← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الذى يتوهّمه فى ستّة الالف (١) سنة عند تأمّل قوله تعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ»﴾. (٢) وقال سعيد بن جبير إنّ الله سبحانه كان قادرا أن يخلق المخلوقات فى لمحة واحدة وإنّما خلقها فى ستّة أيّام تعليما لخلقه الرفق والتثبّت فى الأمور، حكاه عن ابن عبّاس وهو معنى القول الأوّل. واختلفوا فى أسماء الأيّام فقال الزجّاج والفرّاء وأبو عبيد وقد رواه الأصمعى عن عمران بن العلاء وروى ابن الجوزى، قال أنبأتا بذلك جماعة عن القاسم ابن السمرقندى قالوا: كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت شيار وليوم الأحد أوّل وللاثنين أهون وللثلاثاء جبار وللأربعاء دبار وللخميس مؤنس وللجمعة العروبة، وأوّل من نقل العروبة إلى الجمعة كعب بن لؤى. وقد ذكر الجوهرى (٣) هذه الأيّام وقال: كانت العرب القديمة تسمّيها فى أسمائهم القديمة. والقول الثانى: أنّهم كانوا يسمّون يوم السبت أباجاد، والأحد هوز والاثنين حطى، والثلاثاء كلمون والأربعاء سعفص والخميس قرست، ويوم الجمعة العروبة، حكاه الضحاك عن زيد بن أرقم. والقول الثالث: ذكره أبو إسحاق الثعلبى عن ابن عبّاس قال: خلق الله يوما واحدا وسمّاه الأحد وخلق يوما ثانيا وسماه الاثنين، ثم ذكر باقى الأيّام على هذا. (٢٦) قلت: والتوفيق بين هذه الأقاويل ممكن لأنّه يحتمل أنّها كانت قديمة ثم تغيّرت وتقلّبت بطول الزمان كما فعلوا فى الشهور لما نذكر إن شاء الله. واختلفوا فى أىّ يوم بدأ الله بالخلق على أقوال، أحدها: أنّه تعالى بدأ بها يوم السبت وكان الفراغ منها يوم الجمعة. قال الإمام أحمد بن حنبل

стр. 37

بإسناده إلى أبى هريرة رضى الله عنهما قال: (١) أخذ رسول الله ﷺ بيدى وقال: خلق الله التربة يوم السبت وخلق الله الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر فى آخر ساعة من ساعات الجمعة ما بين العصر إلى الليل، انفرد بإخراج ذلك مسلم. وقد رواه عكرمة عن ابن عبّاس قال جاءت اليهود فسألوا رسول الله ﷺ عن المخلوقات فذكر الحديث (٢) إلاّ أنّ الطبرى ذكر أنّه بدأ بالمخلوقات فى يوم الأحد لما نذكر، فلمّا قال: وخلق آدم يوم الجمعة فى آخر ساعة قالت اليهود: ثم ماذا؟ فقال، ثم استوى على العرش، فقالوا: لو أتممت: ثم استراح يوم السبت، فغضب ﷺ غضبا شديدا، ثم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماااتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ»﴾ (٣). . . الآيات، وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبى فى آخر سورة «ق» وقال فيه: فقالت اليهود: صدقت إن أتممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فنزلت الآيات. والثانى: أنّه بدأ بالمخلوقات يوم الأحد، قال كعب الأحبار ومجاهد والضحاك، وحكاه أبو جعفر الطبرى ﵀ عن اليهود، ورواه أيضا عن ابن عبّاس أنّ اليهود سألت رسول الله ﷺ عن خلق السموات والأرض، فقال: خلق الله الأرض (٢٧) يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهنّ من المنافع

стр. 38

وخلق الشجر يوم الأربعاء والماء والمدائن فهذه أربعة وخلق يوم الخميس السماء ويوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وخلق آدم فى آخره وأسكنه الجنّة ثم أخرجه منها، قالت اليهود: ثم ماذا؟ وذكر الحديث أنّه قال: خلق الله يوما واحدا وسمّاه الأحد ثم ذكر بقيّة الأيّام، وحكاه الثعلبى أيضا، وكذا هو فى التوراة، ولهذا قالوا: استراح يوم السبت، وبه قالت النصارى لأنّ عيسى ﵇ رفع فيه إلى السماء. والثالث: يوم الاثنين قاله محمد بن إسحاق، والقول الأوّل أصحّ لوجهين: أحدهما لأجل الحديث الصحيح الذى رواه أبو هريرة وأنّ النبىّ ﷺ نصّ عليه، وقد قال أبو هريرة: أخذ رسول الله بيدى. والثانى لأنّ فيه مخالفة لليهود لأنّهم أبطلوا الخلق يوم السبت وقالوا: استراح، ومخالفة النصارى أيضا. واختلفوا فى خلق السموات والأرض أيّهما أسبق على قولين: أحدهما: الأرض، قاله ابن عبّاس. والثانى: السموات، قاله مجاهد، وسنذكر من ذلك بيانا. واختلفوا فى خلق لليل والنهار أيضا على قولين: (١) أحدهما: النهار خلق أوّلا، قاله عكرمة ومجاهد لأنّه ضياء والنور مقدّم على الظلمة. والثانى: لليل، وقد قال ابن عبّاس وعامّة العلماء (٢) لقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ»﴾ (٣). وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ»﴾ (٤). فدلّ على أنّ الليل مقدّم عليه ولأنّ الظلمة أصل والضياء عارض وهو من إشراق نور الشمس فلا يكون أصلا، وقد نصّ عليه ابن عبّاس فقال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رتقا هل كان بينهما إلاّ ظلمة.

стр. 39

فصل فى ذكر خلق السموات والآثار العلويّات قلت: رأيت كثير من أرباب التواريخ يقدّمون ذكر خلق الأرضين وتأمّلت (٢٨) ذلك فلم أجد لهم دليلا على ذلك، ونظرت فإذا القرآن العظيم جميع آياته الشريفة تتضمّن تقدمة السموات على الأرض كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماااتِ وَما فِي الْأَرْضِ»﴾ (١)، وأنضارها (٢) فى جميع الكتاب العزيز، فاقتديت بذلك وابتدأت (٣) بذكر خلق السموات والآثار العلويّات قلت: أظهر الله تعالى فى السماء دلائل على ربوبيّته ووسائل إلى قدرته، منها: أنّه جعلها سقفا مرفوعا لتكون ظلاّ، ومنها أنّها بغير عمد تحتها ولا علاقة من فوقها ومنها سمتها والنفع بزيادة التصرّف فيها وكونها نزهة للناظرين، ومنها استواؤها ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فأرجع البصر كرتين بالنظر والاستدلال وقيل بالنزهة والاعتبار، ومنها لونها الذى لا يتغيّر على مرور الزمان وتقلّب الحدثان ثم هو أحسن الألوان وأقوى للبصر وأحدّ للنظر، والأطبّاء إنّما يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليقوى البصر. وقيل: هى بيضاء، ولكن من بعدها ترى كذلك، وقيل إنّها خضراء. ومنها: إمساكها بيد القدرة، إنّ الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ومنها أنّها ظلّ لبنى آدم لقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ»﴾ (٤)، ومنها أنّ الخلق يضعون الأساس أوّلا ثم السقف بعد ذلك، والله تعالى أفعاله خلاف أفعال العباد،

стр. 40

ومنها أنّ بناء الدنيا تحته أوسع من الفوق وبناء الله على ضدّه، ومنها أنّ بناء الخلق ينهدم على طول مرور الأيّام ويجدّد ويرقّع، وبناء الله تعالى لا ينهدم ولا يخلق ولا يرقّع، قال الجوهرى فى صحاحه: (١) كلّ ما علاك فأظلّك فهو سماء، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ويقال للسحاب سماء، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً»﴾ (٢) ويسمّى المطر سماء، ولأصحاب علم البيان والبديع فى هذا أقاويل حسنة فى شرحه طول، (٢٩) وقال الفرّاء والزجّاج: لفظ السموات واحد ومعناه الجمع بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماااتٍ»﴾ (٣) وقال أبو حنيفة داود الدينورى قال الله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها»﴾ (٤)، وقد ورد فى السماء أخبار وآثار، قال أحمد بن حنبل (٥) بإسناده إلى أبى ذرّ قال، قال رسول الله ﷺ : إنّى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وعليه ملك ساجد، وقال الجوهرى: (٦) الأطيط: صوت الرجل والإبل من ثقل أحمالها ويقال: لا أشكّ (٧) ما أطّت الإبل، وقال عبد الله ابن المعتزّ من قصيد يخاطب بها مآدبة أحمد بن سعيد (من البسيط): عقباك شكر طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطّت الإبل (٨) وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لمّا أراد الله تعالى خلق المخلوقات خلق الماء فثار منه دخان فارتفع فخلق منه السماء وجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبعا وأوحى فى كلّ سماء أمرها، أى: قدّر أن يكون فيها من الملائكة والنجوم وغير ذلك.

стр. 41

وروى عنه عكرمة فى تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ»﴾ (١). قال: الفروج الشقوق وكذا الفطور. وقال الربيع بن أنس: (٢) السماء الأوّلة من موج مكفوف، والثانية من صخرة، والثالثة من حديد، والرابعة من صفر، والخامسة من ذهب، والسادسة من فضّة، والسابعة من الياقوت الأحمر. وروى الوالبى عن ابن عبّاس قال: الأولى من زمرّدة خضراء، والثانية من فضّة بيضاء، والثالثة من ذهب، والرابعة من لولؤ، والخامسة من الياقوت، والسادسة من المرجان، والسابعة من النور، وجاء فى الحديث: إنّ سماء الدنيا هى الرفيع، وفى الحديث: (٣٠) من سبعة أرقعة، وقال مقاتل: والثانية ركماء، والثالثة جوفاء، والرابعة طرفه، والخامسة أدماء، والسادسة عروتين، والسابعة عزوما. وأما أبوابها: (٣) روى عن ابن عبّاس أنّه قال: لها أبواب كثيرة منها باب المطر: وهو قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْاابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ»﴾ (٤)، وباب الرزق: ما يفتح الله للناس من رحمة، وباب النزول: ينزّل عليهم الملائكة، وباب الوحى: بالروح من أمر ربّه: وباب صعود الأعمال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. وحكى ابن الجوزى ﵀ فى كتاب التبصرة (٥) قال: قال أبو الحسين ابن المنادى: لا خلاف بين العلماء أنّ السماء على الأرض مثل القبّة وأنّ العالم مثل

стр. 42

الأكرة وأنّها تدور بما فيها من الكواكب على قطبين ثابتين غير متحرّكين: أحدهما فى ناحية الشمال والآخر فى ناحية الجنوب مطالع سهيل، وأنّ كرة الأرض مثبتة وسط كرة السماء كالنقط من الدائرة، قلت: إلى هاهنا ذكر ابن الجوزى، وقال أبو الحسين ابن المنادى ﵀ فى تمام هذا الفصل: وإنّ بعد ما بين السماء والأرض على نمط واحد من جميع الجهات والأفلاك تدور على محورين وقطبين ثابتين، ومن كان مسكنه وسط الأرض عند استواء ساعات الليل والنهار رأى المحورين والقطبين، ومن كان مسكنه فى بلاد الشمال يرى القطب الشمالى، ومن كان بالجنوب يرى الجنوبى، قال الجوهرى: (١) والمحور العود الذى تدور عليه البكرة وربّما كان من حديد، وسنذكر القطب والجدى فى موضعه. وقال جالينوس: العالم شبه البيضة والسماء موضع القشر والهواء موضع البياض والأرض موضع المح. واختلفوا هل الأفلاك السموات أم غيره على قولين: (٢) أمّا مذهب (٣١) الأوائل: فإنّها هى بعينها، وأمّا مذهب المتشرّعين: فهى غيرها، وقد رواه العوفى عن ابن عبّاس واحتجّ بقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماااتِ»﴾ (٣)، وقال فى آية أخرى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»﴾ (٤)، وسمى الفلك فلكا لاستدارته، ومنه فلك المغزل بفتح الفاء لاستدارتها، وقال قوم بأنّ الفلك هو القطب وليس بشئ لأنّ القطب لا يزول ولا يتغيّر كما لا يزول قطب الرحاء.

стр. 43

قلت: (١) ومذهب جملة المسلمين أنّ السموات سبع، قال الله تعالى: الله ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماااتٍ طِباقاً»﴾ (٢)، ومذهب الأوائل والمنجّمين أنّها تسعة أفلاك فأوّلها أقربها إلى الأرض، وهو أصغرها وهو فلك القمر، ثم الذى يليه فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المرّيخ، ثم فلك المشترى، ثم فلك زحل وهو السابع، والثامن فلك البروج وفيه سائر الكواكب الثابتة، والتاسع الفلك الأعظم الحاكم على الجميع وله أسامى كثيرة منها الأثيرى لأنّه يؤثر فى غيره وغيره لا يؤثر فيه، والقسرى لأنّه يدير الأفلاك قسرا دورة قسريّة فى كلّ يوم وليلة دورة واحدة، ومن أسمائه فلك الاستواء، ومنها المستقيم، ومنها الأطلس، ويزعمون أنّه ليس وراءه شئ ولا فيه كوكب ولا غيره ويدير الأفلاك على القطبين الثابتين اللذين ذكرناهما، قال: وبينه وبين الأرض خمسون ألف سنة، ويسمّى المحيط أيضا لأنّه محيط بكلّ شئ ولا يحيط به إلاّ علم الله . قال بطلميوس: وهو أخفّ الأفلاك وأضوأها لأنّه بهىّ فى جوهره. ولذلك ارتفع على كلّ شئ، قال: والذى دونه يقال له فلك البروج وفلك الأفلاك لأنّه يدور بأفلاك الكواكب. ثم دونه فلك زحل ثم الأفلاك المذكورون. واختلفوا أيضا الأوائل فى كثير من أمرها، (٣٢) فمنهم من يقول: هى أفلاك كثيرة، ومنهم من قال: إنّ الفلك حىّ مميّز بجميع ما فيه ذو صورة، وكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة، وهذه الأفلاك من طبيعة أخرى بخلاف الطبائع الأربع لأنّها لو كانت من هذه لزمها لزوم هذه من الكون من هذه الطبائع الأربع التى دون فلك القمر من النار والهواء والتراب والماء ولزمها الفساد

стр. 44

والاستحالة والزيادة والنقصان، فالفلك وما فيه من طبيعة خامسة ولم يخبرون عن ماهيّتها بأكثر من هذا. وقال بطلميوس أيضا: صورة الفلك وعيان بروجه على مثال البطيخة المخطّطة أعلاها وأسفلها كالنقطتين وكلّ بيت بين خطّين بمنزلة البروج واتّساق بروجه على مثل اتّساق بيوتها وخطوطها. وقال أفلاطن: الأفلاك كهيئة الأكر بعضها فوق بعض والفلك التاسع محيط بجميع الطبائع والمخلوقات وليس فيه كوكب وهو يدير الكلّ من المشرق إلى المغرب كلّ يوم وليلة دورة واحدة، والأفلاك الثمانية تدور من المغرب إلى المشرق، وشبّهوا ذلك بسفينة تجرى مع الماء وفيها رجل تمشى مصعدا، ولهم فى هذا بحث طويل. واستدلّوا أيضا على ذلك أنّ الشمس والقمر يدوران فى اليوم والليلة دورة واحدة، قال: والبروج نصف سدس الفلك، قال: وفلك البروج وما فيه من الكواكب يدور على القطبين الذين ذكرنا غير قطبى الفلك الأعظم، وعرض الأرض من القطب الشمالى إلى القطب الجنوبى الذى هو مطلع سهيل فى موضع خطّ الاستواء ثلاثمائة وستّون درجة، فيكون الجملة تسعة آلاف فرسخ، ومن فلك القمر إلى الأرض خمسة وعشرون ألف فرسخ، قلت: وينبغى أن يكون هذا على وجه التقريب والظنّ لا على وجه القطع واليقين. ونقل عن فيثاغورس أنّه قال: العالم الأرضى متّصل (٣٣) بالعالم السماوى والفلك يتحرّك حركة مستديرة دائمة فتتحرّك الكواكب بتحريكه وحركة الكواكب على هذا العالم تفعل فيه الاستحالة ويحدث فيه الكون والفساد، وفساد كلّ شئ يكون شئ آخر، ومثاله ما يحترق من الخشب فيصير فحما،

стр. 45

وإنّ حركات الكواكب الدائمة توجب الكون الطبيعى الدائم، وليس فى الحركات حركة تامّة غير المستديرة لأنّ المتحرّك بها لا يسكن لأنّه لا نهاية لحركتها بخلاف الحركات المختلفات لأنّها غير تامّة ولها نهايات فإذا انتهت سكنت، وضربوا لها مثلا فقالوا: وحركة النار والهواء إلى فوق وحركة الماء والتراب إلى أسفل، ولهم فى هذا اصطلاح عجيب، ويقال إنّ هذا كلّه كلام أفلاطن لأنّه أقام برصد الأفلاك سبعين سنة. فصل القول فى البروج (١) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ»﴾ (٢) وآيات أخرى، قال الحسن البصرى: البروج القصور وفى السماء قصور مثل قصور الأرض، وقال أبو إسحاق الثعلبى فى تفسير قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً»﴾ (٣)، قال: يعنى: منازل الكواكب السبعة السيّارة، وهى اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشترى، والجدى والحوت بيتا زحل. قال: وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كلّ واحد

стр. 46

منها ثلاثة بروج (٣٤) وتسمّى المثلّثات: فالحمل والأسد والقوس مثلّثة ناريّة، والثور والسنبلة والجدى مثلّثة أرضيّة، والجوزاء والميزان والدلو مثلّثة هوائيّة، والسرطان والعقرب والحوت مثلّثة مائيّة. قال: واختلف أهل التفسير فى معنى البروج فروى عن عطيّة العوفى فى تفسير الآية، قال: هى قصور فيها الحرس، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»﴾ (١)، قال الأخطل: (من البسيط): كأنها برج رومىّ يشيّده ... بان بجصّ وآجرّ وأحجار (٢) وقال قتادة ومجاهد: هى النجوم، وقال عطاء: هى السرج وهى أبواب السماء التى تسمّى المحرّة، هذا كلام الثعلبى. قلت: وقد نصّ ابن عبّاس فى رواية الوالبى عنه أنّها البروج المعروفة التى أشرنا إليها. وقال أبو حنيفة الدينورى: الناس يجمعون على أنّها اثنا عشر برجا لا يختلفون فى ذلك، وإنّ الله تعالى قسمها ترابيع وتثاليث، وهى مقسومة على الكواكب السبعة كما ذكرنا، قال الدينورى: وتسمّيها كلّ أمّة بلسانها ويتّفقون فى المعنى وكلّهم يبتدئ بالحمل على الترتيب المذكور، وقال أبو محمد عبد الجبّار المعروف بالخرقى فى كتاب التبصرة له: فالحمل ثلاثة عشر كوكبا، والخارج عن الصورة خمسة كواكب وصورته صورة كبش مقدمه إلى جهة المغرب ومؤخّره إلى المشرق وهو ملتفت إلى خلفه حتى صار خرطمه على ظهره، ومن كواكبه الشرطين من منازل القمر.

стр. 47

والبرج الثانى: الثور، ثلاثة وثلاثون كوكبا، والخارج عن الصورة أحد عشر كوكبا، وهو على صورة النصف المقدّم من الثور، وقد نكس رأسه للنطح وقد قطع بنصفين على سرته، مقدمه إلى المشرق ومؤخّره إلى المغرب، من كواكبه الثريّا والدبران من منازل القمر. والبرج الثالث: الجوزاء، وهى التوأمان، ثمانية عشر كوكبا، والخارج عن الصورة سبعة (٣٥) كواكب، وصورته صورة صبيّين قائمين واحدهما قد وضع يده على منكب الآخر، رأسهما وسائر كوكبهما فى الشمال والمشرق على طرف المجرّة وأرجلهما إلى المغرب. والبرج الرابع: السرطان، سبعة كواكب والخارج عن الصورة أربعة كواكب، مقدمه إلى ناحية المشرق ومؤخره إلى المغرب والجنوب على أثر التوأمين فإنّهما مائلان إلى الجنوب فى نفس المجرّة. والبرج الخامس: أسد، (١) سبعة وعشرون كوكبا، والخارج عن الصور ثمانية كواكب وصورته تامّة، ومن كواكبه قلب الأسد كوكب نيّر. والبرج السادس: السنبلة، وتعرف بالعذراء، ستّة وعشرون كوكبا، والخارج عن الصورة ستّة كواكب صورتها صورة جارية ذات جناحين قد أرسلت ذيلها ورأسها على الصرفة وهى كوكب نيّر على كتفها الأيسر. والبرج السابع: الميزان، ثمانية كواكب، وصورته كاسمه والخارج عن الصورة تسعة كواكب. والبرج الثامن: العقرب، أحد وعشرون كوكبا، والخارج عن الصورة ثلاثة كواكب وصورتها تامّة ومن كواكبها قلب العقرب كوكب نيّر.

стр. 48

والبرج التاسع: القوس، ويسمّى الرامى، أحد وثلاثون كوكبا خلف كواكب العقرب، وصورته صورة حيوان مركّب من إنسان وفرس كأنّه جسد دابّة إلى العنق ثم يبرز منه فى مغرز العنق نصف رجل قد وضع السهم فى القوس. والبرج العاشر: الجدى ثمانية وعشرون كوكبا وهو على النصف على صورة النصف المقدّم من جدى والثانى مؤخر سمكة إلى ذنبها. والبرج الحادى عشر: الدلو، ويعرف بساكب الماء، اثنان وأربعون كوكبا، الخارج عن الصورة ثلاث كواكب، وصورته صورة رجل قائم مادّ اليدين بأحدهما كوز قد قلبه وانصبّ الماء (٣٩) إلى مقام رجليه وجرى الماء من تحتها إلى الجنوب ويسمّى الدالى أيضا. والبرج الثانى عشر: الحوت، أربعة وثلاثون كوكبا، والخارج عن الصورة أربعة كواكب، وصورته صورة سمكتين قد وصل ذنب إحداهما بذنب الأخرى بخيط يسمّى خيط الكتّان، قال الخرقى: فجملة هذه الكواكب ثلاثمائة، وفى قول غيره ثلاثمائة وأربعون كوكبا. قلت: (١) وقد ذكر المسعودى عن الحكماء المتقدّمين: أنّ الله تعالى جمع الذرارىّ فى الحمل وجعل الشمس ملكا وعطارد كالكاتب للشمس والمشترى كالقاضى للفلك والمرّيخ كالشرطى وبمن يحمل السلاح والقمر كالخازن والزهرة كالصاحبة وزحل كالشيخ المشير (٢) والجوزهر مقدّم لأمر الملك. وذكر (٣) أنّ الكواكب الثابتة ألف وعشرون كوكبا تقطع البروج فى ثلاثة آلاف سنة وتقطع الفلك كلّه فى ستة وثلاثين ألف سنة، ويزعمون عن قولهم:

стр. 49

أنّ الله تعالى جعل إليها تدبير العالم الأرضى وهى التى كانت تعمل الأعمال وبها كانت جميع الأمور وأنّ الله تعالى وكلّها لذلك ولتدبير الخلق الدنياوى، فلذلك كانت الأمم القديمة يعبدونها. وقال أيضا المسعودى عن الحكماء الأوائل: (١) إنّ الكواكب ملائكة وإنّه جعل لها تدبير العالم ما لم يجعله لغيرها فلذلك عظّموها. وقال المسعودى: (٢) قال صاحب الطبيعة: إنّ الأفلاك لما تمّ خلقها كانت كالأجسام والكواكب كالأرواح لها، وذكر عن هرمس أنّه قال: لما خلق الله تعالى البروج قسم ذواتها فى سلطانها، فجعل للحمل اثنا عشر ألف سنة، وللثور إحدى عشرة ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللسرطان تسعة آلاف سنة، وللأسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس (٣٧) أربعة آلاف سنة، وللجدى ثلاثة آلاف سنة، وللدالى ألفى سنة، وللحوت ألف سنة، قال: ولم يكن فى عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان مخلوق وذلك ثلاثة وثلاثين ألف سنة ولا فى الأرض عالم روحانى، فلمّا كان عالم سلطان السرطان تكوّنت فيه هوامّ الأرض، ولما استقام الأسد فى سلطانه تكوّنت الدوابّ ذوات الأربع، ولمّا دخل سلطان السنبلة تكوّن الإنسان أد مانوس وحيوانوس، وخلقت الأرض بسلطان الميزان. قلت: هذا كلام خرافة لا يصحّ فى النقل ولا يتصوّر فى العقل وإنّما ذكرته كونه ذكر أيضا.

стр. 50

وقال المسعودى عن هرمس: (١) إنّ الكواكب حيّة ناطقة حسّاسة، ومنهم من قال إنّ لها حاسّيّة السمع والبصر واللمس وليس لها حاسّيّة الذوق والشمّ لأنّها مشتغلة عن ذلك بما سواه، ومنهم من قال إنّ سيرها اختيارى، ومنهم من قال إنّ سيرها اضطرارى، والله أعلم. قلت: وقد ذكر الجوهرى فى صحاحه هذه البروج وأخلّ بالبعض فقال: الحمل (٢) أوّل البروج، والثور برج فى السماء، والجوزاء نجم يقال إنّها تعترض فى جوز السماء، أى فى وسطها وجوز كلّ شئ وسطه والجمع الأجواز، قال: والسرطان (٣) برج فى السماء، ولم يذكر الأسد، قال: والسنبلة برج فى السماء، ولم يذكر الميزان، قال: والعقرب (٤) برج فى السماء وكذلك القوس والجدى والدلو والحوت، قال: والجدى نجم فى السماء إلى جانب القطب تعرف به القبلة، ولم يتعرّض الجوهرى لعدد الكواكب وصورها. وأمّا ما يخصّ كلّ برج من البلدان (٥) فقد قال علماء الهيئة: للحمل بابل وفارس وآذربيجان، وللثور همذان والأكراد، وللجوزاء جرجان (٣٨) وكيلان وموقان، وللسرطان الصين وشرقى خراسان، وللأسد الترك والسغد وما والاها، وللسنبلة الشأم والجزيرة ودجلة والفرات، وللميزان الروم إلى إفريقية وصعيد مصر والحبشة والعرب وتهامة والحجاز واليمن، وللقوس بغداد إلى إصبهان، وللجدى نهر مكران وعمان والبحرين والهند، وللدلو الكوفة وبعض أطراف الحجاز، وللحوت طبرستان وله شركة فى الروم والجزيرة والشأم ومصر والاسكندريّة.

стр. 51

فصل فى قسمة الزمان الأربعة فصول وذكر الرياح الأربع (١) الزمان أقسام أربع: الأوّل: الربيع، وهو عند بعضهم الخريف، وإنّما سمّته العرب الربيع لأنّ الربيع فيه يكون وسمّاه بعضهم خريفا لأنّ الثمار تخترف فيه، ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان، ثم الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس برأس الجدى، ثم الصيف، ودخوله عند حلول الشمس برأس الحمل، وهو عند أكثرهم الربيع، ثم القيظ، ودخوله عند حلول الشمس برأس السرطان، وهو عند أكثرهم الصيف. وأمّا الرياح الأربع، (٢) فأوّلها: ريح الشمال. قال الجوهرى: (٣) والشّمال: الريح التى تهبّ من ناحية القطب، وثانيها الصبا قال: ومهبّها الشتوى من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ونيّحها (٤) الدبور، قال: وتزعم العرب أنّ الدبور تزعج السحاب وتشخصه فى الهواء ثم تسوقه فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا، فودعت بعضه فوق بعض حتى يصير كسفا واحدا، والجنوب (٥) تلحق (٣٩) روادفه وتمدّه والشمال تمزّق السحاب، والثالثة الجنوب، وهى التى تقابل الشمال، قال: والدبور (٦) الريح التى تقابل الصبا.

стр. 52

فصل (١) فيما بين كلّ سماء وسماء وما ورد من ذلك من (٢) الأنباء قد ذكرنا مذهب الأوائل فى صور الأفلاك وما يتعلّق بها، وأمّا على مذاهب المشرّعين: (٣) فهى السموات عندهم، وقد ورد فى الجهة أخبار عن ابن عبّاس وأبى ذرّ وأبى هريرة رضوان الله عليهم. فأمّا حديث العبّاس، فقال أحمد بن حنبل (٤) ﵀ بإسناده إلى العبّاس ابن عبد المطّلب رضى الله عنه، قال: كنّا جلوسا عند رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرّت سحابة فقال: أتدرون ما هذه؟ قلنا: السحاب، قال: والمزن، قلنا: والمزن، قال: والعنان، قلنا: والعنان، قال: وسكتنا، فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمس مائة سنة وبين كلّ سماء وسماء خمس مائة سنة، وكيف كلّ سماء خمس مائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السموات والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أو غال بين ركبهنّ وأظلافهن كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه شئ من أعمال بنى آدم. وأمّا حديث أبى ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين الأرض إلى السماء مسيرة خمس مائة سنة، وغلظ كلّ سماء خمس مائة عام، والأرضين مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو جفرتم لصاحبكم ثم وليتموه لوجدتم الله ثمّة.

стр. 53

وأمّا حديث أبى هريرة، (١) قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ (٤٠) إذ مرّت سحابة فقال: أتدرون ما هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ، أتدرون كم بينها وبينكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، ثم ذكر السموات والأرض وعدّ ما بين كلّ سماء وسماء خمس مائة عام بمعنى حديث أبى ذرّ، وقال فى آخره: لو حفرتم لصاحبكم ودليتموه بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله، ثم قرأ رسول الله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ»﴾ (٢). فصل فى ذكر الشمس والقمر والنجوم الثابتة والسيّارة وغيرها (٣) الشمس: قال الجوهرى: (٤) الشمس المعروفة، ويقال لها ذكاء لأنّها تذكو كما تذكو النار، ولذلك يسمّى النهار ابن ذكاء، قال: وهى ممدودة غير مصروفة لا تدخلها ألف ولا لام. فأمّا خلقها، روى كعب الأحبار، قال فى التوراة: لمّا أراد الله أن يخلق الشمس والقمر قال للسماء أخرجى شمسك وقمرك! وعن علىّ ﵇ موقوفا عليه قال: خلقت الشمس والقمر من نور العرش. وقد روى فيما يتعلّق بالشمس أخبار وآثار، فأمّا الأخبار فلا يثبت منها إلاّ حديث واحد، قال البخارى (٥) بإسناده إلى إبراهيم التيمى عن أبيه عن أبى ذرّ قال: كنت مع النبىّ ﷺ فى المسجد حين وجبت الشمس فقال: يا أبا ذرّ أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: إنّها تذهب حتى تسجد

стр. 54

بين يدى الله، أو قال ربّها، فتستأذن فى الرجوع فيأذن لها، أخرجاه فى الصحيحين. وأخرج البيهقى عن ابن عمر بمعناه، وفيه: نظر النبىّ ﷺ إلى الشمس قد غابت، فقال: فى عين الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأهلكت ما على وجه الأرض، ومعنى يزعها: يكفّها ويردّها. ومنه قول الحسن البصرى: لا بدّ للناس من وزعة (٤١) ولأنّ ما نزع الله بالسلطان أكثر مما نزع بالقرآن، ومعنى الحديث أنّ النبىّ ﷺ أخبر عن مغيبها فى النار الحامية لا أنّه دعا عليها. وأمّا فى الأخبار الواهية، (١) فقال عن أبى أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : قد وكل الله بالشمس سبعة أملاك يقذفونها بالثلج ولولا ذلك ما أتت على شئ إلاّ أحرقته، وسنّة عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : الشمس والقمر ثوران عقيران فى النار، وفى رواية: يؤتى بهما يوم القيامة فيكوّران فى النار، والعقير المجروح، ومنها ما ذكره الطبرى ﵀ عن ابن عبّاس عن عكرمة (٢) قال: كنت جالسا عنده إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عبّاس سمعت كعب الأحبار يقول: إنّ الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة ويلقيان فى النار، وكان ابن عبّاس متكئا فجلس واجتمع وقال: كذب كعب لمسائل هى يهوديّة يريد إدخالها فى الإسلام، الله أجلّ وأكرم أن يعذّب على طاعته، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ»﴾ (٣)، أى: طائعين، فكيف يعذّب من أثنى عليه؟ ثم قال: ألا أحدّثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول: إن الله لما أبرم خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه، فأمّا ما كان فى سابق علمه أن يدعها شمسا فإنّه خلقها

стр. 55

مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأمّا ما كان فى سابق علمه أن يطمسها ويحوّلها قمرا فإنّه دون الشمس فى العظم، وإنّما يرى صغيرا لسدّه من ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الله الشمس كما كان خلقها لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل، وكان لا يدرى الأجير إلى أى متى يعمل ومتى أخذ أجره، ولا يدرى الصائم إلى متى يصوم، ولا تدرى المرأة كيف تعتدّ ولا يدرى المسلمون متى وقت الحجّ، ولا متى تحلّ ديونهم، فنظر الله لعباده فأرسل جبرائيل (٤٢) فأمرّ جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وبقى فيه النور، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ»﴾ (١)، الآية، فالسواد الذى ترونه فيه شبه الخطوط فهو أثر المحو، قال: ثم خلق الله للشمس عجلة من نور العرش لها ثلاثمائة وستّون عروة، ووكّل بالشمس وعجلتها ثلاثمائة وستّين ملكا يعلق كلّ واحد منهم بعروة، وخلق القمر أيضا كذلك وخلق لها مشارق ومغارب ثمانين ومائة عين فى المغرب طينة سوداء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ»﴾ (٢)، تفور كغليان القدور، فكلّ يوم وليلة لهما مطلع جديد ومغرب جديد، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»﴾ (٣)، قال: وخلق الله مجرى دون السماء يعنى بحرا مقدار ثلاثة فراسخ، وهو موج مكفوف قائم فى الهواء كأنّه جبل ممدود فتجرى فيه الشمس والقمر والخنس، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»﴾ (٤)، والذى نفس محمدّ بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كلّ شئ فى الأرض حتى الصخور والحجارة ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن أهل الأرض حتى يعبدوه من دون الله تعالى.

стр. 56

قال ابن عبّاس: وكان علىّ بن أبى طالب حاضرا فقال: يا رسول الله ذكرت الخنس فما هنّ؟ فقال: خمسة كواكب: الرجيس (١) وزحل وعطارد وبهرام والزهرة جاريات طالعات كالشمس والقمر فأمّا سائر الكواكب فمعلّقات فى السماء كالقناديل فى المساجد. قال، وقال النبىّ ﷺ : (٢) ثم خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب حابرشا وجابلقا، لكلّ واحدة منهما عشرة آلاف باب، وعلى كلّ باب عشرة آلاف فارس من الحرس، ووراءهم أمم يقال لهم منشك وناسك وثاريس وناويل، ومن ورائهم ياجوج وماجوج، قلت: وذكر الطبرى ﵀ حديث طويل وفيه طلوع الشمس من مغربها وباب (٤٣) التوبة، فقال له عمر بن الخطّاب: وما باب التوبة؟ ففسّره، وقال: من المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين سنة للراكب المجدّ، وذكر الصور، فقال له حذيفة بن اليمان: يا رسول الله وما الصور؟ ففسّره فى آخر الحديث، فبلغ كعبا فأتا إلى ابن عبّاس يعتذر، وقال: إنّما حدّثت من كتاب دارس تداولته الأيدى وأنت حدّثت عن رسول الله ﷺ ، وذكر كلام طويل. قلت: وقد أنكر الشيخ الحافظ أبو الفرج ابن الجوزى ﵀ على راوى هذا الحديث وقال: المنقول مثل هذه الألفاظ عن ابن عبّاس لو وقفوه عليه كان أولى وإنّما رفعوه إلى رسول الله ﷺ وحوشى منصبه الكريم عن مثله، واضعه ما قصد به إلاّ شين الشريعة، وإلاّ فمن أين فى الدنيا مدينة لها عشرة ألف باب بين كلّ بابين فرسخ وما أشبه ذلك؟

стр. 57

قلت: (١) قد روى هذا الحديث وله إسناد متّصل يقول: إنّ الله له مدينتين عظيمتين واحدة بالمشرق والأخرى بالمغرب واسم التى بالمشرق حابلتا واسم التى بالمغرب جابرضا، طول كلّ مدينة منهن اثنا عشر ألف فرسخ لكلّ مدينة عشرة آلاف باب، بين كلّ باب وباب فرسخين، يحرس كلّ باب فى كلّ ليلة عشرة آلاف رجل لا تلحقهم التوبة إلى يوم القيامة، وإنّهم يأكلون ويشربون ويتناكحون، وفيهم حلم كثير ولهم خلق عظام تامّة فى الطول والجسامة، وإنّ هاتين المدينتين خارجتين من هذا العالم، لا يرون شمسا ولا قمر، ولا يعرفون آدم ولا إبليس، يعبدون الله تعالى ويوحّدونه، وإنّ لهم نور يشيعون فيه من نور العرش من غير شمس ولا قمر، وإنّ النبى ﷺ قال: مرّ بى جبريل ﵇ ليلة الإسراء عليهم فدعوتهم إلى الله فأجابونى فمحسنهم مع محسنكم ومسيئهم مع (٤٤) مسيئكم. وعن وهب بن منبّه (٢) ما رواه المسعودى أيضا تبعا لما قدّمنا أنّه قال: إنّ لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منه عالم واحد وما العمران فى الخراب إلاّ كخردلة فى كفّ أحدكم. وروى المسعودى أيضا (٣) عن أهل الأثر أنّ لله تعالى دابة فى مرج من مروجه فى غامض علمه رزقها كلّ يوم مثل رزق العالم بأسره. قلت: وهذه الأخبار والآثار فإنّها مبالغة فى عظمة ملك الله تعالى الذى لا يحدّ وكفى من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ»﴾ (٤).

стр. 58

رجع ما انقطع: وروى الضحّاك عن ابن عبّاس رضى الله عنه قال: (١) لا تطلع الشمس كلّ يوم إلاّ وهى كارهة تقول: يا ربّ لا تطلعنى على عباد يعصونك حتى إنّها لتقف عند الطلوع فيدفعها ثلاثمائة وستّون ملكا حتى تطلع. وذكر الثعلبى عن ابن عبّاس قال: تطلع الشمس كلّ سنة فى ثلاثمائة وستّين كوّة لا ترجع إلى تلك الكوّة الأولى إلى ذلك اليوم من العام القابل، ومن الآثار أيضا ما رواه مجاهد عن ابن عبّاس قال: للشمس ثلاثمائة وستّون عجلة وثلاثمائة وستّون مشرقا ومغربا، وكذلك القمر فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ»﴾ (٢)، وأمّا قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ»﴾ (٣)، فإنّما أراد مشرق كلّ واحد منهما ومغربه. وأمّا القمر: (٤) قال علماء اللغة رضى الله عنهم كالزجّاج والفرّاء والأصمعى وغيرهم: إنّما سمّى القمر قمرا لبياضه، والأقمر فى اللغة: الأبيض، وليلة قمراء أى: مضيئة، وقال الجوهرى: (٥) القمر بعد ثلاث <ليال> إلى آخر الشهر يسمّى قمرا لبياضه، وفى كلام بعضهم: قمير وهو تصغير قمر، قال: والقمر يحيّر البصر من البهج، (٦) وقال

стр. 59

ابن قتيبة فى أدب الكاتب: (١) والهلال أوّل ليلة والثانية (٤٥) والثالثة، ثم هو قمر بعد ذلك إلى آخر الشهر، وتصغيره قمير وجمعه أقمار، ويقال له الليلة (٢) الرابعة عشر بدر لتمامه ومنه البدرة، وكلّ شئ ثمّ فهو بدر مجاز وفى القمر حقيقة، وقال الجوهرى: (٣) إنما سمّى بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنّه بدرها، وقال الفرّاء: هو فى أوّل ليلة هلال ثم قمير ثم قمر ثم بدر. حديث ضرب المثل: قال البخارى رضى الله عنه: (٤) يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال هل تمارون فى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا! قال: فهل تمارون فى الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا! قال: فإنّكم ترونه كذلك، أخرجاه فى الصحيحين، وهو حديث طويل وقد رواه جماعة من الصحابة باللفاظ (٥) مختلفة. فإن قيل: فهلاّ ضرب المثل بالشمس وهى أضوأ وأتمّ نورا فإنّ نور القمر منها فالجواب من وجوه أحدها: أنّ نور الشمس يغلب على الأبصار فلا يتمكّن أحد من النظر إليه مع عدّة وجوه أخر فيها طول. ذكر منازل القمر (٦) قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ»﴾ (٧) الآية، ذكر ابن قتيبة وغيره منازل القمر، فقالوا: هى ثمانية وعشرون منزلة من أوّل الشهر إلى أن يستسر، وتسمّيها العرب نجوم الأخذ لأنّ القمر يأخذ كلّ ليلة منها

стр. 60

فى منزلة، وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثريّا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والعوّاء، والزبرة، والصرفة والسّماك، والعوّام، والغفر، والزبانا، والإكليل، والشولة، والنعائم، والبلدة وسعد السعود، وسعد الذابح، وسعد الأخبية وسعد بلع، وفرع الدلو، والفرع المؤخّر، والرشاء. قلت: ولهذه المنازل (٤٦) تفسير معروف أضربت عنه لمعرفة الناس إيّاه وطلبا للاختصار إذ تأريخنا هذا تأريخ اختصار وتلخيص لا تأريخ إكثار وتفحيص. وأمّا الستّة التى ليست من منازل القمر فهم: سعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر، قال: وكلّ سعد من هذه الستّة كوكبان من كلّ كوكبين فى مراء العين مقدار ذراع وهى متناسقة. ولجميع تلك المنازل المذكورة قبل أوان فى طلوعها فى الفصول الأربعة من السنة أضربت عن ذلك أيضا لطوله. وأمّا انقسام هذه المنازل المقدّم ذكرها على فصول السنة، (١) فمن الواجب ذكرها، قال ابن قتيبة: (٢) لفصل الربيع: الشرطين، والبطين، والثريّا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، ولفصل الصيف منها: النثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والسماك، والعوّاء، ولفصل الخريف: الغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، ولفصل الشتاء: سعد السعود، وسعد الذابح، وسعد الأخبية، وسعد بلع، والفرعان المقدّم والمؤخّر، والرشاء، فلكلّ فصل من الفصول الأربع سبعة منازل.

стр. 61

ذكر النجوم والكواكب الثابتة وغيرها (١) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»﴾ (٣)، وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنّه قال: علم النجوم علم نافع عجز عنه الناس ووددت أنّى علمته، أشار إلى معرفة نفس النجوم لا إلى الأحكام، وأنشد لثابت بن قرّة (من السريع): أما ترى ذا الفلك الديّرا ... أبيت من همّى به ساهرا (٤٧) مفكّرا فيه وفى أمره ... فما أرى خلقا به خابرا يا ليت شعرى هل أرى مرّة ... أكون (٤) مع أبراجه سائرا حتى أرى جملة تكوينه ... وأعرف الباطن والظاهرا واتّفقوا على أنّ نور القمر من نور الشمس، واختلفوا فى نور الكواكب هل هو من نور الشمس أم من غير ذلك على قولين: أحدهما، (٥) قال الخرقى والنوبختى وأبو معشر ومن تبعهم: الكواكب المعروفة ألف واثنان وعشرون كوكبا. فمنها: الجدى وهو أدلّها على القبلة، قال الجوهرى: (٦) والجدى نجم إلى جنب القطب تعرف به القبلة، والقطب كوكب بين الجدى والفرقدين تدور عليه الفلك. وقال النوبختى: الجدى إلى جانب القطب الشمالى حوله أنجم دائرة كفراشة الرحاء فى إحدى طرفها الفرقدان وفى الطرف الآخر نجم مضئ يقابلها وبين ذلك النجم أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل تدور حول القطب والجدى

стр. 62

دوران فراشة الرحاء حول سفودها، وحولها بنات نعش تدور والقطب والجدى لا يبرحان من مكانهما. وقال أبو معشر: الجدى قطب هذه الفراشة، وقيل: القطب قطبها ويستدلّ عليه بالجدى إذا لم يكن ثمّ قمر فإذا قوى ضوء القمر خفى مكانه فلا يراه إلاّ الحديد البصر، والسهاء (١) إلى جانبه وهو نجم خفى يمتحن الناس به أبصارهم. وقال ابن قتيبة فى أدب الكاتب: (٢) الجدى الذى تعرف به القبلة هو جدى بنات نعش الصغرى وبنات نعش الصغرى بقرب بنات نعش الكبرى على مثال تأليفها أربعة منها: نعش وثلاث بنات فمن الأربعة الفرقدان وهما المتقدّمان، ومن البنات الجدى وهو آخرها، قال: والسها الذى يمتحن به الناس أبصارهم كوكب خفىّ فى بنات نعش وفى المثل تقول: أريها السها وترينى القمر. (٤٨) وكيفيّة معرفة القبلة بالجدى أنّك إذا جعلته وراء ظهرك فى أرض الشام كنت مستقبل القبلة، وفى أرض العراق تجعله مقابل ظهر أذنك اليمنى على علوها فتكون مستقبل القبلة، وهو باب البيت إلى المقام، ومتى استدبرت الفرقدين أو بنات نعش كنت مستقبلا جهة الكعبة، وأما الفرقدان فنجمان مضيئان قريبان من القطب وهما ندمانا جذيمة الأبرش ومنها قول متمّم بن نويرة فى مرثية أخاه مالكا يقول (من الطويل): وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا (٣) وسيأتى خبر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى. وقال الجوهرى ﵀: (٤) وبنات نعش الكبير سبعة كواكب أربعة منهن نعش وثلاث بنات، وكذا بنات نعش الصغرى. وقال أبو حنيفة الدينورى: والقطب الشمالى والجنوبى عند مطلع سهيل لا يظهر إلاّ فى جزيرة العرب، وقال

стр. 63

أبو عمرو الشيبانى: فيه لغتان: ضمّ القاف وكسرها، يقال: قطب وقطب، ومنها سهيل وهو إلى جانب القطب الجنوبى ومطلعه من مهبّ الجنوب ثمّ يسير نحو المغرب فيصير فى قبلة المصلّى وهناك يغيب. قال ابن قتيبة: (١) سهيل كوكب أحمر منفرد من الكواكب ولقربه من الأرض تراه أبدا كأنّه يضطرب وهو من الكواكب الثمانية ومطلعه عن يسار القبلة ويرى فى جميع أرض العرب والعراق والشام ولا يرى فى بلاد أرمينية وبين طلوعه بالحجاز ورؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، وذكره الجوهرى (٢) فقال: وسهيل نجم، والعرب تقول: إذا طلع سهيل لا نأمن السيل. وقال أبو معشر فى ذلك: ومن هذه الكواكب التى هى ألف واثنان وعشرون كوكبا، ثلاثمائة واثنعشر (٣) فى اثنى عشر صورة فى طريق الشمس وهى البروج الاثنا عشر، ومنها ثلاثمائة وستّون كوكبا (٤٩) فى إحدى وعشرين صورة وهى مائلة عن طريق الشمس إلى ناحية الشمال، منها: الدبّ الأكبر، والدب الأصغر، والتّنين وغيرهم، ومنها ثلاثمائة وستّة عشر كوكبا فى خمس عشرة صورة مائلة عن طريق الشمس إلى ناحية الجنوب، والاعتماد على الكواكب التى فى طريق الشمس لأنّها متقنة البروج وما عدا الكواكب التى سمّينا لم يسمها عامّة أرباب علم الهيئة. وذكرها أبو محمّد عبد الجبّار المعروف بالخرق فى كتابه المسمّى بالتبصرة فى الكواكب الثابتة، قال أبو محمّد: فأمّا الكواكب التى فى الصور الشمالية منها: الدبّ الأصغر، وهو على صورة الدبّ واقف مادّ ذنبه وكواكبه سبعة وتسمّيها العرب بنات نعش الصغرى، فالأربعة هى النعش على شكل مربّع والثلاث على طرف ذنبه يسمّونه الجدى وهو الذى تتوخى به القبلة إذا هو أقرب

стр. 64

الكواكب المرصودة إلى القطب الشمالى. ومنها: الدبّ الأكبر، وكواكبه سبعة وعشرون كوكبا من جملتها سبعة تسمّيها العرب بنات نعش الكبرى: أربعة على بدنه وثلاثة على ذنبه، والذى على طرف ذنبه يسمّونه القائد ثم القناق ثم الحون وبقرب القناق كوكب صغير يسمّونه السها، وهذه السبعة من جملة ثمان كواكب خارجة عن الصورة، ومنها التنّين وهو أحد وثلاثون كوكبا صورته صورة حيّة كبيرة، كبيرة العطفات على شكل مربّع منحرف على رأسه تسمّيها العرب العوائد، قال الجوهرى: (١) والتنّين ضرب من الحيّات، ومنها الفكّة، ويقال له الإكليل الشمالى، ويعرف بقصعة المساكين لاستدارتها وكواكبها ثمانية، وقال الجوهرى: (٢) والفكّة كواكب مستديرة خلف السماك الرامح. ومنها الجاثى على ركبتيه وصورته تسع وعشرون كوكبا ومنها السلياق ويقال له اللوزا (٥٠) والصبح الرومى والسلحفاة وكواكبه عشرة، من جملتها كوكب نيّر يسمّونه النسر الواقع، سمّى بذلك لأنّ جناحيه مقبوضان، قال الجوهرى: (٣) وفى النجوم النسر الطائر والنسر الواقع. ومنها الدّجاجة سبعة عشر كوكبا، والخارج عن الصورة كوكبان وأكثر كواكبها فى المجرّة قريبة من النسر الواقع، ومنها: ذات الكرسى، ثلاث عشر كوكبا، والخارج عن الصورة (٤) وصورتها صورة امرأة جالسة على كرسى عليه مسند وقد دلّت رجليها وهى نفس المجرّة، ومن كواكبها الكفّ الخضيب على وسط المسند يعرف بسنام الناقة. ومنها برشاوش وتسمّى حامل رأس الغول، ستّة وعشرون كوكبا، والخارج عن الصورة ثلاث كواكب وصورته صورة رجل قائم على رجله اليسرى

стр. 65

رافع رجله اليمنى ويده اليمنى فوق رأسه وبيده اليسرى رأس مشوّه الخلق مقطوع يسمّى رأس الغول. ومنها ممسك العنان أربعة عشر كوكبا وصورته صورة رجل قائم بإحدى يديه سوط ويده الأخرى قابضة على عنان خلف العناق. ومنها الحوّا وهى أربعة وعشرين كوكبا والخارج عن الصورة خمسة كواكب وصورته صورة رجل قائم قد قبض بيديه جميعا على حيّة، ومنها حية العوّا ثمانية عشر كوكبا وقد قبضها العوّا وقد رفعت رأسها إليه وذنبها حتى عليا رأسه. ومنها السهم خمسة كواكب بين منقار الدجاجة والنسر الواقع، ومنها العقاب تسعة كواكب والخارج عن الصورة ستّة ومن الكواكب الذى له النسر الطائر لأنّ جناحيه مبسوطان. ومنها الدّلفين عشرة كواكب مجتمعة خلف النسر الطائر وصورته صورة حيوان يجرى يشبه الرّقّ المنفوخ، ولم يذكره الجوهرى (١) فى النجوم وإنّما قال: الدلفين بالضمّ دابّة فى البحر تنجّى الغريق، قلت: وهى التى تعرف على الألسنة بالدرفيل. ومنها قطعة الفرس (٥١) أربعة كواكب ويقال لها مقدّم الفرس خلف كواكب الدلفين، ومنها الفرس الأكبر وهو ذو الجناح عشرون كوكبا صورة فرس له رأس ويدان وليس له رجلان ولا كفل. ومنها أندروميدا وتعرف بالمرأة المسلسلة اثنان وعشرون كوكبا وصورتها امرأة قائمة ممدودة اليدين فى يدها سلسلة كأنّها معلّقة بها ويقال السلسلة فى رجليها. ومنها للثلّث أربعة كواكب بين كواكب السمكة وبين البئر الذى على

стр. 66

رأس الغول، قال أبو محمّد الخرفى؛ فجملة هذه الصور الشمالية ثلاثمائة وستّون كوكبا. ومن الكواكب الجنوبيّة: فيطس اثنان وعشرون كوكبا وصورته حيوان بحرى ذو رجلين وذنب كذنب الحوت، ومنها الجبّار ثمانية وثلاثون كوكبا وصورته رجل على كرسى بيده عصى وفى وسطه منتقة (١) وسيف ومن كواكبه يد الجوزاء وهو كوكب أحمر نيّر وشكله شكل جدول كثير العطفات. ومنها الأرنب اثنا عشر كوكبا مجتمعة تحت رجل الجبّار إلى المشرف، ومنها الكلب الأكبر ثمانية عشر كوكبا والخارج عن الصورة إحدى عشر كوكبا خلف كواكب الجوزاء أمام السفينة. من كواكبه الشعرا العبور كوكب نيّر وتسمّى العبور وتسمى التالى المرزم، وقال الجوهرى: (٢) والشعرا الغميصا التى فى الذراع، وتزعم العرب أنّهما أختا سهيل قال الجوهرى: (٣) والمرزمان مرزما الشعريين وهما نجمان أحدهما فى الشعرا والآخر فى الذراع. ومنها الكلب الأصغر وهما كوكبان يسمّى أحدهما الشعرى الشاميّة والغميصا كوكبان نيّران، ومنها السفينة خمسة وأربعون كوكبا مجتمعة فى ناحية الجنوب مطلع أثر الكلب الأكبر من جملتها سهيل النجم الأحمر، ومنها الشجاع خمسة وعشرون كوكبا والخارج عن الصورة كوكبان فى صورة حيّة طويلة كثيرة العطفات ورأسها على خلف ووجهه وجه فرس من أربع كواكب تبتد ئ من زبانا (٥٢) السرطان وهو بين الشعرا الشاميّة وقلب الأسد، ومنها الكأس سبعة كواكب على شكل مستدير عند ظهر الشجاع وتسمّى الباطية. ومنها الغراب سبعة كواكب ويسمّى عرس السماك الأعزل ويسمى أيضا

стр. 67

الحباء، ومنها فيطورس سبعة وثلاثون كوكبا وصورته صورة حيوان مركّب من إنسان وفرس مقدّمه مقدّم إنسان من رأسه إلى ظهره ومؤخّره مؤخّر فرس من منشأ ظهره إلى ذنبه قد أخذ بيديه رجلى سبع وتسمّيه العرب شماريخ والشمراخ غرّة الفرس والشماريخ التى عليها البشر بمنزلة العنقود فى الكرم. ومنها السبع تسع عشر كوكبا مجتمعة خلف كواكب فيطورس على جنوب العقرب، ومنها الإكليل الجنوبى ثلاث عشر كوكبا وشكلها شكل صنوبرى وتسمّيها العرب قبّة. ومنها الحوت الجنوبى أحد عشر كوكبا والخارج عن الصورة ستّة كواكب <وصورته> صورة سمكة عظيمة كواكبها على جنوب كواكب الدلو رأسها إلى المشرق وذنبها إلى المغرب، ومنها المحمر (١) على جنوب خرزات العقرب. قال أبو محمّد الخرقى: فهذه جملة الكواكب الجنوبيّة وقد تقدّم القول فى الكواكب الشماليّة. قلت: وهذا الذى ذكره يختصّ بالكواكب التى هى غير مشهورة. فأمّا الكواكب السبعة وما هو من معناها ومختصّا بذكرها فنقول: (٢) ذكر النوبختى وأبو معشر وهما شيخى هذه الطريقة: أنّ جرم الشمس بمقدار الدنيا مائة وستّة وستّين مرّة ونصف مرّة، وجرم القمر بمقدار الدنيا تسع وثلاثون مرّة، وكذا الزهرة وكذا عطارد والمرّيخ، وأنّ جرم المشترى بمقدار الدنيا اثنين وثمانين مرّة، قال الجوهرى: (٣) ويسمى المشترى الأحور: وزحل أعظم من الدنيا بتسع وتسعين مرّة، وذكر عن النوبختى أنّه قال أيضا: إنّ جرم الشمس خمس عشر (٥٣) درجة أمامها وكذا خلقها، وجرم القمر اثنتا عشر درجة أمامه وكذا خلفه، وجرم المشترى تسع درجات أمامه وكذا خلفه، وجرم زحل والمرّيخ ثمان درجات

стр. 68

أمامه وكذا خلفهما، وكذلك عطارد، وذكر هارون بن المأمون فى تأريخه المسمّى بمنهاج الطالبين: أنّ أصغر كوكبا فى السماء بمقدار الدنيا مرّات كثيرة، قال: إلا القمر فإنّه أصغر من الأرض. قلت: أمّا قوله: أصغر كوكبا فى السماء بمقدار الدنيا فنسلم وأمّا قوله فى القمر فلم يوافقه عليه أحد، قال أبو معشر: فأمّا الكواكب العظام الثابتة كالشعرا العبور والسماك والنسر الواقع والطائر وقلب الأسد ونحوها وهى خمسة عشر كوكبا فكلّ كوكب منها مقدار الأرض أربعا وتسعين مرّة ونصفا، قال ابن قتيبه: (١) النسر الواقع ثلاثة أنجم مصطفّة كأنّهم جعلوا اثنين منهما جناحيه قد ضمّهما إليه كأنّه واقع، وكذا النسر الطائر ثلاثة أنجم مصطفّة يجعلون اثنين منهما جناحيه كأنّه طائر قد بسطهما، قال أبو معشر: ويقطع كلّ واحد منهما الفلك فى ستّة وثلاثين ألف سنة. وأمّا قطع الكواكب السبعة الأفلاك، (٢) ذكر أبو حنيفة الدينورى ﵀ أنّ القمر يقطع الفلك فى تسعة وعشرين يوما وقلّ من ثلث يوم، وقال النوبختى: فى تسع وعشرين يوما فقط، وعطارد يقطعه فى أقلّ من ثمانية وعشرين يوما، والزهرة نقطعه فى مائتين وأربعين وعشرين يوما وأشفّ من ثلثى يوم، والشمس نقطعه فى ثلاثمائة وخمسة وستّين يوما وأشفّ من ربع يوم، والمرّيخ يقطعه فى ستّمائة وثلاثين يوما، والمشترى يقطعه فى أحد عشر سنة وثلاثمائة وسبعة وعشرين يوما، وزحل يقطعه فى تسعة وعشرين سنة فارسيّة ومائة وستة وسبعين يوما (٥٤). وأمّا مقامات الكواكب فى البروج قالوا: (٣) مقام القمر فى كلّ برج ليلتان وثلث ليلة، ومقام عطارد فى كلّ برج خمس عشر يوما، ومقام الزهرة فى كلّ برج خمسة وعشرين يوما، ومقام الشمس فى كلّ برج شهر، ومقام المرّيخ فى كلّ برج خمسة

стр. 69

وأربعين يوما، ومقام المشترى فى كلّ برج سنة، ومقام زحل فى كلّ برج ثلاثون شهرا. وأمّا شرف الكواكب: (١) فشرف القمر فى الثور، وشرف عطارد فى السنبلة، وشرف الزهرة فى الحوت، وشرف الشمس فى الحمل، وشرف المرّيخ فى الجدى، وشرف المشترى فى السرطان، وشرف زحل فى الميزان. واختلفوا فى المجرّة، قال بعضهم: هى شرج السماء لمجمع النجوم كشرج القبّة، وقيل: هى باب السماء وإنما سميت المجرّة للنسبة، وتسمّيها العرب أمّ النجوم لأنّه ليس فى السماء بقعة أكثر عددا من الكواكب فيها، وتسمّيها العامّة: طريق التين، وقد روى أبو بكر الخطيب حديثا فى المجرّة بإسناده إلى رجل سمّاه معاذ ابن جبل قال: لمّا بعثنى رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: إن هم سألوك عن المجرّة فقل إنّها من عرق الأفعى الذى تحت العرش، وهذا الحديث ليس بالقوى والله أعلم. وأمّا ما لكلّ كوكب من الأيّام السبعة، قال: (٢) يوم الأحد للشمس، والاثنين للقمر، والثلاثاء للمرّيخ، والأربعاء لعطارد، والخميس للمشترى، والجمعة المزهرة، والسبت لزحل. فصل فى ذكر البيت المعمور (٣) قال الله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ»﴾ (٤)، روى عطاء عن ابن عبّاس أنّ اسمه الضراح، وقد ضبطه الجوهرى فقال: (٥) والضراح بضمّ الضاد المعجمة (٥٥) والحاء المهملة بيت فى السماء وهو البيت المعمور عن ابن عبّاس.

стр. 70

واختلفوا فى أىّ سماء هو على أقوال: أحدها: فى السماء الدنيا وهو على قول ابن عبّاس ومجاهد والربيع، واحتجّوا بحديث عائشة رضى الله عنها، قال أبو إسحاق الثعلبى (١) بإسناده عن ابن الزبير عن عائشة إنّ النبى ﷺ قدم مكّة فأرادت عائشة أن تدخل البيت ليلا، فقال لها بنو شيبة إنّ أحدا لا يدخل البيت يعنى ليلا ولكن تحلّيه نهارا فشكت إلى رسول الله ﷺ فقال إنّه ليس لأحد أن يدخله ليلا، إنّه بحيال البيت المعمور الذى فى السماء، لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة، وإنّه يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة، ولكن انطلقى أنت وصواحبك فصلّين فى الحجر! ففعلت، فأصبحت وهى تقول: قد دخلت البيت على رغم من رغم، وروى عكرمة عن ابن عبّاس بمعناه، وقال: حرمته فى السماء كحرمة الكعبة فى الأرض فهو معمور بكثرة الغاشية والأهل والعبادة يصلّى فيه كلّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه، وخازنه يقال له رزين، وروى ابن عبّاس أنّه كان من الجنّة فلمّا أهبط آدم إلى الأرض حمل إليه ليستأنس به ثم رفع أيّام الطوفان. والقول الثانى: إنّه فى السماء السادسة عند شجرة طوبا، روى عن علىّ ﵇. والقول الثالث: إنّه فى السماء السابعة، قاله مجاهد والضحاك، وقد روى البخارى (٢) فى حديث المعراج عن النبىّ ﷺ أنّه قال: ورأيت البيت المعمور فى السماء السابعة يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه. قلت: ولا تنافى بين هذه الأقوال لأنّه يحتمل أنّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السابعة عند سدرة المنتهى تعظيما للنبىّ ﷺ حتى رآه ثم أعاده إلى سماء الدنيا. وذكر الثعلبى (٣) عن الحسن البصرى (٥٦) أنّه قال: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ»﴾ (٤) إنّه

стр. 71

الكعبة الحرام يعمره الله كلّ سنة بالناس وهو أوّل بيت عمر للعبادة والقول الأوّل أظهر لما رويناه عن عائشة ولأنّ الكعبة تعمر بالناس فى كلّ عام مرّة والبيت المعمور يعمر كلّ يوم بالملائكة. فصل فى ذكر سدرة المنتهى وشجرة طوبا (١) قال الله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى»﴾ (٢)، الآية، قال الجوهرى: (٣) السدر شجر النبق، الواحدة سدر والجمع سدرات. واختلفوا لم سمّيت بهذا الاسم على أقوال: (٤) أحدها: لأنّها تنتهى إليها الأعمال من بنى آدم تعرج بها الملائكة الكتبة إلى السماء، ثم تقبض منها وإليها ينتهى ما يقبض من فوقها، قاله كعب الأحبار، وذكر أنّه فى التوراة كذلك، وروى العوفى عن ابن عبّاس قال: سألت كبا عن سدرة المنتهى فقال: هى سدرة فى أصل العرش إليها ينتهى علم الخلائق فيرفع منها تعرج به الملائكة إليها فتقف عندها لا يعدوها شئ، قاله الربيع بن أنس. والثالث: لأنّ الملائكة المقرّبين ينتهى إليها فلا يتجاسروا أن يتجاوزوه من خوف الله تعالى، قاله الضحاك. والرابع: لأنّه ينتهى إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، حكاه سفيان. واختلفوا فى أى سماء هى، والصحيح (٥) ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : رأيتها بعد السماء السابعة فقيل لى: هى سدرة المنتهى وإذا شجرة يخرج

стр. 72

من أصلها أربعة أنهار نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغيّر طعمه، ونهر من عسل مصفّى ونهر من الكافور، والورقة منها تصل أمّة من الأمم. وقال البخارى (١) بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ فى الجنّة شجرة يسير الراكب فى ظلّها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ»﴾ (٢) (٥٧) متّفق عليه. وقال ابن عبّاس: ليس فى الجنّة قصر ولا بيت إلاّ وفيه غصن من أغصانها، وسئل على ﵇ عنها فقال: هى كالشمس فى الدنيا وسماها عبد الله بن سلام شجرة طوبا فقال: وكذا هى فى التوراة وفى القرآن: ﴿طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ»﴾ (٣). وعن أبى سعيد الخدرى قال: (٤) سئل رسول الله ﷺ عن شجرة طوبا فقال: غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت حلىّ أهل الجنّة وحللهم وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنّة، وقال مقاتل: لو أنّ ورقة منها وقعت فى الأرض لأضاءت لأهلها وهى طوبا التى ذكرها الله تعالى فى سورة الرعد. فصل فى ذكر العرش العظيم والكرسى الكريم (٥) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»﴾ (٦)، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٧)، وسيأتى تفسير ذلك، قال الجوهرى: (٨) الكرسى واحد الكراسى المعروفة.

стр. 73

واختلفوا فيه على أقوال: (١) أحدها: إنّه الكرسى وقد قسّر ابن عبّاس قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢) بهذا، قال: ومعنى ﴿وَسِعَ»﴾ (٣) أى ملأهما وأحاط بهما. والثانى: أنّ الكرسى علم الله، ومنه قيل للصحيفة (٤) العلم كرّاسة، ويقال للعطاء: الكراسى، قاله الضحاك، وروى ابن عبّاس أيضا كذلك والثالث: قدرة الله تعالى وسلطانه وملكه، والعرب تسمّى الملك القديم كرسيّا، قاله مقاتل. والرابع: سرّه، قاله الحسن. والخامس: أهله، قال: ومعناه: وسع عباده أهل السموات والأرض، قاله الطبرى. (٥) والسادس: أنّ الكرسى هو العرش، قاله الحسن. والسابع: أنّه ملك عظيم أضافه إلى نفسه تخصيصا لينبّه به على عظمته وقدرته، قاله مقاتل بن حيّان، ومعناه أنّ خلقا من خلقى يملأ السموات والأرض فكيف تقدر قدرتى وينال عظمتى. قلت: (٦) والأصحّ: أنّه الكرسى بعينه، وباقى الأقوال مجاز وعدول عن الحقيقة، لأنّ الأخبار والآثار دالّة عليه. وعن أبى ذرّ قال، قلت: يا رسول الله (٥٨) أيّما أنزل الله عليك أعظم؟ فقال: آية الكرسى، ثم قال رسول الله: يا أبا ذرّ! ما السموات السبع فى الكرسى إلاّ كحلقة ملقاة فى أرض فلاة. وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة. وروى عن علىّ ﵇ قال: الكرسى من لؤلؤة مضاء وهو فوق السماء السابعة بمسيرة خمس مائة عام وطول كلّ قائمة منه مثل السماوات السبع وهو بين يدى العرش، وتحمل الكرسى أربعة أملاك أقدامهم على الصخرة التى تحت الأرض السابعة.

стр. 74

وأمّا ما ذكروه من معنى العلم والقدرة ونحو ذلك، فالعرب لا تعرف الكرسى بمعنى العلم والقدرة والملك والأهل وما استشهدوا به فساد لا يعبأ به ولا يعرج عليه. وأمّا العرش، فقال الجوهرى: (١) سرير الملك يسمّى عرشا، قال: وجمعه عروشا. وقال الحسن البصرى: العرش هو الكرسى بعينه، وليس كما ذكر لأنّ الله تعالى فرق بينهما فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢)، ثم قال: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»﴾، (٣) وذكر العرش فى عدّة مواضع، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: العرش بعد الكرسى. والعرش من ياقوته حمراء، وتحته بحر ينزل منه أرزاق الحيوانات يوحى الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق. وبين حملة العرش وحملة الكرسى سبعون حجابا من نور غلظ كلّ حجاب مسيرة خمس مائة سنة ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسى من نور العرش. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس قال: العرش ثلاثمائة وستّون ألف برج، فى كلّ برج ثلاثمائة ألف صفّ من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى، يسبّح كلّ واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر. وروى عن الحسن أنّه قال: العرش بمعنى الملك، قلت: والعجب من هذا مع فضيلة الحسن أنّه قال: والعرش بمعنى الملك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»﴾ (٤) فكيف يكون بمعنى الملك، وإنّما لعلّه نظر إلى قول زهير

стр. 75

(من الطويل): (٥٩) -تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها ... وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل (١) فتوهّم ﵀ ذلك، وقد فسّر الجوهرى (٢) بيت زهير فقال: معناه وها أمره وذهب عزّه، قال ابن الجوزى: فإن قيل: ما الحكمة فى خلق العرش والله أعظم من كلّ شئ؟ فالجواب من وجوه، أحدها أنّه موضع خدمة الملائكة فهم حافّون به إلى يوم القيامة كما قال تعالى، الثانى: لأنّ الله تعالى جعله قبلة من نور. والثالث: من الماء. والرابع: من الرحمة. وأعطاهم قوّة جميع الخلائق وأمرهم بحمل العرش فحملوه فلم يطيقوا فقال لهم الله : قولوا سبحان الله فقالوها فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم وضعفوا، فقال الله تعالى: قولوا الحمد لله فقالوها، فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا، فقال لهم : قولوا لا إله إلا الله فقالوها فحملوه على أكتافهم ووقفوا، فقال لهم: قولوا الله أكبر فقالوها فرفعوه على رؤسهم (٣) فرؤسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى. وعن <أبى> رزين العقيلى قال، قلت: يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: كان فى غمام تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء، وحكى أبو جعفر الطبرى ﵀ فى تأريخه (٤) عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّه قال: أوّل ما خلق الله الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه.
следующие страницы →