← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وفيها وصلت التتار الجزيره وديار بكر وميّافارقين وإلى رأس العين وسروج وغير دلك، وقتلوا خلايق لا يحصى عددهم إلا الله . قال أبو المظفر: حكى لى شخص من التجار، قال: عددت على جسر بين حرّان وراس العين فى مكان واحد ثلثمايه وثمانين قتيلا ما بين رجل (٢٠) وشيخ وغلام. وفيها قدم الشيخ نجم الدين البادرايى (٥) من عند الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين بسبب الصلح بين الملك الناصر صاحب الشام والملك المعز صاحب مصر، فلم يتفق لهم صلحا (٧). ودلك ان الناصر قال بشرط ان تكون السكه والخطبه له بمصر، فامتنع المعز من دلك. وقالوا (٨) البحريه: «نحن خلصنا مصر والشام بسيوفنا من ايدى الفرنج، ولا صلح بيننا الا ان يكون لنا من غزه الى العقبه». وامتنع الناصر ايضا من دلك، وجرت امور يطول شرحها. وكان منهم مغايرات وحروب حتى تفانت الناس بينهم، ولم يزالوا كدلك طول سنه خمسين بكمالها. ذكر [حوادث] سنة احدى وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خمسه ادرع وثمانيه اصابع. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا وسبعه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين، والوزير بن (١٦) العلقمى بحاله، والملوك بحالهم على ما تقدم من ذكرهم فى السنه التى قبلها. وفيها كان الصلح بين الملك الناصر

стр. 3537

صاحب الشام وبين الملك المعز صاحب مصر بوساطه الشيخ نجم الدين البادرايى (٢). وكانت الحروب بينهم قد افنت الجيوش. ثم قدم البادرايى والنظام بن المولى الى مصر، وخلصوا الملك المعظم واخاه الاشرف، واخو (٣) الملك الناصر. وفيها تسلمت (٤) المصريين الشوبك من نايب الملك المغيث ولم يبق فى يد المغيث غير الكرك فقط، مع البلقا وبعض الغور. وفيها قطع خبز ابن أبى على، ثم طلب دستور (٦) ان يزور القدس، ثم هرب إلى الملك الناصر، فاعطاه إمرة خمس مايه فارس. (٨) [قال ابن واصل: ان فى سنة احدى وخمسين وستمايه ظهرت فى أرض عدن من اليمن فى بعض جبالها نار عظيمه بحيث كان يطير شرارها الى البحر فى الليل، ويظهر فى النهار لها دخان عظيم. فلم يشكو (١٠) الناس فى انها النار التى تظهر فى اخر الزمان والله اعلم] (٩). (٢١) وفيها اخرج الناصر يوسف الناصر (١١) داود من الاعتقال، ونفاه من الشام الى الرحبه باهله واولاده وحريمه. ورسم الملك الناصر يوسف ان لا يزوده احدا ولا يطعمه لقمه خبز. فسير بعض غلمانه يشترى له قمحا وشعيرا، فرسم الملك الرحيم بدر الدين لولو أن من اباعه شئ (١٤) شنق. فبلغ دلك الأشرف صاحب حمص، فسير اليه اشيا غير واحده من جميع ما يحتاج اليه. ثم اقام الناصر داود بالرحبه والفراه اثنا (١٥) عشر يوما، غريبا وحيدا لا يجد من القوت إلا من صيده ثم قصد باب الخلافه. فلما بلغ الشرابى- وكان اكبر امراء الخلافه ببغداد-امر الناصر بعث اليه اشيا كثيره وانزله بالأنبار، وهى بالقرب من بغداد، واقام ثمانيه اشهر لا يودن (١٨) له. وقيل كان له عند الخليفه وديعه ما مقدارها ما يتى (١٩) الف دينار، فمنعه إياها ولم يعطه شى ولا ادن له فى المثول.

стр. 3538

ذكر [حوادث] سنة اثنتين وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وست (٢) اصابع. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا وثلث (٣) اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين، والوزير بن (٥) العلقمى بحاله. والملوك حسبما سقناه من الكلام فى السنه المقدم ذكرها. والتتار يملكون البلاد اولا فاولا، ومكاتباتهم متردده الى كبار الدوله الخليفيه خصوصا الوزير بن (٨) العلقمى، فانه كان معهم مخامرا على الاسلام. والخليفه غافل عما يجرى، ملتهى (٩) فى لعبه ولهوه، والامور تنتقض عليه من عنده وهو لا يعلم لامر قد سبق فى القدم، وجرى به اللوح والقلم. وفيها (٢٢) اقطع ايدغدى العزيزى دمياط بكمالها زياده على ما بيده من الاقطاع، وكانت تعمل يوميد ثلثين الف دينار، وكانت اسكندريه فى جمله اقطاع الفارس اقطاى. وقدم من الصعيد وصحبته الاسارى فى الزناجير والحبال. وفيها قتل الفارس اقطاى المدكور حسبما ندكره انشا الله تعالى. ذكر قتلة الفارس اقطاى سببه انه كان قد طغى وتجبّر، وبغا (١٦) وتكبر. ووصل من امره انه كان ادا ركب من داره إلى القلعه ومن القلعه الى داره، يقتل جماعه بامره وبين يديه، ولا يلتفت

стр. 3539

عن المعزّ [ايبك] ولا غيره. وكانت الدنيا بالممالك المصريه بحلمه، والخزاين بين يديه، وامره مطاع فى الحقيره والكبيره، لا يرد له مرسوم، والملك المعز معه باسم الملك لا غير. فلما طال الامر على المعز وعلى وزيره الفايزى (٤) عملوا على قتله، وكان الفارس اقطاى هو الدى جسر على الملك المعظم توران شاه، ورماه بسهم قتله، ثم ضربه بسيفه حتى مات. وكان قد صاهر صاحب حماه، وحملت العروس إلى دمشق فى زىّ عظيم من الاحتفال والأموال. وتعجب الناس كيف سمح صاحب حماه بمصاهره مملوك. وكانت نفسه ترى ان ملك مصر لاش (٨) عنده. وكان كثير ما يدكر، فى مجلسه بين خشداشيته، المعز ويستنقصه ولا كان يسميه الا ايبك. وبلغ دلك المعزّ وهو يعصى عنه ولا يقدر على شى يفعله لكثره خشداشيته البحريه والصالحيه. وكانوا قد ساروا فى القاهره ومصر انجس سيره من العسف بالناس والجور، واخد اموال الرعيه، واخد نسايهم واولادهم بايديهم من الطرقات، ويهجمون بالحمامات على النسا وياخدوهم (١٢) عرايا ومن الافراح، ولا تجد احدا ياخد بيد أحد. فلما (٢٣) تزايد الحال عمل المعز فى الباطن على قتله مع شجر الدر. وكان الفارس أقطاى قد طلب من المعز القلعه يسكن بالعروس الجديده فيها، ولم يقدر [المعزّ] على منعه. قلت: حكى جدى والد الام لوالدى رحمهما الله (١٧) [وكان رجل تركى قفجاقى يسمى برى بلجك الكرتلى، وكان من جمله البحريه، لكنه كان حسن الدين، جميل الخصايل ﵀] (١٩). قال: حدثنى ايبك مملوك الفارس اقطاى بدمشق فى سوق الرماحين

стр. 3540

عن قتلة استاده المدكور قال: اتفق ان استادنا طلع القلعه على عادته لياخد لبعض البحريه مالا من الخزاين. فقال له المعز: «لم يكن فى الخزاين ثم حاصلا، اصبر فادا وصل شى خده». فقال: «لا اصبر، وانت تبخل علينا بمال حصلته سيوفنا». واغلظ للمعز فى الكلام، فقال له المعز: «اذا انقضت الخدمه اطلع الظهر، وادخل انا وانت الى الخزانه لترا (٥) بعينيك، وافعل ما تختار». ثم أن المعز رتّب له فى دهليز الخزانه مماليكا. وطلع استادنا بعد الظهر، وقام معه المعز، وتقدم الفارس امامه الى عطفة الدهليز، ووثبوا (٧) عليه المماليك، فقتلوه. ورجع المعز، وامر بغلق باب القلعه. وشاع الخبر، فركبت مماليكه وخشداشيته، وظنوا انه مسكه، واتوا الى باب القلعه لخلاصه، وهم فى نحو سبع مايه فارس شره (٩) البحريه. فرما اليهم براسه من فوق السّور. فلما عاينوه نظروا الى بعضهم البعض وقالوا: «قد فات الامر فيه، ونحن مبغوضين، (١٠) والعامه وحدهم يكفونا (١١)». فولوا هاربين على وجوههم، لا يلوى احد على اخيه، طالبين الشام. وتفرقوا فرقا، فمنهم من طلب الكرك الى نحو الملك المغيث، ومنهم من قصد دمشق الى الملك الناصر، ومنهم من طلب الصعيد، ومنهم من طلب الامان. قال ايبك: وكنت انا وخشداشى سنقر الكبير، ومعنا اثنى عشر نفر (١٤) قد اخد كل واحد فرسه وجنيبه وهجينا (٢٤) ذكر المدينه الخضراء قال ايبك: فطلعنا من القاهره فى الليل، وقصدنا البرّيه خوفا من المسك والتتبع. فاوقعنا الله تعالى فى تيه بنى اسراييل. فبقينا خمسه ايام فى البريه، وفرغ ما كان معنا من الماء، واشرفنا على الهلاك. ولم نزل سايرين طول تلك الليله

стр. 3541

الخامسه الى ان طلعت الشمس علينا فى اليوم السادس، فلاح لنا على بعد سواد صفه عماره، فقصدناها فاتيناها الظهر. وقد هجّرت علينا الأرض، ووقفت خيلنا من العطش، فوجدنا مدينه باسوار وابواب جميعها زجاج اخضر. فدخلناها فوجدنا الرمل السافى ينبع من الأرض كنبع الماء حتى وصل الى السقوف بتلك الآدر، وكدلك الأسواق، وبعضها ليس فيها رمل، ودكاكين على حالها مفتحه وفيها قماش، فلمسناه فعاد كالهبا وكدلك جميع ما نلمسه منها، والنحاس يتفتت كالرمل فقتشناها جهد الطاقه، فوجدنا فى دكان صينيه نحاس وفيها ميزان، فحين لمسناه تفتت من ايدينا. ثم وجدنا فى تلك الصينيه تسع (٨) دنانير دهب لم تتغير منقوش عليها صورة غزال وحوله اسطر عبرانيه. وبقينا فى تلك المدينه ونحن ما لنا همّ الاّ التدوير على الماء. فوجدنا فى مكان اثر رشح، فخفرنا هناك تقدير دراعين، فظهرت بلاطه خضراء، فقلعناها فوجدناه صهريجا فيه ماء ابرد من الثلج، فشربنا وسقينا خيلنا وحمدنا الله تعالى على دلك. ثم حطبنا ونحرنا هجينا وشوينا لحمه واكلنا واسترحنا دلك اليوم. ثم اجتهدنا فى تلك المدينه على أن نلقا (١٣) فيها شى من المال، فلم نجد غير تلك التسع دنانير، ثم خرجنا وملينا (١٤) اوعيتنا من دلك الماء. (٢٥) وسرنا ونحن لا نعرف اين نتجه، فبقينا كدلك يوم (١٥) وليله. فوقعنا الله تعالى على قبيله عرب من بنى مهدى عرب الكرك، فاخدونا وطلعوا بنا الكرك الى الملك المغيث. فرسم لنا باقامه، ونزلنا فى الربظ (١٧)، ثم قصدنا دكان يهودى صيرفى شيخ، فاصرفنا منه دهيب (١٨) كان معنا، ثم اوريناه دينار من تلك الدنانير. فلما رآه صرخ وغشى عليه ساعه، ثم افاق فسألناه، فقال: «هدا الدهب ضرب فى ايام نبينا موسى بن عمران، فمن اين لكم هدا؟» فاحكينا له امرنا. فقال: «صدقتم،

стр. 3542

والله هده المدينه الخضراء بنيت-لما كان موسى صلوات الله عليه وبنى (١) اسراييل فى التيه-بالزجاج الاخضر عوضا عن الحجاره، ولها طوفان من رمل ينبع نبعا، فتاره يزيد وتاره ينقص، وهى مخفية فى علم الله تعالى، وفى كل حين يراها بعض الناس صدفه، فهل معكم اكثر من هدا الدينار؟» -فاريناه التسع (٤) دنانير، فشرا منا كل دينار بمايه درهم نقره، واضافنا واكرمنا. وعادت اليهود يضيفوننا، ونحدثهم بما رايناه، ويتبركون بنا مده مقامنا بالكرك. انتهى كلام ايبك ولنعود (٦) الى سياقة التاريخ. ذكر [حوادث] سنة ثلث وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الماء القديم خمسه ادرع واثنا عشر اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واصبع واحد. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين، والوزير مؤيد الدين العلقمى، والملوك بحالهم حسبما سقناه من ذكرهم. وفيها جهز الملك الناصر صاحب الشام العساكر الى نحو ديار مصر وصحبتهم البحريه الدين (٢٦) كانوا قصدوه من مصر عند قتلة الفارس اقطاى، وهم: بلبان الرشيدى، ازدمر السيفى، سنقر الالفى الرومى، سنقر الاشقر، بيسرى الشمسى، السلطان قلاوون الالفى، بلبان المسعودى، بيبرس البندقدارى. فهولاء كبارهم المدكورين (١٧)،

стр. 3543

ومعهم جماعه كبيره من البحريه، ومن مماليك الفارس اقطاى. وساروا ونزلوا الفوار، ثم العوجا. وكان الملك الناصر قد اقبل عليهم غايه الاقبال، واقطعهم الاقطاعات الجياد. فلما بلغ الملك المعز دلك خرج وخيم بأم البارد عند العباسه، واستقر العسكران مقيمان (٤) بقيه هده السنه. وفيها عاد الناصر داود من الأنبار الى دمشق، ولم يعطه الخليفه شيئا. ذكر [حوادث] سنة اربع وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وسته عشر اصبعا. سبع (٧) عشر دراعا واربعه عشر اصبعا الزياده. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين، والوزير ابن العلقمى (١٠) بحاله. وفيها دخل هلاوون سلطان التتار الى بغداد فى زى تاجر عجمى ومعه مايه حمل حرير. واجتمع بالوزير مويد الدين ضد لقبه، وبابن الدرسوس نديم الخليفه، واكابر الدوله. وكانوا قادرين على مسكه، ولكنهم خانوا الله ورسوله ودين الإسلام قاتلهم الله. ثم خرج [هلاوون] بعد ما اتقن امره معهم، واتفق الحال على هلاك الاسلام ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (١٥). وفى طول هده السنه والعسكر الشامى على العوجا، والمصرى على أم البارد، والمغايرات بينهم والحروب الى آخر هده السنه.

стр. 3544

(١) [وفيها عزل القاضى بدر الدين الحسن بن يوسف المعروف بقاضى سنجار عن القضا بالديار المصرية. وتولى القاضى تاج الدين بن عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الاعز، ولم يزل متوليا حتى قتل الملك المعز، وكان قد وزر للمعز اول حال، قبل الاسعد الفايزى] (٤). (٢٧) ذكر [حوادث] سنه خمس وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وخمسه وعشرون اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واربع عشر (٧) اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفة الامام المستعصم بالله أمير المومنين والوزير بن (٩) العلقمى بحاله. وفيها جهز الملك المغيث صاحب الكرك عسكرا صحبة من وصله من البحريه، وعدتهم ثمان مايه فارس. والتقوا مع المصريين على الصالحية ليله السبت خامس عشرين ذى القعدة، وانكسر الكركيين (١٢) وعادوا الى الكرك. وفيها قتل السلطان الملك المعز عز الدين ايبك التركمانى صاحب مصر. ذكر قتلة الملك المعز المشار اليه لما كان يوم الاربعا الخامس والعشرين (١٥) من ربيع الاول من هده السنه، قتل الملك المعز فى الحمام. وسبب دلك انه كان قد تغير على شجر الدر زوجته، وتعاظم مند قتل

стр. 3545

الفارس اقطاى، وما كان قبل دلك يقطع امرا دونها، فعاد يستبد بالامور بنفسه، ولا يدخل اليها إلا ثلث ليال فى الجمعه، وبلغها انه خطب بنت صاحب الموصل. وكان قد مسك جماعه من البحريه وهو على أم البارد ونفدهم الى القلعه للاعتقال حكى جدى برى بلجك ﵀ لوالدى-سقى الله عهده-وانا اد داك صبى دون الحلم اسمع. قال: كنت معمن (٥) مسكهم المعز لكون كان بينى وبين [بلبان] الرشيدى خشداشيه. فوشى بنا للمعز ان نحن نقصد التوجه لخشداشيتنا الدين على العوجا. فمسك منا تسع (٧) نفر، انا فى جملتهم، وقيدنا وسيرنا الى القلعه، وكان فينا شخص من مماليك الملك الصالح [يسمى ايدكين الصالحى] (٨). (٢٨) فلما علم ان نحن تحت الشباك الدى كانت تجلس فيه شجر الدر والخدام جلوس-فلما راونا (٩) قاموا قايمين فسلمنا عليهم-قال دلك الشخص المسمى بايدكين: «يا طواشى، خوند جالسه فى الشباك؟» فقال: «نعم». قال: فحدم براسه، ورفع عينه (١١) الى نحوها، وقال بالتركى: «المملوك ايدكين بشمقدار، والله يا خوند، ما عملنا دنب (١٢) يوجب مسكنا الا انتى ستنا ودستيّنا، ولحمنا من نعمتك ونعمة السلطان الشهيد الملك الصالح، ولا اخطينا (١٣) الاّ انه سيّر يخطب بنت لولو صاحب الموصل، واتفق الحال انه يتزوجها، فلما بلغنا ما هان علينا لاجلك، فعتبناه فى ذلك، فتغير علينا لهدا السبب فمسكنا، فهدا دنبنا، ولا بد ما (١٦) يظهر لك صحه كلامى». قال: فاومت بمنديل من الشباك، معنى «انى سمعت كلامك». قال جدى ﵀: ثم انزلونا الجب فقال لنا ايدكين: «ان كان قد حبسنا فقد قتلتاه». فكان هدا اكبر اسباب قتله. فلما عاد من وجهته التى كان فيها، وتحققت صحه القول معما (١٩) كان فى نفسها منه لتغيره عليها، رتبت له فى الحمام مملوك (٢٠) كان للفارس اقطاى يقال ان اسمه بلكان،

стр. 3546

وكان من القوه بالمكان الوافر، فلكم [بلكان] المعز ارماه، وتعلقت الجوار (١) بمعاريه، وبعضهم (٢) يرفسونه فى خواصره، وشجر الدرّ تضربه بالقبقاب، وهو يستغيث اليها وهى لا تقبل حتى فطس. فلما كان الصبح ظهر الخبر وعلم ولده نور الدين على ومملوكه سيف الدين قطز وكان اكبر مماليكه. فهجموا عليها مع جماعه من المماليك المعزيه وخنقوها خنقا ورموها عريانه الجسد على باب القلعه من جهه القرافه. واتفق رايهم على ولده نور الدين على، وان يكون اتابك الجيوش الامير سيف الدين قطز المذكور. (٨) [قال ابن واصل: ان أول من جلس فى اتابكيه الملك المنصور المدكور الامير علم الدين سنجر الحلبى الكبير، ولم يزل حتى وثبوا (٩) عليه المماليك المعزيه مثل الامير سيف الدين قطز، وعلم الدين سنجر الغتمى، وسيف الدين بهادر المعزى ونظراهم (١٠)، وقبضوا عليه واودعوه الاعتقال؛ ودلك لما ظهر لهم انه يريد الامر لنفسه. ولما بلغ ذلك بقيه الامرا الكبار هربوا، ومنهم من مسك واعتقل، ومن تقنطر به (١٢) فرسه، فهلك لوقته عز الدين ايبك الحلبى، وركن الدين خاص ترك الكبير، وأعيد بهما الى القاهره ميتان (١٤). وقبض على الوزير الاسعد الفايزى، وبهاء الدين على بن حنا، وكان وزيرا لشجر الدر، واخدت خطوطهما بجمله كبيره. واستقر بالاتابكيه فارس الدين اقطاى المستعرب. وفى سادس عشر ربيع الآخر قتلت شجر الدر خنقا. ووجدت مطروحه على باب القلعه من ناحيه القرافه. وفى مستهل الشهر المدكور فوّض القضا بالديار المصريه للقاضى بدر الدين يوسف بن الحسن، وعزل عنها تاج الدين بن بنت الاعز، وابقى بيده قضا مصر فقط. وكدلك فوّض امر الوزاره الى القاضى بدر الدين مضافا الى ما بيده من القضا] (٢١).

стр. 3547

(٢٩) ذكر تملك نور الدين علىّ الملك المنصور بن الملك المعز جلس السلطان الملك المنصور نور الدين على بن السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى على سرير الملك عند قتله شجر الدر. واتابك الجيوش الامير سيف الدين قطز المعزى. وقبض على الامير سيف الدين بغدى وجميع الامرا الاشرفيه واودعوهم الاعتقال وقتلوا بغدى والامير عز الدين ايبك الرومى. قلت: اما الامير عز الدين ايبك الرومى فانه ضربت رقبته على الصالحيه. وقرات تاريخ وفاته على قبره فى تربته بالقرافه المجاوره لجامع بن (٧) عبد الظاهر، فكان تاريخ دلك فى سنه احدى وخمسين وستمايه، والله اعلم كيف دلك، والدى قتله فهو الملك المعز لمّا خيف من شرّه والله اعلم. (١٠) [كان ركوب نور الدين على بن المعز فى دست الملك رابع شهر ربيع الاول من هده السنه. كان صبى العقل، ضعيف الراى، كثير اللعب، يركب الحمير الفرّه ويلعب بالحمام مع الخدام] (١٢). وفيها وجه الملك العزيز ابن الناصر لهلاوون هديه سنيه جليله القدر. ذكر [حوادث] سنة ست وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وتسعه عشر اصبعا. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا واربعه اصابع.

стр. 3548

ما لخص من الحوادث الخليفه الامام المستعصم بالله امير المومنين الى ان اخدوا (٢) التتار فى هده السنه بغداد وقتلوه، وهلكت الاسلام-فلا حول ولا قوه الا بالله العلى العظيم- فى تاريخ ما ياتى ذكره انشاء الله تعالى. وصاحب الموصل والجزيره وديار بكر الملك الرحيم بدر الدين لولو. وصاحب ميافارقين وراس العين واعمالهما شهاب الدين غازى. وصاحب حلب مع الشام بأسره الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز. (٣٠) وصاحب مصر الملك المنصور نور الدين على بن الملك المعز عز الدين أيبك. وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين بن رسول المقدم ذكره. وصاحب الهند السلطان غياث الدين محمد بن ايتامش عتيق الغورى. وصاحب المغرب ابو يعقوب ابن عبد المومن بن على المقدم ذكره. ذكر اخذ التتار لبغداد وقتل الخليفه قال ابن واصل صاحب تاريخ بغداد (١٢): حكى العدل الامير جمال الدين ابو المنصور سليمان ابن العدل فخر الدين ابو القسم عبد الله ابن العدل (١٣) امين الدين ابو الحسن على البغدادى فى مستهل سنه ثمان وتسعين وستماية، قال: اخذت بغداد فى المحرم سنه ست وخمسين وستمايه، واستولى هلاوون وعساكر التتار بتدبير الوزير مويد الدين بن العلقمى لعنه الله. قلت: الأولى ان يكون اسمه خاين الدين. وكان اول قدومهم قد طلع عسكر بغداد فى دون العشره الاف، فكسروهم (١٧) التتار، وكان جيش التتار فى مايتى الف فارس من المغل. فلما رجعت (١٨) المسلمين منهزمين

стр. 3549

تقدّموا (١) التتار ونفذوا يطلبون الخليفه. قال العدل جمال الدين: فطلع اليهم ومعه القضاه والفقها والمدرسين (٢) ومشايخ الرباطات والصوفيه فى نحو من سبع مايه فارس. فلما وصلوا الى مكان يقال له الخربه جاات (٣) رسل هلاوون، وهو يقول ليحضر الخليفه فى سبع عشر نفر. فاختار الخليفه سبعه عشر نفر (٤). قال العدل جمال الدين: حكى لى والدى ﵀، قال: كنت فى الجمله، فمسك رسول التتار بيدى، وقال هدا تكمله العده، وساق بى مع الخليفه. وامّا الباقى فانهم انزلوهم هناك عن دوابهم، وعروهم قماشهم، (٣١) وضربوا ارقاب (٧) الجميع. ودخلت المغل بغداد ورموا السيف فيها، وعاد القتل يعمل فيها مده اربعين يوما الى ان عاد الدم فى ازقتها مثل كبود الابل. وامّا الخليفه ومن كان معه فانزلوهم فى مكان واحد، لكن افردوا للخليفه خيمه صغيره الى جانب الخيمه التى فيها رفقته. قال العدل جمال الدين: حكى لى والدى، قال: كان ياتينا الخليفه كل ليله الى الخيمه التى نحن فيها، فيقول: ادعوا لى، فندعوا له. فلما اراد الله نفاد قضايه وقدره، اتفق ان الخليفه جالس فى خيمته بعد صلاه الظهر، وادا بطاير ابيض قد سقط على الخيمه التى فيها الخليفه، فاقام ساعه ثم حلق طايرا. ففى تلك الساعه بعث اليه هلاوون واحضره، وقال له وهو قايم بين يديه ويكلمه من اربع (١٥) حجاب على لسان الترجمان: «ما هدا الطاير الدى اتاك»؟ فقال: «طاير سقطه على الخيمه ثم طار». قال: «فما الدى قال لك، وما الدى قلت له؟» فقال الخليفه: «وهل يتكلم الطاير؟» فقال له: «لا بد ان تقر بالصحيح، ومن اين أتاك، وماذا قال لك، وما الدى قلت له؟». وجرا (١٨) فى دلك

стр. 3550

كلام كثير ومحاورات كثيره من جملتها: «انكم أهل سحر وهدا الطاير جاك (١) رسول من بعض اعوانك». ثم جرا (٢) مع ولده ابو بكر كلام كثير مما يشابه هدا الكلام. ثم امر بهما، فاخرجا الى ظاهر العسكر، فوضعا فى غرارتين، وشدوا عليهما ولم يزالا يرفسا (٤) بالارجل حتى ماتا، رحمهما الله تعالى. ثم امر ان يطلق السبعه عشر نفر الدين كانوا معه، واعطوهم نشابه. قال العدل جمال الدين، قال والدى: فدخلنا بغداد بعد ما قتل منا اثنين اخر (٦)، وعدنا خمس عشر نفر. واتينا نطلب منازلنا واهالينا، فوجدناها خراب (٧) (٣٢) بلاقع بغير انيس ولا مخبر. قال العدل جمال الدين: ومع تقدير الله تعالى ان الامر كان قد مشى مع هلاوون، واتفق الحال بينه وبين الخليفه ان يكون للتتار نصف البلاد وللخليفه نصف البلاد. ولم تبق غير المعاقده على دلك، لكن الوزير-قاتله الله-اجتهد على قتل الخليفه كل الاجتهاد، وقال: «هدا ما يصلح لصالحه، اقتلوه، والاّ ما يستقيم لكم حال، ويكاتب عليكم ساير ملوك الاسلام، وياتيكم بما لا قبل لكم به»، فقتلوه حسبما تقدم. ثم انهم اقروا الوزير الملعون على وزارته قليلا، ثم مسكوه وعدبوه انواع العداب، وتوفى فى اخر هده السنه هو واولاده واهل بيته وساير اعوانه وشياطينه، ونقلهم الله من عذاب الدنيا الى عذاب الآخره مع فرعون وهامان وقارون. فنسال الله تعالى ان يقينا فى الدنيا ولا يجزينا (١٦) فى الآخره انه بالاجابه جدير ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [وفيها توفى الملك الناصر يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الاول سنه ست وخمسين وستمايه. وهو الناصر داود الدى كان صاحب الكرك بعد ما مرت عليه اهوال وغرايب من انواع البلايا من الغربه والهجاج من مكان الى مكان (١٧). وتردد الى

стр. 3551

باب الخليفه بسبب وديعته، ولم يحصل منها على طايل. ثم قبض عليه الملك المغيث صاحب الكرك، واعتقله بالشوبك. ثم خلص وقصد التوجه الى بغداد لنصرة الخليفه. فسبق الخبر باخد التتار لبغداد، فتاخر فى دمشق، فتوفى بالطاعون الدى كان فى هده السنه بالبلاد الشاميه رحمة الله عليه. وكان عمره يومئذ ثلثه وخمسين سنه، فان مولده سنه ثلثه (٤) وستمايه. وكان قد غلب عليه الشيب لكثره الاهوال التى مرت به. وكان ملكا فاضلا عالما فقيها جيد الشعر. فمن قوله <من الطويل>: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكنا فطرت على حبّى لها وألفته ... ولا بد أن ألقى به الله معلنا ولم يخل من قلبى هواها بقدر ما ... أقول أتاه فارغا فتمكنا وله <من الكامل>: والبدر يجنح للغروب ومهجتى ... لفراق مشبهه أسا (١١) يتقطع والشرب قد خلط النعاس جفونهم ... والصبح من جلبابه يتطلّع وله <من الطويل>: تبينت أن السيف فلّ غراره ... وقد كنت أرجوه لنايبة الدهر فعاندنى فيه الزمان وريبه ... وجاءت صروف الدهر من حيث لا أدرى . ذكر [حوادث] سنة سبع وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وسته وعشرون اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واصبع واحد.

стр. 3552

ما لخص من الحوادث لم يكن فى هده السنه خليفه للمسلمين فيذكر، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٢). وسلطان الاسلام الملك المنصور بن المعز الى حين انفصاله من الملك فى هده السنه، فى تاريخ ما ياتى ذكره انشاء الله تعالى، بالسبب الموجب لدلك. وصاحب الشام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز ابن الظاهر (٥). وصاحب الكرك الملك المغيث. وتوجه الملك الناصر من دمشق الى القدس الشريف، ثم عاد الى البلقا وخيم على برك زيزا، ودلك (٣٣) لما كان بينه وبين الملك المغيث بسبب البحريه. وفيها بعث الامير ركن الدين بيبرس البندقدارى بهاء الدين امير اخور الى الملك الناصر يطلب منه دستور (٩) فى قدومه عليه ومفارقه الملك المغيث، وان يحلف له لا يغدر به، وان يكون السفير فى دلك الامير عماد الدين. فاجابه الناصر، وبعث اليه الشيخ يحيى برساله يحلفه، ويحلف له ان يعطيه اقطاع مايه فارس، وان تكون قصبه نابلس وجينين فيما يقطعه له، وان تكون نابلس فقط للملك الناصر. فقدم عليه وصحبته من الامرا البحريه من يدكر: بدر الدين بيسرى، ايتمش المسعودى، طيبرس الوزيرى، اقوش الرومى، بلبان الدوادار الرومى، لاجين الدرفيل الدوادار، ايدغمش، كشتغدى المشرفى، ايبك الشيخى، خاص ترك الكبير، بلبان المهرانى، سنجر المسعودى، سنجر الهمامى، اياز الناصرى، طمان، ايبك العلايى، لاجين الشقيرى، بلبان الاقسيسى، سلطان الالدكزى، مع جماعه اخر عده اربعين فارس. فتلقاهم الملك الناصر احسن ملتقا (١٨)، واكرمهم غايه الاكرام، وخلع عليهم. وفيها قبض الامير سيف الدين قطز على بن (١٩) استاده الملك المنصور، وجلس ملكا.

стр. 3553

ذكر سلطنه الملك المظفر سيف الدنيا والدين قطز ﵀ وسبب دلك انه لما كان يوم السبت رابع عشرين شهر ذى القعده من هده السنه قبض الامير سيف الدين قطز على الملك المنصور نور الدين علىّ بن الملك المعزّ، واعتقله. وجلس على سرير الملك، وتلقب بالملك المظفر فى التاريخ المدكور. وكان الامرا المعزيه والبحريه طلبوا دستور (٥) من ابن استادهم ليتوجهوا يرموا بندق فى العباسه وغزه، فاغتنم المظفر غيبه الامرا، وقبض على المدكور، ثمّ ان الامرا قبض عليهم (٣٤) من كل جهه مثل النسا، واودعهم الاعتقال. وقيل انه سيّر المنصور وامه واخته الاّ (٨) بلاد الاشكرى، وقيل انما سيرهم الملك الظاهر بعد تملكه وقتله للمظفر حسبما ياتى من ذكر ذلك، والله اعلم. ذكر نبد من بدو (١٠) شان الملك المظفر قال العدل امين الدين محمد بن ابراهيم ابن ابى بكر ابن عبد العزيز ابن (١١) ابى الفوارس الجزرى: حكى لى والدى عن بدو (١٢) شان الملك المظفر قطز ﵀، قال: لما كان فى رق ابن العديم، او قال بن (١٣) الزعيم بدمشق بالقصاعين، والصحيح انه ابن الزعيم، اتفق ان استاده غضب عليه يوما لشئ جرا (١٤) منه. فلطمه على وجهه، ولعن والديه وابوه (١٥) وجده. ثم انه جلس يبكى وينتحب، وزاد فى بكايه عن حدّ القياس. وحضر الطعام، فامتنع عن الاكل، وضلّ (١٦) طول يومه يبكى. قال: ثم ان استاده ركب الى وضيفته (١٧)، وكان [قطز] عنده عزيزا بخلاف غيره من مماليكه،

стр. 3554

فاوصى عليه الحاج علىّ الفرّاش؛ وكان الحاج علىّ كبير فى بيت ابن الزعيم. فقال: «يا حاج، استوصى (٢) بهدا المملوك، ولاطفه، وخذ بخاطره، واطعمه، واسقيه». قال الحاج علىّ: فاتيته وهو يبكى بعد ركوب استاده. فقلت: له «ما هدا البكا العظيم. من لطشه تعمل هده العمايل؟ فلو وقع فيك جرح سيف او نشاب كيف كنت تصنع؟» فقال: «والله، يا حاج، ما بكايى وغيضى (٥) من لطشه، فان السيوف والله ما تعمل فىّ، وانما غيضى (٦) على لعنته لوالدىّ وابى وجدى، وهم والله اخير من ابايه وجدوده». فقلت له: «ومن هو ابوك انت، ومن جدك، وانت مملوك تركى، كافر بن (٧) كافر». فقال: «لا تقل هكذا يا حاج، والله، ما انا الا مسلم ابن مسلم ابن مسلم الى عشر (٨) جدود. انا محمود بن ممدود ابن (٣٥) اخت خوارزم شاه السلجوقى، ولا بد ما املك مصر واكسر التتار». قال الحاج على: فضحكت من قوله وطايبته. وتقلبت الاحوال الى ان ملك مصر وكسر التتار، ودخل [قطز] دمشق وطلبنى، فاحضرنى واعطانى خمس مايه دينار، ورتب لى راتب جيد (١٢)، ﵀. وحكى العدل امين الدين محمد بن ابراهيم المدكور ايضا: قال حدثنى والدى، قال حدثنى الحاج ابو بكر ابن (١٤) الاسعردى والحاج زكى الدين ابراهيم الجزرى المعروف بالحنبلى استاد الفارس اقطاى قالا: كنا عند قطز فى اول دوله استاده المعز، وقد حضر عنده منجم قد ورد من بلاد الغرب موصوف بحذاقه ومعرفه فى علم الرمل. قال: فامر [قطز] لا كثر من عنده من الحاشيه بالانصراف، وكنا نحن من كبار اصحابه فامرنا بالقعود. ثم قال له: «اضرب وانظر من يملك مصر بعد استادى المعز، ومن يكسر هولاء التتار ويردهم عن مقصدهم». قال: فضرب وحسب زمانا، وعاد يعدّ على اصابعه. فقال [قطز] له: «قول (٢٠) ما عندك». فقال: «يا خوند، بيطلع لى خمس حروف بلا نقط،

стр. 3555

وابوه ايضا كدلك، وقد تحيرت فى دلك، واسمك انت ثلث (١) حروف، اثنين منهما منقوطه». قال: فتبسم [قطز] وقال: «لم لا تقل (٢) محمود ابن ممدود؟» فقال المنجم: «ولا يقع والله غير هدا الاسم». فقال: «انا هو محمود بن ممدود، وانا الدى اكسر التتار، وآخد تار (٤) خالى منهم خوارزم شاه». قال: فتعجبنا من دلك حتى كان كدلك. ومن دلك ما نقل عن الشيخ قطب الدين ابن اليونينى (٥) فى تاريخه المعروف بتاريخ بغداد ايضا فى سنه تمان وخمسين وستمايه، قال: كان السلطان الملك المظفّر ﵀ رجلا شجاعا مقداما (٧) حتى قيل (٣٦) انه لم يركب الفرس قبله من الترك افرس ولا اشجع منه، ولم يكن يوصف بكرم ولا شح بل كان مقتصدا فى دلك. وهو اول من اجترا على التتار وكسرهم واخرق ناموسهم بعد جلال الدين خوارزم شاه حسبما تقدم من ذكره، فكانت كسره جبر بها الاسلام، والله اعلم. ومن نبده ما نقل عن الشيخ عبد الرحمن القزوينى: قال حدثنى بعض اصحابى فى عشر (١٢) شوال سنه احدى وتسعين وستمايه ببعلبك قال: حدتنى المولى تاج الدين احمد بن الاثير الحلبى ان الملك الناصر صاحب الشام لما كان على برزه اخر سنه سبع وخمسين وستمايه وصله قصّاد من مصر يخبروه (١٤) ان قطز تسلطن بمصر وقبض على ابن استاده. قال تاج الدين: فطلبنى الملك الناصر اقرا عليه الملطف. فلما فرغ قال: خده ورح الى عند الامير ناصر الدين القيمرى والامير جمال الدين يغمور واوقفهما عليه. قال [تاج الدين]: فخرجت من بين يديه فلقينى حسام الدين البركتخانى، فسلم على وقال: جاكم الساعه الخبر ان قطز تملك مصر. فقلت: ما سمعت شئ (١٨). قال [تاج الدين]: فنظر الىّ طويل (١٩) وقال: بلى والله يا تاج الدين، ملك مصر قطز وهو الدى يكسر التتار.

стр. 3556

فقلت: ايش هدا القول، ومن اعلمك بهدا؟ فقال [حسام الدين]: والله، هدا قطز هو خشداشى، كنت انا وهو عند الهيجاوى ونحن صبيان، وكان عليه قمل كثير، فكنت اسرّح راسه، وكلما قتلت قمله يعطينى فلس (٣) او صفعه. فلما كان فى بعض الايام اخدت عنه قمل (٤) كثير، وشرعت اصفعه، ثم تنهدت وقلت: «اتمنى على الله اميريه خمسين فارس (٥)». قال [حسام الدين]: فشال راسه من حجرى وقال: «طيّب قلبك، انا اعطيك امريه (٦) خمسين فارس». قال: فصفعته واحده قويه وقلت: «وايش هو انت (٧) حتى تعطينى امريه». (٣٧) فقال: «انت تتمنى امريه خمسين، وانا والله اعطيك». قال [حسام الدين]: فصفعته اخرى اقوى من الاوله (٨)، وقلت: «انت تجننت». فقال: «لا والله يا خشداشى، الاّ انا املك مصر واكسر التتار». فقلت: «من اين لك هدا؟» فقال [قطز]: «والله رايت النبى ﷺ فى منامى فقال لى: انت تملك مصر وتكسر التتار. وقول النبى ﷺ فما فيه شك». قال [حسام الدين]: فسكت عنه، وكنت اعرف منه الصدق فى حديثه. فتنقلت به الاحوال الى ان صار الحاكم فى الدوله المصريه، وما اشك انه يملك مصر ويكسر التتار كما قال. قال القاضى تاج الدين، فلما قال لى هدا قلت له: يهنيك (١٤) والله ملك مصر. فقال: والله ولا يكسر التتار احد غيره. فلم تمضى (١٥) الا اشهر حتى خرج وكسر التتار. قال القاضى تاج الدين: ثم رايت حسام الدين البركتخانى بالديار المصريه بعد كسره التتار وهو امير خمسين فارس (١٧)، فسلم علىّ وقال: تذكر، يا مولانا تاج الدين، ما قلت لك فى الوقت الفلانى. قلت: نعم. قال [حسام الدين]: والله حال ما عاد الملك الناصر الى حلب طلبت انا مصر، واجتمعت بالسلطان المظفر ﵀، واوفانى بوعده، واعطانى امريه (٢٠) خمسين فارس كما ترا.

стр. 3557

قلت: كان بين الوالد، سقى الله عهده، وبين القاضى تاج الدين بن الاثير المشار اليه صحبه اكيده من ايام استاد الوالد الامير سيف الدين بلبان الدوادار الرومى رحمهما الله. وكان للعبد اخوين (٣) اكبر منى، وكان القاضى تاج الدين ادا هل الشهر يسير يطلبنا الثلاث (٤) ويبصر الهلال على وجوهنا. وكان يقول للوالد: يا جمال الدين، انا استبارك بوجوه بنيك، فانهم (٥) حسنه. وثوارثنا الصحبه مع اولاده، القاضى عماد الدين اسماعيل، ثم صحب المملوك القاضى علا الدين على ولده الى ان توفى فى تاريخ ما ياتى ذكره انشاء الله تعالى. حدثنى والدى ﵀ عن القاضى تاج الدين المدكور (٣٨) قال، حدثنى الامير عز الدين ابن (٩) ابى الهيجا ان الامير سيف الدين بلغاق حدثه ان الامير بدر الدين بكتوب الاتابكى حدثه قال: كنت انا وقطز الملك المظفر، وبيبرس البندقدارى الملك الظاهر، خشداشيه فى حال الصبى، نكون اكثر اوقاتنا مجتمعين نركب جميع (١١) ونمشى جميع (١٢) فاتفق ان نحن يوما رءينا منجم فى بعض الطرقات بالديار المصريه، فوقفنا عليه فقال له قطز: ابصر لى. قال [بدر الدين] فضرب، ثم صوّب فيه النظر وحسب، وعاد يكرر اليه النظر طويل (١٤). فقال [قطز]: ايش تقول تكلم. فقال: انت تملك مصر وتكسر التتار. قال فتضاحكنا منه. ثم قال له بيبرس البندقدارى: وابصر لى انا ايضا. قال [بدر الدين]: فضرب، ثم عاد ينظر الى الاخر طويل (١٦) وقال: ان هدا لعجيب، وانت والله ايضا تملك مصر وغيرها، ويطول ايامك، فازداد ضحكنا. ثم قلت: وانا ايضا ابصر لى. فضرب وقال: وانت يحصل لك امريه (١٨) كبيره، وهدا سببها-واومى (١٩) الى البندقدارى-ويقتل هدا-واشار الى قطز. قال [بدر الدين]: فو الله ما اخرم قوله كلمه واحده. وهدا ما حكاه القاضى تاج الدين بن الاثير للوالد رحمهما الله جميعا.

стр. 3558

(١) [وفيها ولد الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن عمر بن شاهنشاه ابن (٢) ايوب صاحب حماه. وامه عايشه خاتون بنت الملك العزيز، وام جده ملكه خاتون بنت بنت الملك العادل، كما قال فيهم الشاعر <من المنسرح>: طوبى لفرعيه من هنا وهنا ... طوبى لأعراقه التى تنسخ وكانت ولادته الساعه العاشره من ليله الاحد خامس عشر المحرم سنه سبع وخمسين وستمايه] (٧). وفيها مسك المغيث صاحب الكرك جماعه من البحريه واودعهم الاعتقال بالكرك لما توجه البندقدارى الى الملك الناصر صاحب الشام. وفيها كثرت الاراجيف فى الشام باسره بسبب التتار. ووردت الاخبار انهم قطعوا الفراه (١١)، واغاروا على بعض اعمال حلب؛ فهرب كثير من الدماشقه بعد ما اباعوا حواصلهم، وخرجوا على وجوههم جافلين متفرقين فى البلاد والجبال الى الحصون والى ديار مصر. وكان دلك فى الشتا وقوه زخمه، فمات خلق كثير فى الطرقات، (٣٩) ونهبوهم (١٤) الجبليه وتبث بدمشق من قوى قلبه وسجع نفسه. وفيها ارسل الملك المغيث البحريه الدين كانوا عنده الى الملك الناصر مقيدين على الجمال، من جملتهم سنقر الاشقر وسكز وبرامق. وفيها توفى الملك الرحيم بدر الدين لولو صاحب الموصل، وكان قد توجه الى هلاوون، واستنابه على ملك الموصل. (١٨) [كان بدر الدين لولو صاحب الموصل فى اول امره مملوكا لنور الدين ارسلان شاه ابن عز الدين مسعود ابن (١٩) مودود ابن زنكى

стр. 3559

ابن اقسنقر، ثم كان استادارا. وتنقلت به الاحوال حتى استقل بالملك ولقب بالملك الرحيم حسبما تقدم. واستبد بملك الموصل وبلادها مدة سبع واربعين سنه، وسعد سعاده عظيمه جدا، ودخل فى طاعه هلاوون. وقد تقدم من حسن تدبيره وسياسته ما يغنى عن زيادة ذكره. وملك بعده ولده الملك الصالح اسماعيل، وسياتى من اخباره مع التتار ما يمكن من القول فى معناه انشاء الله تعالى. وبلغ من العمر نيف وخمسه (٥) وثمانين سنه ولا لحقه هرم، والدى يراه يظن انه فى سن الاربعين لقوته ونهظته (٦) وصباحته. ولم تسقط عليه حال فى مملكته الى ان توفى رحمه الله تعالى]. وفيها توفى منيف بن شيحه صاحب المدينه على ساكنها السلم (٨) وملك بعده جمّاز. وملك الموصل: الملك الصالح بن الملك الرحيم، هو الملك الصالح اسماعيل ابن (٩) الملك الرحيم بدر الدين لولو النورى. ذكر [حوادث] سنة ثمان وخمسين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خمسه ادرع وسته عشر اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا وسبع (١٣) عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث وليس للمسلمين خليفه فيدكر. والتتار ملاك الدنيا من مطلع الشمس الى حدود الفراه (١٦)، وجميع ملوك الاسلام تحت طاعتهم من الدين لم يزيلوا ملكهم. وصاحب الشام الملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر بن صلاح الدين. وسلطان الاسلام بالديار المصريه السلطان الملك المظفر سيف الدنيا والدين قطز ﵀.

стр. 3560

ونزل هلاوون فى اول هده السنه على ماردين وحاصرها ولم يتم له فيها امر، فرحل ونزل حلب، وسيّر [هلاوون] يطلب صاحب ماردين، فسير ولده تجت الطاعه، واحتج انه مريض عاجز عن الحركه. ثم انه اوقع الحصار على حلب، وهرب الملك الناصر وترك حريمه مع حريم الملوك بقلعه حلب، واخذ هلاوون مدينه حلب، (٤٠) وكان الحصار عليها مده سبعه ايام، وبدل (٥) السيف فى اهلها. وبعد ايام قلايل اخد القلعه الشهبا، وامر بمن كان فيها من حريم الملوك مثل حريم صاحب ميافارقين وبنات الملك الناصر وخواته (٧)، فاوقف الجميع بين يديه فى موقف السبى شبه الجوار. كل هدا وابن صاحب ماردين قايم ينظر، وكان قصد [هلاوون] ان يخيف بذلك ساير الملوك الخارجين عن الطاعه. ثم التفت هلاوون الى الرسل، وقال: كيف ترون صنع رب السما فى من يعصى علينا، ولو علم الناصر ان له بنا قدره لما هرب وترك حريمه. ثم انه اخرج من كان بها من البحريه معتقلين، وهم: سكز وبرامق وسنقر الاشقر. (١٢) [وكان نزول هلاوون على محاصره حلب ثانى صفر من هده السنه. وكان بها يوميد الملك المعظم ابن (١٣) السلطان صلاح الدين نايبا بها عن الملك الناصر صاحبها. وكان الملك الناصر نازل (١٤) بجموعه على يرزه، ظاهر دمشق، ثم انه عاد يتقدم أولا فاولا قدام التتار حتى وصل الى قطيا، ثم خشى من المصريين على نفسه فدخل البريه حتى مسك. ووصل الملك المنصور صاحب حماه وبقيه من معه من الملوك اولاد ايوب الى الديار المصريه، واحسن اليهم الملك المظفر قطز. ولما كسر التتار اعاد الملك المنصور الى مملكه حماه. ولما ملكوا (١٩) التتار حلب اختشوا اهل حماه، فسيروا مفاتيح البلد لهلاوون، فجعل فيها شحنه من قبله، وكدلك ملكوا دمشق عنوه بالسيف. وكان اسم الشحنه الدى تركوه بحماه خسرو شاه، يقال انه من خالد بن الوليد رضى الله عنه. ثم ان

стр. 3561

التتار كبسوا على جيوش المسلمين بنابلس، ومن هناك تشتت جموع عساكر الملك الناصر، وتمزقوا كلّ ممزّق (٢)، ووصل من وصل منهم الى الديار المصريه. ولما استحكم امر هلاوون بالشام جميعه كتب الى مصر. وجعل النايب بحلب عماد الدين القزوينى وعز الدين كنجى، ومعهما من المفعل كا كلاغه وبغراغه، وجعل رجوع الجميع الى ما يامر به الملك الاشرف صاحب حمص. ولما اتوا الى مدينه الصبيبه نزل اليهم صاحبها الملك السعيد ابن الملك العزيز ابن (٦) الملك العادل، واختلط بهم وفعل كل قبيح، وسياتى ما كان عاقبة امره]. ثم انه كتب الى الملك المظفر قطز صاحب مصر كتابا ما هذا نسخته: «بسم إله السماء الواجب حقه، الذى ملكنا أرضه وسلطنا على خلقه، الذى يعلم به الملك المظفر صاحب مصر وأعمالها، وساير أمرايها وجندها وكتابها وعمالها، وباديها وحاضرها، وأكابرها وأصغارها، إنا جند الله فى أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غيضه (١٢)، فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر. فاتعظوا بغيركم، وسلموا إلينا أمركم، قبل أن يكشف الغطاء، ويعود عليكم الخطاء. فنحن ما نرحم من بكا (١٤)، ولا نرق لمن شكا. فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد. فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب. فأى أرض تأويكم، وأى بلاد تحميكم، وأى دلك ترا (١٦)، ولنا الماء والثرا. فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص. فحيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق، وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال. (٤١) فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع، ودعاكم (١٨) علينا لا يسمع، لأنكم أكلتم الحرام، وتعاظمتم عن ردّ السلام، وخنتم الإيمان،

стр. 3562

وفشا فيكم العقوق والعصيان. فابشروا بالمذلّة والهوان. ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢). وقد ثبت أن نحن الكفرة وأنتم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من بيده الأمور المدبرة، والأحكام المقدرة. فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم لدينا ذليل، وبغير المذلة ما لدنياكم علينا من سبيل. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا ردّ الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وتورى شراراها، فلا تجدون منا جاها ولا عزا، ولا كتابا ولا حرزا، إذا أزّتكم رماحنا أزّا. وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، وعلى عروشها خاوية. فقد أنصفناكم، إذا أرسلنا إليكم، ومننّا برسلنا عليكم. ثم كتب <من الطويل>: ألا قل لمصرها هلاوون قد أتا (١٠) ... بحدّ سيوف تمتضى وبواتر، يصير عزيز القوم فيها أذلّة ... ونلحق (١١) أطفالا لهم بالأكابر». فلما وصلت هده المراسله الى الملك المظفر ﵀، جمع الامرا، وضرب مشور، فاتفق الراى على ضرب رقاب الرسل، والتجهيز له وملتقاه، ويعطى الله النصر لمن يشا. فضربت رقاب رسله، وكانوا نيف (١٤) واربعين نفرا، وعلقت رؤوسهم على باب زويله. ثم نادوا فى القاهره ومصر الجهاد فى سبيل الله. واجتمعت العساكر من كل فج عميق، وجاات (١٦) العربان من البلاد، وخلق كثيره من التركمان والاكراد، وبايعوا الله بنيات صادقه وقلوب موافقه، وخرجوا طالبين التتار.

стр. 3563

(٤٢) ذكر وقعه عين جالوت وكسره التتار وكان قبل دلك فى هده السنه قد وصل الامير ركن الدين بيبرس البندقدارى، لما فارق خدمه الملك الناصر وحضر الى خدمه الملك المظفر وكان فى طريقه قد نزل بغزه، وصاهر الشهرزوريه وتزوج منهم. وبعث طيبرس الوزيرى الى عند الملك المظفر ليحلفه. فاجابه لدلك وحلف له، فطاب خاطره، ودخل القاهره يوم السبت ثانى عشرين ربيع الاول. وركب السلطان الملك المظفر والتقاه من مسجد التبن، وانزله دار الوزاره، ورتب له راتبا عظيما، واقطعه قليوب بكمالها. وهو الدى صغر امر التتار عنده، وقوى قلوب الاسلام على ملتقاهم، وتكفل له النصر من الله تعالى. وكان خروج السلطان الملك المظفر بالعساكر من الديار المصريه لملتقا (٩) التتار يوم الاثنين خامس عشر شعبان. وكان قد جهز هلاوون جيوش المغل تقدمهم كتبغا نوين، ونزل حمص. فلما بلغه ان السلطان المظفر نزل مرج عكا ركب من حمص، وتوجه الى ان وصل الغور. وبعث المظفر الامير ركن الدين بيبرس البندقدارى شاليشا فى عده من فرسان الحرب المعودين للطعن والضرب. فلما وقعت عينه عليهم سيّر عرّف السلطان. ثم انه انتهز الفرصه فى مناوشتهم الحرب، ليكون له اليد البيضا عند الله تعالى وعند الاسلام، وليصغر امرهم فى اعين الجيوش القادمه عليهم. وعاد يقابلهم (١٥) ويستدرجهم، ويكر عليهم ويتقدم امامهم، الى ان وصلوا عين جالوت. فلما كان يوم الجمعه الخامس والعشرين من رمضان المعظّم التقا (١٧) الجمعان، وعمل السيف والسنان بالضرب (٤٣) والطعان. وتبث (١٨) الشجاع وفرّ الجبان، وكانت دايره السوء على الكفار من عبدة الاوثان، ونصر الله حملة القرآن. وانهزمت التتار الكفار، وعمل فى

стр. 3564

اعناقهم الصارم البتار، وتشتتوا فى الاقطار. وركبت المسلمون اكتافهم اسرا وقتلا، حتى ملا دلك عيون وحش الفلا. وقتل ملكهم اللعين، كتبغا نوين، وقطع دابر القوم الدين ظلموا، والحمد لله رب العالمين. حكى جدى برى بلجك لوالدى رحمهما الله، قال: لم نزل معتقلين (٤) بالقلعه الى ان اخرجنا الملك المظفر عند خروجه الى التتار، فكنت فى هده الغزاه المباركه. وكان قد قفز من التتار الى السلطان المظفر شابا (٦) من المغل. فقربه السلطان، وانعم عليه، وجعله سلاح دارا. فلما كان يوم المصاف والتحم القتال، ضرب دلك الشاب السلطان بسهم، فلن يخطى (٨) الجواد لسعاده الاسلام ونصرة امة النبى ﵇، فوقع السلطان الى الارض، وقتل دلك الشاب. وعاد السلطان راجلا والناس قد اشتغلوا بقتل دلك الملعون الدى اراد هلاك السلطان. قال: فنزل فخر الدين ماما عن جواده، وقدمه للسلطان، فامتنع عن الركوب. فقال له الامير (١١) فخر الدين: «يا خوند، اركب، فمادا (١٢) وقت امتناع». فقال [قطز]: «تقتل، يا فخر الدين». فقال: «اذا قتلت انا كنت واحد (١٣) من المسلمين، وكان عوضى كثير، واذا قتلت انت فى هدا الوقت فما لك عوض، وقتل المسلمين (١٤) كلهم». فركب ثم التقت الجنايب والوشاقيه، فركب فخر الدين من جنايب السلطان. فلما انكسر التتار، قال للسلطان بعض خواصه، عن امتناعه عن الركوب فى ذلك الوقت، «يا خوند، لو صدفك-والعياذ بالله-فى ذلك الوقت الذى انت فيه راجل بعض المغل كنت رحت، (٤٤) وراحت الإسلام لرواحك». فقال: «اما انا فكنت اروح الجنه، واما الاسلام فما كان الله ليضيعه، فقد مات السلطان الملك الصالح ﵀، وقتل ابنه المعظم، والامير فخر الدين بن الشيخ مقدم العساكر، وبعد دا (٢٠) نصر الله الاسلام وحده بغير ملك بعد اليأس».

стр. 3565

ولبعض الشعرا يمدح الملك المظفر ﵀ <من الخفيف>: هلك الكفر فى الشآم جميعا ... واستجدّ الاسلام بعد دحوضه بالمل [ي] ك المظفر [الملك] الار ... وع سيف الاسلام عند نهوظه (٣) اوجب الله شكر ذاك علينا ... دايما مثل واجبات فروضه وفى دلك لشهاب الدين ابى شامه <من الكامل>: غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركىّ يجود بنفسه بالشام بدّدهم وفرّق شملهم ... ولكل شئ آفة من جنسه وقال جمال الدين بن مصعب ﵀ <من الخفيف>: (٩) ... [إن يوم الحمراء يوم عجيب فيه ولّى جيش الطغات البغات (٩_) دار كاس المنون لما مزجنا ... عين جالوت بالدما للسقات (١٠) يا لها جمعة غدا المغل فيها ... سجّدا للسيوف لا للصلاة] (١١). ووصل الخبر الى دمشق بكسره التتار فى ليله السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم. فانهزم نلك الليله من كان بدمشق من التتار، وشحنتهم بها كان يسمى ايل ستان (١٤)، وتبعهم الناس واهل القرى والضياع يقتلون وياسرون. وكان الملك السّعيد ابن (١٥) العزيز بن العادل صاحب الصبيبه وبا نياس محبوسا بقلاع الشام، بعد موت الصالح وولده توران شاه المعظم، فاخرجوه (١٦) التتار، وصار معهم، ويدل على عورات المسلمين. وقدم [الملك السعيد] فى الجيش الدى كان مع كتبغا نوين الى دمشق، وحضر فتح قلعتها، واعادوه الى بلاده. ثم توجه مع عسكر

стр. 3566

كتبغا نوين، وقاتل المسلمين. فلما وقعت الكسره عليهم جا الى السلطان الملك المظفر متنصلا فلم يقبله، وقال (٤٥) له: «لولا الكسره كانت على التتار ما اتيت»، ثم شهد عليه جماعه من الناس انه كان يقاتل مع التتار اشد قتال، وربما قتل من المسلمين. فعند دلك امر السلطان المظفر بقتله فقتل، ثم ورد كتاب السلطان المظفر الى دمشق بالنصر والظفر يوم الاحد ثالث يوم الوقعه. وكان النصارا (٦) -لعنهم الله-لما ملكوا التتار دمشق شمخت نفوسهم، وقالوا: «هدا الدى كنا قد وعدنا به؛ ان فى اخر زمان يخرج من يعضد الملة النصرانيه وهم هولاء». وعاد كبارهم يترددون الى الشحنه المسمى ايل ستان (٨) والى كبار المغل، وحسنوا لهم دينهم، وعبروا بهم كنايسهم، وحضر من عند هلاوون فرمانات اليهم بالاعتنا بهم، وارتفاع كلمتهم، واعزاز دينهم، وايضاع الاسلام. وعادوا يشربون الخمر على رؤس (١١) الناس، وعلى ابواب المساجد. وعادت المسلمين معهم فى اشد الاحوال حتى انهم فى شهر رمضان يشربون الخمور، ويطرشون به المسلمين. وربما شربونه (١٣) فى الجامع الكبير الاموى فى شهر رمضان المعظم، ويعطلون على الناس الصلوات الخمس. فعند دلك اجتمعت اكابر دمشق من المسلمين، واتوا الى القلعه الى الشحنه ايل (١٥) ستان، ومعهم القضاه والعدول، وشكوا اليه فعل النصارا، وما الناس فيه من الشده معهم، فاهانهم، واخرق بهم، فعظم دلك على الاسلام. فلما منّ الله تعالى بفضله العميم، وانتصر الاسلام، وهربت التتار من دمشق ليله الاحد، اصبح الناس وطلبوا دور النصارا (١٨) فنهبوها، واخربوا ما استطاعوا، واخربوا كنيسه اليعاقبه، وكنيسه مريم حتى اعادوهما كومان (١٩). وقتل من النصارا

стр. 3567

جماعه. واختفوا، ولزموا بيوتم، وجرا (١) عليهم امور اشتفى (٤٦) بها صدور المسلمين. ثم نهبوا بعض اليهود، ثم كفوا عنهم، فانهم لم يجرا (٢) منهم فى حقّ الاسلام شئ يكرهونه. وفى اول هده السنه كان اخد حلب وهروب الناصر حسبما تقدم من الكلام. حكى الصارم ازبك، مملوك الاشرف صاحب حمص (٥)، قال: كان سبب اجتماعى بهلاوون انى تزاييت بزى التتار، ولبست لبسهم. وكان لهم صاريا معروفا (٦) به صندوق، وعنده رجلان موكلان به من جهه هلاوون، وكان كل من له ظلامه يكتب قصه ويحضرها الى دلك الامين، فيضعها فى الصندوق الى يوم الجمعه يجلس هلاوون، وتعرض عليه القصص، ويكشف ظلامات الناس. قال الصارم: فكتبت قصه، وانا اقول: «المملوك ازبك مملوك الملك الاشرف صاحب حمص يقبّل الارض، وينهى ويسال الحضور بين يدى القان». قال: فطلبنى. فلما حضرت بين يديه، رايت ملكا جليلا وهيبه عظيمه. وصفته انه قصير القامه، ليس له عنق يظهر، وراسه كدماغ البغل على كتفيه، وجفون عينيه على روس (١٣) خديه، كأن وجهه ترس النار تشعل من عينيه. فلما مثلت بين يديه اوقفنى من اربع (١٤) حجاب. وقال: «انت مملوك الاشرف صاحب حمص، بهادر المسلمين؟» قلت: «نعم». ثم كلمنى، فوجدنى فصيحا، قوى الجنان، فقربنى وكلمنى، وحدثنى من جانب واحد. ثم قال: «تشرب الخمر؟» قلت: «نعم». فامر لى بهناب مملوا (١٧) خمرا. فتناولته، وقبلت الارض، ورقصت،

стр. 3568

وعملت اشياء كثيره مما كانت الحرفا تعملها (١) بين يدى ملوكنا. قال: فاعجبته واعجبت الخواتين، وضحكوا وانشرحوا (٢)، وهلاوون يتبسم. ثم امرنى بالجلوس، فجلست. وعدت نديم حضرته، وانا احكى له كل نادره وعجيبه، (٤٧) وعدت اعزّ الناس عنده وعند الست طقز خاتون زوجته، واقمت عنده عشره ايام بلياليها، خمسه قبل نزوله على حصار حلب، وخمسه بعد نزوله على حلب. قال الصارم، فقال لى فى الليله الخامسه من حصار مدينه حلب: «فى كم تقول ناخد هده البلد؟» يعنى حلب. فقلت: فى عشره (٧) سنين!». فقال: «فالقلعه؟» قلت: «فى عشرين سنه!». وكان قصدى بهدا رحيله عنها. فقال-وقد غضب من قولى-: «والله لولا ما سبق من امانك كنت متّ، هدا تكون همة ملوككم المخنّثين المشتغلين ببعضهم البعض». قال [الصارم]: فاستدركت الفارط، وقلت: «صدق القان، حفظه الله، انا ما لى خبره الاّ بحروب ملوكنا، وامّا همه القان، وعلو اقتداره، فما اعلم». فلما رد عليه الحاجب، وشدت منى زوجته واسعفتنى فى الكلام، رجع عن غيظه. قال الصارم ازبك: فما فرغ معى من الكلام الا وقد دخل عليه رجل من المغل وفى يده راس مقطوعه من رؤس (١٤) التتار، صفه شاب، لا شعر فى وجهه؛ فرماها بين يديه، وتحدث معه بالمغلى، وانا لا افهم ما يقول، ثم اخد الراس، وخرج. فالتفت الىّ الحاجب وقال: «تدرى ما هده الراس، وهدا الرجل؟» قلت: «لا». قال: «هدا الرجل كبير مقدّمى التتار، وكان فى نقب من نقوب حلب، فخرج لبعض شغله، وترك ولده مكانه (١٧)، فخاشفهم الحلبيين (١٨)، وهجموا عليهم فى النقب. فهرب ولده، وهرب الدين معه لهروبه. فبلغ ابوه (١٩) دلك، فدخل النقب، وقطع راس ولده، وجاء بها الى القان، كما ترى». قال ازبك: فتحققت عند دلك انهم يملكون حلب والقلعه فى الايام اليسيره.

стр. 3569

وحكى الصارم ازبك ايضا، قال: وقفت بين يدى هلاوون، فرسم ان اجلس. فقلت: «يحفظ (٢) الله القان، كان-والله- (٤٨) ودّ الملوك ان يكونوا بين يديك نسبه هولاء المماليك الدين بين يدى القان، وانما حرمة القان عظيمه». قال: فاعجبه. وقال: «يا ازبك، تقدر تحضر استادك الأشرف؟» قلت: «نعم، حفظ الله القان». قال: فامرلى بخيل البريد. فقلت: «على شرط لا يفتح القان القلعه حتى احضره بين يديك»، ثم خرجت من ساعتى وركبت، وصحبت معى عشره اكاديش، وفى عنقى الطمغاه (٦)، ثم سقت الى غزه، ودخلت البريه، فوجدت الملوك مشتتين فى البريه عند برك زيزا، فلما راونى نزلوا الىّ واقبلوا علىّ لما كان بلغهم من محلى عند القان، فاستحييت من استاديتى، فترجلت، وعانقتهم، وقلت للاشرف: «القان طلبك»، فخاف، فقلت: «لا باس عليك، وعلىّ الضمان ان تعود الى ملكك». فقال لى الناصر: «وانا، يا صارم الدين.» قلت: «مالى معك كلام». ثم اخدت الاشرف، وعدت به فى ثلاثه ايام والرابع كنا عند هلاوون. فاحضره بين يديه، واقبل عليه. وكان الاشرف ضريف (١٢) الشمايل، تام القامه، اسمر، اكحل، ادعج، كأن يخديه تفاحتين، وفيهم (١٣) شامات متفرقه، وكان لابس قبا تترى (١٤) اخضر ببنود اطلس احمر، وخف بلغارى بشريط ذهب، ومهاميز ذهب، وقبع اطلس، وتخفيفه لا تبين رفيعه، وهو كانه قضيب بان. فلما نظرت اليه طقز خاتون زوجه هلاوون اعجبها، وضربت هلاوون على وجهه وهى تضحك. وقالت: «هكدا يكونوا (١٧) الملوك، انّ هدا شاب مليح بهادر المسلمين». قال: فنظر اليها هلاوون، ولطمها على وجهها وهو يضحك. وقال: «انما نحن الملوك الدى دلت (١٨) لنا مثل هولاء الملوك، وجعلناهم مثل العبيد بين ايدينا، مثل النسا قدامنا». قال الصارم ازبك: كل هدا والاشرف قايم يرعد كالقصبه (٤٩) هيبه وعظمه. فقال هلاوون:

стр. 3570

«يا اشرف، اتمنى (١) علىّ ايش تريد». فنظر الىّ فقلت: «اطلب البرج الدى فيه اهلكم وعيالكم واقاربكم، لعل (٢) يسمح به، وتسترهم من السبى». فقال الاشرف: «لا يكون يقتلنى». فقلت: «لا تخاف (٣)، فان قلب الخاتون كله معك، وهى الغالبة عليه». ثم كرر عليه هلاوون القول. فقبل الاشرف الارض وقال: «ينعم علىّ القان بالبرج الدى فيه حريمنا، وحريم الملوك الدين صاروا هاربين من هيبه القان». قال: فغضب هلاوون، وعبس وجهه، ولعب شاربيه (٦)، فكاد الاشرف يسقط من يدى ويد الحاجب، ونظرت الخاتون، ففهمت منه انه يستجير بها، فلطمت هلاوون وهى تضحك. وقالت: «ما تستحى، ملك مثل هدا يتمنا (٨) عليك شى يسير، وانت الدى ادنت (٩) له ومنيته، والله الم تعطيه انت اعطيته انا القلعه كلها». فقال هلاوون: «انما منعته ذلك لاجلك حتى تبقى بنات الملوك لك جوار (١٠)». فقالت: «هم جوارىّ، وقد وهبتهم (١١) لهدا البهادر». فعند دلك رسم له بالبرج. فقبل الاشرف الارض، واراد أنه ينهظ (١٢)، فلم يقدر حتى اقمناه بابطيه-وفى تلك الليله اخدت القلعه. ولم تزل الخاتون تعنى بالاشرف حتى اعاد عليه ملكه بحمص، واضاف اليه غيرها، وانعم عليه انعام كثير (١٤). قال الصارم ازبك: ولما اخد هلاوون حلب، وجهز كتبغا نوين الى ديار مصر عاد طالبا للشرق، ثم انه طلبنى وانعم علىّ انعام كثير (١٦)، وردنى الى الشام. وقال لى: «يا صارم، انت تعلم ما فعلته معك من الخير بخلاف استاديتك الدين ربّوك، وانا خايف على اولادى الدين سيرتهم الى مصر لقلّه خبرتهم بالبلاد، واريدك ترجع، وتكون

стр. 3571

معهم، وتدلّهم على المصالح، (٥٠) فانت اخبر ببلادك». وكتب معى كتبا لاولاده بان لا (٢) يخرجوا لى من خلاف. فلما رديت وجدت التتار مجتمعين على الاردن، والمسلمين (٣) قد خروجوا لملتقاهم. فلما راونى التتار اقبلوا نحوى، وترجلوا، وقبلوا عينىّ كونهما قريبتين (٤) العهد من نظر القان، ثم انى انفدت غلامى صفه انه جاسوسا من عندنا باشاره كتبغا نوين، وامرته فى الباطن ان يجتمع بالملك المظفر من جهتى، ويهوّن عليه امر التتار، ويعرفه ان يقوى الميمنه الاسلاميه، وان يكون الملتقا (٦) عند طلوع الشمس. وقلت: «عرّفهم طلبى ورنكى، وانهم ساعه يحملوا (٧) علىّ انهزمت، فان التتار يتبعونى (٨) فى الهزيمه». فكان دلك بمعونه الله . واما الملك الناصر صاحب الشام فان هلاوون سير خلفه، فمسكوه على برك زيزا، واحضروه بين يدى هلاوون-وقيل مسك بوادى موسى، ونزلوا به الى عجلون، وسلمها لهم بعد ان عجزوا عن اخدها. فتسلموها وافسدوا حالها كعادتهم. ورجع هلاوون وصحبته الامرا البحريه الدين كانوا معتقلين بحلب، وهم سكز وبرامق وسنقر الاشقر وبكمش المسعودى. ولحقوه بالملوك قبل قطعه الفراه (١٣)، وهم فى دل (١٤) وهوان. فلما مرّ الناصر وراى قلعه حلب عند بعد، بكى بكاء شديدا وانشد يقول <من الطويل>: سقا (١٦) ... حلب الشهباء فى كل بقعة سحايب غيث نوءها مثل أدمعى فتلك مرامى لا العقيق ولا اللوى ... وتلك ربوعى لازورد (١٧) ولعلى

стр. 3572

فلما قرب من حلب ورآها خراب (١) بكا اشد من الاولى، وانشد <من البسيط>: ناشدتك الله يا هطّالة السحبى ... أن لا حملت تحياتى الى حلب لا عذر للشوق أن يمشى على قدر ... ماذا عسى يبلغ المشتاق فى الكتبى (٥١) احبابنا لو درى قلبى بانكم ... تدرون ما أنا فيه لذّلى تعبى لكنّ أصعب ما ألقاه (٦) ... من ألم أنّى أموت ولا تدرى الأحبّة بى ولما تعدا (٧) حلب، وصارت على شماله، أنّ وتنهّت، وجرت دموعه، وقال <من الطويل>: سقا (٩) ... الله اكناف الشآم ومعهدا به العهد باق لا يزال مواظبا ولا برحت أرض العواصم عصمة ... من السوء تسقا (١٠) دايم الافق دايبا ايا ساكن الشهباء لا زال حبّكم ... يخالط منى اعظمى والترايبا وحزنى عليكم لا يزال مجدّدا ... وشوقى اليكم لا يزال مغالبا أروم لقاكم والقضاء يعيقنى ... فلو جاد سيّرت السحاب ركايبا وعفّرت خدّى فى الثرا (١٤) ... فرحا بكم وقلت لقلبى: قد بلغت المآربا ولما سار عنها، وبعدت عنه، انشد القصيده المشهوره له التى اولها <من الطويل>: يعزّ علينا أن نرى ربعكم يبلا (١٧) ... وكانت به آيات حسنكم تتلا لقد مرّ لى فيها افانين لذه ... ترى هل لأوقاتى بها عودة أم لا

стр. 3573

اقلّب قلبى نحوكم فى دياركم ... فأكثر فيها النوح كالناحة (١) الثكلا ايا احبابنا والله ما قلت بعدكم ... لحادثة الأيام رفقا ولا سهلا ومنها ولى أسوة مع ال بيت محمد ... فبعضهم أسرا (٤) وبعضهم قتلا وهى قصيده طويله نيف وستين بيتا اشهر من «قفا نبك (٥)»؛ فلدلك اضربت عن اثبات جملتها كون تاريخنا تاريخ اختصار لا تاريخ تحشيه واكثار. ولما وصل الملك الناصر الى هلاوون احسن اليه واقبل عليه، وانزله منزلة كبيره، وكدلك جميع من كان معه من الملوك، ثم امّر له بالشام على عادته، وان يكون فيها اسوه الملوك الدين تركوهم تحت الطاعه. واخلع عليهم بعد ان وصل الانبار، وردهم الى (٥٢) بلادهم، فلم يقطعوا غير منزلتين، وورد عليه الخبر بكسر جيشه وقتل اولاده، وما ثم (١١) على حشوده، وانهم لم ينجو منهم احد. فعند دلك امر بردهم اليه من الطريق فردوا، وضرب رقاب الجميع رحمة الله عليهم-حنقا منه، ولما ناله من عدم اولاده واحبابه وخاصه جيوشه. ولنعود (١٣) الى سياقه التاريخ بعون الله وحسن توفيقه. ولما انكسرت التتار على عين جالوت-حسبما ذكرناه-رحل السلطان الملك المظفر مويدا بالنصر والظفر، وقد احاطت به خواصه، والرمز احاطة الهاله بالقمر. ودخل دمشق فى اليوم السابع من الوقعه، وجرّد العساكر قبل دلك فى ثانى يوم من الوقعه،

стр. 3574

يقدمهم الامير ركن الدين بيبرس البندقدارى خلف المنهزمين من التتار. فلحقهم على حمص، وقتل منهم خلق عظيم بحيث لم يعود (٢) منهم الى بلادهم مخبر. قال القاضى عز الدين بن شداد فى تاريخه ان الملك المظفر قطز، لما ملك دمشق، كان عازما على التوجه الى حلب ليكشف احوالها ويزيح اعدارها (٤) من خراب التتار. فوشى اليه واش ان الامير ركن الدين البندقدارى مع جماعه من الامرا البحريه متنكرين (٦) له ومتغيرين عليه. فصرف وجهه الى ناحيه الديار المصريه، وهو ايضا مضمر لهم الشر، وربما أسرّ دلك لبعض خواصه. فبلغ دلك الامير ركن الدين البندقدارى، فخرجوا من دمشق، وكل واحد منهما محترز من صاحبه. وحكى لى والدى-﵀-عن مخدومه الامير المرحوم سيف الدين بلبان الدوادار الرومى. قال: ان يوم المصاف هربت جماعه من الامرا من خشداشيه الامير ركن الدين البندقدارى. فلما انتصر الاسلام، تأمر عليهم السلطان المظفر، (٥٣) ووبخهم، وشتمهم، وتوعدهم. فاضمروا له السوء، وحصلت الوحشه مند دلك اليوم. ولم تزل الحقايد والظغاين (١٣) تترآا فى صفحات الوجوه وغمزات العيون، وكل منهم يترقب من صاحبه الفرصه. واجتمع راى الامير ركن الدين البندقدارى مع جماعه من الامرا البحريه وهم: الامير سيف الدين بلبان الرشيدى، والامير سيف الدين بهادر المعزى، والامير بدر الدين بكتوت الجوكندار المعزى، وعلا الدين بيدغان الركنى، وسيف الدين بلبان الهارونى، والامير عز الدين انس، وجماعه اخر.

стр. 3575

(١) [قال ابن واصل فى تاريخه ان لما قبض السلطان الملك الصالح نجم الدين ايوب ﵀-على الامير علا الدين البندقدار الصالحى لأمر بدا منه احضره الى حماه، واعتقل بجامع قلعه حماه. واتفق حضور الملك الظاهر، وهو يوميد مع تاجره، وصحبته خشداش له يقال انه (٤). . . فكان الملك المنصور صاحب حماه صبى، وعادته ادا اراد يشترى مماليك، اعرضهم اولا على الصاحبه والدته. فلما بلغه وصول هذين المملوكين، احضرهما واعرضهما على الصاحبه والدته، فراتهما من داخل الستر. فقالت له: «خذ المملوك الابيض، والاسمر لا يكون بينك وبينه معامله؛ فان فى عينيه شر لايح (٨)». قال: فردهما جميعا على التاجر. فسرّ الصاحبه هدا الفعل منه. وبلغ الامير علا الدين البندقدار وهو معتقل خبرهما، وكان غير مضيق عليه، فاحضرهما وشراهما جميعا، وبقيا عنده فى الاعتقال الى ان فرج الله عنه] (١٠). ذكر قتلة الملك المظفر ﵀ وسلطنة الملك الظاهر ودلك لما وصل السلطان المرحوم الشهيد سيف الدنيا والدين قطز الى منزلة القصير، ثار قدامه ارنب، فساق عليه، وارماه، وتبعوه (١٣) الامرا المدكورين. وسبق الامير عز الدين انس الى الارنب وحصلها، فاعجب السلطان منه دلك، كون مثل هدا الامير سبق الى صيده، وترجل عن فرسه وحصله. فقال له: «اسال ما تريد يا بيك ادا دخلنا مصر». فقال: «يا خوند، الجاريه التى خدها السلطان من سبى التتار». فقال: «نعم، وعلىّ جهازها». فباس الارض، وتقدم ليقبل يد السلطان، فمسك قايم سيفه مع ايده (١٨). وكانت هده الاشاره بينهم. فبادره بكتوت الجوكندار، وضربه على عاتقه حله،
следующие страницы →