مبناها على اتهام الناس، والاحتياط للدين. قال القاضي ﵀: «فضل والمزابنة»: قلت اشتقاق المزابنة من الزبن وهو الدفع، لأن كل واحد من المتبايعين يريد مدافعة صاحبه ومغابنته، وهي جارية في الربويات وغيرها من الجنس الواحد، ويجمعها بيع معلوم بمجهول، (أو مجهول بمعلوم، أو مجهول بمجهول) من جنسه، فإن كان المبيع من جنس الربويات كان فيه الربا والمزابنة، وإن كان من غير الربويات كانت فيه المزابنة فقط لاحتمال أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، وذلك كاف في التحريم، فإن تحققت الزيادة، (وتبين التفاضل) في غير الربويات جاز، وخرج بتحقيق الزيادة عن باب المزابنة، وأجاز بيع الرطب بالرطب مع (اختلاف) الرطوبة، وقد ذكرنا الخلاف فيه، وأصل المذهب أن التساوي فيما يطلب فيه شرعًا، التساوي مطلوب في الحال والمآل، لذلك قلنا إن ما تقع فيه المعاوضة إما أن يكونا رطبين أو يابسين أو أحدهما رطبًا والآخر يابسًا، فإن كان رطبين فلا يخلو أن تكون الرطوبة هي غاية طيبها أم بعدها غاية أخرى فإن كانت (تلك) الرطوبة في الغاية فلا خلاف (في المذهب) في

стр. 795

جواز ذلك مثلاً بمثل لأن التساوي المطلوب حاصل كالزيتون بالزيتون، (والملح بالملح)، وإن كانت بعدها غاية أخرى، ففي المذهب فيه قولان أجازه مالك، ومنعه عبدا لملك، وذلك كالرطب بالرطب والعجين بالعجين، وإن كانا يابسين جاز متساويًا (وإن كان ربويًا) أو مطلقًا إن كان غير ربوي يدًا بيد وإن كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا فهو الذي نص عليه الرسول ﷺ ، واعتبر فيه المآل فقال ﷺ : (وقد سئل عن (بيع) الرطب بالتمر (قال) أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذن) وهذه أول مسألة سئل عنها أبو حنيفة حين دخل بغداد، وأخطأ النص وعدل إلى القياس، وقال: إن كانا جنسين جاز متفاضلاً أو متساويًا، وإن كان جنسًا واحدًا جاز التساوي في الحال، وغفل عن اعتبار المآل، وخالفه في ذلك صاحباه، وهذا الحكم عندنا جاز في كل رطب بيابس من جنسه، وأجاز القاضي اللبن باللبن إذا كانا حليبًا أو مخيضًا، وأما الحليب بالمخيض أو المخيض فلا يجوز، لأن ذلك داخل في باب المزابنة. فرع: إذا وجب اعتبار المماثلة وفقد المكيال والميزان رجع إلى التحري، وجرى مجرى الكيل والوزن. واختلفوا في فروع.

стр. 796

الأول: إذا أجزنا التحري (في اللحم) فهل يتحرى اللحم نقيًا من العظم ويقدر قدره بعد (زوال) العظم منه أو لا يلتفت إلى العظم، ولا يعتبر قولان في المذهب والمشهور نفي الالتفات إليه، لأنه موجود في أصل الخلقة، وبه قوام اللحم فأشبه النوى، والقول الثاني: أنه يزال فيتحرى اللحم دونه حكاه الشيخ أبو إسحاق، وكذلك اختلفوا في قشر البيض هل يعطي حكم العدم فلا يدخل في التحري ويراعي ويقدر إسقاطه قولان أيضًا، وهذا بناء على أن البيض ربوي، وعلى جواز بيع بعضه ببعض تحريًا، وقد ذكرنا الخلاف فيهما. فرع: اختلفوا في الجلد هل يعتبر نزعه إذا تحرينا لحم الشاة المذبوحة بمثلها أم لا؟ قولان: أحدهما: أن الجلد ساقط غير معتبر كالقشر، وقيل: إنه معتبر، وفي المذهب (قول آخر) أنه لا يجوز التحري في الشاتين المذبوحتين حتى يستثنى ( ... ) كل واحد منهما جلده بنفسه، لأنه سلعة ولحم بسلعة ولحم فصار كذهب وسلعة بذهب وسلعة، والمذهب منعه. فرع: إذا أجزنا (الخبز) بالخبز تحريًا فهل يتحرى الدقيق أو رطوبة الخبز ويبوسته في المذهب قولان، ورواية المتقدمين تحري الدقيق، ورأى القاضي أبو الوليد أنه إنما يتحرى الخبز في نفسه كالدقيق. قال القاضي ﵀: «فصل الأعيان المبيعة ضربان طعام وغير طعام»: شرح: تكلم في هذا الفصل على بيع الطعام قبل قبضه، وقد ثبت عن

стр. 797

النبي ﷺ النهي عن ذلك وأرخص في الإقالة والشركة التولية. وثبت عنه- ﷺ أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن وقد اختلف العلماء في تفسير نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن، فروى محمد بن المواز عن مالك، وأكثر أهل المدينة أنه مخصوص بالطعام المشترى كيلاً لا جزءًا لأن

стр. 798

الجزاف يدخل) في ضمان المشتري بنفس التسليم والقبول. وقال جمهور أهل المذهب إنه عام في الطعام وغيره. (وصورة ربح ما لم يضمن) أن يبيع الرجل ملك غيره بغير إذنه، ثم يشتريه البائع من مالكه الأول بدون ما باعه به، وذلك ممنوع، لأنه من ربح ما لم يضمن. واتفق مالك، وأكثر أصحابه على القبض مشترك في الطعام فقط، فلا يباع (الطعام) قبل قبضه، ويباع ما عداه قبل القبض، وقال عبد العزيز بين أبي سلمة، وعبد الملك بن حبيب القبض شرط في جواز كل مكيل أو موزون، لأن فيه حق التوفية كالطعام وسوى القاضي (بين) ما ينقل وما لا ينقل في جواز بيع ذلك قبل قبضه تنبيهًا على مذهب أبي حنيفة لأنه اشترط القبض في كل مبيع سوى العقار فقط، وقول القاضي: «ما لم يعرض فيه (مانع)» فيه إشكال. (وقراءته) غير مرتبة فذكرت فيه أنه إشارة إلى أصل المذهب في حماية الذرائع، وذلك فيما إذا اشترى سلعة فلا يجوز له أن يبيعها من بائعها قبل قبضها بأكثر من ثمنها خيفة من أن تصير السلعة محللة (وكأنها لغو، يدفع) في المعنى) عشرة في خمسة عشر وهو محرم، لأنه ربح في السلف، فمنع بيع ما عدا الطعام في هذه الصورة قبل

стр. 799

قبضه لعارض وهو قصد الربا (أو توهمه)، وكذلك إذا بيع (ذلك) قبل قبضه بأي وجه من وجوه الربا كالدين بالدين، أو البيع والسلف فيمنع في غير الطعام لعارض، وكذلك إن عرض في الطعام نحو ذلك، فيحرم لعلتين، إذ الحكم الشرعي قد يكون معللاً بعلل كثيرة، وإنما قصر مالك الحكم على الطعام فقط لأنه المنصوص عليه في الحديث. فدل على أن ما عداه بخلافه، وإذا قلنا إن المنع مقصور على جنس الطعام فهل هو عام في جنسه، أو مخصوص بالربوي دون ما عداه في المذهب قولان أحدهما انه عام في الربوي وغير الربوي، وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك أنه مخصوص بالربوي فقط، والأول أصح تمسكًا بمقتضى (عموم) لفظ الطعام إلا أن يثبت التخصيص بدليل، وإذا قلنا إنه مخصص بالأطعمة (كلها) فهل ما كان من الأدوية والعقاقير (داخل) في ذلك أم لا؟ وقد اختلفت الرواية في الكزبور (والكروياء) والفلفل وما في معناهما من التوابل هل يلتحق بالطعام أو بالأدوية قولان في المذهب، ففي المدونة إلحاق ذلك بالأطعمة، وفي مختصر ابن شعبان إلحاقه (بالعقاقير) والأدوية، وكذلك اختلفوا في الحبة الحلوة والحلية، فابن القاسم ألحقها بالأطعمة، وألحقها أصبغ، ومحمد بالأدوية، قال سحنون

стр. 800

وأجمعوا كلهم على أن الزعفران ليس بطعام، والخردل طعام وهذا فيه نظر. فرع: إذا قلنا أن القبض شرط في بيع الطعام فقط فهو جار فيما فيه (حق التوفية) وأما الجزاف فاختلفوا في جواز بيعه قبل قبضه، فأجازه مالك والأوزاعي لأنه داخل في ضمان المشتري بنفس العقد بخلاف ما فيه (حق) توفية، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي لعموم نهيه ﷺ عن بيعه قبل قبضه، (ومبنى) الخلاف على تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة. قوله: «إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة» قلت الطعام إما أن يثبت من معاوضة أو من غير معاوضة، أو متردد بينهما، والمعاوضة تنقسم على ثلاثة أقسام: الأول: معاوضة يقصد فيها المغابنة والمكايسة كالبيع والإجارة والمهور والصلح، والمال المضمون بالتعدي والخلع ونحو ذلك، فلا خلاف في المذهب أن هذا النوع لا يباع قبل قبضه. والثاني: المعاوضة متخصصة للمكارمة والرفق كالقرض والبدل فلا خلاف في المذهب في جواز بيع هذا الطعام قبل قبضه، واختلفوا فيما

стр. 801

(يصح) فيه كلا الوجهين كالشركة، والإقالة، والتولية، فأصل المذهب جواز الإقالة» من الطعام قبل قبضه (لما ثبت) من (مراسيل) ابن المسيب أنه ﷺ : (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والإقالة والتولية) وذلك لأنها جارية مجرى المعروف، وخارجة عن باب المكايسة إلى باب (المعروف) والمكارمة. وقد اختلف المذهب في الإقالة هل هي حل للبيع أو ابتداء البيع، والأول أصح، (وأما الإقالة في الطعام مما) ثبت من غير معاوضة كالهبة والصدقة والميراث، ولا خلاف في المذهب في جواز بيعه قبل قبضه لخروجه عن مورد النص، وأما ما ثبت للأجناد في بيت المال من الطعام فهل يجوز لهم بيعه قبل قبضه (لأنه) كالهبة أو يمنع ذلك تغليبًا لحكم المعاوضة لأنهم إنما يستحقونه عوضًا عن خروجهم للغزو وذبهم عن المسلمين قولان فيه في المذهب. فرع: إذا ملك طعامًا بهبة، أو صدقة جاز بيعه قبل قبضه كما ذكرناه، فإن ابتاع طعامًا (قبل قبضه) جاز له أن يهبه قبل قبضه، ولا يجوز لمن صار

стр. 802

إليه أن يبيعه (قبل قبضه) لأنه قائم مقام الواهب. فرع: إذا قلنا بجواز الإقالة من الطعام، وكان رأس المال عينًا مما يقضي فيه بالمثل فهل تجوز الإقالة فيه على مثل رأس المال لا على عينه، منعه ابن القاسم لاحتمال خروجه عن باب المعروف إلى باب المعاوضة برد المثل، ورأى أن حقيقة الإقالة رد الأعيان نفسها أجازه أشهب لأن المثل كالعين، ومبنى المسألة على الدنانير والدراهم هل تتعين أم لا؟. فرع: إذا اشترى طعامًا فأشرك فيه قبل قبضه أو ولاه ففي المذهب في ذلك قولان الظاهر الجواز كالإقالة، لأن مورد النص عدل بدليلهما والشاذ اختصاص الجواز بالإقالة فقط دون الشركة والتولية، وهو ضعيف بالنظر إلى مقتضى الدليل اللفظي. فرع: إذا أشرك في البعض، أو أقال في البعض لم يجز، لأن التبعيض يخرجه عن حقيقة باب المعروف ولو قبض بعضه وبقي بعضه جاز تولية ما قبض (والشركة) فيه دون من لم يقبض، لأن قصد المعروف في ذلك ظاهر، فإن أشرك فيما قبضه، وفيما لم يقبض لم يجز لخروجه عن باب المعروف إلى باب المكايسة، وفي ذلك خلاف في المذهب. قال القاضي ﵀: «وكل مبيع هلك قبل قبضة فهو من المشتري إن كان متعينًا متميزًا»: إلى آخر الفصل. شرح: أصل المذهب أن العقد على الحاضر ينقل الضمان فيه إذا لم يكن في المبيع حق توفيه. وحكم العهدة غير ناقض لهذه القضية الكلية لأنه خارج عن القياس فهل يشترط فيه التمكين (وأن يمضي زمان يمكن التسليم

стр. 803

فيه، أو يكتفى بلفظ التعاقد والإيجاب قولان في المذاهب ونصوص المتقدمين أن العقد في ذلك كاف في نقل الضمان، وأما الجزاف يباع على الكيل فلا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض، واختلف (المذهب) في (المكيال والميزان) يهرق بنفس امتلائه هل يكون من البائع، أو من المشتري قولان. قوله: "وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافا": قلت الضابط: (فيما يجوز) بيعه جزافًا، إن كل ما (يكون) المقصود منه جملة لا آحاد أعيانه جاز بيعه جزافًا، وكل ما يكون المقصود آحاد أعيانه، فلا يجوز بيعه جزافًا، وتفصيل ذلك أن المكيلات والموزونات يجوز بيعها جزافًا. وأما المعدودات، فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافًا، وإن كثرت أثمانها، واختلفت آحادها اختلافًا كثيرًا كالجواهر والثياب، لم يجز بيعها جزافًا، وأما العين فهل تباع جزافًا أم لا؟ فيها تفصيل إما أن تكون مصوغة، أو مسكوكة، (فإن كانت مصوغة)، فانظر هل المقصود آحادها، أو جملتها، وذلك إحالة على شهادة وإن كانت مسكوكة فلا يخلو أن يكون التعامل فيها وزنا، أو عددًا، فإن كان التعامل فيها عددًا ففي جواز بيعها جزافًا قولان في المذهب التحريم، وهو المشهور، وحكى القاضي أبو الحسن فيه الكراهة لقلة الغرر، وتماثل الآحاد، وإن كان التعامل فيها وزنًا فيها يجوز بيعها جزافًا أم لا؟ قولان في المذهب: الجواز، والمنع، واختلفوا هل منع كراهة، أو تحريم.

стр. 804

قوله: "ومن شرط جواز (بيع الجزاف) تساوي المتعاقدين في الجهل بمقداره": قلت: وهذا كما ذكره لأنه إذا علم أحدهما مقداره (غلب القمار) والمخاطرة، وقد اختلف المذهب في (هذا الأصل)، وهو علم أحد (المتعاقدين هل يؤثر في فساده أم لا؟ ويجوز بيعه على تصديق البائع نقدًا، ومنعه في بيع النسيئة خوفًا من تطرق الربا إليه لاحتمال أن يجد) نقصًا في الكيل قيتركه رجاء الصبر عليه، فيكون (مرة) عليه سلفًا جر منفعته. قال القاضي ﵀: "بيع الثمار بعد بدو الصلاح جائز مطلقًا" شرح: بيع الثمار إما أن يكون قبل بدو الصلاح، أو بعده، فإن كان بعده فلا خلاف في جوازه مطلقًا، وإن كان قبله فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن (يشترط) التبقية، (أو يشترط القطع، أو يكون عاريًا من الشرطين، فإن اشترط التبقية) فلا خلاف في المذهب في فساد البيع لخوف العاهات والغرر، فإن تطوع المشتري بالقطع فسد البيع (لا محالة اعتبارًا بحكم انعقاده، وإن) شرط القطع جاز البيع بلا خلاف عندنا، وفي العقد المطلق روايتان: الفساد، والصحة، رواية البغداديين عن المذهب الفساد، وهو اختيار الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، وأبي إسحاق التونسي، واختار الشيخ أبو الحسن

стр. 805

اللخمي، والشيخ أبو القاسم بن محرز الصحة، ويجبر المشتري على القطع، واستقرئ ذلك في الكتاب. وأختلفوا في فروع: الأول: إذا اشترى الشجرة في صفقة، ثم اشترى الثمرة (في صفقة) قبل طيبها، صح البيع وذلك كما لو اشتراهما في صفقة واحدة، لأن الثمرة تبع، ومنع ذلك ابن عبد الحكم، والمغيرة، وابن دينار. فرع: إذا اعتبرنا بدو الصلاح فهو معتبر في كل نوع يطيب بعضه، وهل يتعدى إلى الحوائط المتعددة له، لأنها في حكم الحائط الواحد لإمكان هدم الجدار، أو يعتبر كل واحد من الحوائط بحكم نفسه قولان في المذهب (وأصل المذهب) إجراء ذلك في النوع الواحد مطلقًا لتقارب الوقت غالبًا، واختلفوا هل يباع نوع بطيب آخر أم لا؟ والجمهور أن كل نوع معتبر بنفسه، وشد الليث وغيره فجعل طيب نوع جاريًا في غيره وسار إليه. فرع: إذا قلنا إن طيب بعض النوع معتبر في باقي ذلك النوع فهم فيما يتقارب زمانه، وأما الباكور الذي لا يتقارب زمانه، فلا يباع جميع النوع بطيب أوله لتباعد الزمان. فرع: إذا كانت الأشجار مما يطعم بطنين في سنة واحدة، ففي جواز بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول روايتان: الظاهر، المنع، وظاهر كلام

стр. 806

القاضي جوازه، ويكون للمشتري إلى آخر إبانه، واشترط أصحابنا في (بيع) بطون الموز أن يضرب الأجل لآخره، (لأنه يبقى سنين عديدة فيحتاج إلى مدة معلومة)، وأجاز مالك أن يباع أول بطن من القرظ والقضب ونحوه بطيبه، واختلفوا هل يجوز اشتراط الخلفة أم لا؟ وتحصيل المذهب في ذلك أنها إن كانت غير مأمونة فلا يجوز اشتراطها بلا خلاف، وإن كانت مأمونة فهل يجوز اشتراطها أم لا؟ قولان في المذهب فإذا أجزنا اشتراطها، فهل يشترط خلفات معدودة أو يجوز اشتراطها إلى أن تفنى قولان في المذهب المشهور اشتراط العدد وأجاز الشيخ أبو القاسم بن الجلاب اشتراطها إلى أن تفنى. قوله: "ولا يجوز شراء الكتان إذا استثنى البائع حبه، ولا القرظ واستثنى برسيمه". وهذا كما ذكره، وهو مبني على أصلهم في المستثنى هل هو مبقى على ملك للبائع أو [الـ] مشتري والأصل مختلف فيه، وبيع الحنطة في سنبلها ممنوع، لأنه بيع ما لم تعلم صفته، وأجاز بيع الباقلاء، والجوز، واللوز، في قشره جريا على العادة واختلفوا في جواز بيع السنبل مع حبه فأجازه جمهور العلماء من أهل المدينة، ومنعه الشافعي لأنه من باب الغرر كبيع

стр. 807

الزرع في تبنه بعد درسه، (وأجاز مالك بيعه في تبنه بعد درسه) جزافًا، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما رواه نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض وتأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" قوله: "ومن باع أصل نخل وفيها ثمر مؤبرة فثمرها للبائع": قلت: اختلف الفقهاء في الثمار هل تتبع الأصول أم لا؟ فقال أبو حنيفة الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده، ولا تتبع الأصول عنده بحال، وقال ابن أبي شبرمة هي للمشتري مطلقًا أبرت أم لا، وهذا بناء على (نفي) التبقية المحضة، وفرق مالك بين أن تؤبر أم لا؟، فإن أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وإن لم تؤبر فهي للمشتري بالعقد من غير شرط اعتمادًا على ما رواه ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ قال: (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع).

стр. 808

فرع: اختلفوا إذا أبر بعضها دون بعض، (تحصيل) مذهب مالك أنهما إن كانا متساويين أعطى كل واحد منهما حكمه، وإن كان إحداهما تبعًا فهل يعطى حكم نفسه أو حكم متبوعه قولان. (كما حكى) القاضي، وإبار الزرع فركه، وقيل: ظهوره، وبالأول قال ابن القاسم. قوله: "والزرع الصغير (إذا لم يظهر) إذا بيعت الأرض وسكت عنه، فقيل للبائع، وقيل للمشتري"، قلت: إذا أطلق لفظ البيع في الأرض فقد نصوا على أن البناء والشجر مندرج تحت الأرض، واتفقوا على أن الظاهر من الزرع الذي أفرك، أو قارب الإفراك غير داخل. واختلفوا في الذي لم يظهر لصغره، أو فيما ظهر ولم يتبين ظهوره، وفي الحجارة هل تندرج) تحت لفظ الأرض أم لا؟ والمعول عليه أنها إن كانت مخلوقة في الأرض اندرجت، واختلفوا إن كانت مدفونة لدافن، والخلاف فيه مبني على الخلاف فيمن ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ قولان، وكذلك لفظ البستان تدخل فيه الأشجار، ولفظ الدار لا يتناول المنقولات وإنما يندرج تحت (الثوابت)

стр. 809

كالأبواب والأشجار، (والرفوف) والسلاليم المبنية بالمسامير، وبالطين دون المحلولة، وسنذكر حكم مال العبد في التبعية، (وأصل المذهب) أنه لا يتبع إلا بالشرط. قوله: "وبيع الثمار على رؤوس النخل جائز فإن استثنى بعضه فعلى وجهين"، قلت: اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يبيع الرجل ثمر حائطه، ويستثنى ثمر نخلات معينة. واختلفوا هل يجوز أن يستثني منه كيلاً معلومًا، فمنع من ذلك فقهاء الأمصار لانه من باب الثنيا فاتقوا فيه الغرور (لأنه استثناء) مكيل من جزاف، وأجازه مالك وأهل المدينة في الثلث فما دونه، ومنعوه فيما فوق الثلث، وكذلك اختلفوا في الصبرة تباع جزافًا هل يجوز أن يستثني منها كيلاً معلومًا، فمنعه الجمهور، وأجازه مالك، كالنخل، وأجاز أيضًا استثناء الجلد والسواقط من الأطراف التي لها قيمة يسيرة من الحيوان الذي لا يجوز ذبحه، واختلفوا في استثناء ما له قيمة، والمشهور المنع، وأجاز ابن حبيب أن يبيع الشاة، ويستثني الرأس والأكراع، واختلف قول مالك إذا استثنى منها أرطالاً معلومة، فروى عنه

стр. 810

ابن وهب منع ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنه أجازه في الأرطال اليسيرة فقط (والجمهور) على الامتناع كالصبرة (وثمرة) الحائط يستثني منها مكيله. قال القاضي ﵀: "فصل في العرية": اختلف أهل اللغة لم سميت بذلك، فقيل: لأنها عريت من الثمن، وقيل: لإعراء النخل عن الثمرة بالهبة، وقيل: لإعرائها من المساومة عند البيع، وقيل: هي مشتقة من قولهم عروت الرجل إذا قصدته تلتمس معروفه، والعرية في الشرع إعطاء الثمرة على وجه مخصوص، وقال القاضي: العرية أن يهب الرجل ثمرة نخله أو نخلات من حائطه لرجل قال الأبهري: وهي من فعل المعروف، واتفق العلماء على أنها خارجة عن الأصول مستثناة من أصول ممنوعة، واختلفوا في وجه الرخصة فيها، فقال مالك: الرخصة فيها للمعري خاصة من وجوه، لأنه فيها أنواعًا من المزابنة والتفاضل في الحال والمئال والتسمية (وبيع الطعام بالطعام إلى أجل)، وقال الشافعي الرخصة فيها للمعري، ولغيره من كل من أراد شراؤها للضرورة (إلى أكل الرطب، وقال أبو حنيفة: الرخصة فيها
следующие страницы →