Полный текст (1 291 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
استشاره أم لا؟ فيه قولان، فروى عن مالك أنه لا يشار على أهل البادية في بيع سلعهم التي يأتون بها إلى الحاضرة، ولا يخبرون بالسعر، وجعل إخبارهم بالسعر كالمشورة، والمشورة كالبيع، وروى عنه جواز ذلك، لنه مقتضى النصيحة الإيمانية والأخوة الإسلامية، قال ﷺ : (الدين النصيحة) وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، وفي حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا بيع حاضر لبادي ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
الفرع الثالث: إذا وقع هذا البيع المنهي عنه، هل يفسخ أم لا؟ قولان مبنيان على النهي هل يدل على فساد المنهي عنه.
قوله: «ومنه البيع يوم الجمعة بعد النداء»: وهذا البيع أيضاً منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ واختلف المذهب في فروع:
الأول: هل يفسخ هذا البيع أم لا؟ فالمشهور أنه يفسيخ مطلقاً، وعن ابن الماجشون يفسخ في حق من اعتاد ذلك وتكرر منه، وفي المجموعة لا يفسخ.
الفرع الثاني: ما في معنى البيع كل مشغل كالنكاح والإجارة على المشهور.
الفرع الثالث: إذا قلنا بفسخة فذلك ما لم يفت، فإن فات فهل يمضى بالثمن، إذا هو فاسد في الثمن، أو بالقيمة خوفاً من تتميم البيع الفاسد، فيه قولان عندنا.
الفرع الرابع: إذا فات وكضى بالقيمة، فمتى يقوم هل بعد الصلاة، وهو
стр. 842
وقت الإباحة، أو وقت البيع بناء على تقدير (الجواز) لإمكان اختلاف القيم قولان عندنا، وثمرة ذلك إذا اختلفت القيمة في الزمانين.
قال القاضي: ﵀: «وبيع الأعمى وشراؤه جائز».
شرح: الأعمى يمكنه العلم (بالبيع) ذات وصفه من طريق الإخبار، فإذا حصثل عنده العلم بالمبيع جاز العقد اعتباراً بالحصحي بجامع العلم، وهذا (هو المشهور) (وقد) قال أشياخنا كل من صح منه عقد السلم صح منه بيع الأعيان كالبصير.
قوله: «ومن زاد في سعر إخراج من سوق المسلمين إلا أن يلحق بالناس» إلى قوله: " وبيع العربان على وجهين" يتعلق بذلك حكم الحكرة والتسعير، والأصل في التسعير ما رواه أبو هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل ادعو الله، فجاء رجلفقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقي الله وليس لأحدعندي مظلمة) وفي حديث آخر أنه قال حين سأله:
стр. 843
(إن الله هو القابض والباسط المغلي، وإني لأرجو أن ألقي الله، وليس لأحد عندي مظلمة ظلمته إياه في عرض ولا مال).
قال علماؤنا: والتسعير على وجهين أحدهما إن حط من (سعر) الناس أمر أن يلحق بسعرهم، أو يقوم من السوق، والثاني أن يحد لأهل السوق سعراًيبيعون عليه لا يتجاوزونه بع جمع أهل السوق (ومعاونهم)، واتفاق الجمهور على (الزيادة) في سعر ذلك، فالول في قسمي التسعير (غير جائز، والأصل في) ذلك قصة عمر بن الخطاب مع حاطب بن أبي بلتعة حين مر به وهو يبيع زبيباً له بالسوق فقال له عمر: (إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا) قال عيسى بن دينار: كان حاكب يبيع بدون سعر الناس، وهذا السعر المعتبر المجهول أصلاً يرجع إليه الناس، وهو سعر جمهور الناس لا ما ينفرد به الواحد أو العدد يسير، فيرجع الواحد والأقل للجمهور، ولا ينعكس الحال، وهل ذلك عام في كل المبيعات أو مخصوص، وقال ابن حبيب: ذلك في المكيل والموزون مأكولاً (كان أو غير مأكول دون غيره من المبيعات التي لا يكال ولا يوزن فإنما اختص المكيل والموزون) لأن الرجوع فيه إلى
стр. 844
المثل، فالمصلحة فيه تقتضي حمل الناس فيه على سعر واحد بخلاف (ما يرجع إلى) القيم لاختلاف الأغراض فيه ما لم يكن متماثلاً، وهذا حكم (غير) الجالب، (وأما الجالب) إلى السوق الذي ليس من الباعة الملازمين له (المترسمين)، به فهل يمنعون من النقص كما يمنع الباعة أم لا؟ وفي كتاب محمد لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس ليتسامح (فيكثر الجلب) وقيل: هم كأهل السوق مطلقاً، وقيل: كأهل السوق إلا في القمح، والشعير فيسامحون فيه خاصة لعموم الضرورة إليه. قال المصنف: قد فسر الأشياخ قول القاضي ﵀: «ومن زاد في سعر على وجهين» أحدهما أن يبيع أغلى من أهل السوق، والثاني أن يبيع أرخص من أهل السوق إضراراً بأهل السوق، والتفسير الأول هو الصحيح، وهو الجاري على قضية حاطب بن أبي بلتعة.
والقسم الثاني من قسمي التسعير وهو أن يحد لأهل السوق حداً فهذا هو الذي اختلف فيه العلماء، فقال بمنعه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وولده سالم والقاسم بن محمد والجمهور، وهو مذهب مالك الصحيح الذي لا شك فيه، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وربيعة، ويحي بن سعيد وروي أشهب في العتبية عن مالك أنه لا بأس إذا سعر عليهم على قدر شرائهم فقال مالك لا بأس) به ولكني أخاف أن يقوموا من السوق، واحتج الجمهور بحديث أبي هريرة الذي قدمناه، وراعى في رواية أشهب المصالح
стр. 845
العامة، وأما الجالب فلا (يسعر) عليه، (وبيع كيف يشاء.
قوله: «والحكرة ممنوعة» الأصل في ذلك قوله ﷺ : (لا يحتكر إلا خاطئ) وقال عمر بن الخطاب: (لا حكرة في سوقنا) رواه مالك في موظئه.
وحقيقة الاحتكار: هو إدخار المبيع وطلب الربح فيه بانتقال الأسواق. واللحكرة حالتان: يمنع في إحداهما وهي إذا كانت في وقت الضيق والضرورة فيمنع المحتكر (من الشراء) حينئذ من السوق، وإذا أضر ذلك (بالناس) إلا في مقدار قوته، فإنه مضطر إليه فلا يمنع منه، وتجوز في حال الكثرة، والسعة، وروى ابن المواز عن مالك أنه سئل عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء فقال: ما علما فيه نهى، ولا أعلم به بأساً يحبس إذا شاء، ويبيعه إذا شاء، ويخرجه إلى أي البلاد شاء، وقيل: لمالك فيمن يبتاع الطعام، فيجب غلاءه قال: ما من أحد يبتاع طعاماً أو غيره إلا ويجب غلاءه، قال مالك: ومما يعيبه من مضى ويرونه ظلماً منع الاحتكار إلا لم يكن مضراً بالناس ولا بأسواقه، وذلك سواء عندنا في الطعام وغيره. وروى ابن حبيب عن مالك أن احتكار الطعام يمنع في وقت الضيق والسعة، وهذا فيمن صار إليه الطعام
стр. 846
بابتياع، وأما من صار إليه بزراعة أو غيرها فلا خلاف في أنه لا يمنع احتكاره.
فصل: إذا احتكر من منعناه الاحتكار، فهل يأمر الإمام ببيعه، ويجبرهم على إخراجه في وقت الغلاء الشديد، اختلفت الرواية فيه، فروى عن مالك أنه أنكر ذلك، وقال ما سمعته، وعنه رواية أخرى أنه لا يخرج عليهم ويباع من أهل الحاجة إليه بمثل ما اشتراه، وإن لم يعلم شراؤه فيسعره يوم احتكاره، وجميع ما يحتاج الناس إليه في ذلك سواء يمنعون من احتكاره وقت الضيق والضرورة.
قال القاضي ﵀: «وبيع العربان على وجهين» إلى آخر الفصل، ترجم مالك ﵀ ما يكره من بيع العربان وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العربان وفسره مالك بالوجه الممنوع الذي ذكره القاضي.
وإن وقع البيع على ذلك فقال عيسى بن دينار: يفسخ فإن فات كانت فيه القيمة، وأما الاحتساب بالعربان إذا مضى البيع فجائز كما ذكر القاضي إلا أنه يشترط أن يجعل العربان على يد غير البائع، أو يد البائع مختوماً خوفاً من أن يكون (النقد) تارة ثمناً وتارة سلفاً.
قوله: «والدين بالدين ممنوع إذا كان من الطرفين» تحرزاً بقوله: "إذا كان من الطرفين" من السلم.
стр. 847
قوله: «وما كان خارجاً عن أصله» إلى آخره إشارة إلى (الرخص إذ) لا يقاس عليها ولا يتعدى بها (محلها).
وذكر المستثنيات من قواعدها وهي ظاهرة كما ذكره كالإقالة والشركة والتولية والحوالة والعرية والسلم. وفي مراسيل ابن المسيب أن رسول الله ﷺ : (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأرخص في الشركة والإقالة والتولية) وقال ﷺ : (إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع) وفي حديث ابن عباس: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان وأرخص في السلم).
قوله: «وإذا باع مالك غيره» يتعلق به بيع الفضولي، وهو عندنا موقوف على الإذن، جائز بإجازة المالك، وقال الشافعي: هو عندنا فاسد،
стр. 848
والدليل (للإجازة) حديث عروة الباقي حين دفع له رسول الله ﷺ ديناراً ليشتري به شاة، فاشتري به شاة، ثم باعها بدينارين، فابتاع بأحدهما شاة فجاء بالدينار والشاة إلى رسول الله ﷺ فأخذه ﷺ وبارك له في صفقة يمينه) ولو كان فاسداً لفسخه. ذم ذكر مسألة النصراني يسلم عبده، أو يشتري عبداً مسلماً، والأمر فيهما ظاهر، والأصح في المسألة الثانية فسخ العقدة لوقوعها فاسدة.
قال القضي ﵀: «فصل ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر بها عيب» إلى قوله: «ولا يجوز لبائع السلعة (المعينة) أن يكتم عيبها».
شرح: الأصل في وجوب الرد بالعيب الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ وأما السنة فقوله ﷺ : (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) وقد أجمع علماء الأمصار على من اطلع على عيب قديم في المبيع فله الرد على ما يأتي تفصيله، وذلك في عقود المعاوضة كالبيع، والنكاح، فيثبت في ذلك حكم الرد بالعيب بلا خلاف (وأما عقود المكارمة كالهبة والصدقة فلا يثبت فيها حكم الرد بالعيب بلا خلاف)، واختلف المذهب في هبة الثواب فقال: عبد الملك بن الماجشون: لا يرد الموهوب له فيها بعيب، لأن مبناها على المكارمة، وقال المغيرة: (له الرد بالعيب) المفسد دون ما عداه لأن العيب المفسد متلف للمقصود حكاه القاضي أبو الوليد.
стр. 849
ولا بد من ذكر العيوب التي توجب الرد فنقول الأصل أن المشتري إذا ظهر على عيب يوجب الرد فهو مخير بين الرد والإمساك، فإن رده أخذ ثمنه الذي دفع، وإن أمسك فلا شيء له ولا يجبر على أرش العسيب من أباه إذا كان الرد ممكناً ولم يحدث معنى مفوناً إلا في العقار على ما سنذكره، فإن تراضيا على الأرش مع إمكان رد العين جاز، لأن ذلك حق لهما، فإذا اتفقا على ذلك فلا مانع منه (وانفرد) ابن شريح من علماء الشافعية فقال: ليس لهما اختيار في ذلك وهل هو كالحقوق المالية كخيار الشفعة وغيره.
قوله: «ولا غيره»: تلفيف، إذا لا محل للغير.
قوله: «ولا يلزم بذل الأرش ولا أخذه بالتراضي»: أبدل البذل من الأرش بدل اشتمال وأطلق القاضي القول في جميع المبيعات جرياً على مذهب البغداديين من أصحاب مالك، لأنهم جعلوا العقار والحيوان والعروض في ذلك سواء، والمشهور من مذهب مالك الذي عليه (أكثر) أصحابه التفريق بين العقار وغيره، فقالوا إن للمشتري التمسك بالمبيع من العقار وأخذ إرش العيب اليسير، ولا يقع الرد فيه بالعيب اليسر إلا أن يختاراه معاً، (ويتفقا عليه) ويتراضيا به، وإن كان العيب كثيراً فهو مخير بين الرد والإمساك ولا شيء له. واختلف نظر المتأخرين في تحديد اليسير، فقيل: ما نقص عن الثلث، وقيل: السدس، وقيل: (ما لا يأتي) على معظم الثمن. وأما
стр. 850
الحيوان فهو فيه مخير بين أن يرد، أو يتماسك، ولا شيء له، واختلف الرواة في العروض، فالمشهور أنها كالحيوان، والشاذ أنها كالأصول وهو اختيار كثير فقهاء الأندلسيين.
قوله: «فإن فات ذلك لم يكن إلا الأرش» وهو كما ذكره، ثم بين أنواع الفوت فذكر منها فوت المبيع بالموت، والزمانة، والهرم، وفواته بتلف الملك كالعتق، والتدبير، والاستيلاء، والكتابة، واختلف المذهب في مسائل:
المسألة الأولى: البيع هل هو فات أم لا؟ وعندنا فيه ثلاثة أقوال أحداها: أنه (ليس هو) فوتاً مطلقاً، ولا رجوع له بقيمة العيب. والثاني: أن له الرجوع بقيمة العيب. والثالث: إنه إن نقص من ثمنه لأجل العيب رجع على البائع بالنقص وإلا فلا، وبسط القول فيه بعض أشياخنا فقال: لا يخلو؟ أن يبيعه من بائعه، أو من غيره، فإن باعه من غير بائعه ففيه الثلاثة الأقوال الاتي قدمناها، وإن باعه بأقل، رجع عليع بالأقل من أرش العيب أو بقيمة الثمن، وإن باعه منه بأكثر. (فالزيادة) للمشتري إن كان البائع مدلساً، وإن لم يكن مدلساً وقع التراجع، وانفسخ البيعتان، وعاد المبيع إلى ملك الأول.
المسألة الثاني: وظء الجارية هل هو فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب كسائر المفوتات أم لا؟ اختلف العلماء فيه، والمشهور من مذهب مالك أنه ليس بفوت، وقال أبو حتنيفة: هو فوت يمنع الرد، ويوجب له الرجوع بقيمة العيب، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع، وأصبغ في البكر والثيب، وعلى المشهور بني القاضي ﵀ مذهبه قال: (ووطء للثيب لا يمنع الرد وكذلك وطء البكر") وإنكا الوطء في الثبت كالقبلة واللمس بخلاف الوطء
стр. 851
في البكر، لأنه قطع عضواً منها، فله الرد، وعليه رد ما نقصها الوطء كسائر العيوب الحادثة عنده، وصريح مذهب الشافعي أن وطء البكر يمنع الرد.
المسألة الثالثة: اختلف المذهب في (العيوب) النفسانية كالآبق والسرقة هل يفيد الرد بالعيب أم لا؟ فالذي حكى القاضي عن المذهب أن الإباق فوت خلافاً للشافعي، لأن الرد ينعدم معه، ويجعله في حكم الغائب المفقود.
المسألة الرابعة: إذا اشترى شيئاً على السلامة، ثم أجره أو رهنه، ثم اطلع على عيب قديم فمذهب ابن القاسم أنه يرد بالعيب (متى) عاد إلى يده، وقال أشهب: إذا لم يخلصه من الرهن، أو الإجارة معجلاً لطول مدة الإجارة أو الرهن، وبعد أجلها، كان له أرش العيب، وهو اختيار ابن حبيب، وقال ابن القاسم إذا قرب ذلك كالشهر ونحوه فله الرد، فإن فات ملكه بهبة، ثم اطلع على عيب، فالمنصوص أنه يرجع بقيمة العيب، لأنه إنما يشتري على الصحة قال مالك: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت كان فيه قيمة العيب.
المسألة الخامسة: إذا حدث في المبيع تغير عين المقصود منه، وصيره كأنه ليس العين المبيعة، كان ذلك كتلف العين المعيبة للرد، فإن حدث فيه ما أثر فيه، إلا أنه لم يغير المقصود منه فليس بفوت، والمشتري بالخيار بين أخذ قيمة العيب القديم، أو رد ما (نقصه) العيب الحادث عنده، واختلف المذهب فيب الرمد، والحمى، والوعك، هل يفيت الرد وكذلك العمى والشلل، وقطع ذنب بغلة الركوب، وعجف الدابة، وهرم العبد، أو الأمة وتزويج الأمة هل يمنع جميع ما ذكرناه الرد إلحاقاً له بما يتلف المقصود أو لا يمنع الرد، وعليه
стр. 852
إذا أراد الرد رد ما نقصته هذه العيوب، والصحيح أن هذا كله ممنوع، فما أتلف كالعمى منع الرد، وما غير الصفة ولم يتلف المقصود، فله الرد، وعليه (رد) ما نقص، فإن شك التمسك وأخذ قيمة العيب فله ذلك، وكذلك نقصان القيمة كحوالة الأسواق، والهزال لا يفيت الرد في هذا الباب (على المرضى). وههنا فروع: إذا اختلف البائع والمشتري فقال البائع للمشتري رد المبيع مع قيمة النقص الحادث، وأبى المشتري إلا أخذ قيمة العيب القديم، فهل القول قول المشتري، أو قول البائع، قولان في المذهب حكاهما القاضي أبو الوليد وغيره مبنيان على مراعاة الأصل (والمثال)، والكمشهور أن القول قول المشتري، لأن البائع إما مفرط إذا لم يكشف عن العيب، وإما مدلس فكأنه طلب حل البيع، (المنعقد)، ولا سبيل إليه إلا بالتراضي.
قوله: «وكذلك إن تصرف في المبيع»: قلت تصرفه في المبيع بعد علمه بالعيب له ثلاثة أحوال حال الاختيار، وحال الاضطرار، (وحال الاختبار) بلا خلاف في تصرف الاختيار أنه يبطل الرد، ولا يبطله حال الاختبار بلا خلاف.
واختلفوا في حال الاضطرار على قولين كما حكاهما القاضي:
أحدهما: أنه مسقط للرد لأنه تصرف بعد العلم بالعيب، والاضطرار لحق نفسه لا لحق البائع.
والثاني: أن ذلك لا يسقط الرد، لأنه في حكم (المكره).
فرع: الاستعمال القاطع للرد بالعيب (بعد) الاطلاع على العيب هو
стр. 853
الاستعمال المقتضي نقصًا في المبيع كلبس الثوب، ووطء الجارية البكر والثيب، إذ الوطء إنما يباح فيمن (يستقر) ملكه، وأما من يريد نقض (البيع) فيه فلا يجوز له وطؤها حينيذٍ، واختلفت الرواية في العبد والدابة هل يمنع من استخدام العبد، وركوب الدابة أم لا؟، فالمشهور أنه يترك استعمال ذلك، وقال ابن حبيب لا يمنع من استخدام العبد وركوب الدابة، لأنه من باب الخراج بالضمان، فإن كان المبيع عقارًا فهل يخليه إذا أراد (الرد) بالعيب أم لا؟ المنصوص أنه لا يخليه، بل له الانتفاع به، وهو ينازع البائع، لأن ذلك خراج محض، وهو (مانع) للضمان، هذا نص الرواية.
قوله: "وإذا ابتاع رجلان عبدًا" إلى آخره. ذكر في هذه المسألة قولين أحدهما قول ابن القاسم أن لمن شاء منهما الرد، لأن البائع دخل على التبعيض حين العقد فكأنهما صفقتان. والثاني: قوله أشهب: أنه ليس له الرد مع اختلافهما، فإذا اختار الرد خير (شريكه)، وليس لأحدهما التبعيض على البائع، إذ المبيع شيء واحد ولو اشترى سلعةً على الخيار فمات، فأراد بعض الورثة الرد، وبعضهم الإمضاء لم يكن لهم التبعيض، لأن البائع لم يدخل في هذه الصورة على التبعيض، وهي مسألة القياس والاستحسان.
قوله: "وإذا نما المبيع على المبتاع، ثم أراد رده" إلى آخره. الطارئ على المبيع قد يكون نقصًا وقد تقدم، وقد يكون زيادة، وهي على قسمين: منفعة، أو غلة، وعين، وعطف الغلة على المنفعة بواو الجمع. إما كقوله: (أقوى وأفقر بعد التهم)، وإما أن تكون المنفعة ما سكن، والغلة ما اغتل من خراجٍ وغيره فأما المنفعة فلا خلاف في المذهب أنها ترد، ولا يرد شيء
стр. 854
مما استغل، لأنه خراج، والخراج بالضمان على مقتضى ما رواه عروة عن عائشة (أن رسول الله- ﷺ قضى بأن الخراج بالضمان) إن كانت الزيادة عينًا فلا تخلو أن تكون ولادة، أو نتاج أو غيره، فإن كانت ولادة فالمشهور أن الولد كعضوٍ من أعضائها ليس بغلةٍ فيرد مع أمه.
والقول الثاني: أنه غلة ويجبر نقص التزويج الحادث عنده بزيادة الولد، وروي ذلك عن ابن القاسم. وعندنا رواية ثالثة أنه لا يرد مع أمه، ولا يجبر به العيب الحادث، وعليه رد ما نقصه العيب الحادث مع رد الولد، لأنه كعضوٍ من أعضائها، وقال الشافعي: الولد للمشتري كسائر الغلات اعتمادًا على قوله- ﷺ : (الخراج بالضمان) والنتاج حكمه كالولادة وغاير القاضي- ﵀ بين (النتاج والولادة)، وإنما يفترقان لأن النتاج لا يستعمل عرفًا في الآدميات، وإنما يستعمل للناقة، وقد يستعمل لسائر الماشية، والولادة تستعمل في جميع الحيوانات وربما استعمل في الشجر مجازًا، فإن كان النماء ليس ولادة ولا نتاج فهو أنواع:
الأول: كالثمار، ولا يخلو أن تكون موجودة حين العقد أم لا؟ فإن حدثت بعد العقد فهي للمشتري بلا خلافٍ كالخراج والغلة، وإن كانت موجودة حين العقد، إما أن تكون مأبورة أم لا؟ فإن كانت (غير مأبورة فهي له، كما لو حدثت عنده، ولا يرد عنها شيئًا إذا اختار الرد)، وإن كانت مأبورة ففي هذه الصورة قولان المشهور أن لها قسطًا من الثمن فيردها مع الأصل وهو قول ابن القاسم، والشاذ أنه لا ترد الثمرة أبرت أم لا؟ لأنها بيع وغلة، وإذا أوجبنا عليه الرد على المشهور فتلفت الثمرة بغير فعله، فله الرد، ولا شيء عليه في هلاك الثمرة، لأن ذلك كموت ولد الجارية الحادث
стр. 855
عنده، وإن كان هلاك الثمرة بفعله غرم مكيلتها اعتبارًا بالأجنبي. وإذا أوجبنا عليه رد الثمرة فله قيمة السقي والعلاج مطلقًا، وقيل: ما لم يزد على الثمرة، لأنه إنما أوجب له قيمة السقي في عين الثمرة لا في ذمة البائع.
والثاني: الألبان والسمون، ولا خلاف أنها غلة للمشتري لا يرد عنها شيئًا سواء كان ذلك موجودًا يوم العقد أو غير موجود، لأنه تبع غير مقصود بالبيع.
والثالثة: الصوف إن حدث بعد العقد فلا خلاف أنه له، وليس عليه رده، سواء كان قائمًا بيده أو فائتًا، فإن كان موجودًا يوم الصفقة تام الخلقة فهل (يردها) لأنه له قسطًا من الثمن أم لا؟ قولان مذهب ابن القاسم أنه يردها معها وإن جزت، وقال أشهب لا يرد الصوف مطلقًا سواء كان حادثًا أو يردها معها وإن جزت، وقال أشهب لا يرد الصوف مطلقًا سواء كان حادثًا أو موجودًا حين العقد تامًا أو غير تام، لأنه تبع، وقول ابن القاسم: تشهد له العادة.
والرابع: الزيادة المتصلة كالصبغ والرقم في الثوب، وذلك لا يمنع الرد، ويوجب للمشتري الخيار في التمسك والرجوع بقيمة العيب أو الرد، ويكون شريكًا للبائع بما زادت الصنعة في ثوبٍ فقط، ومن هذا النمط السمن. اختلف المذهب فيه على قولين وجوده كعدمه، ولا يثبت به الخيار للمشتري، وليس له إلا التمسك أو الرضا بالعيب من غير أرش، وقيل: يثبت له بالخيار بين أخذ الإرش أو الرد.
وقد ذكرنا الخلاف في الهزال وههنا فروع:
إذا كان له الرد فصرح به، ثم هلك المبيع قبل الوصول إلى يد البائع، فاختلف المذهب في ضمانه على ثلاثة أقوال:
стр. 856
أحدها: أن ضمانه من البائع بناءً على أن الرد بالعيب نقض بيع.
والثاني: أنه من المشتري بناءً على أنه ابتداء بيع.
والثالث: أنه إن حكم الحاكم بالرد فمن البائع، وإلا فمن المشتري.
قال القاضي ﵀: "ولا يجوز لبائع السلعة (المعيبة) أن يكتم (عيبها) " إلى قوله: "والبيع جائز مساومةً ومرابحةً".
شرح: الغش محرَّم شرعًا، لأنه من أكل المال بالباطل، وقد قال رسول الله ﷺ : (لا تصروا الإبل والغنم) الحديث. ومر رسول الله ﷺ برجلٍ يبيع طعامًا فسأله كيف يبيع فأخبره فأومأ إليه أن أدخل يده فيه. فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال ﷺ : «من غشنا فليس منا».
واختلف العلماء في تأويله، فقال بعضهم المراد به تكفير المستحل له، وقال بعضهم هو على معنى التغيظ كقوله ﷺ : (أيما عبدٍ ترك الصلاة فقد كفر) وقال بعضهم معناه: ليس على مثل سنتنا وطريقتنا.
стр. 857
والتصرية: حقن اللبن في الثدي أيامًا ليوهم البائع المشتري أن ذلك الحيوان غزير اللبن. واختلف العلماء في البيع الواقع على صفة الغش كالتصرية ونحوها، فقال بعضهم: إن ذلك يمنع صحة العقد، فإذا وقع البيع على الغش فهو فاسد، وقال أبو حنيفة: ليس التصرية عيبًا، وقال مالك والشافعي والجمهور: التصرية عيب وغش، والبيع معها صحيح، وللمشتري الخيار تمسكًا بمقتضى نص تخييره ﷺ المشتري في حديث المصراة الثابت الصحيح حيث قال: «فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر» فأثبت له الخيار، فدلَّ على أن العقد صحيح، قال أبو حنيفة: حديث المصراة خارج عن الأصول من أوجه:
الأول: إنه معارض لقوله- ﷺ : (الخراج بالضمان).
والثاني: إن فيه الطعام بالطعام نسيئة، وهو محرم إجماعًا.
والثالث: إن فيه المزابنة وهي بيع (المعلوم بالمجهول).
والرابع: إن فيه نقض الأصل، لأن الواجب في المتلف، إما المثل وإنما القيمة ولا واحدٍ في هذا المحل.
والخامس: إن فيه بيع الطعام قبل قبضه. إلى غير ذلك من الوجوه التي فارقها بها الأصول، فقدمت عليه، وبه قال أشهب: من أصحابنا، ولا شك في فساد قولهما، لأنه) أصلٌ بنفسه، فلا يتحكم فيه على الشارع.
стр. 858
قوله: "والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه" يعني: أنه إن ثبت قدمه فهو من البائع، وإن ثبت حدوثه (بالمشاهدة، أو بالبينة) فهو من المشتري، (وإن وقع الشك فالأصل الصحة فهو من المشتري) ويحلف البائع وقوي السبب بالمشاهدة (أو الشهادة، و) في حال الاحتمال باستصحاب حال (السلامة)، وإذا وجب اليمين في هذه الصورة، فهل يحلف على العلم في العيب الخفي والظاهر أو على البت في الظاهر، وعلى العلم في الخفي. اختلف في ذلك ابن القاسم (وأشهب) فمذهب ابن القاسم الفرق بين الظاهر والخفي، ثم ذكر العيوب الموجبة للرد وأنها ما أثرت نقصًا في المبيع، أو في الثمن، أو في التصرف، أو خوفًا في العاقبة، وهذه الأقسام متداخلة:
فالأول: هو (نقص ذات المبيع) منه ما يؤثر في نقص الثمن كقطع عضوٍ من أعضائه، ومنه (ما لا يؤثر) في بعض الأحوال كالخصة فإنه ربما يزيد في الثمن، ولعله أراد بالنقص في التصرف إذا قطع بعض الآلة البدنية التي تعينه على التصرف، إذا بنينا أن هذا يكون على الثمن بالنقص والعيب المخوف عاقبته هو ما تؤمن عودته من الأورام الذاهبة بعد حدوثها (لإمكان عودتها)، ومثله
стр. 859
القاضي في المعونة بالزوجة في العبد، والزوج في الأمة، فإن الطلاق لا يسقط (الرد) فيهما، وجعل الخصى مما ينقص في الثمن، وذلك يختلف بحسب الأمصار والعوائد والأحوال، وأما الدين في (غير) سفه، فلا يرد به إذا قضاه العبد، لأنه برده قد سقط. ومثل نقصان الأحكام الشرعية فيعود ذلك بنقص الثمن. وعطف القاضي الجذام والبرص على العمى والعور لا على نقصان الأحكام بالجنون. قال صاحب العين: الزعر في شعر الرأس وفي ريش الطائر. قلت وفرق في ذلك إذا ذهب أطوله وبقى أقصره وأردؤه.
فرع: وجود الزنى في العبد والأمة، قال مالك والشافعي هو عيب، لأنه نقصان في الخلق الشرعي الذي هو العفاف. وقال أبو حنيفة ليس بعيب.
فرع: التأنيث في الذكر، والتذكير في الأنثى عيب عندنا، والبول في الفراش عيب عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: ترد به الجارية دون العبد، وهو نظر حسن لأن الجارية قد تراد للنوم معها في فراشٍ واحد.
فرع: الحمل في الرائعة فيه، وفي الوخش قولان مبنيان على العادة.
فرع: اختلف المذهب في ارتفاع الحيض هل هو عيب أم لا؟ قولان
стр. 860
عندنا المشهور أنه عيب في العلي، والاستحاضة عيب في الوخش وغيره، وقد قيل في العلي خاصة.
فرع: الشيب الكثير في الرائعة عيب، واختلف المذهب في اليسير فيها على قولين وليس بعيبٍ في الوخش عندنا.
فرع: الخفاض عادة (نساء) العرب، فعدمه في العلي من رقيق العرب عيب، وليس بعيبٍ في رقيق العجم، لأنهم لا يعرفونه قاله القاضي أبو محمد.
ومثل القاضي أبو محمد ما يتقي علاقته بالزوج والزوجة والاستدانة في سفهٍ ولم يمثل ما تؤمن عودته، ولعله أشار إلى الأورام، وبياض العين ونحوه.
قوله: "وعهدة الثلاث لازمة في الرقيق": واختلف الفقهاء في القضاء بالعهدة، ومعنى العهدة أن يشتري عبدًا أو أمةً فما حدث فيه من فوت عين، أو من عيبٍ عند المشتري في الثلاثة الأيام فهو من البائع، وعهدته عليه، فإن شاء المشتري أخذ بجميع الثمن، وإن شاء رده على البائع، ولا شيء عليه فيما حدث عنده فإن هلك عنده في الثلاثة، أو في عهدة السنة من عيوبها الخاصة فهو من البائع، وقد قال مالك: ومن اتبعه. وعلى منع القول به قال أكثر فقهاء الأمصار ورأوا أن كل عيبٍ حدث بعد قبض المشتري فعهدته عليه.
стр. 861
واعتمد مالك في العمل عليها في الأمرين: النص والعمل، أما النص فما رواه الحسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله- ﷺ : (عهدة الرقيق ثلاثة أيام) وروى قتادة عن الحسن مرسلًا أن النبي- ﷺ قال: (لا عهدة بعد أربع) وفي هذين الحديثين مقال لأهل العلم بالإسناد.
وصح أن عمر بن الخطاب- ﵁ قضى بالعهدة، فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل النبي- ﷺ لحيان بن منقذ، فإنه جعل له عهدة ثلاثة أيام فيما اشترى إن رضي أخذ، وإن سخط ترك، وقال محمد بن يحيى بن حبان: ما جعل ابن الزبير عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا لقول رسول الله- ﷺ لمنقذ بن عمرو أنت بالخيار ثلاثًا وروى مالك أن أبان بن
стр. 862
عثمان، وهشام بن إسماعيل كانا يذكران الرقيق في عهدتهما وخطبتهما عهدة الرقيق ثلاثة أيام من حين يشتري العبد أو (الوليدة)، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو الزناد، والزهري، والفقهاء السبعة الأعلام بالمدينة، وعلموا بها في المدينة، (واستمروا) عليها، وروى الشافعي عن ابن جريح قال: سألت ابن شهاب عن عهدة السنة قال: ما علمت فيها أمرًا سالفًا، وهي على قسمين: صغرى، وكبرى، فالصغرى عهدة الثلاث وهي صغرى في الزمان، كبرى في الضمان، وهي من جميع العيوب الحادثة فيها عند المشتري، والكبرى: عهدة السنة من العيوب الثلاثة: الجنون والجذام والبرص، وهي كبرى في الزمان، وصغرى في الضمان، وما حدث فيها من غيرها من العيوب فهي من المشتري تمسكًا بالأصل، وهي في الرقيق فقط، لأنه يكتم عيبه، فيستظهر على البائع فيه بثلاثة أيامٍ للإمكان أن (يظهر عيبه) المكتوم كأيام الخيار، والاستبراء والتصرية التي نص الشارع ﵊ عليها في حديث المصراة، وجعلت السنة للعيوب الثلاثة، لأنها قد تظهر في بعض الفصول
стр. 863
الأربعة من السنة، وإذا ثبت القول بها تعين النظر في مسائلٍ (تتعلق)، بها.
المسألة الأولى: محلها، ولا خلاف في القضاء بها في كل بلدٍ جرت العادة بالقضاء بها فيه، وهل يقضي (بها) في البلاد التي لم يعرفوها أم لا؟ اختلفت الرواية في ذلك عن مالك، فروى المدينون عنه القضاء بها في كل بلدٍ علموا بها أم لا، واعتادوها أم لا، ويحكم بها علة من علمها، أو جهلها وروى المصريون عنه أنه لا يقضي بها حيث لم تجر العادة بها.
المسألة الثانية: في تداخل العهدتين، اختلف المذهب على قولين: المشهور من المذهب نفي التداخل، وأن عهدة السنة بعد عهدة الثلاث، وبه قال الفقهاء السبعة، والشاذ عهدة الثلاث داخلة في عهدة السنة.
المسألة الثالثة: (اختلف المذهب) في ابتداء عهدة الثلاث، قال ابن القاسم: لا يحسب يوم العقد نهارًا كان العقد، أو ليلًا، والابتداء عنده من أول النهار، والثاني من يوم العقد، وقال سحنون: الاعتبار من حين العقد إلى مثله من الزمان، وهذا أعدل.
المسألة الرابعة: الضمان في العهدتين من البائع على الصفة التي ذكرناها، والنفقة والكسوة عليه والغلة له على مقضى الضمان، إلا أن المذهب على خلاف ذلك، وفي العهدة الصغرى النفقة والكسوة على البائع والضمان منه، واختلف المذهب في الغلة، والمشهور أنها للمشتري وفيه نظر، لأنها
стр. 864
تابعة للضمان كما ذكرناه، (ورأى) بعض المتأخرين أن الغلة للبائع (بالتبعية) للضمان، وحكاه عن المذهب هذا حكم العهدة في الصغرى، وأما النفقة والكسوة في العهدة الكبرى فعلى المشتري، والغلة له، والضمان عليه إلا في العيوب الثلاثة فقط. هذا (التحصيل).
المسألة الخامسة: النقد المشترط في عهدة الثلاثة غير جائزة لتردده بين البيع والسلف وهل يجوز بغير شرطٍ أم لا؟ فيه خلاف في المذهب، ويجوز في عهدة السلف القضاء به على من أباه اعتبارًا بالمصلحة، ومراعاةً للحاجة إلى الأثمان.
المسألة السادسة: إذا طرأ على المبيع عيب ولم يعلم (أكان) حدوثه في العهدة، أو بعدها، ففيه روايتان: فقال ابن القاسم هو من المبتاع حتى يعلم أنه أصابه في العهدة اعتبارًا بأصل السلامة وقال ابن نافع هو من البائع حتى يعلم أنه سلم في أيام العهدة اعتبارًا بأصل الضمان فتقابل هذين الأصلين وقع الخلاف في ترجيح أحدهما على الآخر.
المسألة السابعة: إذ وجبت العهدة بالعادة، أو بالاشتراط فللمشتري إسقاطها لأن ذلك حق له، فله القيام به وإسقاطه، فإن أسقطه سقط، فإن أحدث في المبيع ما يمنع الرد، ويقتضي الرضى به كالعتق، ثم حدث في العهدة عيب في عهدة الثلاث قولان، قال سحنون العهدة ثابتة، والعتق نافذ، ويرجع بقيمة العيب، وفي كتاب محمد تسقط بقيمة العهدة، ولا رجوع له، وهذا الحكم في عهدة السنة أيضًا.
قوله: "ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره": اختلف
стр. 865
المذهب في بيع البراءة على ستة أقوال:
الأول: جوازه فيما يعلم به البائع من العيوب في الرقيق خاصة، لأنه يكتم عيبه.
والثاني: جوازه في الرقيق، وسائر الحيوان، إذ لا يكاد يحاط بعيوبه.
والثالث: جوازه في الحيوان والعروض، وسائر المبيعات، وهو نص ابن وهب، وابن كنانة.
والرابع: إنكاره، ولا يتنفع باشتراط البراءة مطلقًا، ولا يبرأ البائع إلا من العيوب التي علمها واشتراطها على المشتري.
(الخامس: إنكاره إلا فيما خفف السلطان فيه، وفي بيع المواريث لقضاء الديون).
والسادس: إنكاره إلا فيما كان من العيوب لا يتجاوز قيمته ثلث (قيمة) المبيع، وهو قول المغيرة، والمخزومي، قال بعض الشيوخ المتأخرين: لم يختلف قول مالك في جواز بيع البراءة من البيع باليسير، ولا في بيع البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط العهدتين في بيع البراءة، فأما من أجاز مطلقًا فوجهه أن القيام بالعيب حق المشتري، فإذا أسقطه البائع بالبراءة، ورضي المشتري بذلك سقط كسائر الحقوق المالية، وأما من منعه مطلقًا فلأنه من باب الغرر والجهالة، إن لم يعلم البائع عيبًا، وإن علمه وكتمه برئ منه فهو غش. وأما من أجازه (مطلقًا) في الرقيق خاصةً، فلأنه يكتم
стр. 866
عيبه خوفًا من أن يزهد فيه، وأما من أجازه في سائر الحيوان فلما ذكرناه من أنه لا يكاد يحاط بعيوبه (فيعقد) البائع فيه، ويصدق فيما يدعيه من جهل العيوب التي فيه. وروى مالك- ﵁ أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى على عبد الله أن يحلف: لقد باع العبد وما به من داءٍ يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف فارتجع العبد، وصح أن زيد كان يجيز بين البراءة، وإذا ثبت ما ذكرناه، فهل يجوز أن يبيع البائع على البراءة بحدثان ملكه، وإن لم يختبر المبيع، أو لا يجوز بيعه على البراءة إلا بعد الاختبار قولان: المشهور من المذهب اشتراط الاختبار، قال مالك: التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم قال: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا لا تنفع البراءة، وقال بعد الملك تنفعهم البراءة وههنا فروع تتعلق بما ذكرناه:
فرع: روى ابن القاسم أنه إذا باع السلطان عبدًا على مفلس، فللمشتري أن يرده بالعيب وهو يؤخذ منه أن بيع السلطان ليس ببيع براءة، وحكى بعض أشياخنا أن المذهب لم يختلف أن بيع السلطان بيع براءة، باع للمفلس، أو لقضاء الديون عن الميت، أو على الغائب، وكذلك الوصي إذ باع للإنفاق على يتيمه، فبيعه بيع براءة على المشهور.
فرع: إذا فرعنا على المشهور من المذهب أن بيع السلطان بيع براءة،
стр. 867
فاشترى منه رجل ظانًا أن المبيع مال السلطان، وأنه ليس (بنائبٍ) فيه عن المفلس، ثم اطلع على عيبٍ فهل له القيام به أم لا؟ قولان: أحدهما أنه لا مقال، لأن بيع السلطان لا يكاد يخفى لاجتماع الناس إليه (واحتيالهم فيه غالبًا). والثاني أن له القيام بالعيب.
قوله: "والعبد يملك ملكًا ناقصًا": وهذا أصل مذهب مالك كما (ذكره) أن العبيد مالكون خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، والدليل لنا قوله سبحانه: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. وصفهم الله سبحانه بالفقر، والغنى وهما من صفات المالكين، وقال تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون﴾ [يس: ٧١] (نبه) جميع العقلاء حرهم وعبدهم على معرفة الصانع، ووصفهم بأنهم مالكون. وقال- ﷺ : (من باع غلامًا وله مال) وهذا لأم مالك.
والأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز ولأنه يملك المنافع كوطء زوجته وغير ذلك فكذلك الأعيان، ولا خلاف أن لسيده انتزاع ماله إلا أن يتعلق به حق غيره كالمأذون له في التجارة.
ثم ذكر حكم مال العبد في التبعية وهو في البيع للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع اعتمادًا على نص الحديث، فإن اشتراطه المبتاع جاز وكان تبعًا له، وهو يجوز أن يشتري نصفه أو ربعه أم لا؟ قولان في المذهب: الجواز قياسًا
стр. 868
على الكل، والمنع لأن القصد إلى التجزئة دليل على أنه معتبر لا تبع، وما له في العتق تابع له، وقد روي عن النبي- ﷺ أنه قال: (من أعتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده) والأصل أنه مالك للسيد، فلا يخرج منه إلا بدليل، وذكر الخلاف في الهبة والصدقة وإسلامه في الجناية هل يتبعه ماله أم لا؟ قولان والصحيح أنه غير تابع، لأن انتقال الملك لا يكون بالشك.
قوله: "ولا تجوز التفرقة بين الأم وولدها": قلت: الأصل في منع التفرقة قوله- ﷺ : (لا توله والدة عن ولدها) وقوله- ﷺ : (من فرق بين الأم وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) وانعقد الإجماع على تحريمه، وإذا كان التفريق محرمًا فالجمع واجب، وهل المقصود الجمع في الملك الواحد، أو في البلد الواحد قولان عندنا (وإذا وقع البيع على التفرقة على مراعاة النهي هل يفسخ، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو يفسخ، ويجبران على الجمع فيه قولان عندنا) مبنيان على الاختلاف في النهي كما ذكرناه، وفي حد التفرقة روايتان في المذهب أحدهما الأثغار، والثاني البلوغ، وفي المذهب رواية شاذة بنفي التفرقة مطلقًا تمسكًا بعموم اللفظ.
قوله: "ولا يجوز في الأب" قلت: لأن النص لم يتناول إلا الأم لما لها من الشفقة والحنان فلا يستضر بمفارقة الأب كالأم.
قوله: "والتصرية عيب" التصرية في اللغة: الجمع يقال صريت الماء في
стр. 869
الحوض أي جمعته فيه، قال تعالى: ﴿فأقبلت امرأته في صرةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أي في جماعةٍ من النساء، وقد قدمنا الكلام في حكم المصراة، وبقيت فروع تتعلق بذلك:
الأول: إذا اطلع على عيب المصراة فله الرد به كما ذكرناه إلا أن يرضى بذلك، فلا يرد وهو إن علم أنها مصراة فله الرد به كما ذكرناه إلا أن يرضى بذلك، فلا يرد وهو إن علم أنها مصراة قبل الحلاب أو بعده، وله إذا حلب مرة أن يهمل حتى يحلب مرة أخرى ليعلم مقدار حلبها، فإن حلبها ثالثة فهل له أن يرد بعد الحلبة الثالثة، وهو مقتضى الحديث، أو ليس له الرد، لأنه إذا اختبرها (بالثانية) ثم حلبها الثالثة فهو رضى، قولان عندنا مشهوران ففي كتاب محمد له أن يرد إن شاء ولو حلب الثالثة، (وقال ابن القاسم: لا يرد إذا علم التصرية بالحلبة الثانية).
فرع: أوجب الشارع- ﷺ رد صاعًا من تمر. وفي بعض طرق الحديث: (صاعًا من طعام)، وفي بعضها: (صاعًا من سمراء) وكل ذلك دفعًا للخصومة، ولو أراد رد اللبن (بعينه) لم يجز لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وإنما نبه- ﷺ على التمر، لأنه غالب قوتهم حينئذٍ.
فرع: إذا قدرنا أن قيمة الصاع تزيد على قيمة الشاة فهل يقضى عليه بالصاع أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يقضى عليه".
فرع: إذا كانت شياه كثيرة مصراة فهل يكتفي بصاعٍ واحدٍ لجمعيها أو بصاعٍ لكل واحدة. (اختلف فيه المتأخرون، فقال ابن القاسم بن الكاتب بتعديد الصيعان، وقال أحمد بن خالد: يكتفى بصاعٍ
стр. 870
واحد".
فرع: إذا رضى بعيب التصرية ثم رد بعيب غيره فهل يقضي عليه برد الصاع أم لا؟ قال أشهب: يرد الصاع، وقال محمد: لا يرد قصرًا للحديث على ما ورد، حكاها المتأخرون من الأشياخ.
قوله: "وإذا فات المبيع في البيع الفاسد ضمنه المبتاع"، وهذا كما ذكره أن المبيع بيعًا فاسدًا يضمنه المشتري بالقبض، لأنه قبضه بشبهة العقد، ولم يقبضه على حكم الأمانة ويفسخ (ما دام) قائمًا، فإن فات بعيبٍ في البدن، أو عقد، عتق، ونحوه أو حوالة سوق وتعذر فسخه رجع فيه (بقيمة) المثل فيما له مثل، أو القيمة في ذوات القيم، وسواء كان المبيع مجمعًا على فساده، أو مختلفًا فيه، فإنه يضمن بعد الفوت القيمة، وفي المذهب رواية شاذة أن المختلف فيه إذا فات أمضى بالثمن لشبهة الاختلاف.
قال القاضي- ﵀: "والبيع جائز مساومةً ومرابحةً" إلى آخر الفصل كلا البيعتين جائز شرعًا لدخول النوعين تحت عموم قوله سبحانه: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (وفي) المرابحة (وجهان)، وكلاهما صحيح جائز، ثم أحسن البيان، وحاصل الأمر فيه على ثلاثة أقسام: منها ما يحسب، ويحسب ربحه وهو ما أثر في المبيع بزيادةٍ كالخياطة والصبغ، ومنها ما يحسب ولا يحسب له ربح، وهو غير المؤثر كحمل المبتاع من بلدٍ إلى بلد، وكراء
стр. 871
البيوت، ومنها ما لا يحسب ولا يحسب ربحه كالسمسرة والدلالة والشد والطي، وفرق القاضي بين الدلالة والسمسرة جريًا على عرفهم، وهما في عرفنا سواء، ذكر اختلاف المتابعين، والأصل في هذه المسألة ما ثبت عن النبي- ﷺ أنه قال: (إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويترادان) وفي حديث ابن مسعود: (تحالفا وتفاسخا). وتحصيل مذهب مالك فيه أنهما إذا اختلفا في مقدار الثمن ففي المذهب فيه خمسة أقوال:
الأول: القول قول المشتري بوجود العقد لأنه الغارم. قال الإمام أبو عبد الله: ذكر اللخمي في معياره أن بعض الأصحاب ذكر عن السيوري أنه وقع في الواضحة أن القول قول المشتري بنفس العقد، وهو قول أبي ثور.
(والثاني: أن التحالف والتفاسخ مطلقًا فات المبيع أو لم يفت، إذ لا ترجيح، وكل واحد منهما مدعٍ ومدعى عليه).
والثالث: التحالف والتفاسخ ما لم يفت المبيع، فإذا فات فالقول قول المشتري ترجيحًا بالفوات، لأنه الغارم حينئذٍ ما لم يقبض المشتري المبيع بان به أو لم يبن.
والفوت يكون بتغير السوق وزيادة المبيع (ونقصانه)، وإن اختلفا في جنسه مثل أن يقول: (أحدها) بعتك بدينار، وقال الآخر بثوب، فلا خلاف في هذا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولو اختلفا في النوع فقال: أحدهما بعتك
стр. 872
بقفيز (قمح)، وقال الآخر بقفيز شعير فهو (كالاختلاف) في المقدار، وقيل: كالاختلاف في الجنس، وإذ أوجبنا التحالف فمن المبدأ باليمين ثلاثة اقوال:
أحدها: تبدئة البائع. لأن أصل الملك له.
والثاني: تبدئة المشتري، لأن البائع قد وافقه على البيع، وإنما خالفه في الثمن.
والثالث: التقارع بينهما، واختاره بعض المتأخرين، أو أهل التبدئة من باب الأولى أو من باب الأوجب، وحكى الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره فيه قولان، ولو نكلا عن اليمين قولان أيضًا:
أحدهما: أن القول قول البائع (لابن حبيب)، وقيل يترادان: (لابن القاسم) حكاهما القاضي، وإذا تحالفا انفسخ البيع، فإذا أراد أحدهما أمضى ما قاله صاحبه، فهل له ذلك، ويجبر عليه من أباه، لأنه مقتضى الإقرار بالعقد أم لا؟ لأنه قد انفسخ بالتحالف، وهذا كأنه ابتداء بيع قولان عندنا.
وبدأ القاضي من مسائل بالاختلاف في الصحة والفساد (ولا شك أن الأصل الصحة فمن ادعاها رجح قوله بادعاء حكم الأصل، ويحلف لنفي دعوى خصمه إلا أن يكون الفساد) غالبًا على البياعات، ففيه حينئذٍ اختلاف في المذهب. قال سحنون: القول حينئذٍ قول مدعي الفساد، وإن اختلفا فما ينفي اللزوم مثل أن يدعي أحدهما (الخيار، والآخر، البت)،
стр. 873
فالقول قول مدعي البت، لأنه الأصل. وقال أشهب: القول قول مدعي الخيار، وحكى الأشهر من المذهب في الاختلاف في المقدار، وقد ذكرنا ما فيه.
قوله: "وإن كان (اختلافهما) في قبض الثمن". قلت: قد يختلفان في قبض الثمن، وقد يختلفان في قبض المثمون، فإن اختلفا في قبض المثمون رجع إلى العادة، فإن أشكل الأمر فإن الأصل أن الثمن) والمثمون باقيان بيد أربابهما، إلا أن يثبت الانتقال؟ ولو قيل: إن أصل العقد (يقتضي) التمكين والتقابض فالقول قول مدعيه لكان صوابًا، فإن أشهد المشتري على نفسه بقبض الثمن فهل يكون إشهاده شهادة على قبض المثمون أم لا قولان عندنا، وما شهدت فيه العادة باستعجال القبض غالبًا نحو البقل واللحم والصرف، فالقول قول مدعي العادة إذا قبض المشتري سلعته، وبان بها، وإن قبضها وهي بيده، ولم يبن بها ففي هذه الصورة قولان: المشهور القول قول البائع، لأنه مدعي عليه القبض، والشاذ أن القول قول المشتري لأنه غارم، وطول الزمان شاهد على صحة دعوى القبض، ولو اختلفا في تعجيل الثمن أو تأجيله رجع إلى العرف، فإن لم يثبت ففيه قولان حكاهما القاضي رواية ابن وهب أن القول قول المشتري، ورواية غيره أن القول قول البائع، والصحيح أن الأصل التعجيل فالقول قول مدعيه.
واختلف المذهب في العرف هل هو (كشاهدين أو) كشاهدٍ فيحلف مدعيه أم لا قولان عندنا.
قال القاضي- ﵀: "فصل ولا يجوز لمن وطئ أمة الفصل" إلى آخره.
стр. 874
شرح: من أراد بيع أمة وطأها وجب على البائع الاستبراء عندنا لاحتمال أن تكون حملت منه فيكون قد باع ولده (وأم ولده)، ومدخلًا للشبهة في نسبه، والنسب أوجب ما احتيط له، وقال أبو حنيفة والشافعي الاستبراء في هذه المسألة واجب على المشتري مستحب للبائع وهو ضعيف، والصحيح وجوبه على كل واحدٍ منهما، إما على البائع فلما ذكرنا، وإما على المشتري فلقوله- ﷺ : (لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض). قال القاضي أبو محمد وغيره من أئمتنا، ولا يحل للمشتري مقدمات الوطء مطلقًا من اللمس للذةٍ وغير ذلك إلا بعد تحقق الاستبراء لاحتمال أن تكون أم ولد البائع.
قوله: "والاستبراء حيضة" قلت: لأن البراءة تحقق بها مع أن مقتضى قوله- ﷺ : (حتى تحيض) وذلك يصدق على الواحدة، واتفاق على المتبايعين على استبراء واحد جائز كما ذكره القاضي لحصول الغرض المقصود من البراءة، ويكفي في صحة الاستبراء قولها، لأن النساء مؤتمنات على أرحامهن إلا أن يدعين ما لا يشبه بحال، ثم ذكر حكم القافة عند الالتباس فيها إذا وطأها وأتت بولدٍ يمكن لحوقه بهما، والقافة عند العرب قوم كانوا يعملون المشابهة، وقد اختلف العلماء في الحكم بها، وقضى بها جمهور الفقهاء من المدنيين، والشاميين وغيرهم، ونهى عن الحكم بها العراقيون، والدليل لمالك وسلفه من وجوه: الأول: حديث عائشة- رضى الله عنها-، قالت دخل رسول الله- ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تسمع ما قاله مجزز المدلجي
стр. 875
لزيدٍ وأسامة: ورأى أقدامهما فقل إن هذه الأقدام بعضها من بعض)، فسرور رسول الله- ﷺ بذلك يدل على أنه حق لا باطل كما يقول العراقيون وكان المشركون يطعنون في نسب أسامة، لأنه أسود، وأبوه أبيض.
الدليل الثاني: قوله- ﷺ في قصة هلال بن أمية (إن جاءت به على نعت كذلك فهو لشريك). وقد تقدم الحديث وعمل به عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة، لا مخالف له وجرى العمل به المدينة فكان حجة، وإذا ثبت الحكم بالقافة تعين النظر في مسائل:
الأولى: محلها: ومحلها عند مالك اليمين؟ وهل يقضي بها في النكاح أم لا؟ قولان في المذهب، المشهور أنه لا يقضى بها فيه، وقال ابن وهب يقضى بها في النكاح، وهو قول الشافعي.
المسألة الثانية: هل يكتفي بقائفٍ واحد، أو لابد من قائفتين قولان عندنا مبنيان على الاختلاف في القافة هل هي حكم أو شهادة.
المسألة الثالثة: إذا قضى القائف بالاشتراك في الولد الواحد، فقد اختلف الفقهاء فيه، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال:
стр. 876
أحدها: أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ويقال له وال أيهما شئت اعتمادًا على قول عمر بن الخطاب (للغلام وال أيمما شئت) كما رواه مالك في موطئه.
والثاني: أنه يلحق بأقواهما شبهًا.
والثالث: أن يكون ابنًا لهما قاله أبو ثور، وروي ذلك عن سحنون وغيره من أهل المذهب وبه قال من السلف عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وهي بنوة شرعية لا بنوة طبيعية، ولا يكون الولد ابنًا لأبوين طبعًا. قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ [لقمان: ١٤].
وفي المذهب قول رابع أنه لا يكون ابنًا لواحدٍ منهما، إذ لا يلحق النسب بالشك، وقد قال بعض أهل العلم بإلحاق الولد: بالقرعة اعتمادًا على ما رواه (الشعبي) عن زيدٍ بن أرقم قال: كان علي- ﵁ (باليمن) فأتى امرأةً وطأها ثلاثة أناسٍ في طهرٍ واحد فسأل كل واحدٍ أن يقر لصاحبه بالولد فأبى فأقرع بينهم ولضى بالولد للذي أصابته القرعة رواه الثوري بإسناده.
стр. 877
كتاب الإجارة
قال القاضي- ﵀: "الإجارة جائزة" إلى قوله: "والإجارة ضربان".
شرح: الإجارة مشروعة، والدليل على ذلك الكتاب والسنة (والإجماع) أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فئآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله سبحانه: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ [القصص: ٢٧] الآية، والدليل على ذلك من السنة وجوه:
الأول: قوله- ﷺ : (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).
والثاني: حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وذكر فيه (أنه استأجر أجيرًا) الحديث وهو ثابت في الصحيح، وقال- ﷺ : (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولو يوفه أجره) وقال- ﷺ : (إن الله يطوي المظالم يوم القيامة ويجعلها تحت قدميه
стр. 878
إلا ما كان من فض الخاتم وعرق الأجير) ذكره الإمام أبو بكر بن فورك في المشكل، وذكرنا في كتابنا فيه، ومنها ما خرجه البخاري عن عائشةٍ قالت: استاجر رسول الله- ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل وقيل: إنه عامر بن فهيرة هاديًا خريتًا وهو على دين كفار قريش فدفعا له راحلتيهما وواعده غار ثور براحلتيهما بعد صبح ثلاث ليال، وذلك حين أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة فطلب أبو بكر صحبته).
وأجمع العلماء على جواز عقد الإجازة إلا من لا عبرة (بمخالفته مخالفة) الجمهور كالأصم وابن عيينة فإنهما منعاها.
قال بعض شيوخنا: ولعل الأصم لم يبلغه الإجماع لصممه، وإنما منعاها، لأن المنافع في العقد معدومة، فكان اشتراؤها غررًا، (وكان من باب) بيع ما لم يخلق، وإذا ثبت جوازها فهل هي من العقود الجائزة
стр. 879
كالجعل والشركة، أو من العقود اللازمة، جمهور أهل العلم أنها من العقود اللازمة.
قوله: "ولا تصح أن تكون المنافع المعقود عليها معلومة" ينبغي أن يزيد من جنس ما لم ينه عنه الشرع احترازًا من المنافع المعلومة المنهي عنها كأجر (النائحات) والمغنيات وغير ذلك، ثم ذكر العلم بالمنافع طريقين: أحدهما: أن يكون جنس المنفعة معلومًا كركوب الدابة، وبناء الحائط، وخياطة الثوب، وسكنى الدار ونحوه مما يعلم بالمشاهدة. والثاني يلزمه فيه ضرب الأجل لينحصر به، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن ركوب الدابة، وسكنى الدار وإن كانا معلومين فيلزم فيهما ضرب الأجل (ابتداءً وانتهاءً) لينتفي الغرر (وتتبين المدة) المشتراة منافعها لا محالة، ويتنزل ذكر المسافة في ركوب الدابة منزلة ذكر الأجل، ثم ذكر ضابطًا كليًا لما يجوز استئجاره من المنافع فقال: كل عينٍ لها منفعة يجوز تناولها بغير أجرةٍ فإجارتها لتلك المنفعة جائزة، وهذا معترض فإن إجارة الآبق والبعير الشارد ممنوعة وهبة أعيانهما وهبة منافعهما جائزة لجواز هبة الغرر، والمجهول، انظر هل يدخل تحت هذا والضابط إجازة الدنانير والدراهم وغيرهما مما لا يعرف بعينه أم لا؟ (وظاهره) تناوله، وإن كانت إجارة ذلك لا تصح على المشهور من المذهب. قال ابن القاسم: وإجارة الدنانير والدراهم قرضًا وإنما لم تصح إجارتها، لأن الإجارة تقتضي تمليك الانتفاع بها، وذلك يستلزم إتلاف أعيانها، إذ لا منفعة فيها مع بقاء العين، فإذا أتلف (عينها)، ورد مثلها صار
стр. 880
حكم الإجارة إلى القرض في المعنى، فإن استأجرها فهي قرض، والإجارة ساقطة عن المستأجر على قول ابن القاسم، وأجاز الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره استئجارها للتجميل بها، (والتكثير) ليراها الناس بين يديه لما يتعلق (له) بذلك من الأغراض (بشرط) أن يكون مالكها حاضرًا مع مستأجرها خوفًا من إتلاف عينها، ورد مثلها مع زيادة الأجرة فتكون سلف جر نفعًا ثم ذكر القاضي أن إجارة العيان مدة معلومة على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين الابتداء والانتهاء، وهذا لا خلاف في جوازها لانتفاء الغرر فيه من كل وجه. والثاني: أن يذكر المدة ولا يبين أولها، واتفق المذهب على جواز ذلك إحالة على العادة، إذ مقتضاها أن أول المدة من حين العقد كابتداء الأجل في السلم وفي اليمين فيمن حلف أن لا يتكلم فلانًا شهرًا (فانعقد اليمين) عليه من وقت يمينه بحكم العادة، في جميع ذلك، وقال الشافعي: إن لم يبين أول المدة في الكراء فهو باطل وراءه غررًا. والثالث: أن يعقد الكراء منه مشاهرةً، فيقول الشهر بكذا، أو السنة بكذا، فالخلاف في هذا القسم في محلين:
الأول: في جوازه، ولا خلاف في مذهب مالك في جوازه، لأن المنافع معلومة المقدار في المعنى فهو بمنزلة أن يقول له بعتك ما في هذه الصبرة ما شئت كل قفير بكذا، ومنع الشافعي كراء المشاهرة من حيث إن المنافع لم تتقيد، وله وجه من النظر.
الثاني: إن انعقدت الإجارة مشاهرةً فله أن يخرج متى شاء، وللمالك أن يطالبه بالخروج متى شاء. واختلف المذهب هل يكون عليه من الأجر بحسب
следующие страницы →