-[الكتاب: كنز الدرر وجامع الغرر]-
المؤلف: أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري
الناشر: عيسى البابي الحلبي
عدد الأجزاء: ٩
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تصدير
بدأت بالعمل على تحقيق هذا الكتاب فى خريف ١٩٧٩، ومنذ أيّار/ مايو ١٩٨٠ وأنا أعمل بدعم من الجمعيّة الألمانيّة للبحث العلمى، ولقد قام بالإنفاق على الطّبع المعهد الألمانى للآثار فى القاهرة، وهنا أودّ أن أقدّم جزيل شكرى وامتنانى لهاتين المؤسّستين وإلى الشخصيّات التالية أسماؤهم أيضا:
الأستاذ هانس روبيرت رويمر (فرايبورج) الذى اقترح علىّ فكرة هذا العمل وهيّأ لى الجوّ المناسب للانطلاق فى التنفيذ، كما وأشكر الأستاذ أو لريخ هارمان (فرايبورج) الذى تفضّل بأن وضع تحت تصرّفى ملاحظاته الخطّيّة على الأجزاء ٢ - ٥ من كتاب التاريخ هذا، وأتقدّم أيضا بشكرى الخاصّ للأستاذ أنطون شبيتالر (ميونخ) الذى أرسل لى مواد قيّمة من مجموعته الواسعة من الشعر العربى، السيّدة أنطوانيت وزوجها الدكتور راينهارد وابيرت (ميونخ) تفانيا فى مساعدتى فى البحث عن المصادر المقتبسة، فلهما جزيل شكرى، ولقد أشركنى الدكتور جريجور شولر (جيسين) فى أبحاثه التى لم تنشر بعد عن المسعودى-الزائف، فله شكرى، كما وأشكر معلى الأستاذ فريتر ماير (بازل) الذى قام بنقد مطوّل للمقدّمة، أمّا الأستاذ إحسان عبّاس (بيروت) فأشكره على تفضّله بإرسال مايكروفيلم مخطوطة أحمد الثالث ٢٩٠٧ لكتاب مرآة الزمان، ولإدارة المكتبة السليمانيّة (استنبول) أقدّم شكرى على
стр. 3
مايكروفيلم المخطوطة التى أقدّم الآن تحقيقها (آيا صوفيا ٣٠٧٣)، وأخيرا وليس آخرا أشكر الأستاذ كايزر، مدير المعهد الألمانى للآثار فى القاهرة، حسن الضيافة فى المعهد وذلك أثناء طباعة الكتاب.
القاهرة فى تمّوز/يوليه ١٩٨١
ببرند راتكه
стр. 4
مصادر تأريخ كنز الدرر وجامع الغرر
من كتاب الشفاء فى معجزات المصطفى
من تأريخ القاضى ابن خلكان
من الروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر
من تأريخ أبو المظفر بن الجوزى
من كتاب جنا النحل
من كتاب القاضى صاعد بن صاعد الأندلسى
من تأريخ ابن زولاق بمصر
من الكتاب التركى فى أخبار التتار
من كتاب حلّ الرموز فى علم الكنوز
من كتاب الشريف أخى محسّن
من الفيح القدسى فى سيرة صلاح الدين
من تأريخ ابن واصل الحموى
من كتاب مطالع الشروق فى بنى سلجوق
تأليف المصنف الدرّ الفاخر فى سيرة
الملك الناصر آخره ولله الحمد.
стр. 5
فهرست لما فى هذا الجزء من صحيح الأخبار
وملح الآثار
مقدمة المصنف ٢
فصل فى حدث العالم وإثبات الصانع ١٤
فصل فى تنزيه البارئ ١٧
ذكر أوّل مقامة لابن الجوزى ﵀ ١٨
ذكر بداية المخلوقات ٢٤
ذكر حدّ الزمان والأيّام ٢٦
ذكر خلق السموات والآثار العلويات ٣٠
ذكر القول على البروج ٣٦
ذكر الفصول والرياح الأربع ٤٢
ذكر ما بين كل سماء وسماء ٤٣
ذكر الشمس والقمر والنجوم الثابتة والسائرة ٤٤
ذكر منازل القمر ٥٠
ذكر البيت المعمور ٦٠
ذكر سدرة المنتهى وشجرة طوبا ٦٢
ذكر العرش العظيم والكرسى الكريم من الصحيحين ٦٣
ذكر الملائكة المقرّبين والروحانيّين والكروبيين ٦٨
ذكر الجنّة وما لله على عباده فى خلقها من المنّة ٧٣
стр. 6
ذكر خلق الأرضين وما فيها من المخلوقين ٨١
ذكر أشهر الأمم من العرب والعجم وما قيل فى ذلك ٨٤
ذكر معرفة التأريخ وما قيل فى ذلك ٩٢
ذكر البيت الحرام وزمزم والمقام ٩٤
ذكر مساحة الأرض وطولها والعرض ٩٥
ذكر الأقاليم السبع والمعمور من الأرض ٩٧
ذكر إقليم الهند وهو الأوّل ٩٨
ذكر إقليم الحجاز وهو الثانى ٩٩
ذكر إقليم الشأم وهو الثالث ٩٩
ذكر إقليم العراق وهو الرابع ١٠٠
ذكر إقليم الروم وهو الخامس ١٠١
ذكر إقليم الترك وهو السادس ١٠١
ذكر إقليم الصين وهو السابع ١٠١
ذكر البلدان وما فيها من السكان ١٠٣
ذكر الجبال والهضاب والرمال ١٢٩
ذكر التلال والتلاع والقلاع ١٥٣
ذكر البحار والجداول والأنهار ١٥٩
ذكر البحر الحبشى وما فيه من العجائب ١٦١
ذكر البحر الرومى وما فيه من العجائب ١٦٧
ذكر المعادن التى كالخزائن ١٦٦
стр. 7
ذكر الجزائر وعجائبها ١٧٢
ذكر الجزر والمدّ وما قيل فى ذلك ١٨٠
ذكر العيون والأنهار وما قيل فى ذلك ١٨٤
ذكر شئ من كلام الإمام على ١٨٧
ذكر النيل وما قيل فيه ١٩٠
ذكر الفرات وما قيل فيه ١٩٧
ذكر دجلة وما قيل فيه ١٩٩
ذكر سيحون وما قيل فيه ٢٠١
ذكر جيحون وما قيل فيه ٢٠١
ذكر سيحان وجيحان وما قيل فيهما ٢٠٤
ذكر أنهار الشام وما قيل فيها ٢٠٥
ذكر أنهار العراق وما قيل فيها ٢٠٦
ذكر عجائب الدنيا ٢٠٩
ذكر الطبائع وما قيل فى ذلك ٢٢٩
ذكر سكّان الأرض من أوّل زمان ٢٣٠
ذكر من ملكها وقطعها وسلكها ٢٣١
ذكر الحن والبن والطم والدم ٢٣٢
ذكر إبليس والزهرة وهاروت وماروت ٢٣٧
ذكر ملوك الجنّ الحكام السبعة ٢٣٩
ذكر إبليس وأولاده وحشوده وجنوده ٢٤٤
стр. 8
ذكر الجن وقبائلهم وشعوبهم ٢٤٩
ذكر الأمم المخلوقة قبل آدم ٢٥٦
ذكر الأمم المخلوقة بإزاء منازل القمر ٢٥٦
ذكر النسانس وعجائبها ٢٥٨
ذكر عدة من عجائب الدنيا ٢٦١
ذكر النار أجارنا الله من عذابها ٢٦٥
ذكر من تحت الأرض من السكان ٢٦٨
ذكر مقامة لابن الجوزى ٢٧٠
ذكر المنظوم والمنثور فى الأزمان والدهور ٢٧٥
ذكر المحاضرة الربيعية من تصنيف المصنف ٢٧٧
ذكر الفصول الأربعة وما فيها من المنفعة ٣٣٧
ذكر عدة من المنظوم فى السياسة ٣٧١
ذكر المحاضرة الأوائليّة من تصنيف المصنف ٣٧١
ذكر أشراف الكتّاب ٣٩١
ذكر كتّاب الإسلام ٣٩١
من كتب بين يدى رسول الله ﷺ ٣٩٢
ذكر الكتّاب الذين صاروا خلفاء ٣٩٣
ذكر سائر أشراف الكتّاب الذين كانوا فى صدر الإسلام ٣٩٣
ذكر الأعرقين من كلّ طبقة من الناس ٣٩٥
مصادر التحقيق ٤٠٣
الجزء الأوّل
من تاريخ كنز الدّرر وجامع الغرر
تأليف أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر ابن عبد الله بن أيبك صاحب صرخد،
كان عرف والده ﵀ بالدواه دارى، انتسابا لخدمة الأمير المرحوم سيف الدين بلبان الرومى الدوادار الظاهرى، تغمّده الله برحمته وأسكنهم فسيح جنّته بمحمّد وآله.
وهو الدرّة العليا فى أخبار بدء الدّنيا
اللهمّ فصلّ عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه الذين أضحوا على أهل الشرك ظاهرين، وارض اللهمّ عن الأنصار والمهاجرين ومن تبعهم بإحسان إلى (٣) يوم الدين، إنّك بالإجابة جدير، وأنت على كلّ شئ قدير، يا نعم المولى ويا نعم النصير.
وبعد: فإنّ خير الكلام ما شغل بذكر بعض محاسن من جمع الله تعالى له ملك الدنيا إلى ثواب الآخرة، وعزّة النفس إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفاذ الحكم وجعله مبرّا على سائر ملوك العصر، كما فاق بملكه على جميع سلاطين الدهر، بخصائص من العدل، وخلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، وعزائم قد شاعت فى أقطار الأرض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلّها بالعبادات، ومحاسن سير تحرسها أسنّة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالى والأيّام، فأصبحت الأيّام بدوام أيّامه تميس إعجابا، والأزمنة بعد هرمها بزمانه قد عادت شبابا، فلذلك وجب على كلّ ذى عقل ودين، بل على كافّة الناس من سائر الملل أجمعين أن يمدّوا بالدعوات الصالحة، بأفكارهم القادحة لدوام أيّامه وخلود سلطانه وبقاء ملكه واستمرار زمانه، لأنّه زمان، قد جمع بين العدل والإحسان، والخصب والأمان والطمأنينة، وقد قيل: الأوطان حيث يعدل السلطان، وعدل السلطان خير من خصب الزمان، فكيف إذا اجتمعت هذه الخلال فى بعض محاسن مولانا السلطان، ملك العصر والزمان، والمؤيّد بالملائكة والقرآن، سيّدنا ومولانا ومالك رقّنا السلطان الأعظم الملك الناصر أيا المعالى صاحب هذه المناقب والمفاخر، ناصر الدنيا والدين محمّد ابن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاون الألفى الصالحى (٤).
وذلك أنّ صدقاته العميمة الشاملة شرقا وغربا، الذاهبة غورا ونجدا،
стр. 13
كشفت عن أهل الفضل أحوالا تتضمن أهوالا، وعلّمهم كرمه كيمياء تجعل الآمال أموالا، وأقام سوق العلوم وسوقها، وأربح تجارة من حمل إليه وسوقها، فلذلك جعلت كتابى هذا من رعايا الكتب أميرا، وأمطيته من عروس المملكة سريرا، وجعلت رأسه لسماء الفخر مظلّلا وبتاج العزّ مكلّلا، وافتتحته بذكر ملك هو مفتاح يد التطرّق إلى باب الرشاد، ومصباح عين المستضئ بنور السداد، ورحمة الله الموعودة للعباد، ورحمته المنشورة فى البلاد، ملك قام بأمر الله معتصما بحبل رجائه، فصبّ بحار النعم على أوليائه، وأسواط النقم على أعدائه، فهو بشارة مصبوبة فى الآدان وباكورة مجلوبة من ثمرات الجنان، ومالك له فى كلّ مكرمة عزة الأرضاح، ومن كلّ فضيلة قادمة الجناح، بصدر تضيق عند الدهناء وتفزع إليه الدهماء (من الكامل):
لله صدر للإمام كأنّما ... أقطار طاعته به قطمير
تتزاحم الأضداد فيه وتنثنى ... عنه وليس لوقعها تأثير
(من الوافر):
وأثبت ما تراه نهى وجاشا ... إذا دهش المشاور والمشير
سيّد للجميل معتاد، والفضل منه مبدأ ومعاد، وسلطان ما له للعفاة مباح، وفعاله فى ظلمة الدهر مصباح، بهمّة تعزل السّماك الأعزل، وتجرّ ذيلها على المجرّة، مفترع أبكار المكارم، رافع منار المحاسن، ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله، بيت القصيدة والواسطة الفريدة (٥)، ذكر الأنام لنا فكان قصيدة كتب البديع الفرد من أبياتها، شجرة فضل عودها أدب وأغصانها علم وثمرتها عقل وعروقها شرف، تسقيها سماء الحرّيّة، وتغذيها أرض المروّة، يحلّ دقائق الأشكال، ويزيل معترض الإشكال، قد جمع الحفظ العزيز،
стр. 14
والرأى السديد فى التدبير، يفهم من مبادئ الأقوال خواتم الأحوال، ومن صدور الأمور إعجاز ما فى الصدور (من الطويل):
يناجيك عمّا فى الضمير كأنّه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرا
فأبوابه الشريفة كعبة المحتاج لا كعبة الحجّاج، وأمن الخائف لا منا الطائف، ومشعر الكرم، لا مشعر الحرم، ومنجد الخوف لا مسجد الخيف، حرسها الله تعالى بما حرس به كعبته من أصحاب الفيل ورمى من رامها بسوء بحجارة من سجيل (من الطويل):
إليه والاّ قيّدوا قدم السرى ... وفيه والاّ أخرسوا اللسن (١) الحمد
وعنه أفيضوا إنّه مشعر الهدى ... وحوليه طوفوا إنّه كعبة القصد
وحسب الليالى أنّها فى زمانه ... بمنزلة الخيلان فى سفحة الخدّ
يغيثك فى محل يعينك فى ردا ... يروعك فى درع يروقك فى برد
جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد
قد أقامه الله تعالى رحمة لعباده، وغيثا لبلاده، وغوثا لعباده، حاسم عن القيام بحقوق الله ساق التشمير، وحاسم بنفوذ أوامره المطاعة موادّ الفساد بحسن التدبير، كنز الآملين وغيث الماجلين وملجأ القاصدين وبحر الواردين، سيّد الملوك والسلاطين، فى كل عصر ووقت وحين (٦) الذى عجزت الألسن فى مدحه حتى عادت قصار، ولو كان كلّ اللسن (٢) كحسّان والأنصار له أنصار:
(من الكامل):
ماذا أقول إذا وصفت جلاله ... والنطق فيه مطلق ومقيّد
النظم أضيق أن يحوز صفاته ... لكنّه جهد الذى هو يجهد
стр. 15
إنّا إذا قمنا له بالشكر نعمل ... للمعاد حقيقة ونمهد
أدام الله أيامه لملك الأرض حتى يدبّره، وملك العصر حتى يثمره ولا أخلاه من عناء يبتنيه، وثناء يقتنيه، وخير يصطنعه، ومدح يستمعه، وأعزّ أنصاره وبسط ظلّه وجعل أعداؤه خاشعة أبصارهم ترهقهم (١) دلّة،
آمين آمين يا ربّ العالمين.
وبعد: فإنّ العبد لما اشتغل بفنّ الأدب السامى للقدر المالى للرتب، وعهدى بعهد الصبى مخيم ما استقلّ والوجه بالنبت موسم همّ وما بقل، والخطّان المتواردان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضدّان المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا، ولم يثن غنائى عن ما غنائى من الإيضاع مقلة ينبوع، ولا زمّنى عمّا أهمّنى من الإسراع بيانه أسروع، فعلى هنالك قدرى جدّ فى طلب العلم جدّه، وما رأى فى عسجد أستفيده ولكنّى فى مفخر أستعدّه، وكفى بالعلم مفخرا يقدع منه أنوف المفاخرين، وبالثناء الجميل مدخرا وهو لسان الصدق فى الآخرين، والموفّق من إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب، ومدّ أطناب خيامه على النجوم الثواقب، فلذلك استأنست بالخلاء عن الملاء، وولّيت وجهى شطر الأئمة الفضلاء، (٧) وبسطت حجرى لا لتقاط درر الشفاه وجعلت ذلك دواء لقلبى وشفاءه، وتركت اليراعة التى هى سنان رمح البراعة بطول انتظامها إلى أناملى سادسة لخامسها، والمداد الذى هو مستقى أرشه الأقلام منهلا لخوامسها، لا جرء أحمدت مسراى عند الصباح، ونادى مناد الخير حى على الفلاح، وهيّأ الله لى من أمرى رشدا، وثمر لى طول معاناة المخض زبدا، ومحقّق لى كلّ ظنّ ممّا تجمع لى من كلّ فنّ، فكأنّ الأرض حللت لى على اتّساع جوانبها ورويت عن الفضلاء
стр. 16
من مشارقها ومغاربها، فغدت كأنّى فى تخليد أخبارهم، وتجديد الدارس من آثارهم قبلى من اللواقح السواحب ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها، وربعى من النوافخ فى صور رعدها على الروضة الفائحة إنشارا لنباتها، ولم ينشر إلىّ الوصول إليها والفراغ منها إلاّ وقد وخط القتير، وطلع النذير، وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشعر، فحلى الفود مشتعلا وأضاف الدود إلى الدود فصارت إبلا.
ثم اخترت الله تعالى بعد ما أخلصت النيّة، وسألته سرّا وعلانية أن يلهمنى رشدى، ولا يخيّب سؤالى وقصدى، فدلّتنى هناك الإرادة، وحرّكتنى لذلك السعادة، فوضعت هذا التأريخ اللطيف، مشرفا بالاسم السلطانى الناصرى الشريف، وشمّرت عن ساق التشمير، وهجرت كلّ جليس وسمير، ما خلا سمير الكتب، وشهير الأدب، وقدحت زناد الفكرة فأورا وأضا، وأحيت ما دثر من الأفاضل ممّن انقضا ومضا، الذين بأسنّة يراعتهم يضرب المثل، وبألسنة (٨) براعتهم ملكوا قلوب تلك الملوك الأول، إذا كان الوقت للفاضل فيه مقال، ويقال فيه الجاهل وفى الفاضل يقال، فلمّا أقفرت تلك البقاع وخلت الرّخاخ من الرقاع، وتفرزنت بيادق الحراشى، ودثر ونسى الناثر والفاضل الناشئ، وكسد سوق اليراعة، وفسد زمان البداعة، قصدت أن أتتبع آثار الداثر، وأتشبّثّ بشئ من الدارس فى دا الزمان الفاتر، لعلّى أبلغ الأسباب وأضاف إلى جملة عبيد السادة الكتّاب وإن كنت لست من أهل هذه الصناعة، ولا تجّار هذه البضاعة، وأين وقع الضباب من قطر السحاب، وهفيف الغراب من هوى المقاب، لكنّنى تشبّتّ بفصلهم منهم إليهم، وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم.
стр. 17
وكان الابتداء فى الاشتغال بمسوّداته، وجمع نوادره ومستطرفاته وتحصيل أخباره وحكاياته فى سنة تسع وسبعمائة العربيّة للهجرة النبويّة، على صاحبها أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وذلك مما انتخبته وانتقيته وغربلته ونقيته، من تواريخ رئيسة وكتب نفيسة وزبد عجيبة، ونبذ غريبة، يشتمل على درر يتيمة وغرر كريمة، وبدع مؤنقة، ولمع مخرقة، فعاد كالحديقة المشرقة ذات أشجار مورقة بأثمار باسقة، وأطيار ناطقة وأنهار دامقة وأزهار شائقة، وحدائق مزهرة ودقائق مبهرة، ونوادر ملهية، ومضاحك هزليّة وملح شهيّة، ورقائق مبكية وأهاجى منكية، ومدائح زكيّة، وحكايات مليحة بروايات صحيحة، بألفاظ فصيحة، تصل إلى العقول الرجيحة، فلما كمّلت مسودّاته، ونجزت آياته (٩) ألّفت كلّ واقعة فى زمانها، وما جرية فى أوانها، وأقمته تأريخا غريب المنال، كثير الحكم والأمثال، ولخضت من تواريخ الجمع، ما ينزّه الناظر ويشنّف السبع، يتضمّن من فوائد الجدّ، ونوادر الهزل، وفرائد النثر، وقلائد النظم، ما يملأ البصر نورا، والقلب سرورا، مع عيون تواريخ العرب والعجم، ومن سلف من ملوك الأمم، إلى نتف الأئمة الخلفاء وفقس الملوك والوزراء، ونكث الزهّاد والحكماء، ولمع المحدّثين والعلماء، وحكم الفلاسفة والأطبّاء وغرر البلغاء والشعراء، وملح المجان والظرفاء وطرف السّوال والغوغاء، وما يختصّ به كلّ زمان، ويفترد به كلّ طائفة بأوان.
واستفتحت الكلام بتنزيه البارئ المنزّه عن الأوهام الذى لا تدركه الأبصار ولا الأفهام ولا تفنيه الليالى ولا الأيّام، حىّ قيّوم لا ينام، الأبدى على الدوام، ثم أتبعت ذلك ببدء الدنيا وخلق الأشياء مع خلق السموات، وما فيها من المخلوقات العلويّات، وكذلك الأرضين وما قلّها من المخلوقين، وتلوت هذا الكلام بخلق
стр. 18
آدم ﵇ وما ورد من الحديث فى الأمم المخلوقة من قبله، وأردفت ذلك بالأنبياء والمرسلين من نسله، تتلّوا ذلك الحين صلوات الله عليهم أجمعين، ثم ذكرت السحرة والكهّان من قبل آفة الطوفان، من بعد ما وهنت عن طوائف الجنّ والجانّ، وإبليس اللعين، وأولاده وجنوده وأعوانه الملاعين، وكلّ ذلك مستخرج من صحيح مسلم والبخارى، لا فوق بما ألفته على أهل زمانى من أنظارى، ثم ذكرت شجعان الجاهليّة، والفحول من الشعراء الأوائليّة، فى الفترة لما بين عيسى صلوات الله عليه والحواريّين، إلى مولد سيّدنا وحبيبنا وشفيعنا محمّد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين (١٠) وأصحابه والتابعين صلاة دائمة إلى يوم الدين.
ثم ابتدأت من أوّل عام الهجرة سياقة النيل من بعد سياقة التاريخ بعام الفيل وقدّمت قبل كل حادثة من حوادث ذلك العام، ما يليق من الكلام، وذلك ما استقرّ عليه القاع من الماء القديمة، وما انتهت إليه الزيادة على القانون المستقيم، وأثبتّ ذلك لفوائد عدّة يأتى شرحها، ويظهر للمتأمّل الحاذق ربحها.
ثم أتبعت هذا الكلام، فى حوادث كلّ عام، ومن كان فيه من الحكّام من خلفاء الإسلام، وملوك الأنام، السادة الأعلام فى مشارقها ومغاربها، ومسالمها ومحاربها، وذلك ممّا اتّصل إلينا من أخبارهم فقصصناه من آثارهم وما عدا ذلك فعلمهم عند خالقهم، ومنشئهم ورازقهم، وذكرنا ما حدث فى كلّ عام من حوادث وأمور، وما تغيّر فيه من أمر كان أو مأمور، واعتمدت فى ذلك كلّه الغاية فى الاختصار، إذ التواريخ وجمعها لا يقع عليها إحصار، ولقد اعتنيت بحصر ما جمعت فيه من ملح تواريخ الإسلام، وما اخترت من نوادر جواهر الكلام، فكان نيف وخمسين، مجيدين محسنين، حسبما ذكرت من أسمائهم وبيّنت من
стр. 19
أنبائهم بحكم أنّنى لم أترك فى هذا المجموع المطبوع تقصيرا مخلّ، ولا أسهبت وأطنيت تطويلا مملّ، وليس الاعتماد فى هذا كلّه إلاّ على حسن فطرة القارئ، الذى ذهنه أرقّ من الماء الجارى، فإذا حسن من القارئ البراعة، وأصغى السامع وأخلى قلبه لسماعه، لذّت هنالك المحاضرة، وعلم هنالك أنّه كتاب لا يقاس بالمناظرة.
ثم إنّ العبد قد اقترح فى تأليفه اقتراحا أظن أننى لم أسبق إليه، يظهر صحّة الدعوى لكل واقف عليه وذلك أننى خصصت كلّ جزء من أجزائه التسع بدولة من الدول، وما فى ضمنها من الدول (١١) المنقطعة وملوكها أرباب الخول، وجعلت أجزاءه مقسومة على هذه الأفلاك التسع، لعلوّ قدرها ولما خصّوا به من النفع، وأسماءهم:
الأول: نزهة البشر، من قسمة فلك القمر، المسمّى: بالدرّة العليا فى أخبار بدء الدنيا.
الثانى: علّة الوارد من نسمة عطارد، المسمّى: الدرة اليتيمة فى أخبار الأمم القديمة.
الثالث: المشرف بالقدرة، من قسمة فلك الزهرة، المسمّى: الدر الثمين فى أخبار سيّد المرسلين والخلفاء الراشدين
الرابع: بغية النفس من قسمة فلك الشمس، المسمّى: الدرّة السميّة فى أخبار الدولة الأمويّة.
الخامس: الذى كلّ سمع له نسيخ، من قسمة فلك المرّيخ، المسمّى: الدرّة السنيّة فى أخبار الدولة العبّاسيّة
السادس: الفائق صحاح الجوهرى، من قسمة فلك المشترى، المسمّى: الدرّة
стр. 20
المضيّة فى أخبار الدولة الفاطميّة.
السابع: شهد النحل، من قسمة فلك زحل، المسمّى: الدرّ المطلوب فى أخبار دولة ملوك بنى أيّوب.
الثامن: زهر المروج، من قسمة فلك البروج، المسمّى: الدرّة الزكيّة فى أخبار دولة الملوك التركيّة.
التاسع: الجوهر الأنفس، من قسمة الفلك الأطلس المسمّى: بالدرّ الفاخر فى سيرة الملك الناصر.
فلمّا اجتمعت هذه الدرر النفيسة، والغرر الرئيسة سمّيت مجموع التأريخ: كنز الدرر وجامع الغرر، وانتهيت فى سياقة التاريخ آخر الجزء التاسع بذكر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فإن جلّى بإصابة سمع فعن قوس فكرى كانت الرماية، ولولا خوفى من التغالى والانتصار لتألّفى ومقالى، لقلت كما قال أبو الفرج الإصفهانى صاحب كتاب الأغانى: وهو كتاب ينتفع به الأديب المتقدّم. كما ينتفع به الشادى المتعلّم، ويأنس به الخليع المتهتّك، ويحتاج إليه الملك فى ممالكه كما يحتاج إليه المملوك فى خدمة مالكه، وهو نعم الأنيس وخير جليس.
قلت: فإن حسن لعين الناظر فيه والدارس، وأحلاه بحلّ القادح لدى القابس هنالك أقول (١٢) (من الخفيف):
يا كتابى قبّل يديه إذا ما ... نلت حضّا وقل له يا كتابى
أنت بحر العلوم فاغفر إذا ما ... قد أعادوا إليك قطر السحاب
وإن قذفه وقلاه، ونبذه من بعد ما استملاه، فأنا أسأله أن يسامحنى بالغلط، فمن ذا الذى ما ساء قطّ، ومن له الحسنى فقط، وإن جهل معانيه وما فيه من الزبد والنبذ، أو علم ذلك ثم داخله أوّل ذنب عصى الله به وهو الحسد، فهنالك أيضا
стр. 21
أقول (من البسيط):
لمن أبوح بشعرى حين أذكره ... أم من أخصّ بما فيه من الزبد
إمّا جهولا فلا يدرى مواقعه ... أو عالما فهو لا يخلو من الحسد
وأقول: هذا جهد المجتهد وعلى الله أعتمد.
نستفتح الكلام بحديث ورد عن خير الأنام
قال سيّدنا رسول الله ﷺ فى صحيح مسلم (١) ما رواه عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة رضى الله عنهما أنّهما شهدا على رسول الله ﷺ أنّه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلاّ حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده.
قلت: الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان والأفضل أن يكون بالقلب واللسان جميعا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغى أن يترك الذكر باللسان مع القلب معا خوفا أن يظنّ به الرياء بل يذكر بهما جميعا ويقصد به وجه الله ، قال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا، وقال عطاء: من صلّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل فى قوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ»﴾ (٢)(١٣)، وجميع ذكر الله تعالى الذى تصل إليه الطاقة البشريّة كما روى عنه ﷺ قوله:
لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٣).
والذى وصلت إليه الأفهام ثلاثة أنواع: تسبيح وتحميد وتكبير، فالتسبيح نفى النقائص وأنّه سبحانه موجود قديم باق صمد واحد أحد وهو معنى سبحان الله،
стр. 22
والتحميد ذكر أوصاف الكمال وأنّه سبحانه حىّ عليم قدير مريد سميع بصير متكلّم، وهو معنى الحمد لله، والتكبير إثبات الجلال وأنّه سبحانه أجلّ من أن يحيط به العقل وأعظم من أن يدركه الوصف، وهو معنى الله أكبر، أى: أكبر ممّا وصفنا وإنّما علمنا من حسن ثنائه ما تطيقه عقولنا، وجعل اعترافنا بالعجز عن الإدراك ما يقوم مقام الإدراك، فإذا ثبت العلم بموجود برئ من النقائص موصوف بالكمال متفرّد بالجلال ثبت أنّه لا إله إلاّ هو ثم ثبتت الوسائط بحكم الشرع، وتردّ الفعل إليه توحيدا بقولك: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، معناه أنّ أفعالنا خلق لله تعالى، ولذلك سمّيت هذه الكلمات الباقيات الصالحات، وهى: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم.
قلت: وقد ألّفت فى هذا المعنى جزء جيّد وسمّيته مطالع الأنوار فى مناقب الأبرار، وإنّما قدّمت فى أوّل هذا التأريخ هذه المقدّمة للبركة بما فى مجموعها من معانى ذكر الله .
стр. 23
فصل فى حدث العالم وإثبات الصانع جلّ ذكره
(١) قلت: العالم اسم واقع على الكون الكلّى فهو اسم لما سوى البارئ سبحانه من الجواهر والأعراض ونحوها، واختلفوا فى اشتقاقه (١٤) فقال أهل اللغة:
اشتقاقه من العلم فهو اسم للخلق من ابتدائهم إلى انتهائهم، وقال أهل النظر:
اشتقاقه من العلم لظهور آثار الصنعة فيه فهو دالّ على صانعه ومنه المعلم وهو الأمر يستدلّ به على الطريق.
واختلف المفسّرون فى معناه على أقوال:
أحدها: إنّهم الملائكة المقرّبون والكروبيّون وأجناسهم، قاله ابن كعب.
والثانى: إنّهم بنو آدم، قاله ابن معاذ النحوى.
والثالث: إنّهم الإنس والجانّ، قاله خالد بن يزيد.
والرابع: إنّه عبارة عن جميع المخلوقات وهذا الأصحّ، قاله ابن عبّاس ومجاهد وعامّة العلماء لقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما»﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات.
واختلفوا فى مبلغهم على أقوال:
أحدها: إنّهم ثمانون ألف عالم، قاله مقاتل: أربعون ألفا فى البحر وأربعون ألفا فى البرّ، وحكاه عن عبيد بن معمر.
والثانى: أربعون ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد، وما العمارة فى الخراب إلاّ كفسطاط فى الصحراء، قاله وهب.
والثالث: إنّه ألف عالم ستمائة فى البحر وأربع مائة فى البر، قاله سعيد ابن المسيّب.
стр. 24
والرابع: ثمانية عشر ألف عالم، قاله الحسن.
والخامس: إنّه لا يقدر أحدا يحصيهم سوى الله تعالى وهذا الأصحّ لقوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ»﴾ (١).
فأمّا ما عدا ذلك من أقوال المتفلسفين وأرباب علم النجوم فسيأتى من ذكر ذلك طرفا فى مكانه إن شاء الله تعالى.
وأمّا إثبات الصانع، (٢) فقال أحمد بن حنبل: (٣) حدّثنا أبو معاوية بإسناده إلى عمران بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ : لبنى تميم: يا بنى تميم اقبلوا البشرى! قالوا بشرتنا فأعطنا فتغير وجه وقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم تقبلها بنو تميم، فقالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأخبرنا (١٥) كيف كان أوّل هذا الأمر؟ فقال: كان الله ولم يكن شئ، أو قيل: قبل كلّ شئ، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب فى اللوح المحفوظ، أو فى الذكر كلّ شئ، انفرد بإخراجه مسلم.
فإذا ثبت هذا فنقول: (٤) مذهب جملة المسلمين أنّ الله تعالى كان ولم يكن معه شئ وأنّه أحدث العالم على غير مثال، ومذهب الأوائل أنّ العالم قديم على الفلك لم يزل دائر بشمسه وقمره وذلك محال، وقال أصحاب الرصديّات: الأفلاك والنجوم تدبّر أمر العالم، ونحن نرى أثر العجز عليها ظاهرا، أمّا النجوم فبالخسوف والكسوف والانتقال، وأمّا الأفلاك فبالدوران، وهذا آية القهر فالصانع قاهر وصانع العالم واحد.
стр. 25
وقالت المجوس: هما اثنان: النور والظلمة، فالنور يقال له يزدان والظلمة هرمن وهو مذهب الثنويّة، وهذا شئ اخترعوه من غير أصل، وبطلان قولهم ظاهر فإنهما لو كانا اثنين لجاز أن يكون أحدهما مريد الحركة والآخر مريد السكونة فحصلا معا متضادّين ولا يجوز، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا»﴾، (١) ومما رواه ابن الجوزى رحمه عن شقيق البلخى ﵀ قال: قرأت أربعة وعشرين كتابا فى التوحيد فوجدت معانيها كلّها فى قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا»﴾.
فصل [ولا يجوز أن يكون له ولد لوجوه . . .]
(٢) ولا يجوز أن يكون له ولد لوجوه: أحدها أنّه لو كان له ولد لا ستأثر الأشياء كلّها لولده فتعطّل مصالح عباده، الثانى: أنّ الولد نتيجة الشهوة والله تعالى منزّه عن ذلك، والثالث: لأنّ الولد بعض الوالد والله سبحانه منزّه عن البعضيّة.
فصل [ولا يجوز عليه النوم لوجوه . . .]
(٣) ولا يجوز عليه النوم لوجوه: أحدها لئلاّ يرجع الداعى عن بابه خائبا، والثانى (١٦) لأنّ النوم غفلة والبارئ منزّه عنها، والثالث لأنّه تعالى يمسك السماء بغير عمد ولا علاقة فلو نام لوقعت على الأرض، وقال أبو إسحاق الثعلبى (٤) بإسناده عن عكرمة عن أبى هريرة، قال: سمعت النبىّ ﷺ يحكى عن موسى ﵇ على المنبر قال: وقع فى نفس موسى هل ينام الله تعالى فأرسل
стр. 26
الله إليه ملكا فأرّقه ثلاثا وأعطاه قارورتين فى كلّ يد قارورة وأمره أن يتحفّظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه يلتقيان فيجلس أحدهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطكّت يداه فانكسرتا القارورتان، قال: فضرب الله مثلا أنّه لو نام لم تستمسك السموات والأرض.
والرابع لأنّ النوم آفة ويزيل العقل والقوّة ويقهرهما والله تعالى لا يجوز عليه ذلك.
والخامس لأنّ النوم استراحة والله تعالى لا يأخذه تعب فيستريح، وقال أبو إسحاق الثعلبى بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: سال (١) رسول الله ﷺ : أينام أهل الجنّة قال: لا؛ لأنّ النوم أخو الموت وأهل الجنّة لا تموت، وقال الله تعالى:
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ»﴾ (٢)(٣) السنة النوم الخفيف وهى النعاس، قال الزجّاج:
هى ريح تجئ من قبل الرأس ليّنة فتغشى العين والوسنان بين النائم واليقظان.
فصل [فإن قيل فالملائكة لا تنام فقد شاركت البارئ فى هذه الحالة؛ فالجواب . . .]
(٤) فإن قيل فالملائكة لا تنام فقد شاركت البارئ فى هذه الحالة؛ فالجواب:
أنّ الملائكة لا تنام ويجوز عليها النوم والبارئ سبحانه لا يجوز عليه ذلك.
فصل [والبارئ سبحانه ليس بجسم، وقالت الكرّاميّة . . .]
(٥) والبارئ سبحانه ليس بجسم، وقالت الكرّاميّة: (٦) هو جسم إلاّ إنّه لا يشبه الأجسام واحتجّوا بما ورد من آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا»﴾ (٧) وما أشبه ذلك بأخبار الصفات فى كثير من الآيات، ونحن نقول بقول
стр. 27
المتشرّعين من أهل السنّة والجماعة: الجسم محدود بالطول والعرض ونحوه والبارئ سبحانه ليس بمحدود، وأمّا الآيات والأخبار فمأوّلة (١٧) بما يليق علوّا كبيرا.
وهو (١) موصوف بما وصف به نفسه من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام ونحوه فى كتابه القديم وعلى لسان رسوله الكريم ﷺ .
ذكر أوّل مقامة من مقامات ابن الجوزى يليق ذكرها هاهنا
قال الشيخ الإمام العالم الحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن محمّد بن علىّ ابن الجوزى ﵀ وغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين:
بدرت خاليا والفجر قد تلى السحر، فتلوت تاليا كلّما تلى سحر، فترنّم بقوله: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ»﴾ (٢)، فقلت فى نفسى: فكيف شكّ من شكّ، فخلطت باقتناعيّات ليس فيها برهان، فبدلت الدليل على الدليل ما عزّ وماهان، فصاح الفكر بالنفس:
اقطعى، ثم قال: يا صاح قم معى، فأتى بى معقل العقل، فولجنا بعد الإذن، فإذا ذو سن وسنا، ما محاسنه محاسنه، فقال الفكر: السلام عليك يا أبا التقويم، يا معدن العلم وأصل التعليم، فقال: صدر زمان طويل لم تأتينا، قال: حبيت فى مشكلة فافتتنا، فابتدئت أشرح له ما جرى، كأنّه يرى فلما عاين طالبا للحقّ بدليله، قال:
أنا أنبثكم بتأويله.
ثم حمد الله سبحانه بمحامد، لم أسمعها قطّ من حامد، ثم قال: من ظلّ يطلب الحقّ من الحسّ ضلّ، لأنّه محجوب بعيد منه ، وليعلم أنّ الحسّ لا يرى من الموجودات إلاّ الحاضر، ولا ناظر له إلى الغائبات ناظر، وإنّما الآلة
стр. 28
التى يعرف بها الإله أنا، فلو صحبتنى بلغت المنى، أنا جارك وما تعرفنى وبازائك ولا تألفنى، فلو تلفّفت عنّى سلمت من التغنّى. ولقد علم الفطناء أن نصحى يصحّى، فقلت: أنا شاكر للفكر إذ دلّنى، فعلم فعلى فعلنى.
فقال: إنّ الخالق سبحانه قد ظهر لخلقه بحقّه، غير أنّ عالم الحسّ لا يرونه (١٨) وإن كانت الحسّيّات دليلا عليه، ومعبرا إليه، انظر إليك ويكفى وتأمّل ما لديك ويشفى تلمح قطرة قطرة ماء صبّت عن اتّقاد نار الشهوة كيف ظهرت فيها عن حركات اللذّة، وقوم نقوش عقدتها يد القدرة، كما تظهر الصورة فى ثوب السقلاطون عن حركات الشدّ، تدبّر نطفة مغموسة فى دم الحيض ونقّاش القدرة يشقّ سمعها وبصرها من غير مساس كفّ، تربّى فى حرز مصون عن مشعب بينا هى ترفل فى ثوب نطفة، اكتسب برداء علقة، ثم اكتسبت صفة مضغة، ثم انقسمت إلى لحم وعظم، فاستترت من يد الأذى بوقاية جلد، فلمّا افتقرت أيّها الآدمى إلى الغذاء فى البطن ساق إليك من دم الحيض وهو من دم الأمّ.
فلمّا قوى جلد جلدك على مباشرة الهواء وبصرك على ملاقاة الأضواء أخرجك بما أزعجك، ثم صرّف ما كنت تغتذى به إلى التديين بعد أن أحاله لبنا عن صفة الدمويّة إلى حالة اللبنيّة، فلما عطشت عند الخروج إلى فلاة الدنيا رأيت أدواتى الثديين ممتليين لشربك، وكانت عمور الأسنان تكفى فى اجتذاب المشروب فكلّما اعتصرته خرج مغربلا لئلاّ يقع شرق.
فلمّا قويت المعاء وافتقرت إلى غذاء فيه صلابة أنبتت الأسنان للقطع والأضراس للطحن، فكم من صوت بين أرجل هذه النقل من تحريك جلاجل العبر فى خلاخل الفكر، كلما رنّت غنّت السن الهدى فى معانى المعانى وكيف تسمع أطروس السقوة.
стр. 29
ومن الطرائف أنّه أخرجك غبيّا ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً»﴾ (١) إذ لو خرجت عاقلا لرأيت من أطمّ المصائب تقليبك فى الخرق والعصائب، ثم سلّط البكاء عليك فى حال طفولتك لينشف به رطوبات الرأس ويحصل فى ضمنه التقاضى بالقوت لرحمة الأمّ بك.
انظر إلى الدماغ كيف تكاثفت عليه الحجب لتمسكه فى مكانه وتصونه من أذى يعرض (١٩) ثم أطبقت عليه الجمجمة لتقيّة حدّ صدمة، ثم حللت بالشعر ليستر الرأس من فرط حرّ أو برد. ثم جعل فيه آلة الذكر والنسيان، وكما أنّ الذكر نعمة فكذلك النسيان إذ لولاه ما سلى فقد ولا مات حقد.
تأمّل خلق البواعث من البواطن لتدبير مصلحة البقاء فمن المتعلّق بالقوت سبع قوى: الأولى تطلب الغذاء والثانية تجتذبه إلى الكبد والثالثة تمسكه لها حتى تطحنه والرابعة تسعى جهدها لتهضمه والخامسة تميّز صفوه من كدره والسادسة تقسم الصافى على الأعضاء بمقدار حاجتها إذ لو بعثت إلى الخدّ ما تبغيه إلى الفخذ صار بمقدارها، والسابعة تدفع تفله، ومن العجيب ستر مكان منفذ التفل وجعله فى غامض البطن كما يجعل موضع التخلّى فى أستر مكان البيت، ثم لمّا افتقرت الأبدان إلى الهواء بتّه فى الفضاء لتقتضب منه النفوس الأنفاس وترقم فيه الأصوات الجوانح كما ترقم فى القرطاس.
ثم انظر إلى آلة النطق ترى مخرج الصوت كالمزمار الكبير والحنجرة كقصبة المزمار والريّة كالزقّ والعضلات التى تقبض الريّة لتخرج الصوت من الحنجرة كالأ كفّ التى تقبض على الزقّ كى يخرج الريح فى المزمار، والشفتان التى تصوغ الصوت حروما ونفعا كالأصابع والأسنان التى مختلف على فم المزمار فتصوغ صفيره
стр. 30
اللحانا، (١) ومن العجب أنّ الأصوات لا تشابه لأنّه لما احتيج إلى معرفة الصوت رفعت الشبه برفع الشبه، وكذلك الصور والخطّ.
ثم انظر كيف مدّ الأرض بساطا ثم أمسكها عن الاضطراب فتمكّن بسكونها السكنى ثم يزلزلها فى وقت ليفطن الساكن بقدره المزعج وجعل منها نوع رخاوة ليتهيّأ للحفر والزرع، ورفع جانب الشمال لينحدر الماء وفرق الماء بين الجزائر ليرطب الهواء وأودع فيها المعادن كما تودع الحاجات فى الخزائن.
ثم أخرج الحبّ (٢٠) لبنى آدم والأب للبهائم والحطب للوقود، تأمّل قيام الشجر كلّما طال فى السماء الفرع امتدّت العروق فى الأرض كقيام العمد بالأطناب، ولولا ذلك لم تثبت النخل فى العواصف من الرياح، ثم إنّها تموت وتحيى فهى فى حال يبسها متشهّة بالغائب فإذا همّت بالقدوم بشّر نور النور.
تأمّل الرمّانة كيف حشيت الشحم بين الحبّ ليكون غذاء لها إلى وقت عود المثل ثم بين كلّ حشوين لقّافة لئلاّ تنصال (٢) فيجرى ماؤه، ولمّا كانت العيون لا تبصر إلاّ بواسطة الضوء خلق الشمس سراجا ومنضجا للثمر تجرى من غير توقّف إذ لو وقفت حجبها عن بعض الأماكن جبل أو جدار لكنّها تسير ليعمّ نفعها، فإذا تعبت الأبدان من الحركة بالنهار غابت لتسكن فيزول كدّ الكلال بالاستراحة وتقوى القوى بتلك الراحة، فإن عرضت حاجة بالليل ففى القمر خلف ولو أضاء فى جميع الشهر لانبسط الناس فى أعمالهم فأدى الحرص كدّه، ومتى غاب القمر كانت أنوار الكواكب كشعل النار فى أيدى المقتبسين.
ثم إنّ الشمس ترتفع تارة وتنخفض تارة أخرى فيختلف الزمان بين شتاء تغور فيه الحرارة فى الشجر فتعقد موادّ الثمر ويكيّف الهواء فينشأ السحاب، وربيع
стр. 31
تظهر فيه تلك الموادّ التى انعقدت فى بواطن الشجر، وصيف ينضج فيه الثمر، وخريف تستريح فيه، ثم تلمح الحرّ والبرد كيف يدخل كلّ واحد منهما على صاحبه بتدريج لئلاّ يفجأ الأبدان فتضطرّ.
ثم انظر إلى خلق النار التى لا بدّ للخلق منها فلو ثبتت فى العالم لأحرقته لكنّها جعلت كالمخزون تستتار (١) وقت الحاجة فتمسك بالمادة قدر مراد الممسك.
تأمّل خلق الطير فإنّه لما قدر له الطيران تخفف جسمه وأدمج خلقه واقتصر له على جناحين فائمتين وجعل له جؤجؤ محدّد يخرق به الهواء كما تخرق السفينة بجؤجؤها الماء، وأطيل (٢١) ريش جناحيه وذنبه لينهط (٢) للطيران وكسى جسمه كلّه الريش لما (٣) يدخل فيه الهواء فيقلّه، ولمّا كان يختلس قوته خوف اصطياد صلب منقاره لئلاّ ينسجح من الالتقاط ونقص الأسنان لأنّ زمان الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعلت له حوصلة كالمخلاة ينقل إليها ما تيسّر على عجل ثم يدفعه إلى القانصة فى زمن الأمن على مهل، وزيدت جوفه حرارة لتطحن ما لم تمضغه، فإن كانت له فراخ أسهمهم من الحاصل فى الحوصلة قبل النقل فإن كان ممّن لا حنّة له على فراخه أغنوا عنه بالاستقلال من حين انشقاق البيضة كالفراريج فإنّها تخرج كاسية كاسية، أو ما علمت أنّ الفرخ من البياض يخلق وبالمحّ يغتذى كما يغتذى الطفل بدم الحيض لأنّ القشر لمّا كان مانعا من وصول قوت أعطى ما يتقوّنه، ولما بثّ الطير صان السنبل بتشور محدّدة لئلاّ ينشفه فيموت بشما فيعوب الحظان، ولما جعل رزق طائر الماء فى الماء طوّل ساقاه فهو مقيم فى ضحضاح فإذا رأى صيدا خطا إليه ولو قصرت قائمتاه كان حين سعيه يضرب الماء بطنه فينفر الصيد.
стр. 32
وفى الطير ما لا ينشر إلا بالليل كالخفّاش والبوم فما يخليه الرازق مع اختفاء الصيد من معاش هو يتناول من البعوض والفراش وغير ذلك.
وهل نظرت إلى إلهام البهائم ما يشابه فطن العقلاء ليكون عونا لها على البقاء فإنّ النملة تتّخذ الربية فى نشر لئلا يتأذّى قوتها بالعفن ويقطع الحبّ لئلاّ ينبت، ولبث الذباب يسكن كالميّت فإذا عقلت عنه الذبابة وثب، والعنكبوت تنسج شبكة للذباب.
قال: فلمّا أملّ العقل على كاتب السمع من هذا ما أملّ، قال اكتف بهذا الصاع كيلا كى لا نملّ، فلقد تجلّى الحقّ للخلق فرأته الألباب عيانا، غير أنّ أعمى البصيرة قد أعيانا، قلت: فإذا كان الدليل الواضح قد دلّ، فما بال أكثر الخلق قد ضلّ، قال: إنّه خلط الأدلّة (٢٢) الجليّة بالشبه، وأقام العقل يفرق ما اشتبه، فمن الناس من لم يرفع النضيّة إلى العقل إهمالا لطلب الصواب، ومنهم من رفعها ولم يلتفت إلى الجواب، وجمهور الضالّين الذين حول العسر جلسوا راموا أن يدركوا بالحسّ ما لا يدرك <إلاّ> بالعقل فلما أعوزهم ذلك خرجوا إلى الجحد.
قلت: أيّها العقل أفتحيط علما بالمعبود، قال: شهدت عندى أفعاله بالوجود فحصل لى المقصود، فأمّا إدراك ذاته فتعجز قوّتى، لأنّ رتبته فوق رتبتى، أتراك لو مررت فى بعض البقاع بقاع ثم عدت وفيه بنيان، أما بان لك وإن لم تبن وجود بان؟
قلت: اذكر لى جملة من صفاته إذ لا سبيل إلى معرفة ذاته! فقال: تعالى عن بعضيّة «من» وتقدّس عن ظرفيّة «فى» وتنزّه عن شبه «كأن» وتعظّم عن نقص «لو أن» وعزّ عن عيب «إلاّ أن» وسما كماله عن تدارك «لكن» مما تنزه عنه «مم» فيما يجب نفيه «فيم» جلّ وجوب وجوده عن رجم
стр. 33
«لعلّ» سبق الزمان فلا يقال «كان» إذ تمجّد فى وحدانيّته عن زحام «مع» تفرّد بالإنشاء فلا يستفهم عن الصانع «بمن» أبرز عرائس الوجود من «كن» بثّ الحكم فلم يعارض «بلم» إن وقف ذهن بوصفه صاح العجز، إن سار فكر نحوه قالت الهيبة: عد! إن قعد القلب عن ذكره قالت القدرة: قم! إن تجبّر متكبّر قال القهر: سم! إن سأل محتاج قال الإنعام: رش! إن تعرّض فقير قال الوفر: فر! إن سكت مذنب حياء قال الحلم: قل! إن بعد ذو حظّ قال بادئ اللطف: آن نثر عجائب النعم وقال للكلّ: خذ!
قلت: فما تقول فيمن يشبّهه؟ قال: يقول ما يشبهه، حال التشبيه عنا بجملة سئل الجهل. انزل عن علوّ غلو التشبيه ولا تقل تلك أباطيل التعطيل فالوادى بين الجبلين. فما سكت العقل (٢٣) حتى شفانى ولا كفّت كفّا تهيمه حتى كفانى، ففضيت من شكر الفكر حقّا.
فصل
فى بداية المخلوقات
(١) اختلف العلماء رضى الله عنهم على أقوال: (٢) أحدها أنّ أوّل المخلوقات القلم كما روى عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله ﷺ : أوّل ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا اختيار ابن عبّاس والحسن وعطاء ومجاهد وعامّة العلماء رضى الله عنهم.
وقال ابن عبّاس: لما خلق الله القلم وقال له اجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة جرى على اللوح المحفوظ بذلك؛ وفى رواية عن ابن عبّاس: فسبّح الله ومجّده ألف علم وهو مشقوق بالنور، ولمّا نظر الله إليه انشقّ نصفين من هيبة الله تعالى.
стр. 34
وأمّا النون فقد اختلفوا فيه فقال قوم: هو الدواة وهو اختيار الحسن وقتادة والضحاك، ورواية الثمالى عن ابن عبّاس واحتجّوا بقول الشاعر (من الوافر):
إذا ما الشوق مرّح بى إليهم ... ألفت النون بالدمع السخوم
و<قال> عامّة المفسّرين إنّ النون الحوت الذى يحمل الأرض حسبما نذكره إن شاء الله تعالى.
الثانى: إن أوّل ما خلق الله الماء، (١) رواه الضحاك عن ابن عبّاس واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»﴾ (٢) قال: خلق الله جوهرا فصيّره ماء.
الثالث: النور والظلمة، قال محمد بن إسحاق قال: ثم خيّر بينهما فجعل الظلمة ليلا والنهار مضيئا.
الرابع: العرش والكرسى، قاله وهب بن منبّه.
الخامس: اللوح، قاله مقاتل.
السادس: نقطة فصيّرها ألفا فبدأ بها (٢٤) المخلوقات، والقول الأوّل أصحّ.
وأمّا اللوح المحفوظ، (٣) روى مجاهد عن ابن عبّاس قال: اللوح من درّة بيضاء وطوله مثل ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين الشرق والمغرب وحافّتاه من الدرّ والياقوت وقلمه نور وهو متّصل بالعرش ثم قرأ ابن عبّاس: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»﴾ (٤)، الآية، وقد ذكر الثعلبى معناه، وروى أيضا عن أنس أنّ اللوح المحفوظ فى جبهة إسرافيل، وقال مقاتل: هو يمين العرش، وسنذكره.
стр. 35
فصل
فى حدّ الزمان والأيّام
(١) قال العلماء رضى الله عنهم: الزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، فالحاصل أنّ الله تعالى خلق السموات والأرض قبل خلقه الأيّام والليالى والشمس والقمر، وقد رواه مجاهد عن ابن عبّاس فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ»﴾ (٢)، فقال الله تعالى للسموات: أطلعى شمسى وقمرى ونجومى! وقال للأرض: شقّقى أنهارك وأخرجى ثمارك! فأجابتا.
فإن قيل إنّما يعرف اليوم بطلوع الشمس والليلة بغروبها ولم تكن الشمس يومئذ فالجواب أنّ البارئ سبحانه لا يحتاج إلى طلوع الشمس فى مخلوقاته لأنّه ليس عنده ليل ولا نهار، بذلك وردت الأخبار؛ واختلف العلماء رضى الله عنهم فى الأيّام التى خلق الله فيها السموات والأرض والمخلوقات هل هى مثل أيّام الدنيا المعروفة أو مثل أيّام الآخرة كلّ يوم مقداره ألف سنة، على قولين: أحدهما أنّها مثل أيّام الدنيا، قاله مجاهد والحسن البصرى لأنّها المعهودة، والثانى أنّها مثل أيّام الآخرة، (٢٥) وبه قال ابن عبّاس وعامّة العلماء، قال الله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»﴾ (٣).
فإن قيل: فهلاّ خلقها فى لحظة واحدة وهو أهون عليه فالجواب من وجوه:
أحدها أن النثبّت أبلغ فى القدرة والتعجيل لا تقتضيه الحكمة، قاله ابن عبّاس، الثانى: أنّ الله تعالى أراد أن يظهر فى كلّ يوم آية وأمر تستعظمه الملائكة، قاله مجاهد، الثالث: أنّ الذى يتوهّمه المتوهّم من إبطاء الخلق فى ستّة أيّام هو
стр. 36
الذى يتوهّمه فى ستّة الالف (١) سنة عند تأمّل قوله تعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ»﴾. (٢)
وقال سعيد بن جبير إنّ الله سبحانه كان قادرا أن يخلق المخلوقات فى لمحة واحدة وإنّما خلقها فى ستّة أيّام تعليما لخلقه الرفق والتثبّت فى الأمور، حكاه عن ابن عبّاس وهو معنى القول الأوّل.
واختلفوا فى أسماء الأيّام فقال الزجّاج والفرّاء وأبو عبيد وقد رواه الأصمعى عن عمران بن العلاء وروى ابن الجوزى، قال أنبأتا بذلك جماعة عن القاسم ابن السمرقندى قالوا: كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت شيار وليوم الأحد أوّل وللاثنين أهون وللثلاثاء جبار وللأربعاء دبار وللخميس مؤنس وللجمعة العروبة، وأوّل من نقل العروبة إلى الجمعة كعب بن لؤى.
وقد ذكر الجوهرى (٣) هذه الأيّام وقال: كانت العرب القديمة تسمّيها فى أسمائهم القديمة. والقول الثانى: أنّهم كانوا يسمّون يوم السبت أباجاد، والأحد هوز والاثنين حطى، والثلاثاء كلمون والأربعاء سعفص والخميس قرست، ويوم الجمعة العروبة، حكاه الضحاك عن زيد بن أرقم.
والقول الثالث: ذكره أبو إسحاق الثعلبى عن ابن عبّاس قال: خلق الله يوما واحدا وسمّاه الأحد وخلق يوما ثانيا وسماه الاثنين، ثم ذكر باقى الأيّام على هذا.
(٢٦) قلت: والتوفيق بين هذه الأقاويل ممكن لأنّه يحتمل أنّها كانت قديمة ثم تغيّرت وتقلّبت بطول الزمان كما فعلوا فى الشهور لما نذكر إن شاء الله.
واختلفوا فى أىّ يوم بدأ الله بالخلق على أقوال، أحدها: أنّه تعالى بدأ بها يوم السبت وكان الفراغ منها يوم الجمعة. قال الإمام أحمد بن حنبل
стр. 37
بإسناده إلى أبى هريرة رضى الله عنهما قال: (١) أخذ رسول الله ﷺ بيدى وقال:
خلق الله التربة يوم السبت وخلق الله الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر فى آخر ساعة من ساعات الجمعة ما بين العصر إلى الليل، انفرد بإخراج ذلك مسلم.
وقد رواه عكرمة عن ابن عبّاس قال جاءت اليهود فسألوا رسول الله ﷺ عن المخلوقات فذكر الحديث (٢) إلاّ أنّ الطبرى ذكر أنّه بدأ بالمخلوقات فى يوم الأحد لما نذكر، فلمّا قال: وخلق آدم يوم الجمعة فى آخر ساعة قالت اليهود:
ثم ماذا؟ فقال، ثم استوى على العرش، فقالوا: لو أتممت: ثم استراح يوم السبت، فغضب ﷺ غضبا شديدا، ثم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماااتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ»﴾ (٣). . . الآيات، وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبى فى آخر سورة «ق» وقال فيه: فقالت اليهود: صدقت إن أتممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فنزلت الآيات.
والثانى: أنّه بدأ بالمخلوقات يوم الأحد، قال كعب الأحبار ومجاهد والضحاك، وحكاه أبو جعفر الطبرى ﵀ عن اليهود، ورواه أيضا عن ابن عبّاس أنّ اليهود سألت رسول الله ﷺ عن خلق السموات والأرض، فقال: خلق الله الأرض (٢٧) يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهنّ من المنافع
стр. 38
وخلق الشجر يوم الأربعاء والماء والمدائن فهذه أربعة وخلق يوم الخميس السماء ويوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وخلق آدم فى آخره وأسكنه الجنّة ثم أخرجه منها، قالت اليهود: ثم ماذا؟ وذكر الحديث أنّه قال: خلق الله يوما واحدا وسمّاه الأحد ثم ذكر بقيّة الأيّام، وحكاه الثعلبى أيضا، وكذا هو فى التوراة، ولهذا قالوا: استراح يوم السبت، وبه قالت النصارى لأنّ عيسى ﵇ رفع فيه إلى السماء.
والثالث: يوم الاثنين قاله محمد بن إسحاق، والقول الأوّل أصحّ لوجهين:
أحدهما لأجل الحديث الصحيح الذى رواه أبو هريرة وأنّ النبىّ ﷺ نصّ عليه، وقد قال أبو هريرة: أخذ رسول الله بيدى.
والثانى لأنّ فيه مخالفة لليهود لأنّهم أبطلوا الخلق يوم السبت وقالوا:
استراح، ومخالفة النصارى أيضا.
واختلفوا فى خلق السموات والأرض أيّهما أسبق على قولين:
أحدهما: الأرض، قاله ابن عبّاس. والثانى: السموات، قاله مجاهد، وسنذكر من ذلك بيانا.
واختلفوا فى خلق لليل والنهار أيضا على قولين: (١) أحدهما: النهار خلق أوّلا، قاله عكرمة ومجاهد لأنّه ضياء والنور مقدّم على الظلمة. والثانى: لليل، وقد قال ابن عبّاس وعامّة العلماء (٢) لقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ»﴾ (٣). وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ»﴾ (٤). فدلّ على أنّ الليل مقدّم عليه ولأنّ الظلمة أصل والضياء عارض وهو من إشراق نور الشمس فلا يكون أصلا، وقد نصّ عليه ابن عبّاس فقال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رتقا هل كان بينهما إلاّ ظلمة.
стр. 39
فصل
فى ذكر خلق السموات والآثار العلويّات
قلت: رأيت كثير من أرباب التواريخ يقدّمون ذكر خلق الأرضين وتأمّلت (٢٨) ذلك فلم أجد لهم دليلا على ذلك، ونظرت فإذا القرآن العظيم جميع آياته الشريفة تتضمّن تقدمة السموات على الأرض كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماااتِ وَما فِي الْأَرْضِ»﴾ (١)، وأنضارها (٢) فى جميع الكتاب العزيز، فاقتديت بذلك وابتدأت (٣)
بذكر خلق السموات والآثار العلويّات
قلت: أظهر الله تعالى فى السماء دلائل على ربوبيّته ووسائل إلى قدرته، منها:
أنّه جعلها سقفا مرفوعا لتكون ظلاّ، ومنها أنّها بغير عمد تحتها ولا علاقة من فوقها ومنها سمتها والنفع بزيادة التصرّف فيها وكونها نزهة للناظرين، ومنها استواؤها ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فأرجع البصر كرتين بالنظر والاستدلال وقيل بالنزهة والاعتبار، ومنها لونها الذى لا يتغيّر على مرور الزمان وتقلّب الحدثان ثم هو أحسن الألوان وأقوى للبصر وأحدّ للنظر، والأطبّاء إنّما يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليقوى البصر.
وقيل: هى بيضاء، ولكن من بعدها ترى كذلك، وقيل إنّها خضراء.
ومنها: إمساكها بيد القدرة، إنّ الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ومنها أنّها ظلّ لبنى آدم لقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ»﴾ (٤)، ومنها أنّ الخلق يضعون الأساس أوّلا ثم السقف بعد ذلك، والله تعالى أفعاله خلاف أفعال العباد،
стр. 40
ومنها أنّ بناء الدنيا تحته أوسع من الفوق وبناء الله على ضدّه، ومنها أنّ بناء الخلق ينهدم على طول مرور الأيّام ويجدّد ويرقّع، وبناء الله تعالى لا ينهدم ولا يخلق ولا يرقّع، قال الجوهرى فى صحاحه: (١) كلّ ما علاك فأظلّك فهو سماء، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ويقال للسحاب سماء، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً»﴾ (٢) ويسمّى المطر سماء، ولأصحاب علم البيان والبديع فى هذا أقاويل حسنة فى شرحه طول، (٢٩) وقال الفرّاء والزجّاج: لفظ السموات واحد ومعناه الجمع بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماااتٍ»﴾ (٣) وقال أبو حنيفة داود الدينورى قال الله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها»﴾ (٤)، وقد ورد فى السماء أخبار وآثار، قال أحمد بن حنبل (٥) بإسناده إلى أبى ذرّ قال، قال رسول الله ﷺ :
إنّى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وعليه ملك ساجد، وقال الجوهرى: (٦) الأطيط: صوت الرجل والإبل من ثقل أحمالها ويقال: لا أشكّ (٧) ما أطّت الإبل، وقال عبد الله ابن المعتزّ من قصيد يخاطب بها مآدبة أحمد بن سعيد (من البسيط):
عقباك شكر طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطّت الإبل
(٨) وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لمّا أراد الله تعالى خلق المخلوقات خلق الماء فثار منه دخان فارتفع فخلق منه السماء وجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبعا وأوحى فى كلّ سماء أمرها، أى: قدّر أن يكون فيها من الملائكة والنجوم وغير ذلك.